koko1972
مساعد مسؤولة الأقسام العامة والفضفضة
إدارة ميلفات
مساعد إداري
حكمدار صور
كاتب حصري
برنس الصور
إمبراطور شتاء ميلفات
ملك المزاج العالي
ميلفاوي VIP
نجم الفضفضة
مستر ميلفاوي
محقق
ميلفاوي واكل الجو
عضو
ناشر قصص
ناشر صور
صقر العام
ميلفاوي حريف سكس
ميلفاوي كوميدي
إستشاري مميز
ميلفاوي نشيط
ناشر محتوي
نجم ميلفات
ملك الصور
ميتادور النشر
ميلفاوي كابيتانو ⚽
ناشر عدد
قارئ مجلة
ميلفاوي علي قديمو
ميلفاوي متفاعل
ميلفاوي دمه خفيف
كاتب مميز
ميلفاوي فنان
الذئب الأسود
الأكثر نشر هذا الشهر
العراف (من أقوي عمليات المخابرات المصريه)
التمهيد
في أعماق عالم المخابرات، حيث تخاض الحروب بأقلام غير مرئية وأسرار تُكتَم في صدور الرجال، تبرز عمليات تُحاك في صمت، وتنفذ بدقة متناهية، لتغير مجرى التاريخ من خلف الستار. هذه ليست قصة بطل تقليدي يحمل السلاح، بل قاهرة عقل يتحدى أعتى الحصون، وشاب مصري ضاعت هويته بين أوكرانيا ومصر، ليجد نفسه فجأة في قلب العاصفة، متسلحاً بموهبة فريدة وقدرة على التمثيل تخلب الألباب. إنها قصة "العرّاف"، العملية التي استطاعت بها المخابرات المصرية اختراق أمن دولة كانت تظن نفسها منيعة، والنفاذ إلى أعتى خط دفاعي عرفه التاريخ:
خط بارليف. من خلال شاب بسيط، حولوه إلى أسطورة استطاعت أن ترى ما لا يراه الآخرون، لتكشف الأسرار، وتُسقط الأقنعة، وتمهد الطريق لنصرٍ كتب مجد أكتوبر. هذه قيمة الذكاء عندما يواجه القوة، وقيمة الإخلاص عندما يتحول إلى سلاح لا يقهر.
---
الفصل الأول: الولادة الثانية
الجزء الأول: اللقاء المصيري
كان الضباب الكثيف يلف شوارع الإسكندرية الباردة في ذلك المساء الخريفي من عام 1967.
رائحة البحر الممزوجة بروائح الفقر واليأس تملأ الأزقة الضيقة في حي الشاطبي. عند مدخل أحد المساجد العتيقة، جلست مجموعة من الرجال يتلقون الصدقات بعد صلاة العشاء. بينهم، شاب في العشرين من عمره، نحيل إلى حد يثير الشفقة، يلف جسده المرتجف بمعطف رث وممزق. عيناه العميقتان، رغم الهزال والبؤس، تحملان وميض ذكاء غريب، وشرارة حياة لم تطفئها المصائب.
تقدم إليه رجل أنيق في الأربعينيات، يرتدي بدلة رمادية بسيطة لكنها نظيفة للغاية. وقف أمام الشاب للحظة، يدرسه بنظرة محلل مدرب.
قال الرجل بصوت هادئ: "أنت غريب عن هذا الحي."
رفع الشاب رأسه ببطء. "كل الأماكن أصبحت غريبة عليّ."
"ما اسمك؟"
توقف الشاب لحظة، كما لو كان يسترجع اسماً نسيته الذاكرة. "أشرف... أشرف فؤاد الطحان."
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال:
"اسم مصري أصيل. لكن نبرتك... فيها شيء أجنبي."
لم يجب أشرف، فقط أدار وجهه مبتعداً. لكن الرجل لم يستسلم. جلس بجانبه على الرصيف البارد قائلا:
"أسمع أن لديك... موهبة. أنك تستطيع أن تخبر الناس بأشياء عن ماضيهم."
ارتجف أشرف وهو يقول:
"هذا كلام فارغ. الناس يتخيلون."
"في حي المندرة، أخبرت امرأة أن ابنها المفقود في الحرب حي، وسيعود. وبعد أسبوع، عاد."
قال الرجل بنبرة محايدة:
"كانت صدفة."
"وفي محطة الرمل، أخبرت تاجراً أن شريكه يخونه. وتبين أن ذلك صحيح."
صمت أشرف هذه المرة. كان الرجل يعرف الكثير.
أستمر الرجل:
"أنا لست شرطياً، ولست من الحكومة"
"أنا صديق. وصديقي الآخر يريد مقابلتك."
"من هو؟"
"اسمه أمجد. وهو يعرف قصتك كاملة.
يعرف عن والدك فؤاد الطحان المهندس، وعن والدتك الأوكرانية هيلجا، وعن جده الذي أخذه إلى أوكرانيا، وعن ابنة عمك وفاء التي تبحث عنها."
قفز أشرف وكأنه قد لسعه شيء وقال:
"كيف تعرف هذا؟! من أنت؟!"
قال الرجل وهو ينهض:
"هذا ما سنخبرك به إذا قبلت مقابلتنا."
"غداً، في هذا الوقت، سأعود. إذا كنت تريد معرفة الحقيقة عن نفسك، وعن عائلتك، وعن كيف يمكنك أن تساعد بلدك... فكن هنا."
ذهب الرجل، تاركاً أشرف في حيرة عميقة. كل أحداث حياته المضطربة تدفقت إلى ذهنه:
طفولته بين مصر وأوكرانيا، موت والده قبل ولادته، موت أمه وهو صغير، هروبه من جده، عودته إلى مصر ليجد منزل عائلته منهاراً وأهله موتى، بحثه اليائس عن وفاء... ثم سنوات التشرد والجوع.
في اليوم التالي، عند الغسق، كان أشرف ينتظر بقلق. جاء الرجل، وهذه المرة كان معه رجل آخر، أكثر هدوءاً، أكثر وقاراً. عيناه تدرسان كل شيء، كأنهما تكشفان الأسرار من أول نظرة.
قال الرجل الثاني بصوت واثق:
"أنا أمجد"
"وأعرف أنك تستحق فرصة أفضل من التسول على أبواب المساجد."
الجزء الثاني: الحقيقة الكاملة
أخذ أمجد أشرف إلى شقة متواضعة ولكن آمنة في منطقة سيدي جابر. هناك، قدم له الطعام والملابس النظيفة. ثم جلسا يتحدثان.
"قصتك مأساوية، ولكن فيها عناصر فريدة." بدأ أمجد. "أنت تجيد الروسية بلهجة أوكرانية متقنة. ملامحك يمكن أن تكون يهودية أوروبية بسهولة. وخبرتك في التنقل بين الثقافات تجعلك فريداً."
سأل أشرف وهو يتناول طعامه بنهم:
"وماذا في هذا؟
قال أمجد بجديه:
"بلدنا في حرب. وخسرنا معركة، لكن الحرب لم تنته."
"العدو يعتقد أنه انتصر إلى الأبد. وهو يفتح أبوابه لهجرة اليهود من كل العالم."
أدرك أشرف شيئاً فقال ميتدركا:ا:
"تريدون أن أتسلل إلى إسرائيل."
"نعم. لكن ليس كجاسوس عادي. كشخص لديه موهبة ستجعلهم يطلبونه، يفتخرون به، يفتحون له كل الأبواب."
ثم شرح أمجد الخطة: سيتدرب أشرف ليكون "دافيد كرينهال"، يهودي سوفييتي هارب. ستُصنع له هوية كاملة، قصة حزينة، وشخصية ضعيفة تثير الشفقة. وموهبته "العرافية" ستدخل إلى قلوب الناس قبل عقولهم.
إحتج أشرف قائلا:
"لكن أنا لست عرافاً حقيقياً"
ابتسم أمجد وقال بهدوء:
"لست بحاجة إلى أن تكون عرافاً. أنت بحاجة إلى أن تكون ممثلاً بارعاً. وسنزودك بكل المعلومات التي تحتاجها. سنكون عينيك وآذانك. ستعرف عن الناس ما لا يعرفونه عن أنفسهم."
تدرب أشرف لأسابيع.
تعلم العبرية الأساسية.
تعلم تاريخ اليهود السوفييت. تعلم كيف يقلد الحالة "النبوئية"
بزغللة العينين وشرود الملامح. والأهم، تعلم كيف يستخدم الحيل النفسية ليجعل الناس يصدقونه.
في إحدى جلسات التدريب، سأل أشرف:
"ولكن ماذا سأفعل هناك بالضبط؟"
أجاب أمجد: "ستسمع. سترى. ستكون في أماكن لا يمكن لأي جاسوس تقليدي الوصول إليها. وبطريقتك الفريدة، سترسل لنا ما تسمعه وتراه."
"وهل سأعود؟"
نظر أمجد إليه نظرة طويلة وقال:
"إذا نجحت، ستعود بطلاً. وسنعيد لك كل ما فقدته. حتى... ابنة عمك وفاء، سنبحث عنها ونوجدها لك."
كانت هذه هي الجائزة الكبرى. وفاء، الحب الوحيد في حياته، الفتاة التي كان يتراسل معها من أوكرانيا، والتي اختفت بعد انهيار منزل العائلة.
الجزء الثالث: الرحلة إلى المجهول
في صباح بارد من عام 1968، ركب أشرف - الآن دافيد كرينهال - سفينة متجهة من تركيا إلى حيفا. ملابسه رثة، حقيبته بالية، وعيناه تحملان نظرة خائفة ومنكسرة. كان تماماً كما خططوا: يهودي سوفييتي تعيس، لا يثير أي شك.
عند وصوله إلى ميناء حيفا، تعامل معه مسؤولو الهجرة الإسرائيليين بفتور. فحصوا أوراقه المزورة، والتي كانت متقنة الصنع. سألوه عن مهاراته.
قال بأسلوب خجول:
"أعمل في الزراعة. في أوكرانيا، كنت أعمل في مزرعة جدي."
لم يكن لديهم حاجة لمزارع بسيط، لكن القانون يفرض عليهم استقبال كل يهودي.
أرسلوه إلى "كيبوتز" في الشمال، حيث سيعمل في الزراعة مع عشرات المهاجرين الجدد المشابهين له.
في الكيبوتز، كان دافيد هادئاً، منعزلاً. يتحدث فقط عندما يُسأل. قصته الحزينة عن والده المعتقل ومن ثم المفقود، وعن أمه المتوفاة، وعن هروبه الشاق... كلها أثارت عطف من حوله.
لكن أمجد وفريقه لم يتركوه وحيداً. كان حوله "حراس" غير مرئيين: عملاء مصريون منتشرون في إسرائيل، مهمتهم مراقبته ومساعدته عند الحاجة.
بدأت المرحلة الأولى من الخطة بعد ثلاثة أشهر. في أحد الأمسيات، كان جالساً مع مجموعة من الجيران في الكيبوتز، بينهم فتاة جميلة تدعى راشيل، وأمها العجوز إستير. كانوا يتحدثون عن الحب والعلاقات.
فجأة، زاغ بصر دافيد، وتصلبت ملامحه. كل الحاضرين التفتوا إليه. ثم بدأ يتكلم بصوت غريب، عميق، مختلف:
"لقد أخطأ يارون بلونسكى كثيراً عندما رفض الاعتراف بما فعل. لقد شعر بالخزي والندم، وقرر أن يدفع الثمن... وسيدفع قريباً!"
صمت تام. وجه راشيل وإستير شاحباً تماماً. يارون بلونسكى كان الاسم الذي لم يجرؤا على ذكره منذ سنوات. كان الشاب الذي أغوى راشيل في العراق، وتسبب في فضيحة كبرى لجأت الأسرة بعدها إلى الهجرة إلى إسرائيل.
همت إستير:
"ماذا قلت؟!"
لكن دافيد كان قد "أفاق" من حالته. نظر حوله بذهول وقال:
"ماذا حدث؟ أشعر بصداع شديد."
حاولوا سؤاله عما قاله، لكنه أنكر معرفة أي شيء. بدا الأمر كما لو أن قوة خارقة استولت عليه لحظة ثم تركتها.
كانت هذه النبوءة الأولى من صنع المخابرات المصرية. فقد تمكنوا، بشبكة عملائهم الواسعة، من العثور على يارون بلونسكى نفسه في أوروبا، وإجباره على كتابة خطاب اعتذار وإرفاق شيك بمبلغ كبير.
بعد أسبوع، وصل الخطاب والشيك إلى راشيل. كانت الصدمة والفرحة. وبدأت شهرة دافيد تنتشر في الكيبوتز:
"هناك عراف حقي بيننا!"
الجزء الرابع: شبكة الدعم الخفية
كان اتصال دافيد الأول مع شبكته الداعمة عبر طريقة بسيطة لكنها عبقرية. في سوق الكيبوتز الأسبوعي، يقابل بائع خضار عجوز اسمه إسحاق. كان إسحاق في الحقيقة عميلاً مصرياً يتقن العبرية والعربية، ويعيش في إسرائيل منذ سنوات.
أثناء شراء دافيد للطماطم، سأله إسحاق: "أسمع أن لديك هِبات غريبة."
أجاب دافيد بابتسامة خجولة:
"لا أن حكم فيها"
قال إسحاق وهو يضع الطماطم في كيس:
"أحياناً، الموهبة تأتي مع مسؤولية."
"خذ هذه، فيها هدية صغيرة."
في الكيس، بين الطماطم، وجد دافيد ورقة صغيرة مكتوبة بالعربية:
"معلومات راشيل كاملة في العلبة تحت سريرك."
عاد إلى غرفته الصغيرة في الكيبوتز. تحت سريره الخشبي، وجد فراغاً صغيراً في الأرضية. داخله، علبة معدنية. فتحها ليجد ملفاً كاملاً عن راشيل وعائلتها: كل التفاصيل عن علاقتها بيارون، عن الفضيحة، عن هجرتهم. ومعلومات عن أشخاص آخرين في الكيبوتز.
كانت هذه هي آلية العمل:
شبكة من العملاء تجمع المعلومات عن أشخاص مهمين أو متصلين بأشخاص مهمين، ثم ترسلها إلى دافيد ليستخدمها في "نبوءاته".
النبوءة الثانية كانت حول محراث سينكسر في الكيبوتز. وهذه كانت أسهل: أحد العملاء في الكيبوتز نفسه تكلف بتخريب المحراث في الليل.
مع كل نبوءة تتحقق، تزداد شهرة دافيد. بدأ الناس من كيبوتزات مجاورة يأتون لرؤيته. وكان دائماً يرفض، متظاهراً بالتواضع والخوف من موهبته.
لكن الشهرة تجذب الانتباه. وفي أحد الأيام، بينما كان يعمل في الحقل، جاءه شاب يرتدي ملابس مدنية أنيقة.
"دافيد كرينهال؟"
"نعم."
قدم له ظرفا قائلا:
"عندي رسالة لك."
داخل الظرف، دعوة مكتوبة بخط أنيق:
"زوجة الجنرال كوهين تطلب شرف مقابلتك في حفل بمنزلها في تل أبيب."
نظر دافيد إلى الرسالة، ثم إلى الرجل. كان يعلم أن هذه هي اللحظة الحاسمة. الدخول إلى عالم النخبة الإسرائيلية.
"متى؟"
"الليلة. ستأتي سيارة لاصطحابك."
عاد دافيد إلى غرفته. قلب الصفحة الثانية من الرسالة. كانت هناك جملة واحدة مكتوبة بالعربية، بخط صغير جداً:
"أهلاً بك في قلب العاصفة."
كان يعلم أن أمجد وفريقه يعرفون. وأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة.
ثم فجأة، تذكر تحذير أمجد الأخير:
"عندما تدخل إلى عالمهم، لن تعود أنت. ستكون دافيد كرينهال تماماً. حتى تفكر مثله. هذا هو الثمن."
سأل نفسه:
هل أنا مستعد لأن أفقد نفسي حتى أنقذ بلدي؟
نظر من نافذة غرفته الصغيرة إلى الحقول الخضراء تمتد حتى الأفق. في مكان ما خلف تلك التلال، كانت مصر تنتظر. وكانت وفاء، في مكان ما، تنتظر أيضاً.
أجاب على سؤاله نفسه:
"نعم."
لكنه لم يكن يعلم أن هذه الخطوة ستضعه في مأزق خطير، حيث سيجد نفسه وجهاً لوجه مع أخطر رجال الموساد، في اختبار قد يكلفه حياته إن فشل فيه.
---
الفصل الثاني: في عرين الأسد
الجزء الأول: لقاء النخبة
كانت السيارة السوداء الفارهة تنطلق بسرعة على طريق تل أبيب - حيفا السريع. جلس دافيد في المقعد الخلفي، يرتدي الآن بدلة جديدة اشتريت له خصيصاً لهذه المناسبة، لكنه حافظ على مظهره الخجول بعض الشيء. بجانبه جلس الرجل الذي سلمه الدعوة، وقد قدم نفسه باسم "أرييه".
قال أرييه وهو يدخن سيجاراً:
"زوجة الجنرال كوهين سمعت عنك من صديقتها التي زارت الكيبوتز."
"هي تحب كل ما هو غريب وجديد."
قال أرييه وهو ينفث دخان السيجار:
"أنا لست شيئاً غريباً."
"أحياناً تأتيني رؤى، هذا كل شيء."
قال أرييه وهو ينفث دخان السيجار:
"هذا أكثر من كافٍ في هذه الأيام."
"بعد النصر العظيم، الجميع يبحث عن شيء يميزه. الجنرالات يتباهون بغنائم الحرب، والسياسيون يتباهون بمفاوضاتهم، والنساء... يتباهين بما يملكن."
كانت تل أبيب مختلفة تماماً عن الريف الهادئ في الكيبوتز. أضواء نيبرة، مبانٍ حديثة، سيارات فاخرة، وأناس يمشون بثقة وكبرياء. شعر دافيد بأنه دخل عالماً آخر.
توقفت السيارة أمام فيلا ضخمة في حي تساهالا الراقي. كان الحفل في أوجه. أصوات موسيقى الجاز تنساب من الداخل، ضحكات عالية، أصوات كؤوس تتصادم.
أدخله أرييه عبر الباب الخلفي مباشرة إلى غرفة صغيرة أنيقة. هناك، جلست امرأة في الأربعينيات من عمرها، ممتلئة الجسم لكن بأناقة، ترتدي فستاناً أسود طويلاً وتتحلى بمجوهرات باهظة.
قالت بصوت ناعم لكنه يحمل سلطة:
"أهلاً بك، دافيد."
"أنا نعومي كوهين."
انحنى دافيد قليلاً:
"شرف كبير لي، سيدتي."
جلست تنظر إليه بتفحص قائله:
"أخبرني عن نفسك."
"سمعت قصصاً مذهلة."
بدأ دافيد يحكي قصته المزورة: طفولة تعيسة في الاتحاد السوفيتي، اضطهاد لوالده، موت أمه، هروبه الشاق. كان يؤدي الدور بإتقان، والعاطفة في صوته كانت حقيقية جزئياً، لأنه كان يستحضر مأساته الشخصية الحقيقية.
بينما كان يتحدث، لاحظت نعومي شيئاً في عينيه:
"عندك نظرة... قديمة. كأنك عشت أكثر من عمرك."
قال دافيد بهدوء:
"الحزن يضيف سنوات إلى العمر." .
في تلك اللحظة، دخل إلى الغرفة رجل طويل القامة، يرتدي زي الجيش الإسرائيلي برتبة جنرال. كان وجهه صارماً، وعيناه تدرسان دافيد كما تدرس خريطة معركة.
قدمته نعومي:
"هذا زوجي، الجنرال مردخاي كوهين." .
" نهض دافيد باحترام قائلا:
"سعادة الچنرال"
جلس الجنرال كوهين مقابل دافيد، ساكتاً يتأمله للحظة:
"سمعت أنك تخبر الناس بأشياء عن ماضيهم."
"أحياناً... تأتيني صور. لا أتحكم بها."
"هل يمكنك أن تخبرني شيئاً عن ماضي؟" سأل الجنرال بنبرة تحد.
أغلقت عينا دافيد. كان يعلم أن هذه هي اللحظة الحاسمة. المعلومات التي جمعتها المخابرات المصرية عن الجنرال كوهين كانت محدودة، لكنها كافية لبداية.
بدأ يهتز قليلاً، ثم فتح عينيه. نظراته أصبحت زائغة:
"أرى... ماء. بحيرة. وفتاة صغيرة تسقط... وأنت تخلع معطفك وتقفز..."
اصفر وجه الجنرال كوهين فجأة:
"كفى!"
لكن دافيد استمر، بصوت أجش:
"الفتاة كانت ستغرق... لكنك أنقذتها. كانت ابنتك... ليئة. كانت في الخامسة..."
صمت الجنرال. الحادثة كانت سراً عائلياً لم يعرفه سوى هو وزوجته. ابنتهما ليئة كادت أن تغرق في بحيرة طبريا عندما كانت صغيرة، وهو أنقذها في اللحظة الأخيرة.
همست نعومي:
"كيف...؟"
" قال دافيد وهو "يعود" إلى وعيه، متظاهراً بالتعب:
أحياناً تأتيني هذه الرؤى."
نظر الجنرال كوهين إليه بطريقة مختلفة الآن وقال مبهورا:
"هذا... مذهل."
الجزء الثاني: حفلة الأضواء
أصرت نعومي على أن يبقى دافيد في الحفل. قدمته لضيوفها كـ "العراف الروسي العجيب".
في البداية، تعاملوا معه بفضول مختلط بشيء من السخرية. لكن الأمور تغيرت عندما جاءت سارة، زوجة سكرتير وزير الصناعة.
كانت سارة امرأة متغطرسة، تتباهى بثروتها ونفوذ زوجها. تحدثت مع دافيد باستعلاء قائله:
"إذا كنت عرافاً حقيقياً، أخبريني عن ماضي."
أغلقت عينا دافيد. هذه المرة، كان لديه معلومات كاملة. المخابرات المصرية كانت قد حصلت على ملف سميك عن عائلة هذه المرأة.
بدأ يتكلم، وعيناه مغلقتان:
"أرى... بلغاريا. وميراث. ونزاع عائلي. أشخاص يتقاتلون على أموال لم تكن أبداً..."
اصفرت سارة. الميراث البلغاري كان سراً تخفيه عن الجميع.
واصل دافيد:
"ولكن كل هذا لا قيمة له الآن. لأن زوجك... في خطر كبير. خطر قد يودي به إلى السجن."
صرخت سارة: "ماذا تقول؟"
"أرى أوراقاً... ووثائق... واتهامات بالفساد. الرياح تأتي من الشرق."
كانت هذه المعلومة الأكثر خطورة. المخابرات المصرية اكتشفت أن سكرتير وزير الصناعة يتلقى رشاوى من شركات أوروبية، وكانت الأدلة تتراكم ضده.
هربت سارة من الحفل في ذعر. وبعد يومين، كما "تنبأ" دافيد، ألقي القبض على زوجها بتهم الفساد. كانت الفضيحة من العيار الثقيل.
بعد هذه الحادثة، انقلبت الأمور رأساً على عقب. أصبح دافيد العراف الأكثر طلباً في تل أبيب. زوجات الوزراء، الجنرالات، رجال الأعمال... الجميع أراد أن يلتقي به.
الجزء الثالث: اختبار الموساد
لكن الشهرة تجلب المشاكل. بعد شهر من انتشار صيته، استدعاه الجنرال كوهين إلى مكتبه في مقر الجيش.
قال له بصراحة.
"الموساد يريد مقابلتك."
"الموساد؟ لماذا؟"
قال الجنرال:
"أي شخص يكتسب هذا النفوذ على نخبة المجتمع يجب أن يفحص."
"لا تقلق، سأكون معك."
كان المقر الرئيسي للموساد في تل أبيب مبنى عادياً من الخارج، لكن الداخل كان عالماً آخر. ممرات طويلة، أبواب مغلقة، كاميرات مراقبة في كل زاوية.
أخذوه إلى غرفة تحقيق بيضاء، خالية من أي زينة. هناك، جلس ثلاثة رجال: رجلان في الأربعينيات، وامرأة في الثلاثينيات، تبدو حادة الذكاء.
قال الرجل الأكبر سناً:
"أنا يوفال."
"وهذا هو ميكائيل، وهذه داليا. سنطرح عليك بعض الأسئلة."
بدأت الجلسة بأسئلة عادية عن ماضيه في الاتحاد السوفيتي. كان دافيد مجهزاً بإجابات كاملة، كل تفصيلة من حياته المزورة كانت محفوظة عن ظهر قلب.
ثم جاءت الأسئلة الأصعب:
"كيف تفسر هذه 'الموهبة'؟"
"لا أفسرها. هي تأتي وتذهب."
"هل قابلت في السوفييت أشخاصاً آخرين لديهم قدرات مشابهة؟"
"سمعت عنهم، لكن لم ألتقِ بهم."
ثم جاء الاختبار الحقيقي. أحضروا جهاز كشف الكذب. كانت هذه اللحظة التي تدرب عليها دافيد بشدة في مصر. علمه أمجد كيف يتحكم في تنفسه، في معدل ضربات قلبه، في استجاباته الجسدية.
سأل يوفال:
"هل أنت عميل لدولة أجنبية؟"
أجاب دافيد، وفي الوقت نفسه، استحضر صورة وفاء، حبه المفقود، ليهدئ مشاعره الحقيقية:
"لا"
كانت الإبرة ترتفع وتنخفض، لكنها بقيت في النطاق "الطبيعي".
"هل تستخدم وسائل تقليدية لجمع المعلومات عن الناس؟"
"لا أعرف كيف أجمع المعلومات. تأتيني فجأة."
استمر الاختبار لساعتين. وفي النهاية، نظر يوفال إلى زملائه، ثم إلى دافيد:
"النتائج سلبية. ليس هناك دليل على كذبك."
لكن داليا، المرأة الشابة، بدت غير مقتنعة. "هناك شيء... لا يصدق في قصة كهذه."
قال يوفال:
"العالم فينا يرفض، لكن الواقع أمامنا."
خرج دافيد من المقر مع الجنرال كوهين، يشعر بارتياح كبير. لكنه لم يلحظ أن داليا كانت تراقبه من النافذة، وعينيها لا تزال تحملان شكاً عميقاً.
الجزء الرابع: الحياة في الفيلا
أصبح دافيد ضيفاً دائماً في فيلا كوهين. خصصوا له غرفة في الطابق العلوي. كانت الحياة مختلفة تماماً: طعام فاخر، ملابس جديدة، معاملة كضيف شرف.
في إحدى الأمسيات، بينما كان يجلس مع الجنرال كوهين في المكتبة، سمع الحديث يدور عن خط بارليف.
قال الجنرال بفخر:
"الخط منيع."
"مائة مليون دولار أنفقت على بنائه. سيكون مقبرة لأي جيش يحاول عبور القناة."
سأل دافيد بسذاجة متعمدة:
"هل رأيته بنفسك؟"
"طبعاً. أنا مسؤول عن القطاع الشمالي منه."
بدأ الجنرال يتحدث بحماسة عن تفاصيل الخط:
الجدران الأسمنتية بارتفاع عشرين متراً، الخنادق العميقة، الأنابيب النفطية لتحويل القناة إلى بحر من النار، الحصون تحت الأرض...
كان دافيد يستمع باهتمام، يخزن كل كلمة. في الليل، كان يدون كل شيء في دفتر صغير باستخدام حبر سري لا يظهر إلا بمعالجة كيميائية خاصة.
لكن الأمور لم تكن تسير بسلاسة كما يبدو. داليا من الموساد كانت تراقبه عن بعد. وقد لاحظت شيئاً غريباً:
دافيد، رغم مظهره الخجول، كان دائم الملاحظة. عيناه تلتقطان تفاصيل لا يلاحظها الآخرون.
في أحد الأيام، بينما كان دافيد في السوق مع خادمة الفيلا لشراء بعض الحاجيات، شعر بأنه مراقب. التفت فجأة ليرى داليا تقف على بعد أمتار، تتابعه بنظرة ثاقبة.
اقتربت منه:
"تستمتع بإسرائيل، دافيد؟"
"إنها بلد جميلة."
قالت وهي تحدث في عينيه:
"أحياناً، البلاد الجميلة تخفي أسراراً خطيرة."
"وأحياناً، الأشخاص الهادئون يخفضون عواصف."
"لا أفهم ما تعنين."
ابتسمت ابتسامة لا تصل إلى عينيها:
"ربما لا تفهم. أو ربما تفهم أكثر مما تظهر."
ذهبت، تاركة دافيد في قلق متزايد. كان واضحاً أن شكوكها لم تختفٍ.
الجزء الخامس: المأزق الخطير
الأزمة الكبرى جاءت من حيث لم يتوقع. في حفل أقامه وزير الدفاع في منزله، كان دافيد حاضراً كضيف شرف. الجميع كانوا يتحدثون معه، يطلبون نبوءات.
فجأة، دخل إلى القاعة رجل عجوز، يرتزي بدلة عسكرية عليها رتبة جنرال متقاعد. كان الجنرال أفراهام غولدشتاين، أحد مؤسسي الموساد.
تقدم مباشرة نحو دافيد:
"أنت العراف الروسي المشهور."
"أنا دافيد كرينهال."
" قال الرجل العجوز بصوته الأجش:
"أنا سمعت عنك. ولدي اختبار لك"
"في شبابي، عملت في عملية سرية في أوروبا. لا يعرف عنها أحد، حتى زوجتي. أخبرني ماذا كانت هذه العملية."
تجمد دافيد. هذه المعلومة لم تكن في أي ملف. المخابرات المصرية لم تكن تعرف شيئاً عن هذه العملية.
كل العيون عليه. الجنرال كوهين نظر إليه بقلق. داليا، التي كانت حاضرة أيضاً، ابتسمت ابتسامة منتظرة.
كان دافيد على حافة الهاوية. إذا فشل، ستفتر شكوك الموساد. إذا حاول التخمين، قد يقول شيئاً خاطئاً ويكشف نفسه.
أغلقت عينيه، متظاهراً بالدخول في حالة نبوئية. كان عقله يعمل بسرعة. تذكر ما درسه أمجد: عندما تكون في مأزق، اجعل الإجابة غامضة وعاطفية.
بدأ يتكلم، وصوته يرتعش: "أرى... ثلجاً. وحدوداً. وانتظاراً طويلاً. ورجلاً شجاعاً يخاطر بحياته من أجل آخرين. أرى... خيانة قريبة... وقلباً ينكسر... ولكن في النهاية، فخر... وفخر كبير."
فتحت عيني الجنرال غولدشتاين على اتساعهما. ثم بدأت دموع تنساب على خديه المتجعدين.
وهمس:
"كيف عرفت؟"
"كانت عملية في النمسا، في الثلج... وخنت من قبل رجل ظننته صديقاً... لكنني في النهاية أنقذت عائلة يهودية..."
كانت الإجابة العامة قد تطابقت مع تجربة الرجل العجوز بشكل مذهل. الحاضرون انفجروا في تصفيق.
لكن داليا لم تصفق. كانت تحدق في دافيد، وعينيها تقولان: "أعرف أنك تخدع. وأنا سأثبت ذلك."
بعد الحفل، في طريق العودة إلى الفيلا، قال الجنرال كوهين لدافيد:
"لقد أنقذت الموقف. غولدشتاين رجل خطير، وكان اختباره محكاً حقيقياً."
قال دافيد بصدق هذه المرة:
"كنت خائفا"
إستمر الجنرال بالقول:
"لكن هناك مشكلة أكبر."
"داليا من الموساد لا تزال تشك فيك. وهي تطلب إخضاعك لاختبار آخر، أكثر خطورة."
"ما هو؟"
"تريد أن تأخذك إلى مركز تدريب الموساد. هناك، سيكون تحت المراقبة المستمرة لمدة أسبوع. ستفحص كل تحركاتك، كل كلماتك، كل ردود أفعالك."
شعر دافيد ببرودة تخترق قلبه. أسبوع تحت المجهر في مركز للموساد؟ مستحيل أن ينجو من ذلك.
سأل بصوت هادئ:
"متي"
قال الجنرال:
"بعد أسبوعين."
"ولكن لا تقلق، سأكون معك."
لكن دافيد كان يعرف الحقيقة: إنها فخ. وإذا وقع فيه، فسيكون مصيره الإعدام كجاسوس.
في تلك الليلة، بينما كان جالساً في غرفته، نظر إلى القمر من النافذة. في مكان ما بعيداً، في مصر، كان أمجد وفريقه ينتظرون إشارة منه. لكن كيف يطلب المساعدة وهو محاصر؟
ثم تذكر ما قاله له أمجد قبل سفره:
"إذا وقعت في مأزق لا مخرج منه، استخدم 'الطريق الأحمر'."
الطريق الأحمر كان خطة طوارئ: رسالة مشفرة يرسلها إلى عنوان بريد في تل أبيب، وسيقوم عميل بإخراجه من إسرائيل فوراً.
لكن استخدام الطريق الأحمر يعني نهاية المهمة. يعني فشل العملية برمتها.
تساءل: هل يستسلم الآن، أم يخاطر ويدخل عرين الأسد، آخذاً معه احتمال الموت، أو ما هو أسوأ، اكتشاف الخدعة وتداعياتها على مصر؟
وقبل أن يقرر، سمع دقات الباب. كانت نعومي:
"دافيد، أريد التحدث معك. عن شيء مهم جداً."
دخلت، وأغلقت الباب خلفها. عيناها تحملان نظرة جدية.
"زوجي يريد أن يأخذك إلى خط بارليف. يريد أن تراه بنفسك."
صُعق دافيد. هذه كانت فرصته الذهبية! الدخول إلى أعتى حصن إسرائيلي
تردد قائلا
"لكن"
قالت نعومي:
"لكن يجب أن تذهب إلى اختبار الموساد أولاً."
"وهناك مشكلة أخرى. داليا... لديها أدلة، أو هكذا تزعم."
"أدلة على ماذا؟"
"تزعم أنها وجدت شخصاً يعرفك من أوكرانيا. شخص يقول إن دافيد كرينهال مات في طفولته."
كانت الأرض تهتز تحت قدمي دافيد. هل اكتشفوا الهوية المزورة؟
سأل، وصوته يكاد لا يُسمع:
"ماذا سنفعل؟"
ابتسمت نعومي ابتسامة غامضة:
"لا تقلق. في إسرائيل، المال يحل كل المشاكل. والشهرة أيضاً. داليا ستجد أن تحقيقاتها تتعطل فجأة."
خرجت، تاركة دافيد في حيرة أعمق. كان أمامه اختياران:
إما استخدام الطريق الأحمر والهرب الآن، أو الاستمرار والمخاطرة بحياته، لكن مع فرصة الحصول على أهم المعلومات على الإطلاق: دخول خط بارليف.
نظر إلى السماء مرة أخرى. في عقله، صور أمجاد مصر القديمة، وصور جنودها الذين سيقتحمون الحصون يوماً ما. وتذكر وعود أمجد: العودة بطلاً، ولقاء وفاء.
قرر: سيواصل. سيدخل عرين الأسد. سيواجه اختبار الموساد. وسيدخل خط بارليف.
لكنه لم يكن يعلم أن القادم أعظم خطراً مما توقع. فداليا كانت أقوى وأذكى من أن يوقفها المال أو النفوذ. وكانت على بعد خطوات من كشف الحقيقة كلها.
---
الجزء الثاني والأخير
غدا
التمهيد
في أعماق عالم المخابرات، حيث تخاض الحروب بأقلام غير مرئية وأسرار تُكتَم في صدور الرجال، تبرز عمليات تُحاك في صمت، وتنفذ بدقة متناهية، لتغير مجرى التاريخ من خلف الستار. هذه ليست قصة بطل تقليدي يحمل السلاح، بل قاهرة عقل يتحدى أعتى الحصون، وشاب مصري ضاعت هويته بين أوكرانيا ومصر، ليجد نفسه فجأة في قلب العاصفة، متسلحاً بموهبة فريدة وقدرة على التمثيل تخلب الألباب. إنها قصة "العرّاف"، العملية التي استطاعت بها المخابرات المصرية اختراق أمن دولة كانت تظن نفسها منيعة، والنفاذ إلى أعتى خط دفاعي عرفه التاريخ:
خط بارليف. من خلال شاب بسيط، حولوه إلى أسطورة استطاعت أن ترى ما لا يراه الآخرون، لتكشف الأسرار، وتُسقط الأقنعة، وتمهد الطريق لنصرٍ كتب مجد أكتوبر. هذه قيمة الذكاء عندما يواجه القوة، وقيمة الإخلاص عندما يتحول إلى سلاح لا يقهر.
---
الفصل الأول: الولادة الثانية
الجزء الأول: اللقاء المصيري
كان الضباب الكثيف يلف شوارع الإسكندرية الباردة في ذلك المساء الخريفي من عام 1967.
رائحة البحر الممزوجة بروائح الفقر واليأس تملأ الأزقة الضيقة في حي الشاطبي. عند مدخل أحد المساجد العتيقة، جلست مجموعة من الرجال يتلقون الصدقات بعد صلاة العشاء. بينهم، شاب في العشرين من عمره، نحيل إلى حد يثير الشفقة، يلف جسده المرتجف بمعطف رث وممزق. عيناه العميقتان، رغم الهزال والبؤس، تحملان وميض ذكاء غريب، وشرارة حياة لم تطفئها المصائب.
تقدم إليه رجل أنيق في الأربعينيات، يرتدي بدلة رمادية بسيطة لكنها نظيفة للغاية. وقف أمام الشاب للحظة، يدرسه بنظرة محلل مدرب.
قال الرجل بصوت هادئ: "أنت غريب عن هذا الحي."
رفع الشاب رأسه ببطء. "كل الأماكن أصبحت غريبة عليّ."
"ما اسمك؟"
توقف الشاب لحظة، كما لو كان يسترجع اسماً نسيته الذاكرة. "أشرف... أشرف فؤاد الطحان."
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال:
"اسم مصري أصيل. لكن نبرتك... فيها شيء أجنبي."
لم يجب أشرف، فقط أدار وجهه مبتعداً. لكن الرجل لم يستسلم. جلس بجانبه على الرصيف البارد قائلا:
"أسمع أن لديك... موهبة. أنك تستطيع أن تخبر الناس بأشياء عن ماضيهم."
ارتجف أشرف وهو يقول:
"هذا كلام فارغ. الناس يتخيلون."
"في حي المندرة، أخبرت امرأة أن ابنها المفقود في الحرب حي، وسيعود. وبعد أسبوع، عاد."
قال الرجل بنبرة محايدة:
"كانت صدفة."
"وفي محطة الرمل، أخبرت تاجراً أن شريكه يخونه. وتبين أن ذلك صحيح."
صمت أشرف هذه المرة. كان الرجل يعرف الكثير.
أستمر الرجل:
"أنا لست شرطياً، ولست من الحكومة"
"أنا صديق. وصديقي الآخر يريد مقابلتك."
"من هو؟"
"اسمه أمجد. وهو يعرف قصتك كاملة.
يعرف عن والدك فؤاد الطحان المهندس، وعن والدتك الأوكرانية هيلجا، وعن جده الذي أخذه إلى أوكرانيا، وعن ابنة عمك وفاء التي تبحث عنها."
قفز أشرف وكأنه قد لسعه شيء وقال:
"كيف تعرف هذا؟! من أنت؟!"
قال الرجل وهو ينهض:
"هذا ما سنخبرك به إذا قبلت مقابلتنا."
"غداً، في هذا الوقت، سأعود. إذا كنت تريد معرفة الحقيقة عن نفسك، وعن عائلتك، وعن كيف يمكنك أن تساعد بلدك... فكن هنا."
ذهب الرجل، تاركاً أشرف في حيرة عميقة. كل أحداث حياته المضطربة تدفقت إلى ذهنه:
طفولته بين مصر وأوكرانيا، موت والده قبل ولادته، موت أمه وهو صغير، هروبه من جده، عودته إلى مصر ليجد منزل عائلته منهاراً وأهله موتى، بحثه اليائس عن وفاء... ثم سنوات التشرد والجوع.
في اليوم التالي، عند الغسق، كان أشرف ينتظر بقلق. جاء الرجل، وهذه المرة كان معه رجل آخر، أكثر هدوءاً، أكثر وقاراً. عيناه تدرسان كل شيء، كأنهما تكشفان الأسرار من أول نظرة.
قال الرجل الثاني بصوت واثق:
"أنا أمجد"
"وأعرف أنك تستحق فرصة أفضل من التسول على أبواب المساجد."
الجزء الثاني: الحقيقة الكاملة
أخذ أمجد أشرف إلى شقة متواضعة ولكن آمنة في منطقة سيدي جابر. هناك، قدم له الطعام والملابس النظيفة. ثم جلسا يتحدثان.
"قصتك مأساوية، ولكن فيها عناصر فريدة." بدأ أمجد. "أنت تجيد الروسية بلهجة أوكرانية متقنة. ملامحك يمكن أن تكون يهودية أوروبية بسهولة. وخبرتك في التنقل بين الثقافات تجعلك فريداً."
سأل أشرف وهو يتناول طعامه بنهم:
"وماذا في هذا؟
قال أمجد بجديه:
"بلدنا في حرب. وخسرنا معركة، لكن الحرب لم تنته."
"العدو يعتقد أنه انتصر إلى الأبد. وهو يفتح أبوابه لهجرة اليهود من كل العالم."
أدرك أشرف شيئاً فقال ميتدركا:ا:
"تريدون أن أتسلل إلى إسرائيل."
"نعم. لكن ليس كجاسوس عادي. كشخص لديه موهبة ستجعلهم يطلبونه، يفتخرون به، يفتحون له كل الأبواب."
ثم شرح أمجد الخطة: سيتدرب أشرف ليكون "دافيد كرينهال"، يهودي سوفييتي هارب. ستُصنع له هوية كاملة، قصة حزينة، وشخصية ضعيفة تثير الشفقة. وموهبته "العرافية" ستدخل إلى قلوب الناس قبل عقولهم.
إحتج أشرف قائلا:
"لكن أنا لست عرافاً حقيقياً"
ابتسم أمجد وقال بهدوء:
"لست بحاجة إلى أن تكون عرافاً. أنت بحاجة إلى أن تكون ممثلاً بارعاً. وسنزودك بكل المعلومات التي تحتاجها. سنكون عينيك وآذانك. ستعرف عن الناس ما لا يعرفونه عن أنفسهم."
تدرب أشرف لأسابيع.
تعلم العبرية الأساسية.
تعلم تاريخ اليهود السوفييت. تعلم كيف يقلد الحالة "النبوئية"
بزغللة العينين وشرود الملامح. والأهم، تعلم كيف يستخدم الحيل النفسية ليجعل الناس يصدقونه.
في إحدى جلسات التدريب، سأل أشرف:
"ولكن ماذا سأفعل هناك بالضبط؟"
أجاب أمجد: "ستسمع. سترى. ستكون في أماكن لا يمكن لأي جاسوس تقليدي الوصول إليها. وبطريقتك الفريدة، سترسل لنا ما تسمعه وتراه."
"وهل سأعود؟"
نظر أمجد إليه نظرة طويلة وقال:
"إذا نجحت، ستعود بطلاً. وسنعيد لك كل ما فقدته. حتى... ابنة عمك وفاء، سنبحث عنها ونوجدها لك."
كانت هذه هي الجائزة الكبرى. وفاء، الحب الوحيد في حياته، الفتاة التي كان يتراسل معها من أوكرانيا، والتي اختفت بعد انهيار منزل العائلة.
الجزء الثالث: الرحلة إلى المجهول
في صباح بارد من عام 1968، ركب أشرف - الآن دافيد كرينهال - سفينة متجهة من تركيا إلى حيفا. ملابسه رثة، حقيبته بالية، وعيناه تحملان نظرة خائفة ومنكسرة. كان تماماً كما خططوا: يهودي سوفييتي تعيس، لا يثير أي شك.
عند وصوله إلى ميناء حيفا، تعامل معه مسؤولو الهجرة الإسرائيليين بفتور. فحصوا أوراقه المزورة، والتي كانت متقنة الصنع. سألوه عن مهاراته.
قال بأسلوب خجول:
"أعمل في الزراعة. في أوكرانيا، كنت أعمل في مزرعة جدي."
لم يكن لديهم حاجة لمزارع بسيط، لكن القانون يفرض عليهم استقبال كل يهودي.
أرسلوه إلى "كيبوتز" في الشمال، حيث سيعمل في الزراعة مع عشرات المهاجرين الجدد المشابهين له.
في الكيبوتز، كان دافيد هادئاً، منعزلاً. يتحدث فقط عندما يُسأل. قصته الحزينة عن والده المعتقل ومن ثم المفقود، وعن أمه المتوفاة، وعن هروبه الشاق... كلها أثارت عطف من حوله.
لكن أمجد وفريقه لم يتركوه وحيداً. كان حوله "حراس" غير مرئيين: عملاء مصريون منتشرون في إسرائيل، مهمتهم مراقبته ومساعدته عند الحاجة.
بدأت المرحلة الأولى من الخطة بعد ثلاثة أشهر. في أحد الأمسيات، كان جالساً مع مجموعة من الجيران في الكيبوتز، بينهم فتاة جميلة تدعى راشيل، وأمها العجوز إستير. كانوا يتحدثون عن الحب والعلاقات.
فجأة، زاغ بصر دافيد، وتصلبت ملامحه. كل الحاضرين التفتوا إليه. ثم بدأ يتكلم بصوت غريب، عميق، مختلف:
"لقد أخطأ يارون بلونسكى كثيراً عندما رفض الاعتراف بما فعل. لقد شعر بالخزي والندم، وقرر أن يدفع الثمن... وسيدفع قريباً!"
صمت تام. وجه راشيل وإستير شاحباً تماماً. يارون بلونسكى كان الاسم الذي لم يجرؤا على ذكره منذ سنوات. كان الشاب الذي أغوى راشيل في العراق، وتسبب في فضيحة كبرى لجأت الأسرة بعدها إلى الهجرة إلى إسرائيل.
همت إستير:
"ماذا قلت؟!"
لكن دافيد كان قد "أفاق" من حالته. نظر حوله بذهول وقال:
"ماذا حدث؟ أشعر بصداع شديد."
حاولوا سؤاله عما قاله، لكنه أنكر معرفة أي شيء. بدا الأمر كما لو أن قوة خارقة استولت عليه لحظة ثم تركتها.
كانت هذه النبوءة الأولى من صنع المخابرات المصرية. فقد تمكنوا، بشبكة عملائهم الواسعة، من العثور على يارون بلونسكى نفسه في أوروبا، وإجباره على كتابة خطاب اعتذار وإرفاق شيك بمبلغ كبير.
بعد أسبوع، وصل الخطاب والشيك إلى راشيل. كانت الصدمة والفرحة. وبدأت شهرة دافيد تنتشر في الكيبوتز:
"هناك عراف حقي بيننا!"
الجزء الرابع: شبكة الدعم الخفية
كان اتصال دافيد الأول مع شبكته الداعمة عبر طريقة بسيطة لكنها عبقرية. في سوق الكيبوتز الأسبوعي، يقابل بائع خضار عجوز اسمه إسحاق. كان إسحاق في الحقيقة عميلاً مصرياً يتقن العبرية والعربية، ويعيش في إسرائيل منذ سنوات.
أثناء شراء دافيد للطماطم، سأله إسحاق: "أسمع أن لديك هِبات غريبة."
أجاب دافيد بابتسامة خجولة:
"لا أن حكم فيها"
قال إسحاق وهو يضع الطماطم في كيس:
"أحياناً، الموهبة تأتي مع مسؤولية."
"خذ هذه، فيها هدية صغيرة."
في الكيس، بين الطماطم، وجد دافيد ورقة صغيرة مكتوبة بالعربية:
"معلومات راشيل كاملة في العلبة تحت سريرك."
عاد إلى غرفته الصغيرة في الكيبوتز. تحت سريره الخشبي، وجد فراغاً صغيراً في الأرضية. داخله، علبة معدنية. فتحها ليجد ملفاً كاملاً عن راشيل وعائلتها: كل التفاصيل عن علاقتها بيارون، عن الفضيحة، عن هجرتهم. ومعلومات عن أشخاص آخرين في الكيبوتز.
كانت هذه هي آلية العمل:
شبكة من العملاء تجمع المعلومات عن أشخاص مهمين أو متصلين بأشخاص مهمين، ثم ترسلها إلى دافيد ليستخدمها في "نبوءاته".
النبوءة الثانية كانت حول محراث سينكسر في الكيبوتز. وهذه كانت أسهل: أحد العملاء في الكيبوتز نفسه تكلف بتخريب المحراث في الليل.
مع كل نبوءة تتحقق، تزداد شهرة دافيد. بدأ الناس من كيبوتزات مجاورة يأتون لرؤيته. وكان دائماً يرفض، متظاهراً بالتواضع والخوف من موهبته.
لكن الشهرة تجذب الانتباه. وفي أحد الأيام، بينما كان يعمل في الحقل، جاءه شاب يرتدي ملابس مدنية أنيقة.
"دافيد كرينهال؟"
"نعم."
قدم له ظرفا قائلا:
"عندي رسالة لك."
داخل الظرف، دعوة مكتوبة بخط أنيق:
"زوجة الجنرال كوهين تطلب شرف مقابلتك في حفل بمنزلها في تل أبيب."
نظر دافيد إلى الرسالة، ثم إلى الرجل. كان يعلم أن هذه هي اللحظة الحاسمة. الدخول إلى عالم النخبة الإسرائيلية.
"متى؟"
"الليلة. ستأتي سيارة لاصطحابك."
عاد دافيد إلى غرفته. قلب الصفحة الثانية من الرسالة. كانت هناك جملة واحدة مكتوبة بالعربية، بخط صغير جداً:
"أهلاً بك في قلب العاصفة."
كان يعلم أن أمجد وفريقه يعرفون. وأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة.
ثم فجأة، تذكر تحذير أمجد الأخير:
"عندما تدخل إلى عالمهم، لن تعود أنت. ستكون دافيد كرينهال تماماً. حتى تفكر مثله. هذا هو الثمن."
سأل نفسه:
هل أنا مستعد لأن أفقد نفسي حتى أنقذ بلدي؟
نظر من نافذة غرفته الصغيرة إلى الحقول الخضراء تمتد حتى الأفق. في مكان ما خلف تلك التلال، كانت مصر تنتظر. وكانت وفاء، في مكان ما، تنتظر أيضاً.
أجاب على سؤاله نفسه:
"نعم."
لكنه لم يكن يعلم أن هذه الخطوة ستضعه في مأزق خطير، حيث سيجد نفسه وجهاً لوجه مع أخطر رجال الموساد، في اختبار قد يكلفه حياته إن فشل فيه.
---
الفصل الثاني: في عرين الأسد
الجزء الأول: لقاء النخبة
كانت السيارة السوداء الفارهة تنطلق بسرعة على طريق تل أبيب - حيفا السريع. جلس دافيد في المقعد الخلفي، يرتدي الآن بدلة جديدة اشتريت له خصيصاً لهذه المناسبة، لكنه حافظ على مظهره الخجول بعض الشيء. بجانبه جلس الرجل الذي سلمه الدعوة، وقد قدم نفسه باسم "أرييه".
قال أرييه وهو يدخن سيجاراً:
"زوجة الجنرال كوهين سمعت عنك من صديقتها التي زارت الكيبوتز."
"هي تحب كل ما هو غريب وجديد."
قال أرييه وهو ينفث دخان السيجار:
"أنا لست شيئاً غريباً."
"أحياناً تأتيني رؤى، هذا كل شيء."
قال أرييه وهو ينفث دخان السيجار:
"هذا أكثر من كافٍ في هذه الأيام."
"بعد النصر العظيم، الجميع يبحث عن شيء يميزه. الجنرالات يتباهون بغنائم الحرب، والسياسيون يتباهون بمفاوضاتهم، والنساء... يتباهين بما يملكن."
كانت تل أبيب مختلفة تماماً عن الريف الهادئ في الكيبوتز. أضواء نيبرة، مبانٍ حديثة، سيارات فاخرة، وأناس يمشون بثقة وكبرياء. شعر دافيد بأنه دخل عالماً آخر.
توقفت السيارة أمام فيلا ضخمة في حي تساهالا الراقي. كان الحفل في أوجه. أصوات موسيقى الجاز تنساب من الداخل، ضحكات عالية، أصوات كؤوس تتصادم.
أدخله أرييه عبر الباب الخلفي مباشرة إلى غرفة صغيرة أنيقة. هناك، جلست امرأة في الأربعينيات من عمرها، ممتلئة الجسم لكن بأناقة، ترتدي فستاناً أسود طويلاً وتتحلى بمجوهرات باهظة.
قالت بصوت ناعم لكنه يحمل سلطة:
"أهلاً بك، دافيد."
"أنا نعومي كوهين."
انحنى دافيد قليلاً:
"شرف كبير لي، سيدتي."
جلست تنظر إليه بتفحص قائله:
"أخبرني عن نفسك."
"سمعت قصصاً مذهلة."
بدأ دافيد يحكي قصته المزورة: طفولة تعيسة في الاتحاد السوفيتي، اضطهاد لوالده، موت أمه، هروبه الشاق. كان يؤدي الدور بإتقان، والعاطفة في صوته كانت حقيقية جزئياً، لأنه كان يستحضر مأساته الشخصية الحقيقية.
بينما كان يتحدث، لاحظت نعومي شيئاً في عينيه:
"عندك نظرة... قديمة. كأنك عشت أكثر من عمرك."
قال دافيد بهدوء:
"الحزن يضيف سنوات إلى العمر." .
في تلك اللحظة، دخل إلى الغرفة رجل طويل القامة، يرتدي زي الجيش الإسرائيلي برتبة جنرال. كان وجهه صارماً، وعيناه تدرسان دافيد كما تدرس خريطة معركة.
قدمته نعومي:
"هذا زوجي، الجنرال مردخاي كوهين." .
" نهض دافيد باحترام قائلا:
"سعادة الچنرال"
جلس الجنرال كوهين مقابل دافيد، ساكتاً يتأمله للحظة:
"سمعت أنك تخبر الناس بأشياء عن ماضيهم."
"أحياناً... تأتيني صور. لا أتحكم بها."
"هل يمكنك أن تخبرني شيئاً عن ماضي؟" سأل الجنرال بنبرة تحد.
أغلقت عينا دافيد. كان يعلم أن هذه هي اللحظة الحاسمة. المعلومات التي جمعتها المخابرات المصرية عن الجنرال كوهين كانت محدودة، لكنها كافية لبداية.
بدأ يهتز قليلاً، ثم فتح عينيه. نظراته أصبحت زائغة:
"أرى... ماء. بحيرة. وفتاة صغيرة تسقط... وأنت تخلع معطفك وتقفز..."
اصفر وجه الجنرال كوهين فجأة:
"كفى!"
لكن دافيد استمر، بصوت أجش:
"الفتاة كانت ستغرق... لكنك أنقذتها. كانت ابنتك... ليئة. كانت في الخامسة..."
صمت الجنرال. الحادثة كانت سراً عائلياً لم يعرفه سوى هو وزوجته. ابنتهما ليئة كادت أن تغرق في بحيرة طبريا عندما كانت صغيرة، وهو أنقذها في اللحظة الأخيرة.
همست نعومي:
"كيف...؟"
" قال دافيد وهو "يعود" إلى وعيه، متظاهراً بالتعب:
أحياناً تأتيني هذه الرؤى."
نظر الجنرال كوهين إليه بطريقة مختلفة الآن وقال مبهورا:
"هذا... مذهل."
الجزء الثاني: حفلة الأضواء
أصرت نعومي على أن يبقى دافيد في الحفل. قدمته لضيوفها كـ "العراف الروسي العجيب".
في البداية، تعاملوا معه بفضول مختلط بشيء من السخرية. لكن الأمور تغيرت عندما جاءت سارة، زوجة سكرتير وزير الصناعة.
كانت سارة امرأة متغطرسة، تتباهى بثروتها ونفوذ زوجها. تحدثت مع دافيد باستعلاء قائله:
"إذا كنت عرافاً حقيقياً، أخبريني عن ماضي."
أغلقت عينا دافيد. هذه المرة، كان لديه معلومات كاملة. المخابرات المصرية كانت قد حصلت على ملف سميك عن عائلة هذه المرأة.
بدأ يتكلم، وعيناه مغلقتان:
"أرى... بلغاريا. وميراث. ونزاع عائلي. أشخاص يتقاتلون على أموال لم تكن أبداً..."
اصفرت سارة. الميراث البلغاري كان سراً تخفيه عن الجميع.
واصل دافيد:
"ولكن كل هذا لا قيمة له الآن. لأن زوجك... في خطر كبير. خطر قد يودي به إلى السجن."
صرخت سارة: "ماذا تقول؟"
"أرى أوراقاً... ووثائق... واتهامات بالفساد. الرياح تأتي من الشرق."
كانت هذه المعلومة الأكثر خطورة. المخابرات المصرية اكتشفت أن سكرتير وزير الصناعة يتلقى رشاوى من شركات أوروبية، وكانت الأدلة تتراكم ضده.
هربت سارة من الحفل في ذعر. وبعد يومين، كما "تنبأ" دافيد، ألقي القبض على زوجها بتهم الفساد. كانت الفضيحة من العيار الثقيل.
بعد هذه الحادثة، انقلبت الأمور رأساً على عقب. أصبح دافيد العراف الأكثر طلباً في تل أبيب. زوجات الوزراء، الجنرالات، رجال الأعمال... الجميع أراد أن يلتقي به.
الجزء الثالث: اختبار الموساد
لكن الشهرة تجلب المشاكل. بعد شهر من انتشار صيته، استدعاه الجنرال كوهين إلى مكتبه في مقر الجيش.
قال له بصراحة.
"الموساد يريد مقابلتك."
"الموساد؟ لماذا؟"
قال الجنرال:
"أي شخص يكتسب هذا النفوذ على نخبة المجتمع يجب أن يفحص."
"لا تقلق، سأكون معك."
كان المقر الرئيسي للموساد في تل أبيب مبنى عادياً من الخارج، لكن الداخل كان عالماً آخر. ممرات طويلة، أبواب مغلقة، كاميرات مراقبة في كل زاوية.
أخذوه إلى غرفة تحقيق بيضاء، خالية من أي زينة. هناك، جلس ثلاثة رجال: رجلان في الأربعينيات، وامرأة في الثلاثينيات، تبدو حادة الذكاء.
قال الرجل الأكبر سناً:
"أنا يوفال."
"وهذا هو ميكائيل، وهذه داليا. سنطرح عليك بعض الأسئلة."
بدأت الجلسة بأسئلة عادية عن ماضيه في الاتحاد السوفيتي. كان دافيد مجهزاً بإجابات كاملة، كل تفصيلة من حياته المزورة كانت محفوظة عن ظهر قلب.
ثم جاءت الأسئلة الأصعب:
"كيف تفسر هذه 'الموهبة'؟"
"لا أفسرها. هي تأتي وتذهب."
"هل قابلت في السوفييت أشخاصاً آخرين لديهم قدرات مشابهة؟"
"سمعت عنهم، لكن لم ألتقِ بهم."
ثم جاء الاختبار الحقيقي. أحضروا جهاز كشف الكذب. كانت هذه اللحظة التي تدرب عليها دافيد بشدة في مصر. علمه أمجد كيف يتحكم في تنفسه، في معدل ضربات قلبه، في استجاباته الجسدية.
سأل يوفال:
"هل أنت عميل لدولة أجنبية؟"
أجاب دافيد، وفي الوقت نفسه، استحضر صورة وفاء، حبه المفقود، ليهدئ مشاعره الحقيقية:
"لا"
كانت الإبرة ترتفع وتنخفض، لكنها بقيت في النطاق "الطبيعي".
"هل تستخدم وسائل تقليدية لجمع المعلومات عن الناس؟"
"لا أعرف كيف أجمع المعلومات. تأتيني فجأة."
استمر الاختبار لساعتين. وفي النهاية، نظر يوفال إلى زملائه، ثم إلى دافيد:
"النتائج سلبية. ليس هناك دليل على كذبك."
لكن داليا، المرأة الشابة، بدت غير مقتنعة. "هناك شيء... لا يصدق في قصة كهذه."
قال يوفال:
"العالم فينا يرفض، لكن الواقع أمامنا."
خرج دافيد من المقر مع الجنرال كوهين، يشعر بارتياح كبير. لكنه لم يلحظ أن داليا كانت تراقبه من النافذة، وعينيها لا تزال تحملان شكاً عميقاً.
الجزء الرابع: الحياة في الفيلا
أصبح دافيد ضيفاً دائماً في فيلا كوهين. خصصوا له غرفة في الطابق العلوي. كانت الحياة مختلفة تماماً: طعام فاخر، ملابس جديدة، معاملة كضيف شرف.
في إحدى الأمسيات، بينما كان يجلس مع الجنرال كوهين في المكتبة، سمع الحديث يدور عن خط بارليف.
قال الجنرال بفخر:
"الخط منيع."
"مائة مليون دولار أنفقت على بنائه. سيكون مقبرة لأي جيش يحاول عبور القناة."
سأل دافيد بسذاجة متعمدة:
"هل رأيته بنفسك؟"
"طبعاً. أنا مسؤول عن القطاع الشمالي منه."
بدأ الجنرال يتحدث بحماسة عن تفاصيل الخط:
الجدران الأسمنتية بارتفاع عشرين متراً، الخنادق العميقة، الأنابيب النفطية لتحويل القناة إلى بحر من النار، الحصون تحت الأرض...
كان دافيد يستمع باهتمام، يخزن كل كلمة. في الليل، كان يدون كل شيء في دفتر صغير باستخدام حبر سري لا يظهر إلا بمعالجة كيميائية خاصة.
لكن الأمور لم تكن تسير بسلاسة كما يبدو. داليا من الموساد كانت تراقبه عن بعد. وقد لاحظت شيئاً غريباً:
دافيد، رغم مظهره الخجول، كان دائم الملاحظة. عيناه تلتقطان تفاصيل لا يلاحظها الآخرون.
في أحد الأيام، بينما كان دافيد في السوق مع خادمة الفيلا لشراء بعض الحاجيات، شعر بأنه مراقب. التفت فجأة ليرى داليا تقف على بعد أمتار، تتابعه بنظرة ثاقبة.
اقتربت منه:
"تستمتع بإسرائيل، دافيد؟"
"إنها بلد جميلة."
قالت وهي تحدث في عينيه:
"أحياناً، البلاد الجميلة تخفي أسراراً خطيرة."
"وأحياناً، الأشخاص الهادئون يخفضون عواصف."
"لا أفهم ما تعنين."
ابتسمت ابتسامة لا تصل إلى عينيها:
"ربما لا تفهم. أو ربما تفهم أكثر مما تظهر."
ذهبت، تاركة دافيد في قلق متزايد. كان واضحاً أن شكوكها لم تختفٍ.
الجزء الخامس: المأزق الخطير
الأزمة الكبرى جاءت من حيث لم يتوقع. في حفل أقامه وزير الدفاع في منزله، كان دافيد حاضراً كضيف شرف. الجميع كانوا يتحدثون معه، يطلبون نبوءات.
فجأة، دخل إلى القاعة رجل عجوز، يرتزي بدلة عسكرية عليها رتبة جنرال متقاعد. كان الجنرال أفراهام غولدشتاين، أحد مؤسسي الموساد.
تقدم مباشرة نحو دافيد:
"أنت العراف الروسي المشهور."
"أنا دافيد كرينهال."
" قال الرجل العجوز بصوته الأجش:
"أنا سمعت عنك. ولدي اختبار لك"
"في شبابي، عملت في عملية سرية في أوروبا. لا يعرف عنها أحد، حتى زوجتي. أخبرني ماذا كانت هذه العملية."
تجمد دافيد. هذه المعلومة لم تكن في أي ملف. المخابرات المصرية لم تكن تعرف شيئاً عن هذه العملية.
كل العيون عليه. الجنرال كوهين نظر إليه بقلق. داليا، التي كانت حاضرة أيضاً، ابتسمت ابتسامة منتظرة.
كان دافيد على حافة الهاوية. إذا فشل، ستفتر شكوك الموساد. إذا حاول التخمين، قد يقول شيئاً خاطئاً ويكشف نفسه.
أغلقت عينيه، متظاهراً بالدخول في حالة نبوئية. كان عقله يعمل بسرعة. تذكر ما درسه أمجد: عندما تكون في مأزق، اجعل الإجابة غامضة وعاطفية.
بدأ يتكلم، وصوته يرتعش: "أرى... ثلجاً. وحدوداً. وانتظاراً طويلاً. ورجلاً شجاعاً يخاطر بحياته من أجل آخرين. أرى... خيانة قريبة... وقلباً ينكسر... ولكن في النهاية، فخر... وفخر كبير."
فتحت عيني الجنرال غولدشتاين على اتساعهما. ثم بدأت دموع تنساب على خديه المتجعدين.
وهمس:
"كيف عرفت؟"
"كانت عملية في النمسا، في الثلج... وخنت من قبل رجل ظننته صديقاً... لكنني في النهاية أنقذت عائلة يهودية..."
كانت الإجابة العامة قد تطابقت مع تجربة الرجل العجوز بشكل مذهل. الحاضرون انفجروا في تصفيق.
لكن داليا لم تصفق. كانت تحدق في دافيد، وعينيها تقولان: "أعرف أنك تخدع. وأنا سأثبت ذلك."
بعد الحفل، في طريق العودة إلى الفيلا، قال الجنرال كوهين لدافيد:
"لقد أنقذت الموقف. غولدشتاين رجل خطير، وكان اختباره محكاً حقيقياً."
قال دافيد بصدق هذه المرة:
"كنت خائفا"
إستمر الجنرال بالقول:
"لكن هناك مشكلة أكبر."
"داليا من الموساد لا تزال تشك فيك. وهي تطلب إخضاعك لاختبار آخر، أكثر خطورة."
"ما هو؟"
"تريد أن تأخذك إلى مركز تدريب الموساد. هناك، سيكون تحت المراقبة المستمرة لمدة أسبوع. ستفحص كل تحركاتك، كل كلماتك، كل ردود أفعالك."
شعر دافيد ببرودة تخترق قلبه. أسبوع تحت المجهر في مركز للموساد؟ مستحيل أن ينجو من ذلك.
سأل بصوت هادئ:
"متي"
قال الجنرال:
"بعد أسبوعين."
"ولكن لا تقلق، سأكون معك."
لكن دافيد كان يعرف الحقيقة: إنها فخ. وإذا وقع فيه، فسيكون مصيره الإعدام كجاسوس.
في تلك الليلة، بينما كان جالساً في غرفته، نظر إلى القمر من النافذة. في مكان ما بعيداً، في مصر، كان أمجد وفريقه ينتظرون إشارة منه. لكن كيف يطلب المساعدة وهو محاصر؟
ثم تذكر ما قاله له أمجد قبل سفره:
"إذا وقعت في مأزق لا مخرج منه، استخدم 'الطريق الأحمر'."
الطريق الأحمر كان خطة طوارئ: رسالة مشفرة يرسلها إلى عنوان بريد في تل أبيب، وسيقوم عميل بإخراجه من إسرائيل فوراً.
لكن استخدام الطريق الأحمر يعني نهاية المهمة. يعني فشل العملية برمتها.
تساءل: هل يستسلم الآن، أم يخاطر ويدخل عرين الأسد، آخذاً معه احتمال الموت، أو ما هو أسوأ، اكتشاف الخدعة وتداعياتها على مصر؟
وقبل أن يقرر، سمع دقات الباب. كانت نعومي:
"دافيد، أريد التحدث معك. عن شيء مهم جداً."
دخلت، وأغلقت الباب خلفها. عيناها تحملان نظرة جدية.
"زوجي يريد أن يأخذك إلى خط بارليف. يريد أن تراه بنفسك."
صُعق دافيد. هذه كانت فرصته الذهبية! الدخول إلى أعتى حصن إسرائيلي
تردد قائلا
"لكن"
قالت نعومي:
"لكن يجب أن تذهب إلى اختبار الموساد أولاً."
"وهناك مشكلة أخرى. داليا... لديها أدلة، أو هكذا تزعم."
"أدلة على ماذا؟"
"تزعم أنها وجدت شخصاً يعرفك من أوكرانيا. شخص يقول إن دافيد كرينهال مات في طفولته."
كانت الأرض تهتز تحت قدمي دافيد. هل اكتشفوا الهوية المزورة؟
سأل، وصوته يكاد لا يُسمع:
"ماذا سنفعل؟"
ابتسمت نعومي ابتسامة غامضة:
"لا تقلق. في إسرائيل، المال يحل كل المشاكل. والشهرة أيضاً. داليا ستجد أن تحقيقاتها تتعطل فجأة."
خرجت، تاركة دافيد في حيرة أعمق. كان أمامه اختياران:
إما استخدام الطريق الأحمر والهرب الآن، أو الاستمرار والمخاطرة بحياته، لكن مع فرصة الحصول على أهم المعلومات على الإطلاق: دخول خط بارليف.
نظر إلى السماء مرة أخرى. في عقله، صور أمجاد مصر القديمة، وصور جنودها الذين سيقتحمون الحصون يوماً ما. وتذكر وعود أمجد: العودة بطلاً، ولقاء وفاء.
قرر: سيواصل. سيدخل عرين الأسد. سيواجه اختبار الموساد. وسيدخل خط بارليف.
لكنه لم يكن يعلم أن القادم أعظم خطراً مما توقع. فداليا كانت أقوى وأذكى من أن يوقفها المال أو النفوذ. وكانت على بعد خطوات من كشف الحقيقة كلها.
---
الجزء الثاني والأخير
غدا