• سجل عضوية للتمتع بالمنتدى واكتساب مميزات حصريه منها عدم ظهور الإعلانات

متسلسلة العراف (1 عدد المشاهدين)

koko1972

مساعد مسؤولة الأقسام العامة والفضفضة
إدارة ميلفات
مساعد إداري
حكمدار صور
كاتب حصري
برنس الصور
إمبراطور شتاء ميلفات
ملك المزاج العالي
ميلفاوي VIP
نجم الفضفضة
مستر ميلفاوي
محقق
ميلفاوي واكل الجو
عضو
ناشر قصص
ناشر صور
صقر العام
ميلفاوي حريف سكس
ميلفاوي كوميدي
إستشاري مميز
ميلفاوي نشيط
ناشر محتوي
نجم ميلفات
ملك الصور
ميتادور النشر
ميلفاوي كابيتانو ⚽
ناشر عدد
قارئ مجلة
ميلفاوي علي قديمو
ميلفاوي متفاعل
ميلفاوي دمه خفيف
كاتب مميز
ميلفاوي فنان
الذئب الأسود
الأكثر نشر هذا الشهر
إنضم
30 سبتمبر 2025
المشاركات
7,652
مستوى التفاعل
3,785
نقاط
81,998
النوع
ذكر
الميول
عدم الإفصاح
العراف (من أقوي عمليات المخابرات المصريه)
التمهيد
في أعماق عالم المخابرات، حيث تخاض الحروب بأقلام غير مرئية وأسرار تُكتَم في صدور الرجال، تبرز عمليات تُحاك في صمت، وتنفذ بدقة متناهية، لتغير مجرى التاريخ من خلف الستار. هذه ليست قصة بطل تقليدي يحمل السلاح، بل قاهرة عقل يتحدى أعتى الحصون، وشاب مصري ضاعت هويته بين أوكرانيا ومصر، ليجد نفسه فجأة في قلب العاصفة، متسلحاً بموهبة فريدة وقدرة على التمثيل تخلب الألباب. إنها قصة "العرّاف"، العملية التي استطاعت بها المخابرات المصرية اختراق أمن دولة كانت تظن نفسها منيعة، والنفاذ إلى أعتى خط دفاعي عرفه التاريخ:
خط بارليف. من خلال شاب بسيط، حولوه إلى أسطورة استطاعت أن ترى ما لا يراه الآخرون، لتكشف الأسرار، وتُسقط الأقنعة، وتمهد الطريق لنصرٍ كتب مجد أكتوبر. هذه قيمة الذكاء عندما يواجه القوة، وقيمة الإخلاص عندما يتحول إلى سلاح لا يقهر.
---
الفصل الأول: الولادة الثانية
الجزء الأول: اللقاء المصيري
كان الضباب الكثيف يلف شوارع الإسكندرية الباردة في ذلك المساء الخريفي من عام 1967.
رائحة البحر الممزوجة بروائح الفقر واليأس تملأ الأزقة الضيقة في حي الشاطبي. عند مدخل أحد المساجد العتيقة، جلست مجموعة من الرجال يتلقون الصدقات بعد صلاة العشاء. بينهم، شاب في العشرين من عمره، نحيل إلى حد يثير الشفقة، يلف جسده المرتجف بمعطف رث وممزق. عيناه العميقتان، رغم الهزال والبؤس، تحملان وميض ذكاء غريب، وشرارة حياة لم تطفئها المصائب.
تقدم إليه رجل أنيق في الأربعينيات، يرتدي بدلة رمادية بسيطة لكنها نظيفة للغاية. وقف أمام الشاب للحظة، يدرسه بنظرة محلل مدرب.
قال الرجل بصوت هادئ: "أنت غريب عن هذا الحي."
رفع الشاب رأسه ببطء. "كل الأماكن أصبحت غريبة عليّ."
"ما اسمك؟"
توقف الشاب لحظة، كما لو كان يسترجع اسماً نسيته الذاكرة. "أشرف... أشرف فؤاد الطحان."
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال:
"اسم مصري أصيل. لكن نبرتك... فيها شيء أجنبي."
لم يجب أشرف، فقط أدار وجهه مبتعداً. لكن الرجل لم يستسلم. جلس بجانبه على الرصيف البارد قائلا:
"أسمع أن لديك... موهبة. أنك تستطيع أن تخبر الناس بأشياء عن ماضيهم."
ارتجف أشرف وهو يقول:
"هذا كلام فارغ. الناس يتخيلون."
"في حي المندرة، أخبرت امرأة أن ابنها المفقود في الحرب حي، وسيعود. وبعد أسبوع، عاد."
قال الرجل بنبرة محايدة:
"كانت صدفة."
"وفي محطة الرمل، أخبرت تاجراً أن شريكه يخونه. وتبين أن ذلك صحيح."
صمت أشرف هذه المرة. كان الرجل يعرف الكثير.
أستمر الرجل:
"أنا لست شرطياً، ولست من الحكومة"
"أنا صديق. وصديقي الآخر يريد مقابلتك."
"من هو؟"
"اسمه أمجد. وهو يعرف قصتك كاملة.
يعرف عن والدك فؤاد الطحان المهندس، وعن والدتك الأوكرانية هيلجا، وعن جده الذي أخذه إلى أوكرانيا، وعن ابنة عمك وفاء التي تبحث عنها."
قفز أشرف وكأنه قد لسعه شيء وقال:
"كيف تعرف هذا؟! من أنت؟!"
قال الرجل وهو ينهض:
"هذا ما سنخبرك به إذا قبلت مقابلتنا."
"غداً، في هذا الوقت، سأعود. إذا كنت تريد معرفة الحقيقة عن نفسك، وعن عائلتك، وعن كيف يمكنك أن تساعد بلدك... فكن هنا."
ذهب الرجل، تاركاً أشرف في حيرة عميقة. كل أحداث حياته المضطربة تدفقت إلى ذهنه:
طفولته بين مصر وأوكرانيا، موت والده قبل ولادته، موت أمه وهو صغير، هروبه من جده، عودته إلى مصر ليجد منزل عائلته منهاراً وأهله موتى، بحثه اليائس عن وفاء... ثم سنوات التشرد والجوع.
في اليوم التالي، عند الغسق، كان أشرف ينتظر بقلق. جاء الرجل، وهذه المرة كان معه رجل آخر، أكثر هدوءاً، أكثر وقاراً. عيناه تدرسان كل شيء، كأنهما تكشفان الأسرار من أول نظرة.
قال الرجل الثاني بصوت واثق:
"أنا أمجد"
"وأعرف أنك تستحق فرصة أفضل من التسول على أبواب المساجد."
الجزء الثاني: الحقيقة الكاملة
أخذ أمجد أشرف إلى شقة متواضعة ولكن آمنة في منطقة سيدي جابر. هناك، قدم له الطعام والملابس النظيفة. ثم جلسا يتحدثان.
"قصتك مأساوية، ولكن فيها عناصر فريدة." بدأ أمجد. "أنت تجيد الروسية بلهجة أوكرانية متقنة. ملامحك يمكن أن تكون يهودية أوروبية بسهولة. وخبرتك في التنقل بين الثقافات تجعلك فريداً."
سأل أشرف وهو يتناول طعامه بنهم:
"وماذا في هذا؟
قال أمجد بجديه:
"بلدنا في حرب. وخسرنا معركة، لكن الحرب لم تنته."
"العدو يعتقد أنه انتصر إلى الأبد. وهو يفتح أبوابه لهجرة اليهود من كل العالم."
أدرك أشرف شيئاً فقال ميتدركا:ا:
"تريدون أن أتسلل إلى إسرائيل."
"نعم. لكن ليس كجاسوس عادي. كشخص لديه موهبة ستجعلهم يطلبونه، يفتخرون به، يفتحون له كل الأبواب."
ثم شرح أمجد الخطة: سيتدرب أشرف ليكون "دافيد كرينهال"، يهودي سوفييتي هارب. ستُصنع له هوية كاملة، قصة حزينة، وشخصية ضعيفة تثير الشفقة. وموهبته "العرافية" ستدخل إلى قلوب الناس قبل عقولهم.
إحتج أشرف قائلا:
"لكن أنا لست عرافاً حقيقياً"
ابتسم أمجد وقال بهدوء:
"لست بحاجة إلى أن تكون عرافاً. أنت بحاجة إلى أن تكون ممثلاً بارعاً. وسنزودك بكل المعلومات التي تحتاجها. سنكون عينيك وآذانك. ستعرف عن الناس ما لا يعرفونه عن أنفسهم."
تدرب أشرف لأسابيع.
تعلم العبرية الأساسية.
تعلم تاريخ اليهود السوفييت. تعلم كيف يقلد الحالة "النبوئية"
بزغللة العينين وشرود الملامح. والأهم، تعلم كيف يستخدم الحيل النفسية ليجعل الناس يصدقونه.
في إحدى جلسات التدريب، سأل أشرف:
"ولكن ماذا سأفعل هناك بالضبط؟"
أجاب أمجد: "ستسمع. سترى. ستكون في أماكن لا يمكن لأي جاسوس تقليدي الوصول إليها. وبطريقتك الفريدة، سترسل لنا ما تسمعه وتراه."
"وهل سأعود؟"
نظر أمجد إليه نظرة طويلة وقال:
"إذا نجحت، ستعود بطلاً. وسنعيد لك كل ما فقدته. حتى... ابنة عمك وفاء، سنبحث عنها ونوجدها لك."
كانت هذه هي الجائزة الكبرى. وفاء، الحب الوحيد في حياته، الفتاة التي كان يتراسل معها من أوكرانيا، والتي اختفت بعد انهيار منزل العائلة.
الجزء الثالث: الرحلة إلى المجهول
في صباح بارد من عام 1968، ركب أشرف - الآن دافيد كرينهال - سفينة متجهة من تركيا إلى حيفا. ملابسه رثة، حقيبته بالية، وعيناه تحملان نظرة خائفة ومنكسرة. كان تماماً كما خططوا: يهودي سوفييتي تعيس، لا يثير أي شك.
عند وصوله إلى ميناء حيفا، تعامل معه مسؤولو الهجرة الإسرائيليين بفتور. فحصوا أوراقه المزورة، والتي كانت متقنة الصنع. سألوه عن مهاراته.
قال بأسلوب خجول:
"أعمل في الزراعة. في أوكرانيا، كنت أعمل في مزرعة جدي."
لم يكن لديهم حاجة لمزارع بسيط، لكن القانون يفرض عليهم استقبال كل يهودي.
أرسلوه إلى "كيبوتز" في الشمال، حيث سيعمل في الزراعة مع عشرات المهاجرين الجدد المشابهين له.
في الكيبوتز، كان دافيد هادئاً، منعزلاً. يتحدث فقط عندما يُسأل. قصته الحزينة عن والده المعتقل ومن ثم المفقود، وعن أمه المتوفاة، وعن هروبه الشاق... كلها أثارت عطف من حوله.
لكن أمجد وفريقه لم يتركوه وحيداً. كان حوله "حراس" غير مرئيين: عملاء مصريون منتشرون في إسرائيل، مهمتهم مراقبته ومساعدته عند الحاجة.
بدأت المرحلة الأولى من الخطة بعد ثلاثة أشهر. في أحد الأمسيات، كان جالساً مع مجموعة من الجيران في الكيبوتز، بينهم فتاة جميلة تدعى راشيل، وأمها العجوز إستير. كانوا يتحدثون عن الحب والعلاقات.
فجأة، زاغ بصر دافيد، وتصلبت ملامحه. كل الحاضرين التفتوا إليه. ثم بدأ يتكلم بصوت غريب، عميق، مختلف:
"لقد أخطأ يارون بلونسكى كثيراً عندما رفض الاعتراف بما فعل. لقد شعر بالخزي والندم، وقرر أن يدفع الثمن... وسيدفع قريباً!"
صمت تام. وجه راشيل وإستير شاحباً تماماً. يارون بلونسكى كان الاسم الذي لم يجرؤا على ذكره منذ سنوات. كان الشاب الذي أغوى راشيل في العراق، وتسبب في فضيحة كبرى لجأت الأسرة بعدها إلى الهجرة إلى إسرائيل.
همت إستير:
"ماذا قلت؟!"
لكن دافيد كان قد "أفاق" من حالته. نظر حوله بذهول وقال:
"ماذا حدث؟ أشعر بصداع شديد."
حاولوا سؤاله عما قاله، لكنه أنكر معرفة أي شيء. بدا الأمر كما لو أن قوة خارقة استولت عليه لحظة ثم تركتها.
كانت هذه النبوءة الأولى من صنع المخابرات المصرية. فقد تمكنوا، بشبكة عملائهم الواسعة، من العثور على يارون بلونسكى نفسه في أوروبا، وإجباره على كتابة خطاب اعتذار وإرفاق شيك بمبلغ كبير.
بعد أسبوع، وصل الخطاب والشيك إلى راشيل. كانت الصدمة والفرحة. وبدأت شهرة دافيد تنتشر في الكيبوتز:
"هناك عراف حقي بيننا!"
الجزء الرابع: شبكة الدعم الخفية
كان اتصال دافيد الأول مع شبكته الداعمة عبر طريقة بسيطة لكنها عبقرية. في سوق الكيبوتز الأسبوعي، يقابل بائع خضار عجوز اسمه إسحاق. كان إسحاق في الحقيقة عميلاً مصرياً يتقن العبرية والعربية، ويعيش في إسرائيل منذ سنوات.
أثناء شراء دافيد للطماطم، سأله إسحاق: "أسمع أن لديك هِبات غريبة."
أجاب دافيد بابتسامة خجولة:
"لا أن حكم فيها"
قال إسحاق وهو يضع الطماطم في كيس:
"أحياناً، الموهبة تأتي مع مسؤولية."
"خذ هذه، فيها هدية صغيرة."
في الكيس، بين الطماطم، وجد دافيد ورقة صغيرة مكتوبة بالعربية:
"معلومات راشيل كاملة في العلبة تحت سريرك."
عاد إلى غرفته الصغيرة في الكيبوتز. تحت سريره الخشبي، وجد فراغاً صغيراً في الأرضية. داخله، علبة معدنية. فتحها ليجد ملفاً كاملاً عن راشيل وعائلتها: كل التفاصيل عن علاقتها بيارون، عن الفضيحة، عن هجرتهم. ومعلومات عن أشخاص آخرين في الكيبوتز.
كانت هذه هي آلية العمل:
شبكة من العملاء تجمع المعلومات عن أشخاص مهمين أو متصلين بأشخاص مهمين، ثم ترسلها إلى دافيد ليستخدمها في "نبوءاته".
النبوءة الثانية كانت حول محراث سينكسر في الكيبوتز. وهذه كانت أسهل: أحد العملاء في الكيبوتز نفسه تكلف بتخريب المحراث في الليل.
مع كل نبوءة تتحقق، تزداد شهرة دافيد. بدأ الناس من كيبوتزات مجاورة يأتون لرؤيته. وكان دائماً يرفض، متظاهراً بالتواضع والخوف من موهبته.
لكن الشهرة تجذب الانتباه. وفي أحد الأيام، بينما كان يعمل في الحقل، جاءه شاب يرتدي ملابس مدنية أنيقة.
"دافيد كرينهال؟"
"نعم."
قدم له ظرفا قائلا:
"عندي رسالة لك."
داخل الظرف، دعوة مكتوبة بخط أنيق:
"زوجة الجنرال كوهين تطلب شرف مقابلتك في حفل بمنزلها في تل أبيب."
نظر دافيد إلى الرسالة، ثم إلى الرجل. كان يعلم أن هذه هي اللحظة الحاسمة. الدخول إلى عالم النخبة الإسرائيلية.
"متى؟"
"الليلة. ستأتي سيارة لاصطحابك."
عاد دافيد إلى غرفته. قلب الصفحة الثانية من الرسالة. كانت هناك جملة واحدة مكتوبة بالعربية، بخط صغير جداً:
"أهلاً بك في قلب العاصفة."
كان يعلم أن أمجد وفريقه يعرفون. وأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة.
ثم فجأة، تذكر تحذير أمجد الأخير:
"عندما تدخل إلى عالمهم، لن تعود أنت. ستكون دافيد كرينهال تماماً. حتى تفكر مثله. هذا هو الثمن."
سأل نفسه:
هل أنا مستعد لأن أفقد نفسي حتى أنقذ بلدي؟
نظر من نافذة غرفته الصغيرة إلى الحقول الخضراء تمتد حتى الأفق. في مكان ما خلف تلك التلال، كانت مصر تنتظر. وكانت وفاء، في مكان ما، تنتظر أيضاً.
أجاب على سؤاله نفسه:
"نعم."
لكنه لم يكن يعلم أن هذه الخطوة ستضعه في مأزق خطير، حيث سيجد نفسه وجهاً لوجه مع أخطر رجال الموساد، في اختبار قد يكلفه حياته إن فشل فيه.
---
الفصل الثاني: في عرين الأسد
الجزء الأول: لقاء النخبة
كانت السيارة السوداء الفارهة تنطلق بسرعة على طريق تل أبيب - حيفا السريع. جلس دافيد في المقعد الخلفي، يرتدي الآن بدلة جديدة اشتريت له خصيصاً لهذه المناسبة، لكنه حافظ على مظهره الخجول بعض الشيء. بجانبه جلس الرجل الذي سلمه الدعوة، وقد قدم نفسه باسم "أرييه".
قال أرييه وهو يدخن سيجاراً:
"زوجة الجنرال كوهين سمعت عنك من صديقتها التي زارت الكيبوتز."
"هي تحب كل ما هو غريب وجديد."
قال أرييه وهو ينفث دخان السيجار:
"أنا لست شيئاً غريباً."
"أحياناً تأتيني رؤى، هذا كل شيء."
قال أرييه وهو ينفث دخان السيجار:
"هذا أكثر من كافٍ في هذه الأيام."
"بعد النصر العظيم، الجميع يبحث عن شيء يميزه. الجنرالات يتباهون بغنائم الحرب، والسياسيون يتباهون بمفاوضاتهم، والنساء... يتباهين بما يملكن."
كانت تل أبيب مختلفة تماماً عن الريف الهادئ في الكيبوتز. أضواء نيبرة، مبانٍ حديثة، سيارات فاخرة، وأناس يمشون بثقة وكبرياء. شعر دافيد بأنه دخل عالماً آخر.
توقفت السيارة أمام فيلا ضخمة في حي تساهالا الراقي. كان الحفل في أوجه. أصوات موسيقى الجاز تنساب من الداخل، ضحكات عالية، أصوات كؤوس تتصادم.
أدخله أرييه عبر الباب الخلفي مباشرة إلى غرفة صغيرة أنيقة. هناك، جلست امرأة في الأربعينيات من عمرها، ممتلئة الجسم لكن بأناقة، ترتدي فستاناً أسود طويلاً وتتحلى بمجوهرات باهظة.
قالت بصوت ناعم لكنه يحمل سلطة:
"أهلاً بك، دافيد."
"أنا نعومي كوهين."
انحنى دافيد قليلاً:
"شرف كبير لي، سيدتي."
جلست تنظر إليه بتفحص قائله:
"أخبرني عن نفسك."
"سمعت قصصاً مذهلة."
بدأ دافيد يحكي قصته المزورة: طفولة تعيسة في الاتحاد السوفيتي، اضطهاد لوالده، موت أمه، هروبه الشاق. كان يؤدي الدور بإتقان، والعاطفة في صوته كانت حقيقية جزئياً، لأنه كان يستحضر مأساته الشخصية الحقيقية.
بينما كان يتحدث، لاحظت نعومي شيئاً في عينيه:
"عندك نظرة... قديمة. كأنك عشت أكثر من عمرك."
قال دافيد بهدوء:
"الحزن يضيف سنوات إلى العمر." .
في تلك اللحظة، دخل إلى الغرفة رجل طويل القامة، يرتدي زي الجيش الإسرائيلي برتبة جنرال. كان وجهه صارماً، وعيناه تدرسان دافيد كما تدرس خريطة معركة.
قدمته نعومي:
"هذا زوجي، الجنرال مردخاي كوهين." .
" نهض دافيد باحترام قائلا:
"سعادة الچنرال"
جلس الجنرال كوهين مقابل دافيد، ساكتاً يتأمله للحظة:
"سمعت أنك تخبر الناس بأشياء عن ماضيهم."
"أحياناً... تأتيني صور. لا أتحكم بها."
"هل يمكنك أن تخبرني شيئاً عن ماضي؟" سأل الجنرال بنبرة تحد.
أغلقت عينا دافيد. كان يعلم أن هذه هي اللحظة الحاسمة. المعلومات التي جمعتها المخابرات المصرية عن الجنرال كوهين كانت محدودة، لكنها كافية لبداية.
بدأ يهتز قليلاً، ثم فتح عينيه. نظراته أصبحت زائغة:
"أرى... ماء. بحيرة. وفتاة صغيرة تسقط... وأنت تخلع معطفك وتقفز..."
اصفر وجه الجنرال كوهين فجأة:
"كفى!"
لكن دافيد استمر، بصوت أجش:
"الفتاة كانت ستغرق... لكنك أنقذتها. كانت ابنتك... ليئة. كانت في الخامسة..."
صمت الجنرال. الحادثة كانت سراً عائلياً لم يعرفه سوى هو وزوجته. ابنتهما ليئة كادت أن تغرق في بحيرة طبريا عندما كانت صغيرة، وهو أنقذها في اللحظة الأخيرة.
همست نعومي:
"كيف...؟"
" قال دافيد وهو "يعود" إلى وعيه، متظاهراً بالتعب:
أحياناً تأتيني هذه الرؤى."
نظر الجنرال كوهين إليه بطريقة مختلفة الآن وقال مبهورا:
"هذا... مذهل."
الجزء الثاني: حفلة الأضواء
أصرت نعومي على أن يبقى دافيد في الحفل. قدمته لضيوفها كـ "العراف الروسي العجيب".
في البداية، تعاملوا معه بفضول مختلط بشيء من السخرية. لكن الأمور تغيرت عندما جاءت سارة، زوجة سكرتير وزير الصناعة.
كانت سارة امرأة متغطرسة، تتباهى بثروتها ونفوذ زوجها. تحدثت مع دافيد باستعلاء قائله:
"إذا كنت عرافاً حقيقياً، أخبريني عن ماضي."
أغلقت عينا دافيد. هذه المرة، كان لديه معلومات كاملة. المخابرات المصرية كانت قد حصلت على ملف سميك عن عائلة هذه المرأة.
بدأ يتكلم، وعيناه مغلقتان:
"أرى... بلغاريا. وميراث. ونزاع عائلي. أشخاص يتقاتلون على أموال لم تكن أبداً..."
اصفرت سارة. الميراث البلغاري كان سراً تخفيه عن الجميع.
واصل دافيد:
"ولكن كل هذا لا قيمة له الآن. لأن زوجك... في خطر كبير. خطر قد يودي به إلى السجن."
صرخت سارة: "ماذا تقول؟"
"أرى أوراقاً... ووثائق... واتهامات بالفساد. الرياح تأتي من الشرق."
كانت هذه المعلومة الأكثر خطورة. المخابرات المصرية اكتشفت أن سكرتير وزير الصناعة يتلقى رشاوى من شركات أوروبية، وكانت الأدلة تتراكم ضده.
هربت سارة من الحفل في ذعر. وبعد يومين، كما "تنبأ" دافيد، ألقي القبض على زوجها بتهم الفساد. كانت الفضيحة من العيار الثقيل.
بعد هذه الحادثة، انقلبت الأمور رأساً على عقب. أصبح دافيد العراف الأكثر طلباً في تل أبيب. زوجات الوزراء، الجنرالات، رجال الأعمال... الجميع أراد أن يلتقي به.
الجزء الثالث: اختبار الموساد
لكن الشهرة تجلب المشاكل. بعد شهر من انتشار صيته، استدعاه الجنرال كوهين إلى مكتبه في مقر الجيش.
قال له بصراحة.
"الموساد يريد مقابلتك."
"الموساد؟ لماذا؟"
قال الجنرال:
"أي شخص يكتسب هذا النفوذ على نخبة المجتمع يجب أن يفحص."
"لا تقلق، سأكون معك."
كان المقر الرئيسي للموساد في تل أبيب مبنى عادياً من الخارج، لكن الداخل كان عالماً آخر. ممرات طويلة، أبواب مغلقة، كاميرات مراقبة في كل زاوية.
أخذوه إلى غرفة تحقيق بيضاء، خالية من أي زينة. هناك، جلس ثلاثة رجال: رجلان في الأربعينيات، وامرأة في الثلاثينيات، تبدو حادة الذكاء.
قال الرجل الأكبر سناً:
"أنا يوفال."
"وهذا هو ميكائيل، وهذه داليا. سنطرح عليك بعض الأسئلة."
بدأت الجلسة بأسئلة عادية عن ماضيه في الاتحاد السوفيتي. كان دافيد مجهزاً بإجابات كاملة، كل تفصيلة من حياته المزورة كانت محفوظة عن ظهر قلب.
ثم جاءت الأسئلة الأصعب:
"كيف تفسر هذه 'الموهبة'؟"
"لا أفسرها. هي تأتي وتذهب."
"هل قابلت في السوفييت أشخاصاً آخرين لديهم قدرات مشابهة؟"
"سمعت عنهم، لكن لم ألتقِ بهم."
ثم جاء الاختبار الحقيقي. أحضروا جهاز كشف الكذب. كانت هذه اللحظة التي تدرب عليها دافيد بشدة في مصر. علمه أمجد كيف يتحكم في تنفسه، في معدل ضربات قلبه، في استجاباته الجسدية.
سأل يوفال:
"هل أنت عميل لدولة أجنبية؟"
أجاب دافيد، وفي الوقت نفسه، استحضر صورة وفاء، حبه المفقود، ليهدئ مشاعره الحقيقية:
"لا"
كانت الإبرة ترتفع وتنخفض، لكنها بقيت في النطاق "الطبيعي".
"هل تستخدم وسائل تقليدية لجمع المعلومات عن الناس؟"
"لا أعرف كيف أجمع المعلومات. تأتيني فجأة."
استمر الاختبار لساعتين. وفي النهاية، نظر يوفال إلى زملائه، ثم إلى دافيد:
"النتائج سلبية. ليس هناك دليل على كذبك."
لكن داليا، المرأة الشابة، بدت غير مقتنعة. "هناك شيء... لا يصدق في قصة كهذه."
قال يوفال:
"العالم فينا يرفض، لكن الواقع أمامنا."
خرج دافيد من المقر مع الجنرال كوهين، يشعر بارتياح كبير. لكنه لم يلحظ أن داليا كانت تراقبه من النافذة، وعينيها لا تزال تحملان شكاً عميقاً.
الجزء الرابع: الحياة في الفيلا
أصبح دافيد ضيفاً دائماً في فيلا كوهين. خصصوا له غرفة في الطابق العلوي. كانت الحياة مختلفة تماماً: طعام فاخر، ملابس جديدة، معاملة كضيف شرف.
في إحدى الأمسيات، بينما كان يجلس مع الجنرال كوهين في المكتبة، سمع الحديث يدور عن خط بارليف.
قال الجنرال بفخر:
"الخط منيع."
"مائة مليون دولار أنفقت على بنائه. سيكون مقبرة لأي جيش يحاول عبور القناة."
سأل دافيد بسذاجة متعمدة:
"هل رأيته بنفسك؟"
"طبعاً. أنا مسؤول عن القطاع الشمالي منه."
بدأ الجنرال يتحدث بحماسة عن تفاصيل الخط:
الجدران الأسمنتية بارتفاع عشرين متراً، الخنادق العميقة، الأنابيب النفطية لتحويل القناة إلى بحر من النار، الحصون تحت الأرض...
كان دافيد يستمع باهتمام، يخزن كل كلمة. في الليل، كان يدون كل شيء في دفتر صغير باستخدام حبر سري لا يظهر إلا بمعالجة كيميائية خاصة.
لكن الأمور لم تكن تسير بسلاسة كما يبدو. داليا من الموساد كانت تراقبه عن بعد. وقد لاحظت شيئاً غريباً:
دافيد، رغم مظهره الخجول، كان دائم الملاحظة. عيناه تلتقطان تفاصيل لا يلاحظها الآخرون.
في أحد الأيام، بينما كان دافيد في السوق مع خادمة الفيلا لشراء بعض الحاجيات، شعر بأنه مراقب. التفت فجأة ليرى داليا تقف على بعد أمتار، تتابعه بنظرة ثاقبة.
اقتربت منه:
"تستمتع بإسرائيل، دافيد؟"
"إنها بلد جميلة."
قالت وهي تحدث في عينيه:
"أحياناً، البلاد الجميلة تخفي أسراراً خطيرة."
"وأحياناً، الأشخاص الهادئون يخفضون عواصف."
"لا أفهم ما تعنين."
ابتسمت ابتسامة لا تصل إلى عينيها:
"ربما لا تفهم. أو ربما تفهم أكثر مما تظهر."
ذهبت، تاركة دافيد في قلق متزايد. كان واضحاً أن شكوكها لم تختفٍ.
الجزء الخامس: المأزق الخطير
الأزمة الكبرى جاءت من حيث لم يتوقع. في حفل أقامه وزير الدفاع في منزله، كان دافيد حاضراً كضيف شرف. الجميع كانوا يتحدثون معه، يطلبون نبوءات.
فجأة، دخل إلى القاعة رجل عجوز، يرتزي بدلة عسكرية عليها رتبة جنرال متقاعد. كان الجنرال أفراهام غولدشتاين، أحد مؤسسي الموساد.
تقدم مباشرة نحو دافيد:
"أنت العراف الروسي المشهور."
"أنا دافيد كرينهال."
" قال الرجل العجوز بصوته الأجش:
"أنا سمعت عنك. ولدي اختبار لك"
"في شبابي، عملت في عملية سرية في أوروبا. لا يعرف عنها أحد، حتى زوجتي. أخبرني ماذا كانت هذه العملية."
تجمد دافيد. هذه المعلومة لم تكن في أي ملف. المخابرات المصرية لم تكن تعرف شيئاً عن هذه العملية.
كل العيون عليه. الجنرال كوهين نظر إليه بقلق. داليا، التي كانت حاضرة أيضاً، ابتسمت ابتسامة منتظرة.
كان دافيد على حافة الهاوية. إذا فشل، ستفتر شكوك الموساد. إذا حاول التخمين، قد يقول شيئاً خاطئاً ويكشف نفسه.
أغلقت عينيه، متظاهراً بالدخول في حالة نبوئية. كان عقله يعمل بسرعة. تذكر ما درسه أمجد: عندما تكون في مأزق، اجعل الإجابة غامضة وعاطفية.
بدأ يتكلم، وصوته يرتعش: "أرى... ثلجاً. وحدوداً. وانتظاراً طويلاً. ورجلاً شجاعاً يخاطر بحياته من أجل آخرين. أرى... خيانة قريبة... وقلباً ينكسر... ولكن في النهاية، فخر... وفخر كبير."
فتحت عيني الجنرال غولدشتاين على اتساعهما. ثم بدأت دموع تنساب على خديه المتجعدين.
وهمس:
"كيف عرفت؟"
"كانت عملية في النمسا، في الثلج... وخنت من قبل رجل ظننته صديقاً... لكنني في النهاية أنقذت عائلة يهودية..."
كانت الإجابة العامة قد تطابقت مع تجربة الرجل العجوز بشكل مذهل. الحاضرون انفجروا في تصفيق.
لكن داليا لم تصفق. كانت تحدق في دافيد، وعينيها تقولان: "أعرف أنك تخدع. وأنا سأثبت ذلك."
بعد الحفل، في طريق العودة إلى الفيلا، قال الجنرال كوهين لدافيد:
"لقد أنقذت الموقف. غولدشتاين رجل خطير، وكان اختباره محكاً حقيقياً."
قال دافيد بصدق هذه المرة:
"كنت خائفا"
إستمر الجنرال بالقول:
"لكن هناك مشكلة أكبر."
"داليا من الموساد لا تزال تشك فيك. وهي تطلب إخضاعك لاختبار آخر، أكثر خطورة."
"ما هو؟"
"تريد أن تأخذك إلى مركز تدريب الموساد. هناك، سيكون تحت المراقبة المستمرة لمدة أسبوع. ستفحص كل تحركاتك، كل كلماتك، كل ردود أفعالك."
شعر دافيد ببرودة تخترق قلبه. أسبوع تحت المجهر في مركز للموساد؟ مستحيل أن ينجو من ذلك.
سأل بصوت هادئ:
"متي"
قال الجنرال:
"بعد أسبوعين."
"ولكن لا تقلق، سأكون معك."
لكن دافيد كان يعرف الحقيقة: إنها فخ. وإذا وقع فيه، فسيكون مصيره الإعدام كجاسوس.
في تلك الليلة، بينما كان جالساً في غرفته، نظر إلى القمر من النافذة. في مكان ما بعيداً، في مصر، كان أمجد وفريقه ينتظرون إشارة منه. لكن كيف يطلب المساعدة وهو محاصر؟
ثم تذكر ما قاله له أمجد قبل سفره:
"إذا وقعت في مأزق لا مخرج منه، استخدم 'الطريق الأحمر'."
الطريق الأحمر كان خطة طوارئ: رسالة مشفرة يرسلها إلى عنوان بريد في تل أبيب، وسيقوم عميل بإخراجه من إسرائيل فوراً.
لكن استخدام الطريق الأحمر يعني نهاية المهمة. يعني فشل العملية برمتها.
تساءل: هل يستسلم الآن، أم يخاطر ويدخل عرين الأسد، آخذاً معه احتمال الموت، أو ما هو أسوأ، اكتشاف الخدعة وتداعياتها على مصر؟
وقبل أن يقرر، سمع دقات الباب. كانت نعومي:
"دافيد، أريد التحدث معك. عن شيء مهم جداً."
دخلت، وأغلقت الباب خلفها. عيناها تحملان نظرة جدية.
"زوجي يريد أن يأخذك إلى خط بارليف. يريد أن تراه بنفسك."
صُعق دافيد. هذه كانت فرصته الذهبية! الدخول إلى أعتى حصن إسرائيلي
تردد قائلا
"لكن"
قالت نعومي:
"لكن يجب أن تذهب إلى اختبار الموساد أولاً."
"وهناك مشكلة أخرى. داليا... لديها أدلة، أو هكذا تزعم."
"أدلة على ماذا؟"
"تزعم أنها وجدت شخصاً يعرفك من أوكرانيا. شخص يقول إن دافيد كرينهال مات في طفولته."
كانت الأرض تهتز تحت قدمي دافيد. هل اكتشفوا الهوية المزورة؟
سأل، وصوته يكاد لا يُسمع:
"ماذا سنفعل؟"
ابتسمت نعومي ابتسامة غامضة:
"لا تقلق. في إسرائيل، المال يحل كل المشاكل. والشهرة أيضاً. داليا ستجد أن تحقيقاتها تتعطل فجأة."
خرجت، تاركة دافيد في حيرة أعمق. كان أمامه اختياران:
إما استخدام الطريق الأحمر والهرب الآن، أو الاستمرار والمخاطرة بحياته، لكن مع فرصة الحصول على أهم المعلومات على الإطلاق: دخول خط بارليف.
نظر إلى السماء مرة أخرى. في عقله، صور أمجاد مصر القديمة، وصور جنودها الذين سيقتحمون الحصون يوماً ما. وتذكر وعود أمجد: العودة بطلاً، ولقاء وفاء.
قرر: سيواصل. سيدخل عرين الأسد. سيواجه اختبار الموساد. وسيدخل خط بارليف.
لكنه لم يكن يعلم أن القادم أعظم خطراً مما توقع. فداليا كانت أقوى وأذكى من أن يوقفها المال أو النفوذ. وكانت على بعد خطوات من كشف الحقيقة كلها.
---
الجزء الثاني والأخير
غدا
 

koko1972

مساعد مسؤولة الأقسام العامة والفضفضة
إدارة ميلفات
مساعد إداري
حكمدار صور
كاتب حصري
برنس الصور
إمبراطور شتاء ميلفات
ملك المزاج العالي
ميلفاوي VIP
نجم الفضفضة
مستر ميلفاوي
محقق
ميلفاوي واكل الجو
عضو
ناشر قصص
ناشر صور
صقر العام
ميلفاوي حريف سكس
ميلفاوي كوميدي
إستشاري مميز
ميلفاوي نشيط
ناشر محتوي
نجم ميلفات
ملك الصور
ميتادور النشر
ميلفاوي كابيتانو ⚽
ناشر عدد
قارئ مجلة
ميلفاوي علي قديمو
ميلفاوي متفاعل
ميلفاوي دمه خفيف
كاتب مميز
ميلفاوي فنان
الذئب الأسود
الأكثر نشر هذا الشهر
إنضم
30 سبتمبر 2025
المشاركات
7,652
مستوى التفاعل
3,785
نقاط
81,998
النوع
ذكر
الميول
عدم الإفصاح
الفصل الثالث: بين المطرقة والسندان
الجزء الأول: الاختبار
كان صباح اليوم الموعود بارداً وضبابياً.
وقف دافيد أمام المبنى الرمادي الكئيب في ضواحي هرتسليا، مقر تدريب الموساد السري.
كان يرتدي ملابس بسيطة، يحاول أن يظهر هدوءاً بينما قلبه يدق كالطبل.
بجانبه وقف الجنرال كوهين قائلا:
"تذكر، هم يختبرون ردود أفعالك النفسية أكثر من أي شيء آخر. كن طبيعياً."
سأل دافيد بمرورك:
"ما هو الطبيعي لرجل يدعي أنه يرى المستقبل؟"
ابتسم الجنرال قائلا:
"هذا هو التحدي."
داخل المبنى، استقبلهما يوفال وداليا.
كانت داليا هذه المرة أكثر رسمية، تحمل حقيبة جلدية سوداء.
قالت داليا:
"الجنرال كوهين، شكراً لإحضاره."
"الاختبار سيدوم سبعة أيام. ستكون في جناح معزول. ستتواصل مع العالم الخارجي فقط عبر قنواتنا."
إعتراض الجنرال:
"سبعة أيام؟ هذا طويل"
قال يوفال بحزم:
"هذا ما يتطلبه الأمر للتأكد."
أخذوا دافيد عبر ممر طويل إلى جناح يشبه جناح المستشفى:
غرف بيضاء، أسرة بسيطة، نوافذ غير قابلة للكسر. في غرفته، لم يكن هناك سوى سرير وطاولة وكرسي.
شرحت داليا قاءله:
"قواعد بسيطة."
"لا اتصال مع الخارج. سنقوم بمقابلات يومية. وسنراقبك على مدار الساعة." أشارت إلى كاميرا صغيرة في زاوية السقف.
بعد أن غادر الجميع، جلس دافيد على السرير.
كان يعلم أن كل حركة، كل نظرة، كل تعبير وجه سيسجل ويحلل. تدرب في مصر على هذا الموقف، لكن التدريب شيء والواقع شيء آخر.
في اليوم الأول، كانت المقابلات روتينية. أسئلة عن طفولته، عن ذكرياته في أوكرانيا، عن رحلته إلى إسرائيل.
في اليوم الثاني، أصبحت الأسئلة أكثر حدة:
"هل قابلت أي عملاء سوفييت أثناء وجودك في أوكرانيا؟"
"لا، كنت طفلاً."
"هل حاول أي شخص تجنيدك قبل مجيئك إلى إسرائيل؟"
"من يجند طفلاً يتيماً فقيراً؟"
كان دافيد يجيب ببساطة، محافظاً على قصته.
لكن في اليوم الثالث، تغيرت الأمور جذرياً.
الجزء الثاني: الخدعة النفسية
في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، أيقظه ضوء ساطع في الغرفة. في الباب وقف رجل يرتزي ملابس الجيش السوفيتي.
قال بالروسية بنبرة قاسية.
"دافيد كرينهال"
أجاب دافيد بلغته الأم، مندهشاً:
"نعم"
"أنا العقيد جورجي من المخابرات السوفيتية. لقد عثرنا عليك أخيراً."
كانت هذه خدعة كلاسيكية: وضع الشخص في موقف صادم ليرى ردود أفعاله. دافيد تذكر تحذيرات أمجد منها.
"ما الذي تريده؟" سأل، محاولاً أن يبدو خائفاً بطريقة طبيعية.
"أنت هربت من الوطن. وأنت تعمل الآن مع الصهاينة. هذه خيانة."
"أنا لم أعمل مع أحد. أنا فقط أعيش هنا."
صرح الرجل:
"كذاب!"
"لقد رأينا اتصالاتك. أنت جاسوس!"
كان التصرف الطبيعي لشخص بريء هو الإنكار الغاضب.
لكن دافيد تذكر شيء آخر: دافيد كرينهال المزور كان شخصية خائفة، ضعيفة.
بدأ يبكي:
"أرجوك... لا تؤذني. لم أفعل شيئاً."
راقبه الرجل لحظة، ثم خرج فجأة. انطفأ الضوء الساطع، وعاد الظلام.
في غرفة المراقبة المجاورة، كانت داليا تشاهد كل شيء على الشاشة.
قال يوفال:
"رد الفعل طبيعي."
قالت داليا وهي تكتب ملاحظات:
أو مدروس جيدا"
الجزء الثالث: الكشف المرعب
في اليوم الرابع، حدث ما لم يكن في الحسبان.
أثناء جلسة الاستجواب الصباحية مع داليا، سألته فجأة:
"هل تعرف شخصاً اسمه أشرف فؤاد الطحان؟"
كان السؤال كالصاعقة. أشرف فؤاد الطحان كان اسمه الحقيقي. كيف عرفت؟
حافظ على هدوئه الظاهري:
"لا، لا أعرف هذا الاسم."
قالت داليا وهي تتصفح ملفاً:
"غريب"
"لأننا وجدنا في أرشيف الهجرة في أوكرانيا شخصاً بهذا الاسم، مواليد 1948، ابن فؤاد الطحان المصري وهيلجا بتروفا الأوكرانية. ومثير للاهتمام، هذا الشخص يشبهك كثيراً."
كانت المخابرات المصرية قد زورت أرشيف الهجرة، لكن يبدو أن هناك ثغرة.
قال دافيد، يشعر بالعرق يتدفق على ظهره:
"الكثير من الناس يتشابهان"
قالت داليا وهي تراقب إنفعالاته:
"الأكثر إثارة للاهتمام..."
"أن هذا الشخص، أشرف فؤاد الطحان، اختفى من أوكرانيا في 1967. وفي نفس الوقت تقريباً، ظهرت أنت في إسرائيل."
"صدفة."
قالت داليا وهي تقف:
"الموساد لا يؤمن بالصدف."
"غداً، سيكون لدينا ضيف خاص. شخص من أوكرانيا يعرف عائلة بتروفا. سنرى إذا كان يعرفك."
خرجت، تاركة دافيد في حالة من الذعر الحقيقي هذه المرة. إذا أحضروا شخصاً يعرف عائلة والدته، فستنكشف الخدعة بالتأكيد.
في تلك الليلة، بينما كان مستلقياً على سريره، فكر في خياراته.
الطريق الأحمر كان الخيار الوحيد الآن. لكن كيف يرسل الرسالة وهو معزول تماماً؟
ثم تذكر شيئاً. أثناء تدريبه في مصر، علمه أمجد طريقة طوارئ للإشارة: رمز مرئي من النافذة. لكن النوافذ هنا غير قابلة للكسر، ومغلقة بإحكام.
نهض واقترب من النافذة. كانت تطل على فناء داخلي. في الطابق المقابل، رأى ضوءاً في نافذة. ربما كانت غرفة مراقبة أخرى.
فجأة، لاحظ شيئاً. على حافة النافذة من الخارج، كانت هناك سلسلة من الأرقام الصغيرة محفورة: "237".
كان هذا رمزاً! في تدريبه، كان الرقم 237 يرمز إلى "خطر شديد، أطلب الإخراج الفوري".
لكن من وضع الرقم؟ وكيف يعرف من سيراه؟
الجزء الرابع: الحليف غير المتوقع
في اليوم الخامس، جاء الضيف من أوكرانيا. كان رجلاً عجوزاً، يرتدي ملابس رثة، ويتكلم الروسية بلكنة أوكرانية قوية.
أدخل إلى الغرفة حيث كان دافيد يجلس مع داليا.
قدمته داليا قائله:
"هذا هو البروفيسور ليونيد."
"كان جاراً لعائلة بتروفا في كييف."
نظر العجوز إلى دافيد بنظرة حادة.
"أنت تقول إنك دافيد كرينهال؟"
"نعم."
"عائلة كرينهال عاشت في مبنى مجاور لنا. كان لديهم ابن واحد... مات في حادث عندما كان في العاشرة."
كانت هذه المعلومات خاطئة تماماً. المخابرات المصرية صنعت عائلة كرينهال من لا شيء.
قال دافيد بهدوء؛:
"ربما تتذكر خطأ."
"أنا لم أمت، كما ترى."
صرخ العجوز فجأة:
"لا
أنت لست دافيد كرينهال! أنت أشرف! ابن هيلجا!"
تجمد دافيد.
كيف عرف؟
إستمر العجوز قائلا بإنفعال:
"هيلجا كانت صديقة لابنتي."
"كانت تظهر لي صورك دائماً. أنت أشرف!"
كانت داليا تنظر إلى المشهد بعينين تلمعان بالنصر:
"هل تعترف الآن؟"
لكن فجأة، حدث شيء غير متوقع. العجوز بدأ يهتز، ثم سقط على الأرض. كان يعاني من نوبة قلبية.
انقلبت الغرفة إلى فوضى. داليا استدعت المسعفين. أخذوا العجوز على عجل. في زحمة المشهد، التقط دافيد نظرة سريعة من العجوز قبل أن يُخرج. كانت فيها... وميض؟ كأنها إشارة.
بعد ساعة، عادت داليا:
"لقد مات. نوبة قلبية حادة."
قال دافيد، محاولاً أن يبدو محايداً:
"هذا مؤسف"
قالت داليا، لكن عينيها كانتا تقولان شيئاً آخر.د:
"نعم مؤسف جدا
الآن لا يوجد دليل مباشر. لكني ما زلت مقتنعة أنك لست من تدعيه."
"أنت حرة فيما تعتقدين."
الجزء الخامس: الهروب الضيق
في اليوم السادس، في منتصف الليل، استيقظ دافيد على صوت خفيف عند الباب.
إنفتح الباب ببطء، ودخلت شخصية ترتدي زي الحارس.
"دافيد؟"
"نعم."
"أنا صديق. تعال معي."
"من أنت؟"
"ليس الآن. هل تريد الهروب من هنا أم لا؟"
نظر دافيد إلى الكاميرا في السقف. كانت مطفأة.
"ماذا فعلت بالكاميرا؟"
"عطلتها مؤقتاً. لكن ليس لدينا وقت."
قرر دافيد أن يخاطر. خرج مع الرجل إلى الممر المظلم. قاده عبر ممرات خلفية، ثم إلى باب خلفي صغير.
في الخارج، كانت سيارة سوداء تنتظر.
"اصعد."
صعد دافيد. في المقعد الأمامي، جلس شخص كان يعرفه: إسحاق، بائع الخضار من الكيبوتز!
"إسحاق! لكنك..."
قال إسحاق وهو يشغل السيارة:
"ليس الآن
لقد كادوا يكتشفونك. العجوز الأوكراني كان عميلاً لنا. لقد ضحى بحياته لينقذك."
"مات من أجلي؟"
"كان مريضاً بالقلب، وعرف أن نهايته قريبة. فقرر أن تكون موته مفيداً."
كان دافيد مصدوماً:
"إذن أنت تعرف هويتي الحقيقية."
"طبعاً. أنت أشرف فؤاد الطحان، وعمليتك اسمها 'العراف'، وقائدك أمجد."
كانت الشبكة المصرية أعمق مما توقع.
يتألف دافيد فجأه:
"الآن، ماذا؟"
"الآن نعيدك إلى الفيلا. الجنرال كوهين يعتقد أن الموساد أطلق سراحك مبكراً. داليا ستصدق أن العجوز كان مخطئاً بسبب مرضه."
"ولكنها ما زالت تشك."
"صحيح. لكن لدينا خطة."
الجزء السادس: العودة والخطة الجديدة
عاد دافيد إلى فيلا كوهين في الصباح الباكر.
إستقبله الجنرال وزوجته بترحاب.
قال الجنرال؛:
"لقد أطلقوا سراحك! قالوا إن الاختبارات كانت سلبية."
"نعم، لقد كان الأمر صعباً."
قالو الجنرال وهو يبتسم:
"لكن هناك أخبار سارة
لقد حصلت على الموافقة. ستذهب معي إلى خط بارليف!"
كانت هذه هي الفرصة الذهبية.
لكن دافيد كان يعلم أن داليا لن تتركه. كانت تراقبه أكثر من أي وقت.
في اليوم التالي، بينما كان يتجول في حديقة الفيلا، شعر بوجودها قبل أن يراها.
إلتفت ليجدها واقفة تحت شجرة زيتون.
قالت بمكر:
"لم أتوقع أن أراك خارج مركز الاحتجاز."
"الموساد قرر أنني بريء."
إنترنت منه قائله:
"الموساد قرر، لكني لم أقرر."
"أنا أعلم أنك تخفي شيئاً. وسأكتشفه."
"لماذا هذا الإصرار؟"
"لأنني رأيت رجلاً مثلك من قبل. في أوروبا. كان جاسوساً مصرياً. وكان له نفس النظرة... نظرة الشخص الذي يخفي سراً كبيراً."
كانت داليا أكثر خطراً مما توقع أي شخص.
"إذا كنت جاسوساً، فلماذا أنا هنا؟ لماذا لا أكون في السجن؟"
"لأن الجنرال كوهين يحميك. ولأنني أريد أن أمسكك وأنت ترسل معلومات. أريد الشبكة كلها."
خرجت، تاركة دافيد في قلق جديد. الآن هو يعلم أنها لن تتوقف. وهي تعلم أنه جاسوس. إنها لعبة قط وفأر، والفأر يعلم أن القط يراقبه.
الجزء السابع: التحضير للزيارة
بدأت الاستعدادات لزيارة خط بارليف. الجنرال كوهين كان متحمساً.
قال له بحماس:
"سترى أعجوبة هندسية.
جدران ترابية بارتفاع 20 متراً، خزانات نفط لتحويل القناة إلى نار، حصون تحت الأرض تستطيع تحمل قصف مباشر..."
كان دافيد يستمع، يخزن كل معلومة.
لكن التحدي كان: كيف سيصور داخل الخط؟ الكاميرات ممنوعة تماماً.
جاء الحل من إسحاق. في زيارة سرية إلى سوق تل أبيب، أعطاه معطفاً شتوياً سميكاً.
خمس إسحاق:
"في الأزرار، كاميرات مصغرة."
"اضغط على الزر الأول لبدء التصوير، الثاني لإيقافه. الميكروفيلم داخل الزر الأكبر."
كانت التكنولوجيا متطورة بشكل مذهل. لكن الخطر كان أكبر.
قال له إسحاق بتحذير:
"داليا ستكون هناك."
"هي لن تتركك تذهب إلى خط بارليف دون مراقبتك."
"ماذا أفعل؟"
"يجب أن تجعلها تبتعد. أو تجعلها مشغولة."
كانت الخطة جرئية: أثناء الزيارة، سيقوم أحد العملاء بعمل تشويش في القطاع المجاور، وسيُستدعى الجنرال كوهين للطوارئ، تاركاً دافيد مع مرافقه... الذي سيكون في الواقع عميلاً مصرياً متنكراً.
لكن الخطر كان أن داليا قد تطلب البقاء مع دافيد.
الجزء الثامن: اللحظة الحاسمة
في صباح يوم الزيارة، ارتدى دافيد المعطف الخاص. كان متوتراً، لكنه حاول أن يظهر هادئاً.
في سيارته، كان معه الجنرال كوهين ومرافقه العسكري، رائد شاب اسمه إيال. لكن فجأة، توقفت سيارة أخرى بجانبهم. نزلت منها داليا.
قالت ببساطه:
"قررت أن أذهب معكم.
أعتقد أن زيارة العراف لخط بارليف ستكون مثيرة للاهتمام."
كانت الخطة تتهاوى. داليا ستكون عيناً إضافية عليه.
الطريق إلى خط بارليف كان طويلاً وصعباً. عبر صحراء سيناء، كانت الحرارة ترتفع. داليا كانت تجلس بجانب دافيد في المقعد الخلفي.
سألته وهي تنظر بعينيه:
"متحمس لرؤية الحصن المنيع؟" سألته.
"نعم، سيكون مشهداً لا يُنسى."
قالت بن بره غامضه:
"بالنسبة لك، نعم."
عند وصولهم إلى أول نقطة تفتيش، شعر دافيد بثقل الموقف.
الجنود الإسرائيليون كانوا في حالة تأهب قصوى. الأسلحة في كل مكان.
دخلوا إلى القطاع الشمالي من الخط. كان المشهد مذهلاً: جدار ترابي عملاق يمتد حتى الأفق، أبراج مراقبة، مدافع مخفية.
قال الجنرال كوهين وهو يشير إلى حصن تحت الأرض:
"هنا
هذا واحد من 22 حصناً. كل حصن يمكنه التحكم بقطاع طوله 10 كيلومترات."
كان دافيد يصور بسرية، يضغط على الأزرار بحركات طبيعية. لكن داليا كانت تراقبه عن كثب.
فجأة، اقتربت منه وقالت:
"معطفك جميل. أزراره لامعة بشكل غريب."
كانت على بعد خطوات من الاكتشاف. دافيد شعر بالعرق البارد.
في تلك اللحظة بالذات، جاء جندي راكضاً:
"سعادة الجنرال! طارئ في القطاع 14! اشتباه بتسلل!"
كان هذا الجزء من الخطة. لكن الجنرال كوهين لم يذهب وحده. "داليا، إيال، ابقيا مع دافيد. أنا سأعود سريعاً."
ذهب الجنرال مسرعاً، تارك دافيد مع داليا والرائد إيال... الذي كان في الواقع العميل المصري!
لكن داليا كانت أذكى:
"إيال، اذهب وافحص المنطقة هناك. أنا سأبقى مع دافيد."
رفض إيال قائلا:
"أوامري هي البقاء معه."
صرحت داليا:
"وأنا أقول لك اذهب!"
كانت لحظة صراع.
دافيد أشار إلى إيال بالموافقة.
كان عليه أن يخاطر مع داليا لوحدها.
ذهب إيال، تاركاً دافيد مع داليا في أحد الحصون تحت الأرض.
نظرت إليه داليا:
"الآن، نحن لوحدنا. حان وقت الحقيقة."
وكان دافيد يعلم أنه إن فشل في إقناعها الآن، فسيكون مصيره الموت في هذا الحصن المنيع، وسيضيع كل ما عاش من أجله.
---
دافيد الآن وحده مع داليا في أعماق خط بارليف. هي تعلم أنه جاسوس، وهو يعلم أنها تعلم.
في هذا المكان المعزول، إما أن يقنعها، أو يقتلها، أو تُقتل هو. أي خيار سيختار؟ وكيف سيستمر في مهمته وهو في هذا المأزق الخطير؟
---
الفصل الرابع: نهاية اللعبة
الجزء الأول: المواجهة في القبو
كان الهواء في الحصن تحت الأرض بارداَ ورطباَ، تنبعث منه رائحة الأسمنت والوقود والحديد. الأضواء الخافتة تلقي بظلال طويلة على الجدران الخرسانية السميكة. وقف دافيد وداليا في ممر ضيق، ينظر كل منهما إلى الآخر.
مررت داليا وعيناها لا تفارق ان وجهه:
"حان وقت الحقيقة
من أنت حقاً؟"
"دافيد كرينهال، كما قلت دائماً."
أخرجت مسدساً صغيراً من حقيبتها وصحبتي إليه قائله:
"كذبت
لقد تتبعت أثرك. العجوز الأوكراني كان عميلاً للمخابرات المصرية. وقد مات ليحميك."
كان دافيد يشعر بقلبه يدق كأنه يريد الخروج من صدره:
"إذا كنت تعتقدين أنني جاسوس، لماذا لم تعتقليني؟"
إنترنت خطوة قائلة:
"لأنني أريد الشبكة كلها
أنت حلقة واحدة. أريد من أعطاك المعلومات عن راشيل وعن سكرتير الوزير. أريد من صنع لك الهوية المزورة."
كانت تعلم الكثير. أكثر مما توقع.
"ولماذا تهتمين؟ أنت من الموساد، مهمتك اكتشاف الجواسيس."
كان في عينيها آلم غامض وهي تقول:
"لدي أسبابي الخاصة.
الآن، أخبرني الحقيقة، أو سأطلق النار عليك هنا، وأقول إنك حاولت التجسس."
نظر دافيد حوله. كانوا لوحدهم في ذلك القبو المعزول. حتى لو صرخ، لن يسمعه أحد. كان عليه أن يفكر بسرعة.
ثم تذكر ما قاله له أمجد:
"عندما تكون في مأزق لا مخرج منه، غير قواعد اللعبة."
بدأ يبتسم.
سألته داليا، مرتبكة بعض الشيء:
"لماذا تبتسم؟ "
قال دافيد، ونبرة صوته تغيرت تماماً. أصبحت أكثر ثقة، أقل خوفاً:
"ظننت أنني أستطيع خداع الجميع. لكنك، داليا، كنتي أسبق دائماً خطوة إلى الأمام."
"أخيراً تعترف."
أدار ظهره لها، وكأنه يستسلم:
"نعم أعترف
أنا لست دافيد كرينهال. أنا جاسوس مصري."
سكتت للحظة، مندهشة من اعترافه السهل:
"لماذا تعترف الآن؟"
إلتقت إليها وفجأه قائلا:
"لأنني أدركت شيئاً.
أنتي لا تريدين تسليمي للموساد. لو أردت ذلك، لكنت فعلت من زمان."
ارتجفت يدها التي تمسك المسدس وهي تقول:
"ما الذي تعنيه؟"
تقدم خطوه نحوها قائلا:
"أعني أنكي تخبئين سراً أيضاً.
في أرشيف الموساد، هناك ملف عنكي
عن عائلتكِ التي جاءت من بولندا. عن أخيكي الذي مات في عملية فاشلة في لبنان عام 1956."
همت وعيناها تتسعان:
"كيف تعرف هذا؟"
كان يكذب، يتخمين. لكنه رأى في عينيها أنه أصاب الهدف
فقال لها
"لإن المخابرات المصرية تعرف الكثير"
"أخي... لم يكن يجب أن يموت. كانت العملية فاشلة من البداية. والقادة الذين أرسلوه... هم الآن جنرالات كبار."
"وهذا سبب كراهيتك للنظام. لكراهيتك لطريقة عمل الموساد."
أطلقت داليا ضحكة مريرة وقالت لبعض:
أنت ذكي جداً. نعم، أنا أكره ما أصبح عليه الموساد. جهاز يقتل الأبرياء، يحمى الفاسدين، ويخدع شعبه."
"إذاً، لماذا تعملين معهم؟"
"لأنني أريد أن أغيرهم من الداخل. وأحياناً... أحياناً أريد أن أخذفهم."
كان هناك صمت طويل. ثم خفضت داليا المسدس قائله:
"أنا لن أقتلك. لكني أريد شيئاً مقابل صمتي."
"ماذا تريدين؟"
"أريد أن أساعدك."
صُدم دافيد قائلا:
"لماذا؟"
"لأن انتصار مصر على إسرائيل سيهز النظام من جذوره. وسيكون لدي فرصة لتغيير ما أريد تغييره."
كانت تقدم تحالفاً غير متوقع. لكن هل يمكن الوثوق بها؟
سألها:
"كيف أثق بك؟"
أشارت نحو المسدس وقالت:
"لا يمكنك. لكن خياراتك محدودة.
يمكنني أن أقتلك الآن، أو يمكننا أن نعمل معاً."
سألته داليا:
"ماذا تريد من خط بارليف؟"
"أريد صوراً. مخططات. أي شيء يساعد جيشي على اقتحامه."
"سأخذك إلى الأماكن الحساسة. لكن يجب أن نكون سريعين. الجنرال كوهين سيعود قريباً."
الجزء الثاني: الجولة الخطيرة
بدأت داليا تقود دافيد عبر الممرات تحت الأرض. كانت تعرف الحصن جيداً، كأنها درست مخططاته مسبقاً.
"هنا غرفة التحكم المركزية." فتحت باباً ثقيلاً. داخل الغرفة، شاشات رادار، خرائط، أجهزة اتصال.
كان دافيد يصور بسرية، بينما داليا تراقب المدخل.
أشارت للوحة تحكم كبيره قائله:
"هنا يتحكمون في أنابيب النفط تحت الماء."
"عند أي محاولة عبور، يفتحون الصمامات، ويشعلون النفط على سطح الماء."
كانت هذه معلومة حيوية. التقط صوراً لكل شيء.
"الآن إلى الأعلى."
قادته إلى سطح الحصن. من هناك، كانت رؤية بانورامية لخط بارليف كاملاً: الجدران الترابية العملاقة، الخنادق، الأسلاك الشائكة.
قال دافيد:
"الجدران تبدو منيعة."
قالت داليا:
"وهي كذلك.
لكن لكل جدار نقطة ضعف."
"أين؟"
أشارت إلى أماكن محددة قائله:
"هنا وهنا.
المنحدرات شديدة الانحدار، لكن التربة غير مستقرة.
وهنا، الأسمنت لم يجف جيداً بسبب الرطوبة."
كانت تعطيه معلومات لا تقدر بثمن. لكن دافيد كان يتساءل: لماذا تساعد العدو بهذا الشكل؟
"داليا، لماذا تفعلين هذا؟ أخوك مات على يد عرب. والآن تساعدين العرب ضد بلدك."
توقفت، ونظرت إلى الأفق حيث كانت مصر تقع خلف القناة وقالت
"أخي مات لأن قادة جشعين أرسلوه إلى مهمة انتحارية. والآن، هؤلاء القادة أنفسهم يجلسون في مكاتب مكيفة، بينما شباب آخرون يموتون لحمايتهم.
إذا كان سقوطهم يعني موت بعض الجنرالات الفاسدين، فليكن."
كان كرهها لنظامها أكبر من ولائها لبلدها. وهذا ما جعلها حليفاً غير متوقع.
فجأة، سمعوا أصواتاً تقترب.
همست داليا:
"إنه الجنرال كوهين."
"عد إلى مكانك الأصلي. سألتقي به وأخبره أنني كنت أفحص المنطقة."
عاد دافيد بسرعة إلى حيث تركهم الجنرال. بعد دقائق، عاد الجنرال كوهين، يبدو متوتراً.
وقال:
"كان إنذاراً كاذباً. مجرد غزال عبر الحدود.
لكن، داليا، لماذا تركت دافيد وحده؟"
أجابت بهدوء:
"كنت أفحص المنطقة المجاورة. للتأكد من الأمان."
بدا الجنرال غير مقتنع، لكنه لم يقل شيئاً.
الجزء الثالث: العودة والترقب
بعد الزيارة، عادوا إلى تل أبيب. دافيد كان يحمل في معطفه كنزاً من المعلومات: صوراً لكل شيء، ملاحظات، حتى عينات من التربة من مناطق مختلفة.
لكن الخطر كان يزداد. داليا كانت حليفة الآن، لكنها غير مستقرة.
والجنرال كوهين بدأ يشك في شيء.
في الأيام التالية، لاحظ دافيد أن الجنرال يتفحصه بنظرة مختلفة. في إحدى الأمسيات، دعاه إلى مكتبه.
قال الجنرال وهو يشرب الويسكي:
"دافيد، أنت مكسب كبير لي."
"شهرتك تزيد من نفوذي. زملائي يغارون."
"أنا سعيد لأنني أستطيع المساعدة."
"لكن...
توقف، ثم استمر:
"هناك شائعات. تقول أنك قد تكون... أكثر من مجرد عراف."
"ماذا يعني ذلك؟"
"يعني أن بعض الناس يعتقدون أنك تستخدم موهبتك لتجميع معلومات."
ثم نظر إليه بحدة قائلا:
"هل هذا صحيح؟"
كان السؤال مباشراً وخطيراً:
"إذا كنت أجمع معلومات، فلماذا أبقى هنا؟ لماذا لا أهرب بالمعلومات؟"
أجاب الجنرال:
"لأنك تريد المزيد."
"أو لأن لديك حماية عالية."
كان الجنرال يقترب من الحقيقة. دافيد كان يحتاج إلى خطة للخروج قبل أن ينكشف.
في تلك الليلة، التقى سراً مع إسحاق في السوق.
قال إسحاق:
"المعلومات التي جلبته لا تقدر بثمن."
"لكن الوقت ينفد. يجب أن تغادر إسرائيل قريباً."
"كيف؟ الجنرال كوهين لن يسمح لي بالمغادرة."
"لدينا خطة. ستتلقى دعوة للذهاب إلى قبرص في رحلة ترويجية لشركة سياحية. شركة 'ماجي تورز'، وهي مملوكة لصديق للجنرال."
"ولماذا يوافق الجنرال؟"
"لأن صديقه سيدفع مبلغاً كبيراً مقابل ذلك. والجنرال يحب المال."
كانت الخطة تبدو جيدة. لكن دافيد كان قلقاً بشأن داليا.
"داليا تعرف حقيقتي. وهي تتعاون معنا الآن."
اندهش إسحاق وقال
"هذا خطر كبير. إذا غيرت موقفها..."
"أعلم. لكنها أعطتنا معلومات حيوية."
"مهما يكن، يجب أن تغادر خلال أسبوع. التحضيرات للحرب بدأت، وإسرائيل ستشدد إجراءات الأمن."
الجزء الرابع: الرحلة إلى قبرص
بعد ثلاثة أيام، كما خطط، تلقى دافيد دعوة للذهاب إلى قبرص لمدة أسبوع. شركة 'ماجي تورز' أرادت استخدامه لجذب أغنياء يهود مهتمين بالروحانيات.
وافق الجنرال كوهين، كما توقع إسحاق. المال كان إغراء كبيراً.
في مطار بن غوريون، شعر دافيد بالحرية قريبة. كان على متن الطائرة مع مجموعة من السياح. لكن قبل الإقلاع، دخلت شخصية إلى الطائرة:
داليا.
جاءت وجلست بجانبه قائله:
"لا تظن أنك ستذهب دون أن أودعك."
"ماذا تفعلين هنا؟"
إتسمت قائله:
"أنا ذاهبة إلى قبرص أيضاً. في مهمة للموساد.
صدفة، أليس كذلك؟"
عرف دافيد أنها لم تكن صدفة. كانت تراقبه حتى النهاية.
في قبرص، استقلالا سيارة أجرة إلى الفندق. في الطريق، قالت داليا فجأة: "لن أمنعك من العودة إلى مصر. لكني أريد شيئاً أخيراً."
"ماذا؟"
"أريد أن أرسل رسالة إلى قادتك."
"أي رسالة؟"
"أخبرهم أن في إسرائيل من يكره نظامها أكثر مما يكرهون هم. وأخبرهم أن عندما يهاجمون، يجب أن يكونوا رحماء بالجنود البسطاء.
هم ليسوا أعداء، بل ضحايا مثلنا."
كانت كلماتها تحمل ألماً حقيقياً.
"سأنقل رسالتك."
في الفندق، كان أمجد في الانتظار. عندما رأى داليا، أصيب بالصدمة.
"دافيد، من هذه؟"
"هي داليا من الموساد. وهي... حليفتنا."
شرح دافيد الوضع بسرعة. أمجد كان مرتاباً، لكنه قبل بالواقع.
قال أمجد:
"الآن، يجب أن نذهب."
"طائرة إلى مصر تنتظرنا."
ودع دافيد داليا. "شكراً. لن أنسى ما فعلت."
قالت، وعيناها تلمعان بالدموع:
"لا تفكرني
أنا أفعل هذا لنفسي، لا لك. الآن اذهب، وأتمنى أن تحرروا أرضكم."
الجزء الخامس: العودة إلى الوطن
كانت الرحلة إلى مصر قصيرة لكنها مليئة بالمشاعر. دافيد – أشرف الآن – كان يعود بعد أربع سنوات. سنوات من الخطر، من الخداع، من العزلة.
في مطار القاهرة، استقبله فريق كامل من المخابرات المصرية. أمجد عانقه بحرارة.
"لقد فعلتها. لقد جئت بأهم معلومات في تاريخ المخابرات المصرية."
سأل أسرف؛:
"والآن، ماذا سيحدث؟"
"الآن، سنبدأ في صنع نموذج كامل لخط بارليف. وسيتدرب عليه جنودنا. والمعلومات التي جئت بها... ستغير مجرى الحرب."
أخذوه إلى فيلا آمنة. وأعطوه كل ما وعدوه به: شقة فاخرة، سيارة، مال. لكن الجائزة الكبرى كانت في انتظاره.
في اليوم الثالث من عودته، دق جرس الباب. فتحه ليرى امرأة شابة جميلة، عيناها تلمعان بالدموع.
"أشرف..."
كانت وفاء. ابنة عمه، الحب الذي ضاع سنوات.
"كيف...؟" لم يستطع إكمال الجملة.
قالت وهي تبكي:
"رجال المخابرات وجدوني."
"كنت أعمل في الإسكندرية. كنت أظنك ميتاً."
عانقها، وشعر بأن سنوات الخطر والعزلة قد ذابت في تلك اللحظة.
الجزء السادس: الاستعدادات الأخيرة
في الأسابيع التالية، عمل أشرف مع الخبراء العسكريين. كان يشرح كل تفصيلة عن خط بارليف:
نقاط الضعف، أماكن التحكم، نظام الدفاع.
من صوره، صنعوا نموذجاً ثلاثي الأبعاد دقيقاً. وجنود الكوماندوز المصرية تدربوا عليه ليل نهار.
في إحدى الجلسات، سأله جنرال مصري:
"هل تعتقد أننا سننتصر؟"
أجاب أشرف بثقة: "الآن، بعد أن عرفنا أسرار حصنهم، نعم. كل حصن له نقطة ضعف. وكل جدار يمكن اختراقه."
كانت المعلومات التي جاء بها أشرف تتكامل مع معلومات جواسيس آخرين.
وكانت الصورة الكاملة تظهر: خط بارليف ليس منيعاً كما يدعون.
الجزء السابع: الحرب وتحرير الأرض
في السادس من أكتوبر 1973، بينما كان أشرف يشاهد التلفاز مع وفاء في شقتهما الجديدة، سمعوا خبر بدء الحرب.
كانت اللحظة التي انتظرها أربع سنوات. اللحظة التي ستختبر فيها معلوماته.
شاهدوا التقارير عن عبور القناة، عن تدمير خط بارليف.
وعندما سمعوا أن الجنود المصريين كانوا يعرفون بالضبط أين يضربون، شعر أشرف بفرحة غامرة.
قالت وفاء وهي تمسك بيده:
"هذا بسببك"
صحح لها قائلا:
"بسببنا جميعاً
بسبب كل من خاطر بحياته من أجل هذا اليوم."
بعد أيام، جاءه أمجد بزيارة.
قال أمجد:
"لقد نجحت العملية
معلوماتك كانت دقيقة بنسبة مائة بالمائة. وقد ساهمت بشكل حاسم في النصر."
سأل أشرف:
"وماذا عن... داليا؟"
"اختفت. ربما غادرت إسرائيل. ربما... لا نعرف."
كان أشرف يأمل أن تكون بخير. تلك المرأة المعقدة التي ساعدت عدواً لتحقيق انتقامها الخاص.
الجزء الثامن: الخاتمة
بعد الحرب، عاش أشرف ووفاء حياة هادئة. تزوجا، وأنجبا أولاداً. ولم يخبرا أحداً بقصة
'العراف'
إلا أن العملية أصبحت من أساطير المخابرات المصرية.
في أحد الأيام، بينما كان أشرف يجلس في شرفة منزله المطل على النيل، جاءه أمجد بزيارة أخيرة.
"هناك شيء أريد أن أعطيك إياه."
وقدم له أمجد مظروفاً بنياً.
فتحه أشرف. داخله، صورة قديمة لامرأة عجوز.
"من هذه؟"
"هيلجا بتروفا. والدتك. وجدنا هذه الصورة في أرشيف أوكرانيا. وأردنا أن تحتفظ بها."
نظر أشرف إلى صورة المرأة التي لم يعرفها إلا من القصص.
الدموع ملأت عينيه وتمام:
"شكراً."
قال أمجد وهو ينهض:
"لا، أشرف، شكراً لك.
قد أثبتت أن البطولة ليست فقط في حمل السلاح، بل في حمل فكرة، وتحمل مسؤولية، والمخاطرة بكل شيء من أجل وطن."
بعد أن غادر أمجد، جلس أشرف ينظر إلى صورة والدته، ثم إلى أبنائه يلعبون في الحديقة.
كان يعلم أن تضحيته لم تكن عبثاً. كان يعلم أن سنوات الخطر والخداع كانت ثمناً يستحق أن يدفع.
وتذكر كلمات أمجد الأولى له: "الوطن لا ينسى أبناءه الذين يضحون من أجله."
وكان يعلم أنه، رغم كل شيء، كان واحداً من هؤلاء الأبناء.
---
نهاية الرواية
 

المستخدمون الذين يشاهدون هذا الموضوع

من قرأ هذا الموضوع خلال 30 يوم ؟ (Total readers: 0)
No registered users viewing this thread.
أعلى أسفل