• سجل عضوية للتمتع بالمنتدى واكتساب مميزات حصريه منها عدم ظهور الإعلانات

مكتملة "أسد سيناء" محمد هارون (2 عدد المشاهدين)

koko1972

مساعد مسؤولة الأقسام العامة والفضفضة
إدارة ميلفات
مساعد إداري
حكمدار صور
كاتب حصري
برنس الصور
إمبراطور شتاء ميلفات
ملك المزاج العالي
ميلفاوي VIP
نجم الفضفضة
مستر ميلفاوي
محقق
ميلفاوي واكل الجو
عضو
ناشر قصص
ناشر صور
صقر العام
ميلفاوي حريف سكس
ميلفاوي كوميدي
إستشاري مميز
ميلفاوي نشيط
ناشر محتوي
نجم ميلفات
ملك الصور
ميتادور النشر
ميلفاوي كابيتانو ⚽
ناشر عدد
قارئ مجلة
ميلفاوي علي قديمو
ميلفاوي متفاعل
ميلفاوي دمه خفيف
كاتب مميز
ميلفاوي فنان
الذئب الأسود
إنضم
30 سبتمبر 2025
المشاركات
8,142
مستوى التفاعل
4,218
نقاط
85,178
النوع
ذكر
الميول
عدم الإفصاح
"أسد سيناء" محمد هارون
تمهيد: صرخة الخوف
"اشرد.. اشرد هارون جاي!"
كانت هذه الكلمات، المليئة بالرعب الخالص، هي إنذار الموت الذي يتردد بين صفوف الإرهابيين في شبه جزيرة سيناء. كانت كفيلة بقلب الموازين، وزرع الفوضى في قلوب من ادعوا القسوة والبطش.
لم تكن مجرد تحذير من اقتراب عسكري، بل كانت اعترافاً بقوة أسطورة حية.
أسطورة تجسدت في رجل واحد: المقدم المقاتل محمد هارون.
لقد كان اسمه سلاحاً نفسياً قبل أن يكون قائداً ميدانياً.
كان مجرد همسة "هارون" كفيلة بتشتيت أفكارهم، ودفعهم إلى إعادة حساب خطواتهم.
كانوا يعرفونه جيداً: ذلك القائد الشاب الذي لا يعرف التراجع، الذي يبحث عنهم في أوكارهم، الذي يحارب بقلب أسد وبرأس مفكر تكتيكي.
كانوا يخشون مواجهته وجهاً لوجه، لأنه كان يقاتل بقضية، بينما كانوا يقتلون بفتاوى مزيفة.
هذه ليست قصة رجل عادي، بل هي ملحمة أسد سيناء الذي اشترى ترابها بدمه، كما قال بكل فخر لقيادته.
إنها رحلة بطولة كتبت بدماء زكية على رمال سيناء الملتهبة. نحن هنا لنحكي فصلًا من فصول التضحية، ننسج فيه الحقائق الثابتة ببعض الخيال الأدبي الذي لا يمس جوهر البطولة، بل يبرز عظمتها،
استعدوا إذن لقراءة ملحمة البطل الذي جعل من اسمه هتاف انتصار، ومن شجاعته منهج حياة، ومن استشهاده شمعة تنير طريق الأبطال من بعده.
---
الفصل الأول: النار التي لا تنطفئ
كان الهواء في معسكر "الأسود" بقرية الجورة جنوب الشيخ زويد، ثقيلاً بوشاوس الخطر القادم. كان ذلك اليوم، الأول من يوليو 2015، يحمل في طياته نذيراً شريراً. كان محمد هارون، الذي رُقي حديثاً لمهمات أكثر خطورة، يجلس في غرفة العمليات محدقاً في الخرائط، لكن قلبه كان مع رجاله المنتشرين في النقاط والمكامن المنتشرة حول المدينة. كانت ساعات الصباح الأولى هادئة بشكل مريب، والهدوء في سيناء غالباً ما يكون مقدمة لعاصفة.
وفجأة، انفجرت الساعة.
لم يكن هجوماً عادياً، بل كان مخططاً بشيطنة.
هجوم متزامن على عدة مقار أمنية في الشيخ زويد، مع عزل تام للطرق بينها بحقول ألغام وعبوات ناسفة محكمة النسيج. لقد أراد التنظيم الإرهابي أن يشل الحركة، ويسحق كل نقطة على حدة.
دوى دوي المعركة من كل صوب، وامتلأت الأثير بنداءات الاستغاثة.
في وسط هذه الفوضى، كان كمين "السدرة وأبو رفاعي" الباسل يكتب ملحمته الخاصة.
مجموعة من الرجال صمدوا لساعات أمام موجات بشرية من الإرهابيين، مستهينين بالخطر، مدافعين عن موقعهم بكل ما أوتوا من قوة.
لكن العدد والعتاد بدآ يثقلان، وسقط معظم الأفراد شهداء، وأصيب قائد الكمين بجروح بالغة.
وصلت استغاثتهم الأخيرة كصرخة اخترقت ضجيج المعركة: "الكُمين محاصر.. الخسائر فادحة.. نطلب النجدة".
في تلك اللحظة، لم يتردد هارون ولا لحظة واحدة.
كان منطق الموقف يقول:
الطرق محفورة بالموت، والانتظار حتى يتم تطهيرها هو القرار الآمن.
لكن قلبه، قلب الأسد، صرخ:
"رجالي هناك!"
وأمر سائقه بتشغيل الآلية، وانطلق كالسهم باتجاه موقع الكمين المحاصر، مخترقاً الأوامر بالانتظار، ومتحدياً كل حسابات الاحتمالات.
عبر الطرق الترابية بسرعة مجنونة، عيناه تحدسان أماكن العبوات، وقلبه يرفض فكرة التخلي.
كان الإرهابيون، الذين ظنوا أنهم أحكموا الطوق، في ذهول. من هذا المجنون الذي يقتحم جحيمهم؟ لم يكن متوقعاً وصول أي دعم بهذه السرعة.
وفجأة، اهتزت السيارة بانفجار مدو.
لقد أصيبت بعبوة جانبية.
الدخان، الصدمة، لكن هارون نجا بإرادة **** وإصراره. خرج من الآلية المدخنة، واستمر في التقدم راجلاً مع من بقي من رجاله، مطلقاً نيران سلاحه كزئير أسد جريح.
كان ظهوره المفاجئ كالصاعقة.
صرخات "هارون جاي!"
عادت لتتردد بين الإرهابيين، مما زاد من ارتباكهم.
هجمة مضادة سريعة وقوية، نفذها هو ورجاله، كسرت حصار الكمين وبددت شوكة المهاجمين، الذين بدأوا في الانسحاب غير مصدقين ما حدث.
لم يكتفي هارون بانتصاره السريع، بل تولى بنفسه إجلاء الجرحى والشهداء من أرض المعركة، حاملاً أحدهم على ظهره، دماؤه تختلط بدماء رفاقه.
لكن الانتصار كان مُراً.
لقد رأى بأم عينيه الثمن الباهظ.
وفي غرفة العمليات لاحقاً بينما كان يضمد جراحه البسيطة، كانت عيناه تحدقان في صورة شهداء الكمين.
همس لنفسه:
"لن تضيع دمائكم سدي.
سأطاردهم إلى جحورهم."
كان يعرف أن المعركة الحقيقية ستبدأ الآن. معركة الاستباق والاقتحام. ففي ظهير المدينة، كانت تقبع "عمارة القطري"، وكر معروف لقيادات التنظيم، يشبه قلعة محصنة.
وتقرر أن تكون الضربة القادمة هناك.
وصلت المعلومات الاستخبارية مفصلة: العمارة مليئة بالمسلحين والمتفجرات.
كانت العملية تحتاج إلى دقة جراح، وشجاعة متهورة مدروسة.
وقف هارون أمام رجاله المختارين للعملية، عيناه تتقدان ببرودة الصلب وحماسة الإيمان.
رسم الخطة بدقة:
التسلل ليلاً، التطويق، ثم الضربة السريعة القاضية.
وفي جوف الليل، تحركت الوحدة كظلال صامتة.
كان قلب هارون ينبض بإيقاع هادئ، بينما كان عقله يحسب كل خطوة.
وصلوا إلى العمارة.
كانت لحظة الصفر.
أطلق هارون صافرة الهجوم. انفجر الهدوء بوابل من النيران. كان الإرهابيون مندهشين، محاصرين من حيث لا يتوقعون. دارت رحى معركة ضارية داخلها، غرفة تلو الأخرى. كان هارون في المقدمة، يقود بنفسه، يقتحم مخبأً ليفاجأ بأحد القيادات الكبرى يحاول الفرار من نافذة.
رفع هارون سلاحه، لكن الرجل كان سريعاً.
أطلق النار تجاهه قبل أن يقفز.
أحس هارون بآلم شديد في كتفه ولكنه لم يبال.
دماء دافئة سالت على سترته الواقية.
كان الجرح مؤلماً، لكنه لم يكن قاتلاً.
رأى الرجل يهرب في الظلام. صرخ أحد رجاله:
"القائد أصيب!"
لكن هارون أشار بيده ليستمروا في المهمة.
لقد نجحت العملية بنسبة كبيرة، وتم القضاء على معظم من في العمارة وتدمير مخزن أسلحة كبير.
في المستشفى الميداني، بينما الطبيب يعالج كتفه، كان هارون يفكر في الوجه الذي رآه.
كان يعرفه من التقارير.
إنه "سليم الهرم"، أحد أعمدة الهجوم الدامي في الأول من يوليو.
إبتسم هارون ابتسامة صغيرة، مؤلماً.
لقد أصبح لديه هدف شخصي جديد.
لقد نجا الهرم هذه المرة، لكن الموعد قادم لا محالة. غابت عينا هارون عن التركيز في سقف الغرفة، وكأنه يرى المستقبل.
كانت المعركة الأكبر تنتظره، وعدوه الجريء ينتظر فرصة للثأر.
ومع كل نبضة ألم في كتفه، كان عزمه يشتد كالفولاذ.
---
الفصل الثاني: مطاردة الظلال
لم يكن الجرح في كتف محمد هارون سوى ندبة تضيف إلى سجل تضحياته، ووقوداً يزيد من جمر تصميمه.
أيام النقاهة في المستشفى الميداني لم تكن راحة، بل كانت جلسات تخطيط محمومة.
كانت صورة "سليم الهرم" وهو يفر من نافذة عمارة القطري تطارده أكثر من ألم جسده.
لقد أصبح هذا الرجل شبحاً يلوح في أفق معركته، رمزاً للعدو الجريء الذي يجب اقتلاعه.
بعد أسابيع قليلة، عاد هارون إلى الميدان، وكانت عزيمته كالسيف المسنون.
لقد قرر تحويل الهجوم إلى أسلوب حياة. لم يعد ينتظر هجماتهم، بل صار يطاردهم في عقر دارهم.
وبدأت سلسلة من الضربات الخاطفة التي كسرت ظهر التنظيم في مناطق شاسعة.
كانت تبة أبو فريد، بالقرب من مقابر شيبانة، محطة فارقة. وصلت معلومات عن وكر لستة من العناصر الخطيرة، مختفين كعقارب تحت الصخور.
قام هارون بحصار الموقع بحرفية.
وعندما بدأت المناوشات، أصيب أحد رجاله، جودة، في عينه من شظايا نضارة الرؤية التي تحطمت.
بدلاً من الانسحاب، أمسك جودة العدسة المكسورة، وثبتها بخشونة على بندقيته، محولاً إياها إلى منظار بدائي.
وبتشجيع من هارون الذي أصر على بقائه في المعركة، تحول جودة إلى قناص مفترس.
راح يصطاد سيارات الدعم التي حاولت إنقاذ المحاصرين، ومن بينها سيارة "فيرنا" كانت تقل أربعة إرهابيين.
استمرت "الحفلة"، كما كان هارون يسميها، من الثانية ظهراً حتى بعد المغرب، حتى سقط الوكر بالكامل.
لكن ظل سليم الهرم يلوح في الأفق.
كانت المخابرات تتنصت على اتصالات الإرهابيين، وكان اسم هارون يتردد كشبح يخيفهم.
وفي إحدى تلك الرسائل المُقاطعة، جاءت الجائزة:
معلومات عن تحرك الهرم نحو منطقة الكيلو 21، قرب "فنطاس الماية" في الظهير.
كان الرجل يستعد لتنفيذ عملية انتقامية كبرى.
تحركت قوة هارون بسرعة البرق.
كان المكان عبارة عن مبنى متهالك بجوار خزان مياه.
خطط هارون لدخول صامت هذه المرة، مفضلاً الأسر على المواجهة المباشرة إذا أمكن، للحصول على معلومات.
تحت جنح الظلام، تسللوا كالأشباح.
كان هارون في المقدمة، يفتح الباب الخلفي بمهارة.
شم رائحة البارود والخوف.
وفجأة، انفجر الوضع.
كان أحد الحراس يقظاً.
أطلق رصاصة في الهواء.
تحول الصمت إلى فوضى في لحظة.
دارت معركة داخل المبنى الضيق.
كان هارون يبحث بعينيه عن الهدف الرئيسي.
ثم رآه: سليم الهرم يحتمي خلف عمود في الغرفة الخلفية، يحاول تحميل وثائق في حقيبة.
صاح هارون بصرامه:
"قف يا هرم"
التفت الرجل، وفي عينيه لمعة من الذعر ثم التحدي.
رفع سلاحه بسرعه.
لكن هارون كان الأسرع تلك المره.
رصاصة واحدة دقيقة أصابت يد الهرم، فألقى سلاحه متألما. قفز هارون إليه وهوي علي وجهه بلكمه كالقنبلة وثبته أرضاً. كانت لحظة الانتصار حلوة ومرة.
أخيراً، أمسك بثأر كتفه وأرواح رفاقه.
بينما كان رجاله يربطون الأسير، نظر هارون إلى الأوراق المتناثرة.
كانت خرائط وخطط لهجمات على مدنيين أبرياء في مناطق مكتظة.
وعمل عقله بأقصي سرعه.
هذا الأسير كان كنزاً من المعلومات.
سيساعد في إنقاذ مئات الأرواح.
في الطريق إلى المعسكر، كان هارون صامتاً.
نظرة الهرم إليه وهي مليئة بالحقد جعلته يفكر:
"هذا الحقد لن ينتهي بسقوط قائد.
الحرب أعمق."
وأدرك أنهم يواجهون فكراً فاسد مسمماً، وليس مجرد أفراد.
الأيام التالية شهدت عمليات استباقية مكثفة بناءً على معلومات الهرم:
مداهمة وكر في نجع الملاحي به أجهزة اتصال متطورة، و اقتحام مخزن عبوات ناسفة في عمارة المنيعي بالتومة حيث عثروا على ما لا يقل عن ثلاثين عبوة جاهزة.
كان كل نجاح يزيد من مكانة هارون الأسطورية، ويجعل اسمه لعنة على ألسنة أعدائه.
وفي إحدى الليالي، بينما كان هارون يفحص العبوات المفككة التي جمعوها (والتي فاق عددها الخمسين عبوة)، تلقى اتصالاً هاماً من القيادة.
كانت هناك معلومات خطيرة للغاية: اكتشف التنظيم طريقة لتصنيع عبوات ناسفة جديدة شديدة التعقيد والتدمير، باستخدام مواد كيميائية محلية الصنع يصعب كشفها.
وكان المصنع السري لهذه العبوات يعمل في مكان ما بالقرب من طريق أثل الرطيل، في مزرعة مهجورة.
كانت المهمة واضحة وخطيرة:
العثور على هذا المصنع وتدميره قبل أن تنتشر هذه الأسلحة الجهنمية.
كانت هذه العبوات تشكل تهديداً وجودياً لقواته وللمدنيين. شعر هارون بثقل المسؤولية.
هذه المهمة مختلفة.
إنها مطاردة لشبح غير مرئي، لخطر كيميائي قد يفتك بالجميع.
بدأت الاستعدادات.
الدراسات الجوية، صور الأقمار الصناعية، تقارير العيون البشرية. وتكشفت الصورة شيئاً فشيئاً.
المصنع ليس في مبنى، بل في شبكة أنفاق تحت الأرض حفرت باحترافية تحت إحدى المزارع.
الدخول سيكون انتحارياً.
الخطة تتطلب مفاجأة مطلقة، وتدميراً من الداخل.
وفي فجر اليوم المحدد، تحركت المجموعة الخاصة. كان الجو بارداً. وصلوا إلى موقع المزرعة.
كان كل شيء هادئاً بشكل مخيف.
باستخدام معدات الكشف، حددوا مدخل النفق المخفي تحت كومة من القش.
نظرة هارون كانت جادة.
كان يعرف أنهم قد يدخلون ولا يخرجون.
همس لرجاله: "تذكروا، نحن هنا لنمنع موت المئات من الأبرياء.
**** معنا."
انحدروا إلى الظلام.
النفق كان ضيقاً، مظلماً، تنبعث منه رائحة كيميائية لاذعة. كانوا يتقدمون ببطء، حساسون لكل حركة.
وصلوا إلى غرفة واسعة تحت الأرض.
وكان المشهد مرعباً:
طاولات مليئة بالمواد الكيميائية، أسطوانات غاز، وعشرات العبوات الجاهزة وشبه الجاهزة. كان هناك حارسان فقط، تم التخلص منهما بصمت.
كان الهدف وضع المتفجرات الموقوتة في مكان يستهدف المواد الكيميائية لتدميرها دون انفجار كبير يسبب كارثة فوق الأرض.
بينما كان هارون يشرف على وضع الشحنات، سمع همسة من أحد رجاله عند مدخل النفق:
"حركة! سيارة قادمة بسرعة!"
قلب هارون يتسارع.
ربما كان دورية غير متوقعة للإرهابيين.
كان عليهم الإسراع. أنهى وضع الشحنة الأخيرة وضبط المؤقت على دقائق قليلة.
وأمر بنبرة حادة:
"أخرجوا! الآن!"
بدأ الفريق في الخروج من النفق بسرعة.
كان هارون آخرهم، يتأكد من عدم ترك أحد.
وعندما كان على بعد خطوات من المدخل، سمع صوت إطارات السيارة تتوقف فوقهم مباشرة، وأصوات خطى متسرعة. لقد وصلوا مبكراً جداً.
اختبأ هارون ورجاله خلف الصخور والمعدات داخل النفق. كانت هناك محادثة فوقهم باللهجة المحلية.
يبدو أنهم اكتشفوا شيئاً مريباً. ثم، فجأة، سمعوا صوتاً مذعوراً باللهجة الدارجة:
"النفق! ده فتح!"
تبع ذلك رشقات نارية متوترة نحو مدخل النفق.
الرصاص يصطدم بالجدران.
الوقت كان ينفد.
المؤقت كان يستمر في العد التنازلي.
إذا دخل الإرهابيون النفق، فقد يكتشفون الشحنة ويفكونها. إذا ظل هارون ورجاله محاصرين، فسوف يموتون مع تدمير المصنع.
نظر هارون إلى رجاله، ثم إلى المؤقت.
بقي أقل من دقيقتين. كانت لديه خطة مجنونة واحدة فقط. همس لهم:
"عندما أخرج، انسحبوا في الاتجاه المعاكس نحو فتحة الطوارئ التي اكتشفناها.
دعوهم يتبعوني."
قبل أن يعترضوا، انطلق هارون كالبرق من مدخل النفق، مطلقاً رصاصات كثيفة في اتجاه الأصوات فوقه، ليس لقتلهم بل لاستفزازهم وجذب انتباههم بالكامل.
صرح أحدهم بذعر:
"هارون! إنه هارون!"
كما توقع، انطلق كل الإرهابيين لمطاردته، تاركين المدخل. استغل رجاله الفرصة وانسحبوا داخل النفق نحو المخرج الخلفي. بينما كان هارون يجري عبر حقول المزرعة، جاذباً المطاردين بعيداً عن النفق، كان قلبه يخفق مع العد التنازلي الذي في رأسه: ثلاثة... اثنان...
وانفجر العالم خلفه.
لم يكن انفجاراً عادياً، بل كان دويّاً مكتوماً، غريباً، تبعه صوت انهيار أرضي ولهب برتقالي مزرق يندلع من باطن الأرض، ثم عمود من الدخان الأسود الكثيف.
لقد دمر المصنع.
توقف المطاردون من الرعب مما رأوه، مما أعطى هارون فرصة ليختفي في التلال.
وعاد سالماً إلى نقطة الالتقاء، حيث كان رجاله في انتظاره، وجوههم شاحبة من الخوف الذي عاشوه.
لكن الانتصار الكبير هذا جاء بثمن.
في اليوم التالي، أثناء دراسة آثار الانفجار، عثروا على جثة أحد الإرهابيين القريبة. وفي جيبه، هاتف محمول.
وعند فك تشفيره، ظهرت رسائل أحدث.
إحداها كانت صادمة:
"الهدف تغير.
لم تعد النقاط العسكرية وحدها.
هارون نفسه أصبح الهدف الأول.
مكافأة ضخمة لمن يقتله.
إستعدوا لخطة 'الثأر الأسود'. سيكون القريبون منه هم مفتاحنا."
نظر هارون إلى الرسالة، ثم نظر حوله إلى وجوه رجاله المخلصين، الذين كانوا يضحون بأرواحهم معه كل يوم. شعور غريب بالتوجس اخترقه.
الخطر لم يعد يأتي من العدو في الخارج فقط. لقد أعلنوا الحرب عليه شخصياً، وربما يبحثون عن ثغرة داخل دائرة ثقته.
من يمكنه الوثوق به؟ وكيف سيواجه عدواً قرر أن يستهدف روحه قبل جسده؟
---
الفصل الثالث: حرب الهاوية
كانت رسالة التهديد التي عُثر عليها في جيب الإرهابي القتيل، كالسم الذي يسري ببطء.
عبارة "الثأر الأسود" كانت تتردد في رأس محمد هارون كجرس إنذار.
لقد انتقلت المعركة من مواجهة في الساحة المفتوحة، إلى حرب أخرى. حرب يستهدفون فيها شخصه، ربما من خلال استغلال قرب أحد ممن حوله.
نظرة الشك، للأسف، أصبحت شراً لا بد منه.
أصدر هارون تعليمات صارمة بتغيير جميع إجراءات الاتصال والتواجد، ومراجعة خلفيات بعض العناصر الجديدة التي انضمت مؤخراً.
كن قلبه كان يرفض أن يشك في رجاله القدامى، أولئك الذين شاركوه النار والخطر.
قرر أن يحول هذا التهديد إلى طاقة لهجوم أوسع.
"إذا كنتُ هدفاً، فسأكون هدفاً يتحرك نحوهم، لا ينتظرهم."
وبالفعل، تحولت الأسابيع التالية إلى حملة مطاردة لا هوادة فيها. كانت الضربات تأتي من حيث لا يتوقعون.
مداهمة تجمع الجهامات عند الكيلو 17 حيث كانوا يختبئون في بيوت مهجورة، وتم تطهيرها في غارة سريعة كلمح البرق.
ثم هجوم مباغت على نقطة تهديد للمواطنين عند مدخل العرجا، حيث كان الإرهابيون يرهبون الأهالي عند عنبر دواجن الشيخ خلف ****.
في كل مرة، كان اسم هارون يسبق وصوله، فيفقد العدو توازنه قبل أن يبدأ القتال.
لكن هارون كان يعرف أن هذه الضربات، رغم نجاحها، هي معارك تكتيكية. قلب المرض الحقيقي كان أعمق.
لقد بدأ يشعر أن هناك عقلاً تخطيطياً يعيد تنظيم صفوفهم بعد كل ضربة، عقلاً أكثر دهاءً ممن واجههم من قبل.
وكان يشتبه في أن خطة "الثأر الأسود" قد تكون من بنات أفكار هذا العقل.
وفي ليلة من ليالي نوفمبر الباردة، تحديداً في الحادي عشر من نوفمبر 2015، كان هارون يجلس في مركز قيادته المتواضع في "ميدان الأسود" بقرية الجورة.
كان الجو مشحوناً بتقارير عن نشاط مريب في الطرق المؤدية إلى معسكر الأمم المتحدة (UN) القريب.
كانت هناك مخابئ عن عبوات ناسفة تُزرع ليلاً بطريقة محترفة، وكأنها تُهيأ لضربة كبيرة غداً.
نظر هارون إلى ساعته.
كان الوقت متأخراً.
لكنه شعر بأن غداً، الثاني عشر من نوفمبر، قد يحمل شيئاً مختلفاً.
ربما كان حدسه الذي اكتسبه من سنوات في الجحيم.
أمر بتكثيف الدوريات الاستطلاعية طوال الليل، وأوصى الجميع باليقظة التامة.
وفي الصباح الباكر، مع أول خيوط الفجر، جاءت البلاغة الحاسمة: تم رصد عبوة ناسفة معقدة، كبيرة الحجم، مزروعة على الطريق الأسفلتي الرئيسي المؤدي مباشرة إلى معسكر UN. كانت العبوة من النوع الجديد الذي سمعوا عنه، معقدة التركيب، ومزودة بأجهزة استشعار ضد العبث.
وكانت في موقع يحول دون تفجيرها عن بُعد دون أضرار جانبية فادحة.
لم يتردد هارون.
كان تفكيك هذه العبوة بنفسه رسالة.
رسالة بأنه لا يخاف تهديداتهم، وأنه سيحمي طرق قواته ومؤسسات الدولة حتى لو كان الثمن هو حياته.
إرتدى سترته الواقية الثقيلة، وجمع فريق التفكيك المحدود المكون من خيرة المتخصصين، من بينهم الرقيب مصطفى، الذي كان يعمل معه منذ سنوات.
قال له مصطفى وهو يستعد للخروج:
"دايماً بتكون في المقدمة يا عقيد.
خلينا إحنا نروح."
رد هارون بابتسامة هادئة:
"أنا اللي قعدت أدرس صورتها الفجر ده. وانا المسؤول.
ماتخافش، إحنا مع بعض."
كانت الشمس قد أشرقت على سيناء عندما وصلوا إلى موقع العبوة. كانت حقاً قطعة شيطانية، مثبتة بإحكام داخل حفرة على حافرة الطريق.
أمر هارون بإخلاء المنطقة المحيطة تماماً، وطلب من مصطفى أن يكون على بعد أمتار منه فقط، ليساعده إذا احتاج، ويبتعد هو الآخر إذا ساءت الأمور.
انحنى هارون على ركبتيه أمام فم الهاوية. العالم من حوله صامت. لم يعد يسمع إلا دقات قلبه ونفسه المنتظم.
كانت يداه تتحركان بثبات مطلق، ببرودة أعصاب جليدية. فك الغطاء الخارجي بلطف، متجنباً الأسلاك المزيفة.
كانت العبوة تحتوي على دائرة مزدوجة للخداع.
توقف للحظة، عقله يحلل المسار الصحيح.
وفي تلك اللحظة بالذات، شعر بحركة خلفه.
التفت قليلاً لينظر.
كان مصطفى يقترب منه، ووجهه شاحب. قال مصطفى بصوت غريب، مرتجف: "سيادة العقيد... فيه حاجة... تحت الجزء اللي فككته..."
لكن عيني مصطفى لم تكونا تنظران إلى العبوة، بل كانتا تحدقان في هارون بتركيز غريب، وفي يده، التي كانت داخل سترته، بدا وكأنها تمسك بشيء صغير.
زمن الثواني تحول إلى دهس.
كل شيء بدا واضحاً بشكل مرعب في عقل هارون. الاستهداف الشخصي... "القريبون منه هم مفتاحنا"... الموقف الذي لا يمكن لأحد فيه أن يشكك في تحرك مساعده المقرب... لقد كانت الخدعة الأكثر قسوة.
لم يصرخ هارون.
لم يبدُ عليه الذعر.
في هدوء مهيب، قال لمصطفى بصوت واضح وثابت، يخترق رعب الموقف:
"إيه اللي في إيدك يا مصطفى؟ خليك مكانك."
ارتجف مصطفى.
الدمع بدأ يملأ عينيه، ليس دمع خيانة، بل دمع رجل مكسور. "أنت متعرفش... اخذوا ولدي... قالوا هيموتوا... قالوا لازم أفضح مكانك ووقتك مع العبوة عشان ينفروها عن بعد... أنا مش عايز أضرك يا عقيد! أنا حلفت إني أموت بدالك!"
كانت الخيانة أعمق وأكثر إيلاماً من أي رصاصة.
لقد ضربوه في أعمق نقطة في روحه: ولاء رجاله.
لكن حتى في هذه اللحظة، كان قلب هارون ينزف على مصطفى المرهق أكثر من غضبه عليه.
رفع هارون يده ببطء، ليس للهجوم، ولكن بإشارة تهدئة. "ضيعت ولدك عشان تنقذني؟ ماكنتش تعمل كده.
كنا ننقذه مع بعض.
روحي واقف هناك.
دلوقتي، إحنا الاتنين في النار، وبلادنا محتاجة العبوة دي متتفككش."
عاد بنظره إلى العبوة، يداه ترتجفان الآن، ليس من الخوف، بل من العاصفة التي تدور في داخله.
كان يعرف أن مصطفى ربما أرسل إشارة بالفعل.
قد تنفجر العبوة في أي لحظة.
كان عليه أن يفككها في ثوانٍ، أو يبعدها عن الطريق بسرعة.
قرر المخاطرة بحركة سريعة.
أمسك بالدائرة الداخلية الرئيسية، وكان عليه أن يقطع السلك الصحيح من بين ثلاثة متطابقة.
لم يكن هناك وقت للاختبار.
قال في سره:
"**** يختار."
وقطعه.
لم يحدث شيء.
الصمت.
ثم إنطلقت أنفاسه المحبوسة.
لقد نجح.
بسرعة خارقة، قام بنزع الجزء النشط من العبوة ورفعه بعيداً عن الطريق. التفت إلى مصطفى، الذي كان قد انهار على ركبتيه يبكي.
وفي تلك اللحظة بالضبط، سمعوا صوت محرك سيارة مسرع يقترب من بعيد على الطريق الترابي الموازي. لم تكن سيارة قواتهم.
كانت سيارة مفخخة تقود بسرعة جنونية نحو موقعهم، وكأنها تُوجه عن بعد بعد أن فشلت الخطة الأولى. لقد أرسلوها كضربة بديلة، مستغلين معرفتهم بوجوده في الموقع.
صاح هارون بأعلى صوته:
"مصطفى! انهض! اركض نحو الخندق هناك!"
وركض هو في الاتجاه المعاكس، مبتعداً عن العبوة المفككة وعن مصطفى، ملوحاً بذراعيه لجذب انتباه السيارة المفخخة إليه، بعيداً عن رجله المنكسر.
كانت اللحظة مجمدة في الزمن. سيارة الموت تندفع نحوه، وهو لا يركض هرباً، بل في مسار موازٍ يحمي به الآخرين.
نظر إلى السيارة، واستطاع أن يرى لحظة خاطفة لسائقها، عيناه مليئتان بالحقد الأسود.
ثم، قبل أن تصله السيارة بأمتار، ارتقى.
ارتفعت سحابة من اللهب والحديد والدخان عالياً في سماء سيناء الصافية، ولفّت جسد البطل في قبضتها النارية.
لم يكن الانفجار صادراً عن العبوة التي فككها، بل عن جحيم متحرك أرسلوه خصيصاً له.
سقط أسد سيناء، مخضباً بدمائه، على التراب الذي أقسم على حمايته.
كان يوم الثاني عشر من نوفمبر 2015 هو اليوم الذي ودع فيه الأرض ليصعد إلى السماء.
أما مصطفى، الذي شهد اللحظة من مكان اختبائه، فقد خرج منهزماً تحت وطأة المشهد.
لقد ضحى البطل بحياته لإنقاذ خائن.
كانت هذه هي عظمة محمد هارون الأخيرة.
انتشر النبأ كالنار في الهشيم.
"هارون استشهد." لكن صرخته الخالدة لم تمت: "اشرد.. اشرد هارون جاي!"
فقد تحولت من تحذير يجلجل في ميدان المعركة، إلى هتاف يملأ قلوب رجاله وكل من سمع بقصته.
لقد مات الرجل، لكن الأسطورة صارت أقوى.
صارت روحاً تحرس سيناء، وقصة تروي للأجيال كيف يموت الأبطال: واقفين، مقدمين، منتصرين حتى في لحظة الوداع.
---
خاتمة: الدم الذي يشتري الأرض
سقط الجسد، لكن الأسطورة ولدت من جديد. في اليوم التالي لاستشهاد العقيد محمد هارون، اجتمع رجاله في "ميدان الأسود"، وكان الصمت أثقل من دوي الانفجار.
لم تكن الدموع فقط دليل الحزن، بل كانت ناراً جديدة تتقد في الأعين.
لقد فهموا الدرس الأخير من قائدهم:
أن الشهادة ليست نهاية، بل هي نقل للراية.
انتشر خبر استشهاده كالصدمة في كل مصر.
لكن من بين كل الكلمات التي قيلت، عادت إلى الأذهان عبارة واحدة كان قد قالها بكل شجاعة وصراحة في لقاء مع القائد الأعلى للقوات المسلحة، الرئيس عبد الفتاح السيسي.
لقد وقف هارون وهو يروي بطولات رجاله وتحديات المعركة، ثم قال بلهجة المحارب الصادق الذي يرى الحقيقة بعينيه:
"سيناء اتباعت واحنا بنشتريها بدمنا يا فندم."
لقد كانت أكثر من مجرد كلمات.
كانت فلسفة كاملة، ووصية، وتفسيراً لكل ما حدث.
كانت تلخيصاً لمعنى أن تكون جندياً في هذه الأرض. سيناء، التي حاول البعض النيل من أمنها، كانت تُسترد بثمن بخس في نظر العالم، لكن هارون ورجاله كانوا يدفعون الثمن الحقيقي:
الدماء الزكية، والليالي الطويلة، والفراق، وحتى الحياة نفسها. كل شهيد كان عملة في صفقة الشراء هذه، وكل جرح كان دفعة على ثمن الحرية.
هذه المقولة لم تمت معه.
لقد تحولت إلى شعار غير مكتوب على قلوب كل من حمل السلاح في سيناء من بعده.
لقد أدركوا أنهم ليسوا في حرب دفاع فحسب، بل في عملية استرداد شراء، بقيمة لا يعرفها إلا من يدفعها.
أما صرخة "اشرد.. اشرد هارون جاي!"
فلم تتوقف.
لقد تغيرت دلالتها فقط.
لم تعد تخيف الإرهابيين وحدهم (وهم ما زالوا يخشون اسمه حتى بعد رحيله)، بل أصبحت هتاف تحريض في قلوب رجاله.
كلما خرجت قوة إلى الميدان، كان الهمس ينتقل بينهم:
"هارون معانا."
لقد تحول من قائد جسدي إلى حافز معنوي، إلى روح ترافق كل دورية، وتشحذ كل عزيمة.
لقد أثبت أسد سيناء أن البطولة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد المعارك التي يخوضها البطل، بل بالقيم التي يزرعها فيمن حوله، وبالقدوة التي يتركها بعد رحيله.
لقد علمهم أن القائد الحقيقي هو من يكون في المقدمة حتى عند تفكيك العبوة، وأن الشجاعة الحقيقية قد تصل إلى حد التضحية لإنقاذ حتى من أخطأ في حقك.
سيناء اليوم أكثر صلابة، لأنها بنيت على دماء مثل محمد هارون. كل شبر تم تطهيره يحمل بصمة من بصماته، أو بصمة أحد رجاله الذين ساروا على دربه.
مقولته الخالدة للرئيس السيسي هي جوهر العقد بين الجيش المصري وشعبه: ثقة بأن الدماء لن تذهب سدى، وإيمان بأن الأرض ستبقى محروسة بأرواح لا تعرف سوى العطاء.
لقد ارتقى هارون جسداً، لكنه صار حارساً روحانياً لتراب سيناء. وصارت قصته، من أول صرخة رعب في صفوف الأعداء، إلى آخر خطوة نحو سيارة مفخخة لإنقاذ رفيقه، منهاجاً يُدرس في مدرسة الشرف والبطولة.
فهنيئاً لك يا سيناء بأسد اشتراكي بدمائه.
 

BASKOTA

ميلفاوي VIP
عضو
ميلفاوي نشيط
ميلفاوي متفاعل
إنضم
25 ديسمبر 2025
المشاركات
1,558
مستوى التفاعل
1,442
نقاط
24,132
العضوية الفضية
العضوية الذهبية
ميلفاوي كاريزما
ميلفاوي أكسلانس
العضو الملكي
النوع
أنثي
الميول
طبيعي
"أسد سيناء" محمد هارون
تمهيد: صرخة الخوف
"اشرد.. اشرد هارون جاي!"
كانت هذه الكلمات، المليئة بالرعب الخالص، هي إنذار الموت الذي يتردد بين صفوف الإرهابيين في شبه جزيرة سيناء. كانت كفيلة بقلب الموازين، وزرع الفوضى في قلوب من ادعوا القسوة والبطش.
لم تكن مجرد تحذير من اقتراب عسكري، بل كانت اعترافاً بقوة أسطورة حية.
أسطورة تجسدت في رجل واحد: المقدم المقاتل محمد هارون.
لقد كان اسمه سلاحاً نفسياً قبل أن يكون قائداً ميدانياً.
كان مجرد همسة "هارون" كفيلة بتشتيت أفكارهم، ودفعهم إلى إعادة حساب خطواتهم.
كانوا يعرفونه جيداً: ذلك القائد الشاب الذي لا يعرف التراجع، الذي يبحث عنهم في أوكارهم، الذي يحارب بقلب أسد وبرأس مفكر تكتيكي.
كانوا يخشون مواجهته وجهاً لوجه، لأنه كان يقاتل بقضية، بينما كانوا يقتلون بفتاوى مزيفة.
هذه ليست قصة رجل عادي، بل هي ملحمة أسد سيناء الذي اشترى ترابها بدمه، كما قال بكل فخر لقيادته.
إنها رحلة بطولة كتبت بدماء زكية على رمال سيناء الملتهبة. نحن هنا لنحكي فصلًا من فصول التضحية، ننسج فيه الحقائق الثابتة ببعض الخيال الأدبي الذي لا يمس جوهر البطولة، بل يبرز عظمتها،
استعدوا إذن لقراءة ملحمة البطل الذي جعل من اسمه هتاف انتصار، ومن شجاعته منهج حياة، ومن استشهاده شمعة تنير طريق الأبطال من بعده.
---
الفصل الأول: النار التي لا تنطفئ
كان الهواء في معسكر "الأسود" بقرية الجورة جنوب الشيخ زويد، ثقيلاً بوشاوس الخطر القادم. كان ذلك اليوم، الأول من يوليو 2015، يحمل في طياته نذيراً شريراً. كان محمد هارون، الذي رُقي حديثاً لمهمات أكثر خطورة، يجلس في غرفة العمليات محدقاً في الخرائط، لكن قلبه كان مع رجاله المنتشرين في النقاط والمكامن المنتشرة حول المدينة. كانت ساعات الصباح الأولى هادئة بشكل مريب، والهدوء في سيناء غالباً ما يكون مقدمة لعاصفة.
وفجأة، انفجرت الساعة.
لم يكن هجوماً عادياً، بل كان مخططاً بشيطنة.
هجوم متزامن على عدة مقار أمنية في الشيخ زويد، مع عزل تام للطرق بينها بحقول ألغام وعبوات ناسفة محكمة النسيج. لقد أراد التنظيم الإرهابي أن يشل الحركة، ويسحق كل نقطة على حدة.
دوى دوي المعركة من كل صوب، وامتلأت الأثير بنداءات الاستغاثة.
في وسط هذه الفوضى، كان كمين "السدرة وأبو رفاعي" الباسل يكتب ملحمته الخاصة.
مجموعة من الرجال صمدوا لساعات أمام موجات بشرية من الإرهابيين، مستهينين بالخطر، مدافعين عن موقعهم بكل ما أوتوا من قوة.
لكن العدد والعتاد بدآ يثقلان، وسقط معظم الأفراد شهداء، وأصيب قائد الكمين بجروح بالغة.
وصلت استغاثتهم الأخيرة كصرخة اخترقت ضجيج المعركة: "الكُمين محاصر.. الخسائر فادحة.. نطلب النجدة".
في تلك اللحظة، لم يتردد هارون ولا لحظة واحدة.
كان منطق الموقف يقول:
الطرق محفورة بالموت، والانتظار حتى يتم تطهيرها هو القرار الآمن.
لكن قلبه، قلب الأسد، صرخ:
"رجالي هناك!"
وأمر سائقه بتشغيل الآلية، وانطلق كالسهم باتجاه موقع الكمين المحاصر، مخترقاً الأوامر بالانتظار، ومتحدياً كل حسابات الاحتمالات.
عبر الطرق الترابية بسرعة مجنونة، عيناه تحدسان أماكن العبوات، وقلبه يرفض فكرة التخلي.
كان الإرهابيون، الذين ظنوا أنهم أحكموا الطوق، في ذهول. من هذا المجنون الذي يقتحم جحيمهم؟ لم يكن متوقعاً وصول أي دعم بهذه السرعة.
وفجأة، اهتزت السيارة بانفجار مدو.
لقد أصيبت بعبوة جانبية.
الدخان، الصدمة، لكن هارون نجا بإرادة **** وإصراره. خرج من الآلية المدخنة، واستمر في التقدم راجلاً مع من بقي من رجاله، مطلقاً نيران سلاحه كزئير أسد جريح.
كان ظهوره المفاجئ كالصاعقة.
صرخات "هارون جاي!"
عادت لتتردد بين الإرهابيين، مما زاد من ارتباكهم.
هجمة مضادة سريعة وقوية، نفذها هو ورجاله، كسرت حصار الكمين وبددت شوكة المهاجمين، الذين بدأوا في الانسحاب غير مصدقين ما حدث.
لم يكتفي هارون بانتصاره السريع، بل تولى بنفسه إجلاء الجرحى والشهداء من أرض المعركة، حاملاً أحدهم على ظهره، دماؤه تختلط بدماء رفاقه.
لكن الانتصار كان مُراً.
لقد رأى بأم عينيه الثمن الباهظ.
وفي غرفة العمليات لاحقاً بينما كان يضمد جراحه البسيطة، كانت عيناه تحدقان في صورة شهداء الكمين.
همس لنفسه:
"لن تضيع دمائكم سدي.
سأطاردهم إلى جحورهم."
كان يعرف أن المعركة الحقيقية ستبدأ الآن. معركة الاستباق والاقتحام. ففي ظهير المدينة، كانت تقبع "عمارة القطري"، وكر معروف لقيادات التنظيم، يشبه قلعة محصنة.
وتقرر أن تكون الضربة القادمة هناك.
وصلت المعلومات الاستخبارية مفصلة: العمارة مليئة بالمسلحين والمتفجرات.
كانت العملية تحتاج إلى دقة جراح، وشجاعة متهورة مدروسة.
وقف هارون أمام رجاله المختارين للعملية، عيناه تتقدان ببرودة الصلب وحماسة الإيمان.
رسم الخطة بدقة:
التسلل ليلاً، التطويق، ثم الضربة السريعة القاضية.
وفي جوف الليل، تحركت الوحدة كظلال صامتة.
كان قلب هارون ينبض بإيقاع هادئ، بينما كان عقله يحسب كل خطوة.
وصلوا إلى العمارة.
كانت لحظة الصفر.
أطلق هارون صافرة الهجوم. انفجر الهدوء بوابل من النيران. كان الإرهابيون مندهشين، محاصرين من حيث لا يتوقعون. دارت رحى معركة ضارية داخلها، غرفة تلو الأخرى. كان هارون في المقدمة، يقود بنفسه، يقتحم مخبأً ليفاجأ بأحد القيادات الكبرى يحاول الفرار من نافذة.
رفع هارون سلاحه، لكن الرجل كان سريعاً.
أطلق النار تجاهه قبل أن يقفز.
أحس هارون بآلم شديد في كتفه ولكنه لم يبال.
دماء دافئة سالت على سترته الواقية.
كان الجرح مؤلماً، لكنه لم يكن قاتلاً.
رأى الرجل يهرب في الظلام. صرخ أحد رجاله:
"القائد أصيب!"
لكن هارون أشار بيده ليستمروا في المهمة.
لقد نجحت العملية بنسبة كبيرة، وتم القضاء على معظم من في العمارة وتدمير مخزن أسلحة كبير.
في المستشفى الميداني، بينما الطبيب يعالج كتفه، كان هارون يفكر في الوجه الذي رآه.
كان يعرفه من التقارير.
إنه "سليم الهرم"، أحد أعمدة الهجوم الدامي في الأول من يوليو.
إبتسم هارون ابتسامة صغيرة، مؤلماً.
لقد أصبح لديه هدف شخصي جديد.
لقد نجا الهرم هذه المرة، لكن الموعد قادم لا محالة. غابت عينا هارون عن التركيز في سقف الغرفة، وكأنه يرى المستقبل.
كانت المعركة الأكبر تنتظره، وعدوه الجريء ينتظر فرصة للثأر.
ومع كل نبضة ألم في كتفه، كان عزمه يشتد كالفولاذ.
---
الفصل الثاني: مطاردة الظلال
لم يكن الجرح في كتف محمد هارون سوى ندبة تضيف إلى سجل تضحياته، ووقوداً يزيد من جمر تصميمه.
أيام النقاهة في المستشفى الميداني لم تكن راحة، بل كانت جلسات تخطيط محمومة.
كانت صورة "سليم الهرم" وهو يفر من نافذة عمارة القطري تطارده أكثر من ألم جسده.
لقد أصبح هذا الرجل شبحاً يلوح في أفق معركته، رمزاً للعدو الجريء الذي يجب اقتلاعه.
بعد أسابيع قليلة، عاد هارون إلى الميدان، وكانت عزيمته كالسيف المسنون.
لقد قرر تحويل الهجوم إلى أسلوب حياة. لم يعد ينتظر هجماتهم، بل صار يطاردهم في عقر دارهم.
وبدأت سلسلة من الضربات الخاطفة التي كسرت ظهر التنظيم في مناطق شاسعة.
كانت تبة أبو فريد، بالقرب من مقابر شيبانة، محطة فارقة. وصلت معلومات عن وكر لستة من العناصر الخطيرة، مختفين كعقارب تحت الصخور.
قام هارون بحصار الموقع بحرفية.
وعندما بدأت المناوشات، أصيب أحد رجاله، جودة، في عينه من شظايا نضارة الرؤية التي تحطمت.
بدلاً من الانسحاب، أمسك جودة العدسة المكسورة، وثبتها بخشونة على بندقيته، محولاً إياها إلى منظار بدائي.
وبتشجيع من هارون الذي أصر على بقائه في المعركة، تحول جودة إلى قناص مفترس.
راح يصطاد سيارات الدعم التي حاولت إنقاذ المحاصرين، ومن بينها سيارة "فيرنا" كانت تقل أربعة إرهابيين.
استمرت "الحفلة"، كما كان هارون يسميها، من الثانية ظهراً حتى بعد المغرب، حتى سقط الوكر بالكامل.
لكن ظل سليم الهرم يلوح في الأفق.
كانت المخابرات تتنصت على اتصالات الإرهابيين، وكان اسم هارون يتردد كشبح يخيفهم.
وفي إحدى تلك الرسائل المُقاطعة، جاءت الجائزة:
معلومات عن تحرك الهرم نحو منطقة الكيلو 21، قرب "فنطاس الماية" في الظهير.
كان الرجل يستعد لتنفيذ عملية انتقامية كبرى.
تحركت قوة هارون بسرعة البرق.
كان المكان عبارة عن مبنى متهالك بجوار خزان مياه.
خطط هارون لدخول صامت هذه المرة، مفضلاً الأسر على المواجهة المباشرة إذا أمكن، للحصول على معلومات.
تحت جنح الظلام، تسللوا كالأشباح.
كان هارون في المقدمة، يفتح الباب الخلفي بمهارة.
شم رائحة البارود والخوف.
وفجأة، انفجر الوضع.
كان أحد الحراس يقظاً.
أطلق رصاصة في الهواء.
تحول الصمت إلى فوضى في لحظة.
دارت معركة داخل المبنى الضيق.
كان هارون يبحث بعينيه عن الهدف الرئيسي.
ثم رآه: سليم الهرم يحتمي خلف عمود في الغرفة الخلفية، يحاول تحميل وثائق في حقيبة.
صاح هارون بصرامه:
"قف يا هرم"
التفت الرجل، وفي عينيه لمعة من الذعر ثم التحدي.
رفع سلاحه بسرعه.
لكن هارون كان الأسرع تلك المره.
رصاصة واحدة دقيقة أصابت يد الهرم، فألقى سلاحه متألما. قفز هارون إليه وهوي علي وجهه بلكمه كالقنبلة وثبته أرضاً. كانت لحظة الانتصار حلوة ومرة.
أخيراً، أمسك بثأر كتفه وأرواح رفاقه.
بينما كان رجاله يربطون الأسير، نظر هارون إلى الأوراق المتناثرة.
كانت خرائط وخطط لهجمات على مدنيين أبرياء في مناطق مكتظة.
وعمل عقله بأقصي سرعه.
هذا الأسير كان كنزاً من المعلومات.
سيساعد في إنقاذ مئات الأرواح.
في الطريق إلى المعسكر، كان هارون صامتاً.
نظرة الهرم إليه وهي مليئة بالحقد جعلته يفكر:
"هذا الحقد لن ينتهي بسقوط قائد.
الحرب أعمق."
وأدرك أنهم يواجهون فكراً فاسد مسمماً، وليس مجرد أفراد.
الأيام التالية شهدت عمليات استباقية مكثفة بناءً على معلومات الهرم:
مداهمة وكر في نجع الملاحي به أجهزة اتصال متطورة، و اقتحام مخزن عبوات ناسفة في عمارة المنيعي بالتومة حيث عثروا على ما لا يقل عن ثلاثين عبوة جاهزة.
كان كل نجاح يزيد من مكانة هارون الأسطورية، ويجعل اسمه لعنة على ألسنة أعدائه.
وفي إحدى الليالي، بينما كان هارون يفحص العبوات المفككة التي جمعوها (والتي فاق عددها الخمسين عبوة)، تلقى اتصالاً هاماً من القيادة.
كانت هناك معلومات خطيرة للغاية: اكتشف التنظيم طريقة لتصنيع عبوات ناسفة جديدة شديدة التعقيد والتدمير، باستخدام مواد كيميائية محلية الصنع يصعب كشفها.
وكان المصنع السري لهذه العبوات يعمل في مكان ما بالقرب من طريق أثل الرطيل، في مزرعة مهجورة.
كانت المهمة واضحة وخطيرة:
العثور على هذا المصنع وتدميره قبل أن تنتشر هذه الأسلحة الجهنمية.
كانت هذه العبوات تشكل تهديداً وجودياً لقواته وللمدنيين. شعر هارون بثقل المسؤولية.
هذه المهمة مختلفة.
إنها مطاردة لشبح غير مرئي، لخطر كيميائي قد يفتك بالجميع.
بدأت الاستعدادات.
الدراسات الجوية، صور الأقمار الصناعية، تقارير العيون البشرية. وتكشفت الصورة شيئاً فشيئاً.
المصنع ليس في مبنى، بل في شبكة أنفاق تحت الأرض حفرت باحترافية تحت إحدى المزارع.
الدخول سيكون انتحارياً.
الخطة تتطلب مفاجأة مطلقة، وتدميراً من الداخل.
وفي فجر اليوم المحدد، تحركت المجموعة الخاصة. كان الجو بارداً. وصلوا إلى موقع المزرعة.
كان كل شيء هادئاً بشكل مخيف.
باستخدام معدات الكشف، حددوا مدخل النفق المخفي تحت كومة من القش.
نظرة هارون كانت جادة.
كان يعرف أنهم قد يدخلون ولا يخرجون.
همس لرجاله: "تذكروا، نحن هنا لنمنع موت المئات من الأبرياء.
**** معنا."
انحدروا إلى الظلام.
النفق كان ضيقاً، مظلماً، تنبعث منه رائحة كيميائية لاذعة. كانوا يتقدمون ببطء، حساسون لكل حركة.
وصلوا إلى غرفة واسعة تحت الأرض.
وكان المشهد مرعباً:
طاولات مليئة بالمواد الكيميائية، أسطوانات غاز، وعشرات العبوات الجاهزة وشبه الجاهزة. كان هناك حارسان فقط، تم التخلص منهما بصمت.
كان الهدف وضع المتفجرات الموقوتة في مكان يستهدف المواد الكيميائية لتدميرها دون انفجار كبير يسبب كارثة فوق الأرض.
بينما كان هارون يشرف على وضع الشحنات، سمع همسة من أحد رجاله عند مدخل النفق:
"حركة! سيارة قادمة بسرعة!"
قلب هارون يتسارع.
ربما كان دورية غير متوقعة للإرهابيين.
كان عليهم الإسراع. أنهى وضع الشحنة الأخيرة وضبط المؤقت على دقائق قليلة.
وأمر بنبرة حادة:
"أخرجوا! الآن!"
بدأ الفريق في الخروج من النفق بسرعة.
كان هارون آخرهم، يتأكد من عدم ترك أحد.
وعندما كان على بعد خطوات من المدخل، سمع صوت إطارات السيارة تتوقف فوقهم مباشرة، وأصوات خطى متسرعة. لقد وصلوا مبكراً جداً.
اختبأ هارون ورجاله خلف الصخور والمعدات داخل النفق. كانت هناك محادثة فوقهم باللهجة المحلية.
يبدو أنهم اكتشفوا شيئاً مريباً. ثم، فجأة، سمعوا صوتاً مذعوراً باللهجة الدارجة:
"النفق! ده فتح!"
تبع ذلك رشقات نارية متوترة نحو مدخل النفق.
الرصاص يصطدم بالجدران.
الوقت كان ينفد.
المؤقت كان يستمر في العد التنازلي.
إذا دخل الإرهابيون النفق، فقد يكتشفون الشحنة ويفكونها. إذا ظل هارون ورجاله محاصرين، فسوف يموتون مع تدمير المصنع.
نظر هارون إلى رجاله، ثم إلى المؤقت.
بقي أقل من دقيقتين. كانت لديه خطة مجنونة واحدة فقط. همس لهم:
"عندما أخرج، انسحبوا في الاتجاه المعاكس نحو فتحة الطوارئ التي اكتشفناها.
دعوهم يتبعوني."
قبل أن يعترضوا، انطلق هارون كالبرق من مدخل النفق، مطلقاً رصاصات كثيفة في اتجاه الأصوات فوقه، ليس لقتلهم بل لاستفزازهم وجذب انتباههم بالكامل.
صرح أحدهم بذعر:
"هارون! إنه هارون!"
كما توقع، انطلق كل الإرهابيين لمطاردته، تاركين المدخل. استغل رجاله الفرصة وانسحبوا داخل النفق نحو المخرج الخلفي. بينما كان هارون يجري عبر حقول المزرعة، جاذباً المطاردين بعيداً عن النفق، كان قلبه يخفق مع العد التنازلي الذي في رأسه: ثلاثة... اثنان...
وانفجر العالم خلفه.
لم يكن انفجاراً عادياً، بل كان دويّاً مكتوماً، غريباً، تبعه صوت انهيار أرضي ولهب برتقالي مزرق يندلع من باطن الأرض، ثم عمود من الدخان الأسود الكثيف.
لقد دمر المصنع.
توقف المطاردون من الرعب مما رأوه، مما أعطى هارون فرصة ليختفي في التلال.
وعاد سالماً إلى نقطة الالتقاء، حيث كان رجاله في انتظاره، وجوههم شاحبة من الخوف الذي عاشوه.
لكن الانتصار الكبير هذا جاء بثمن.
في اليوم التالي، أثناء دراسة آثار الانفجار، عثروا على جثة أحد الإرهابيين القريبة. وفي جيبه، هاتف محمول.
وعند فك تشفيره، ظهرت رسائل أحدث.
إحداها كانت صادمة:
"الهدف تغير.
لم تعد النقاط العسكرية وحدها.
هارون نفسه أصبح الهدف الأول.
مكافأة ضخمة لمن يقتله.
إستعدوا لخطة 'الثأر الأسود'. سيكون القريبون منه هم مفتاحنا."
نظر هارون إلى الرسالة، ثم نظر حوله إلى وجوه رجاله المخلصين، الذين كانوا يضحون بأرواحهم معه كل يوم. شعور غريب بالتوجس اخترقه.
الخطر لم يعد يأتي من العدو في الخارج فقط. لقد أعلنوا الحرب عليه شخصياً، وربما يبحثون عن ثغرة داخل دائرة ثقته.
من يمكنه الوثوق به؟ وكيف سيواجه عدواً قرر أن يستهدف روحه قبل جسده؟
---
الفصل الثالث: حرب الهاوية
كانت رسالة التهديد التي عُثر عليها في جيب الإرهابي القتيل، كالسم الذي يسري ببطء.
عبارة "الثأر الأسود" كانت تتردد في رأس محمد هارون كجرس إنذار.
لقد انتقلت المعركة من مواجهة في الساحة المفتوحة، إلى حرب أخرى. حرب يستهدفون فيها شخصه، ربما من خلال استغلال قرب أحد ممن حوله.
نظرة الشك، للأسف، أصبحت شراً لا بد منه.
أصدر هارون تعليمات صارمة بتغيير جميع إجراءات الاتصال والتواجد، ومراجعة خلفيات بعض العناصر الجديدة التي انضمت مؤخراً.
كن قلبه كان يرفض أن يشك في رجاله القدامى، أولئك الذين شاركوه النار والخطر.
قرر أن يحول هذا التهديد إلى طاقة لهجوم أوسع.
"إذا كنتُ هدفاً، فسأكون هدفاً يتحرك نحوهم، لا ينتظرهم."
وبالفعل، تحولت الأسابيع التالية إلى حملة مطاردة لا هوادة فيها. كانت الضربات تأتي من حيث لا يتوقعون.
مداهمة تجمع الجهامات عند الكيلو 17 حيث كانوا يختبئون في بيوت مهجورة، وتم تطهيرها في غارة سريعة كلمح البرق.
ثم هجوم مباغت على نقطة تهديد للمواطنين عند مدخل العرجا، حيث كان الإرهابيون يرهبون الأهالي عند عنبر دواجن الشيخ خلف ****.
في كل مرة، كان اسم هارون يسبق وصوله، فيفقد العدو توازنه قبل أن يبدأ القتال.
لكن هارون كان يعرف أن هذه الضربات، رغم نجاحها، هي معارك تكتيكية. قلب المرض الحقيقي كان أعمق.
لقد بدأ يشعر أن هناك عقلاً تخطيطياً يعيد تنظيم صفوفهم بعد كل ضربة، عقلاً أكثر دهاءً ممن واجههم من قبل.
وكان يشتبه في أن خطة "الثأر الأسود" قد تكون من بنات أفكار هذا العقل.
وفي ليلة من ليالي نوفمبر الباردة، تحديداً في الحادي عشر من نوفمبر 2015، كان هارون يجلس في مركز قيادته المتواضع في "ميدان الأسود" بقرية الجورة.
كان الجو مشحوناً بتقارير عن نشاط مريب في الطرق المؤدية إلى معسكر الأمم المتحدة (UN) القريب.
كانت هناك مخابئ عن عبوات ناسفة تُزرع ليلاً بطريقة محترفة، وكأنها تُهيأ لضربة كبيرة غداً.
نظر هارون إلى ساعته.
كان الوقت متأخراً.
لكنه شعر بأن غداً، الثاني عشر من نوفمبر، قد يحمل شيئاً مختلفاً.
ربما كان حدسه الذي اكتسبه من سنوات في الجحيم.
أمر بتكثيف الدوريات الاستطلاعية طوال الليل، وأوصى الجميع باليقظة التامة.
وفي الصباح الباكر، مع أول خيوط الفجر، جاءت البلاغة الحاسمة: تم رصد عبوة ناسفة معقدة، كبيرة الحجم، مزروعة على الطريق الأسفلتي الرئيسي المؤدي مباشرة إلى معسكر UN. كانت العبوة من النوع الجديد الذي سمعوا عنه، معقدة التركيب، ومزودة بأجهزة استشعار ضد العبث.
وكانت في موقع يحول دون تفجيرها عن بُعد دون أضرار جانبية فادحة.
لم يتردد هارون.
كان تفكيك هذه العبوة بنفسه رسالة.
رسالة بأنه لا يخاف تهديداتهم، وأنه سيحمي طرق قواته ومؤسسات الدولة حتى لو كان الثمن هو حياته.
إرتدى سترته الواقية الثقيلة، وجمع فريق التفكيك المحدود المكون من خيرة المتخصصين، من بينهم الرقيب مصطفى، الذي كان يعمل معه منذ سنوات.
قال له مصطفى وهو يستعد للخروج:
"دايماً بتكون في المقدمة يا عقيد.
خلينا إحنا نروح."
رد هارون بابتسامة هادئة:
"أنا اللي قعدت أدرس صورتها الفجر ده. وانا المسؤول.
ماتخافش، إحنا مع بعض."
كانت الشمس قد أشرقت على سيناء عندما وصلوا إلى موقع العبوة. كانت حقاً قطعة شيطانية، مثبتة بإحكام داخل حفرة على حافرة الطريق.
أمر هارون بإخلاء المنطقة المحيطة تماماً، وطلب من مصطفى أن يكون على بعد أمتار منه فقط، ليساعده إذا احتاج، ويبتعد هو الآخر إذا ساءت الأمور.
انحنى هارون على ركبتيه أمام فم الهاوية. العالم من حوله صامت. لم يعد يسمع إلا دقات قلبه ونفسه المنتظم.
كانت يداه تتحركان بثبات مطلق، ببرودة أعصاب جليدية. فك الغطاء الخارجي بلطف، متجنباً الأسلاك المزيفة.
كانت العبوة تحتوي على دائرة مزدوجة للخداع.
توقف للحظة، عقله يحلل المسار الصحيح.
وفي تلك اللحظة بالذات، شعر بحركة خلفه.
التفت قليلاً لينظر.
كان مصطفى يقترب منه، ووجهه شاحب. قال مصطفى بصوت غريب، مرتجف: "سيادة العقيد... فيه حاجة... تحت الجزء اللي فككته..."
لكن عيني مصطفى لم تكونا تنظران إلى العبوة، بل كانتا تحدقان في هارون بتركيز غريب، وفي يده، التي كانت داخل سترته، بدا وكأنها تمسك بشيء صغير.
زمن الثواني تحول إلى دهس.
كل شيء بدا واضحاً بشكل مرعب في عقل هارون. الاستهداف الشخصي... "القريبون منه هم مفتاحنا"... الموقف الذي لا يمكن لأحد فيه أن يشكك في تحرك مساعده المقرب... لقد كانت الخدعة الأكثر قسوة.
لم يصرخ هارون.
لم يبدُ عليه الذعر.
في هدوء مهيب، قال لمصطفى بصوت واضح وثابت، يخترق رعب الموقف:
"إيه اللي في إيدك يا مصطفى؟ خليك مكانك."
ارتجف مصطفى.
الدمع بدأ يملأ عينيه، ليس دمع خيانة، بل دمع رجل مكسور. "أنت متعرفش... اخذوا ولدي... قالوا هيموتوا... قالوا لازم أفضح مكانك ووقتك مع العبوة عشان ينفروها عن بعد... أنا مش عايز أضرك يا عقيد! أنا حلفت إني أموت بدالك!"
كانت الخيانة أعمق وأكثر إيلاماً من أي رصاصة.
لقد ضربوه في أعمق نقطة في روحه: ولاء رجاله.
لكن حتى في هذه اللحظة، كان قلب هارون ينزف على مصطفى المرهق أكثر من غضبه عليه.
رفع هارون يده ببطء، ليس للهجوم، ولكن بإشارة تهدئة. "ضيعت ولدك عشان تنقذني؟ ماكنتش تعمل كده.
كنا ننقذه مع بعض.
روحي واقف هناك.
دلوقتي، إحنا الاتنين في النار، وبلادنا محتاجة العبوة دي متتفككش."
عاد بنظره إلى العبوة، يداه ترتجفان الآن، ليس من الخوف، بل من العاصفة التي تدور في داخله.
كان يعرف أن مصطفى ربما أرسل إشارة بالفعل.
قد تنفجر العبوة في أي لحظة.
كان عليه أن يفككها في ثوانٍ، أو يبعدها عن الطريق بسرعة.
قرر المخاطرة بحركة سريعة.
أمسك بالدائرة الداخلية الرئيسية، وكان عليه أن يقطع السلك الصحيح من بين ثلاثة متطابقة.
لم يكن هناك وقت للاختبار.
قال في سره:
"**** يختار."
وقطعه.
لم يحدث شيء.
الصمت.
ثم إنطلقت أنفاسه المحبوسة.
لقد نجح.
بسرعة خارقة، قام بنزع الجزء النشط من العبوة ورفعه بعيداً عن الطريق. التفت إلى مصطفى، الذي كان قد انهار على ركبتيه يبكي.
وفي تلك اللحظة بالضبط، سمعوا صوت محرك سيارة مسرع يقترب من بعيد على الطريق الترابي الموازي. لم تكن سيارة قواتهم.
كانت سيارة مفخخة تقود بسرعة جنونية نحو موقعهم، وكأنها تُوجه عن بعد بعد أن فشلت الخطة الأولى. لقد أرسلوها كضربة بديلة، مستغلين معرفتهم بوجوده في الموقع.
صاح هارون بأعلى صوته:
"مصطفى! انهض! اركض نحو الخندق هناك!"
وركض هو في الاتجاه المعاكس، مبتعداً عن العبوة المفككة وعن مصطفى، ملوحاً بذراعيه لجذب انتباه السيارة المفخخة إليه، بعيداً عن رجله المنكسر.
كانت اللحظة مجمدة في الزمن. سيارة الموت تندفع نحوه، وهو لا يركض هرباً، بل في مسار موازٍ يحمي به الآخرين.
نظر إلى السيارة، واستطاع أن يرى لحظة خاطفة لسائقها، عيناه مليئتان بالحقد الأسود.
ثم، قبل أن تصله السيارة بأمتار، ارتقى.
ارتفعت سحابة من اللهب والحديد والدخان عالياً في سماء سيناء الصافية، ولفّت جسد البطل في قبضتها النارية.
لم يكن الانفجار صادراً عن العبوة التي فككها، بل عن جحيم متحرك أرسلوه خصيصاً له.
سقط أسد سيناء، مخضباً بدمائه، على التراب الذي أقسم على حمايته.
كان يوم الثاني عشر من نوفمبر 2015 هو اليوم الذي ودع فيه الأرض ليصعد إلى السماء.
أما مصطفى، الذي شهد اللحظة من مكان اختبائه، فقد خرج منهزماً تحت وطأة المشهد.
لقد ضحى البطل بحياته لإنقاذ خائن.
كانت هذه هي عظمة محمد هارون الأخيرة.
انتشر النبأ كالنار في الهشيم.
"هارون استشهد." لكن صرخته الخالدة لم تمت: "اشرد.. اشرد هارون جاي!"
فقد تحولت من تحذير يجلجل في ميدان المعركة، إلى هتاف يملأ قلوب رجاله وكل من سمع بقصته.
لقد مات الرجل، لكن الأسطورة صارت أقوى.
صارت روحاً تحرس سيناء، وقصة تروي للأجيال كيف يموت الأبطال: واقفين، مقدمين، منتصرين حتى في لحظة الوداع.
---
خاتمة: الدم الذي يشتري الأرض
سقط الجسد، لكن الأسطورة ولدت من جديد. في اليوم التالي لاستشهاد العقيد محمد هارون، اجتمع رجاله في "ميدان الأسود"، وكان الصمت أثقل من دوي الانفجار.
لم تكن الدموع فقط دليل الحزن، بل كانت ناراً جديدة تتقد في الأعين.
لقد فهموا الدرس الأخير من قائدهم:
أن الشهادة ليست نهاية، بل هي نقل للراية.
انتشر خبر استشهاده كالصدمة في كل مصر.
لكن من بين كل الكلمات التي قيلت، عادت إلى الأذهان عبارة واحدة كان قد قالها بكل شجاعة وصراحة في لقاء مع القائد الأعلى للقوات المسلحة، الرئيس عبد الفتاح السيسي.
لقد وقف هارون وهو يروي بطولات رجاله وتحديات المعركة، ثم قال بلهجة المحارب الصادق الذي يرى الحقيقة بعينيه:
"سيناء اتباعت واحنا بنشتريها بدمنا يا فندم."
لقد كانت أكثر من مجرد كلمات.
كانت فلسفة كاملة، ووصية، وتفسيراً لكل ما حدث.
كانت تلخيصاً لمعنى أن تكون جندياً في هذه الأرض. سيناء، التي حاول البعض النيل من أمنها، كانت تُسترد بثمن بخس في نظر العالم، لكن هارون ورجاله كانوا يدفعون الثمن الحقيقي:
الدماء الزكية، والليالي الطويلة، والفراق، وحتى الحياة نفسها. كل شهيد كان عملة في صفقة الشراء هذه، وكل جرح كان دفعة على ثمن الحرية.
هذه المقولة لم تمت معه.
لقد تحولت إلى شعار غير مكتوب على قلوب كل من حمل السلاح في سيناء من بعده.
لقد أدركوا أنهم ليسوا في حرب دفاع فحسب، بل في عملية استرداد شراء، بقيمة لا يعرفها إلا من يدفعها.
أما صرخة "اشرد.. اشرد هارون جاي!"
فلم تتوقف.
لقد تغيرت دلالتها فقط.
لم تعد تخيف الإرهابيين وحدهم (وهم ما زالوا يخشون اسمه حتى بعد رحيله)، بل أصبحت هتاف تحريض في قلوب رجاله.
كلما خرجت قوة إلى الميدان، كان الهمس ينتقل بينهم:
"هارون معانا."
لقد تحول من قائد جسدي إلى حافز معنوي، إلى روح ترافق كل دورية، وتشحذ كل عزيمة.
لقد أثبت أسد سيناء أن البطولة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد المعارك التي يخوضها البطل، بل بالقيم التي يزرعها فيمن حوله، وبالقدوة التي يتركها بعد رحيله.
لقد علمهم أن القائد الحقيقي هو من يكون في المقدمة حتى عند تفكيك العبوة، وأن الشجاعة الحقيقية قد تصل إلى حد التضحية لإنقاذ حتى من أخطأ في حقك.
سيناء اليوم أكثر صلابة، لأنها بنيت على دماء مثل محمد هارون. كل شبر تم تطهيره يحمل بصمة من بصماته، أو بصمة أحد رجاله الذين ساروا على دربه.
مقولته الخالدة للرئيس السيسي هي جوهر العقد بين الجيش المصري وشعبه: ثقة بأن الدماء لن تذهب سدى، وإيمان بأن الأرض ستبقى محروسة بأرواح لا تعرف سوى العطاء.
لقد ارتقى هارون جسداً، لكنه صار حارساً روحانياً لتراب سيناء. وصارت قصته، من أول صرخة رعب في صفوف الأعداء، إلى آخر خطوة نحو سيارة مفخخة لإنقاذ رفيقه، منهاجاً يُدرس في مدرسة الشرف والبطولة.
فهنيئاً لك يا سيناء بأسد اشتراكي بدمائه.
جميله اوي ومؤثره جدا جدا
تسلم ايديك ♡♡
 

koko1972

مساعد مسؤولة الأقسام العامة والفضفضة
إدارة ميلفات
مساعد إداري
حكمدار صور
كاتب حصري
برنس الصور
إمبراطور شتاء ميلفات
ملك المزاج العالي
ميلفاوي VIP
نجم الفضفضة
مستر ميلفاوي
محقق
ميلفاوي واكل الجو
عضو
ناشر قصص
ناشر صور
صقر العام
ميلفاوي حريف سكس
ميلفاوي كوميدي
إستشاري مميز
ميلفاوي نشيط
ناشر محتوي
نجم ميلفات
ملك الصور
ميتادور النشر
ميلفاوي كابيتانو ⚽
ناشر عدد
قارئ مجلة
ميلفاوي علي قديمو
ميلفاوي متفاعل
ميلفاوي دمه خفيف
كاتب مميز
ميلفاوي فنان
الذئب الأسود
إنضم
30 سبتمبر 2025
المشاركات
8,142
مستوى التفاعل
4,218
نقاط
85,178
النوع
ذكر
الميول
عدم الإفصاح

المستخدمون الذين يشاهدون هذا الموضوع

من قرأ هذا الموضوع خلال 30 يوم ؟ (Total readers: 0)
No registered users viewing this thread.
أعلى أسفل