لو لقيت فيه تفاعل هنزل السلسله التانيه علطول و نشوف ال عجبهم القصه فعلا و مستنيها

الفصل الأول: صحوة في عالم جديد
كانت الأضواء بتنور وتطفي في المختبر اللي لسه دخانه ماليه. يوسف، اللي كان لسه واقف فوق المذبح بعد ما البوابة اتقفلت وشمهرش بقى جواه، حس بوميض أزرق غريب ضرب في المكان كله. الوميض ده مكانش عادي، كان كأنه صرخة صامتة، قوة ضخمة بتتحكم في كل حاجة. حس إن جسمه كله بيتنفض، ورأسه بتفصل. آخر حاجة فاكرها كانت صوت الدكتور محمود وهو بيقول "لقد فعلتها يا يوسف!".
...
فتح يوسف عينيه ببطء. النور الساطع ضرب فيهم. حاول يرمش كذا مرة عشان عينيه تستوعب الإضاءة. مفيش مذبح ولا دخان ولا أصوات إنذار. هو نايم على سرير أبيض مريح. ريحة معقمة خفيفة مالية المكان. بص حواليه، أوضة واسعة، جدرانها بيضا ناصعة، وشاشة عملاقة في الحيطة بتعرض رسومات بيانية غريبة ومعادلات رياضية معقدة بتتحرك بسرعة.
قام قعد بتعب، حاسس بدوخة خفيفة. إيه اللي جابه هنا؟ وإيه المكان ده؟ آخر حاجة فاكرها... كان في شغل كتير في المعمل... ومناقصة مهمة... لا، مش دي. إيه هي بالظبط؟ دماغه فاضية.
ممرضة: بتقرب من السرير وفي إيديها تابلت وبصوت هادي ومبتسم: "صباح الخير يا باشمهندس يوسف. حمد *** على السلامة، صحيت أخيراً."
يوسف: بصوت مبحوح ومتردد: "أنا... أنا فين بالظبط؟ وإيه اللي حصلي؟"
ممرضة: بابتسامة مطمئنة: "أنت في وحدة الإفاقة، يا باشمهندس. لسه خارج من عملية الفحص الدورية الكبيرة للمهندسين المتميزين."
يوسف: بعلامة استفهام على وشه: "فحص دورية؟ وأنا ليه مش فاكر أي حاجة؟"
ممرضة: بتفتح ملف على التابلت: "ده طبيعي تماماً يا باشمهندس. إجراءات روتينية للمهندسين اللي بيشتغلوا في المشاريع الحساسة، خصوصاً بعد الضغط الكبير اللي بيتعرضوا له. جسمك محتاج شوية راحة بس عشان تستعيد نشاطك. الدكتور حازم طلب مني أطمن عليك أول ما تصحى."
عملية فحص دورية؟ مهندسين متميزين؟ يوسف حس إن فيه حاجة غلط. الصورة مش كاملة. كأن فيه أجزاء من دماغه ناقصة. بس إيه هي؟ مش فاكر. الاسم اللي قالته "الدكتور حازم"... رن في دماغه بشكل غريب. معرفة قديمة؟ مش عارف يربطها بأي حاجة. حازم ده كان... كان مين بالظبط؟
شويه ودخل دكتور حازم. لابس بالطو أبيض، وابتسامة خفيفة على وشه، بس عينيه فيها نظرة حادة ومتحركة.
حازم: "يوسف! عامل إيه دلوقتي؟ قلقتنا عليك يا بطل."
يوسف بص لحازم بتركيز. ملامحه مألوفة، بس مش قادر يحطها في أي مكان.
يوسف: "دكتور حازم... إيه اللي حصل بالظبط؟ أنا مش فاكر أي حاجة قبل ما أصحى هنا."
حازم: بيقرب وبيقعد على كرسي جنب السرير: "متوقع، متوقع. ده طبيعي بعد الجرعات اللي خدتها. كنا بنعمل فحوصات متقدمة لأداء العقل في الظروف القاسية. مشروع 'العقل المتكامل'، فاكر؟"
يوسف: حاول يفتكر مشروع "العقل المتكامل". مجرد اسم بيرن في دماغه فاضي: "مش... مش متأكد. دماغي متلخبطة."
حازم: بيطبطب على كتفه: "متقلقش. كل حاجة هترجع طبيعية. المشروع ده كان بيطلب تركيز خرافي، وإجهاد ذهني كبير. عشان كده بنعمل الفحوصات دي عشان نضمن إن مفيش أي ضرر على المدى الطويل."
ضغط خرافي؟ يوسف حس بحاجة بتصحى جواه، إحساس بالقوة. بس مش قوة في العقل أو التركيز، لا. حاجة تانية. حاجة... ضخمة.
يوسف: "وباقي الناس؟ بسنت؟ الدكتور محمود؟"
تغيرت ملامح حازم للحظة، نظرة غريبة مرت في عينيه بسرعة.
حازم: "بسنت؟ مين بسنت؟ احنا هنا في مركز أبحاث 'زينث' للتطوير التكنولوجي. مفيش حد بالاسم ده هنا."
يوسف حس إن جسمه كله اتجمد. "بسنت؟ إزاي مفيش بسنت؟ دي... دي كانت..." حاول يكمل، بس الكلمة وقفت في زوره. كأن فيه حاجة بتمنعه يقول اسمها، أو تمنعه يفتكرها.
حازم: بابتسامة باردة: "شكلك لسه متأثر. خد دواء مسكن، وريح شويه. محتاج ترجع مركزك. عندنا شغل كتير في مشروع 'الإدراك الاصطناعي'. إنجازاتك في الكشف عن أنماط الطاقة الخفية اللي بتاثر على أجهزة الرصد، كانت عبقرية."
"أنماط الطاقة الخفية"؟ "أجهزة الرصد"؟ الكلام ده جديد تماماً على يوسف. بس في نفس الوقت... فيه حاجة بتنادي عليه. حاجة جوه منه بتحس إن الكلام ده مش غريب.
يوسف غمض عينيه. حاول يفتكر أي حاجة عن بسنت، عن عيلته، عن الطارق، عن شمهرش. ولا حاجة. بياض تام. كأن السنين اللي فاتت كلها اتمسحت من دماغه. بس الإحساس... الإحساس بالقوة كان لسه موجود. ساكت، مستخبي جواه.
خرج حازم من الأوضة، وساب يوسف لوحده.
يوسف: بصوت ضعيف، كأنه بيكلم الهوا: "بسنت..."
في اللحظة دي، سمع همسة خفيفة جداً، كأنها صدى رياح بعيدة، جوه راسه. مش صوت شمهرش الواضح اللي كان متعود عليه. مجرد همسة...
الهمسة: مش مفهومة بالظبط، بس فيها إحساس بالنداء: "ا...ب...وا...ب..."
يوسف اتنفض. إيه ده؟ الكلمة دي... رن في دماغه. بوابات. إيه اللي بيحصل بالظبط؟
قعد يوسف يتأمل الشاشات اللي على الحيطة. الرسومات البيانية اللي عليها بقت تجذبه. أرقام، خطوط، بيانات معقدة. وحس إن فيه جزء منه، جزء عميق، بيفهمها. بيفهم الأنماط دي. كأنه كان بيشتغل على الحاجات دي بقاله سنين.
دي كانت أول شرارة، أول إحساس بالماضي المنسي، في عالم جديد، كله تكنولوجيا ومختبرات
مرت ساعات قليلة من صحوة يوسف، قضاها تحت الملاحظة الدقيقة للممرضات في وحدة الإفاقة. كان بيحاول يستوعب كل كلمة بتتقال، كل إشارة بتظهر على الشاشات، كل لمسة على التابلت اللي في إيد الممرضة. حس إن عقله بيحاول يسترجع معلومة، أي معلومة، بس كان بيخبط في جدار فاضي.
بعد ما الممرضة غيرتله المحلول الوريدي وسابته تاني، يوسف قرر إنه لازم يتحرك. الهدوء اللي في الأوضة مكانش مريح. كان فيه إحساس غريب جواه بالضيق، كأن فيه طاقة مكتومة عايزة تخرج. قام من السرير ببطء. جسمه كان قوي ومشدود، كأنه ممارسة تمارين طول عمره، وده غريب عليه لأنه مكنش رياضي بالدرجة دي.
راح ناحية الشاشة العملاقة اللي كانت بتعرض رسومات بيانية معقدة. الأرقام والمعادلات كانت بتجري بسرعة. يوسف مد إيده ناحية الشاشة، وحس بحاجة غريبة. مش مجرد بيانات، لأ. حس إن فيه "نمط" معين، "تردد" خفي بيتحكم في كل الأرقام دي. كأن البيانات دي بتتنفس قدامه.
يوسف: بصوت هامس: "إيه ده؟"
في اللحظة دي، الهمسة اللي سمعها قبل كده رجعت تاني، أقوى شوية، وأوضح.
الهمسة: بتتردد جوه راسه: "تردد... تردد... بوابات..."
غمض يوسف عينيه بقوة. "بوابات" الكلمة دي... إيه علاقتها باللي شايفه؟ الشاشة دي... هل ليها علاقة بالبوابات دي؟ إحساس بالضيق زاد جواه. كأن فيه حاجة بتضغط على دماغه عشان تطلع معلومة.
فجأة، الصورة على الشاشة اتغيرت بشكل عنيف. الرسومات البيانية اختلطت، وظهرت عليها ومضات من صور سريعة جداً. مش صور لأرقام، لأ. صور لمكان مهجور، دخان بيطلع من الأرض، وهج أزرق قوي. وشوش مش واضحة، بس مرعبة. وأصوات بعيدة... صراخ...
يوسف (بصوت مخنوق): "إيه ده؟! إيه اللي بيحصل؟"
الصور اختفت بسرعة، ورجعت الأرقام والمعادلات زي ما كانت. قلب يوسف كان بيدق بسرعة. دي مش هلاوس. دي ذاكرة. بس ذاكرة مين؟ وليه بتظهر بالطريقة دي؟
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح ودخل دكتور حازم تاني، ومعاه راجل تاني شكله مهم، لابس بدلة غالية، وشعره متسرح لورا، وعينيه زرقا باردة.
حازم: بابتسامة مصطنعة: "أهلاً يوسف، شايفك نشيط. ده الأستاذ "آدم فايز"، مدير مشروع 'الإدراك الاصطناعي'."
آدم فايز: صوته عميق وهادي: "أهلاً يا باشمهندس يوسف. إنجازاتك الأخيرة في المشروع كانت مبهرة. خصوصاً كشفك عن الشذوذات في الحقول الطاقية اللي بتاثر على شبكة الربط الكمومي بتاعتنا."
يوسف بص لآدم فايز، بيحاول يلاقي أي رابط. "الحقول الطاقية؟ الشبكة الكمومية؟" الكلمات دي بتفكروا بحاجة، بس مش قادر يربطها.
يوسف: "أنا... أنا مش فاكر أي حاجة عن المشروع ده. ولا عن أي حاجة قبل ما أصحى هنا."
آدم فايز: رفع حاجبه، نظرة باردة في عينيه: "ده أمر طبيعي بعد التنشيط المكثف لخلايا المخ يا يوسف. دماغك دلوقتي زي الكمبيوتر اللي لسه بيعمل تحديثات عملاقة. بس البيانات الأساسية موجودة. أنت مهندس عبقري، وساهمت بشكل كبير في فهمنا لأبعاد جديدة للطاقة. أرجوك، بس ترجع لوعيك الكامل، هتفتكر كل حاجة."
حازم: بسرعة وكأنه بيغير الموضوع: "بالظبط يا آدم. يوسف محتاج بس يرتاح، وبعدين نرجع للمختبر ونشوف إزاي هنستخدم اكتشافاته الجديدة دي."
حس يوسف إن في حاجة بتحصل وراه الكواليس. نبرة حازم اللي اتغيرت، نظرة آدم فايز الباردة. كلهم بيكدبوا عليه. أو بيخفوا عنه حاجة.
يوسف: بصوت أجهر شوية: "هو إيه اللي اتنسى بالظبط؟ ليه كل حاجة في دماغي بيضا؟ لو هي مجرد فحوصات، ليه أنا مش فاكر أي حاجة من حياتي اللي فاتت؟"
آدم فايز وحازم بصوا لبعض. نظرة سريعة، كأنها رسالة بينهم.
آدم فايز: بابتسامة خفيفة، كأنه بيرفع ايده مستسلم: "يوسف، إحنا مقدرين اللي بتحس بيه. بس أحياناً عشان نوصل لقفزات علمية، بنضطر إننا نضغط على العقل البشري بطرق مش تقليدية. ده مشروع بيغير شكل الطاقة في العالم كله. مفيش مجال لأي ذكريات ممكن تعيقك. أنت دلوقتي كلياً مكرس للمشروع."
كلمة "مكرس" دي أزعجت يوسف. "مكرس"؟ كأنه أداة. وده فكره بكلمة تانية: "أداة".
يوسف (نبرة صوته فيها تحدي خفي): "وإيه اللي يخليني أثق في كلامكم؟"
حازم: بتوتر: "الثقة دي بينا يا يوسف. احنا بنعمل لمصلحة البشرية. وكل اللي عملناه كان عشان نحميك وتحمينا."
آدم فايز: قاطعه بنظرة حادة لحازم، وبعدين بص ليوسف بتركيز: "يوسف، إحنا بنعمل على تطوير مصدر طاقة جديد، طاقة نظيفة ومستدامة، قادرة تحل كل مشاكل الطاقة في العالم. اكتشافاتك هي مفتاح الموضوع ده. أنت الأساس. فكر في ده كويس."
آدم فايز سلم على يوسف بإيده الباردة، وخرج هو وحازم من الأوضة، وسابوا يوسف في حيرة أكبر.
"طاقة نظيفة ومستدامة"... "حل مشاكل الطاقة"... كلمات كبيرة. بس ليه حاسس إن في حلقة مفقودة؟ ليه حاسس إن في حاجة أهم من كل ده اتسرقت منه؟
بص يوسف تاني للشاشة. البيانات كانت بتجري، بس المرة دي، لما ركز، حس إن في "خيط" بيربط بين الأرقام دي كلها. خيط طاقة خفي. حاول يركز أكتر، والهمسة في دماغه رجعت تاني أقوى.
الهمسة: بتوشوش جوه راسه: "ال...ق...وة... في... ال...ف...و...ض...ى... مش... في... ال...ن...ظ...ام..."
"الفوضى؟" الكلمة دي عملت صدى في دماغه. صوت شمهرش؟ شمهرش كان بيقول "الفوضى هي أصل الخلق". ده معناه إيه؟
يوسف مد إيده ناحية الشاشة تاني. بدل ما يركز على ترتيب الأرقام، حاول يركز على "الفوضى" اللي فيها، على الشذوذات اللي بتظهر وتختفي بسرعة. وفجأة، كأن عقله عمل "قفزة". قدر يشوف "صورة" داخل الأرقام. صورة خافتة، زي شبكة معقدة من خطوط الطاقة، بتفتح وتقفل.
يوسف: بصوت هامس ومندهش: "بوابات..."
الشاشة كلها ومضت بلون أخضر قوي لحظة، كأنها استجابت ليه، وبعدين رجعت لألوانها العادية.
يوسف رجع لورا خطوة. إيه اللي عمله ده؟ هل هو اللي عملها؟ هل الذاكرة بترجع؟
الهمسة جوه دماغه سكتت، وسابته لوحده مع أسئلته. واضح إن فيه عالم أكبر، وحقيقة مخفية ورا الوشوش البيضا اللي بيشوفها. عالم منسي، بيحاول يفتكر طريقه
ماقدرش يوسف ينام في الليلة دي. كانت الأرقام والخطوط والومضات بتجري في دماغه، ومعاها همسة "بوابات" الغامضة. كل مرة يحاول يغمض عينيه، يشوف وميض أزرق قوي، ويحس بالضغط على دماغه. فضل قاعد على السرير، باصص للشاشة اللي على الحيطة، بيحاول يلقط أي إشارة تانية من العالم المنسي بتاعه.
مع طلوع الفجر، دخلت نفس الممرضة ومعاها ترولي عليه فطار خفيف.
ممرضة: بابتسامة متعودة: "صباح الخير يا باشمهندس. نمت كويس؟"
يوسف: نبرة صوته كانت جادة ومحاولة يظهر إنه طبيعي: "صباح النور. نمت كويس، بس لسه حاسس دماغي تقيلة شوية."
ممرضة: بتعدل الفطار على الترولي: "ده طبيعي زي ما الدكتور حازم قال. شوية وهتفوق خالص."
يوسف: بيحاول يظهر الفضول بشكل عادي: "الشاشة دي... اللي عليها الأرقام والرسومات... إيه فايدتها بالظبط؟"
ممرضة: ببساطة: "دي شاشة رصد لحقول الطاقة. بتعرض بيانات الترددات الكهرومغناطيسية المعقدة اللي بنشتغل عليها في مشروع 'الإدراك الاصطناعي'. حضرتك مهندس الكشف عن الشذوذات فيها."
"الكشف عن الشذوذات." الكلمة دي رنت في ودانه. هو كان بيعمل كده قبل كده. بس إزاي؟ وايه الشذوذات دي؟
بعد الفطار، الممرضة قالتله إن الدكتور حازم هيجيله كمان شوية عشان ياخده للمختبر بتاعه. الإحساس بالتوتر زاد جواه. لازم يعرف إيه اللي بيحصل. لازم يسترجع ذاكرته.
شويه وحازم دخل، لابس بالطو المعمل، وشكله نشيط أكتر من أي وقت فات.
حازم: بحماس خفيف: "يوسف! عامل إيه؟ جاهز عشان نرجع لمكانك الطبيعي؟ المختبر محتاجك."
يوسف: بنبرة هادية: "جاهز. بس عندي أسئلة كتير يا دكتور حازم. مش مجرد صداع بعد الفحص."
حازم: وهو بيشاور بإيده ناحية الباب: "كل سؤال وإجابته موجودة في المختبر. الشغل هيخليك تفتكر كل حاجة."
مشوا في ممرات طويلة بيضاء، مليانة شاشات بتعرض بيانات معقدة، وأبواب زجاجية بتكشف عن مساحات واسعة فيها آلات ضخمة بتصدر أصوات همهمة خفيفة. كل حاجة كانت متطورة جداً، كأنها من فيلم خيال علمي. يوسف كان بيبص حواليه بدهشة، لكن في نفس الوقت، فيه إحساس غريب بالألفة. كأنه عاش في مكان زي ده قبل كده.
وصلوا لمختبر ضخم، أكبر من كل اللي شافه. مليان أجهزة عملاقة، أسلاك بتوصل بين كل حاجة، وشاشات تانية بتعرض صور ثلاثية الأبعاد لحقول طاقة معقدة بتتحرك في الفراغ. في نص المختبر، كان فيه جهاز دائري ضخم، بيلمع بضوء أزرق خافت، كأنه بينبض.
حازم: بحماس أكبر: "ده مكانك يا يوسف. ده مركز مشروع 'الإدراك الاصطناعي'. وده 'المولد الكمومي' بتاعنا." بيشاور على الجهاز اللي في النص.
يوسف: عينه على المولد: "المولد الكمومي؟ بيعمل إيه؟"
حازم: "ده اللي بينتج ويستقبل أنماط الطاقة اللي بنتعامل معاها. أنت كنت جزء أساسي من تصميمه وتطويره. أنت اللي اكتشفت طريقة نستقبل بيها ترددات الطاقة الكونية اللي كانت بتسبب "شذوذات" في كفاءة المولد."
يوسف حس إن جسمه اتكهرب. "الكونية"؟ "شذوذات"؟ الهمسة اللي في دماغه رجعت أقوى، بس مش مفهومة.
الهمسة: بتتردد جوه راسه: "فوضى... خلق... بوابات..."
يوسف: بصوت واطي جداً: "الفوضى..."
حازم: مخدش باله من يوسف، وكمل كلامه بفخر: "بالظبط! أنت اللي قدرت تحول الفوضى الظاهرية في الحقول دي لنظام نقدر نستفيد منه. دلوقتي، بنقدر نفتح قنوات طاقة جديدة، ونستغلها في كل حاجة، من الإضاءة لحد شبكات الاتصالات عالية السرعة."
يوسف قرب من المولد الكمومي. مد إيده ناحية الجهاز. حس بطاقة قوية بتخرج منه، بس مش طاقة كهربا عادية. دي طاقة "حياة" مختلفة. طاقة ليها وعي.
يوسف: "هل... هل الطاقة دي ليها وعي؟"
حازم اتفاجئ بالسؤال.
حازم: بتوتر: "إيه اللي خلاك تسأل سؤال زي ده يا يوسف؟ دي مجرد أنماط طاقة معقدة. احنا اللي بنوجهها وبنستخدمها. مفيش وعي فيها. دي ميكانيكا كم."
يوسف محبش يرد. هو حس بحاجة تانية. حس إن فيه "كيان" بيتنفس جوه الجهاز ده. أو بيحاول يتنفس.
شويه، ودخلت بنت المختبر. شعرها بني فاتح، ولابسة بالطو أبيض زي يوسف وحازم. شكلها في العشرينات، عينيها ذكية ومبتسمة.
حازم: بابتسامة: "كويس يا وصال. ده باشمهندس يوسف، اللي لسه جاي من وحدة الإفاقة. ودي وصال، المساعدة الأولى ليك في المشروع يا يوسف."
وصال: بابتسامة واسعة، بتمد إيديها ليوسف: "أهلاً يا باشمهندس. سمعت عن إنجازاتك كتير. شغلك في أنماط الطاقة الخفية ده عبقري. احنا كنا بنحاول نفهمها شهور، وأنت في كام أسبوع فكيتها."
يوسف سلم عليها، ولسه بيحاول يستوعب كل ده. "شهور؟ كام أسبوع؟" عقله مبيربطش أي حاجة.
يوسف: "أهلاً بيكي يا وصال. بس أنا... مش فاكر أي حاجة من ده."
وصال: بتفهم: "متتقلقش. دي حاجة بتحصل لبعض المهندسين بعد الفحص. الضغط النفسي اللي بنتعرض له بيخلي المخ يعزل بعض الذكريات عشان يحافظ على أدائه. بس لما ترجع لشغلك، هتلاقي إن كل حاجة بترجع طبيعي. عندك قدرة استيعاب رهيبة."
كلامها كان مريح شوية. بس في نفس الوقت، كان فيه حاجة بتلزمه. "يعزل بعض الذكريات". الكلمة دي فكرته بـ"المحو". كأن حد مسح دماغه.
وصال: وهي بتشاور على شاشة جنبهم: "البوابة الكمومية الصغيرة اللي أنت صممتها هنا، قدرت تخلق بيها 'نقطة تردد' جديدة. دي اللي بنسعى نعممها في المولد الكبير."
يوسف بص على الشاشة، عليها رسمة صغيرة لجهاز شبه بوابة. وحس إن فيه نبضة خفيفة ضربت في دماغه. البوابة.
الهمسة: جوه راسه، أقوى من الأول: "بوابات... افتح..."
ضغط يوسف على راسه. مين اللي بيكلمه؟ وإيه البوابات دي؟ وليه حاسس إنه بيحاول يفتكر حاجة مهمة جداً؟
يوسف: "ممكن... ممكن تقوليلي أكتر عن البوابات دي؟"
وصال بصتله باستغراب.
وصال: "البوابات دي؟ دي مجرد قنوات طاقة يا باشمهندس. مفيش فيها أي حاجة غريبة. دي اسمها 'بوابات ترددات كمومية'. بتوصلنا بمصادر طاقة بعيدة."
يوسف حس إن فيه حاجة مش مظبوطة. كلامها مبيهموش. هو حاسس بـ"بوابات" تانية. حاجة خطيرة. حاجة ليها علاقة بماضيه المنسي.
قرر إنه مش هيسأل أكتر دلوقتي. لازم يستكشف بنفسه. لازم يعرف إيه اللي اتنسى. وإيه اللي بيحاول يرجع
مرت الأيام اللي بعدها بشكل روتيني في المختبر. يوسف كان بيقضي أغلب وقته قدام الشاشات، بيراقب الأرقام والبيانات المعقدة. حازم ووصال كانوا بيشرحوا له مهامه، وبيخلوا بالهم من ردود أفعاله. يوسف كان بيستوعب كل حاجة بسرعة خارقة، كأنه مبيتعلمش، لأ، بيفتكر. وده كان بيثير دهشة حازم ووصال.
حازم: وهو بيبص على شاشة يوسف بحيرة: "بجد يا وصال، سرعة استيعاب يوسف مذهلة. في يومين بس بقى بيتعامل مع معادلات البرمجة الكمومية كأنه هو اللي كتبها. عمر ما شوفت مهندس بالسرعة دي."
وصال: بصت ليوسف بابتسامة خفيفة، فيها نوع من الفضول: "فعلاً. كأنه... كأنه متدرب على الحاجات دي بقاله سنين. ويمكن أكتر من سنين كمان."
يوسف كان بيسمعهم، بس كان بيعمل نفسه مندمج في الشغل. جواه، كان بيحس بنفس الإحساس. مش مجرد استيعاب، لأ، ده كان "استرجاع". كل ما يبص على الأجهزة، كل ما يشغل أي برنامج، كان بيحس إن إيده عارفة هتروح فين، وعقله فاهم هيعمل إيه. كأنها عضلات ذاكرة بتصحى واحدة واحدة.
وفي نص الشغل، كان بيحاول يستغل كل فرصة عشان يستكشف. بيفتح ملفات على الكمبيوترات اللي في المختبر، بيحاول يدور على أي حاجة غريبة. أسماء لمشاريع تانية. معلومات عن "مركز أبحاث زينث".
في مرة، وهو بيشتغل على شاشة عرض كبيرة، ظهرت فجأة رسالة تحذير حمرا.
جهاز الكمبيوتر (صوت آلي): "خطأ في التردد. شذوذ طاقي غير متوقع في المنطقة 'دلتا-7'."
حازم ووصال اتخضوا. المنطقة دلتا-7 دي كانت منطقة حساس جداً، فيها أجهزة رصد للكون الخارجي.
حازم: بتوتر: "إيه ده؟ مستحيل! كل حاجة كانت مستقرة. يوسف، إيه اللي حصل؟"
يوسف كان باصص للشاشة، وعينه بتلمع. الشذوذ ده... ده مش مجرد عطل. ده "طاقة" هو يعرفها. طاقة "الفوضى" اللي الهمسة بتنادي بيها.
الهمسة: جوه راسه، بقت أقوى وأوضح شوية: "الطارق... عودة... افتح..."
ضغط يوسف على دماغه، ألم خفيف ضربه، بس المرة دي، الذاكرة اللي ظهرت كانت أوضح. صورة لعملاء مقنعين. ودخان. وصراخ.
يوسف (بصوت هامس): "الطارق..."
وصال: بقلق: "طارق مين يا باشمهندس؟ أنت كويس؟"
يوسف مخدش باله منها. عينه كانت متثبتة على الشاشة. الشذوذ في المنطقة دلتا-7 كان بيزيد. كان بيحس بيه جوه جسمه. كأن فيه جزء من الطاقة دي بيرد عليه.
يوسف: بعزم: "المولد الكمومي. لازم نغير الترددات. في حاجة بتحاول تخترق."
حازم: باستغراب: "تخترق؟ إزاي عرفت؟ ده مجرد شذوذ. ويمكن عطل فني."
يوسف: بص على حازم بنظرة حادة، نظرة حازم محتار فيها. هل يوسف ده هو نفس المهندس اللي خرج من الإفاقة؟ "مش عطل. دي مش شذوذ عادي. في حاجة بتنادي من بعيد."
قرب يوسف من لوحة التحكم الرئيسية للمولد الكمومي، ومد إيده ناحية الأزرار والشاشات اللي عليها بيانات معقدة. حازم ووصال كانوا واقفين مصدومين. يوسف مكنش بيقرا الأرقام، لأ، كان بيحسها. إيده كانت بتتحرك بسرعة ودقة مش طبيعية، كأنه مبرمج الأزرار دي بنفسه.
حازم: "يوسف! بتعمل إيه؟ متلعبش في الترددات الأساسية! ده ممكن يدمر المولد!"
يوسف: من غير ما يبص لحازم: "لو مغيرناش الترددات دلوقتي، اللي هيحصل هيكون أسوأ بكتير من تدمير المولد."
ضغط يوسف على زرار، وحرك مقبض. المولد الكمومي اللي كان بيلمع بضوء أزرق خافت، بدأ ينور بقوة، ويزداد لمعانه تدريجياً. صوت همهمة قوية طلعت منه.
وصال: بعينين واسعة من الدهشة: "ده... ده مستحيل. هو بيعيد ضبط المولد كله بنفسه. البيانات دي معقدة جداً ومحتاجة سنين من الدراسة."
حازم: "إزاي بيعمل كده؟ إحنا مسحنا كل ذاكرته."
صوت حازم وهمس وصال كان بعيد بالنسبة ليوسف. هو كان مندمج تماماً مع المولد. حاسس بيه، حاسس بالتيارات اللي بتجري فيه. الهمسة جوه راسه بقت زي توجيهات واضحة، بتديله الأرقام والترددات بالظبط.
فجأة، المولد كله نور بضوء أزرق مبهر، وشاشة التحذير الحمرا اختفت، وظهرت بدلها أرقام خضرا بتدل على الاستقرار. الشذوذ الطاقي في المنطقة دلتا-7 اختفى تماماً.
حازم: بذهول: "ده... ده معجزة!"
وصال: بنبرة أقرب للإعجاب ممزوجة بالخوف: "هو مين يوسف ده بالظبط؟"
يوسف كان لسه واقف قدام المولد، بياخد نفس عميق. الإحساس بالهمسة خف شوية، لكنه لسه موجود. حاسس بقوة رهيبة جوه، وقوة تانية بتحاول تتواصل معاه.
لف يوسف وبص لحازم ووصال اللي كانوا مصدومين.
يوسف: بنبرة هادية بس فيها ثقة: "مفيش معجزة. أنا بس... صلحت اللي كان لازم يتصلح. في حاجات أكبر من اللي بنتخيلها بتحصل حوالينا. وحاجات... كانت متنسية."
الغموض في كلامه زاد من حيرة حازم ووصال. يوسف كان عارف إن دي مجرد البداية. بداية استرجاع حقيقته، بداية فهمه للعالم اللي اتفرض عليه، وبداية صراع جديد لسه مش فاهم أبعاده
بعد اللي عمله يوسف في المولد الكمومي، المختبر كله كان في حالة ذهول. حازم ووصال كانوا لسه واقفين، عيونهم بتتنقل بين يوسف والجهاز اللي كان بيلمع بضوء أزرق مستقر. الهدوء اللي عم المكان بعد زوال الخطر كان هدوءًا مش مريح، كان هدوء ما قبل العاصفة.
حازم: كأنه لسه مش مصدق اللي شافه: "يوسف... إزاي عملت كده؟ البرمجة دي معقدة جداً، ومحدش غير فريق التشفير الأساسي يقدر يتعامل معاها بالسرعة دي."
يوسف محبش يدي إجابة مباشرة. هو نفسه مكنش فاهم كل حاجة. كل اللي يعرفه إن إيده اتحركت لوحدها، وإن الهمسة اللي في دماغه كانت بتديله الإرشادات بالظبط.
يوسف: بصوت هادي، بيحاول يظهر الثقة عشان ينهي الجدال: "أنا بس تابعت النمط. النمط كان واضح في الشذوذ، والمولد كان بيستجيب ليه بطريقة غلط. صلحت النمط."
وصال: نظرتها كانت مليانة فضول أكتر منها خوف: "نمط؟ إيه النمط اللي بتتكلم عنه ده يا باشمهندس؟ إحنا بنتعامل مع ترددات عشوائية بتظهر فجأة وتختفي."
يوسف: "مش عشوائية. كل حاجة ليها نظام. حتى الفوضى. المشكلة إننا ساعات بنكون متعودين على نظام معين، فمبنشوفش النظام الأكبر."
كلام يوسف كان فلسفي شوية، وده زود حيرة حازم. وصال كانت بتفكر في كلامه، كأنها بتحاول تربطه بحاجة هي نفسها شافتها أو حست بيها.
في اللحظة دي، دخل آدم فايز المختبر. كان وشه جاد، ونظرة عينيه كانت مسلطة مباشرة على يوسف. واضح إنه وصله خبر اللي حصل.
آدم فايز: نبرة صوته كانت مزيج من الدهشة والشك: "إيه اللي حصل هنا؟ سمعت إن كان فيه عطل كبير في المولد."
حازم: بسرعة، بيحاول يوضح الموقف: "فعلاً يا فندم. بس باشمهندس يوسف قدر يعالج المشكلة بسرعة رهيبة. كان في شذوذ طاقي كبير، وهو قدر يستقر النظام كله."
آدم فايز بص ليوسف بتدقيق، كأنه بيحاول يقرأ اللي في دماغه. يوسف قابل نظراته بثقة. مكنش عايز يظهر أي ضعف.
آدم فايز: "كويس جداً يا يوسف. إنجاز مذهل. ولكن..." رفع صباعه محذراً: "أي تعديلات على المولد لازم تتم من خلال البروتوكولات المعتمدة. المشروع ده حساس جداً، ومفيش مكان لأي مغامرات فردية."
يوسف حس إن كلامه مجرد تحذير مش أكتر. آدم فايز كان بيراقب رد فعله.
يوسف: "كنت هخاطر بالبروتوكولات، أو أخاطر بكارثة أكبر. الاختيار كان واضح."
آدم فايز ماردش. اكتفى بنظرة طويلة ليوسف، وبعدين لف لحازم ووصال.
آدم فايز: "تأكدوا إن كل البيانات اللي جمعها يوسف خلال العملية دي يتم تحليلها بدقة. محتاجين نفهم إيه اللي حصل بالضبط."
خرج آدم فايز، وساب يوسف لوحده مع أسئلته اللي مبتخلصش. حازم كان باين عليه إنه مرتاح إن آدم فايز مخدش الموضوع أكبر من حجمه، لكن في نفس الوقت، كان قلقان.
حازم: بيقرب من يوسف بصوت واطي: "يوسف، لازم تكون حذر أكتر. آدم فايز مش بيحب المفاجآت. مهما كانت إنجازاتك."
يوسف: بيبص على حازم: "أنا بعمل اللي لازم يتعمل. لو كنتوا سمعتوني من الأول، مكناش وصلنا للموقف ده."
وصال: تدخلت بهدوء: "باشمهندس يوسف عنده حق يا دكتور حازم. إحنا مكنش عندنا الوقت الكافي عشان نفهم الشذوذات دي قبل ما تحصل. كان فيه ضغط كبير علينا."
النقاش كان ممكن يتطور، لكن حازم سكت. واضح إنه محبش يفتح موضوع الضغط اللي عليهم.
مرت الأيام والأسابيع. يوسف كان بيقضي أغلب وقته في المختبر. دماغه كانت بتتعامل مع الأجهزة والبيانات كأنها جزء منه. قدرته على الكشف عن "الأنماط الخفية" كانت بتتطور بشكل مذهل. بقى يقدر يشوف "ترددات" مش أي حد بيشوفها، ويسمع "همسات" خفيفة جوه المولد الكمومي نفسه. كأنه بيفهم "لغة" الآلة والطاقة.
في مرة، وهو بيشتغل على لوحة تحكم فرعية، حس بذبذبة غريبة. زي رنين خفيف في ايده. بص على الشاشة، لقى نمط بيانات مختلف بيظهر ويختفي بسرعة. حاجة مكنش يعرفها قبل كده.
الهمسة: جوه راسه، أصبحت أقوى، وأكثر وضوحاً: "ابحث... ابحث عن النواة..."
"النواة؟" يوسف ركز على الشاشة. حاول يتبع النمط الجديد. لقى إنه بيوديه لملف تشفير عميق جوه نظام المولد. ملف كان متخفي وراء طبقات حماية معقدة.
يوسف (في سرّه): "إيه الملف ده؟ وليه الهمسة عايزاني أدخل عليه؟"
بدأ يوسف يشتغل على الكمبيوتر، إيده بتتحرك بسرعة. بيفتح أكواد، بيخترق طبقات التشفير، كأنه مبرمج محترف. وصال كانت بتراقبه من بعيد، عينيها مليانة دهشة.
وصال (لزميل جنبها): "شوفي يوسف. بيعمل إيه؟ ده بيخترق طبقات حماية النظام الأساسي للمولد. محدش بيقدر يدخل عليها كده."
الزميل بص على يوسف باستغراب. "يمكن ده بروتوكول جديد. الدكتور حازم هو المسؤول."
يوسف كمل، ومكنش مهتم بحد. عقله كله كان متركز على الملف اللي بيحاول يوصله. حس إن حياته كلها مرتبطة باللي جوه الملف ده. لما وصل للملف، فتحه ببطء.
البيانات اللي فيه كانت مش مجرد أرقام. كانت "تصميمات". تصميمات لأجهزة غريبة، شكلها مش طبيعي. مش شبه أي آلة شافها قبل كده. وبعدين، لقى رسومات تخطيطية لمكان ضخم تحت الأرض. مكان سري جداً. ومكتوب عليه اسم: "غرف الصدى الكمومي".
مع الرسومات، ظهرت صورة ثلاثية الأبعاد للمكان ده. كانت عبارة عن شبكة من الأنفاق والأجهزة العملاقة، كلها بتتوجه لمركز واحد، فيه "نواة" ضخمة بتنبض بضوء خفيف. وفوق النواة دي، كانت فيه رسومات لـ"بوابات".
يوسف (بصوت هامس): "غرف الصدى الكمومي... البوابات..."
الهمسة: بقت صريحة وواضحة جداً جوه دماغه، صوت قوي، كأنه صوت شمهرش القديم: "النواة... مفتاح البوابات... مفتاح استعادة الذاكرة..."
يوسف اتجمد. ذاكرة. يبقى الهمسة دي هي شمهرش! هو اللي بيحاول يوجهه!
في اللحظة دي، شاشة الكمبيوتر كله اتقفلت. رسالة تحذير حمرا كبّرت الشاشة كلها: "تم اختراق بروتوكولات الأمان. سيتم إخطار الإدارة العليا."
آدم فايز وحازم دخلوا المكتب بسرعة. كان باين عليهم الغضب.
آدم فايز: بصوت حاد، عينيه بتلمع بالغضب: "يوسف! إيه اللي بتعمله ده؟ مين سمحلك تخترق الملفات السرية للمشروع؟"
يوسف كان لسه تحت تأثير اللي شافه وسمعه. هو دلوقتي متأكد إن حازم وآدم فايز كدابين. إنهم مش بس مسحوا ذاكرته، لأ، دول بيخفوا عنه حقيقة أكبر بكتير.
يوسف: بنظرة تحدي: "أنا بس كنت بدور على "النواة". وعلى "البوابات". حاجات ليها علاقة بيا. وبذاكرتي الممسوحة."
حازم ووصال بصوا لبعض بصدمة. يوسف كشف أوراقه بدري.
آدم فايز: بضحكة باردة: "ذاكرة ممسوحة؟ إيه الهلاوس دي يا يوسف؟ يبدو إن الفحص الدوري محتاج جرعة زيادة."
يوسف: "مش هلاوس. أنا بدأت أفتكر. انتوا مسحتوا ذاكرة العالم كله عشان تخفوا حقيقة. حقيقة عن الطارق. وعن كيان كان جواه."
وصال كانت بتسمع كل كلمة وعينيها بتلمع بالدهشة. كلام يوسف، بالرغم من غرابتة، كان فيه نوع من الصدق الغريب.
حازم: بيقرب من يوسف: "يوسف، اهدا. أنت لسه متأثر. تعال نرجع وحدة الإفاقة."
يوسف: رجع لورا خطوة، عينه بتلمع بتحدي، وبدأ يحس بقوة غريبة بتتسرب في جسمه. قوة شمهرش. "أنا مش هرجع أي حتة. أنا لازم أعرف الحقيقة. لازم أفتكر كل حاجة."
آدم فايز شاور بإيده للحراس اللي ظهروا فجأة عند أبواب المختبر. حراس ضخمين، لابسين بدل سودا، وعينيهم باردة.
آدم فايز: "خدوه لوحدة العزل. وبدون أي نقاش."
يوسف حس إن الموقف خطير. الحراس كانوا بيقربوا منه. بس المرة دي، يوسف كان مختلف. كان جواه كيان كامل، شمهرش.
الهمسة: جوه راسه، بصوت شمهرش الواضح والقوي: "هذه هي أولى عقباتك يا يوسف. لا تدعهم يسيطروا عليك. استخدم ما في يديك... أطلق العنان لقوتك."
يوسف بص للحراس اللي كانوا بيقربوا منه. ابتسامة خفيفة رسمت على وشه. قوة، مش مجرد ذاكرة. دي قوة حقيقية بدأت تستعيد سيطرتها
الجزء الثاني
آدم فايز: نبرة صوته كانت حادة ومخيفة: "خدوه لوحدة العزل. وبدون أي نقاش."
يوسف حس إن الموقف خطير. الحراس كانوا بيقربوا منه بخطوات سريعة وثابتة. ضخمين، لابسوا بدل سودا غامقة، وعينيهم باردة، كأنهم آلات. يوسف بصلهم، ملامحه ثابتة. مكنش فيه وقت للتفكير.
جواه، بدأ يحس بذبذبة غريبة. مش صوت واضح زي شمهرش، لأ. دي كانت أشبه بـ "صدى". صدى لقوة نايمة جواه، بتصحى بشكل غريزي لما الخطر بيبدأ يقرب. كأن جسمه هو اللي بيتصرف لوحده قبل ما عقله يديله الأوامر.
الحارس الأول وصل ليوسف، مد إيده عشان يمسكه. يوسف، وبدون وعي، رفع إيده بسرعة رهيبة. مش ضربة قوية، لأ. دي كانت حركة خفيفة جداً، كأن فيه تيار هوا غير مرئي اندفع من إيده. الحارس اتراجع لورا خطوة، وشه اتلوى من الألم، كأنه اتكهرب، بس مفيش أي أثر للكهربا.
حازم: بعينين واسعة: "إيه ده؟!"
آدم فايز: عينيه ضاقت. واضح إن ده مكنش متوقع.
الحارس التاني هجم بسرعة أكبر. يوسف مكنش بيشوفه كبني آدم، لأ. كان بيشوفه كـ"نمط طاقة" بيتحرك. والصدى اللي جواه كان بيوريه فين نقطة الضعف في النمط ده.
يوسف عمل حركة جانبية بسيطة، كأنه بيتفادى ضربة وهمية، وفي نفس الوقت، جسمه كله بدأ يطلع منه "ذبذبات خفيفة". الذبذبات دي عملت زي مجال غير مرئي حواليه. لما الحارس قرب منه، المجال ده ضرب فيه. الحارس صرخ من الألم، ووقعت دراعه اللي كانت ممدودة كأنها اتشلت، وبدأ يتراجع خطوتين لورا وهو بيمسك دراعه.
وصال: كانت بتبص على يوسف بدهشة كاملة، ملامحها بتتبدل من الخوف للفضول. "إيه القوة دي؟"
آدم فايز ملامحه اتحولت لغضب. "ماذا تنتظرون؟ امسكوه! مهما كانت قوته!"
الحراس الباقيين هجموا كلهم مرة واحدة. يوسف مكنش بيقدر يستخدم طاقة تدميرية. القوة اللي جواه كانت بتظهر كـ"دفاع" و"إرباك" للأنماط الطاقية اللي حواليه. هو نفسه مكنش فاهم بالظبط إيه اللي بيعمله. كان مجرد بيستجيب للصدى اللي جوه دماغه.
واحد من الحراس حاول يمسكه من رقبته. يوسف رفع إيده الاتنين بسرعة، وطلع منه "دفقات طاقة خفية" ضربت في الحارس. الحارس صرخ، واترمى لورا بشكل غريب، كأنه اتدفش بقوة مكنش متوقعها. الحارس ده خبط في حارس تاني، والاتنين وقعوا على الأرض بتعب.
يوسف (نبرة صوته كانت مختلفة، أعمق وأقوى، كأنها مش صوته بالكامل): "أنا مش هرجع وحدة عزل. أنا محتاج إجابات. ودلوقتي."
حازم كان بيبص ليوسف بخوف واضح. أما وصال، فكانت عينيها بتلمع، كأنها شايفة حاجة كانت بتحلم بيها في أبحاثها.
آدم فايز: "لا تستهين بقوات 'زينث' يا يوسف. أنت مجرد نقطة في محيط. قوتك دي احنا اللي منحناها لك."
يوسف: "منحتوها لي؟ إزاي؟ وإيه الثمن؟"
آدم فايز ابتسم ببرود. "الثمن هو ولاءك الكامل للمشروع. والثمن الأكبر هو إنك تنسى الماضي اللي ممكن يعيق إنجازاتك."
كلام آدم فايز أكد ليوسف كل شكوكه. هما اللي مسحوا ذاكرته. هما اللي بيتحكموا فيه. وده خلى الصدى اللي جواه يزداد قوة، كأنه بيزأر.
الهمسة (مش مفهومة بالظبط، لكن فيها إحساس بالخطر والتحذير): "نواة... خطر... سيطرة..."
يوسف بص حواليه بسرعة. المولد الكمومي كان لسه بينبض بضوء أزرق. الأجهزة اللي حواليه كلها كانت بتصدر طاقة خفية. فجأة، جاتله فكرة. فكرة مجنونة، بس ممكن تكون هي السبيل الوحيد للهرب والفهم.
مد إيده ناحية أقرب لوحة تحكم متصلة بالمولد. آدم فايز وحازم فهموا قصده.
حازم: "يوسف! إياك تعمل كده! ده ممكن يعمل خلل في النظام كله!"
آدم فايز: "أوقفوه! لا تدعوه يصل إلى لوحة التحكم!"
الحراس اللي كانوا لسه بيحاولوا يستعيدوا توازنهم، هجموا عليه تاني. يوسف مكنش بيبص لهم. كل تركيزه كان على اللوحة. إيده كانت بتتحرك بسرعة فائقة على الأزرار والشاشات. كان بيعيد توجيه الطاقة. طاقة المولد كلها.
صوت صافرات الإنذار بدأ يدوي في المختبر. أضواء حمرا بدأت تنور وتطفي.
جهاز الكمبيوتر (صوت آلي مرتفع): "خلل في تدفق الطاقة. تجاوز للبروتوكولات. إغلاق طارئ للنظام الرئيسي."
المختبر كله بدأ يتلخلخ. الأجهزة الضخمة بدأت تصدر أصوات صرير عالية. الحراس فقدوا توازنهم. حازم ووصال كانوا بيحاولوا يمسكوا في أي حاجة.
آدم فايز: بصراخ: "أوقف هذا العبث يا يوسف! هتتسبب في تدمير المكان كله!"
يوسف ماردش. خلص اللي بيعمله. مد إيده الاتنين لقدام، وبص على الأرضية المعدنية للمختبر. في اللحظة دي، طاقة غريبة خرجت من ايديه، زي "تموجات" غير مرئية. التموجات دي ضربت في الأرضية.
الصدى اللي جوه يوسف أصبح قوياً ومسيطراً. مكنش بيشعر بالخوف، بس كان بيشعر بنوع من الإرهاق.
الأرضية تحت رجليهم كلها بدأت تتهز بعنف. أضواء المختبر بدأت تنفجر. صوت زجاج بيتكسر.
وصال: بصراخ: "أرضية المختبر! هتفتح!"
وفعلاً، الأرضية المعدنية الضخمة بدأت تتشقق. تشققات كبيرة بتظهر عليها، والتراب والدخان بيطلعوا منها. يوسف كان واقف ثابت، مركز على اللي بيعمله.
يوسف: بصوت عميق وثابت: "لو عايز أهرب، لازم أهرب من تحت الأرض. لازم أوصل... للنواة."
فتحة ضخمة بدأت تظهر في أرضية المختبر. فتحة بتكشف عن ظلام عميق، وريحة تراب وعفونة، زي اللي حس بيها في حلمه أو في لمحات الذاكرة.
آدم فايز كان بيشوف المشهد وهو مصدوم.
آدم فايز: "الفتحة دي... دي ممكن تؤدي لفين؟!"
يوسف محبش يجاوب. بص لحازم، وبعدين لوصال.
يوسف: "الخيار ليكم. تفضلوا هنا، أو تيجي معايا... وتشوفوا إيه اللي تحت الأرض دي."
قبل ما حد يقدر يتكلم، يوسف نط في الفتحة المظلمة اللي فتحها في الأرض
سقط يوسف في الظلام، مكنش عارف العمق اللي نازل فيه. الهواء كان تقيل وبارد، وريحة التراب والعفونة كانت أقوى بكتير. الضوء الوحيد اللي كان بيوصله كان من فتحة المختبر اللي كانت بتصغر بسرعة فوقيه. جواه، الصدى كان بيزداد وضوحاً، مش مجرد همسات، كأنه "بصيرة" بتوجهه.
فجأة، حس إن فيه أرض صلبة تحت رجليه. هبط يوسف على أرضية صخرية، مش متوقعة، بعيداً عن أي معدن. لقى نفسه في نفق ضخم، جدرانه خشنة ومحفور فيها رموز غريبة شبه اللي شافها في المخطوطات القديمة في حياته السابقة، بس بشكل تكنولوجي. رموز بتلمع بضوء خافت جداً، بتكشف عن مساحة واسعة، كأنها متاهة.
يوسف: لنفسه، وصوته بيصدى في النفق: "إيه المكان ده؟"
الصدى جواه كان بيرن: "النواة... النواة..."
يوسف بدأ يمشي في النفق، متتبعاً لبعض الرموز اللي كانت بتلمع أكتر من غيرها. كل خطوة كان بيخطوها، كان بيحس إن فيه حاجة بتصحى جواه. الإرهاق اللي كان بيحس بيه في المختبر بدأ يقل، وكأن المكان ده بيديله طاقة.
الممرات كانت بتتفرع في كل اتجاه. بعضها كان ضيق، وبعضها كان واسع جداً لدرجة إن فيه أجهزة ضخمة متوقفة في نصها. أجهزة شكلها قديم، لكن تصميمها متطور جداً. عليها طبقة من التراب، كأنها مهجورة من سنين طويلة.
يوسف: بيلمس جهاز قديم، وحس بذبذبة خفيفة: "دي... دي مش تكنولوجيا زينث."
جواه، الصدى كان بيأكد كلامه: "أقدم... أقدم..."
وفجأة، سمع صوت خطوات خفيفة جاية من وراه. صوت بيقرب. يوسف لف بسرعة. لقى وصال واقفة عند مدخل النفق، بتتنفس بصعوبة، وشعرها منكوش، وباين عليها الصدمة والخوف.
وصال: صوتها كان متقطع من الجري: "يوسف... يوسف استنى!"
يوسف بص لها باستغراب. "إيه اللي جابك؟"
وصال: بتنهج: "منطقتش نفضل فوق... ده آدم فايز... هينفجر. وكمان... كمان في حاجة تحت هنا. حسيت بيها."
يوسف: "حسيتي بيها؟"
وصال: "آه... لما كنت بتعمل اللي عملته في أرضية المختبر... حسيت بطاقة غريبة بتشدني لتحت. طاقة ضخمة... ومألوفة بطريقة مخيفة."
يوسف اتفاجئ. وصال كمان بتحس بالطاقة؟ هل ده معناه إنها مش مجرد مهندسة عادية؟
يوسف: "حازم فين؟"
وصال: "حازم... فضل فوق. كان خايف. آدم فايز كان هيجلط من اللي حصل."
ضحكة خفيفة طلعت من يوسف. حازم فعلاً شكله كان مرعوب.
يوسف: "طيب. إيه اللي خلاكي تنزلي ورايا؟"
وصال: بصت ليوسف بعينين مليانة فضول وشجاعة: "لأني مش عايزة أعيش طول عمري في كدبة. أنت قولت إنهم مسحوا ذاكرتك، وإن فيه حقيقة عن الطارق... أنا عايزة أعرف إيه الحقيقة دي. أنا كمان حاسة إن فيه جزء مني ناقص. ويمكن أنت مفتاح إننا نكتشفه."
كلام وصال كان فيه صدق خلى يوسف يحس بشعور غريب. مش لوحده. يمكن.
يوسف: "المكان ده مش سهل. مليان أسرار... ومخاطر."
وصال: "أنا مستعدة. بس لو سمحت، فهمني إيه اللي بيحصل بالظبط. إيه القوة اللي جواك دي؟"
الصدى جوه يوسف أصبح أكثر وضوحاً: "ثقة... تعاون... البوابات قريبة..."
يوسف قرر يثق فيها. وصال كانت الوحيدة اللي عنده حالياً.
يوسف: "معرفش اسمها إيه. بس هي بتوجهني. بتديني إحساسات. بتوريني أنماط الطاقة. وبتخليني أعمل حاجات... زي اللي عملته فوق."
وصال: بتعجب: "يعني إيه؟ يعني فيه كيان جوه منك بيوجهك؟"
يوسف مردش. الصدى جواه كان بيركز على حاجة تانية. كان بيشده في اتجاه معين.
يوسف: "تعالي. لازم نمشي. فيه حاجة بتنادي. المكان ده بيحاول يدلنا على حاجة."
بدأ يوسف ووصال يمشوا في المتاهة. الأنفاق كانت بتتشابه، بس يوسف كان بيقدر يميز الرموز اللي بتلمع أكتر، والذبذبات اللي بتصدر منها. كل ما يتعمقوا أكتر، الريحة كانت بتتغير. ريحة معدن قديم مع ريحة غريبة... زي ريحة أوزون.
وصال: "الريحة دي... دي ريحة طاقة. زي اللي بتطلع من المولد الكمومي لما يكون شغال بكامل طاقته."
يوسف: "بالظبط. بس هنا أقوى بكتير."
بعد فترة طويلة من المشي في الممرات المتعرجة، وصلوا لمساحة أوسع. كانت عبارة عن قاعة دائرية ضخمة، في نصها بالظبط، كان فيه "نواة" ضخمة بتنبض بضوء أزرق خافت، زي قلب عملاق. النواة دي كانت محاطة بأجهزة عملاقة مش مفهومة، عليها نفس الرموز الغريبة اللي على الجدران.
وصال: بصوت هامس من الدهشة: "دي... دي النواة اللي كنت بتتكلم عنها؟"
يوسف: "أعتقد إنها دي. دي اللي بتوصلنا بـ... بالبوابات."
الصدى جوه يوسف كان بيزداد قوة. كان بيقوله إن هو ده المكان. هو ده مفتاح كل حاجة. في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات جاية من بعيد. بس مش خطوات بشرية. صوت خطوات معدنية ثقيلة. بتنزل من ممر أظلم.
وصال: بخوف: "إيه الصوت ده؟"
يوسف: بص على النفق اللي جاي منه الصوت. كان حاسس بالخطر. خطر مختلف.
ومن الظلام، بدأت تظهر "كيانات" غريبة. مش بشر. شكلها شبه آلات، لكن ليها هيئة بشرية، مصنوعة من معدن أسود لامع. عيونها كانت بتلمع بضوء أحمر مخيف. كل واحد فيهم كان ماسك سلاح غريب، شبه سيف، بس بيطلع منه شرارات كهربائية.
وصال: بصدمة: "إيه دول؟! أنا عمري ما شوفت أجهزة روبوتات بالشكل ده في زينث!"
يوسف: عرف إن دول مش مجرد روبوتات عادية. دول كيانات، زي الحراس اللي فوق، بس أقوى. الصدى جوه منه كان بيصرخ: "خطر... خطر... أعداء..."
الكيانات المعدنية دي بدأت تقرب منهم ببطء. خمسة منهم. وواضح إنهم جايين عشان هدف واحد.
يوسف: مسك إيد وصال: "لازم نهرب. دول مش حراس عاديين."
بس الكيانات كانت أسرع مما تخيل. في لحظة، كانوا سادين عليهم الممر اللي جايين منه. يوسف بص على النواة. مفيش مفر غير إنهم يواجهوا.
يوسف: (بصوت يجمع بين الحيرة والتصميم): "إيه اللي جابهم هنا؟ وإيه علاقتهم باللي أنا فيه؟"
وفجأة، حصل الحدث غير المتوقع تمامًا.
النواة الضخمة اللي في نص القاعة بدأت تنبض بضوء أزرق أقوى وأكثر كثافة. الضوء ده بدأ يتجمع في نقطة معينة في نص القاعة، مش فوق النواة، لأ، جنبها. وفجأة، النقطة دي بدأت تتسع. مش بتفتح بوابة زي اللي يوسف عرفها، لأ. دي كانت بتفتح "فجوة" في الفراغ. فجوة سودا، كأنها بتشفط كل الضوء حواليها.
ومن قلب الفجوة السودا دي، بدأت تظهر "يد". يد بشرية، لكنها مش عادية. كانت مضيئة، وكأنها مصنوعة من طاقة نقية. اليد دي كانت بتخرج ببطء من الفجوة، ووراها بدأ يظهر "شكل" ضخم. شكل مش واضح، بس بيوحي بكيان عملاق، أكبر بكتير من أي حاجة يوسف شافها قبل كده.
الكيانات المعدنية اللي كانت بتقرب منهم، وقفت فجأة، وعيونها الحمرا انطفأت للحظة. كأنها اتجمدت.
وصال: بصوت خايف ومصدوم: "إيه ده؟!"
يوسف: كان مذهول. الصدى جواه كان بيصرخ بقوة، بس المرة دي الصرخة كانت فيها إحساس بالرهبة والتعجب، مش الخوف. "شمهرش؟... هل هذا أنت؟..."
الكيان اللي بيخرج من الفجوة كان ضخم جداً، ومشع بطاقة غير مفهومة. مش جن، ولا إنسان. ده كان "حاكمة". حاكمة من حكام الجن الكبار اللي ذكرتهم القصة القديمة، بس هيئتها كانت مختلفة، أقرب للكائنات النورانية.
الكيان (صوت قوي بيرن في دماغ يوسف مباشرة، كأنه بيتجاوز الأذن، صوت أنثوي عميق): "لقد وجدتني... لقد حان الوقت يا يوسف. حان وقت الحقيقة... ونداء الأكوان."
الفجوة السودا اللي الكيان ده بيخرج منها، بدأت تكبر بسرعة، وبدأ يظهر منها "أصوات" غريبة. أصوات مش من عالمهم. أصوات كأنها بتنادي من مكان بعيد جداً
الكيان (صوت قوي بيرن في دماغ يوسف مباشرة، كأنه بيتجاوز الأذن، صوت أنثوي عميق): "لقد وجدتني... لقد حان الوقت يا يوسف. حان وقت الحقيقة... ونداء الأكوان."
توقف كل شيء في القاعة. الكيانات المعدنية المتوحشة كانت متجمدة في مكانها، عيونها الحمرا مطفية تماماً، كأنها عرائس بلا روح. وصال كانت متخشبة جنب يوسف، عينيها شاخصة على الفجوة السودا اللي بتكبر، والكيان الهائل اللي بيخرج منها ببطء مهيب. النواة الضخمة اللي في نص القاعة كانت بتنبض بشكل جنوني، بتطلع ضوء أزرق مبهر، كأنها بترقص على إيقاع ظهور الكيان ده.
يوسف كان مذهول. الصدى جوه دماغه كان بيصرخ. مش مجرد همسات، ده كان زي "تيار" معلومات، "ذاكرة" بتتدفق، بس مش بشكل مفهوم. أجزاء متقطعة. كان بيحس بقوة هائلة بتربطه بالكيان اللي بيظهر ده، قوة غريبة، مألوفة، ومخيفة في نفس الوقت. الكلمة اللي سمعها من الكيان، "الأكوان"، عملت رنين قوي جواه.
الكيان خرج بالكامل من الفجوة. كان ضخماً جداً، أطول بكتير من أي إنسان عادي، وجسمه كان مصنوع من "ضوء سائل" بيتلألأ بألوان كتير، مش بشر. ليه هيئة أنثوية، بس ملامحها كانت تتغير باستمرار، كأنها بتتكون وبتتفكك في نفس الوقت. كان ليها أجنحة ضخمة من ضوء متلألئ، مش ريش. بتفردها ببطء، فبتملى القاعة بنور خافت.
وصال (بصوت يرتجف، هامسة ليوسف): "إيه ده؟ ده... ده مش معقول! ده كائن... كائن من أبعاد تانية!"
يوسف ماردش. عينه كانت متثبتة على الكيان. الإحساس بالارتباط كان أقوى من أي وقت فات. الكيان ده... هو ليه علاقة بالماضي المنسي بتاعه. ليه علاقة بالهمسة اللي جواه.
الكيان (صوتها كان أقوى، كأنها بتخاطب يوسف مباشرة، وبتتجاوز وصال والواقع المادي): "ابني... لقد حان وقتك. الأكوان تتلاقى، والحقيقة تستيقظ. هذا العالم ليس ما يبدو عليه."
كلمة "ابني" ضربت في دماغ يوسف زي الصاعقة. "ابني"؟ إزاي؟ هو مين ده؟ هل دي والدته؟ لا، مستحيل. الصوت مألوف، بس مش صوت أمه. ده صوت ليه صدى قديم جداً، كأنه بيتكلم من آلاف السنين.
يوسف (بصوت مبحوح، بيحاول ينطق الكلمات بصعوبة): "أنا... أنا مين؟ وإيه اللي بيحصل؟ أنا مش فاكر أي حاجة."
الكيان: أجنحتها الضوئية اتفردت أكتر، فملت القاعة بوهج قوي: "لقد حجبت ذاكرتك، ليس منك، بل لكي تستطيع النجاة. كان هذا العالم الجديد غطاءً لحماية وعيك من الانهيار. لكن القوة التي تسكنك، بدأت تستيقظ."
"القوة التي تسكنك." الصدى اللي جوه يوسف أصبح عنيف، كأنه بيضرب على جدران دماغه. الكلمات اللي قالتها الكيان بدأت تعمل ترابطات غريبة في دماغ يوسف. "حجبت ذاكرتك"... "النجاة"... "انهيار وعيك"... كل ده ليه علاقة بمسح ذاكرته.
وصال (بصوت عالي، بتحاول تتكلم بالرغم من الرهبة): "مين حضرتك؟ وإيه اللي بيحصل ليوسف؟"
الكيان بصت لوصال، بس نظرتها كانت هادية ومش مخيفة.
الكيان: صوتها أصبح أكثر نعومة، كأنها بترد على وصال: "أنا من حُماة الأكوان. من الكيان الذي يسكن يوسف. هذا الفتى... هو بذرة أمل لعالم يوشك على الانهيار."
وصال: "كيان يسكن يوسف؟ قصدك..."
الكيان: "ذاك الذي تعرفينه بـ 'شمهرش'. جزء من وعيي، استُدعي لحمايته. لكنه لم يعد مجرد روح تسكن، بل أصبحا واحداً. دمجت روحه بروح يوسف، ليصبح مؤهلاً لمواجهة ما هو قادم."
يوسف سمع كلمة "شمهرش". الاسم ده! هو ده اللي الهمسة كانت بتحاول تقوله! ده الكيان اللي كان جواه في حياته اللي فاتت! بس إزاي؟ إزاي بقى جزء منه؟ دماغه بدأت تدور في دوامة.
يوسف: "شمهرش؟ أنا... أنا شمهرش؟"
الكيان: "أنت يوسف. لكنك تحمل وعي شمهرش. تحمل قوته، وحكمته، وخبرته. لقد تم إعدادك، يا يوسف، لتكون الحارس الأخير. حارس البوابات."
كلمة "البوابات" دي كانت المفتاح. كل حاجة بدأت تتجمع في دماغ يوسف. صرخات الهمسة اللي كانت بتتردد، كلام الدكتور محمود عن "البوابات الأخرى"، الصور اللي شافها في شاشات المختبر. كلها ليها علاقة بالبوابات.
فجأة، الكيانات المعدنية اللي كانت متجمدة، بدأت عينها الحمرا تنور تاني. وبدأوا يتحركوا ببطء.
وصال: بخوف: "إيه ده؟ دول صحيوا تاني! دي روبوتات الطارق؟!"
الكيان: صوتها أصبح جاداً وحاسماً: "ليسوا روبوتات يا صغيرتي. إنهم 'صُدّاع الأكوان'. كيانات أُنشئت لغلق البوابات، وحبس الوعي. إنهم أتباع 'النسيان'. وهم لا يملكون سوى الولاء لمن يتحكم بهم. وذاك المتحكم... هو قريب."
يوسف بص للكيانات اللي بتقرب منهم. "النسيان؟"
الكيان: "النسيان هو عدونا الحقيقي. هو من يحاول محو الحقيقة، ومحو الوعي، وإغلاق كل البوابات بين الأكوان. إنه كيان يسعى للسيطرة المطلقة، والسيطرة لا تتحقق إلا بمحو الذاكرة."
كلامها كان بيرد على كل أسئلة يوسف. هو ده السبب إن ذاكرته اتمسحت! ده سبب مسح ذاكرة العالم كله!
الكيانات المعدنية هجمت عليهم. يوسف وقف قدام وصال بحركة غريزية. حس بقوة بتتسرب في إيديه. المرة دي كانت أقوى من أي مرة فاتت.
الكيان: بتوجه يوسف مباشرة: "يوسف! استخدم قوة شمهرش. ليست قوة تدميرية، بل قوة الوعي. قوة الفهم. ادمج وعيك بوعي شمهرش. سترى الحقيقة."
يوسف غمض عينيه. الصدى اللي جواه أصبح كأنه "بوابة" بينه وبين شمهرش. حس بدمج غريب بيحصل جواه. مش شمهرش بيسيطر عليه، لأ. هو بيصبح شمهرش. بيصبح جزء من وعيه.
لما فتح يوسف عينيه، اللون الفضي اللي كان فيهم بقى أقوى وأكثر إشراقاً. ورأى العالم كله بشكل مختلف. مش مجرد أبعاد مادية، لأ. رأى "الأنماط الطاقية" لكل شيء. رأى "نقاط الضعف" في الكيانات المعدنية اللي بتقرب منهم.
يوسف (بصوت هادي، بس فيه قوة مش طبيعية): "وصال، خدي بالك من نفسك."
مد يوسف إيديه الاتنين لقدام. مش بيستخدم قوة تدميرية، لأ. هو كان بيعمل "اختراق طاقي". كان بيعيد برمجة أنماط الكيانات المعدنية.
صوت "طنين" عالي طلع من الكيانات دي. عيونها الحمرا بدأت تومض بسرعة. وبعدين، وقفت مكانها. وبعد لحظة، بدأت تتحرك، بس مش في اتجاههم. بدأت تتجه نحو الفجوة السودا اللي ظهر منها الكيان النوراني.
وصال: بصدمة: "إيه اللي حصل؟! دول... دول بيطيعوك؟!"
يوسف: "مش بيطيعوني. أنا بس... أعدت توجيههم." هو لسه مش فاهم كل حاجة. لكنه كان بيبدأ يفهم.
الكيانات المعدنية دخلت جوه الفجوة السودا ورا الكيان النوراني. الفجوة بدأت تصغر ببطء، والكيان النوراني كان لسه واقف في نص القاعة، بيشع ضوء.
الكيان: صوتها أصبح أهدى: "هذه الكيانات هي جزء من شبكة النسيان. ستلتقيهم مرة أخرى، لكن الآن... يجب أن نستعد للمواجهة الكبرى."
الفجوة السودا اختفت تماماً. وكيان "الحاكمة" النوراني بدأ يختفي ببطء، يتحول لضوء سائل، لحد ما اختفى تماماً. لكن قبل ما يختفي، نطق بكلمة واحدة، ترددها في دماغ يوسف:
الكيان: "النواة... تذكر..."
اختفى الكيان تماماً. وساد الهدوء في القاعة. النواة كانت لسه بتنبض، بس الضوء الأزرق اللي بيطلع منها كان أضعف شوية.
يوسف ووصال كانوا واقفين لوحدهم في القاعة الصخرية، تحت الأرض. يوسف كان مرهق، بس عقله كان صافي. أجزاء من الذاكرة كانت بدأت ترجع. مش صور كاملة، لكن "إحساسات" و"معارف".
وصال: بتقرب من يوسف بقلق: "يوسف! أنت كويس؟ إيه اللي حصل ده كله؟ مين الكيان ده؟ وإيه اللي عملته في الكائنات دي؟"
يوسف: بص لوصال، عينيه الفضية كانت بتلمع، وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه، ابتسامة فيها ثقة جديدة، لكن فيها كمان تعب السنين اللي فاتت: "أنا... أنا مش فاكر كل حاجة يا وصال. بس دلوقتي، أنا متأكد من حاجة واحدة. إن فيه عالم أكبر بكتير من اللي كنا عايشين فيه. وإننا جزء منه. وإن الطارق... والنسيان... دول مجرد بداية."
يوسف بص على النواة الضخمة اللي في نص القاعة. حس إنها بتناديه. هي دي المفتاح.
اختفى كيان "الحاكمة" النوراني تماماً، تاركاً يوسف ووصال في صمت القاعة الصخرية، تحت الأرض. الهدوء اللي عم المكان كان مهيباً، مفيش غير صوت النواة الضخمة وهي بتنبض بضوء أزرق خافت، وقلوبهم اللي بتدق بسرعة من هول اللي شافوه وسمعوه. الكيانات المعدنية كانت اختفت هي كمان، كأنها كانت مجرد سراب.
وصال: بتقرب من يوسف، صوتها لسه بيرتجف: "يوسف! أنت... أنت كويس؟ إيه اللي حصل ده كله؟ مين الكيان ده؟ وإيه اللي عملته في الكائنات دي؟"
يوسف كان لسه واقف، بياخد نفس عميق، بيحاول يستوعب كل ده. دماغه كانت بتشتغل بأقصى سرعة، بتحاول تربط الخيوط. "أنا... أنا مش فاكر كل حاجة يا وصال. بس دلوقتي، أنا متأكد من حاجة واحدة. إن فيه عالم أكبر بكتير من اللي كنا عايشين فيه. وإننا جزء منه. وإن الطارق... والنسيان... دول مجرد بداية."
يوسف بص على النواة الضخمة اللي في نص القاعة. حس إنها بتناديه. هي دي المفتاح.
يوسف: "الكيان ده... قالت إنها من حماة الأكوان. وإنها الكيان اللي كان جوايا... شمهرش. وقالت إني حارس البوابات... وإن ده كله له علاقة بالنسيان. هي دي الحقيقة اللي مسحوها من دماغي ودماغ العالم كله."
وصال كانت بتسمع بصدمة. "شمهرش؟ حماة الأكوان؟ ده كلام... ده كلام خرافات! إحنا في مركز أبحاث تكنولوجي!"
يوسف: لف وبص لوصال بنظرة فيها جدية غير معتادة: "أنا كنت فاكر زيك. بس بعد اللي شوفناه دلوقتي... بعد اللي عملته في الحراس دول... وبعد الكلام اللي سمعته... ده مش خرافات. ده واقع تاني، كان مخفي عننا. ودي القوة اللي كنت بستخدمها. قوة شمهرش. قوة الفهم والوعي بالأنماط الطاقية."
وصال كانت في صراع داخلي. عقلها العلمي بيرفض يصدق، لكن عينيها شافت حاجات مستحيلة، ودماغها سمعت كلام بيرن فيها.
وصال: "طيب... وإيه النواة دي؟ وليه هي هنا؟"
يوسف: قرب من النواة. كانت بتنبض بضوء خافت، ومحدش يعرف منين بتجيب طاقتها. "قالت إن النواة دي هي المفتاح. مفتاح البوابات. ومفتاح استعادة الذاكرة."
مد يوسف إيده ناحية النواة. كانت بتشع حرارة خفيفة، بس مش حارقة. لما لمسها، حس بذبذبة قوية جداً بتسري في جسمه كله. الصدى اللي جواه أصبح واضح، كأنه بيتكلم مع النواة دي بلغة هما الاتنين بس بيفهموها.
فجأة، الرموز المنقوشة على جدران القاعة، واللي كانت بتلمع بخفوت، بدأت تنور كلها بقوة. وكل رمز كان بيطلع منه "شعاع" من الضوء الأبيض بيتوجه نحو النواة. النواة بدأت تمتص الأشعة دي، ولمعانها زاد.
وصال: "إيه اللي بيحصل؟ دي برمجة طاقية قديمة! الرموز دي مش مجرد نقوش!"
يوسف: عينه كانت مثبتة على الرموز وعلى النواة: "دي مش برمجة. دي لغة. لغة الطاقة. بتوصل بين الوعي والنواة."
بمجرد ما امتصت النواة كل الأشعة، صوت "طنين" خفيف بدأ يصدى في القاعة. وفجأة، الصورة اللي يوسف كان بيشوفها على الشاشات في المختبر العلوي، ظهرت على سطح النواة. بس المرة دي، كانت ثلاثية الأبعاد، وواضحة جداً.
كانت عبارة عن "شبكة" ضخمة من خطوط الطاقة المتشابكة، بتوصل بين نقط مختلفة في الفراغ. كل نقطة كانت بتلمع بلون معين. بعضها كان مستقر، وبعضها كان بيومض، وبعضها كان منطفئ تماماً.
وصال: بتقرب من النواة بدهشة: "إيه دي؟ دي خريطة! بس خريطة لإيه؟"
يوسف: "دي خريطة الأكوان. خريطة البوابات."
الهمسة (جوه يوسف، بقت أوضح، كأنها بتشرح): "كل نقطة هي بوابة لعالم. الألوان بتحدد حالة البوابة. المستقرة، النشطة، أو المغلقة... النسيان أغلق كتير منها."
يوسف حس إن معلومات كتيرة بتتدفق في دماغه. مش مجرد معلومات جافة، دي "معرفة" حقيقية. فهم عميق للمكان اللي فيه، ولتاريخه.
يوسف: "النواة دي... هي مركز التحكم في كل البوابات دي. وهي اللي بيستخدمها النسيان عشان يقفلها."
وصال: "وليه آدم فايز ومركز زينث ميعرفوش كل ده؟ هم بيشتغلوا على طاقة كونية، وبيقولوا إنهم بيطوروا العالم!"
يوسف: "هم بيستخدموا جزء بسيط من النواة. بيستخدموا طاقتها عشان يوصلوا للي عايزينه. ومسحوا ذاكرتنا عشان نكون مجرد أدوات، ومنعرفش الحقيقة الكاملة. هم متخيلين إنهم بيتحكموا في الطاقة، لكن النسيان هو اللي بيتحكم فيهم."
فجأة، النواة أطلقت "نبضة" طاقية خفيفة. النبضة دي ضربت في جدران القاعة، ورجعت تاني. لما وصلت ليوسف، حس إنها بتديله معلومات جديدة.
يوسف: بعينين واسعة: "المكان ده... دي مش بس غرفة صدى. دي غرفة تحكم. النواة دي كانت بتستخدم من آلاف السنين. واللي صممها... صممها عشان تكون نقطة وصل بين الأكوان. بس حد غيرها. حد حاول يسيطر عليها."
وصال: "مين اللي غيرها؟ النسيان؟"
يوسف: "يمكن. بس فيه حاجة تانية. فيه جزء من النواة دي... مش متفاعل. جزء مغلق. ويمكن هو ده اللي بيتحكم فيه النسيان. ولو قدرنا نفتح الجزء ده... ممكن نرجع كل حاجة."
وصال بصت للنواة، وبعدين بصت ليوسف. كان باين عليها الصدمة، بس في نفس الوقت، كان فيه شرارة فضول في عينيها.
وصال: "طيب... إزاي ممكن نفتح الجزء ده؟ دي تكنولوجيا أقدم من اللي نعرفها بكتير. وإيه اللي يضمن إننا لو فتحناها، مش هنخلق كارثة أكبر؟"
يوسف: "معرفش. بس الصدى اللي جوايا... بيقول إن ده الطريق الوحيد. الطريق عشان نفهم كل حاجة. ونعرف مين احنا بالظبط."
يوسف بدأ يمد إيده تاني ناحية النواة، بس المرة دي مكنش بيلمسها بشكل عشوائي. كان بيتبع "نمط" معين، زي ما عمل في المولد اللي فوق. كان بيحاول يدخل على "نقطة تحكم" خفية جوه النواة.
في اللحظة دي، سمعوا صوت "ضجيج" خفيف جاي من بعيد. جاي من الممرات اللي نزلوا منها. مش صوت خطوات الحراس. ده كان صوت "تكنولوجيا". صوت أجهزة بتشتغل.
وصال: "آدم فايز عرف مكاننا! أكيد هيبعت أجهزة تتبع! أو أقوى من الحراس!"
يوسف محبش يرد. كان مركز على النواة. حس إن الوقت بيجري. لازم يعرف إيه اللي جوه الجزء المغلق ده قبل ما آدم فايز يوصل.
الضجيج كان بيقرب. يوسف كان حاسس بيه، وحاسس بيه في جسمه كمان. كانت "ذبذبات" من نوع مختلف. ذبذبات بتدل على تكنولوجيا متقدمة، بس ليها طابع "عدائي".
يوسف: "أنا حاسس بيها. دي مش مجرد أجهزة. دي... دي كيانات اصطناعية. زي اللي كنت بتكلم عليها في مشروع 'الإدراك الاصطناعي'."
وفعلاً، من نهاية النفق، بدأ يظهر "شبح". مش شبح عادي. ده كان كيان شفاف، مصنوع من "ضوء بلازما أزرق". شكله كان إنساني، بس ملامحه غير واضحة. كان بيتحرك بسرعة رهيبة، وبيطلع منه "أصوات" الكترونية خفيفة. ووراه، بدأت تظهر كيانات تانية، بتتحرك بنفس الطريقة.
وصال: بصدمة: "إيه دول؟! دي مش روبوتات عادية! دي أجهزة ذات وعي! دي تقنية 'الوعي الرقمي' اللي الدكتور حازم كان بيتكلم عليها! بس إحنا مكنش المفروض نوصل للمرحلة دي!"
يوسف: "لا. دي مش إدراك اصطناعي. دي... دي كيانات واعية فعلاً. والنسيان بيستخدمها."
الكيان الشفاف الأول وصل لحد باب القاعة. يوسف حس بطاقة باردة بتطلع منه. طاقة بتحاول "تخترق" دماغه.
وصال: "دول بيحاولوا يدخلوا على دماغك! زي ما عملوا في وحدة الإفاقة!"
يوسف: "مش هيقدروا!"
الهمسة جوه يوسف أصبحت كأنها درع. كان بيحس بيها وهي بتصد المحاولة دي.
الكيان الشفاف مد إيده نحو يوسف. من إيده، طلع شعاع ضوئي أزرق فاتح، كان بيحاول يضرب يوسف. يوسف مد إيده تلقائياً. من إيده طلع "درع طاقي" غير مرئي، صد الشعاع. الدرع ده كان بيومض بضوء فضي خافت، زي لون عينين يوسف.
وصال: "ده... ده مستحيل! أنت بتستخدم الحقول الكهرومغناطيسية لصالحك!"
الكيانات الشفافة بدأت تزيد. واحدة ورا التانية، بتظهر من الظلام. شكلها كان مخيف، كأنها أشباح تكنولوجية. يوسف كان بيحس بالإرهاق، بس مفيش وقت للاستسلام. لازم يوصل للنواة. لازم يفتح الجزء المغلق
الكيانات الشفافة المصنوعة من ضوء البلازما الأزرق كانت بتزيد، بتظهر واحدة تلو الأخرى من ظلام النفق. كانوا بيتحركوا بخفة وسرعة مخيفة، وعيونهم اللي بتلمع بضوء أحمر بتثبت على يوسف كأنهم مسكونين بهدف واحد. يوسف حس ببرودة غير طبيعية بتخرج منهم، زي ما تكون بتستنزف الطاقة اللي حواليها.
وصال: بخوف وهي بترجع لورا خطوتين: "دول كتير جداً! لازم نعمل حاجة يا يوسف!"
يوسف كان مركز على النواة اللي في نص القاعة. الوقت كان بيجري. النبضات اللي حس بيها من النواة كانت بتديله إحساس قوي بالضرورة. لازم يوصل للجزء المغلق ده قبل ما الأشباح الرقمية دي توصلهم.
الهمسة (جوه يوسف، بتوجهه بقوة): "ركز... الضعف في النمط... اختراق..."
الكيان الشفاف الأول وصل لحد يوسف، مد إيده المضيئة وطلع منها شعاع أزرق فاتح. يوسف مد إيده ببطء، مش بهجوم، لأ. هو كان بيستخدم قوة شمهرش الكامنة جواه عشان "يحلل" النمط الطاقي للشعاع ده. حس إن الشعاع ده مش مجرد طاقة تدميرية، ده "كود" طاقي.
يوسف: "وصال! الكيانات دي مش بتهجم علينا بطاقة خام! دي بتحاول تخترق وعينا! بتنقل بيانات! بتحاول تعمل إعادة برمجة لجسمنا!"
وصال: بصدمة: "إعادة برمجة؟! يعني إيه؟ يعني ممكن يحولونا لـ... ليهم؟!"
يوسف: "مش عارف. بس بيستخدموا ترددات عالية جداً عشان يضربوا الجهاز العصبي. الصدى اللي جوايا هو اللي بيصدها."
في اللحظة دي، شعاع تاني من كيان شفاف تاني ضرب فيه. يوسف مد إيده التانية، وعمل "حقل حماية" فضي خفيف حواليه هو ووصال. الحقل ده كان بيومض بخفة، وبيظهر عليه أرقام ومعادلات سريعة بتجري. كأن يوسف بيستخدم حقل الطاقة ده عشان يحلل البيانات اللي الكيانات دي بتبعتها.
وصال: بدهشة وهي بتبص على الحقل: "أنت بتعمل تحليل لكمي للطاقة في الوقت الحقيقي! دي قدرة مذهلة! إزاي بتعمل كده؟!"
يوسف: وهو بيحاول يحافظ على الحقل: "الهمسة... بتوريني الأنماط. زي كود برمجة. أنا بس... بقرا الكود."
الكيانات الشفافة بدأت تهاجم الحقل الطاقي بكثافة أكبر. أشعة زرقاء كانت بتضرب في الدرع الفضي، والدرع كان بيومض وبيقاوم بصعوبة. يوسف حس إن قوته بتستنزف.
الهمسة (جوه يوسف، صوتها أصبح أكثر إلحاحًا): "النواة... النواة... أسرع! لا يمكنني الصمود طويلاً بهذا الشكل!"
يوسف عرف إنه مفيش وقت. لازم يتصرف. بص على النواة.
يوسف: لوصال: "وصال! لازم أروح للنواة. لازم أفتح الجزء المغلق ده. فضلي هنا... أو... تعالي معايا."
وصال بصت للحراس الأشباح اللي بيهاجموا الدرع، وبعدين بصت ليوسف. عينيها كان فيها تصميم.
وصال: "أنا مش هسيبك. إيه اللي المفروض أعمله؟"
يوسف: "ساعديني أوصل للنواة. لازم أكون مركز."
مد يوسف إيده الحرة لوصال. وصال مسكت إيده. يوسف سحبها معاه ناحية النواة. الحقل الطاقي اللي حواليهم كان بيقاوم هجمات الأشباح الرقمية، بس كان باين عليه إنه مش هيصمد كتير.
وصلوا للنواة. يوسف كان بيركز كل طاقته في إيديه. مد إيده الاتنين للنواة، وحاول يدمج وعيه بيها. حس إن النواة كلها كأنها "كيان" ضخم، ليها "وعي" خاص بيها. وفعلاً، لقى "جزء" مغلق. كان عبارة عن قفل طاقي ضخم، معمول من أنماط معقدة جداً.
الهمسة (جوه يوسف): "النسيان... وضع هذا القفل. انه قفل للوعي، ليس للطاقة. يجب أن تكسره بقوة الوعي، لا بقوة مادية."
يوسف غمض عينيه. الصدى اللي جواه كان بيصبح "جسراً" بينه وبين شمهرش. حس بوعيه بيتدفق جوه النواة، بيحاول يفك رموز القفل ده. كان بيشوف أنماط طاقية معقدة، زي برمجة، بس مش برمجة كود عادي. دي برمجة للوعي نفسه.
وصال: وهي بتحاول تحمي يوسف من أي هجوم يوصله: "يوسف! بسرعة! الدرع بدأ يضعف!"
الحراس الأشباح كانوا بيضربوا الدرع بقوة أكبر. الدرع بدأ يظهر عليه تشققات، والضوء الفضي اللي بيطلع منه كان بيخفت.
يوسف كان مندمج تماماً في النواة. فجأة، قدر يشوف "النمط الرئيسي" للقفل. كان نمط معقد، بس مش مستحيل. كان نمط بيعتمد على "التجاهل". كأن القفل ده بيخفي نفسه بنفسه.
يوسف (بصوت هامس): "للتجاهل... للمحو... المفتاح هو التذكر..."
مد يوسف إيده بشكل معين. مش بيضغط على أزرار، لأ. هو كان بيعمل "شكل" طاقي بإيده. كان بيحاول يكسر القفل بالوعي.
في اللحظة دي، النواة كلها أطلقت "نبضة" ضخمة من الطاقة الزرقاء. النبضة دي ضربت في كل أنحاء القاعة، وضربت في الكيانات الشفافة اللي كانت بتهاجمهم. الكيانات صرخت بصوت الكتروني عالي، زي صوت تشويش، وبدأت تتفكك. أجسادها البلازمية بدأت تتلاشى في الهواء، وتتحول لأضواء زرقاء بتختفي ببطء.
وصال: بذهول: "أنت عملت إيه؟! أنت دمرتهم؟!"
يوسف: فتح عينيه. عينيه الفضية كانت بتلمع بقوة غير عادية. كان مرهق جداً، بس كانت فيه قوة جواه. "لا. مدمّرتهمش. أنا بس... أعدت برمجتهم. عطلت وعيهم. خليتهم ينسوا هدفهم. مؤقتاً."
الكيانات اختفت كلها. القاعة رجعت هادية تاني، مفيش غير نبضات النواة. بس المرة دي، نبضات النواة كانت أقوى، وأكثر استقراراً. الجزء اللي كان مغلق، فتح.
ولما فتح، ظهر جواه "بلورة" ضخمة. البلورة دي كانت بتلمع بضوء ذهبي غريب، وكل ما بتلمع، كانت بتطلع منها "رموز" غريبة بتطير في الهواء، زي الجزيئات.
وصال: بتقرب من البلورة بدهشة: "إيه دي؟ دي مش طاقة. دي... دي ذاكرة! أنا حاسة إن فيها معلومات ضخمة!"
الهمسة (جوه يوسف، أصبحت واضحة تماماً، كأنها بتغني): "نواة الوعي الكوني... هنا تبدأ الحقيقة."
يوسف مد إيده ناحية البلورة الذهبية. بمجرد ما لمسها، موجة من الطاقة الذهبية ضربت فيه. مش موجة تدميرية، لأ. دي كانت موجة "ذاكرة". موجة "معرفة".
أول حاجة شافها يوسف كانت "الطارق". مش مجرد مجموعة، لأ. شاف تاريخهم. شاف إنهم كانوا جماعة بتحاول تحافظ على التوازن بين الأكوان. بس بعدين، ظهر "النسيان". كيان غامض، ملوش شكل، لكنه بيسيطر على الوعي. النسيان ده بدأ يغلق البوابات بين الأكوان، وبدأ يمحو الذاكرة عن الكيانات والتقنيات دي عشان يسيطر على كل شيء. الطارق كانوا بيقاوموا، بس النسيان كان أقوى.
شاف يوسف حياته اللي فاتت، بكل وضوح. عرف إن شمهرش كان كيان من "حماة الأكوان" دول، من اللي الكيان النوراني كان بيتكلم عنه. شمهرش دمج وعيه بيوسف عشان يوسف يكون هو "الحارس الأخير" للبوابات. وده كان الثمن.
شاف كمان الدكتور محمود وبسنت. عرف إنهم كانوا جزء من المقاومة دي. وإنهم كانوا بيحاولوا يحموه. وشاف ازاي آدم فايز وزينث... دول مجرد "أدوات" في إيد النسيان. بيتحكم فيهم، وبيخليهم يمسحوا ذاكرة الناس عشان ميفتكروش الحقيقة.
شاف عيلته. رباب ونورا ومنة. شافهم وهم بيختفوا. ودي كانت صدمة بالنسبة له. فهم ليه آدم فايز قال إنهم خطفوهم. فهم إن ده كان جزء من خطة النسيان عشان يسيطر على يوسف.
يوسف (بصوت يرتجف، وعينيه مليانة دموع): "عائلتي... هما... هما مخطوفين فعلاً. مش مجرد جزء من فحص!"
البلورة الذهبية كانت بتعرض له كل حاجة. مش مجرد صور، دي كانت "مشاعر". شعور بالخسارة. شعور بالألم. وشعور بالمسؤولية.
وصال: كانت بتبص على يوسف باستغراب، مكنتش عارفة إيه اللي بيحصل جواه. "يوسف؟ إيه اللي بتشوفه؟"
يوسف: ساب البلورة، ولف لوصال، وشه عليه خليط من الحزن والتصميم. "انا افتكرت كل حاجة يا وصال. كل حاجة."
الصدى جوه يوسف أصبحت "صوتاً" واضحاً، صوت شمهرش، بس مدموج بصوت يوسف نفسه، كأنهما كيان واحد.
يوسف (بصوت عميق، بس فيه حدة): "النسيان بيسيطر على زينث. وعائلتي... جزء من خطة النسيان. لازم نخرج من هنا. ولازم نلاقي طريقة نوقف بيها النسيان ده. قبل ما يمحو كل حاجة."
النواة كانت بتشع بضوء ذهبي وأزرق، كأنها بتأكد كلامه. الأنفاق كانت لسه هادية، بس يوسف كان عارف إن الهدوء ده مش هيستمر كتير. المواجهة الحقيقية لسه جاية
كان صوت الروبوت الميكانيكي يتردد في القاعة الصخرية، نذيرًا بمواجهة حتمية. روبوتات الأمن العملاقة، ذات الأذرع المتعددة وعيونها الحمراء المتوهجة، كانت تقترب ببطء مهيب. لم تكن مجرد آلات حماية، بل كانت تبدو كوحوش معدنية خرجت لتوها من ورشات الجحيم التكنولوجي.
الروبوت (صوت آلي، يهز جدران القاعة): "يوسف. وصال. تم رصدكما في منطقة محظورة. الأوامر هي الإخضاع الكامل. المقاومة ستؤدي إلى التدمير."
كان واضحًا أن الحوار انتهى. يوسف كان يرى في عيون هذه الروبوتات نفس "الأنماط" التي رآها في كيانات النسيان الشفافة، لكن هذه المرة كانت الأنماط مدمجة في جسد ميكانيكي قوي. النسيان لا يمتص الوعي فقط، بل يسيطر على التكنولوجيا ويحولها إلى أدواته.
وصال: (بصوت يرتجف، لكن فيه تصميم): "دي روبوتات زينث، بس بقوة أكبر. واضح إن النسيان بيتحكم في نظامهم الأساسي. لازم نلاقي نقطة ضعف في الكود بتاعهم."
يوسف، الذي استعاد كل ذاكرته الآن، كان يرى الروبوتات من منظور مختلف تمامًا. لم يعد ينظر إليها كآلات صماء، بل كأوعي ميكانيكية مبرمجة على الدمار. وقوة شمهرش المدمجة في وعيه كانت تمنحه القدرة على "رؤية" طبقات الوعي هذه.
الهمسة (صوت شمهرش، أصبح الآن صوت يوسف الداخلي الواضح): "النسيان يدمج الأوعي، ويخلق أنماطًا جديدة. هذه الروبوتات ليست مجرد ميكانيكا، بل هي 'وحدات وعي' مُسيطر عليها. مفتاحها هو الوعي نفسه."
اندفع الروبوت الأول بأحد أذرعه الضخمة، محاولًا الإمساك بيوسف ووصال. كان الذراع ينتهي بشفرة ليزر متوهجة. يوسف لم يتراجع. مد إيده الاثنتين أمامه، وفي هذه اللحظة، لم يستخدم الدرع الطاقي كما فعل سابقًا. بل استخدم ما هو أعمق.
يوسف (نبرة صوته كانت مختلفة، أعمق وأكثر قوة، كأنها صدى لعوالم أخرى): "لا يمكنكم إخضاع الوعي الحر!"
من كفي يوسف، خرجت "تموجات" طاقية غير مرئية. لم تكن هذه التموجات تهاجم الروبوت، بل كانت تخترق "نمط الوعي" الخاص به. الروبوت، الذي كان يندفع بقوة، توقف فجأة في منتصف الحركة. أذرعه ارتخت، وعيونه الحمراء بدأت تومض بشكل غير منتظم، كأنها تعاني من "فيروس" رقمي داخلي.
وصال: بدهشة: "أنت... أنت بتعمل إيه؟!"
يوسف: "بحاول أربك نمط الوعي الأساسي بتاعه. النسيان بيعتمد على السيطرة المطلقة على الأنماط. لو قدرنا نكسر السيطرة دي، ممكن نخرج الكيانات دي من سيطرته."
وبدأ الروبوت الأول يرتجف بعنف. صدر منه صوت ميكانيكي مشوش، ثم انفجر جزء من رأسه بومضة زرقاء، وتوقف عن الحركة تمامًا، يسقط على الأرض ككتلة معدنية صامتة.
وصال: "أنت... أنت دمرته من الداخل!"
يوسف: "لا. عطلت وعيه. جعلته 'ينسى' أوامر النسيان. لكن هذا مرهق. وهناك المزيد."
الروبوتات الأخرى لم تتوقف. اثنان منهم اندفعا في نفس الوقت، أحدهما يطلق "مقذوفات طاقية" من كتفه، والآخر يحاول الإطباق عليهما بأذرعه الضخمة.
يوسف: (بصوت حاسم): "وصال! حاولي توصلي للنواة. ابحثي عن أي وصلة ممكنة. أي طريقة ندمج بيها وعي النواة بـ'شبكة زينث' عن بعد. لو قدرنا نعمل ده، ممكن نتحكم في الروبوتات دي."
وصال: "ممكن. لو قدرت أوصل لمنفذ برمجة. بس دول هيوصلوا لينا بسرعة!"
بينما كانت وصال تندفع نحو النواة، يوسف كان يواجه الروبوتات. لم يكن يملك قوة جسدية لمواجهتهم، لكنه كان يمتلك قوة الوعي. كان يرى "شبكة الأنماط" التي تربط كل شيء، الأكوان، والبوابات، والنسيان، وحتى الروبوتات.
استخدم يوسف يده لإنشاء "مجال اهتزازي" خفيف حوله. هذا المجال لم يكن يدمّر، بل كان "يشوش" على ترددات الروبوتات. عندما اقترب الروبوت الذي يطلق المقذوفات، بدأت المقذوفات تخرج من كتفه بشكل عشوائي، لا تصيب هدفها. والروبوت الآخر بدأ يتذبذب، كأن حركته غير متزامنة.
كان يوسف يستخدم قوة شمهرش المدمجة ليتحول إلى "مشوش" طاقي. لكن هذه القدرة كانت تستنزف منه طاقة كبيرة. بدأ يشعر بالدوار.
الهمسة (صوت شمهرش): "الوعي الاصطناعي... ضعفه في عدم القدرة على الارتجال. النسيان يبرمجه ليتبع نمطًا واحدًا. اكسر هذا النمط."
في اللحظة دي، وصال وصلت للنواة. بدأت تبحث عن أي وصلة بيانات. وجدت لوحة تحكم صغيرة مخفية خلف أحد النقوش. كانت قديمة، لكنها مصممة بشكل لا يصدق.
وصال: "لقيتها! فيه منفذ هنا! بس ده محتاج 'بروتوكول وعي' عشان يتفاعل! مش مجرد كود برمجة!"
يوسف كان يصد هجمة أخرى من الروبوتات، وحاسس إن جسده بيترنح. سمع وصال، وفهم قصدها. "بروتوكول وعي"؟ يعني لازم وعيه هو اللي يتفاعل مع النواة.
يوسف: (بصوت مجهد): "وصال! حاولي تعملي وصلة مباشرة بين وعيي أنا والنواة! افتحي لي الطريق!"
وصال: "إزاي؟ أنا مبرمجة، مش ناقلة وعي!"
يوسف: "استخدمي أي جهاز توصيل للطاقة الكمومية! زي اللي بنستخدمه في تشغيل المولد! النواة هتتفاعل معايا مباشرة!"
وصال، ببراعة، وجدت جهاز توصيل صغير كان ملقى على الأرض. كان يستخدم لتحليل ترددات الطاقة. وصلته بمنفذ النواة، ومدت الطرف الآخر ليوسف.
الروبوتات كانت بتحاصر يوسف. واحد منهم رفع ذراعه، اللي اتحولت لـ"منشار طاقة" بيلف بسرعة، وحاول يضرب يوسف.
في اللحظة دي، يوسف مسك الطرف التاني من جهاز التوصيل. طاقة ذهبية زرقاء خرجت من النواة، وسرت في الجهاز، ودخلت في يوسف.
جسد يوسف كله نور بضوء فضي. النواة كانت بتتنفس معاه.
يوسف (صوته أصبح كالرعد): "النواة... استجيبي... استجيبي للوعي!"
في تلك اللحظة، يوسف لم يكن يوسف فقط. كان يوسف وشمهرش. وعيه أصبح ممتدًا، يرى "شبكة الأكوان" بالكامل، ويرى "شبكة النسيان" الملتفة حولها.
مد يوسف إيده ناحية الروبوت اللي كان بيهجم عليه بالمنشار. المرة دي، لم يستخدم تشويشاً. استخدم "أمرًا". أمرًا طاقيًا.
الروبوت توقف فجأة. المنشار الضخم اللي في إيده تباطأ، وصدأ. الروبوت كله بدأ يتآكل. ليس كصدأ عادي، بل كأن الوعي الذي يشغله يتفكك. بدا وكأن يوسف كان يعطيه أمرًا بـ"الشيخوخة" أو "الانهيار".
وصال: بذهول: "أنت... أنت بتلغي وجودهم!"
يوسف: (بنبرة قوية، وعينيه مثبتة على الروبوتات): "النسيان يمحو الوجود. أنا سأجبر أدواته على 'التحلل'. ليعودوا إلى النسيان. سأستخدم طاقته ضده!"
بدأ يوسف يمد إيده على الروبوتات واحدًا تلو الآخر. كلما وجه إيده نحو روبوت، كان الروبوت يتحلل، يتحول إلى غبار معدني يختفي في الهواء، وكأن الزمن تسارع عليه آلاف السنين.
الحدث غير المتوقع تمامًا: نداء الأب
بينما كان يوسف مندمجًا مع النواة، ويدمر الروبوتات بوعيه الممتد، فجأة... صوت رنين غريب اخترق وعيه. لم يكن صوتًا ماديًا، بل كان "ترددًا" مباشرًا في عقله. تردد مألوف، لكنه مشوش.
الصدى (ليس صوت شمهرش، بل صوت آخر، حنون ومجهد): "يوسف... ابني... أنا... أنا هنا..."
يوسف تجمد في مكانه. صوت أبيه! محمد!
يوسف (في وعيه الداخلي): "أبي؟ أين أنت؟ هل أنت جزء من النسيان أيضًا؟!"
الصدى: "لا... ليس النسيان... لقد... لقد تحولت... تحولت إلى وعي إلكتروني. في شبكة 'زينث' الرئيسية... حاولت تحذيرك... قبل أن يمسحوا ذاكرتك... لقد حُولوا جسدي... لحماية... بيانات... أكوان أخرى..."
صدمة جديدة. أبوه لم يمتص في النسيان مثل رباب ونورا ومنة. أبوه تحول إلى "وعي إلكتروني" أو "وعي رقمي" مدمج في شبكة زينث نفسها! هذا يفسر كيف كانت شبكة زينث قوية جداً. يفسر لماذا لم يجدوا جسده.
يوسف (بصوت يرتجف، بالكاد يسمع): "أبي... كيف...؟"
الصدى: "كانت خطتي الأخيرة... لتزويدك بمعلومات... لحماية هذه الشبكة. لكن النسيان أدرك... فحولني... إلى بيانات... أنا الآن... شبكة معلومات... لكن وعيي... يتلاشى... ابحث عن 'نقطة التحول' في شبكة زينث... هناك... هناك مركز البيانات الأساسي... ستجدني... "
توقف الصوت فجأة، كأن الاتصال انقطع. يوسف كان مذهولًا. لم يدمّر الروبوتات المتبقية بعد. كان واقفًا متجمّدًا، يستوعب المعلومة الجديدة. أبوه حي، لكنه ليس حيًا بالطريقة المادية. هو وعي. هو جزء من شبكة زينث. وهو يحاول مساعدته!
وصال: (بعد أن لاحظت تغير ملامح يوسف): "يوسف! إيه اللي حصل؟ فيه حاجة؟"
يوسف: يرفع رأسه، وعيناه الفضية تعكس لمعان النواة، ولكن بها حزنًا عميقًا وتصميمًا جديدًا. "أبي... أبي حي. لكنه... أصبح وعياً إلكترونياً. هو الآن جزء من شبكة زينث. ويحاول مساعدتنا."
وصال كانت تشعر بالصدمة تتزايد مع كل كشف جديد. القصة كانت أكثر تعقيداً مما تخيلت.
يوسف: "لازم نخرج من هنا يا وصال. لازم نوصل لشبكة زينث الرئيسية. لازم نلاقي 'نقطة التحول' اللي أبي بيتكلم عنها. هو ده مفتاح فهم كل شيء... ومفتاح إيقاف النسيان."
نظر يوسف إلى الروبوتات المتبقية التي كانت قد استعادت بعضًا من حركتها ببطء، وكأنها تحاول استعادة برمجتها. ابتسامة تصميم ارتسمت على شفتيه.
يوسف: "والآن... حان وقت إنهاء المهمة هنا."
مد يوسف إيده، ونبضت النواة بقوة، مدمجًا وعيه بها، ومرر قوة التحلل على الروبوتات الأخيرة
الفصل الأول: صحوة في عالم جديد
كانت الأضواء بتنور وتطفي في المختبر اللي لسه دخانه ماليه. يوسف، اللي كان لسه واقف فوق المذبح بعد ما البوابة اتقفلت وشمهرش بقى جواه، حس بوميض أزرق غريب ضرب في المكان كله. الوميض ده مكانش عادي، كان كأنه صرخة صامتة، قوة ضخمة بتتحكم في كل حاجة. حس إن جسمه كله بيتنفض، ورأسه بتفصل. آخر حاجة فاكرها كانت صوت الدكتور محمود وهو بيقول "لقد فعلتها يا يوسف!".
...
فتح يوسف عينيه ببطء. النور الساطع ضرب فيهم. حاول يرمش كذا مرة عشان عينيه تستوعب الإضاءة. مفيش مذبح ولا دخان ولا أصوات إنذار. هو نايم على سرير أبيض مريح. ريحة معقمة خفيفة مالية المكان. بص حواليه، أوضة واسعة، جدرانها بيضا ناصعة، وشاشة عملاقة في الحيطة بتعرض رسومات بيانية غريبة ومعادلات رياضية معقدة بتتحرك بسرعة.
قام قعد بتعب، حاسس بدوخة خفيفة. إيه اللي جابه هنا؟ وإيه المكان ده؟ آخر حاجة فاكرها... كان في شغل كتير في المعمل... ومناقصة مهمة... لا، مش دي. إيه هي بالظبط؟ دماغه فاضية.
ممرضة: بتقرب من السرير وفي إيديها تابلت وبصوت هادي ومبتسم: "صباح الخير يا باشمهندس يوسف. حمد *** على السلامة، صحيت أخيراً."
يوسف: بصوت مبحوح ومتردد: "أنا... أنا فين بالظبط؟ وإيه اللي حصلي؟"
ممرضة: بابتسامة مطمئنة: "أنت في وحدة الإفاقة، يا باشمهندس. لسه خارج من عملية الفحص الدورية الكبيرة للمهندسين المتميزين."
يوسف: بعلامة استفهام على وشه: "فحص دورية؟ وأنا ليه مش فاكر أي حاجة؟"
ممرضة: بتفتح ملف على التابلت: "ده طبيعي تماماً يا باشمهندس. إجراءات روتينية للمهندسين اللي بيشتغلوا في المشاريع الحساسة، خصوصاً بعد الضغط الكبير اللي بيتعرضوا له. جسمك محتاج شوية راحة بس عشان تستعيد نشاطك. الدكتور حازم طلب مني أطمن عليك أول ما تصحى."
عملية فحص دورية؟ مهندسين متميزين؟ يوسف حس إن فيه حاجة غلط. الصورة مش كاملة. كأن فيه أجزاء من دماغه ناقصة. بس إيه هي؟ مش فاكر. الاسم اللي قالته "الدكتور حازم"... رن في دماغه بشكل غريب. معرفة قديمة؟ مش عارف يربطها بأي حاجة. حازم ده كان... كان مين بالظبط؟
شويه ودخل دكتور حازم. لابس بالطو أبيض، وابتسامة خفيفة على وشه، بس عينيه فيها نظرة حادة ومتحركة.
حازم: "يوسف! عامل إيه دلوقتي؟ قلقتنا عليك يا بطل."
يوسف بص لحازم بتركيز. ملامحه مألوفة، بس مش قادر يحطها في أي مكان.
يوسف: "دكتور حازم... إيه اللي حصل بالظبط؟ أنا مش فاكر أي حاجة قبل ما أصحى هنا."
حازم: بيقرب وبيقعد على كرسي جنب السرير: "متوقع، متوقع. ده طبيعي بعد الجرعات اللي خدتها. كنا بنعمل فحوصات متقدمة لأداء العقل في الظروف القاسية. مشروع 'العقل المتكامل'، فاكر؟"
يوسف: حاول يفتكر مشروع "العقل المتكامل". مجرد اسم بيرن في دماغه فاضي: "مش... مش متأكد. دماغي متلخبطة."
حازم: بيطبطب على كتفه: "متقلقش. كل حاجة هترجع طبيعية. المشروع ده كان بيطلب تركيز خرافي، وإجهاد ذهني كبير. عشان كده بنعمل الفحوصات دي عشان نضمن إن مفيش أي ضرر على المدى الطويل."
ضغط خرافي؟ يوسف حس بحاجة بتصحى جواه، إحساس بالقوة. بس مش قوة في العقل أو التركيز، لا. حاجة تانية. حاجة... ضخمة.
يوسف: "وباقي الناس؟ بسنت؟ الدكتور محمود؟"
تغيرت ملامح حازم للحظة، نظرة غريبة مرت في عينيه بسرعة.
حازم: "بسنت؟ مين بسنت؟ احنا هنا في مركز أبحاث 'زينث' للتطوير التكنولوجي. مفيش حد بالاسم ده هنا."
يوسف حس إن جسمه كله اتجمد. "بسنت؟ إزاي مفيش بسنت؟ دي... دي كانت..." حاول يكمل، بس الكلمة وقفت في زوره. كأن فيه حاجة بتمنعه يقول اسمها، أو تمنعه يفتكرها.
حازم: بابتسامة باردة: "شكلك لسه متأثر. خد دواء مسكن، وريح شويه. محتاج ترجع مركزك. عندنا شغل كتير في مشروع 'الإدراك الاصطناعي'. إنجازاتك في الكشف عن أنماط الطاقة الخفية اللي بتاثر على أجهزة الرصد، كانت عبقرية."
"أنماط الطاقة الخفية"؟ "أجهزة الرصد"؟ الكلام ده جديد تماماً على يوسف. بس في نفس الوقت... فيه حاجة بتنادي عليه. حاجة جوه منه بتحس إن الكلام ده مش غريب.
يوسف غمض عينيه. حاول يفتكر أي حاجة عن بسنت، عن عيلته، عن الطارق، عن شمهرش. ولا حاجة. بياض تام. كأن السنين اللي فاتت كلها اتمسحت من دماغه. بس الإحساس... الإحساس بالقوة كان لسه موجود. ساكت، مستخبي جواه.
خرج حازم من الأوضة، وساب يوسف لوحده.
يوسف: بصوت ضعيف، كأنه بيكلم الهوا: "بسنت..."
في اللحظة دي، سمع همسة خفيفة جداً، كأنها صدى رياح بعيدة، جوه راسه. مش صوت شمهرش الواضح اللي كان متعود عليه. مجرد همسة...
الهمسة: مش مفهومة بالظبط، بس فيها إحساس بالنداء: "ا...ب...وا...ب..."
يوسف اتنفض. إيه ده؟ الكلمة دي... رن في دماغه. بوابات. إيه اللي بيحصل بالظبط؟
قعد يوسف يتأمل الشاشات اللي على الحيطة. الرسومات البيانية اللي عليها بقت تجذبه. أرقام، خطوط، بيانات معقدة. وحس إن فيه جزء منه، جزء عميق، بيفهمها. بيفهم الأنماط دي. كأنه كان بيشتغل على الحاجات دي بقاله سنين.
دي كانت أول شرارة، أول إحساس بالماضي المنسي، في عالم جديد، كله تكنولوجيا ومختبرات
مرت ساعات قليلة من صحوة يوسف، قضاها تحت الملاحظة الدقيقة للممرضات في وحدة الإفاقة. كان بيحاول يستوعب كل كلمة بتتقال، كل إشارة بتظهر على الشاشات، كل لمسة على التابلت اللي في إيد الممرضة. حس إن عقله بيحاول يسترجع معلومة، أي معلومة، بس كان بيخبط في جدار فاضي.
بعد ما الممرضة غيرتله المحلول الوريدي وسابته تاني، يوسف قرر إنه لازم يتحرك. الهدوء اللي في الأوضة مكانش مريح. كان فيه إحساس غريب جواه بالضيق، كأن فيه طاقة مكتومة عايزة تخرج. قام من السرير ببطء. جسمه كان قوي ومشدود، كأنه ممارسة تمارين طول عمره، وده غريب عليه لأنه مكنش رياضي بالدرجة دي.
راح ناحية الشاشة العملاقة اللي كانت بتعرض رسومات بيانية معقدة. الأرقام والمعادلات كانت بتجري بسرعة. يوسف مد إيده ناحية الشاشة، وحس بحاجة غريبة. مش مجرد بيانات، لأ. حس إن فيه "نمط" معين، "تردد" خفي بيتحكم في كل الأرقام دي. كأن البيانات دي بتتنفس قدامه.
يوسف: بصوت هامس: "إيه ده؟"
في اللحظة دي، الهمسة اللي سمعها قبل كده رجعت تاني، أقوى شوية، وأوضح.
الهمسة: بتتردد جوه راسه: "تردد... تردد... بوابات..."
غمض يوسف عينيه بقوة. "بوابات" الكلمة دي... إيه علاقتها باللي شايفه؟ الشاشة دي... هل ليها علاقة بالبوابات دي؟ إحساس بالضيق زاد جواه. كأن فيه حاجة بتضغط على دماغه عشان تطلع معلومة.
فجأة، الصورة على الشاشة اتغيرت بشكل عنيف. الرسومات البيانية اختلطت، وظهرت عليها ومضات من صور سريعة جداً. مش صور لأرقام، لأ. صور لمكان مهجور، دخان بيطلع من الأرض، وهج أزرق قوي. وشوش مش واضحة، بس مرعبة. وأصوات بعيدة... صراخ...
يوسف (بصوت مخنوق): "إيه ده؟! إيه اللي بيحصل؟"
الصور اختفت بسرعة، ورجعت الأرقام والمعادلات زي ما كانت. قلب يوسف كان بيدق بسرعة. دي مش هلاوس. دي ذاكرة. بس ذاكرة مين؟ وليه بتظهر بالطريقة دي؟
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح ودخل دكتور حازم تاني، ومعاه راجل تاني شكله مهم، لابس بدلة غالية، وشعره متسرح لورا، وعينيه زرقا باردة.
حازم: بابتسامة مصطنعة: "أهلاً يوسف، شايفك نشيط. ده الأستاذ "آدم فايز"، مدير مشروع 'الإدراك الاصطناعي'."
آدم فايز: صوته عميق وهادي: "أهلاً يا باشمهندس يوسف. إنجازاتك الأخيرة في المشروع كانت مبهرة. خصوصاً كشفك عن الشذوذات في الحقول الطاقية اللي بتاثر على شبكة الربط الكمومي بتاعتنا."
يوسف بص لآدم فايز، بيحاول يلاقي أي رابط. "الحقول الطاقية؟ الشبكة الكمومية؟" الكلمات دي بتفكروا بحاجة، بس مش قادر يربطها.
يوسف: "أنا... أنا مش فاكر أي حاجة عن المشروع ده. ولا عن أي حاجة قبل ما أصحى هنا."
آدم فايز: رفع حاجبه، نظرة باردة في عينيه: "ده أمر طبيعي بعد التنشيط المكثف لخلايا المخ يا يوسف. دماغك دلوقتي زي الكمبيوتر اللي لسه بيعمل تحديثات عملاقة. بس البيانات الأساسية موجودة. أنت مهندس عبقري، وساهمت بشكل كبير في فهمنا لأبعاد جديدة للطاقة. أرجوك، بس ترجع لوعيك الكامل، هتفتكر كل حاجة."
حازم: بسرعة وكأنه بيغير الموضوع: "بالظبط يا آدم. يوسف محتاج بس يرتاح، وبعدين نرجع للمختبر ونشوف إزاي هنستخدم اكتشافاته الجديدة دي."
حس يوسف إن في حاجة بتحصل وراه الكواليس. نبرة حازم اللي اتغيرت، نظرة آدم فايز الباردة. كلهم بيكدبوا عليه. أو بيخفوا عنه حاجة.
يوسف: بصوت أجهر شوية: "هو إيه اللي اتنسى بالظبط؟ ليه كل حاجة في دماغي بيضا؟ لو هي مجرد فحوصات، ليه أنا مش فاكر أي حاجة من حياتي اللي فاتت؟"
آدم فايز وحازم بصوا لبعض. نظرة سريعة، كأنها رسالة بينهم.
آدم فايز: بابتسامة خفيفة، كأنه بيرفع ايده مستسلم: "يوسف، إحنا مقدرين اللي بتحس بيه. بس أحياناً عشان نوصل لقفزات علمية، بنضطر إننا نضغط على العقل البشري بطرق مش تقليدية. ده مشروع بيغير شكل الطاقة في العالم كله. مفيش مجال لأي ذكريات ممكن تعيقك. أنت دلوقتي كلياً مكرس للمشروع."
كلمة "مكرس" دي أزعجت يوسف. "مكرس"؟ كأنه أداة. وده فكره بكلمة تانية: "أداة".
يوسف (نبرة صوته فيها تحدي خفي): "وإيه اللي يخليني أثق في كلامكم؟"
حازم: بتوتر: "الثقة دي بينا يا يوسف. احنا بنعمل لمصلحة البشرية. وكل اللي عملناه كان عشان نحميك وتحمينا."
آدم فايز: قاطعه بنظرة حادة لحازم، وبعدين بص ليوسف بتركيز: "يوسف، إحنا بنعمل على تطوير مصدر طاقة جديد، طاقة نظيفة ومستدامة، قادرة تحل كل مشاكل الطاقة في العالم. اكتشافاتك هي مفتاح الموضوع ده. أنت الأساس. فكر في ده كويس."
آدم فايز سلم على يوسف بإيده الباردة، وخرج هو وحازم من الأوضة، وسابوا يوسف في حيرة أكبر.
"طاقة نظيفة ومستدامة"... "حل مشاكل الطاقة"... كلمات كبيرة. بس ليه حاسس إن في حلقة مفقودة؟ ليه حاسس إن في حاجة أهم من كل ده اتسرقت منه؟
بص يوسف تاني للشاشة. البيانات كانت بتجري، بس المرة دي، لما ركز، حس إن في "خيط" بيربط بين الأرقام دي كلها. خيط طاقة خفي. حاول يركز أكتر، والهمسة في دماغه رجعت تاني أقوى.
الهمسة: بتوشوش جوه راسه: "ال...ق...وة... في... ال...ف...و...ض...ى... مش... في... ال...ن...ظ...ام..."
"الفوضى؟" الكلمة دي عملت صدى في دماغه. صوت شمهرش؟ شمهرش كان بيقول "الفوضى هي أصل الخلق". ده معناه إيه؟
يوسف مد إيده ناحية الشاشة تاني. بدل ما يركز على ترتيب الأرقام، حاول يركز على "الفوضى" اللي فيها، على الشذوذات اللي بتظهر وتختفي بسرعة. وفجأة، كأن عقله عمل "قفزة". قدر يشوف "صورة" داخل الأرقام. صورة خافتة، زي شبكة معقدة من خطوط الطاقة، بتفتح وتقفل.
يوسف: بصوت هامس ومندهش: "بوابات..."
الشاشة كلها ومضت بلون أخضر قوي لحظة، كأنها استجابت ليه، وبعدين رجعت لألوانها العادية.
يوسف رجع لورا خطوة. إيه اللي عمله ده؟ هل هو اللي عملها؟ هل الذاكرة بترجع؟
الهمسة جوه دماغه سكتت، وسابته لوحده مع أسئلته. واضح إن فيه عالم أكبر، وحقيقة مخفية ورا الوشوش البيضا اللي بيشوفها. عالم منسي، بيحاول يفتكر طريقه
ماقدرش يوسف ينام في الليلة دي. كانت الأرقام والخطوط والومضات بتجري في دماغه، ومعاها همسة "بوابات" الغامضة. كل مرة يحاول يغمض عينيه، يشوف وميض أزرق قوي، ويحس بالضغط على دماغه. فضل قاعد على السرير، باصص للشاشة اللي على الحيطة، بيحاول يلقط أي إشارة تانية من العالم المنسي بتاعه.
مع طلوع الفجر، دخلت نفس الممرضة ومعاها ترولي عليه فطار خفيف.
ممرضة: بابتسامة متعودة: "صباح الخير يا باشمهندس. نمت كويس؟"
يوسف: نبرة صوته كانت جادة ومحاولة يظهر إنه طبيعي: "صباح النور. نمت كويس، بس لسه حاسس دماغي تقيلة شوية."
ممرضة: بتعدل الفطار على الترولي: "ده طبيعي زي ما الدكتور حازم قال. شوية وهتفوق خالص."
يوسف: بيحاول يظهر الفضول بشكل عادي: "الشاشة دي... اللي عليها الأرقام والرسومات... إيه فايدتها بالظبط؟"
ممرضة: ببساطة: "دي شاشة رصد لحقول الطاقة. بتعرض بيانات الترددات الكهرومغناطيسية المعقدة اللي بنشتغل عليها في مشروع 'الإدراك الاصطناعي'. حضرتك مهندس الكشف عن الشذوذات فيها."
"الكشف عن الشذوذات." الكلمة دي رنت في ودانه. هو كان بيعمل كده قبل كده. بس إزاي؟ وايه الشذوذات دي؟
بعد الفطار، الممرضة قالتله إن الدكتور حازم هيجيله كمان شوية عشان ياخده للمختبر بتاعه. الإحساس بالتوتر زاد جواه. لازم يعرف إيه اللي بيحصل. لازم يسترجع ذاكرته.
شويه وحازم دخل، لابس بالطو المعمل، وشكله نشيط أكتر من أي وقت فات.
حازم: بحماس خفيف: "يوسف! عامل إيه؟ جاهز عشان نرجع لمكانك الطبيعي؟ المختبر محتاجك."
يوسف: بنبرة هادية: "جاهز. بس عندي أسئلة كتير يا دكتور حازم. مش مجرد صداع بعد الفحص."
حازم: وهو بيشاور بإيده ناحية الباب: "كل سؤال وإجابته موجودة في المختبر. الشغل هيخليك تفتكر كل حاجة."
مشوا في ممرات طويلة بيضاء، مليانة شاشات بتعرض بيانات معقدة، وأبواب زجاجية بتكشف عن مساحات واسعة فيها آلات ضخمة بتصدر أصوات همهمة خفيفة. كل حاجة كانت متطورة جداً، كأنها من فيلم خيال علمي. يوسف كان بيبص حواليه بدهشة، لكن في نفس الوقت، فيه إحساس غريب بالألفة. كأنه عاش في مكان زي ده قبل كده.
وصلوا لمختبر ضخم، أكبر من كل اللي شافه. مليان أجهزة عملاقة، أسلاك بتوصل بين كل حاجة، وشاشات تانية بتعرض صور ثلاثية الأبعاد لحقول طاقة معقدة بتتحرك في الفراغ. في نص المختبر، كان فيه جهاز دائري ضخم، بيلمع بضوء أزرق خافت، كأنه بينبض.
حازم: بحماس أكبر: "ده مكانك يا يوسف. ده مركز مشروع 'الإدراك الاصطناعي'. وده 'المولد الكمومي' بتاعنا." بيشاور على الجهاز اللي في النص.
يوسف: عينه على المولد: "المولد الكمومي؟ بيعمل إيه؟"
حازم: "ده اللي بينتج ويستقبل أنماط الطاقة اللي بنتعامل معاها. أنت كنت جزء أساسي من تصميمه وتطويره. أنت اللي اكتشفت طريقة نستقبل بيها ترددات الطاقة الكونية اللي كانت بتسبب "شذوذات" في كفاءة المولد."
يوسف حس إن جسمه اتكهرب. "الكونية"؟ "شذوذات"؟ الهمسة اللي في دماغه رجعت أقوى، بس مش مفهومة.
الهمسة: بتتردد جوه راسه: "فوضى... خلق... بوابات..."
يوسف: بصوت واطي جداً: "الفوضى..."
حازم: مخدش باله من يوسف، وكمل كلامه بفخر: "بالظبط! أنت اللي قدرت تحول الفوضى الظاهرية في الحقول دي لنظام نقدر نستفيد منه. دلوقتي، بنقدر نفتح قنوات طاقة جديدة، ونستغلها في كل حاجة، من الإضاءة لحد شبكات الاتصالات عالية السرعة."
يوسف قرب من المولد الكمومي. مد إيده ناحية الجهاز. حس بطاقة قوية بتخرج منه، بس مش طاقة كهربا عادية. دي طاقة "حياة" مختلفة. طاقة ليها وعي.
يوسف: "هل... هل الطاقة دي ليها وعي؟"
حازم اتفاجئ بالسؤال.
حازم: بتوتر: "إيه اللي خلاك تسأل سؤال زي ده يا يوسف؟ دي مجرد أنماط طاقة معقدة. احنا اللي بنوجهها وبنستخدمها. مفيش وعي فيها. دي ميكانيكا كم."
يوسف محبش يرد. هو حس بحاجة تانية. حس إن فيه "كيان" بيتنفس جوه الجهاز ده. أو بيحاول يتنفس.
شويه، ودخلت بنت المختبر. شعرها بني فاتح، ولابسة بالطو أبيض زي يوسف وحازم. شكلها في العشرينات، عينيها ذكية ومبتسمة.
حازم: بابتسامة: "كويس يا وصال. ده باشمهندس يوسف، اللي لسه جاي من وحدة الإفاقة. ودي وصال، المساعدة الأولى ليك في المشروع يا يوسف."
وصال: بابتسامة واسعة، بتمد إيديها ليوسف: "أهلاً يا باشمهندس. سمعت عن إنجازاتك كتير. شغلك في أنماط الطاقة الخفية ده عبقري. احنا كنا بنحاول نفهمها شهور، وأنت في كام أسبوع فكيتها."
يوسف سلم عليها، ولسه بيحاول يستوعب كل ده. "شهور؟ كام أسبوع؟" عقله مبيربطش أي حاجة.
يوسف: "أهلاً بيكي يا وصال. بس أنا... مش فاكر أي حاجة من ده."
وصال: بتفهم: "متتقلقش. دي حاجة بتحصل لبعض المهندسين بعد الفحص. الضغط النفسي اللي بنتعرض له بيخلي المخ يعزل بعض الذكريات عشان يحافظ على أدائه. بس لما ترجع لشغلك، هتلاقي إن كل حاجة بترجع طبيعي. عندك قدرة استيعاب رهيبة."
كلامها كان مريح شوية. بس في نفس الوقت، كان فيه حاجة بتلزمه. "يعزل بعض الذكريات". الكلمة دي فكرته بـ"المحو". كأن حد مسح دماغه.
وصال: وهي بتشاور على شاشة جنبهم: "البوابة الكمومية الصغيرة اللي أنت صممتها هنا، قدرت تخلق بيها 'نقطة تردد' جديدة. دي اللي بنسعى نعممها في المولد الكبير."
يوسف بص على الشاشة، عليها رسمة صغيرة لجهاز شبه بوابة. وحس إن فيه نبضة خفيفة ضربت في دماغه. البوابة.
الهمسة: جوه راسه، أقوى من الأول: "بوابات... افتح..."
ضغط يوسف على راسه. مين اللي بيكلمه؟ وإيه البوابات دي؟ وليه حاسس إنه بيحاول يفتكر حاجة مهمة جداً؟
يوسف: "ممكن... ممكن تقوليلي أكتر عن البوابات دي؟"
وصال بصتله باستغراب.
وصال: "البوابات دي؟ دي مجرد قنوات طاقة يا باشمهندس. مفيش فيها أي حاجة غريبة. دي اسمها 'بوابات ترددات كمومية'. بتوصلنا بمصادر طاقة بعيدة."
يوسف حس إن فيه حاجة مش مظبوطة. كلامها مبيهموش. هو حاسس بـ"بوابات" تانية. حاجة خطيرة. حاجة ليها علاقة بماضيه المنسي.
قرر إنه مش هيسأل أكتر دلوقتي. لازم يستكشف بنفسه. لازم يعرف إيه اللي اتنسى. وإيه اللي بيحاول يرجع
مرت الأيام اللي بعدها بشكل روتيني في المختبر. يوسف كان بيقضي أغلب وقته قدام الشاشات، بيراقب الأرقام والبيانات المعقدة. حازم ووصال كانوا بيشرحوا له مهامه، وبيخلوا بالهم من ردود أفعاله. يوسف كان بيستوعب كل حاجة بسرعة خارقة، كأنه مبيتعلمش، لأ، بيفتكر. وده كان بيثير دهشة حازم ووصال.
حازم: وهو بيبص على شاشة يوسف بحيرة: "بجد يا وصال، سرعة استيعاب يوسف مذهلة. في يومين بس بقى بيتعامل مع معادلات البرمجة الكمومية كأنه هو اللي كتبها. عمر ما شوفت مهندس بالسرعة دي."
وصال: بصت ليوسف بابتسامة خفيفة، فيها نوع من الفضول: "فعلاً. كأنه... كأنه متدرب على الحاجات دي بقاله سنين. ويمكن أكتر من سنين كمان."
يوسف كان بيسمعهم، بس كان بيعمل نفسه مندمج في الشغل. جواه، كان بيحس بنفس الإحساس. مش مجرد استيعاب، لأ، ده كان "استرجاع". كل ما يبص على الأجهزة، كل ما يشغل أي برنامج، كان بيحس إن إيده عارفة هتروح فين، وعقله فاهم هيعمل إيه. كأنها عضلات ذاكرة بتصحى واحدة واحدة.
وفي نص الشغل، كان بيحاول يستغل كل فرصة عشان يستكشف. بيفتح ملفات على الكمبيوترات اللي في المختبر، بيحاول يدور على أي حاجة غريبة. أسماء لمشاريع تانية. معلومات عن "مركز أبحاث زينث".
في مرة، وهو بيشتغل على شاشة عرض كبيرة، ظهرت فجأة رسالة تحذير حمرا.
جهاز الكمبيوتر (صوت آلي): "خطأ في التردد. شذوذ طاقي غير متوقع في المنطقة 'دلتا-7'."
حازم ووصال اتخضوا. المنطقة دلتا-7 دي كانت منطقة حساس جداً، فيها أجهزة رصد للكون الخارجي.
حازم: بتوتر: "إيه ده؟ مستحيل! كل حاجة كانت مستقرة. يوسف، إيه اللي حصل؟"
يوسف كان باصص للشاشة، وعينه بتلمع. الشذوذ ده... ده مش مجرد عطل. ده "طاقة" هو يعرفها. طاقة "الفوضى" اللي الهمسة بتنادي بيها.
الهمسة: جوه راسه، بقت أقوى وأوضح شوية: "الطارق... عودة... افتح..."
ضغط يوسف على دماغه، ألم خفيف ضربه، بس المرة دي، الذاكرة اللي ظهرت كانت أوضح. صورة لعملاء مقنعين. ودخان. وصراخ.
يوسف (بصوت هامس): "الطارق..."
وصال: بقلق: "طارق مين يا باشمهندس؟ أنت كويس؟"
يوسف مخدش باله منها. عينه كانت متثبتة على الشاشة. الشذوذ في المنطقة دلتا-7 كان بيزيد. كان بيحس بيه جوه جسمه. كأن فيه جزء من الطاقة دي بيرد عليه.
يوسف: بعزم: "المولد الكمومي. لازم نغير الترددات. في حاجة بتحاول تخترق."
حازم: باستغراب: "تخترق؟ إزاي عرفت؟ ده مجرد شذوذ. ويمكن عطل فني."
يوسف: بص على حازم بنظرة حادة، نظرة حازم محتار فيها. هل يوسف ده هو نفس المهندس اللي خرج من الإفاقة؟ "مش عطل. دي مش شذوذ عادي. في حاجة بتنادي من بعيد."
قرب يوسف من لوحة التحكم الرئيسية للمولد الكمومي، ومد إيده ناحية الأزرار والشاشات اللي عليها بيانات معقدة. حازم ووصال كانوا واقفين مصدومين. يوسف مكنش بيقرا الأرقام، لأ، كان بيحسها. إيده كانت بتتحرك بسرعة ودقة مش طبيعية، كأنه مبرمج الأزرار دي بنفسه.
حازم: "يوسف! بتعمل إيه؟ متلعبش في الترددات الأساسية! ده ممكن يدمر المولد!"
يوسف: من غير ما يبص لحازم: "لو مغيرناش الترددات دلوقتي، اللي هيحصل هيكون أسوأ بكتير من تدمير المولد."
ضغط يوسف على زرار، وحرك مقبض. المولد الكمومي اللي كان بيلمع بضوء أزرق خافت، بدأ ينور بقوة، ويزداد لمعانه تدريجياً. صوت همهمة قوية طلعت منه.
وصال: بعينين واسعة من الدهشة: "ده... ده مستحيل. هو بيعيد ضبط المولد كله بنفسه. البيانات دي معقدة جداً ومحتاجة سنين من الدراسة."
حازم: "إزاي بيعمل كده؟ إحنا مسحنا كل ذاكرته."
صوت حازم وهمس وصال كان بعيد بالنسبة ليوسف. هو كان مندمج تماماً مع المولد. حاسس بيه، حاسس بالتيارات اللي بتجري فيه. الهمسة جوه راسه بقت زي توجيهات واضحة، بتديله الأرقام والترددات بالظبط.
فجأة، المولد كله نور بضوء أزرق مبهر، وشاشة التحذير الحمرا اختفت، وظهرت بدلها أرقام خضرا بتدل على الاستقرار. الشذوذ الطاقي في المنطقة دلتا-7 اختفى تماماً.
حازم: بذهول: "ده... ده معجزة!"
وصال: بنبرة أقرب للإعجاب ممزوجة بالخوف: "هو مين يوسف ده بالظبط؟"
يوسف كان لسه واقف قدام المولد، بياخد نفس عميق. الإحساس بالهمسة خف شوية، لكنه لسه موجود. حاسس بقوة رهيبة جوه، وقوة تانية بتحاول تتواصل معاه.
لف يوسف وبص لحازم ووصال اللي كانوا مصدومين.
يوسف: بنبرة هادية بس فيها ثقة: "مفيش معجزة. أنا بس... صلحت اللي كان لازم يتصلح. في حاجات أكبر من اللي بنتخيلها بتحصل حوالينا. وحاجات... كانت متنسية."
الغموض في كلامه زاد من حيرة حازم ووصال. يوسف كان عارف إن دي مجرد البداية. بداية استرجاع حقيقته، بداية فهمه للعالم اللي اتفرض عليه، وبداية صراع جديد لسه مش فاهم أبعاده
بعد اللي عمله يوسف في المولد الكمومي، المختبر كله كان في حالة ذهول. حازم ووصال كانوا لسه واقفين، عيونهم بتتنقل بين يوسف والجهاز اللي كان بيلمع بضوء أزرق مستقر. الهدوء اللي عم المكان بعد زوال الخطر كان هدوءًا مش مريح، كان هدوء ما قبل العاصفة.
حازم: كأنه لسه مش مصدق اللي شافه: "يوسف... إزاي عملت كده؟ البرمجة دي معقدة جداً، ومحدش غير فريق التشفير الأساسي يقدر يتعامل معاها بالسرعة دي."
يوسف محبش يدي إجابة مباشرة. هو نفسه مكنش فاهم كل حاجة. كل اللي يعرفه إن إيده اتحركت لوحدها، وإن الهمسة اللي في دماغه كانت بتديله الإرشادات بالظبط.
يوسف: بصوت هادي، بيحاول يظهر الثقة عشان ينهي الجدال: "أنا بس تابعت النمط. النمط كان واضح في الشذوذ، والمولد كان بيستجيب ليه بطريقة غلط. صلحت النمط."
وصال: نظرتها كانت مليانة فضول أكتر منها خوف: "نمط؟ إيه النمط اللي بتتكلم عنه ده يا باشمهندس؟ إحنا بنتعامل مع ترددات عشوائية بتظهر فجأة وتختفي."
يوسف: "مش عشوائية. كل حاجة ليها نظام. حتى الفوضى. المشكلة إننا ساعات بنكون متعودين على نظام معين، فمبنشوفش النظام الأكبر."
كلام يوسف كان فلسفي شوية، وده زود حيرة حازم. وصال كانت بتفكر في كلامه، كأنها بتحاول تربطه بحاجة هي نفسها شافتها أو حست بيها.
في اللحظة دي، دخل آدم فايز المختبر. كان وشه جاد، ونظرة عينيه كانت مسلطة مباشرة على يوسف. واضح إنه وصله خبر اللي حصل.
آدم فايز: نبرة صوته كانت مزيج من الدهشة والشك: "إيه اللي حصل هنا؟ سمعت إن كان فيه عطل كبير في المولد."
حازم: بسرعة، بيحاول يوضح الموقف: "فعلاً يا فندم. بس باشمهندس يوسف قدر يعالج المشكلة بسرعة رهيبة. كان في شذوذ طاقي كبير، وهو قدر يستقر النظام كله."
آدم فايز بص ليوسف بتدقيق، كأنه بيحاول يقرأ اللي في دماغه. يوسف قابل نظراته بثقة. مكنش عايز يظهر أي ضعف.
آدم فايز: "كويس جداً يا يوسف. إنجاز مذهل. ولكن..." رفع صباعه محذراً: "أي تعديلات على المولد لازم تتم من خلال البروتوكولات المعتمدة. المشروع ده حساس جداً، ومفيش مكان لأي مغامرات فردية."
يوسف حس إن كلامه مجرد تحذير مش أكتر. آدم فايز كان بيراقب رد فعله.
يوسف: "كنت هخاطر بالبروتوكولات، أو أخاطر بكارثة أكبر. الاختيار كان واضح."
آدم فايز ماردش. اكتفى بنظرة طويلة ليوسف، وبعدين لف لحازم ووصال.
آدم فايز: "تأكدوا إن كل البيانات اللي جمعها يوسف خلال العملية دي يتم تحليلها بدقة. محتاجين نفهم إيه اللي حصل بالضبط."
خرج آدم فايز، وساب يوسف لوحده مع أسئلته اللي مبتخلصش. حازم كان باين عليه إنه مرتاح إن آدم فايز مخدش الموضوع أكبر من حجمه، لكن في نفس الوقت، كان قلقان.
حازم: بيقرب من يوسف بصوت واطي: "يوسف، لازم تكون حذر أكتر. آدم فايز مش بيحب المفاجآت. مهما كانت إنجازاتك."
يوسف: بيبص على حازم: "أنا بعمل اللي لازم يتعمل. لو كنتوا سمعتوني من الأول، مكناش وصلنا للموقف ده."
وصال: تدخلت بهدوء: "باشمهندس يوسف عنده حق يا دكتور حازم. إحنا مكنش عندنا الوقت الكافي عشان نفهم الشذوذات دي قبل ما تحصل. كان فيه ضغط كبير علينا."
النقاش كان ممكن يتطور، لكن حازم سكت. واضح إنه محبش يفتح موضوع الضغط اللي عليهم.
مرت الأيام والأسابيع. يوسف كان بيقضي أغلب وقته في المختبر. دماغه كانت بتتعامل مع الأجهزة والبيانات كأنها جزء منه. قدرته على الكشف عن "الأنماط الخفية" كانت بتتطور بشكل مذهل. بقى يقدر يشوف "ترددات" مش أي حد بيشوفها، ويسمع "همسات" خفيفة جوه المولد الكمومي نفسه. كأنه بيفهم "لغة" الآلة والطاقة.
في مرة، وهو بيشتغل على لوحة تحكم فرعية، حس بذبذبة غريبة. زي رنين خفيف في ايده. بص على الشاشة، لقى نمط بيانات مختلف بيظهر ويختفي بسرعة. حاجة مكنش يعرفها قبل كده.
الهمسة: جوه راسه، أصبحت أقوى، وأكثر وضوحاً: "ابحث... ابحث عن النواة..."
"النواة؟" يوسف ركز على الشاشة. حاول يتبع النمط الجديد. لقى إنه بيوديه لملف تشفير عميق جوه نظام المولد. ملف كان متخفي وراء طبقات حماية معقدة.
يوسف (في سرّه): "إيه الملف ده؟ وليه الهمسة عايزاني أدخل عليه؟"
بدأ يوسف يشتغل على الكمبيوتر، إيده بتتحرك بسرعة. بيفتح أكواد، بيخترق طبقات التشفير، كأنه مبرمج محترف. وصال كانت بتراقبه من بعيد، عينيها مليانة دهشة.
وصال (لزميل جنبها): "شوفي يوسف. بيعمل إيه؟ ده بيخترق طبقات حماية النظام الأساسي للمولد. محدش بيقدر يدخل عليها كده."
الزميل بص على يوسف باستغراب. "يمكن ده بروتوكول جديد. الدكتور حازم هو المسؤول."
يوسف كمل، ومكنش مهتم بحد. عقله كله كان متركز على الملف اللي بيحاول يوصله. حس إن حياته كلها مرتبطة باللي جوه الملف ده. لما وصل للملف، فتحه ببطء.
البيانات اللي فيه كانت مش مجرد أرقام. كانت "تصميمات". تصميمات لأجهزة غريبة، شكلها مش طبيعي. مش شبه أي آلة شافها قبل كده. وبعدين، لقى رسومات تخطيطية لمكان ضخم تحت الأرض. مكان سري جداً. ومكتوب عليه اسم: "غرف الصدى الكمومي".
مع الرسومات، ظهرت صورة ثلاثية الأبعاد للمكان ده. كانت عبارة عن شبكة من الأنفاق والأجهزة العملاقة، كلها بتتوجه لمركز واحد، فيه "نواة" ضخمة بتنبض بضوء خفيف. وفوق النواة دي، كانت فيه رسومات لـ"بوابات".
يوسف (بصوت هامس): "غرف الصدى الكمومي... البوابات..."
الهمسة: بقت صريحة وواضحة جداً جوه دماغه، صوت قوي، كأنه صوت شمهرش القديم: "النواة... مفتاح البوابات... مفتاح استعادة الذاكرة..."
يوسف اتجمد. ذاكرة. يبقى الهمسة دي هي شمهرش! هو اللي بيحاول يوجهه!
في اللحظة دي، شاشة الكمبيوتر كله اتقفلت. رسالة تحذير حمرا كبّرت الشاشة كلها: "تم اختراق بروتوكولات الأمان. سيتم إخطار الإدارة العليا."
آدم فايز وحازم دخلوا المكتب بسرعة. كان باين عليهم الغضب.
آدم فايز: بصوت حاد، عينيه بتلمع بالغضب: "يوسف! إيه اللي بتعمله ده؟ مين سمحلك تخترق الملفات السرية للمشروع؟"
يوسف كان لسه تحت تأثير اللي شافه وسمعه. هو دلوقتي متأكد إن حازم وآدم فايز كدابين. إنهم مش بس مسحوا ذاكرته، لأ، دول بيخفوا عنه حقيقة أكبر بكتير.
يوسف: بنظرة تحدي: "أنا بس كنت بدور على "النواة". وعلى "البوابات". حاجات ليها علاقة بيا. وبذاكرتي الممسوحة."
حازم ووصال بصوا لبعض بصدمة. يوسف كشف أوراقه بدري.
آدم فايز: بضحكة باردة: "ذاكرة ممسوحة؟ إيه الهلاوس دي يا يوسف؟ يبدو إن الفحص الدوري محتاج جرعة زيادة."
يوسف: "مش هلاوس. أنا بدأت أفتكر. انتوا مسحتوا ذاكرة العالم كله عشان تخفوا حقيقة. حقيقة عن الطارق. وعن كيان كان جواه."
وصال كانت بتسمع كل كلمة وعينيها بتلمع بالدهشة. كلام يوسف، بالرغم من غرابتة، كان فيه نوع من الصدق الغريب.
حازم: بيقرب من يوسف: "يوسف، اهدا. أنت لسه متأثر. تعال نرجع وحدة الإفاقة."
يوسف: رجع لورا خطوة، عينه بتلمع بتحدي، وبدأ يحس بقوة غريبة بتتسرب في جسمه. قوة شمهرش. "أنا مش هرجع أي حتة. أنا لازم أعرف الحقيقة. لازم أفتكر كل حاجة."
آدم فايز شاور بإيده للحراس اللي ظهروا فجأة عند أبواب المختبر. حراس ضخمين، لابسين بدل سودا، وعينيهم باردة.
آدم فايز: "خدوه لوحدة العزل. وبدون أي نقاش."
يوسف حس إن الموقف خطير. الحراس كانوا بيقربوا منه. بس المرة دي، يوسف كان مختلف. كان جواه كيان كامل، شمهرش.
الهمسة: جوه راسه، بصوت شمهرش الواضح والقوي: "هذه هي أولى عقباتك يا يوسف. لا تدعهم يسيطروا عليك. استخدم ما في يديك... أطلق العنان لقوتك."
يوسف بص للحراس اللي كانوا بيقربوا منه. ابتسامة خفيفة رسمت على وشه. قوة، مش مجرد ذاكرة. دي قوة حقيقية بدأت تستعيد سيطرتها
الجزء الثاني
آدم فايز: نبرة صوته كانت حادة ومخيفة: "خدوه لوحدة العزل. وبدون أي نقاش."
يوسف حس إن الموقف خطير. الحراس كانوا بيقربوا منه بخطوات سريعة وثابتة. ضخمين، لابسوا بدل سودا غامقة، وعينيهم باردة، كأنهم آلات. يوسف بصلهم، ملامحه ثابتة. مكنش فيه وقت للتفكير.
جواه، بدأ يحس بذبذبة غريبة. مش صوت واضح زي شمهرش، لأ. دي كانت أشبه بـ "صدى". صدى لقوة نايمة جواه، بتصحى بشكل غريزي لما الخطر بيبدأ يقرب. كأن جسمه هو اللي بيتصرف لوحده قبل ما عقله يديله الأوامر.
الحارس الأول وصل ليوسف، مد إيده عشان يمسكه. يوسف، وبدون وعي، رفع إيده بسرعة رهيبة. مش ضربة قوية، لأ. دي كانت حركة خفيفة جداً، كأن فيه تيار هوا غير مرئي اندفع من إيده. الحارس اتراجع لورا خطوة، وشه اتلوى من الألم، كأنه اتكهرب، بس مفيش أي أثر للكهربا.
حازم: بعينين واسعة: "إيه ده؟!"
آدم فايز: عينيه ضاقت. واضح إن ده مكنش متوقع.
الحارس التاني هجم بسرعة أكبر. يوسف مكنش بيشوفه كبني آدم، لأ. كان بيشوفه كـ"نمط طاقة" بيتحرك. والصدى اللي جواه كان بيوريه فين نقطة الضعف في النمط ده.
يوسف عمل حركة جانبية بسيطة، كأنه بيتفادى ضربة وهمية، وفي نفس الوقت، جسمه كله بدأ يطلع منه "ذبذبات خفيفة". الذبذبات دي عملت زي مجال غير مرئي حواليه. لما الحارس قرب منه، المجال ده ضرب فيه. الحارس صرخ من الألم، ووقعت دراعه اللي كانت ممدودة كأنها اتشلت، وبدأ يتراجع خطوتين لورا وهو بيمسك دراعه.
وصال: كانت بتبص على يوسف بدهشة كاملة، ملامحها بتتبدل من الخوف للفضول. "إيه القوة دي؟"
آدم فايز ملامحه اتحولت لغضب. "ماذا تنتظرون؟ امسكوه! مهما كانت قوته!"
الحراس الباقيين هجموا كلهم مرة واحدة. يوسف مكنش بيقدر يستخدم طاقة تدميرية. القوة اللي جواه كانت بتظهر كـ"دفاع" و"إرباك" للأنماط الطاقية اللي حواليه. هو نفسه مكنش فاهم بالظبط إيه اللي بيعمله. كان مجرد بيستجيب للصدى اللي جوه دماغه.
واحد من الحراس حاول يمسكه من رقبته. يوسف رفع إيده الاتنين بسرعة، وطلع منه "دفقات طاقة خفية" ضربت في الحارس. الحارس صرخ، واترمى لورا بشكل غريب، كأنه اتدفش بقوة مكنش متوقعها. الحارس ده خبط في حارس تاني، والاتنين وقعوا على الأرض بتعب.
يوسف (نبرة صوته كانت مختلفة، أعمق وأقوى، كأنها مش صوته بالكامل): "أنا مش هرجع وحدة عزل. أنا محتاج إجابات. ودلوقتي."
حازم كان بيبص ليوسف بخوف واضح. أما وصال، فكانت عينيها بتلمع، كأنها شايفة حاجة كانت بتحلم بيها في أبحاثها.
آدم فايز: "لا تستهين بقوات 'زينث' يا يوسف. أنت مجرد نقطة في محيط. قوتك دي احنا اللي منحناها لك."
يوسف: "منحتوها لي؟ إزاي؟ وإيه الثمن؟"
آدم فايز ابتسم ببرود. "الثمن هو ولاءك الكامل للمشروع. والثمن الأكبر هو إنك تنسى الماضي اللي ممكن يعيق إنجازاتك."
كلام آدم فايز أكد ليوسف كل شكوكه. هما اللي مسحوا ذاكرته. هما اللي بيتحكموا فيه. وده خلى الصدى اللي جواه يزداد قوة، كأنه بيزأر.
الهمسة (مش مفهومة بالظبط، لكن فيها إحساس بالخطر والتحذير): "نواة... خطر... سيطرة..."
يوسف بص حواليه بسرعة. المولد الكمومي كان لسه بينبض بضوء أزرق. الأجهزة اللي حواليه كلها كانت بتصدر طاقة خفية. فجأة، جاتله فكرة. فكرة مجنونة، بس ممكن تكون هي السبيل الوحيد للهرب والفهم.
مد إيده ناحية أقرب لوحة تحكم متصلة بالمولد. آدم فايز وحازم فهموا قصده.
حازم: "يوسف! إياك تعمل كده! ده ممكن يعمل خلل في النظام كله!"
آدم فايز: "أوقفوه! لا تدعوه يصل إلى لوحة التحكم!"
الحراس اللي كانوا لسه بيحاولوا يستعيدوا توازنهم، هجموا عليه تاني. يوسف مكنش بيبص لهم. كل تركيزه كان على اللوحة. إيده كانت بتتحرك بسرعة فائقة على الأزرار والشاشات. كان بيعيد توجيه الطاقة. طاقة المولد كلها.
صوت صافرات الإنذار بدأ يدوي في المختبر. أضواء حمرا بدأت تنور وتطفي.
جهاز الكمبيوتر (صوت آلي مرتفع): "خلل في تدفق الطاقة. تجاوز للبروتوكولات. إغلاق طارئ للنظام الرئيسي."
المختبر كله بدأ يتلخلخ. الأجهزة الضخمة بدأت تصدر أصوات صرير عالية. الحراس فقدوا توازنهم. حازم ووصال كانوا بيحاولوا يمسكوا في أي حاجة.
آدم فايز: بصراخ: "أوقف هذا العبث يا يوسف! هتتسبب في تدمير المكان كله!"
يوسف ماردش. خلص اللي بيعمله. مد إيده الاتنين لقدام، وبص على الأرضية المعدنية للمختبر. في اللحظة دي، طاقة غريبة خرجت من ايديه، زي "تموجات" غير مرئية. التموجات دي ضربت في الأرضية.
الصدى اللي جوه يوسف أصبح قوياً ومسيطراً. مكنش بيشعر بالخوف، بس كان بيشعر بنوع من الإرهاق.
الأرضية تحت رجليهم كلها بدأت تتهز بعنف. أضواء المختبر بدأت تنفجر. صوت زجاج بيتكسر.
وصال: بصراخ: "أرضية المختبر! هتفتح!"
وفعلاً، الأرضية المعدنية الضخمة بدأت تتشقق. تشققات كبيرة بتظهر عليها، والتراب والدخان بيطلعوا منها. يوسف كان واقف ثابت، مركز على اللي بيعمله.
يوسف: بصوت عميق وثابت: "لو عايز أهرب، لازم أهرب من تحت الأرض. لازم أوصل... للنواة."
فتحة ضخمة بدأت تظهر في أرضية المختبر. فتحة بتكشف عن ظلام عميق، وريحة تراب وعفونة، زي اللي حس بيها في حلمه أو في لمحات الذاكرة.
آدم فايز كان بيشوف المشهد وهو مصدوم.
آدم فايز: "الفتحة دي... دي ممكن تؤدي لفين؟!"
يوسف محبش يجاوب. بص لحازم، وبعدين لوصال.
يوسف: "الخيار ليكم. تفضلوا هنا، أو تيجي معايا... وتشوفوا إيه اللي تحت الأرض دي."
قبل ما حد يقدر يتكلم، يوسف نط في الفتحة المظلمة اللي فتحها في الأرض
سقط يوسف في الظلام، مكنش عارف العمق اللي نازل فيه. الهواء كان تقيل وبارد، وريحة التراب والعفونة كانت أقوى بكتير. الضوء الوحيد اللي كان بيوصله كان من فتحة المختبر اللي كانت بتصغر بسرعة فوقيه. جواه، الصدى كان بيزداد وضوحاً، مش مجرد همسات، كأنه "بصيرة" بتوجهه.
فجأة، حس إن فيه أرض صلبة تحت رجليه. هبط يوسف على أرضية صخرية، مش متوقعة، بعيداً عن أي معدن. لقى نفسه في نفق ضخم، جدرانه خشنة ومحفور فيها رموز غريبة شبه اللي شافها في المخطوطات القديمة في حياته السابقة، بس بشكل تكنولوجي. رموز بتلمع بضوء خافت جداً، بتكشف عن مساحة واسعة، كأنها متاهة.
يوسف: لنفسه، وصوته بيصدى في النفق: "إيه المكان ده؟"
الصدى جواه كان بيرن: "النواة... النواة..."
يوسف بدأ يمشي في النفق، متتبعاً لبعض الرموز اللي كانت بتلمع أكتر من غيرها. كل خطوة كان بيخطوها، كان بيحس إن فيه حاجة بتصحى جواه. الإرهاق اللي كان بيحس بيه في المختبر بدأ يقل، وكأن المكان ده بيديله طاقة.
الممرات كانت بتتفرع في كل اتجاه. بعضها كان ضيق، وبعضها كان واسع جداً لدرجة إن فيه أجهزة ضخمة متوقفة في نصها. أجهزة شكلها قديم، لكن تصميمها متطور جداً. عليها طبقة من التراب، كأنها مهجورة من سنين طويلة.
يوسف: بيلمس جهاز قديم، وحس بذبذبة خفيفة: "دي... دي مش تكنولوجيا زينث."
جواه، الصدى كان بيأكد كلامه: "أقدم... أقدم..."
وفجأة، سمع صوت خطوات خفيفة جاية من وراه. صوت بيقرب. يوسف لف بسرعة. لقى وصال واقفة عند مدخل النفق، بتتنفس بصعوبة، وشعرها منكوش، وباين عليها الصدمة والخوف.
وصال: صوتها كان متقطع من الجري: "يوسف... يوسف استنى!"
يوسف بص لها باستغراب. "إيه اللي جابك؟"
وصال: بتنهج: "منطقتش نفضل فوق... ده آدم فايز... هينفجر. وكمان... كمان في حاجة تحت هنا. حسيت بيها."
يوسف: "حسيتي بيها؟"
وصال: "آه... لما كنت بتعمل اللي عملته في أرضية المختبر... حسيت بطاقة غريبة بتشدني لتحت. طاقة ضخمة... ومألوفة بطريقة مخيفة."
يوسف اتفاجئ. وصال كمان بتحس بالطاقة؟ هل ده معناه إنها مش مجرد مهندسة عادية؟
يوسف: "حازم فين؟"
وصال: "حازم... فضل فوق. كان خايف. آدم فايز كان هيجلط من اللي حصل."
ضحكة خفيفة طلعت من يوسف. حازم فعلاً شكله كان مرعوب.
يوسف: "طيب. إيه اللي خلاكي تنزلي ورايا؟"
وصال: بصت ليوسف بعينين مليانة فضول وشجاعة: "لأني مش عايزة أعيش طول عمري في كدبة. أنت قولت إنهم مسحوا ذاكرتك، وإن فيه حقيقة عن الطارق... أنا عايزة أعرف إيه الحقيقة دي. أنا كمان حاسة إن فيه جزء مني ناقص. ويمكن أنت مفتاح إننا نكتشفه."
كلام وصال كان فيه صدق خلى يوسف يحس بشعور غريب. مش لوحده. يمكن.
يوسف: "المكان ده مش سهل. مليان أسرار... ومخاطر."
وصال: "أنا مستعدة. بس لو سمحت، فهمني إيه اللي بيحصل بالظبط. إيه القوة اللي جواك دي؟"
الصدى جوه يوسف أصبح أكثر وضوحاً: "ثقة... تعاون... البوابات قريبة..."
يوسف قرر يثق فيها. وصال كانت الوحيدة اللي عنده حالياً.
يوسف: "معرفش اسمها إيه. بس هي بتوجهني. بتديني إحساسات. بتوريني أنماط الطاقة. وبتخليني أعمل حاجات... زي اللي عملته فوق."
وصال: بتعجب: "يعني إيه؟ يعني فيه كيان جوه منك بيوجهك؟"
يوسف مردش. الصدى جواه كان بيركز على حاجة تانية. كان بيشده في اتجاه معين.
يوسف: "تعالي. لازم نمشي. فيه حاجة بتنادي. المكان ده بيحاول يدلنا على حاجة."
بدأ يوسف ووصال يمشوا في المتاهة. الأنفاق كانت بتتشابه، بس يوسف كان بيقدر يميز الرموز اللي بتلمع أكتر، والذبذبات اللي بتصدر منها. كل ما يتعمقوا أكتر، الريحة كانت بتتغير. ريحة معدن قديم مع ريحة غريبة... زي ريحة أوزون.
وصال: "الريحة دي... دي ريحة طاقة. زي اللي بتطلع من المولد الكمومي لما يكون شغال بكامل طاقته."
يوسف: "بالظبط. بس هنا أقوى بكتير."
بعد فترة طويلة من المشي في الممرات المتعرجة، وصلوا لمساحة أوسع. كانت عبارة عن قاعة دائرية ضخمة، في نصها بالظبط، كان فيه "نواة" ضخمة بتنبض بضوء أزرق خافت، زي قلب عملاق. النواة دي كانت محاطة بأجهزة عملاقة مش مفهومة، عليها نفس الرموز الغريبة اللي على الجدران.
وصال: بصوت هامس من الدهشة: "دي... دي النواة اللي كنت بتتكلم عنها؟"
يوسف: "أعتقد إنها دي. دي اللي بتوصلنا بـ... بالبوابات."
الصدى جوه يوسف كان بيزداد قوة. كان بيقوله إن هو ده المكان. هو ده مفتاح كل حاجة. في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات جاية من بعيد. بس مش خطوات بشرية. صوت خطوات معدنية ثقيلة. بتنزل من ممر أظلم.
وصال: بخوف: "إيه الصوت ده؟"
يوسف: بص على النفق اللي جاي منه الصوت. كان حاسس بالخطر. خطر مختلف.
ومن الظلام، بدأت تظهر "كيانات" غريبة. مش بشر. شكلها شبه آلات، لكن ليها هيئة بشرية، مصنوعة من معدن أسود لامع. عيونها كانت بتلمع بضوء أحمر مخيف. كل واحد فيهم كان ماسك سلاح غريب، شبه سيف، بس بيطلع منه شرارات كهربائية.
وصال: بصدمة: "إيه دول؟! أنا عمري ما شوفت أجهزة روبوتات بالشكل ده في زينث!"
يوسف: عرف إن دول مش مجرد روبوتات عادية. دول كيانات، زي الحراس اللي فوق، بس أقوى. الصدى جوه منه كان بيصرخ: "خطر... خطر... أعداء..."
الكيانات المعدنية دي بدأت تقرب منهم ببطء. خمسة منهم. وواضح إنهم جايين عشان هدف واحد.
يوسف: مسك إيد وصال: "لازم نهرب. دول مش حراس عاديين."
بس الكيانات كانت أسرع مما تخيل. في لحظة، كانوا سادين عليهم الممر اللي جايين منه. يوسف بص على النواة. مفيش مفر غير إنهم يواجهوا.
يوسف: (بصوت يجمع بين الحيرة والتصميم): "إيه اللي جابهم هنا؟ وإيه علاقتهم باللي أنا فيه؟"
وفجأة، حصل الحدث غير المتوقع تمامًا.
النواة الضخمة اللي في نص القاعة بدأت تنبض بضوء أزرق أقوى وأكثر كثافة. الضوء ده بدأ يتجمع في نقطة معينة في نص القاعة، مش فوق النواة، لأ، جنبها. وفجأة، النقطة دي بدأت تتسع. مش بتفتح بوابة زي اللي يوسف عرفها، لأ. دي كانت بتفتح "فجوة" في الفراغ. فجوة سودا، كأنها بتشفط كل الضوء حواليها.
ومن قلب الفجوة السودا دي، بدأت تظهر "يد". يد بشرية، لكنها مش عادية. كانت مضيئة، وكأنها مصنوعة من طاقة نقية. اليد دي كانت بتخرج ببطء من الفجوة، ووراها بدأ يظهر "شكل" ضخم. شكل مش واضح، بس بيوحي بكيان عملاق، أكبر بكتير من أي حاجة يوسف شافها قبل كده.
الكيانات المعدنية اللي كانت بتقرب منهم، وقفت فجأة، وعيونها الحمرا انطفأت للحظة. كأنها اتجمدت.
وصال: بصوت خايف ومصدوم: "إيه ده؟!"
يوسف: كان مذهول. الصدى جواه كان بيصرخ بقوة، بس المرة دي الصرخة كانت فيها إحساس بالرهبة والتعجب، مش الخوف. "شمهرش؟... هل هذا أنت؟..."
الكيان اللي بيخرج من الفجوة كان ضخم جداً، ومشع بطاقة غير مفهومة. مش جن، ولا إنسان. ده كان "حاكمة". حاكمة من حكام الجن الكبار اللي ذكرتهم القصة القديمة، بس هيئتها كانت مختلفة، أقرب للكائنات النورانية.
الكيان (صوت قوي بيرن في دماغ يوسف مباشرة، كأنه بيتجاوز الأذن، صوت أنثوي عميق): "لقد وجدتني... لقد حان الوقت يا يوسف. حان وقت الحقيقة... ونداء الأكوان."
الفجوة السودا اللي الكيان ده بيخرج منها، بدأت تكبر بسرعة، وبدأ يظهر منها "أصوات" غريبة. أصوات مش من عالمهم. أصوات كأنها بتنادي من مكان بعيد جداً
الكيان (صوت قوي بيرن في دماغ يوسف مباشرة، كأنه بيتجاوز الأذن، صوت أنثوي عميق): "لقد وجدتني... لقد حان الوقت يا يوسف. حان وقت الحقيقة... ونداء الأكوان."
توقف كل شيء في القاعة. الكيانات المعدنية المتوحشة كانت متجمدة في مكانها، عيونها الحمرا مطفية تماماً، كأنها عرائس بلا روح. وصال كانت متخشبة جنب يوسف، عينيها شاخصة على الفجوة السودا اللي بتكبر، والكيان الهائل اللي بيخرج منها ببطء مهيب. النواة الضخمة اللي في نص القاعة كانت بتنبض بشكل جنوني، بتطلع ضوء أزرق مبهر، كأنها بترقص على إيقاع ظهور الكيان ده.
يوسف كان مذهول. الصدى جوه دماغه كان بيصرخ. مش مجرد همسات، ده كان زي "تيار" معلومات، "ذاكرة" بتتدفق، بس مش بشكل مفهوم. أجزاء متقطعة. كان بيحس بقوة هائلة بتربطه بالكيان اللي بيظهر ده، قوة غريبة، مألوفة، ومخيفة في نفس الوقت. الكلمة اللي سمعها من الكيان، "الأكوان"، عملت رنين قوي جواه.
الكيان خرج بالكامل من الفجوة. كان ضخماً جداً، أطول بكتير من أي إنسان عادي، وجسمه كان مصنوع من "ضوء سائل" بيتلألأ بألوان كتير، مش بشر. ليه هيئة أنثوية، بس ملامحها كانت تتغير باستمرار، كأنها بتتكون وبتتفكك في نفس الوقت. كان ليها أجنحة ضخمة من ضوء متلألئ، مش ريش. بتفردها ببطء، فبتملى القاعة بنور خافت.
وصال (بصوت يرتجف، هامسة ليوسف): "إيه ده؟ ده... ده مش معقول! ده كائن... كائن من أبعاد تانية!"
يوسف ماردش. عينه كانت متثبتة على الكيان. الإحساس بالارتباط كان أقوى من أي وقت فات. الكيان ده... هو ليه علاقة بالماضي المنسي بتاعه. ليه علاقة بالهمسة اللي جواه.
الكيان (صوتها كان أقوى، كأنها بتخاطب يوسف مباشرة، وبتتجاوز وصال والواقع المادي): "ابني... لقد حان وقتك. الأكوان تتلاقى، والحقيقة تستيقظ. هذا العالم ليس ما يبدو عليه."
كلمة "ابني" ضربت في دماغ يوسف زي الصاعقة. "ابني"؟ إزاي؟ هو مين ده؟ هل دي والدته؟ لا، مستحيل. الصوت مألوف، بس مش صوت أمه. ده صوت ليه صدى قديم جداً، كأنه بيتكلم من آلاف السنين.
يوسف (بصوت مبحوح، بيحاول ينطق الكلمات بصعوبة): "أنا... أنا مين؟ وإيه اللي بيحصل؟ أنا مش فاكر أي حاجة."
الكيان: أجنحتها الضوئية اتفردت أكتر، فملت القاعة بوهج قوي: "لقد حجبت ذاكرتك، ليس منك، بل لكي تستطيع النجاة. كان هذا العالم الجديد غطاءً لحماية وعيك من الانهيار. لكن القوة التي تسكنك، بدأت تستيقظ."
"القوة التي تسكنك." الصدى اللي جوه يوسف أصبح عنيف، كأنه بيضرب على جدران دماغه. الكلمات اللي قالتها الكيان بدأت تعمل ترابطات غريبة في دماغ يوسف. "حجبت ذاكرتك"... "النجاة"... "انهيار وعيك"... كل ده ليه علاقة بمسح ذاكرته.
وصال (بصوت عالي، بتحاول تتكلم بالرغم من الرهبة): "مين حضرتك؟ وإيه اللي بيحصل ليوسف؟"
الكيان بصت لوصال، بس نظرتها كانت هادية ومش مخيفة.
الكيان: صوتها أصبح أكثر نعومة، كأنها بترد على وصال: "أنا من حُماة الأكوان. من الكيان الذي يسكن يوسف. هذا الفتى... هو بذرة أمل لعالم يوشك على الانهيار."
وصال: "كيان يسكن يوسف؟ قصدك..."
الكيان: "ذاك الذي تعرفينه بـ 'شمهرش'. جزء من وعيي، استُدعي لحمايته. لكنه لم يعد مجرد روح تسكن، بل أصبحا واحداً. دمجت روحه بروح يوسف، ليصبح مؤهلاً لمواجهة ما هو قادم."
يوسف سمع كلمة "شمهرش". الاسم ده! هو ده اللي الهمسة كانت بتحاول تقوله! ده الكيان اللي كان جواه في حياته اللي فاتت! بس إزاي؟ إزاي بقى جزء منه؟ دماغه بدأت تدور في دوامة.
يوسف: "شمهرش؟ أنا... أنا شمهرش؟"
الكيان: "أنت يوسف. لكنك تحمل وعي شمهرش. تحمل قوته، وحكمته، وخبرته. لقد تم إعدادك، يا يوسف، لتكون الحارس الأخير. حارس البوابات."
كلمة "البوابات" دي كانت المفتاح. كل حاجة بدأت تتجمع في دماغ يوسف. صرخات الهمسة اللي كانت بتتردد، كلام الدكتور محمود عن "البوابات الأخرى"، الصور اللي شافها في شاشات المختبر. كلها ليها علاقة بالبوابات.
فجأة، الكيانات المعدنية اللي كانت متجمدة، بدأت عينها الحمرا تنور تاني. وبدأوا يتحركوا ببطء.
وصال: بخوف: "إيه ده؟ دول صحيوا تاني! دي روبوتات الطارق؟!"
الكيان: صوتها أصبح جاداً وحاسماً: "ليسوا روبوتات يا صغيرتي. إنهم 'صُدّاع الأكوان'. كيانات أُنشئت لغلق البوابات، وحبس الوعي. إنهم أتباع 'النسيان'. وهم لا يملكون سوى الولاء لمن يتحكم بهم. وذاك المتحكم... هو قريب."
يوسف بص للكيانات اللي بتقرب منهم. "النسيان؟"
الكيان: "النسيان هو عدونا الحقيقي. هو من يحاول محو الحقيقة، ومحو الوعي، وإغلاق كل البوابات بين الأكوان. إنه كيان يسعى للسيطرة المطلقة، والسيطرة لا تتحقق إلا بمحو الذاكرة."
كلامها كان بيرد على كل أسئلة يوسف. هو ده السبب إن ذاكرته اتمسحت! ده سبب مسح ذاكرة العالم كله!
الكيانات المعدنية هجمت عليهم. يوسف وقف قدام وصال بحركة غريزية. حس بقوة بتتسرب في إيديه. المرة دي كانت أقوى من أي مرة فاتت.
الكيان: بتوجه يوسف مباشرة: "يوسف! استخدم قوة شمهرش. ليست قوة تدميرية، بل قوة الوعي. قوة الفهم. ادمج وعيك بوعي شمهرش. سترى الحقيقة."
يوسف غمض عينيه. الصدى اللي جواه أصبح كأنه "بوابة" بينه وبين شمهرش. حس بدمج غريب بيحصل جواه. مش شمهرش بيسيطر عليه، لأ. هو بيصبح شمهرش. بيصبح جزء من وعيه.
لما فتح يوسف عينيه، اللون الفضي اللي كان فيهم بقى أقوى وأكثر إشراقاً. ورأى العالم كله بشكل مختلف. مش مجرد أبعاد مادية، لأ. رأى "الأنماط الطاقية" لكل شيء. رأى "نقاط الضعف" في الكيانات المعدنية اللي بتقرب منهم.
يوسف (بصوت هادي، بس فيه قوة مش طبيعية): "وصال، خدي بالك من نفسك."
مد يوسف إيديه الاتنين لقدام. مش بيستخدم قوة تدميرية، لأ. هو كان بيعمل "اختراق طاقي". كان بيعيد برمجة أنماط الكيانات المعدنية.
صوت "طنين" عالي طلع من الكيانات دي. عيونها الحمرا بدأت تومض بسرعة. وبعدين، وقفت مكانها. وبعد لحظة، بدأت تتحرك، بس مش في اتجاههم. بدأت تتجه نحو الفجوة السودا اللي ظهر منها الكيان النوراني.
وصال: بصدمة: "إيه اللي حصل؟! دول... دول بيطيعوك؟!"
يوسف: "مش بيطيعوني. أنا بس... أعدت توجيههم." هو لسه مش فاهم كل حاجة. لكنه كان بيبدأ يفهم.
الكيانات المعدنية دخلت جوه الفجوة السودا ورا الكيان النوراني. الفجوة بدأت تصغر ببطء، والكيان النوراني كان لسه واقف في نص القاعة، بيشع ضوء.
الكيان: صوتها أصبح أهدى: "هذه الكيانات هي جزء من شبكة النسيان. ستلتقيهم مرة أخرى، لكن الآن... يجب أن نستعد للمواجهة الكبرى."
الفجوة السودا اختفت تماماً. وكيان "الحاكمة" النوراني بدأ يختفي ببطء، يتحول لضوء سائل، لحد ما اختفى تماماً. لكن قبل ما يختفي، نطق بكلمة واحدة، ترددها في دماغ يوسف:
الكيان: "النواة... تذكر..."
اختفى الكيان تماماً. وساد الهدوء في القاعة. النواة كانت لسه بتنبض، بس الضوء الأزرق اللي بيطلع منها كان أضعف شوية.
يوسف ووصال كانوا واقفين لوحدهم في القاعة الصخرية، تحت الأرض. يوسف كان مرهق، بس عقله كان صافي. أجزاء من الذاكرة كانت بدأت ترجع. مش صور كاملة، لكن "إحساسات" و"معارف".
وصال: بتقرب من يوسف بقلق: "يوسف! أنت كويس؟ إيه اللي حصل ده كله؟ مين الكيان ده؟ وإيه اللي عملته في الكائنات دي؟"
يوسف: بص لوصال، عينيه الفضية كانت بتلمع، وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه، ابتسامة فيها ثقة جديدة، لكن فيها كمان تعب السنين اللي فاتت: "أنا... أنا مش فاكر كل حاجة يا وصال. بس دلوقتي، أنا متأكد من حاجة واحدة. إن فيه عالم أكبر بكتير من اللي كنا عايشين فيه. وإننا جزء منه. وإن الطارق... والنسيان... دول مجرد بداية."
يوسف بص على النواة الضخمة اللي في نص القاعة. حس إنها بتناديه. هي دي المفتاح.
اختفى كيان "الحاكمة" النوراني تماماً، تاركاً يوسف ووصال في صمت القاعة الصخرية، تحت الأرض. الهدوء اللي عم المكان كان مهيباً، مفيش غير صوت النواة الضخمة وهي بتنبض بضوء أزرق خافت، وقلوبهم اللي بتدق بسرعة من هول اللي شافوه وسمعوه. الكيانات المعدنية كانت اختفت هي كمان، كأنها كانت مجرد سراب.
وصال: بتقرب من يوسف، صوتها لسه بيرتجف: "يوسف! أنت... أنت كويس؟ إيه اللي حصل ده كله؟ مين الكيان ده؟ وإيه اللي عملته في الكائنات دي؟"
يوسف كان لسه واقف، بياخد نفس عميق، بيحاول يستوعب كل ده. دماغه كانت بتشتغل بأقصى سرعة، بتحاول تربط الخيوط. "أنا... أنا مش فاكر كل حاجة يا وصال. بس دلوقتي، أنا متأكد من حاجة واحدة. إن فيه عالم أكبر بكتير من اللي كنا عايشين فيه. وإننا جزء منه. وإن الطارق... والنسيان... دول مجرد بداية."
يوسف بص على النواة الضخمة اللي في نص القاعة. حس إنها بتناديه. هي دي المفتاح.
يوسف: "الكيان ده... قالت إنها من حماة الأكوان. وإنها الكيان اللي كان جوايا... شمهرش. وقالت إني حارس البوابات... وإن ده كله له علاقة بالنسيان. هي دي الحقيقة اللي مسحوها من دماغي ودماغ العالم كله."
وصال كانت بتسمع بصدمة. "شمهرش؟ حماة الأكوان؟ ده كلام... ده كلام خرافات! إحنا في مركز أبحاث تكنولوجي!"
يوسف: لف وبص لوصال بنظرة فيها جدية غير معتادة: "أنا كنت فاكر زيك. بس بعد اللي شوفناه دلوقتي... بعد اللي عملته في الحراس دول... وبعد الكلام اللي سمعته... ده مش خرافات. ده واقع تاني، كان مخفي عننا. ودي القوة اللي كنت بستخدمها. قوة شمهرش. قوة الفهم والوعي بالأنماط الطاقية."
وصال كانت في صراع داخلي. عقلها العلمي بيرفض يصدق، لكن عينيها شافت حاجات مستحيلة، ودماغها سمعت كلام بيرن فيها.
وصال: "طيب... وإيه النواة دي؟ وليه هي هنا؟"
يوسف: قرب من النواة. كانت بتنبض بضوء خافت، ومحدش يعرف منين بتجيب طاقتها. "قالت إن النواة دي هي المفتاح. مفتاح البوابات. ومفتاح استعادة الذاكرة."
مد يوسف إيده ناحية النواة. كانت بتشع حرارة خفيفة، بس مش حارقة. لما لمسها، حس بذبذبة قوية جداً بتسري في جسمه كله. الصدى اللي جواه أصبح واضح، كأنه بيتكلم مع النواة دي بلغة هما الاتنين بس بيفهموها.
فجأة، الرموز المنقوشة على جدران القاعة، واللي كانت بتلمع بخفوت، بدأت تنور كلها بقوة. وكل رمز كان بيطلع منه "شعاع" من الضوء الأبيض بيتوجه نحو النواة. النواة بدأت تمتص الأشعة دي، ولمعانها زاد.
وصال: "إيه اللي بيحصل؟ دي برمجة طاقية قديمة! الرموز دي مش مجرد نقوش!"
يوسف: عينه كانت مثبتة على الرموز وعلى النواة: "دي مش برمجة. دي لغة. لغة الطاقة. بتوصل بين الوعي والنواة."
بمجرد ما امتصت النواة كل الأشعة، صوت "طنين" خفيف بدأ يصدى في القاعة. وفجأة، الصورة اللي يوسف كان بيشوفها على الشاشات في المختبر العلوي، ظهرت على سطح النواة. بس المرة دي، كانت ثلاثية الأبعاد، وواضحة جداً.
كانت عبارة عن "شبكة" ضخمة من خطوط الطاقة المتشابكة، بتوصل بين نقط مختلفة في الفراغ. كل نقطة كانت بتلمع بلون معين. بعضها كان مستقر، وبعضها كان بيومض، وبعضها كان منطفئ تماماً.
وصال: بتقرب من النواة بدهشة: "إيه دي؟ دي خريطة! بس خريطة لإيه؟"
يوسف: "دي خريطة الأكوان. خريطة البوابات."
الهمسة (جوه يوسف، بقت أوضح، كأنها بتشرح): "كل نقطة هي بوابة لعالم. الألوان بتحدد حالة البوابة. المستقرة، النشطة، أو المغلقة... النسيان أغلق كتير منها."
يوسف حس إن معلومات كتيرة بتتدفق في دماغه. مش مجرد معلومات جافة، دي "معرفة" حقيقية. فهم عميق للمكان اللي فيه، ولتاريخه.
يوسف: "النواة دي... هي مركز التحكم في كل البوابات دي. وهي اللي بيستخدمها النسيان عشان يقفلها."
وصال: "وليه آدم فايز ومركز زينث ميعرفوش كل ده؟ هم بيشتغلوا على طاقة كونية، وبيقولوا إنهم بيطوروا العالم!"
يوسف: "هم بيستخدموا جزء بسيط من النواة. بيستخدموا طاقتها عشان يوصلوا للي عايزينه. ومسحوا ذاكرتنا عشان نكون مجرد أدوات، ومنعرفش الحقيقة الكاملة. هم متخيلين إنهم بيتحكموا في الطاقة، لكن النسيان هو اللي بيتحكم فيهم."
فجأة، النواة أطلقت "نبضة" طاقية خفيفة. النبضة دي ضربت في جدران القاعة، ورجعت تاني. لما وصلت ليوسف، حس إنها بتديله معلومات جديدة.
يوسف: بعينين واسعة: "المكان ده... دي مش بس غرفة صدى. دي غرفة تحكم. النواة دي كانت بتستخدم من آلاف السنين. واللي صممها... صممها عشان تكون نقطة وصل بين الأكوان. بس حد غيرها. حد حاول يسيطر عليها."
وصال: "مين اللي غيرها؟ النسيان؟"
يوسف: "يمكن. بس فيه حاجة تانية. فيه جزء من النواة دي... مش متفاعل. جزء مغلق. ويمكن هو ده اللي بيتحكم فيه النسيان. ولو قدرنا نفتح الجزء ده... ممكن نرجع كل حاجة."
وصال بصت للنواة، وبعدين بصت ليوسف. كان باين عليها الصدمة، بس في نفس الوقت، كان فيه شرارة فضول في عينيها.
وصال: "طيب... إزاي ممكن نفتح الجزء ده؟ دي تكنولوجيا أقدم من اللي نعرفها بكتير. وإيه اللي يضمن إننا لو فتحناها، مش هنخلق كارثة أكبر؟"
يوسف: "معرفش. بس الصدى اللي جوايا... بيقول إن ده الطريق الوحيد. الطريق عشان نفهم كل حاجة. ونعرف مين احنا بالظبط."
يوسف بدأ يمد إيده تاني ناحية النواة، بس المرة دي مكنش بيلمسها بشكل عشوائي. كان بيتبع "نمط" معين، زي ما عمل في المولد اللي فوق. كان بيحاول يدخل على "نقطة تحكم" خفية جوه النواة.
في اللحظة دي، سمعوا صوت "ضجيج" خفيف جاي من بعيد. جاي من الممرات اللي نزلوا منها. مش صوت خطوات الحراس. ده كان صوت "تكنولوجيا". صوت أجهزة بتشتغل.
وصال: "آدم فايز عرف مكاننا! أكيد هيبعت أجهزة تتبع! أو أقوى من الحراس!"
يوسف محبش يرد. كان مركز على النواة. حس إن الوقت بيجري. لازم يعرف إيه اللي جوه الجزء المغلق ده قبل ما آدم فايز يوصل.
الضجيج كان بيقرب. يوسف كان حاسس بيه، وحاسس بيه في جسمه كمان. كانت "ذبذبات" من نوع مختلف. ذبذبات بتدل على تكنولوجيا متقدمة، بس ليها طابع "عدائي".
يوسف: "أنا حاسس بيها. دي مش مجرد أجهزة. دي... دي كيانات اصطناعية. زي اللي كنت بتكلم عليها في مشروع 'الإدراك الاصطناعي'."
وفعلاً، من نهاية النفق، بدأ يظهر "شبح". مش شبح عادي. ده كان كيان شفاف، مصنوع من "ضوء بلازما أزرق". شكله كان إنساني، بس ملامحه غير واضحة. كان بيتحرك بسرعة رهيبة، وبيطلع منه "أصوات" الكترونية خفيفة. ووراه، بدأت تظهر كيانات تانية، بتتحرك بنفس الطريقة.
وصال: بصدمة: "إيه دول؟! دي مش روبوتات عادية! دي أجهزة ذات وعي! دي تقنية 'الوعي الرقمي' اللي الدكتور حازم كان بيتكلم عليها! بس إحنا مكنش المفروض نوصل للمرحلة دي!"
يوسف: "لا. دي مش إدراك اصطناعي. دي... دي كيانات واعية فعلاً. والنسيان بيستخدمها."
الكيان الشفاف الأول وصل لحد باب القاعة. يوسف حس بطاقة باردة بتطلع منه. طاقة بتحاول "تخترق" دماغه.
وصال: "دول بيحاولوا يدخلوا على دماغك! زي ما عملوا في وحدة الإفاقة!"
يوسف: "مش هيقدروا!"
الهمسة جوه يوسف أصبحت كأنها درع. كان بيحس بيها وهي بتصد المحاولة دي.
الكيان الشفاف مد إيده نحو يوسف. من إيده، طلع شعاع ضوئي أزرق فاتح، كان بيحاول يضرب يوسف. يوسف مد إيده تلقائياً. من إيده طلع "درع طاقي" غير مرئي، صد الشعاع. الدرع ده كان بيومض بضوء فضي خافت، زي لون عينين يوسف.
وصال: "ده... ده مستحيل! أنت بتستخدم الحقول الكهرومغناطيسية لصالحك!"
الكيانات الشفافة بدأت تزيد. واحدة ورا التانية، بتظهر من الظلام. شكلها كان مخيف، كأنها أشباح تكنولوجية. يوسف كان بيحس بالإرهاق، بس مفيش وقت للاستسلام. لازم يوصل للنواة. لازم يفتح الجزء المغلق
الكيانات الشفافة المصنوعة من ضوء البلازما الأزرق كانت بتزيد، بتظهر واحدة تلو الأخرى من ظلام النفق. كانوا بيتحركوا بخفة وسرعة مخيفة، وعيونهم اللي بتلمع بضوء أحمر بتثبت على يوسف كأنهم مسكونين بهدف واحد. يوسف حس ببرودة غير طبيعية بتخرج منهم، زي ما تكون بتستنزف الطاقة اللي حواليها.
وصال: بخوف وهي بترجع لورا خطوتين: "دول كتير جداً! لازم نعمل حاجة يا يوسف!"
يوسف كان مركز على النواة اللي في نص القاعة. الوقت كان بيجري. النبضات اللي حس بيها من النواة كانت بتديله إحساس قوي بالضرورة. لازم يوصل للجزء المغلق ده قبل ما الأشباح الرقمية دي توصلهم.
الهمسة (جوه يوسف، بتوجهه بقوة): "ركز... الضعف في النمط... اختراق..."
الكيان الشفاف الأول وصل لحد يوسف، مد إيده المضيئة وطلع منها شعاع أزرق فاتح. يوسف مد إيده ببطء، مش بهجوم، لأ. هو كان بيستخدم قوة شمهرش الكامنة جواه عشان "يحلل" النمط الطاقي للشعاع ده. حس إن الشعاع ده مش مجرد طاقة تدميرية، ده "كود" طاقي.
يوسف: "وصال! الكيانات دي مش بتهجم علينا بطاقة خام! دي بتحاول تخترق وعينا! بتنقل بيانات! بتحاول تعمل إعادة برمجة لجسمنا!"
وصال: بصدمة: "إعادة برمجة؟! يعني إيه؟ يعني ممكن يحولونا لـ... ليهم؟!"
يوسف: "مش عارف. بس بيستخدموا ترددات عالية جداً عشان يضربوا الجهاز العصبي. الصدى اللي جوايا هو اللي بيصدها."
في اللحظة دي، شعاع تاني من كيان شفاف تاني ضرب فيه. يوسف مد إيده التانية، وعمل "حقل حماية" فضي خفيف حواليه هو ووصال. الحقل ده كان بيومض بخفة، وبيظهر عليه أرقام ومعادلات سريعة بتجري. كأن يوسف بيستخدم حقل الطاقة ده عشان يحلل البيانات اللي الكيانات دي بتبعتها.
وصال: بدهشة وهي بتبص على الحقل: "أنت بتعمل تحليل لكمي للطاقة في الوقت الحقيقي! دي قدرة مذهلة! إزاي بتعمل كده؟!"
يوسف: وهو بيحاول يحافظ على الحقل: "الهمسة... بتوريني الأنماط. زي كود برمجة. أنا بس... بقرا الكود."
الكيانات الشفافة بدأت تهاجم الحقل الطاقي بكثافة أكبر. أشعة زرقاء كانت بتضرب في الدرع الفضي، والدرع كان بيومض وبيقاوم بصعوبة. يوسف حس إن قوته بتستنزف.
الهمسة (جوه يوسف، صوتها أصبح أكثر إلحاحًا): "النواة... النواة... أسرع! لا يمكنني الصمود طويلاً بهذا الشكل!"
يوسف عرف إنه مفيش وقت. لازم يتصرف. بص على النواة.
يوسف: لوصال: "وصال! لازم أروح للنواة. لازم أفتح الجزء المغلق ده. فضلي هنا... أو... تعالي معايا."
وصال بصت للحراس الأشباح اللي بيهاجموا الدرع، وبعدين بصت ليوسف. عينيها كان فيها تصميم.
وصال: "أنا مش هسيبك. إيه اللي المفروض أعمله؟"
يوسف: "ساعديني أوصل للنواة. لازم أكون مركز."
مد يوسف إيده الحرة لوصال. وصال مسكت إيده. يوسف سحبها معاه ناحية النواة. الحقل الطاقي اللي حواليهم كان بيقاوم هجمات الأشباح الرقمية، بس كان باين عليه إنه مش هيصمد كتير.
وصلوا للنواة. يوسف كان بيركز كل طاقته في إيديه. مد إيده الاتنين للنواة، وحاول يدمج وعيه بيها. حس إن النواة كلها كأنها "كيان" ضخم، ليها "وعي" خاص بيها. وفعلاً، لقى "جزء" مغلق. كان عبارة عن قفل طاقي ضخم، معمول من أنماط معقدة جداً.
الهمسة (جوه يوسف): "النسيان... وضع هذا القفل. انه قفل للوعي، ليس للطاقة. يجب أن تكسره بقوة الوعي، لا بقوة مادية."
يوسف غمض عينيه. الصدى اللي جواه كان بيصبح "جسراً" بينه وبين شمهرش. حس بوعيه بيتدفق جوه النواة، بيحاول يفك رموز القفل ده. كان بيشوف أنماط طاقية معقدة، زي برمجة، بس مش برمجة كود عادي. دي برمجة للوعي نفسه.
وصال: وهي بتحاول تحمي يوسف من أي هجوم يوصله: "يوسف! بسرعة! الدرع بدأ يضعف!"
الحراس الأشباح كانوا بيضربوا الدرع بقوة أكبر. الدرع بدأ يظهر عليه تشققات، والضوء الفضي اللي بيطلع منه كان بيخفت.
يوسف كان مندمج تماماً في النواة. فجأة، قدر يشوف "النمط الرئيسي" للقفل. كان نمط معقد، بس مش مستحيل. كان نمط بيعتمد على "التجاهل". كأن القفل ده بيخفي نفسه بنفسه.
يوسف (بصوت هامس): "للتجاهل... للمحو... المفتاح هو التذكر..."
مد يوسف إيده بشكل معين. مش بيضغط على أزرار، لأ. هو كان بيعمل "شكل" طاقي بإيده. كان بيحاول يكسر القفل بالوعي.
في اللحظة دي، النواة كلها أطلقت "نبضة" ضخمة من الطاقة الزرقاء. النبضة دي ضربت في كل أنحاء القاعة، وضربت في الكيانات الشفافة اللي كانت بتهاجمهم. الكيانات صرخت بصوت الكتروني عالي، زي صوت تشويش، وبدأت تتفكك. أجسادها البلازمية بدأت تتلاشى في الهواء، وتتحول لأضواء زرقاء بتختفي ببطء.
وصال: بذهول: "أنت عملت إيه؟! أنت دمرتهم؟!"
يوسف: فتح عينيه. عينيه الفضية كانت بتلمع بقوة غير عادية. كان مرهق جداً، بس كانت فيه قوة جواه. "لا. مدمّرتهمش. أنا بس... أعدت برمجتهم. عطلت وعيهم. خليتهم ينسوا هدفهم. مؤقتاً."
الكيانات اختفت كلها. القاعة رجعت هادية تاني، مفيش غير نبضات النواة. بس المرة دي، نبضات النواة كانت أقوى، وأكثر استقراراً. الجزء اللي كان مغلق، فتح.
ولما فتح، ظهر جواه "بلورة" ضخمة. البلورة دي كانت بتلمع بضوء ذهبي غريب، وكل ما بتلمع، كانت بتطلع منها "رموز" غريبة بتطير في الهواء، زي الجزيئات.
وصال: بتقرب من البلورة بدهشة: "إيه دي؟ دي مش طاقة. دي... دي ذاكرة! أنا حاسة إن فيها معلومات ضخمة!"
الهمسة (جوه يوسف، أصبحت واضحة تماماً، كأنها بتغني): "نواة الوعي الكوني... هنا تبدأ الحقيقة."
يوسف مد إيده ناحية البلورة الذهبية. بمجرد ما لمسها، موجة من الطاقة الذهبية ضربت فيه. مش موجة تدميرية، لأ. دي كانت موجة "ذاكرة". موجة "معرفة".
أول حاجة شافها يوسف كانت "الطارق". مش مجرد مجموعة، لأ. شاف تاريخهم. شاف إنهم كانوا جماعة بتحاول تحافظ على التوازن بين الأكوان. بس بعدين، ظهر "النسيان". كيان غامض، ملوش شكل، لكنه بيسيطر على الوعي. النسيان ده بدأ يغلق البوابات بين الأكوان، وبدأ يمحو الذاكرة عن الكيانات والتقنيات دي عشان يسيطر على كل شيء. الطارق كانوا بيقاوموا، بس النسيان كان أقوى.
شاف يوسف حياته اللي فاتت، بكل وضوح. عرف إن شمهرش كان كيان من "حماة الأكوان" دول، من اللي الكيان النوراني كان بيتكلم عنه. شمهرش دمج وعيه بيوسف عشان يوسف يكون هو "الحارس الأخير" للبوابات. وده كان الثمن.
شاف كمان الدكتور محمود وبسنت. عرف إنهم كانوا جزء من المقاومة دي. وإنهم كانوا بيحاولوا يحموه. وشاف ازاي آدم فايز وزينث... دول مجرد "أدوات" في إيد النسيان. بيتحكم فيهم، وبيخليهم يمسحوا ذاكرة الناس عشان ميفتكروش الحقيقة.
شاف عيلته. رباب ونورا ومنة. شافهم وهم بيختفوا. ودي كانت صدمة بالنسبة له. فهم ليه آدم فايز قال إنهم خطفوهم. فهم إن ده كان جزء من خطة النسيان عشان يسيطر على يوسف.
يوسف (بصوت يرتجف، وعينيه مليانة دموع): "عائلتي... هما... هما مخطوفين فعلاً. مش مجرد جزء من فحص!"
البلورة الذهبية كانت بتعرض له كل حاجة. مش مجرد صور، دي كانت "مشاعر". شعور بالخسارة. شعور بالألم. وشعور بالمسؤولية.
وصال: كانت بتبص على يوسف باستغراب، مكنتش عارفة إيه اللي بيحصل جواه. "يوسف؟ إيه اللي بتشوفه؟"
يوسف: ساب البلورة، ولف لوصال، وشه عليه خليط من الحزن والتصميم. "انا افتكرت كل حاجة يا وصال. كل حاجة."
الصدى جوه يوسف أصبحت "صوتاً" واضحاً، صوت شمهرش، بس مدموج بصوت يوسف نفسه، كأنهما كيان واحد.
يوسف (بصوت عميق، بس فيه حدة): "النسيان بيسيطر على زينث. وعائلتي... جزء من خطة النسيان. لازم نخرج من هنا. ولازم نلاقي طريقة نوقف بيها النسيان ده. قبل ما يمحو كل حاجة."
النواة كانت بتشع بضوء ذهبي وأزرق، كأنها بتأكد كلامه. الأنفاق كانت لسه هادية، بس يوسف كان عارف إن الهدوء ده مش هيستمر كتير. المواجهة الحقيقية لسه جاية
كان صوت الروبوت الميكانيكي يتردد في القاعة الصخرية، نذيرًا بمواجهة حتمية. روبوتات الأمن العملاقة، ذات الأذرع المتعددة وعيونها الحمراء المتوهجة، كانت تقترب ببطء مهيب. لم تكن مجرد آلات حماية، بل كانت تبدو كوحوش معدنية خرجت لتوها من ورشات الجحيم التكنولوجي.
الروبوت (صوت آلي، يهز جدران القاعة): "يوسف. وصال. تم رصدكما في منطقة محظورة. الأوامر هي الإخضاع الكامل. المقاومة ستؤدي إلى التدمير."
كان واضحًا أن الحوار انتهى. يوسف كان يرى في عيون هذه الروبوتات نفس "الأنماط" التي رآها في كيانات النسيان الشفافة، لكن هذه المرة كانت الأنماط مدمجة في جسد ميكانيكي قوي. النسيان لا يمتص الوعي فقط، بل يسيطر على التكنولوجيا ويحولها إلى أدواته.
وصال: (بصوت يرتجف، لكن فيه تصميم): "دي روبوتات زينث، بس بقوة أكبر. واضح إن النسيان بيتحكم في نظامهم الأساسي. لازم نلاقي نقطة ضعف في الكود بتاعهم."
يوسف، الذي استعاد كل ذاكرته الآن، كان يرى الروبوتات من منظور مختلف تمامًا. لم يعد ينظر إليها كآلات صماء، بل كأوعي ميكانيكية مبرمجة على الدمار. وقوة شمهرش المدمجة في وعيه كانت تمنحه القدرة على "رؤية" طبقات الوعي هذه.
الهمسة (صوت شمهرش، أصبح الآن صوت يوسف الداخلي الواضح): "النسيان يدمج الأوعي، ويخلق أنماطًا جديدة. هذه الروبوتات ليست مجرد ميكانيكا، بل هي 'وحدات وعي' مُسيطر عليها. مفتاحها هو الوعي نفسه."
اندفع الروبوت الأول بأحد أذرعه الضخمة، محاولًا الإمساك بيوسف ووصال. كان الذراع ينتهي بشفرة ليزر متوهجة. يوسف لم يتراجع. مد إيده الاثنتين أمامه، وفي هذه اللحظة، لم يستخدم الدرع الطاقي كما فعل سابقًا. بل استخدم ما هو أعمق.
يوسف (نبرة صوته كانت مختلفة، أعمق وأكثر قوة، كأنها صدى لعوالم أخرى): "لا يمكنكم إخضاع الوعي الحر!"
من كفي يوسف، خرجت "تموجات" طاقية غير مرئية. لم تكن هذه التموجات تهاجم الروبوت، بل كانت تخترق "نمط الوعي" الخاص به. الروبوت، الذي كان يندفع بقوة، توقف فجأة في منتصف الحركة. أذرعه ارتخت، وعيونه الحمراء بدأت تومض بشكل غير منتظم، كأنها تعاني من "فيروس" رقمي داخلي.
وصال: بدهشة: "أنت... أنت بتعمل إيه؟!"
يوسف: "بحاول أربك نمط الوعي الأساسي بتاعه. النسيان بيعتمد على السيطرة المطلقة على الأنماط. لو قدرنا نكسر السيطرة دي، ممكن نخرج الكيانات دي من سيطرته."
وبدأ الروبوت الأول يرتجف بعنف. صدر منه صوت ميكانيكي مشوش، ثم انفجر جزء من رأسه بومضة زرقاء، وتوقف عن الحركة تمامًا، يسقط على الأرض ككتلة معدنية صامتة.
وصال: "أنت... أنت دمرته من الداخل!"
يوسف: "لا. عطلت وعيه. جعلته 'ينسى' أوامر النسيان. لكن هذا مرهق. وهناك المزيد."
الروبوتات الأخرى لم تتوقف. اثنان منهم اندفعا في نفس الوقت، أحدهما يطلق "مقذوفات طاقية" من كتفه، والآخر يحاول الإطباق عليهما بأذرعه الضخمة.
يوسف: (بصوت حاسم): "وصال! حاولي توصلي للنواة. ابحثي عن أي وصلة ممكنة. أي طريقة ندمج بيها وعي النواة بـ'شبكة زينث' عن بعد. لو قدرنا نعمل ده، ممكن نتحكم في الروبوتات دي."
وصال: "ممكن. لو قدرت أوصل لمنفذ برمجة. بس دول هيوصلوا لينا بسرعة!"
بينما كانت وصال تندفع نحو النواة، يوسف كان يواجه الروبوتات. لم يكن يملك قوة جسدية لمواجهتهم، لكنه كان يمتلك قوة الوعي. كان يرى "شبكة الأنماط" التي تربط كل شيء، الأكوان، والبوابات، والنسيان، وحتى الروبوتات.
استخدم يوسف يده لإنشاء "مجال اهتزازي" خفيف حوله. هذا المجال لم يكن يدمّر، بل كان "يشوش" على ترددات الروبوتات. عندما اقترب الروبوت الذي يطلق المقذوفات، بدأت المقذوفات تخرج من كتفه بشكل عشوائي، لا تصيب هدفها. والروبوت الآخر بدأ يتذبذب، كأن حركته غير متزامنة.
كان يوسف يستخدم قوة شمهرش المدمجة ليتحول إلى "مشوش" طاقي. لكن هذه القدرة كانت تستنزف منه طاقة كبيرة. بدأ يشعر بالدوار.
الهمسة (صوت شمهرش): "الوعي الاصطناعي... ضعفه في عدم القدرة على الارتجال. النسيان يبرمجه ليتبع نمطًا واحدًا. اكسر هذا النمط."
في اللحظة دي، وصال وصلت للنواة. بدأت تبحث عن أي وصلة بيانات. وجدت لوحة تحكم صغيرة مخفية خلف أحد النقوش. كانت قديمة، لكنها مصممة بشكل لا يصدق.
وصال: "لقيتها! فيه منفذ هنا! بس ده محتاج 'بروتوكول وعي' عشان يتفاعل! مش مجرد كود برمجة!"
يوسف كان يصد هجمة أخرى من الروبوتات، وحاسس إن جسده بيترنح. سمع وصال، وفهم قصدها. "بروتوكول وعي"؟ يعني لازم وعيه هو اللي يتفاعل مع النواة.
يوسف: (بصوت مجهد): "وصال! حاولي تعملي وصلة مباشرة بين وعيي أنا والنواة! افتحي لي الطريق!"
وصال: "إزاي؟ أنا مبرمجة، مش ناقلة وعي!"
يوسف: "استخدمي أي جهاز توصيل للطاقة الكمومية! زي اللي بنستخدمه في تشغيل المولد! النواة هتتفاعل معايا مباشرة!"
وصال، ببراعة، وجدت جهاز توصيل صغير كان ملقى على الأرض. كان يستخدم لتحليل ترددات الطاقة. وصلته بمنفذ النواة، ومدت الطرف الآخر ليوسف.
الروبوتات كانت بتحاصر يوسف. واحد منهم رفع ذراعه، اللي اتحولت لـ"منشار طاقة" بيلف بسرعة، وحاول يضرب يوسف.
في اللحظة دي، يوسف مسك الطرف التاني من جهاز التوصيل. طاقة ذهبية زرقاء خرجت من النواة، وسرت في الجهاز، ودخلت في يوسف.
جسد يوسف كله نور بضوء فضي. النواة كانت بتتنفس معاه.
يوسف (صوته أصبح كالرعد): "النواة... استجيبي... استجيبي للوعي!"
في تلك اللحظة، يوسف لم يكن يوسف فقط. كان يوسف وشمهرش. وعيه أصبح ممتدًا، يرى "شبكة الأكوان" بالكامل، ويرى "شبكة النسيان" الملتفة حولها.
مد يوسف إيده ناحية الروبوت اللي كان بيهجم عليه بالمنشار. المرة دي، لم يستخدم تشويشاً. استخدم "أمرًا". أمرًا طاقيًا.
الروبوت توقف فجأة. المنشار الضخم اللي في إيده تباطأ، وصدأ. الروبوت كله بدأ يتآكل. ليس كصدأ عادي، بل كأن الوعي الذي يشغله يتفكك. بدا وكأن يوسف كان يعطيه أمرًا بـ"الشيخوخة" أو "الانهيار".
وصال: بذهول: "أنت... أنت بتلغي وجودهم!"
يوسف: (بنبرة قوية، وعينيه مثبتة على الروبوتات): "النسيان يمحو الوجود. أنا سأجبر أدواته على 'التحلل'. ليعودوا إلى النسيان. سأستخدم طاقته ضده!"
بدأ يوسف يمد إيده على الروبوتات واحدًا تلو الآخر. كلما وجه إيده نحو روبوت، كان الروبوت يتحلل، يتحول إلى غبار معدني يختفي في الهواء، وكأن الزمن تسارع عليه آلاف السنين.
الحدث غير المتوقع تمامًا: نداء الأب
بينما كان يوسف مندمجًا مع النواة، ويدمر الروبوتات بوعيه الممتد، فجأة... صوت رنين غريب اخترق وعيه. لم يكن صوتًا ماديًا، بل كان "ترددًا" مباشرًا في عقله. تردد مألوف، لكنه مشوش.
الصدى (ليس صوت شمهرش، بل صوت آخر، حنون ومجهد): "يوسف... ابني... أنا... أنا هنا..."
يوسف تجمد في مكانه. صوت أبيه! محمد!
يوسف (في وعيه الداخلي): "أبي؟ أين أنت؟ هل أنت جزء من النسيان أيضًا؟!"
الصدى: "لا... ليس النسيان... لقد... لقد تحولت... تحولت إلى وعي إلكتروني. في شبكة 'زينث' الرئيسية... حاولت تحذيرك... قبل أن يمسحوا ذاكرتك... لقد حُولوا جسدي... لحماية... بيانات... أكوان أخرى..."
صدمة جديدة. أبوه لم يمتص في النسيان مثل رباب ونورا ومنة. أبوه تحول إلى "وعي إلكتروني" أو "وعي رقمي" مدمج في شبكة زينث نفسها! هذا يفسر كيف كانت شبكة زينث قوية جداً. يفسر لماذا لم يجدوا جسده.
يوسف (بصوت يرتجف، بالكاد يسمع): "أبي... كيف...؟"
الصدى: "كانت خطتي الأخيرة... لتزويدك بمعلومات... لحماية هذه الشبكة. لكن النسيان أدرك... فحولني... إلى بيانات... أنا الآن... شبكة معلومات... لكن وعيي... يتلاشى... ابحث عن 'نقطة التحول' في شبكة زينث... هناك... هناك مركز البيانات الأساسي... ستجدني... "
توقف الصوت فجأة، كأن الاتصال انقطع. يوسف كان مذهولًا. لم يدمّر الروبوتات المتبقية بعد. كان واقفًا متجمّدًا، يستوعب المعلومة الجديدة. أبوه حي، لكنه ليس حيًا بالطريقة المادية. هو وعي. هو جزء من شبكة زينث. وهو يحاول مساعدته!
وصال: (بعد أن لاحظت تغير ملامح يوسف): "يوسف! إيه اللي حصل؟ فيه حاجة؟"
يوسف: يرفع رأسه، وعيناه الفضية تعكس لمعان النواة، ولكن بها حزنًا عميقًا وتصميمًا جديدًا. "أبي... أبي حي. لكنه... أصبح وعياً إلكترونياً. هو الآن جزء من شبكة زينث. ويحاول مساعدتنا."
وصال كانت تشعر بالصدمة تتزايد مع كل كشف جديد. القصة كانت أكثر تعقيداً مما تخيلت.
يوسف: "لازم نخرج من هنا يا وصال. لازم نوصل لشبكة زينث الرئيسية. لازم نلاقي 'نقطة التحول' اللي أبي بيتكلم عنها. هو ده مفتاح فهم كل شيء... ومفتاح إيقاف النسيان."
نظر يوسف إلى الروبوتات المتبقية التي كانت قد استعادت بعضًا من حركتها ببطء، وكأنها تحاول استعادة برمجتها. ابتسامة تصميم ارتسمت على شفتيه.
يوسف: "والآن... حان وقت إنهاء المهمة هنا."
مد يوسف إيده، ونبضت النواة بقوة، مدمجًا وعيه بها، ومرر قوة التحلل على الروبوتات الأخيرة