متسلسلة نجاة ملعونة | السلسلة الثانية | ـ حتي الجزء الأول 12/6/2025 (1 عدد المشاهدين)

ابو دومة

ميلفاوي أبلودر
عضو
ناشر قصص
إنضم
11 يوليو 2024
المشاركات
595
مستوى التفاعل
479
نقاط
1,115
النوع
ذكر
الميول
طبيعي
ترددت كثيرًا قبل أن أكتب هذه السطور
ليس خوفًا، بل احترامًا. احترامًا لحكاية انتهت أمامكم، لكنها ما زالت مستمرة في مكانٍ ما.
هناك نوع من القصص لا تموت بموت أبطالها… بل تنام قليلًا، تختبئ في صدعٍ بين الحياة والموت، ثم تعود فجأة، أكثر عطشًا، أكثر قسوة، وأكثر صدقًا.
ربما ظننتم أن كل شيء انتهى، أن الغموض قد انقشع، وأن الألم قد سُجن خلف فواصل النهاية.
لكن الحقيقة؟
النهايات لا تكون نهاية أبدًا
أحيانًا تكون مجرد استراحة، يعيد فيها القدر ترتيب أوراقه، ويمهد لطريق جديد.
طريقٍ لا يُشبه ما مضى، لكنه يحمل نفس الروح… وإن اختلفت الوجوه.
سألوني كثيرًا: هل ستعود الحكاية؟
وكنت دائمًا أتهرب من الإجابة… ليس لأنني لا أعرف، بل لأن بعض القصص لا تعود حين نطلبها، بل حين تقرر هي أن الوقت قد حان.
واليوم…
لم أعد أملك رفاهية السكوت.
اليوم، عادت الحكاية من تلقاء نفسها، تطرق باب الذاكرة، وتُلقي ظلّها على أيام جديدة… وجوه جديدة… وعالمٍ لم يتعلم شيئًا من الألم القديم.
لكنني لن أخبركم كثيرًا…
سأترككم تكتشفون بأنفسكم:
هل ما يأتي هو امتداد لما مضى؟ أم لعنة جديدة بأقنعة مألوفة؟
كل ما أعدكم به…
أن ما بين أيديكم ليس فصلًا ثانيًا فقط، بل هو صدى لصرخة لم تُسمع بعد… وظلّ الاسم… لم يُنسَ
الفصل الأول : هل نحن نحن


كان الليل ساكنًا على نحوٍ مريب، كأن المدينة بأسرها ابتلعت أنفاسها خِفية، وتواطأت مع الصمت. في إحدى ضواحيها المتواضعة، حيث تتقاطع الأرصفة القديمة مع ذكريات الناس، وتهتز النوافذ الخشبية كلما مرّ نسيم خفيف، كانت هناك شقة صغيرة تُطل على شارع ضيق بالكاد تبلله أعمدة الإضاءة الخافتة.
في قلب هذه الشقة، كانت "يارا" نائمة على سريرها الوردي، تحت بطانية مزركشة برسوم دببة وأزهار. لم تكن تتجاوز السابعة من عمرها، لكنها تحمل في عينيها نظرة لا تشبه أعمار الأطفال… نظرة مشوشة، ممتلئة بتفاصيل لا يمكن لطفلة أن تعرفها. ومنذ سنواتها الأولى، بدا واضحًا لأمها سمر أن في هذه الطفلة شيئًا غريبًا، شيئًا لا يُفسَّر بالعلم ولا بالمنطق.
كانت سمر تجلس في غرفة المعيشة، تحدّق في التلفاز دون أن ترى شيئًا مما يُعرض عليه. كوب الشاي بين يديها فقد حرارته منذ دقائق، والضوء الصادر من المصباح المعلق فوق رأسها لا يزيد عن كونه غشاءً باهتًا من الحضور. كانت تشعر منذ شهور أن ثمة أمرًا لا يسير على ما يُرام… ولم يكن هذا الإحساس جديدًا، بل بدأ منذ الليلة الأولى التي قالت فيها يارا، بعينين نصف مغمضتين: اسمي مش يارا… اسمي رانيا.
حينها ظنت الأم أن طفلتها تمزح، أو ربما تأثرت بأحد برامج الأطفال التي تعرض قصص الخيال. ابتسمت وقالت لها:لا يا حبيبتي، اسمك يارا، وأنا اللي سميتِك.
لكن الطفلة لم تضحك، لم تبتسم حتى. نظرت إليها نظرة طويلة، كأنها امرأة خُدعت مرارًا وتكرارًا، ثم همست: بس أنا متأكدة… أنا كنت اسمها رانيا. كنت ست كبيرة… وكان عندي جوزي. و… حد قتلني.
حينها لم تستطع سمر أن تُكمل الحديث، تجمدت الكلمات في فمها، واكتفت بإطفاء النور واحتضان ابنتها حتى نامت. لكنها لم تنم.
الليلة، تكرر المشهد. سمر أيقظها صوت بكاء مكتوم من غرفة يارا، كان البكاء متقطعًا، مترددًا، كما لو أن الطفلة كانت تحاول أن تبكي في صمت، أو تخاف أن يسمعها أحد. هرعت سمر نحو الغرفة، وفتحت الباب ببطء.
يارا كانت جالسة أمام مرآة صغيرة موضوعة على منضدة قصيرة، ترتدي قميص نوم أبيض مطرزًا برسوم الطفولة، شعرها منسدل على كتفيها بعشوائية، ووجهها شاحب كأن الليل سكن ملامحها.
سمر: يارا… مالك؟ بتعيّطي ليه يا حبيبتي؟
يارا، دون أن تنظر إليها: هو اللي قتلني… كان اسمه ساهر.
وقفت سمر للحظة، كأن الأرض مالت تحت قدميها. ساهر؟ الاسم ليس غريبًا على أذنها، لكنه لم يكن في حياتها… بل في حياة أخرى، لم تعشها، لكنها تشعر أن ابنتها خرجت منها.
سمر، محاولة أن تتحكم في نبرة صوتها: يارا… انتي بتحلمي؟ شفتي كابوس؟
يارا، أخيرًا التفتت نحوها، وقالت بنبرة واثقة لا تُناسب طفولتها: لأ… دي مش أحلام. دي حاجات حصلتلي. أنا كنت عروسة… وكان اسمه خالد… ومات عشاني.
شعرت سمر بدم بارد يجري في عروقها. كل شيء يبدو خطأ. اسم خالد… اسم ساهر… الكلمات التي لا يجب أن تعرفها طفلتها.
مرّت الأيام التالية ببطء ثقيل. أصبحت يارا أكثر انعزالًا، لا تلعب مع أحد، لا تتفاعل مع زميلاتها في المدرسة، ترسم وجوهًا حزينة، أو عيونًا دامعة، أو امرأة ترتدي فستان زفاف يلتف حوله السواد.
سمر بدأت تشعر بالذعر الحقيقي. ربما عقل طفلتها ينهار و أن ما تقوله ليس مجرد تهيؤات.
قررت أن تأخذها إلى طبيبة نفسية مختصة. في غرفة الانتظار، كانت يارا جالسة بهدوء، عيناها تتابع عقرب الساعة وهو يتحرك ببطء، ثم قالت فجأة:
يارا: مش هتعرفوا تساعدوني… علشان أنا مش مجنونة. أنا بس… فاكرة.
لم يكن في صوتها غضب، ولا توتر، ولا أي نبرة يمكن ربطها بطفلة. كان صوتًا هادئًا… لكنه محمّل بثقل كبير، أكبر من عمرها، أكبر من الدنيا كلها.
حين دخلت يارا على الطبيبة، جلست بثبات لا يتماشى مع رهبة المكان. نظرت حولها قليلًا، ثم نظرت للطبيبة وقالت: أنا محتاجة حد يساعدني أرجع حقي… مش أتعالج.
الطبيبة، مرتبكة: تقصدي إيه يا يارا؟
يارا: مش يارا… رانيا.
ثم صمتت. وتركت الغرفة غارقة في أسئلتها.
في الخارج، كانت سمر ترتجف، لا تعلم إن كانت تلك الطفلة التي ترافقها كل يوم إلى المدرسة هي حقًا ابنتها… أم أن شيئًا آخر عاد إلى هذا العالم على هيئة جسد صغير، ليُتم حكاية لم تكتمل… أو لينتقم من وجعٍ لم يُنتقم له.
كانت تلك اللحظة، اللحظة التي أدركت فيها سمر أنها لم تعد تخاف على ابنتها فقط… بل بدأت تخاف منها أيضًا.
وشرعت المحادثة بين الطبيبة (ليلي) ،و الطـفلة يارا عن أحاديث كثيرة ،وعن الأفكار اللتي تراودها.
حتي انتهت، وطلبت من امها الدخول وانتظار يارا في الخارج لبضع دقائق.
سألت الطبيبة : في حد من العيلة حصل معاه حاجة مأساوية؟ ****؟ وفاة؟ انتحار؟"
سمر سكتت.
وكأن، انبوبة من الذكريات اتفتحت بداخلها قالت متلعثمة : كان في واحدة في العيلة… تبقى بنت بنت خالتي… اسمها رانيا.
وسردت القصة القديمة…
المأساة اللي سمعوا عنها بالماضي، ولم يكترث احد لها.
رانيا اللي اتقتلت، واتكسرت، وماتت في ظروف مريبة، والكل سابها ودفنها ونسي.
عادت سمر إلى البيت ويدها ترتجف وهي تمسك مقبض الباب. لم تكن تفكر إلا في عينيّ يارا، تلك النظرة التي حملت ما لا تستطيع الكتب شرحَه، ولا يستطيع القلب احتمالَه. صمتت طوال الطريق، تحاول أن تُقنع نفسها أن كلّ ما يحدث محض اضطراب نفسي لطفلة صغيرة، لكنه لم يكن كذلك… لم يكن كذلك أبدًا.
في المساء، جلست سمر على الأرض بجوار سرير يارا، تنظر إليها وهي نائمة. كانت ملامحها هادئة، تنام بعمق، لكن في حاجبيها انعكاس ألم لا يليق بطفلة. مدت سمر يدها تتحسس خصلات شعرها، ثم همست لنفسها:لو كنتي موجوعة… أنا كمان. بس أنا مش فاهمة، مش قادرة أفهم.
في لحظة، تحركت يارا في نومها، ثم تمتمت بكلمات غير مفهومة، قبل أن تستقر على جملة واحدة، نطقتها بصوت متكسر: ساهر… أنا هرجّع اللي عملته فيا.
سمر شهقت. يدها ارتجفت. نظرت حولها وكأن الغرفة أصبحت أضيق، الهواء أصبح أثقل، وكل شيء يخبرها أن الحياة التي تعرفها على وشك أن تتغير للأبد.
مرّ أسبوع، بدأت فيه "رانيا الصغيرة" كما أصبحت تُسميها سمر سرًّا تتحدث أكثر، تحكي قصصًا من حياة لم تعشها: عن رجل يُدعى خالد، كان يحبها ويخاف عليها، وعن ليلة انطفأ فيها كل شيء، وعن صدمة، عن موت، عن ألم… ثم عن ظلام طويل، وصمت قاتل… ثم ولادة!
قالتها صريحة ذات يوم وهي تُقلّب في أحد كتب القصص: أنا موت قبل كده… بس رجعت. علشان آخد حقي.
سمر حاولت تقاوم. حاولت أن تُكذب. حاولت أن تمارس دور الأم التي تنفي الغرابة، وتؤمن بالمنطق. لكنها لم تستطع. في الليل، كانت تتذكر ما تقوله يارا، وتربطه بأخبار قديمة، بتفاصيل ربما قرأتها مرة ونسيتها، لكن عقلها الآن يُعيد تركيبها… وكأن شيئًا ما يقول لها: فتشي عن الحقيقة… خلف ستار الطفولة.
في أحد الأيام، وبينما كانت يارا ترتب عرائسها فوق السجادة، التفتت إلى سمر وسألتها سؤالًا غريبًا: ماما، إنتي عمرك جربتي الحُب؟ اللي يوجع، ويكسّر، وفي نفس الوقت… يخليكي تحسي إنك عايشة؟
سمر، مشدوهة: سؤالك ده جاي منين؟!
يارا: من جوّا. من مكان بعيد أوي، بس لسه حرّاق.
ثم أضافت وهي تعود لترتيب عرائسها:
يارا: هو كان حب خالد كده… بس ساهر قتل كل ده.
سمر لم تعد تردّ. لم تعد تعرف كيف. كل ما تملكه الآن هو أن تراقب… وتنتظر.
وعلي عكس تخيلك تمام عزيزي القارئ، يارا لم تكن مهووسة برانيا فقط، فبعض الاوقات تعود الي طفولتها البريئة، ولا تتذكر عن ماذا كانت تتحدث في اليوم السابق.
 

المستخدمون الذين يشاهدون هذا الموضوع

من قرأ هذا الموضوع خلال 30 يوم ؟ (Total readers: 0)
No registered users viewing this thread.
أعلى أسفل