جدو سامى 🕊️ 𓁈
مسؤول أقسام القصص الجنسية والغير & كبير الإداريين
إدارة ميلفات
كبير الإداريين
إداري
حكمدار صور
كاتب حصري
كاتب برنس
ملك الحصريات
أوسكار ميلفات
فارس الكلمة الماسية
مؤلف الأساطير
ملك المزاج العالي
ميلفاوي VIP
نجم الفضفضة
مستر ميلفاوي
ميلفاوي أكسلانس
ميلفاوي ديكتاتور
كاتب ماسي
ميلفاوي واكل الجو
ميلفاوي كاريزما
ميلفاوي حكيم
ناشر قصص
ناشر صور
ناشر أفلام
صقر العام
ميلفاوي حريف سكس
ميلفاوي كوميدي
إستشاري مميز
شاعر ميلفات
ناشر موسيقي
ميلفاوي سينماوي
ميلفاوي نشيط
ناشر قصص مصورة
ناشر محتوي
مترجم قصص
نجم ميلفات
ملك الصور
ناقد قصصي
صائد الحصريات
فضفضاوي أسطورة
كوماندا الحصريات
ميتادور النشر
ميلفاوي مثقف
ميلفاوي كابيتانو ⚽
ناشر عدد
ناقد مجلة
ميلفاوي علي قديمو
ميلفاوي ساحر
ميلفاوي متفاعل
ميلفاوي دمه خفيف
كاتب مميز
كاتب خبير
ميلفاوي خواطري
ميلفاوي فنان
الذئب الأسود
مقدمة
ماذا لو لم تكن حياتك مجرد حياة واحدة؟!
عندما قرر أحمد التخلص من ركام الماضي في قبو منزله، لم يكن يتوقع أن يكتشف مدخلاً إلى المتاهة الأكثر رعباً: مكتبة "الأنا" المتعددة.
هنا، الرفوف لا تحمل قصصاً خيالية، بل كل كتاب هو نسخة منك، عاشت بناءً على خيار لم تتخذه. مجلد أسود يروي قصة القاضي البارد الذي نال السلطة المطلقة، وورقة محروقة تخبر عن الفنان الذي ضحّى بروحه من أجل الشغف، وكتاب أبيض يتحدث عن سلام عدم الوجود.
في هذه المكتبة، وعيك هو العملة الوحيدة، وكل قراءة هي خطوة نحو التفكك. بدأت الصدوع تظهر في الأرفف، والهمسات الغامضة تحذره: "البحث عن الأصل يدمر النسخ".
يجد أحمد نفسه محاصراً بين آلاف الـ "أنا" المتناقضة. هل يعود إلى ملل حياته الآمنة؟ أم يغامر بإيجاد النسخة "الحقيقية" قبل أن تبتلعه المكتبة ويصبح مجرد وعي مشتت بين الأكوان؟
هذه ليست مجرد قراءة، بل هي مواجهة وجودية تضعك أمام سؤال واحد: إذا كنت تستطيع أن تكون أي شخص، فمن أنت حقاً؟
للكاتب: H I T L E R
الفصل الأول
الباب الصامت
أنا أحمد، رجل الأربعينيات الذي يتقن فن العيش دون أن يحيا. حياتي، لو كانت رواية، لكانت من أكثر الروايات مبيعًا ولكنها الأشد مللًا
مكتب هندسي ناجح، زوجة محبة (هند)، وطفلان يتمتعان بصحة جيدة. المعطيات كلها تشير إلى الاستقرار، لكن روحي كانت تئن تحت وطأة الرتابة. كانت أيامي خطوطًا متوازية، لا تتقاطع أبدًا، ولا تقود إلى أي مكان جديد
في مساء ذلك اليوم الأربعاء، شعرت بضجر غير محتمل، كأن الوجود كله قد تقلص إلى حجم شاشة هاتفي. قادتني قدماي إلى حيث اعتادت الذاكرة أن تتجاهل: قبو المنزل القديم
قبو لم نستخدمه منذ انتقالنا، اعتبرناه مجرد خزان للتراب والنسيان. كان مجرد فكرة غامضة ومظلمة، لا مكانًا فعليًا
أزحتُ كومة من الأخشاب الرطبة وأنا أستنشق رائحة الغبار المتعفنة، ثم عثرتُ على ما لم يكن موجودًا بالأمس: باب
لم يكن بابًا عاديًا، بل كان بابًا صامتًا. خشبه داكن، خالٍ من أي مقبض، ومحاط بإطار حجري لا يشبه بناء المنزل. لم تكن هناك أي مؤشرات لبنائين أو عمال أو ترميم. ظهر الباب فجأة، كاملاً ونهائيًا، وكأنما نبت من العدم أو سُحب من طية زمنية
وقفتُ للحظات أفكر في المنطق، ثم تذكرتُ ضجري. المنطق لم يعد صديقًا حميمًا لي
مددتُ يدي إليه، لم يكن باردًا كما توقعتُ، بل دافئًا ومصقولًا بشكل غريب. دفعتهُ برفق، فانسحب إلى الداخل دون أدنى صوت أو صرير، وكأنني فتحتُ خزانة هواء. ما رأيته في الداخل لم يكن قبوًا، بل كان نقيض القبو، كانت مكتبة
لكنها لم تكن مكتبة عادية. لم يكن سقفها محددًا بمدى بصري، بل كان يتلاشى في ظلمة عميقة موشاة بضوء خافت وغامض يشبه ضوء النجوم البعيدة. الأرفف كانت عالية، تلتف حول فضاء دائري واسع، وتتجاوز أي قدرة على العد أو الحصر. المكان يمتلك رائحة خاصة: مزيج من ورق قديم، حبر جاف، وشيء معدني بارد يذكرني بطعم الندم. لكن الأمر الأكثر غرابة كان في العناوين
سرعان ما وجدتُ ركنًا يبدو أنه يخصني. بدأت الأرفف تحمل أسماء مألوفة، أسماء أشخاص قابلتهم في حياتي. التقطتُ أول كتاب كان في متناول يدي. كان مجلدًا سميكًا باللون الرمادي
قرأتُ الاسم المكتوب بخط يد أنيق على الغلاف
أحمد... وُلد في 1985/3/17
ثم، تحت الاسم، كان هناك عنوان فرعي
"حياة أحمد في 120 يوم عمل"
تجمد الدم في عروقي. كان هذا هو الوصف الموجز والمميت لحياتي الحالية كمهندس: 120 يوم عمل متكرر كل ستة أشهر، بلا تغيير
ارتعشت يدي، وعدلت وضعي لأجد على الرف التالي كتابًا آخر يحمل اسمي والتاريخ نفسه، لكن بعنوان مختلف جذريًا
"أحمد: موسيقي الشوارع ووجه المدينة المُشرق"
وآخر
"أحمد: الكاهن الصامت في معبد الحكمة القديم"
وآخر يحمل تاريخًا مستقبليًا قريبًا، ويومًا لم يحدث بعد
"أحمد: اليوم الذي لم يعد فيه إلى المنزل أبدًا"
أدركتُ بشيء من الفزع، وشيء أكبر من الدهشة، أنني لستُ في قبو. أنا في "مكتبة الأنا المتعددة". كل كتاب أمامي يمثل مسارًا محتملاً لحياتي، خيارًا اتخذته أو لم أتخذه، طريقًا سلكته أو تجنبته. هذه ليست قصصًا عني، بل أنا
تقدمتُ نحو مركز المكتبة بخطوات مترددة، وكأنني أسير فوق أرضية هشة. كانت حافة رفٍ حجري أسود قريبة مني. لمستها. كانت باردة وناعمة كزجاج صقيل. وفجأة، لاحظتُ شرخًا دقيقًا يمتد عبر حافة الرف. لم يكن شرخًا في الرف الحجري، بل كان اهتزازًا في الوجود
في تلك اللحظة، سمعتُ همسة. كانت الهمسة خافتة، لكنها اخترقت صمت المكتبة العميق لتستقر في أذني مباشرة، وكأنها خرجت من صفحات الكتب نفسها
أنتَ الآن تعلم. ابحث... قبل أن تنهار الأكوان غير المكتملة
لم أستطع تحديد مصدر الصوت، لكنه أيقظ في داخلي غريزة قديمة ظننتها قد ماتت تحت ركام الرتابة: الخوف... وضرورة البحث
الآن، أنا أحمد، مهندس الخطوط المتوازية، أقف أمام مكتبة لا نهائية من "الذوات" الضائعة والمكتملة. وإذا كان "أنا" الحالي مجرد كتاب واحد من آلاف، فهل هو النسخة "الحقيقية"؟ وإذا لم يكن كذلك، فأي من هذه الكتب يحمل روحي؟
شعرتُ أن عليَّ أن أقرأ، لا لأعرف قصصهم، بل لأقرر مصيري، ومصيرهم
وضع أحمد يده على المجلد الرمادي الذي يحمل عنوان "حياة أحمد في 120 يوم عمل". كان هذا هو المجلد الذي سيبدأ به رحلته
يتبع في الفصل الثاني، الكتاب الأول: المهندس البائس
للكاتب: H I T L E R
الفصل الثاني
الكتاب الأول: المهندس البائس
لم يستطع أحمد مقاومة الإغراء. أمسك المجلد الرمادي السميك الذي يحمل عنوان: "حياة أحمد في 120 يوم عمل"، وعاد خطوة إلى الوراء، مستندًا بظهره إلى رف ضخم. فتح الكتاب، فوجد الصفحات الأولى مُبقعة بتفاصيل شديدة الدقة، تفاصيل لا يعرفها إلا هو.
مقتطفات من "المهندس البائس"
"كانت الثانية عشرة ظهرًا من يوم الثلاثاء. لم يكن يومًا مميزًا، ولا يمكن لأي ثلاثاء أن يكون مميزًا في مكتب تصميم الأنظمة المدنية.
أحمد، المهندس الذي خلع عنه الحماس منذ عقد، جلس خلف مكتبه الخشبي الموحد اللون، محاولًا إقناع نفسه بأن الفارق بين خطة البناء 'أ' وخطة البناء 'ب' يستحق التفكير خمس دقائق إضافية. بالطبع لا يستحق. لكنه كان قد وصل إلى مرحلة الاحتراف في تضييع الوقت بإتقان.
كان يسمع صوت مضغ الزميل (خالد) لسندويتش التونة في الكابينة المجاورة. كان خالد يحمل نفس الشهادة، ويتبع نفس المسار، ويقضي نفس القدر من الساعات في نفس البؤس الهادئ. كانا مجرد نسختين من صيغة رياضية فاشلة: سنوات دراسة + سنوات خبرة = فراغ وجودي.
في الرابعة مساءً، تأتي مكالمة هند. ليست مكالمة حوار أو شغف، بل مكالمة "المهام".
'أحمد، لا تنسَ شراء الخبز البني والحليب قليل الدسم. والرجاء لا تتأخر، العشاء في السابعة.'
كان صوته في الرد آليًا، خاليًا من الموسيقى التي كانت تملؤه قبل سنوات: 'حاضر يا هند.'
كان أحمد هذا لا يرى العالم، بل يراه عبر شاشة الحاسوب. لا يشعر بهند، بل يراها كـ 'شريك حياته الإلزامي'. لم يكن يكرهها، بل كان قد استنفد قدرته على الحب في سباق الوظيفة والأقساط. كانت حياته أشبه بنموذج ثلاثي الأبعاد صممه ببراعة: متكامل، ومحكم، وميت تمامًا.
في تلك اللحظة، وهو يضع القلم بعد توقيع بلا قيمة، كان يشعر وكأن روحه مجرد برنامج تشغيلي في وضع الخمول، ينتظر إشارة لم تأتِ أبدًا."
شعر أحمد (الواقف في المكتبة) ببرودة قارسة. كانت القراءة مرآة بشعة لوضعه الراهن، لكنها كانت أيضًا مُفزعة لأنها كُتبت عنه بضمير الغائب، وكأنها وثيقة تشريح لذاته.
"كيف يمكن أن تكون روايتي بهذا القدر من الجمود؟" تساءل بصوت عالٍ في صمت المكتبة العميق. "هل هذا هو كل شيء؟ هل أنا حقًا هذا البائس؟"
لم يمضِ وقت طويل حتى شعر برغبة ملحة في تمزيق الكتاب، لكن يده توقفت. لم تكن المسألة تدمير نسخة ورقية، بل تدمير ذاته الحالية.
وبينما كان يقلب الصفحات، وجد ملاحظة مكتوبة بخط يد مختلفة، لكنها مألوفة، في هامش إحدى الصفحات:
'الوظيفة ليست ذنبه. إنه يهرب، يهرب من الصوت الذي كان يمكن أن يغنّيه لو لم يختر الأمان الزائف.'
انقبض قلبه. كان الخط خطه هو، لكنه خط أكثر قوة وحدّة من خطه الحالي المتردد.
فجأة، بدأت الصفحات تتوهج بضوء خافت. تداخلت الجمل وبدأت تتحرك، ثم انطلقت منها صورة ذهنية قوية: مشهد ليلي، أحمد يجلس على حافة نهر، يحمل عوداً موسيقياً، وعيناه تلمعان بشيء يشبه الحلم المنسي. كان هذا أحمد آخر، أحمد لم يُكتب عنه بعد في هذا المجلد.
شعر أحمد الواقف في المكتبة بأن هذا المجلد الرمادي يخنقه. أغلقه بعنف، ووضعه مجددًا في الرف، ثم تراجع خطوتين. نظر إلى الشرخ الدقيق على الرف؛ لقد زاد طوله قليلاً، وبدأ يطلق جزيئات غبار لامعة في الهواء. أدرك أن البحث عن "الذات الحقيقية" ليس رحلة للاستمتاع، بل هو سباق ضد التلاشي.
توجهت عيناه إلى مجلد أزرق فاتح ولامع في الركن البعيد، يحمل العنوان التالي المثير للفضول:
"أحمد... رؤية عبر الزجاج: الأب المفقود"
هذا العنوان بالذات استوقفه، ففي حياته الحالية، لم يفقد أحمد طفلاً قط. كان لابد أن يقرأ هذا الفصل ليكتشف أي حياة دفع فيها ثمنًا عاطفيًا باهظًا.
يتبع في الفصل الثالث: رؤية عبر الزجاج: الأب المفقود
للكاتب: H i t l E R
الفصل الثالث
الكتاب الثاني: الأب المفقود
رؤية عبر الزجاج
بمجرد أن أمسك أحمد بالمجلد الأزرق، شعر بثقله المعنوي. كان الكتاب باردًا، كالحجر المنقوع في دموع قديمة. العنوان، "الأب المفقود"، يبعث على الوجل، خاصة وأن أحمد الحالي لم يعرف هذا النوع من الفقد.
فتح الكتاب، ولم يجد فصولاً، بل وجد مقتطفات ومراسلات. كانت هذه النسخة من حياته أشبه بألبوم صور فوتوغرافية متناثرة.
1. من يوميات نورة (الأحد، 12 مايو 2011)
"اليوم مضى على رحيل 'عليّ' سبعة أشهر وثلاثة أيام. سبعة أشهر لم يتوقف فيها أحمد عن النظر إلى باب الغرفة. لم يتحدث، لم يصرخ، فقط ينظر. هذا الصمت يقتلني أكثر من الصراخ. لو أنه بكى مرة واحدة، لعرفتُ أن هناك شيئًا حيًا ما يزال في داخله. لقد اختار أحمد البقاء في مدينتنا بعد الجامعة، اختار الأمان، لكن الأمان لم يحمِنا. عليّ كان حياتنا، وأحمد الآن مجرد خيال باهت لرجل كان هنا."
2. رسالة إلكترونية مُرسلة من أحمد (الأب المفقود) إلى زميله القديم (طارق) (الجمعة، 15 أغسطس 2014)
الموضوع: لا يوجد
طارق،
لم أتزوج بعد رحيل عليّ. نورة وأنا بقينا معًا، لا كزوجين، بل كشخصين يراقبان بعضهما البعض يغرق. أصبحتُ أعمل بائع كتب. هل تتذكر كم سخرت مني عندما قلت إنني أريد أن أكون كاتبًا؟ الآن أبيع الكلمات التي لم أستطع كتابتها.
في بعض الأحيان، عندما أجد كتابًا للأطفال، أضعه جانبًا. أرى عليّ فيه. أرى كيف كان يمكن أن تكون عيناه وهو يقرأ عن التنانين والفرسان.
الغريب أنني أصبحتُ "أكثر كمالًا" من الداخل، ولكني "أكثر هشاشة" من الخارج. العودة إلى المنزل بعد العمل ليست عودة، بل هي دخول إلى صمت مُرتّب. كل شيء في حياتي مرتب الآن، إلا قلبي.
لا تردّ، أنا أكتب إليك فقط لأنني أعرف أنك لن تقرأ أبدًا.
أحمد
3. إيصال من متجر لبيع اللعب القديمة (2020)
صنف: لعبة قطار خشبي – إصدار خاص.
المشتري: أحمد فؤاد.
ملاحظة بخط اليد: هذا القطار هو ما كان يريده عليّ في عيده السادس.
أغلق أحمد (الواقف في المكتبة) الكتاب بعنف، وشعر بطعنة باردة. كان الألم الذي قرأه حقيقيًا لدرجة أنه كاد يسمع صدى بكاء نورة وصمت أحمد (الأب المفقود).
"يا إلهي..." تمتم أحمد، وشعر بدمعة ساخنة تسللت على خده. "هذه الحياة... مليئة بالصدق المرعب."
لقد كان أحمد الحالي يتذمر من الرتابة والملل. أما هذا "الأنا" الآخر، فقد كان يتمنى لو عاد إلى رتابته المملة، لو كانت تلك الرتابة تعني بقاء ابنه.
أدرك أحمد أن هذا الكتاب لم يكن عن الخيارات المهنية أو الزوجية؛ كان عن هشاشة القدر.
كانت نبرة هذا الكتاب مختلفة تمامًا عن سخرية الكتاب السابق. هذا الصوت مليء بالندم الهادئ، والحب الذي تحوّل إلى أثر باقٍ.
رفع أحمد عينيه عن الكتاب، ووجد أن الشرخ في الرف قد ازداد طولًا بشكل ملحوظ. وبدأت أرفف المكتبة كلها تصدر اهتزازًا خفيفًا لكنه ثابت.
"كلما قرأتَ أكثر، أصبحتَ أنتَ الحقيقة الأقوى." سمع أحمد هذه المرة الهمسة بوضوح أكبر. كانت كصوت الحجارة التي تحتك ببعضها البعض. كان هذا التهديد الآن ملموسًا: إذا استمر في فحص النسخ الأخرى، فإن جودة حياته الحالية قد تتأثر وتتفكك.
لكن بعد أن قرأ عن المهندس البائس والأب المفقود، أصبح السؤال الوجودي يلح عليه: ما هي القيمة الحقيقية لحياته التي يعيشها؟ هل هو مجرد محظوظ لم يواجه هذا الألم، أم أنه أضاع نفسه في سبيل تجنب أي ألم؟
دفعته هذه التساؤلات نحو ركن مظلم في المكتبة، نحو كتاب كان حجمه يبعث على القلق، يحمل عنوانًا يُشير إلى محاولة التخلص من الحياة السابقة تمامًا:
"الصدع الأول في الجدار"
كان عليه أن يفهم الآن مصدر الخطر، وطبيعة انهيار المكتبة.
يتبع في الفصل الرابع: الصدع الأول في الجدار
للكاتب: H I T L E R
الفصل الرابع
الكتاب الثالث: الصدع الأول في الجدار
لم يعد الخطر مجرد شعور، بل حقيقة فيزيائية تتجسد في هذا الشرخ المتنامي. دفعتني القراءة في الكتابين السابقين من منطقة الضجر إلى منطقة الخوف الوجودي. أدركتُ أن هذا المكان ليس معرضًا للقصص، بل هو ساحة معركة للهويات.
اخترتُ كتاب "الصدع الأول في الجدار". لم يكن هذا الكتاب يسرد حياة كاملة، بل كان أشبه بـ رسالة تحذير؛ سجل ليوم واحد اتخذتُ فيه قرارًا مصيريًا في إحدى الحيوات البديلة.
فتحته، فإذا بالصفحات تتحدث مباشرة عني، ولكن بنبرة تفكك داخلي عميق:
مقتطفات من "الصدع الأول في الجدار"
"في ذلك الصباح، نظر (أحمد الآخر) إلى انعكاسه في زجاج النافذة. لم يرَ وجهه، بل رأى احتمالات وجوهه. كان الوجود بالنسبة له قد أصبح مرآة مكسورة. كل شظية تَعِدُ بحياة، لكنها ترفض أن تتحد لتشكل كلاً واحدًا.
قال لنفسه: 'أنا لستُ هذا، ولستُ ذاك. أنا فقط المسافة بين كليهما.' في هذا الكون، كان أحمد قد اختار الهروب إلى الصحراء ليصبح عالم آثار يبحث عن أسرار الزمن.
لقد كان هروبه إيمانًا بأن الماضي الثابت أقل إيلامًا من الحاضر المتغير. كان يرتدي قناع الباحث عن الحقيقة، بينما كان في الحقيقة يبحث عن عدمية مريحة.
في ذلك اليوم، عثر على جدارية قديمة، لم تكن تحوي رسومًا، بل معادلات رياضية. معادلات تُفَسِّر فكرة 'الانشطار الروحي': كيف يمكن لروح واحدة أن تتوزع على مسارات زمنية مختلفة. كانت الجدارية تتنبأ بأن تفعيل أي من هذه المسارات بقوة كافية (كأن يقرأ عنها أو يعيشها بعمق)، سيؤدي إلى إضعاف الجدار الفاصل بين العوالم، وبالتالي انهيار المكتبة.
نظرتُ بعمق في الصفحة، وشعرتُ وكأنني أقف على حافة هاوية. لم تكن المكتبة مجرد أرشيف، بل كانت جدار حماية بين الذوات. وقراءتي هي بمثابة إحداث شقوق في هذا الجدار. أنا، أحمد الحالي، لستُ أبحث عن الأجوبة، بل أهدد الوجود.
في الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب القصير، ظهرت لي يد مرسومة بالطباشير، تلوح لي من خلال النص.
ثم تجسد أمامي، في وسط المكتبة، ظلٌ خفيفٌ. كان كيانًا رفيعًا وهشًا، يرتدي ثيابًا قديمة تشبه ملابس أمناء المكتبات القدامى، لكن وجهه كان مغمورًا في الظلمة.
الحارس: "أحمد... هل تظن أنك تختار؟"
تجمدتُ في مكاني. صوتُه كان كصوت تقليب الأوراق الجافة، خافتًا وعميقًا.
أحمد: "من أنت؟"
الحارس: "أنا صوت الإمكان، أنا أحمد الذي لم يقم بأي شيء. أنا حارس هذه الأكوان غير المكتملة. أنتَ تهدد الاستقرار."
أحمد: "أنا أبحث عن حياتي الحقيقية. حياتي الحالية فارغة."
هزّ الحارس رأسه المغمور في الظل. حركة واحدة كانت كافية لزيادة طول الشرخ في الرف خلفه.
الحارس: "الحياة الحقيقية ليست كتابًا تقرأه، بل هي ما تكتبه الآن. أنت تبحث عن الكمال، والكمال هو الانهيار. عندما تعثر على النسخة 'الأصلح' في نظرك، ستكتشف أنها كانت مجرد وهم، وستنهار كل النسخ الأخرى لتتركك وحيدًا مع فراغ مُطلق."
كان كلامه منطقيًا ومخيفًا. لقد أوضح لي أن التمسك بفكرة "الأفضل" يعني تدمير كل البدائل.
أحمد: "إذًا، لماذا ظهرت لي هذه المكتبة؟"
الحارس: "ظهرت لأن يأسك الحالي هو القوة الدافعة للبحث. اليأس يفتح الأبواب التي يجب أن تبقى مغلقة. أنت مدفوع بالفضول، وستدفع الثمن بالوحدة. عليك أن تقرر: هل ستعيد قبول حياتك الحالية بكل رتابتها كـ خيار واعٍ، أم ستستمر في التفتيش عن الذات المثالية، وتُفني نفسك في هذا الفضاء الزمني المنهار؟"
أدركتُ أن الحارس هو مجرد صدى لذاتي الأقل فاعلية، ذاتي المتعبة التي تتمنى ألا يقوم أي أحمد بأي شيء حقيقي خوفًا من الفشل.
نظرتُ إلى الشرخ. لقد أصبح واضحًا الآن، كأنه عرق ينبض بالضوء. يجب عليَّ أن أستمر في القراءة، لا لأجد النسخة المثالية، بل لأفهم ما الذي خسرتُه فعلاً في حياتي الحالية. عليَّ أن أفهم الثمن الذي دفعته كي أتجنب مصير المهندس البائس، أو الأب المفقود. فهل كان هذا الثمن هو هند؟
توجهتُ إلى كتاب آخر، يحمل عنوانًا يتعلق بزوجتي، ويبدو أنه يحمل مفتاح العلاقة الوحيدة القريبة مني في الواقع.
يتبع في الفصل الخامس:
البحث عن الترياق: عالم بلا "هند"
للكاتب: H I T L E R
الفصل الخامس
الكتاب الرابع: البحث عن الترياق
عالم بلا "هند"
بعد اللقاء الغامض مع الحارس، قرر أحمد الابتعاد عن الفلسفة والعودة إلى الواقع الملموس، حتى لو كان واقعًا بديلاً. السؤال الذي سيطر عليه كان شخصيًا بحتًا: ما هي قيمة هند في حياتي الحالية؟ هل هي ركن أم عادة؟
التقط أحمد مجلدًا ذا لون ترابي، يحمل عنوانًا يثير فضولًا باردًا:
"البحث عن الترياق: عالم بلا 'هند'"
كان هذا الكتاب يَعِدُ بالكشف عن حياة اختار فيها طريقًا مختلفًا جذريًا قبل أن يلتقي بها.
مقتطفات من "عالم بلا 'هند'"
"في هذا الكون، لم ينتقل أحمد إلى المدينة الكبيرة بعد تخرجه مباشرة. بل قبل بعثة دراسية إلى الخارج، حيث قضى عشر سنوات. كان هذا الأحمد الأكاديمي؛ رجل جاف، يرتدي نظارات سميكة، ويقضي معظم وقته في مختبرات الأبحاث المتخصصة في علم المواد.
في هذا العالم، كانت العلاقة الوحيدة الثابتة في حياة أحمد هي علاقته بمعادلاته. لقد حقق نجاحًا مهنيًا لا يمكن إنكاره: منصب أستاذ مساعد في جامعة مرموقة، أبحاث منشورة، وحتى جائزة علمية صغيرة. كان كل شيء في حياته قابلًا للقياس والإثبات: العمل، المال، الإنجاز. لم يكن هناك مجال للخطأ العاطفي أو الفشل غير المنطقي. لكن الرواية لم تكن ترصد سعادته. كانت ترصد فراغه.
يومياته لم تكن مذكرات، بل جداول زمنية. علاقاته الاجتماعية كانت محدودة ومحددة الأهداف. على سبيل المثال: علاقته بـ (كارولين)، زميلته في البحث، كانت تتمحور حول 'التعاون المهني' تارة، وحول 'علاقة عابرة لضبط التوتر' تارة أخرى. لا وجود للعمق، لا وجود للمخاطرة، لا وجود للحب الذي يهزّ اليقين.
في عيد ميلاده الأربعين، أقام أحمد حفل عشاء صغير لنفسه في شقته المطلة على حديقة مصممة هندسيًا ببراعة. كان العشاء فاخرًا، والشقة نظيفة بشكل مرضي. نظر إلى انعكاسه في ملعقة الطعام الفضية: وجه خالٍ من التجاعيد العاطفية، وعينان خاليتان من الوهج الإنساني.
اتصل بأمه. كان الحوار كالتالي:
أحمد: 'كل عام وأنتِ بخير يا أمي.'
الأم: 'وأنت بخير يا ولدي. هل أكلت جيداً؟'
أحمد: 'نعم، لقد أعددتُ طبقًا من السمك المُتبّل.'
الأم: 'هل أنت وحيد؟'
أحمد: 'نعم. لكن لا تقلقي، العمل كثير.'
الأم: (تنهيدة طويلة) 'لا تنسَ أن العمل ليس نهاية المطاف يا أحمد.'
في تلك الليلة، دخل أحمد إلى مختبره الخاص. لم يعمل، بل جلس يحدق في نموذج مجهري. كان يفكر:
'لقد قستُ كل شيء في هذا الكون، إلا نفسي. وحين قستُ نفسي، وجدتُ أني لا أمتلك مادة تُقاس.' لقد كان ترياقه ضد الفوضى هو النظام، لكن النظام قتله من الداخل.
هذا أحمد الأكاديمي، كان يفتقد إلى ذلك الخطأ البشري الساحر الذي تمثله هند في حياة أحمد الحالي: طريقتها في نسيان مفاتيحها دائمًا، ضحكتها العالية في الأماكن الهادئة، شغفها غير المنطقي بجمع الأواني الفخارية القديمة. في هذا العالم، لا يوجد فخار قديم أو ضحكات عالية، فقط كفاءة صامتة ومؤلمة."
وضع أحمد المجلد برفق. شعر بغصة عميقة في حلقه. أدرك أن هند ليست روتينًا، بل هي الفوضى الجميلة التي منعت حياته من أن تصبح مُعادلة رياضية جافة. وجودها هو الترياق الذي يبحث عنه، لكنه لم يكن يراه تحت ركام الضجر.
لقد كان أحمد الحالي يرى رتابة حياته كـ قيد، بينما أدرك الآن أنها كانت مظلة حماية من البرودة المطلقة لهذا الأكاديمي المنطقي.
تأمل أحمد الشرخ في الرف مجددًا. لقد زاد بشكل ملحوظ. أصبحت جزيئات الغبار الفضية تتساقط كأنها رمال ساعة زمنية معكوسة. أدرك أن الحارس لم يكن يكذب: المكتبة تنهار.
ولكن الأهم من ذلك، أدرك أن القراءة ليست مجرد إطلاع، بل هي تجسيد للخسارة. كلما عرف قيمة حياة لم يعشها، ازداد وعيه بمسؤولية حياته التي يعيشها.
وبينما كان هذا الوعي يتشكل، شعر برغبة ملحة في التوغل في حياة أخرى أكثر تطرفًا، حياة لا يمكن أن تكون جزءًا من هذا النطاق المقبول من الاختيارات. توقف بصره على كتاب يلمع بلون أحمر قرمزي، يحمل عنوانًا يقطع كل صلة بالمنطق:
"شعرية المجنون: حياة الفنان"
كان عليه أن يرى الثمن الذي دفعه أحمد الذي اختار الشغف المطلق على حساب الاستقرار.
يتبع في الفصل السادس
شعرية المجنون: حياة الفنان...
للكاتب: H I T L E R
الفصل السادس
الكتاب الخامس: شعرية المجنون
حياة الفنان
لم يكن المجلد القرمزي كتابًا، بل كان شرارة مُشتعلة. عندما لمسه أحمد، لم يشعر ببرودة الحجر أو جفاف الورق، بل شعر بـ طاقة خام، صاخبة، وغير منظمة. كان هذا الكتاب يمثل الرفض المطلق للقيود التي عاش فيها أحمد المهندس والأكاديمي.
مقتطفات من "شعرية المجنون"
"المهندس أحمد لم يكن يومًا، ولن يكون. في هذا العرق المُنبعث من الوجود، كان أحمد يُدعى 'شهاب'. وشهاب لا يخطط، بل ينفجر.
في هذا العالم، مزق أحمد (شهاب) كل شهاداته يوم تخرجه. حرق الجداول الزمنية، وترك وراءه رائحة الرتابة المُحترقة. عاش متسولاً للمشاعر، لا للمال. كان المال قيدًا، وكانت الأناقة سجنًا مُذهبًا.
كان بيته كوخًا منسيًا على أطراف الضوء، لكن جدرانه كانت أوسع من أي قصر. كانت الجدران مليئة باللوحات التي تنزف ألوانًا. لوحات لا تُفهم، بل تُشعر. كان ينام على الأرض الباردة، لكن أحلامه كانت مُعلقة في سقف السماء.
كان شهاب لا يتحدث، بل يُلقي قصائد. كلماتهُ كانت كشلال من الندم المُزين بالفرح المطلق. لقد عاش كل يوم على حافة الخطر، على حافة الجنون.
أنا الصدعُ الذي يمر في وجه المدينة،
أنا الوتدُ الذي يغرسُ النغمة في فضاء الصمت.
الناس يمرون، يخشون لوني الأحمر،
لكنهم لا يدركون أن هذا اللون هو شهوة الحياة العارية.
أنا لم أحصل على شيء، لذلك امتلكتُ كل شيء.
أنا جائع، أنا مُتعب، أنا سعيد جدًا بالهلاك الوشيك.
كان شهاب يعيش على الصدفة والقهوة الرخيصة. أحب فتاة تُدعى (قمر)، كانت رسامة، هي الأخرى تعشق الفوضى. كان حبهما عاصفة، لا مرفأ آمنًا. كانا يتقاتلان بالألوان ويتصالحان بالصراخ. كان حبهما مدمراً، لكنه كان صادقاً حتى النخاع.
في إحدى الليالي الباردة، وأثناء رسمه لجدارية ضخمة وسط الشارع، أصيب بالحمى. لم يكن يملك ثمن الدواء، ولم يكن يهتم. رأى في الحمى تطهيرًا للروح. كتب قصيدته الأخيرة على الجدارية بدموعه وبعض الألوان المتبقية.
كانت حياة شهاب عبارة عن عمل فني قصير، حاد، ومؤثر. لقد مات وهو لم يتجاوز الثلاثين، لكنه عاش مائة عام من الشغف في كل يوم. كانت نهايته سريعة، كشعلة زيت تنطفئ في مهب الريح."
هذا الكتاب لم يترك أحمد متعباً، بل تركه ملتهباً. شعر بطعم المرارة والحلاوة معاً. لقد أظهر له هذا "الأنا" أن حياة الشغف هي أشد فتكاً من الرتابة، لكنها أيضًا أشد إبهاراً.
"مات وهو لم يحقق شيئاً ماديًا، لكنه لم يمت بائساً." همس أحمد لنفسه.
شعر أحمد المهندس والأكاديمي فجأة أنه لم يخسر منصباً أو مالاً، بل خسر الشجاعة على الفوضى. كان الشغف بالنسبة له ترفًا، بينما كان بالنسبة لـ شهاب جوهر الوجود.
في هذه اللحظة، زاد اهتزاز المكتبة بشكل خطير. لم يعد الشرخ دقيقاً؛ بل أصبح صدعاً مفتوحاً يضيء بضوء أصفر مُحمَر. تساقطت الكتب من أحد الرفوف البعيدة بصوت مكتوم.
ظهر الحارس مجددًا، لكنه كان هذه المرة أكثر وضوحًا وأقل غموضًا، كان يبدو مُتعباً ومُشتتاً.
الحارس: "شغف شهاب يُسرّع الانهيار. القوة التي أطلقها كانت هائلة. لا يمكنك أن تقرأ كل هذا التناقض دون أن تمزق النسيج. ماذا اخترتَ؟ هل تُريد أن تحترق، أم أن تظل بارداً؟"
أحمد: "أنا لا أريد أيًا منهما. أريد أن أجد التوازن."
الحارس: "التوازن هو الخرافة التي اخترعتها لتهرب من الاختيار. لا يوجد توازن في المكتبة. هناك إما الانغماس أو التراجع. وإذا استمررت، ستكتشف أنك كنتَ دائمًا مجرد لص يسرق لحظات الوجود من الآخرين."
شعر أحمد بالغضب. لم يكن لصاً! كان يبحث عن إجابات.
أحمد: "سأقرأ ما أريد. يجب أن أفهم كيف يمكن أن أكون كل هؤلاء، وأن أعود إلى حياتي وأنا رجل واحد!"
تجاهل أحمد تحذير الحارس، وتراجع خطوتين ليلتقط كتاباً آخر مغطى بالغبار الرقيق، عنوانه يُبشر بالخروج من عالم الفردانية المفرطة نحو حوار أكثر تعقيداً:
"الأكوان المتشابكة: الـ (أحمد) الذي لم يولد"
كان عليه أن يفهم معنى وجوده عندما لا يكون هناك وجود على الإطلاق.
يتبع في الفصل السابع: الأكوان المتشابكة
الـ (أحمد) الذي لم يولد
للكاتب: H I T L E R
الفصل السابع
الكتاب السادس: الأكوان المتشابكة
الـ (أحمد) الذي لم يولد
بعد اهتزاز المكتبة، ابتعد أحمد عن منطقة العواطف الجياشة التي أطلقها "شهاب". أمسك بالكتاب الجديد. كان نحيلاً، ورقُه شفافاً، ولم يحمل عنواناً سوى كلمة: "العدم". الغريب أنه لم يكن مكتوبًا بالنثر أو السرد، بل بصيغة مسرحية.
نص من "العدم"
المشهد: فضاء أبيض، لا شيء فيه سوى طاولتين وكُرسيين عائمين. يجلس أحمد (الواقف في المكتبة) على أحد الكراسي. أمامه، يجلس كيان غير مُحدد الشكل، يُشع ضوءاً خفيفاً، يُدعى (لا-أحمد).
(لا-أحمد): (بهدوء ممل) تأخرت. كنت أتوقع وصولك قبل هذا الوقت.
(أحمد): (بتوتر) أين أنا؟ ومن أنت؟ أنا أبحث عن حياتي، لا عن حوار مسرحي عبثي.
(لا-أحمد): أنتَ في فصل الراحة. وهنا حيث لا يوجد "أنا" على الإطلاق. أنا الـ (أحمد) الذي لم يُخلق. لم يقع والداك في الحب في تلك الليلة المحددة. لم تحدث التفاعلات الكيميائية التي كونت شخصيتك المزدحمة بالهموم.
(أحمد): (بذهول) إذن أنتَ... عدم؟
(لا-أحمد): أنا أكثر من عدم. أنا احتمال الوجود المُغلق. وأنا، يا صديقي، أكثر راحة منك. لا أقساط، لا خيبات، لا زواج فاشل في أي عالم، ولا حُمى قاتلة على جدارية في الشارع. لا يوجد صراع بين المهندس والبائس والشاعر. (يأخذ رشفة من فنجان هواء وهمي).
(أحمد): لكنك لا تشعر بأي شيء! لا فرحة الإنجاز، ولا الحب!
(لا-أحمد): الشعور هو المشكلة، يا أحمد. الشعور يتطلب الوقوع في خيارات، والاختيار يعني التضحية ببقية الاحتمالات. أنا لستُ مضطراً لقتل أي نسخة من نفسي. أنا الحصانة المطلقة.
(أحمد): (بغضب) بل أنتَ الهروب المطلق! لقد اخترتُ على الأقل أن أعيش وأواجه!
(لا-أحمد): أنتَ لم تختر، أنتَ وُجدتَ، ثم بدأتَ تختار. والآن أنتَ تدفع ثمن وجودك في تلك المكتبة المنهارة. انظر حولك. (يشير إلى الفضاء الأبيض). هذا الفضاء آمن. لا يتأثر بانهيار الأكوان.
(أحمد): (يتأمل كلماته) لماذا أنت هنا ولماذا نتحدث في شكل مسرحية؟
(لا-أحمد): لأن الحياة بدون "أحمد" هي مجرد نص مُحايد، بدون راوٍ أو وجهة نظر. النص المسرحي يسمح لك برؤية الحوار دون الالتزام بعواطف السرد. إنه المنطق العاري للعدم.
(أحمد): (يتراجع قليلاً، يفكر). إذا عدتُ إلى حياتي، هل ستبقى أنت؟ هل ستبقى هذه النسخة من الراحة المطلقة متاحة؟
(لا-أحمد): لا. إذا عدتَ، ستصبح هذه الغرفة البيضاء مجرد صدع مُهمل في تاريخك. الوعي بوجودي يجعلك أقل راحة في حياتك، لكنه يجعلك أيضاً أكثر امتلاءً بالإمكان. أنتَ الآن تدرك الثمن الذي تدفعه كي تكون موجوداً.
(أحمد): (يغمض عينيه) الثمن هو القلق الدائم من الخطأ.
(لا-أحمد): بالضبط. والآن، عليك أن تتركني. لقد أخذتَ جرعتك من "السلام" الزائف. الأرفف بالخارج تشتعل بهوس السلطة.
(لا-أحمد) يختفي ببطء مع الطاولات والكراسي.
المشهد ينتهي.
أغلق أحمد المجلد الشفاف. شعر وكأن عقله قد خضع لعملية تطهير باردة ومؤقتة. كانت هذه الرحلة القصيرة إلى العدم هي استراحة المُحارب قبل الانغماس في جولات أشد عنفًا.
لم يعد خائفًا من أن يكون بائسًا أو حزينًا. بل أصبح خائفاً من ألا يكون موجوداً على الإطلاق. لقد منحته النسخة غير المولودة قيمة للوجود ذاته.
نظر أحمد إلى الحارس، الذي بدا كظل بعيد في ركن المكتبة. ابتسم أحمد ابتسامة حذرة، ابتسامة المُتحدي.
"لا يمكن للعدم أن يقنعني بالبقاء في الخارج، أيها الحارس. وجودي، حتى لو كان قلقًا، أفضل من سلامك الزائف."
ازداد ضوء الشرخ الأصفر القرمزي في الحائط. لكن هذه المرة، لم يخشَ أحمد الانهيار. كان عليه أن يرى أقصى درجات الانحراف عن شخصيته؛ عليه أن يرى أحمد الذي اختار الطريق الخطأ بقوة. عيناه وقعت على مجلد ضخم، يلمع ببريق الذهب المكسور:
"القاضي والإمبراطور: حياة السلطة المطلقة"
يتبع في الفصل الثامن
القاضي والإمبراطور: حياة السلطة المطلقة
للكاتب: H I T L E R
الفصل الثامن
الكتاب السابع: القاضي والإمبراطور
حياة السلطة المطلقة
كان مجلد "القاضي والإمبراطور" ثقيلًا جدًا؛ لم يكن ثقله من الورق، بل من ثقل التبعات. كان غلافه من الجلد الأسود المزخرف بالذهب الباهت، وكأنه يمثل نفوذًا قديمًا أكل عليه الزمن. أدرك أحمد أن هذا الكتاب سيأخذه إلى أقصى نقطة من الانحراف الأخلاقي التي يمكن أن يصل إليها.
مقتطفات من "القاضي والإمبراطور"
"في هذا المسار الزمني، لم يختر أحمد الهندسة ولا الفن. بل اختار القانون والسياسة. اكتشف مبكرًا أن السلطة ليست في امتلاك الثروة، بل في امتلاك القدرة على تغيير القواعد.
لقد تخرج بامتياز، لم يرتكب خطأ، ولم يضع قدمه خارج حدود القانون... حتى وصل إلى قمة الهرم.
الآن، أحمد هذا هو رئيس المحكمة العليا، ويُشار إليه بـ 'القاضي'. لكن سلطته تجاوزت القضاء لتشمل كل مفاصل الدولة. كان يحكم من وراء ستار، لا يظهر في الشوارع لكن كلمته هي القانون الأخير. حياته كانت دقيقة كالساعة السويسرية، ومُجردة من أي علاقة إنسانية حقيقية.
يومياته لم تكن مذكرات، بل أوامر تنفيذية.
ملف رقم (077/أ): أمر ترحيل جماعي للمعارضين. التوقيع: أحمد. (ملاحظة داخلية: لا وجود للعاطفة، الضرورة تقتضي ذلك. الحفاظ على النظام أولًا).
كان يعيش وحيدًا في قصر فخم. لم يتزوج، فـ الزواج يعني تقاسم السلطة. كانت العلاقات العاطفية تُعتبر "ثغرات أمنية". لكنه كان يمتلك كل شيء: ميزانيات ضخمة، أتباع مُخلصون، وخوف مطلق من الجميع.
في إحدى الليالي الباردة، استدعاه رجل مُسن إلى قصره. كان الرجل هو أبو هند (والد زوجة أحمد الحالي). في هذا العالم، لم تكن هند قد تزوجت، وكانت قد اختارت طريق النضال السياسي ضد النظام الذي يرأسه أحمد (القاضي).
حوار بين القاضي ووالد هند (ملف سري، 2028):
الأب: سيدي القاضي، ابنتي (هند) اُعتقلت بتهمة التحريض. أرجوك، إنها مجرد فتاة مثالية تحلم بالعدالة.
القاضي: (بصوت لا ينبض) القانون لا يعترف بالبراءة العاطفية يا سيدي.
الأب: ألا تتذكرها؟ كنتَ صديقها في الطفولة، كنتما تتقاسمان الحلوى!
القاضي: (دون تغيير في نبرة صوته) القاضي لا يعرف الطفولة. القاضي يعرف فقط التهديد على الاستقرار. هي خطر، ويجب استئصاله. العواطف هي الوهن الأكبر في الأنظمة.
وفي النهاية، أصدر القاضي حكمه دون أن يرف له جفن. كانت حياته مثالاً للقسوة المنظمة؛ نجاح مطلق في بناء نظام سياسي، وفشل مطلق في الحفاظ على أي صلة بالإنسانية. لقد اكتسب السيطرة، لكنه خسر الرحمة.
كان الإمبراطور ينام ثلاث ساعات فقط يوميًا، يعمل بلا كلل، لكنه لم يكن سعيدًا. كان يعلم في قرارة نفسه أن كل هذا النفوذ مجرد قناع يخفي فراغًا أبديًا. لقد استبدل حب الناس بـ خوفهم، ووجد أن الخوف بارد جدًا."
شعر أحمد بالاشمئزاز وهو يغلق الكتاب. هذا "الأنا" كان يمثل ذروة الغطرسة والبرود. لقد أثبت القاضي أن الهروب من الفشل العاطفي إلى النجاح المهني يمكن أن يؤدي إلى كارثة أخلاقية. الرتابة التي عانى منها أحمد المهندس لم تكن شيئًا مقارنة بـ قسوة الصمت التي عاشها القاضي.
هذا الكتاب أيضًا، رغم برودته، ربط وجود هند به. لقد ظهرت هند في هذا العالم كـ ضحية لإظهار مدى انحدار أحمد القاضي.
كانت المكتبة تهتز الآن بعنف أكبر. تساقطت الكتب كأنها أوراق شجر في خريف عاصف. الشرخ في الرف زاد وتمدد ليصبح صدعًا يتجه نحو الأعلى.
ظهر الحارس فجأة بجوار أحمد، ولم يعد ظلًا، بل كان وجهه واضحًا الآن: وجه أحمد عجوز، متعب، ومهزوم.
الحارس: "هذا هو مصير أحمد الذي اختار الكفاءة بدلًا من الإنسانية. هل هذا هو 'الأصلح' في نظرك؟ أن تكون ناجحًا وخاليًا من الروح؟"
أحمد: "هذا ليس نجاحًا! هذا دمار! يجب أن أجد حياة لم تكن فيها الخيارات صعبة إلى هذا الحد..."
الحارس: "كل حياة هي لعبة صفرية المجموع. لتربح شيئًا، يجب أن تخسر شيئًا آخر. هل أنت مستعد لرؤية ثمن سعادتك الحالية؟"
أشار الحارس إلى كتاب آخر، يحمل عنوانًا خفيًا. لم يكن عنوانًا لمسار حياة، بل عنوانًا لحدث عابر، ولكنه كان مرتبطًا بشخصيته الحالية بطريقة غامضة:
"أصداء الخسارة: هند في حياة بديلة"
كان أحمد يعلم أن هذا الكتاب سيؤذيه أكثر من أي كتاب آخر. إنه سيُظهر له هند، ولكنه سيُظهرها في عالم لم يكن هو فيه. هذا هو أعمق شكل من أشكال الندم: ندم على حياة الآخرين التي لم نشارك فيها. كان عليه أن يقرأ.
يتبع في الفصل التاسع
أصداء الخسارة: هند في حياة بديلة
للكاتب: H I T L E R
الفصل التاسع
الكتاب الثامن: أصداء الخسارة
هند في حياة بديلة
تناول أحمد الكتاب بشيء من الحذر. لم يكن مجلدًا ضخمًا كسابقه، بل كان رقيقًا، بغلاف أبيض نقي عليه رسم خطي بسيط لامرأة تضحك. هذا الكتاب لم يكن عن أحمد، بل عن هند، في عالم لم يتقاطع فيه مساراهما. كان هذا الاختبار الحقيقي لمدى عمق ارتباطه بذاته الحالية.
مقتطفات من "هند في حياة بديلة"
"هذا الكتاب يبدأ في العام 2010. في هذا المسار، لم يذهب أحمد إلى حفل زفاف صديقه المشترك حيث التقى هند. بدلاً من ذلك، كان أحمد الأكاديمي (الذي قُرأ عنه في الكتاب الرابع) قد سافر بالفعل إلى الخارج. وبالتالي، فإن فراغ أحمد ترك فراغ هند.
هند هنا لم تتزوج شاباً ناجحاً ومألوفاً. بل كرست حياتها بالكامل لـ العمل الخيري والرحلات. كانت ناشطة بيئية، تقضي شهوراً في الغابات أو على شواطئ مهجورة، تحارب التلوث وتدافع عن القضايا المنسية.
لم تكن حزينة، بل كانت مليئة بالشغف؛ الشغف الذي افتقده أحمد المهندس. كانت حياتها صعبة، خالية من الرفاهية، لكنها كانت غنية بالهدف. كانت عيناها تلمعان، ليس من الحب المستقر، بل من نار القناعة.
ورد في مذكراتها، والتي كانت معظم محتوى الكتاب:
من يوميات هند (ملاحظات من غابة مطيرة، 2017):
"اليوم، رأيتُ غروب الشمس على بحيرة لم يلوثها الإنسان بعد. شعرتُ بشيء عميق جدًا، بشيء يغني. لم أندم يومًا على عدم امتلاك منزل مستقر أو حياة هادئة. الهدوء ليس في الجدران، بل في يقين الروح. ربما لو تزوجتُ، لكنتُ الآن أشتري الأثاث وأنسى صوت الأشجار."
كانت تلك الكلمات كالطعنة في صدر أحمد. لقد كان يرى أن حياته الهادئة معها هي سعادة، بينما هي في عالم آخر تعتبر هذه الحياة سجنًا للروح.
بعد سنوات، تزوجت هند في هذا العالم من زميلها الناشط (يوسف). لم يكن يوسف مهندساً أو عالماً، كان رجلاً بائساً مادياً، يتقاسم معها خيمتها وطعامها البسيط، لكنه يتقاسم معها أيضاً نفس الرؤية للعالم. زواجهما لم يكن اتفاقاً مالياً أو اجتماعياً، كان اتحاداً للهدف.
في مقتطف أخير:
من رسالة هند إلى أختها (2025):
"يوسف مريض الآن، لا نملك الكثير لعلاجه. الأمر صعب، لكنه ليس فارغًا. لا أتخيل حياتي بدونه، ولا أتخيلها في أي مكان آخر غير هنا. قد أموت فقيرة، لكني سأموت وأنا أعلم أني قمتُ بما يجب، ليس بما هو سهل."
أغلق أحمد الكتاب وهو يرتجف. لم يكن هذا الكتاب ليظهر له أن هند تعيسة بدونه، بل ليظهر له أنها كانت سعيدة بدونه، بل وأكثر اكتمالاً. في هذا العالم، لم تكن هند مجرد 'شريك حياته الإلزامي' كما وصفها في الكتاب الاول؛ بل كانت قوة كونية تنتظر إطلاقها.
لقد أحس أحمد بالخسارة المطلقة: لم يخسر هند كزوجة، بل خسر فرصة أن يكون رجلاً يليق بشغفها. ربما، هو في حياته الحالية، يقيد شغفها بزواجهما الآمن والممل.
كان الشرخ في الرف الآن يتوسع أكثر فأكثر. والاهتزاز لم يعد خفيفاً؛ أصبح رنيناً متصاعداً كصوت طبول الحرب.
ظهر الحارس مرة أخرى، واقفاً الآن بجوار الرف المنهار جزئياً. كان وجهه الحزين يعبر عن الألم.
الحارس: "ماذا تعلمتَ من هذه الرؤية؟"
أحمد: "تعلمت أن الحب يمكن أن يكون رتابة أو ثورة. وفي حياتي... ربما اخترتُ لها الرتابة."
الحارس: "أنت ترى الآن ثمن الأمان. لقد تجنبت الفقر والجنون والقسوة، لكنك دفعت الثمن من شغفك وشغف من حولك. المكتبة تنهار لأنك لا تستطيع التوفيق بين ما أنت عليه وبين ما كان يجب أن تكونه. لا يمكنك أن تعيش كل هذه النسخ في آن واحد."
أحمد: "إذًا يجب أن أتوقف عن القراءة؟"
الحارس: "يجب أن تتوقف عن البحث عن الإجابة في الماضي. الحقيقة ليست في الكتب التي قرأتها، بل في الكتاب الذي لم يُكتب بعد عن المستقبل."
شعر أحمد بالدوار من الرنين المتزايد. كان عليه أن يجد حلاً قبل أن يتحول هو نفسه إلى مجرد غبار يتساقط من الكتب المنهارة. رأى مجلدًا أسود لامعًا بالقرب من قدمه، يحمل رائحة الرطوبة والمجهول. كان العنوان:
"انهيار المكتبة المصغر"
كان هذا الكتاب آخر كتابٍ سيسمح له بفهم الآلية التي تعمل بها المكتبة وانهيارها، قبل أن يتخذ القرار المصيري.
يتبع في الفصل العاشر: انهيار المكتبة المصغر
للكاتب: H I T L E R
الفصل العاشر
الكتاب التاسع: انهيار المكتبة المصغر
لم يكن هناك وقت للتفكير. الرنين الذي سمع به أحمد تحوّل إلى صوت تكسر الزجاج البعيد. انحنى بسرعة، يلتقط المجلد الأسود اللامع الذي سقط عند قدميه.
كان عنوانه جافًا ومخيفًا:
"انهيار المكتبة المصغر"
هذا الكتاب لم يكن عن حياة بديلة، بل كان كتيب التعليمات المُحرم الذي يشرح آلية هذا العالم الزمني.
مقتطفات من "انهيار المكتبة المصغر"
"المكتبة ليست كيانًا ماديًا مستقرًا، بل هي تجسيد لمبدأ التباعد الكمّي. كل كتاب هو كتلة من الاحتمالات المتضادة التي يتم عزلها عن الأخرى.
أحمد (الوعي المركزي) هو المحور الذي تدور حوله كل هذه الأكوان.
عندما يقرأ أحمد كتابًا بعمق، فإنه يمنح تلك النسخة طاقة وجودية هائلة. هذا التدفق للطاقة يخلق ضغطًا على الجدران الفاصلة (الأرفف)، مما يؤدي إلى ظهور الصدوع الزمنية.
النتيجة الكارثية:
كلما ازداد الشرخ، بدأ الكون المحمول على الرف المُتضرر في الانهيار. عملية الانهيار ليست تدميرًا، بل هي سحب للذات من تلك الحياة البديلة إلى وعي أحمد المركزي.
* إذا تفتت كتاب (شهاب الفنان):
فإن الشغف المطلق الذي يمثله سيتم سحبه، مما يجعل حياة أحمد الحالي أكثر جفافًا وبؤسًا، وقد يفقد أي قدرة على الإبداع أو الفرح العفوي.
* إذا تفتت كتاب (القاضي):
فإن الكفاءة المنطقية والبرودة العقلانية التي يمتلكها ستُسحب، مما يجعله شخصًا مشتتًا، عاجزًا عن اتخاذ أي قرار.
الانهيار المصغر الذي حدث الآن هو بمثابة تحذير أخير. إذا لم يجد أحمد نقطة الاستقرار (قبول ذاته)، فإن المكتبة ستنهار بالكامل، وسينتهي به الأمر كـ كيان مشتت، وعيٌ بدون جسد، أو ذاكرة مشوهة تتكون من كل المتناقضات (بائس ومجنون وقاضٍ بلا مشاعر وأب حزين) في آن واحد. هذا هو العدم الحقيقي."
رفع أحمد رأسه عن الصفحات، فإذا بالواقع يؤكد التحذير بشكل مرعب.
كان الرف الذي يحمل كتاب "المهندس البائس" يتشقق ببطء، وتتساقط منه ذرات غبار فضية. وفي اللحظة نفسها، شعر أحمد (الحالي) بفقدان مفاجئ للحس بالهدف، كأن مهمة ما كان يجب عليه إنجازها في الصباح قد تبخرت من عقله. تذكر فجأة مشروعًا مهمًا في مكتبه، ثم نسي أهميته في نفس اللحظة.
تراجع أحمد خطوة إلى الوراء، لكن ساقه اصطدمت بشيء. نظر إلى الأسفل، فرأى أن مجموعة من الكتب قد سقطت من ركن بعيد، وبعضها تحول إلى رماد خفيف.
اندفع نحو الرف المنهار ليجد الحارس واقفاً هناك، عيناه تلمعان بضوء محتضر.
الحارس: "لقد فات الأوان. لقد قرأتَ عن الكفاية المنطقية (القاضي) وعن الشغف المطلق (شهاب). لم تقبل حياتك، ولم تقبلهم. لقد مزقتهم. الآن، ستدفع الثمن..."
وبينما كان الحارس يتحدث، بدأ جسده يتلاشى، يتحول إلى نفس الغبار الفضي الذي يتساقط من الكتب.
الحارس: "أنتَ لا تستطيع أن تهرب من خياراتك، حتى لو لم تعشها! يجب عليك أن... تُكمل... الكتاب... " اختفى الحارس تمامًا.
نظر أحمد إلى مكانه حيث سقطت الكتب. كانت تلك كتبًا عن حياته لو اختار مهنة الطب أو التدريس. لقد تحولت إلى رماد. يعني ذلك أن أي فرصة كان يمكن أن يحظى بها كطبيب أو معلم قد مُحيت من الوجود.
شعر أحمد بالرعب الشديد، ليس فقط على مصيره، بل على مصير هند وأطفاله في عالمه الحقيقي. إذا تحول هو إلى وعي مشتت، فماذا سيحدث لحياته التي تركها وراءه؟ هل سيصبح زوجًا غائبًا، أبًا مشوشًا، لا يستطيع حتى تذكر اسم ابنه؟
كان الحل الوحيد هو العمل بسرعة. لم يعد البحث عن "الأصلح" هدفًا، بل أصبح الهدف هو إعادة الاستقرار للوعي قبل التفكك التام.
كان عليه أن يجد الآن الكتاب الذي يتحدث عن القوة الدافعة للشر أو الصراع؛ عن أحمد الذي حاول تغيير كل شيء بالقوة أو الخداع. ربما فهم الأكوان الأكثر تطرفاً سيمنحه الوضوح اللازم للعودة.
عيناه وقعت على مجلد أسود آخر، موضوع بزاوية مُريبة، وكأنه يختبئ في الظل. يحمل عنوانًا مليئًا بالغموض:
"سرعة الضوء وبطء الندم"
يتبع في الفصل الحادي عشر: سرعة الضوء وبطء الندم
للكاتب: H I T L E R