الجزء الأول
بصيت في المراية الطويلة اللي واخدة نص الحيطة في أوضتي.. أوضة النوم اللي مساحتها قد شقة كاملة لأسرة متوسطة كنت بظبط رابطة العنق الحرير لونها كحلي غامق نفس اللون اللي الباشا بيحبه إيدي كانت ثابتة مفيش رعشة، مفيش توتر، بس كمان مفيش حياة زي المكنة بالظبط كل حركة مدروسة ومحفوظة عن ظهر قلب
اسمي آدم.. آدم سليم الجارحي الاسم اللي بيفتح أبواب مقفولة بالضبة والمفتاح في البلد دي، والاسم اللي خنقني أنا شخصياً لحد ما بقيت مجرد خيال ليه النهارده عندي ٣٢ سنة بس بحس إن عمري الحقيقي انتهى وأنا عندي سبع سنين اللحظة اللي أدركت فيها إن آدم ده مش ملك نفسه ده ملك لشركة مجموعة الجارحي ملك لبرستيج العيلة وواجهة لازم تفضل تلمع مهما كان اللي وراها مصدي ومكسور
وأنا واقف قدام المرايا شفت صورتي وأنا طـ ـفل متعلقة في برواز مدهب ضخم في نص الاوضة كنت لابس بدلة سموكن صغيرة، واقف وقفة عسكرية وفي إيدي شهادة تقدير الصورة دي بتلخص حياتي كلها طـ ـفل مصنوع للعرض
رجعت بذاكرتي لورا.. لأول مرة حسيت فيها بالقيد كنت فاكر اليوم ده كويس كأنه إمبارح كان عندي سبع سنين وكنا في حفلة استقبال كبيرة بابا عاملها لشركاء أجانب، الجنينة كانت مليانة ناس ومزيكا كلاسيك هادية شغالة في الخلفية كل الأطفال اللي في سني – ولاد رجال الأعمال التانيين – كانوا بيلعبوا بعيد شوية بيجروا وبيضحكوا
أنا كنت واقف جنب بابا ماسك في طرف جاكيته كنت هموت وأروح ألعب معاهم كل عضلة في جسمي كانت بتصرخ اجري.. اضحك.. اتبهدل شديت الجاكيت بتاعه براحة وبصيت له بعيون بتترجى بابا.. ممكن أروح ألعب مع يوسف
بابا نزل لمستوايا بس مش بحنية.. نزل عشان يوشوشني بحدة صوته اللي بتخلي الدم يتجمد في عروقي عينيه كانت حادة زي الصقر، ملامحه جامدة مفيش فيها ذرة تعاطف مسك دراعي جامد ضوافره غرزت في لحمي من فوق قماش البدلة وقال لي بصوت واطي فحيح زي التعبان "آدم.. إنت مش زي يوسف ومش زي أي عيل هايف بيجري هناك إنت آدم الجارحي إحنا مابنجريش إحنا مابنضحكش بصوت عالي وإحنا مابنوسخش هدومنا اقف مفرود، ابتسم للضيوف، ومسمعش صوتك
يومها وأنا عندي سبع سنين تعلمت الدرس الأول مشاعرك ورغباتك ملهاش مكان هنا.. المهم هو الشكل العام وقفت طول الحفلة رجلي نملت ودموعي كانت محبوسة ورا ابتسامة بلاستيك بشوف العيال وهما بيضحكوا وبحس إني بتفرج عليهم من ورا لوح إزاز عازل للصوت والحياة
كبرت وكبر معايا القيد المدرسة مكنتش مكان للتعليم بس دي كانت ساحة حرب عشان أثبت إني الأول بابا مكنش بيقبل بالمركز التاني المركز التاني معناه فشل معناه عار فاكر لما جبت في امتحان الساينس ٩٨ من ١٠٠ في رابعة ابتدائي رجعت البيت طاير من الفرحة جريت عليه في المكتب وهو بيشرب قهوته وبيراجع ورق الشغل
بابا.. أنا جبت ٩٨ أعلى درجة في الفصل
حط الورق من إيده ببطء ونزل نضارته على طرف مناخيره وبص لي نظرة خيبت أملي وكسرت فرحتي نصين ومين اللي جاب الدرجتين اللي ناقصين يا آدم ليه المدرس ينقصك إنت ناقصك حاجة بتشرب وتأكل وتلبس أحسن من المدرس نفسه.. يبقى إزاي تنقص الـ ٩٨ دي خيبـة.. المرة الجاية لو الورقة مش مقفلة، متجبهاش وتيجي توريهالي
من وقتها بطلت أفرح بأي إنجاز النجاح بقى بالنسبالي مش طموح بقى وسيلة عشان أتفادى العقاب أو عشان أتفادى نظرة الاحتقار اللي بشوفها في عينيه، ماما.. أه يا ماما.. كانت قصة تانية خالص ماما كانت الضحية والجلاد في نفس الوقت كانت بتخاف من بابا لدرجة الرعب وعشان تحمي نفسها كانت بتشارك في تحويلنا لمسخ يرضيه .
كانت بتدخل أوضتي كل يوم الصبح تتأكد إن لبسي مكوي شعري مظبوط ضوافري مقصوصة مكنتش بتسألني نمت كويس.. أو حلمت بإيه كانت بتسأل حفظت كلمات الفرنساوي المدرس جاي الساعة أربعة .. وإوعى تكسفنا قدامه كانت شايفة إن وظيفتها كأم هي إنتاج الوريث المثالي مش تربية *** سوي .
مرحلة المراهقة.. دي بقى كانت الكابوس الحقيقي في الوقت اللي صحابي بدأوا يكتشفوا الدنيا،يسهروا، يحبوا، ويجربوا حاجات مجنونة، كنت أنا بخلص المدرسة عشان أروح دروس البيانو اللي بكره وبعدها دروس في الاقتصاد والإدارة عشان أجهز نفسي لاستلام الراية
بس في وسط الضلمة دي كان فيه نقطة نور يتيمة "هنا" هنا كانت بنت بسيطة معايا في النادي مش من مستوانا أوي زي ما ماما بتقول أبوها كان دكتور محترم بس مش مليونير اتعرفت عليها بالصدفة لما كنت هربان من تمرين التنس وقعدت في المكتبة اقرأ كانت الوحيدة اللي كلمتني كـ آدم مش كـ ابن الجارحي كانت بتضحك من قلبها ضحكة بترن في وداني لحد دلوقتي
حبيتها.. أيوة حبيت لأول مرة أحس إن قلبي بيدق مش عشان يضخ ددمم بس عشان فيه حياة كنا بنتقابل في السر مكالمات بليل وأنا تحت اللحاف رسايل ورق بتدسها في كتبي "هنا" خلتني أحلم خلتني أفكر إني ممكن أكون مهندس معماري.. بحب الرسم بحب أبني حاجات مش أدير فلوس وأرقام باردة في البورصة
وفي يوم قررت أواجه كان عندي ١٨ سنة وكنت خلاص داخل الجامعة جمعت كل شجاعتي اللي استلفتها من حب "هنا" ووقفت قدام بابا في مكتبه وهو بيشرب السيجار بتاعه
أنا : بابا.. أنا مش عايز أدخل بيزنس أنا قدمت في فنون جميلة قسم عمارة واتقبلت
الهدوء اللي حصل بعد الجملة دي كان أتقل من أي صريخ بابا سحب نفس طويل من السيجار وطلع الدخان ببطء ناحية السقف وبعدين لف بالكرسي وبص ليا المرة دي مكنش فيه غضب.. كان فيه سخرية
بابا : فنون جميلة، هه.. عايز تبقى مقاول يا آدم، ولا رسام بتبيع لوحاتك على الرصيف
أنا : أنا بحب العمارة يا بابا.. دي حياتي
قام وقف ومشي ناحيتي وقف قدامي وحط إيده على كتفي كأنه بيطمن عليا بس ضغطته كانت بتوجع
بابا : اسمع يا ولد حياتك دي ملكي أنا.. أنا اللي صنعتها وأنا اللي بقرر تمشي إزاي كلمة بحب دي تقولها لما تشتري عربية ولا ساعة.. لكن مستقبلك ده استثمار العيلة إنت هتدخل الجامعة الأمريكية بيزنس وإدارة أعمال وهتتخرج بامتياز وهتمسك فرع الشركة في دبي زي ما خططت الكلام ده نهائي
أنا : بس... أنا* قاطعني بصوت زي الرعد
بابا : ولا كلمة ولو فاكر إن البنت الجربوعة اللي بتمشي معاها في النادي دي هتنفعك تبقى غلطان أنا سايبك بمزاجي بس عشان تعيش سنك شوية لكن لو الموضوع زاد عن حده أنا همحيها هي وأهلها من على وش الدنيا.. فاهم
حسيت إن سقف الأوضة وقع عليا هو عارف طول الوقت ده عارف وسايبني التهديد مكنش ليا كان ليها هي، في اللحظة دي عرفت حجمي الحقيقي أنا مش بس عبد مأمور أنا كمان خطر على أي حد أحبه
تاني يوم رحت لـ "هنا" مكنتش قادر أبص في عينها قلتلها كلام قاسي كلام مش بتاعي كلام كسر قلبها وكسرني أنا كمان ميت حتة قلتلها إننا مش لبعض وإن مستوايا ميسمحش وإني كنت بتسلى شفت الدموع في عينها وهي بتجري من قدامي وحسيت إني قتلت آدم القديم ودفنته في اليوم ده
ومن يومها لبست القناع قناع آدم الجارحي البارد، العملي، القاسي دخلت بيزنس، وتفوقت زي ما هو عايز، وبقيت النسخة الشابة منه بقيت أمشي في الشركة الموظفين يترعبوا مني بقيت أحضر اجتماعات مجلس الإدارة وأنا ببتسم ابتسامة صفرة وبمضي عقود بملايين وأنا مش حاسس بأي طعم للنجاح
فوقت من ذكرياتي على صوت خبط خفيف على باب الأوضة "آدم بيه.. الفطار جاهز، والباشا مستني حضرتك تحت عشان اجتماع الوفد الياباني ده كان صوت... عم حسين السفرجي العجوز اللي شافنا وإحنا بنكبر وشاف القهر في عيوننا ومقدرش يعمل حاجة
أنا : حاضر... نازل يا عم حسين
أخدت نفس عميق بصيت للمراية نظرة أخيرة اللي واقف قدامي ده راجل وسيم، غني، نفوذه يهد جبال.. بس من جواه، هو *** خايف، مرمي في ركن ضلمة بيعيط على لعبته المكسورة وعلى حبيبته اللي ضاعت وعلى عمره اللي بيتسرق منه يوم ورا يوم
نزلت السلالم ودخلت غرفة السفرة ترابيزة طويلة عريضة تكفي ٣٠ شخص، بس مفيش عليها غيرنا بابا قاعد في المركز بيقرا الجورنال وماسك فنجان القهوة ماما قاعدة على يمينه بتاكل توست ناشف عشان تحافظ على رشاقتها وهي بتبص في الفراغ، بدر أخويا اللي أصغر مني.. قاعد بيلعب في الطبق بالشوكة عيونه دبلانة وتحت جفونه سواد بيحكي عن ليالي سهر في الرسم اللي بيخبيه، ليلى.. أختي وحبيبتي، قاعدة زي التمثال لابسة فستان شيك أوي.. بس وشها شاحب كأنها عيانة وممنوع عليها حتى تختار هي عايزة تاكل إي وزين.. آخر العنقود الكرسي بتاعه فاضي أكيد لسه نايم أو بيعمل مصيبة جديدة عشان يلفت الانتباه
أنا : صباح الخير يا بابا.. صباح الخير يا ماما* بابا نزل الجورنال وبص في ساعته
بابا : اتأخرت دقيقتين يا آدم الوفد الياباني مبيحبش التأخير الدقة هي أساس النجاح
أنا : آسف يا بابا.. كنت براجع ملف الصفقة كذبت ببراعة اتعلمتها مع السنين
بابا : هز راسه برضا مصطنع... اقعد افطر بسرعة، بدر سيب الطبق وبطل لعب العيال ده عندك مراجعة حسابات مع مدير المالي النهاردة، مش عايز غلطة
بدر ساب الشوكة، وبص لبابا.. حاضر يا بابا الكلمة خرجت منه مخنوقة كأنها بتجرح زوره وهو بيقولها بصيت لبدر بحزن مكتوم أنا عارف هو بيعاني قد إيه، بدر أرق واحد فينا فنان حساس، بابا رماه في إدارة الحسابات، وسط الأرقام والضرايب، مكان بيقتل روحه كل يوم حاولت كتير أتوسط ليه، بس النتيجة كانت دايمًا تهزيق ليا وليه
بصيت لليلى وغمزت ليها عشان تبتسم، ردت بابتسامة باهتة وجعني قلبي عليها، ليلى اللي كان نفسها تدرس أدب إنجليزي وتسافر، بس بابا حبسها في البيت بعد التخرج وقال "بنت الجارحي مكانها بيتها لحد ما يجي اللي يستاهلها.. ودلوقتي بيجهزولها... عريس تفصيل... عشان مصالح الشغل
إحنا الأربعة عايشين في قصر بس كل واحد فينا في زنزانة انفرادية بنتجمع بس على الأكل عشان نمثل دور العيلة السعيدة
فجأة دخل..زين.. شعره منكوش، لابس تيشرت أسود عليه رسمة جمجمة وبنطلون جينز مقطع دخل وقعد ورزع الكرسي بصوت عالي وبدأ ياكل تفاحة بصوت مستفز بابا طبق الجورنال
بابا : بعصبية... إيه المنظر اللي إنت نازل بيه ده إحنا قاعدين في غرزة، اطلع غير هدومك دي والبس حاجة تليق ببني آدمين * زين كمل أكل ببرود وبص لبابا وعينه فيها تحدي
زين : ده ستايلي.. وأنا مرتاح كده وبعدين النهاردة إجازة، ولا حتى في الإجازة لازم ألبس بدلة واربط رقبتي بحبل زي آدم
بابا وشه احمر، وضرب بإيده على الترابيزة لدرجة إن الكوبايات رنت
بابا : بغضب... احترم نفسك يا حيوان، آدم ده سيدك، آدم ده اللي شايل اسم العيلة وشايل خيبتكم كلكم إنت هتفضل لحد امتى عيل صايع كده شوف إخواتك الكبار اتعلم منهم الأدب والطاعة
زين : ضحك ضحكة قصيرة مليانة مرارة.. أتعلم منهم، أتعلم إيه، أتعلم إزاي أكون ميت وأنا عايش، أتعلم إزاي أمسح شخصيتي بأستيكة عشان أرضي غرورك، آدم مش مثالي يا بابا.. آدم تعيس وبدر بيموت بالبطيء.. وليلى.. ليلى دي إنت بترتكب في حقها جريمة كل يوم
الصمت خيم على المكان أنا قلبي وقع في رجلي، زين قال اللي كلنا خايفين نقوله بابا قام وقف وعروق رقبته برزت، وشاور لزين بصباعه
بابا : يغضب... اطلع بره مش عايز أشوف وشك النهاردة وحسابك معايا بالليل لما أفضالك
زين قام ببرود وخد تفاحته وخرج وهو بيصفر لحن أغنية روك بصيت لبابا كان بيتنفس بصعوبة وبيحاول يهدى عشان ضغطه بصيت لماما، كانت باصة في طبقها ولا كأن حاجة حصلت دي طريقتها في الهروب، الإنكار التام
بابا : يلا يا آدم.. السواق مستني، قالها بابا وهو بيعدل جاكيتته كأن الخناقة اللي حصلت دي مجرد ذبابة هشها من على وشه قمت وراه زي ضله ركبت العربية وبابا ركب جنبي وفتح اللابتوب وبدأ يشتغل بصيت من الشباك على شوارع القاهرة اللي بتبعد عننا على الناس العادية اللي ماشية في الشارع بيضحكوا بيتخانقوا، بيحبوا، بيعيشوا، حسيت بحسد رهيب ليهم هما بيعانوا من الفقر، من الزحمة، من مشاكل الحياة.. بس هما أحرار لكن أنا، أنا مسجون في بدلة بـ ٥٠ ألف جنيه، وفي عربية تمنها ملايين، وجنبي سجان هو أبويا الطريق للشركة كان طويل والزحمة كانت خانقة بابا كان بيتكلم في التليفون بيزعق لمدير المبيعات صوت زعيقه كان عامل دوشة في دماغي غمضت عيني ورجعت بذاكرتي لورا تاني، لصورة "هنا" يا ترى هي فين دلوقتي، اتجوزت، خلفت، لسه فكراني،ولا بتكرهني، السؤال ده بيطاردني كل ليلة قبل ما أنام أنا بعت حبي عشان أرضي والدي والنتيجة إيه إني بقيت وحيد، تعيس، وغني جدًا
وصلنا مقر الشركة مبنى زجاجي ضخم بيناطح السحاب نزلنا والحراس جريوا يفتحوا الأبواب الموظفين وقفوا انتباه أول ما شافونا صباح الخير يا فندم.. صباح الخير يا باشا... مشيت ورا بابا للمكتب الملكي بتاعه النهاردة يوم طويل.. توقيع عقود، ابتسامات مزيفة، وكذب كتير، بس وأنا ماشي في الطرقة، بصيت على انعكاس صورتي في القزاز شفت آدم التاني.. آدم الطفل، بيخبط على القزاز وبيصرخ خرجني من هنا.. أنا عايز أعيش
تجاهلت الصوت زي ما بتجاهله كل يوم وعدلت الكرافتة ودخلت غرفة الاجتماعات.. أهلاً وسهلاً بالوفد الياباني.. مجموعة الجارحي بترحب بيكم الكلمات خرجت من بوقي ببرود وثقة، المسرحية بدأت، ولازم أكون بطلها لحد ما الستارة تنزل.. أو لحد ما المسرح يقع فوق دماغنا كلنا
الاجتماع خلص بعد تلات ساعات من العجن في التفاصيل تلات ساعات وأنا راسم على وشي ابتسامة مهنية خفيفة وبهز راسي بالموافقة في التوقيتات المحسوبة بالمللي الوفد الياباني كان صارم جداً بس قدرت أقنعهم ببنود العقد الجديدة دي موهبتي الوحيدة اللي بابا بيعترف بيها القدرة على "التفاوض البارد" بعرف أبيع الهوا في ازايز، وأقنع اللي قدامي إنه اشترى أكسجين نقي
لما خرجوا، بابا قعد مكانه ولع سيجار وبصلي كنت مستني كلمة "برافو" أو حتى تمام بس سليم الجارحي مابيدكش اللي إنت عايزه بيديك اللي يخليك تفضل جعان لرضاه
بابا : كان ممكن تضغط عليهم في نسبة الشحن يا آدم الـ ٢٪ اللي سبتها دي خسارة للشركة على المدى البعيد
أنا : بلعت ريقي بصعوبة وحسيت بمرارة... يا بابا إحنا كسبنا شرط التوزيع الحصري.. ده بيعوض النسبة دي وأكتر
شاور بإيده في الهوا كأنه بيهش دبانة، ماشي.. مقبول المرة دي بس المرة الجاية عايزك أشرس من كده الطيبة دي تسبها لماما في البيت، هنا إحنا في غابة.. غابة.. الكلمة رنت في وداني وأنا خارج من مكتبه فعلاً إحنا في غابة، بس الفرق إن الحيوانات في الغابة بتقتل عشان تاكل وتعيش لكن إحنا بنقتل أرواحنا عشان نكدس أرقام في بنوك سويسرا
مشيت وقررت أعدي على مكتب بدر كنت محتاج أشوف وش مألوف وش فيه بني آدم مش آلة حاسبة مكتب بدر كان في الدور اللي تحتنا دخلت من غير ما استأذن السكرتيرة لقيته غرقان وسط ورق ومجلدات ضخمة بدر كان حاطط راسه بين إيديه وشعره منكوش بطريقة بتفكرني بزين، بس الفرق إن نكشة شعر زين تمرد، ونكشة شعر بدر يأس .
أنا : إيه الأخبار يا فنان... قلتها وأنا بقعد على طرف مكتبه* بدر اتنطر من مكانه كأنه ممسوك بتهمة وبسرعة حط ورقة بيضا فوق الدفتر اللي كان قدامه لمحته.. كان راسم بورتريه لوش السكرتيرة بتاعته بالقلم الرصاص رسمة عبقرية فيها روح وتفاصيل مستحيل كاميرا تجيبها
أنا : ابتسمت بحزن... خبيتها ليه خايف أكتب فيك تقرير للباشا
بدر : اتنهد ورجع ضهره لورا وعينه فيها تعب سنين... مش ناقصة يا آدم لو شافني برسم في وقت الشغل هيمسح بكرامتي الأرض وإنت عارف لسانه
مديت إيدي وسحبت الرسمة من تحت الملف بصيت فيها بتركيز الخطوط انسيابية الظل والنور مرسومين بحرفية واحد درس سنين مش واحد بيشتغل محاسب غصب عنه إنت موهوب يا بدر.. موهوب بشكل يوجع القلب حرام الموهبة دي تموت وسط فواتير التوريد والضرايب .
بدر : ضحك بسخرية... ومين قالك إنها ماتت هي مدفونة حية وده عذاب أكبر كل يوم وأنا براجع الحسابات بشوف الأرقام بتتحول لخطوط وألوان في خيالي بكون عايز أصرخ وأقطع الورق ده وأرسم عليه.. بس برجع وأفتكر إني بدر الجارحي اللي لازم يكون نسخة طبق الأصل من محاسبين العيلة وإلا..سكت ومكملش الجملة، بس أنا كملتها في سري... وإلا هتتطرد من الجنة زي ما هددنا مليون مرة.. حطيت الرسمة قدامه وقربت منه
أنا : بصوت واطي... حاول تتنفس يا بدر.. حاول تسرق وقت لنفسك أنا عارف إن الحمل تقيل بس لو استسلمت تماماً هتنطفي
بص لي نظرة طويلة نظرة خلتني أحس إني عريان من كل مظاهر القوة اللي بتمتع بيها
بدر : وإنت يا آدم إنت بتتنفس ولا نسيت إزاي إنت بتطلب مني أقاوم وإنت نفسك بقيت ضل للباشا.. بتنفذ أوامره بالحرف حتى في حياتك الشخصية
كلامه كان زي السكينة التلمة بتدبح ببطء ووجع مكنش عندي رد دورت وشي ناحية الشباك الإزاز اللي بيطل على النيل
أنا : أنا خلاص يا بدر.. أنا اخترت طريقي أو بمعنى أصح الطريق هو اللي اختارني أنا الدرع اللي بيحميكم.. لو أنا وقعت أو تمردت الباشا هياكلكم كلكم لازم حد فينا يضحي عشان المركب تمشي
بدر كان لسه هيتكلم بس قاطعه رنة تليفوني اسم "الوالد" منور على الشاشة قلبي انقبض زي كل مرة..أيوه يا بابا.. تعالى مكتبي حالاً فيه موضوع شخصي لازم نحسمه النهاردة الخط قطع موضوع شخصي الجملة دي في قاموس سليم الجارحي معناها كارثة جديدة
ودعت بدر بنظرة سريعة وطلعت تاني للدور الأخير دخلت المكتب كان قاعد المرة دي على الكنبة ومشاور لي أقعد قدامه مكنش فيه ورق شغل بس كان فيه علبة قطيفة كحلي على الترابيزة اقعد يا آدم... قعدت وأنا بفرك إيدي بتوتر حاولت أداريه
بابا : إنت كبرت يا آدم.. واسمك في السوق بقى ليه وزنه بس الراجل الناجح ميكملش غير بأسرة مستقرة وزوجة تكون واجهة مشرفة ليه وللعيلة
عرفت رايحين فين السيناريو اللي كنت خايف منه من سنين كمل وهو بيفتح العلبة اللي كان فيها طقم ألماظ خيالي ده شبكة عروستك شيرين الشامي بنت يحيى الشامي امبراطور الحديد والصلب عيلة عريقة نسب يشرف وبنت متربية في سويسرا يعني عارفة الأصول والبروتوكول .
حسيت إن الهوا اتسحب من الأوضة شيرين الشامي أنا عارفها.. شوفتها في حفلات كتير بنت جميلة أيوه بس باردة زي التلج نسخة نسائية مني مانيكان بتتحرك ببطارية مفيش بينا أي كيميا ولا حتى كلام مشترك غير.. إزيك.. وميرسي
أنا : بابا.. بس أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي الشغل واخد كل وقتي وبعدين الجواز ده قرار مصيري لازم يكون فيه تفاهم قبول
قاطعني بحدة بس المرة دي بنبرة هادية مخيفة أكتر من الزعيق
بابا : تفاهم وقبول إحنا مش بنمثل فيلم رومانسي يا حبيبي الجواز في مستوانا صفقة.. اندماج شركات.. توسيع نفوذ... يحيي الشامي عنده علاقات سياسية إحنا محتاجينها وهو محتاج السيولة اللي عندنا عشان مشروعه الجديد الجوازة دي هتخلينا نملك السوق حرفياً.. بابا بص ليا في عيني نظرة فيها أمر واقع... أنا اديت كلمة للراجل خلاص قراية الفاتحة الخميس الجاي في فيلتهم في الساحل والخطوبة الرسمية الشهر اللي بعده جهز نفسك، واشتري خاتم يليق باسم الجارحي
أنا : بس يا بابا ده ظلم أنا بني آدم مش ورقة عقد إزاي اتجوز واحدة مبحسش ناحيتها بأي حاجة صوتي علي غصب عني
بابا :قام وقف وشاور بصباعه في وشي... الظلم هو إنك تضيع تعب السنين دي كلها عشان مشاعر وكلام فارغ الحب بيجي بالعشرة.. أو مايجيش مش مهم المهم الاحترام والمصالح المشتركة إنت فاكر إني اتجوزت أمك عن حب ولا جدك اتجوز جدتك عن حب وغرام... إحنا بنبني امبراطوريه مش بنلعب الموضوع منتهي يا آدم... ولو فكرت تكسر كلمتي.. إنت عارف العقاب مش ليك إنت.. لإخواتك... زين لسه صغير ومستقبله في إيدي.. وبدر ممكن بكرة الصبح يترمي في الشارع من غير مليم
التهديد المبطن المعتاد هو عارف نقطة ضعفي إخواتي عارف إني مستعد أبيع نفسي عشان أحميهم من بطشه قمت وقفت رجلي كانت تقيلة كأن فيها رصاص
أنا : حاضر يا بابا.. اللي تشوفه* خرجت من المكتب وأنا حاسس إني بختنق فكيت الكرافتة وأنا في الأسانسير كنت محتاج أتنفس ركبت عربيتي وطلبت من السواق ينزل وميسوقش بيا كنت عايز أكون لوحدي سوقت العربية بسرعة جنونية في شوارع القاهرة كنت بهرب... بهرب من القصر من الشركة من أبويا، ومن شيرين الشامي، ومن آدم الجارحي
وقفت العربية على الكورنيش في حتة هادية شوية نزلت وسندت على سور الكورنيش المكان كان هادي، جنبي كان فيه اتنين شباب قاعدين بياكلوا ترمس وبيضحكوا لبسهم بسيط شكلهم طلبة جامعة الولد كان بيوشوش البنت في ودنها وهي بتضحك بكسوف كانوا عايشين في عالم تاني عالم أنا اطردت منه
طلعت تليفوني وفتحته قلبت في الصور لحد ما وصلت لصورة قديمة صورتي أنا و"هنا" كنا في رحلة.. زمان كنا بنصحك ومبسوطين وفي عيني فرحة حقيقية لمست وشها في الشاشة بصباعي. سامحيني يا هنا.. سامحيني إني كنت جبان ياريتني كنت هربت معاكي يومها يارتني رضيت أعيش معاكي في شقة أوضتين وصالة بس أكون حر دمعة يتيمة نزلت على الشاشة مسحتها بسرعة قبل ما حد يشوفها.... آدم الجارحي ممنوع يعيط
رجعت القصر متأخر بالليل البيت كان ساكت تماماً الأضواء مطفية ماعدا إضاءة الجنينة دخلت وكنت طالع على أوضتي بس لمحت نور جاي من التراس اللي بيطل على البيسين قربت بهدوء.. لقيت ليلى قاعدة على الكرسي الهزاز لافة نفسها بشال وباصة للبسين.. ليلى إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي.. اتخضت وبصت لي وعينها كانت وارمة وحمرا باين عليها كانت بتعيط بقالها ساعات
ليلي : آدم.. خضتني* صوتها كان مبحوح قعدت جنبها على طرف الكرسي ومسكت إيدها الباردة
أنا : مالك يا حبيبتي حد ضايقك زين عمل حاجة
ليلي : هزت راسها بالنفي ودموعها نزلت تاني.. لأ.. بس.. ماما كانت عندي في الأوضة من شوية
أتا : قلبي انقبض عرفت إن فيه مصيبة تانية.. قالتلك إيه
ليلى : بصت في عيني ونظرة الانكسار اللي فيها قتلتني... قالت ليا إن طنط ميرفت جايبة ابنها وجاية تزورنا بكرة.. زيارة تعارف أنت عارف معنى الكلام ده يا آدم بيبيعوني.. زي ما باعوك وزي ما بيبيعوا كل حاجة أنا خايفة أنا مش عايزة اتجوز واحد معرفوش مش عايزة أخرج من سجن بابا لسجن واحد تاني
ضغطت على إيدها جامد وحسيت بالعجز بيحاصرني من كل ناحية أنا لسه مدبوح بسكينة الجواز الجبري ودلوقتي أختي الصغيرة كمان
أنا : متخافيش يا ليلى.. أنا موجود مش هخلي حد يغصبك على حاجة.. قلتها وأنا عارف إني كداب أنا مقدرتش أحمي نفسي هحميها هي إزاي بس مكنش ينفع أقول غير كده
ليلى : ابتسمت ابتسامة يأس... إنت طيب يا آدم.. بس إحنا الاتنين عارفين إن كلمتك ملهاش وزن قدام كلمة الباشا إحنا عرايس ماريونيت، وهو اللي ماسك الخيوط
سكتنا إحنا الاتنين الليل كان بارد.. وفجأة سمعنا صوت خبط ورزع جاي من الجناح الشرقي للقصر... جناح زين وصوت زعيق بابا بيعلى إنت يا فاشل يا عار العيلة جايبلي مصيبة لحد باب البيت
بصيت لليلى برعب زين عمل إيه المرة دي قمت جريت ناحية الصوت وليلى ورايا وصلنا عند باب أوضة المكتب لقينا الباب مفتوح وبابا واقف ماسك عصايته وبيهزها في وش زين وزين واقف ساند على الحيطة وشه وارم وفيه جرح عند حاجبه بينزف، وهدومه متبهدله
أنا : إيه اللي حصل صرخت وأنا بدخل بينهم بابا بص لي وعيونه بتطلع شرار
بابا : بغضب.. البيه.. البيه اتمسك في خناقة في بار مشبوه والبوليس كلمني عشان ألم الفضيحة قبل ما الصحافة تشم خبر اسم الجارحي بقى لبانة في بوق الضباط بسبب الصايع ده
زين تف ددمم من بوقه على الأرض وبص لبابا بنظرة تحدي مرعبة نظرة واحد مابقاش باقي على حاجة
زين : أحسن.. ياريت كانت الصحافة عرفت ياريت كانوا كتبوا ابن سليم الجارحي بلطجي وسكير يمكن ساعتها البرستيج بتاعك يتشرخ شوية وتحس إننا بني آدمين بنغلط مش تماثيل شمع
بابا رفع العصاية عشان يضربه أنا جريت وحوشت الضربة بدراعي الألم كان فظيع
أنا : خلاص يا بابا كفاية الولد متعور* بابا نزل العصاية وهو بينهج وبص لنا إحنا التلاتة.. أنا اللي ماسك دراعي وزين اللي بينزف وليلى اللي واقفة عند الباب بتترعش
بابا : غوروا من وشي.. كلكم مش عايز أشوف خيال حد فيكم لحد الصبح حسابنا لسه مخلصش
خرجنا من المكتب سندت زين ومشيت بيه ناحية أوضته ليلى جابت علبة الإسعافات وجت ورانا في أوضة زين اللي كانت كلها بوسترات لفرق روك وجيتارات مرمية في كل حتة قعدته على السرير وبدأت أمسح الدم من على وشه زين كان ساكت بس عينه كانت بتلمع بدموع غضب مكبوت
زين : بتدافع عني ليه يا آدم ... سيبه يضرب يمكن لما يقتل واحد فينا يرتاح
انا : بحط لزقة طبية على جرحه.. متعجنش يا زين.. إحنا ملناش غير بعض.. بصيت في وشوشهم بدر كان دخل الأوضة دلوقتي وواقف ساند على الباب بيبصلنا بحزن إحنا الأربعة.. في أوضة واحدة مهزومين، مكسورين، وأغنى ورثة في البلد في اللحظة دي أدركت الحقيقة المرة الفلوس مش بس مابتشتريش السعادة الفلوس ساعات بتبقى هي القفص وهي السجان وهي اللعنة اللي بتورث من جيل لجيل... بس في وسط نظراتنا لبعض شفت حاجة في عين بدر.. حاجة خوفتني أكتر من زعيق بابا نظرة واحد قرر قرار خطير ومستني اللحظة المناسبة
بدر : بصوت واطي... تفتكروا هنفضل كده لحد امتى.. محدش رد بس كلنا كنا عارفين الإجابة يا إما نتمرد ونخسر كل حاجة... يا إما نفضل كده لحد ما نموت وإحنا عايشين في السجن دا... سبتهم وخرجت روحت أوضتي رميت نفسي على السرير بهدومي بصيت للسقف... بكرة قراية فتحتي.. وبكرة زيارة عريس ليلى.. وبكرة تحقيق جديد مع زين.. وبكرة يوم جديد في موت بدر البطيء أنا آدم الجارحي.. وعمري ٣٢ سنة.. وبدأت النهاردة أفهم إن الجحيم مش نار وشياطين.. الجحيم هو قصر كبير وأب ديكتاتور، وحياة مرسومة بالمسطرة، وقلب ممنوع عليه يدق
غمضت عيني وتخيلت إني بفتح الشباك وبطير. بطير بعيد عن الأسوار العالية وبعيد عن اسم العيلة.. بس صحيت على صوت المنبه بتاع موبالي بيفكرني بميعاد دواء الضغط بتاع بابا اللي لازم اتأكد إنه خده قمت.. عشان أكمل دوري في المسرحية دي .
الجزء الثاني
الدنيا لونها إيه، سؤال عبيط مش كده، أي طـفل في حضانة هيقولك، السما زرقا الشجر أخضر الشمس صفرا بس في عالمي أنا في عالم، بدر سليم الجارحي، الدنيا ليها لون واحد بس الرمادي، رمادي بدرجات مختلفة رمادي البدلة اللي بلبسها كل يوم رمادي وشوش الموظفين اللي براجع وراهم الحسابات رمادي الأسفلت اللي بمشي عليه وحتى رمادي قلبي اللي حاسس إنه قرب يعفن من قلة الاستعمال أنا قاعد دلوقتي في مكتبي في الدور السابع من برج الشركة الساعة قدامي عقاربها بتتحرك ببطء مستفز كأنها بتعد دقات قلبي اللي بتضيع عالفاضي، قدامي ملف فيه أكتر من ٥٠٠٠ صف أرقام خانات دائن ومدين أرباح وخساير، ضرايب مبيعات الناس بتشوف الأرقام دي فلوس، قوة، نفوذ أنا بشوفها قيود بشوفها سلاسل حديد باردة بتلف حوالين رقبتي وبتخنقني
اسمي بدر، اسم على مسمى، المفروض أكون منور، بس أنا مضلم، أنا ضلمة أنا الابن المنسي، أو زي ما بابا بيحب يسميني لما يكون راضي عني الترس اللي شغال من غير صوت آدم هو الواجهة زين هو المشكلة ليلى هي الضحية وأنا أنا الفراغ أنا الشخص اللي لو اختفى فجأة محدش هيلاحظ غير لما يلاقوا غلطة في الحسابات، مسكت القلم الرصاص مش عشان أراجع الرقم اللي في الخانة C45، لأ إيدي اتحركت لوحدها على طرف الورقة البيضا اللي بداريها تحت الملفات بدأت أرسم عين، عين واسعة، مليانه رعب، والجفن نازل بكسرة نفس دي عين ليلى أختي لما بابا زعق لها امبارح الرسم هو لعنتي وهو خلاصي الوحيد من وأنا طـ ـفل كنت بشوف الدنيا كادرات مكنتش بشوف بابا راجل أعمال ناجح كنت بشوفه كتلة لون أسود بتبتلع النور اللي حواليها مكنتش بشوف ماما، سيدة مجتمع، كنت بشوفها لون بيج باهت، شفاف، ملوش شخصية، صوت الخطوات بره المكتب خلاني أنتفض ده صوت أستاذ صفوت المدير المالي راجل عنده ٦٠ سنة ريحته دايمًا سجاير رخيصة وقهوة محروقة وعينه زي الصقر على كل مليم خبيت الرسمة بسرعة تحت كشف المرتبات وعدلت نضارتي ومسكت الآلة الحاسبة وعملت نفسي بجمع أرقام وهمية، دخل صفوت من غير ما يخبط كالعادة
صفوت : يا بدر بيه، خلصت مراجعة بند المصروفات الشهرية لفرع إسكندرية الباشا الكبير طالب التقرير قبل الساعة ٢، صوته بارد خالي من أي مودة هو بيحترمني عشان اسمي الجارحي، بس في نفس الوقت بيحتقرني لأنه عارف إني مش كار الحسابات وإنه أشطر مني بمراحل، بس أنا المدير عليه بالوراثة
أنا : بتوتر، شغال عليه يا أستاذ صفوت قدامي ربع ساعة بالكتير صوتي طلع مهزوز، واطي أنا بكره صوتي. بكره الطريقة اللي بتهته بيها لما بتوتر صفوت بص لي من فوق نضارته نظرة فاحصة وعينه وقعت على طرف الورقة اللي مخبيها قلبي دق بعنف لو شاف الرسمة هيقول لبابا ولو بابا عرف إني لسه برسم هتبقى ليلة سودة
صفوت : ربع ساعة يا بدر بيه، الباشا مش بيحب التأخير وحضرتك عارف عصبيته اليومين دول
لف وخرج، وساب الباب مفتوح وراه
أخدت نفس عميق ريحة المكتب بتخنقني تكييف مركزي ريحته صناعية، ورق، حبر، ريحة موكيت مفيش ريحة حياة غمضت عيني ورجعت بذاكرتي لورا لليوم اللي بدر مات فيه واتولد مكانه المحاسب .
كنت في تالتة إعدادي، سن المراهقة وتفجر المشاعر كنت مجمع مصروفي كله واشتريت طقم ألوان زيت وينسور آند نيوتن وحامل خشب، ولوحات كانفاس نضيفة، كنت عامل لنفسي ركن في الجنينة الخلفية للقصر ورا شجر السرو العالي مكان محدش بيروحه قعدت شهر كامل أرسم لوحة واحدة كنت برسم الحرية، رسمت حصان عربي أبيض بيجري في صحرا واسعة بس رجله مربوطة بسلسلة دهب بتلمع كنت راسم السلسلة بدقة فظيعة كل حلقة فيها كانت بتبرق بس في نفس الوقت بتجرح رجل الحصان وبتنزل منها ددمم كنت فخور بيها أوي كنت حاسس إني صنعت حاجة إني ملك صغير في مملكتي الخاصة، الألوان كانت لسه طرية وريحة التربنتين كانت مالية مناخيري ومحسساني بنشوة غريبة يومها بابا رجع بدري من السفر سمعت صوت عربيته بس مكنتش خايف قلت يمكن لما يشوف اللوحة ينبهر يمكن يشوف ابنه،، فنان سذاجة، سذاجة *** لسه مقراش كتالوج سليم الجارحي لقاني وأنا بلم الفرش وقف ورايا ضله غطى اللوحة وغطاني إيه ده سأل بصوت هادي هدوء ما قبل العاصفة لفيت بابتسامة واسعة وإيدي ملطخة ألوان
أنا : بابتسامة، دي لوحة يا بابا، أنا رسمتها إيه رأيك في الحصان
بابا قرب من اللوحة بص لها بتمعن لثانية واحدة شفت في عينه ومضة إعجاب أو يمكن ده كان خيالي بس الومضة اختفت بسرعة وحل مكانها البرود القاسي مد صباعه ومسح جزء من رقبة الحصان بوظ الألوان ودخلها في بعض
بابا : شاطر في النقل، بس إيه فايدة الكلام ده هتبيعها بكام دي مية جنيه متين
أنا : الابتسامة اختفت من على وشي، دي مش للبيع يا بابا دي فن تعبير عن
بابا : قاطعني بضحكة قصيرة مستفزة، تعبير فن الكلام ده للعيال الصايعة اللي قاعدين على القهاوي يا حبيبي ولاد الجارحي مابيلعبوش بالألوان، ولاد الجارحي بيلعبوا بالأسهم بيلعبوا بمصاير ناس
فجأة مسك الستاند الخشب وشاطه برجله اللوحة وقعت على وشها صرخت وجريت عليها عشان ألحقها بس هو كان أسرع داس بجزمته على القماش داس على الحصان على السلسلة الدهب وعلى روحي سمعت صوت الخشب وهو بيتمزع تحت رجله صوت التكسير لسه بيرن في ودني لحد النهاردة
بابا : اسمع يا ولد دي آخر مرة أشوفك ماسك الفرش دي إنت هتدخل علمي رياضة وهتتأسس عشان تمسك حسابات الشركة أنا مش بصرف ددمم قلبي في مدارس انترناشونال عشان تطلعلي رسام الرسامين دول شحاتين، وإنت سيد، نادى على الجنايني عم عبده لم الزبالة دي كلها وولع فيها مش عايز أثر للكلام الفارغ ده وقفت أتفرج والنار بتاكل ألواني بتاكل الحصان الأبيض اللي كان نفسي أكون هو ريحة الزيت المحروق كانت بتخنقني والدخان الأسود طلع للسما واختفى واختفى معاه بدر من يومها مابقتش أمسك فرشة على الأقل مش في النور، بدر بيه التقرير صوت السكرتيرة قطعني من الذكريات
انا : بصيت ليها وشها كان قلقان، حاضر حاضر هبعته حالاً، خلصت اليوم بالعافية الصداع كان هيفجر راسي خرجت من الشركة وأنا حاسس إني خارج من سجن ركبت عربيتي السواق عرض يوصلني بس رفضت كنت محتاج أكون لوحدي ومحتاج أروح المكان إياه مشيت بالعربية في الزحمة بس المرة دي مروحتش القصر انحرفت عن الطريق ورحت لمنطقة وسط البلد شوارع قديمة عماير متهالكة بس لسه محتفظة بجمالها وعزتها زي أرستقراطي فقر بس لسه رافع راسه ركنت العربية في جراج بعيد ومشيت في حواري ضيقة لحد ما وصلت لعمارة قديمة من بتوع الخمسينات المدخل رخام مكسر والأسانسير عطلان بقاله سنين طلعت السلم للدور الأخير السطح هناك في أوضة صغيرة فوق السطح كانت مملكتي الخاصة الغرفة السرية، أجرت الأوضة دي من بواب العمارة بمبلغ عبيط كل شهر، وفهمته إني بستخدمها مخزن كتب بس هي في الحقيقة مخزن روحي فتحت القفل وزقيت الباب صوت الزعيييق بتاع الباب هو أحلى موسيقى بسمعها أول ما دخلت، الريحة استقبلتني وحضنتني ريحة تربنتين، زيت بذر كتان خشب قديم، وغبار الأوضة كانت مكركبة بشكل فظيع عكس مكتبي المرتب بالمسطرة لوحات في كل حتة على الحيطان، مسنودة على الأرض، متعلقة في السقف هنا بس، بدر الجارحي بيقلع بدلة المحاسب، وبيلبس المريلة الملطخة ألوان قلعت الجاكيت ورميت الكرافتة على الأرض بإهمال وشمرت قميصي وقفت قدام لوحة كبيرة لسه مخلصتهاش كنت راسم فيها وش آدم بس مش آدم القوي اللي الناس بتشوفه كنت راسم آدم وهو *** لابس بدلة أكبر من مقاسه وعينيه متغمية بشريط قماش مكتوب عليه أرقام وراه كان فيه خيال أسود طويل خيال الأب، مسكت الفرشة وبدأت أخلط الألوان حطيت أحمر قرمزي وعليه نقطة أسود عايز درجة لون الدم المتجلط بدأت ألون الخلفية كنت بضرب الفرشة في القماش بعنف كأني بضرب الدنيا كلها كل ضربة فرشة كانت بتطلع آه مكتومة جوايا وأنا برسم بنسى كل حاجة بنسى الميزانية، وبنسى صفوت، وبنسى تهديدات بابا، هنا الألوان هي اللي بتتحكم، مش الأرقام هنا مفيش دائن ومدين فيه بس نور وضلمة قضيت ساعات معرفش عددها الليل ليل بره وصوت كلاكسات العربيات في وسط البلد واصلني زي همهمة بعيدة كنت غرقان في اللوحة وش آدم بدأ يسيح وبدأ يظهر وراه وشوشنا كلنا، أنا، ليلى، زين كلنا مربوطين بخيوط رفيعة ماسكها يد ضخمة يد سليم الجارحي فجأة تليفوني رن الصوت كان زي انفجار قنبلة في الهدوء المقدس ده بصيت للشاشة زين تجاهلت المكالمة مش عايز أكلم حد مش عايز أرجع للواقع دلوقتي رن تاني وتالت زين لحوح وخفت ليكون فيه مصيبة في البيت، خصوصاً بعد خناقة امبارح مسحت إيدي ورديت بصوت لسه فيه تأثير الخدر بتاع الرسم أيوه يا زين
زين : إنت فين يا فنان، صوت زين كان فيه نبرة سخرية ممزوجة بقلق
زين هو الوحيد اللي عارف سري، هو الوحيد اللي عارف مكان الأوضة مرة راقبني وأنا جاي هنا، وبدل ما يفتن عليا طلب مني أرسم له تاتو على ضهره ومن يومها بقى شريكي في الجريمة
أنا : في المكتبة بقرأ قلت الكود المتفق عليه بينا
زين : طب انجز وتعالى القصر بسرعة الجو مكهرب والباشا قالب الدنيا عليك بيقول مرجعتش ليه لحد دلوقتي وتليفونك مقفول ليه شكل صفوت الزفت ده وصله حاجة غلط
قلبي وقع في رجلي صفوت هل شاف الرسمة قال إيه سألت وأنا بلم حاجتي بسرعة
زين : معرفش بس الباشا قاعد في الصالون وعمال يشرب قهوة ويهز رجله، وإنت عارف الهزة دي معناها إيه ومعاه آدم وآدم وشه مقلوب ارجع بسرعة قبل ما يبعت الحرس يدوروا عليك وتبقى فضيحة
قفلت السكة وبصيت للوحة نظرة أخيرة كانت مرعبة وجميلة في نفس الوقت غطيتها بقماش قديم وخرجت وقفلت الباب بالقفل وأنا بقفله حسيت إني بقفل على نفسي وبحبس روحي جوه تاني نزلت جري على السلم ركبت العربية وطرت على القصر طول الطريق وأنا بجهز سيناريوهات ومبررات كنت مخنوق وتمشيت ع النيل كاوتش العربية نام كنت عند واحد صاحبي وصلت القصر دخلت العربية ونزلت وأنا رجلي بتخبط في بعض دخلت الصالون المشهد كان محكمة تفتيش بابا قاعد على كرسيه الضخم، آدم واقف جنبه مكتف إيديه وبيبص في الأرض، وماما قاعدة بعيد بتفرك في منديل قماش
بابا : أهلاً أهلاً بالبيه اللي صايع لحد نص الليل بابا بدأ الكلام من غير مقدمات
انا : بلعت ريقي، مساء الخير يا بابا أنا آسف الطريق كان زحمة جداً و...
بابا : كداب صوته كان زي الكرباج، أنا سألت السواق قال إنك رفضت يوصلك وأخدت عربيتك ومشيت لوحدك وصفوت كلمني وقال إنك طول النهار سرحان وبتعمل حاجات غريبة في الورق وسلمت التقرير ناقص توقيعات مهمة كنت فين يا بدر
أنا : بتوتر، كنت.. كنت.. الكلام هرب مني مقدرش أقوله كنت في وسط البلد مقدرش أقوله كنت برسم آدم اتدخل فجأة عشان ينقذ الموقف، كعادته
أدم : بابا بدر كلمني وقال إنه رايح يشتري هدايا لليلى عشان عيد ميلادها قرب وعربيته عطلت منه في الطريق وموبايله فصل شحن هو قالي كده بس أنا نسيت أبلغ حضرتك عشان انشغلت
بصيت لآدم بذهول هو بيكدب عشاني وبيورط نفسه في النسيان اللي بابا بيكرهه بابا بص لآدم بشك وبعدين رجع بص ليا
بابا : الكلام ده صح
أنا : هزيت راسي بسرعة، أيوه، أيوه يا بابا، كنت عايز أعملها مفاجأة
بابا : سكت لحظة وعينه بتتنقل بينا إحنا الاتنين بعدين رجع ضهره لورا بملل، خيبة تقيلة واحد عربيته بتعطل ومش عارف يتصرف، والتاني بينسى يبلغني اتنيلوا اقعدوا الموضوع اللي عايزكم فيه أهم من تفاهتكم دي
تنفسنا إحنا الاتنين بارتياح شديد قعدت جنب آدم، وهمست له وأنا بوطي راسي شكراً، آدم ماردش بس ضغط على إيدي ضغطة خفيفة ومؤلمة معناها مش كل مرة هعرف ألحقك
بابا : اعتدل في قعدته وولع سيجار اسمعوا بقى شركة الجابري للمقاولات داخلة مناقصة معانا في مشروع العاصمة الجديدة المناقصة دي حياة أو موت للمجموعة ولو خسرناها أسهمنا هتنزل الأرض يحيى الشامي حماك المستقبلي يا آدم لمح ليا إن الجابري بيحاول يلعب من تحت الترابيزة ويرشي ناس في اللجنة
بابا : بص ليا أنا بالذات، ودورك جه يا بدر
انا : سألت باستغراب، أنا
بابا : أيوه إنت إنت المحاسب وإنت اللي بتفهم في اللعب بالأرقام أنا عايزك تراجع ميزانيات شركات الجابري المنشورة وتطلعلي منها أي ثغرة أي غلطة، أي شبهة فساد مالي، نضربهم بيها في السوق ونبلغ عنها الرقابة قبل المناقصة
حسيت بغثيان هو مش بس عايزني محاسب هو عايزني جاسوس ومزور حقائق هو بيطلب مني أدمر سمعة عيلة تانية عشان نكسب إحنا
أنا : بس يا بابا ده ده مش قانوني وميزانياتهم أكيد متراجعة من مكاتب كبيرة
بابا : ضحك بسخرية يا ابني إنت عبيط مفيش ميزانية في البلد دي مفهاش غلطة الشطارة مين اللي يطلع الغلطة وينفخ فيها أنا مش بسألك أنا بؤمرك معاك ٤٨ ساعة، تكون حالل لي لغز الجابري وتجيبلي رقبته على مكتبك وإلا اعتبر نفسك مفصول من الشركة ومحروم من الميراث، وتروح بقى ترسم على الأسفلت زي الشحاتين
الجملة الأخيرة نزلت عليا زي الصاعقة هو لسه فاكر لسه بيعايرني بصيت في الأرض وشفت السجاد الإيراني الفاخر وشفت دمه ددمم الحصان اللي رسمته زمان
أنا : بصوت حزين، حاضر يا بابا
بابا : قوموا شوفوا شغلكم
خرجت أنا وآدم من الصالون أول ما بعدنا آدم مسكني من كتفي وهزني
آدم : بعصبية، فوق يا بدر إنت كنت هتودينا في داهية كنت فين بجد
انا : بصيت لآدم وكنت عايز أعيط في حضنه زي العيال الصغيرين، كنت بتنفس يا آدم كنت بتنفس عشان ماتخنقش هو عايزني أبقى مجرم زيه عايزني ألفق تهم للناس
آدم : بحزن، اعمل اللي قاله يا بدر ملناش مفر الجابري مش ملاك وأكيد عنده بلاوي طلعها وخلص نفسك لو وقفت قصاد بابا دلوقتي هيدهسك
سبته وطلعت أوضتي دخلت، وقفلت الباب بالمفتاح رميت نفسي على السرير وبصيت للسقف أنا بكره الأرقام بكره الفلوس وبكره اسم الجارحي قمت وقفت قدام المراية بصيت لوشي شفت راجل ببدلة غالية، ونضارة طبية، وملامح هادية ومطيعة بس لو ركزت في عيني هتشوف نار نار مكتومة تحت الرماد فتحت دولابي ومن تحت كومة هدوم شتوي مركونة طلعت سكتش صغير وقلم فحم قعدت على الأرض وبدأت أرسم بسرعة وجنون. رسمت بابا وهو قاعد على كرسيه، بس بدل ما يكون بني آدم، رسمته عنكبوت ضخم ببدلة سموكن، وشبكته معمولة من فلوس، وإحنا الأربعة دبان محبوس في الشبكة دي وأنا برسم حسيت بوجع في صدري الوجع ده كان الحقيقة أنا مش هقدر أكمل كده أنا مش هقدر أدمر الناس عشان خاطره لازم أعمل حاجة بس إيه أنا أجبن من إني أواجه فجأة الباب خبط خبطات سريعة وخفيفة خبيت السكتش وفتحت الباب زين دخل وقفل الباب وراه بسرعة وشه كان أصفر ومخطوف
زين : بدر، أنا في مصيبة
انا : تاني يا زين، ما إحنا لسه مخلصين من خناقة إمبارح
زين : قعد على السرير ودفن وشه في إيده، دي بجد المرة دي مش خناقة بار المرة دي فيها بوليس بجد وفيها بنت والبنت دي تبقى بنت الجابري
انا : اتسمرت مكاني، بنت الجابري المنافس بتاعنا
زين : رفع وشه وعينه مليانة رعب، أنا بحبها يا بدر بنتقابل في السر بقالنا شهور والنهاردة النهاردة أخوها شافنا وكان هيضربها أنا اتدخلت وضربته وهو هو وقع ومبقاش بيتحرك أنا هربت وجيت هنا مش عارف هو مات ولا عايش
الدنيا لفت بيا المصاير بتتشابك بشكل مرعب بابا عايزني أدمر أبوها وزين ضرب أخوها وممكن يكون قتله بصيت لزين ولأول مرة حسيت إن دوري جه مش دور المحاسب ولا دور الظل دور الأخ
أنا : اهدى يا زين، اهدى احكيلي بالتفصيل وفي اللحظة دي عرفت إن اللوحة السودة اللي برسمها لحياتنا لسه هيتحط فيها ألوان أغمق وأعنف بكتير، زين قاعد على طرف السرير جسمه كله بيترعش زي ورقة شجر في ريح عاصفة رافع وشه ليا وعيونه مليانة دموع ورعب طفولي عمري ما شفته فيه قبل كده زين الروك ستار المتمرد، اتحول في لحظة لعيل صغير خايف من العقاب
انا : طب هو مات ولا حصله اي
زين : مش عارف يا بدر و*** ما عارف هو وقع وقع جامد وراسه خبطت في الرصيف صوت الخبطة كان وحش وحش أوي أنا جريت ركبت الموتوسيكل وهربت زي الجبان
أنا : مسكت كتافه وهزيته عشان يفوق، اسمعني كويس مين كان معاك حد شافك الكاميرات
زين : بلع ريقه بصعوبة، مايا، مايا كانت واقفة وبتصرخ المكان كان ضلمة شوية وكريم أخوها كان جاي يتهجم عليا فزقيته مكنتش أقصد أقتله يا بدر مكنتش أقصد
بدأ يدخل في نوبة بكاء هيستيري كتمت بقه بإيدي بسرعة وبصيت ناحية الباب برعب لو الباشا سمع أو لو حد من الخدم نقل له الخبر زين انتهى مش بس هيتحبس ده هيتفرم بابا مش هيغفر له إنه جاب العار للعيلة والأهم إنه ضرب ابن الجابري المنافس اللدود
أنا : اخرس خالص، اوعى صوتك يطلع أنا هتصرف بس لازم تقولي الحقيقة كريم الجابري ده كان بيتحرك لما مشيت
زين : هز راسه، كان ساكت وعينه مفتوحة وباصة للسما
حسيت ببرودة بتجري في عمودي الفقري اللون الأحمر القاني بدأ يفرش قدام عيني لون الدم، ولون الخطر
انا : اسمعني يا زين، إنت هتفضل هنا في أوضتك متخرجش متردش على تليفونات ولو حد سألك إنت كنت تعبان ونايم من بدري فاهم
زين : برعب هتعمل إيه يا بدر
أنا : هروح أشوف المصيبة دي وصلتلنا لحد فين
خرجت من أوضته وقفلت الباب وقفت في الطرقة الضلمة شوية أخد نفسي أنا بدر المحاسب اللي بيخاف من خياله مطلوب مني دلوقتي أدخل عش الدبابير عشان أنقذ أخويا نزلت السلالم وتسللت زي الحرامي في بيتي ركبت عربيتي تاني بس المرة دي مروحتش وسط البلد رحت ناحية المستشفى الاستثماري الكبير اللي عيلة الجابري بتتعامل معاه أنا عارف إنهم مستحيل يروحوا مستشفى حكومي ومستحيل يبلغوا البوليس فوراً قبل ما يطمنوا على شكلهم الاجتماعي وصلت المستشفى الجو كان هادي ريحة المطهرات خنقتني اللون الأبيض في كل حتة أبيض بارد لون الموت والملاءات والكفن لبست كاب ونضارة شمس رغم إننا بالليل ومشيت وأنا موطي راسي سألت في الاستقبال بصوت واطي عن كريم الجابري، الموظفة بصت لي بشك
الممرضة : مين حضرتك الزيارة ممنوعة
أنا : أنا السواق بتاعه الهانم بعتتني أجيب حاجات، كدبت والكذب بقى أسهل مما تخيلت الممرضة : هو في العناية المركزة الدور التالت بس ممنوع الدخول
العناية المركزة يعني عايش بس حالته خطرة طلعت الدور التالت واستخبيت في زاوية بعيدة في ممر الانتظار شفتهم شفت يحيى الجابري، المنافس بتاع بابا راجل طويل عريض شعره أبيض بالكامل واقف ببدلة شيك بس كرافتته مفكوكة وبيتكلم بعصبية مع دكتور وشفت مايا بنت صغيرة جميلة بشكل رقيق لابسة فستان سهرة وعليه جاكيت بدلة رجالي واسع (أكيد بتاع أخوها) وقاعدة على كرسي ومنهارة من العياط
حاولت أسمع بيقولوا إيه ارتجاج شديد ونزيف داخلي الـ ٢٤ ساعة الجايين حاسمين ده كان صوت الدكتور يحيى الجابري صرخ بصوت واطي
يحيى: بعصبية، مين الحيوان اللي عمل فيه كده يا مايا انطقي مين الي كان معاكي
مايا: كانت بتترعش وصوت بكاها زاد، معرفوش يا بابا معرفوش كانوا شباب بيعاكسوني وكريم اتخانق معاهم وهربوا
قلبي دق بعنف مايا بتحمي زين بتحبه بجد لدرجة إنها بتكدب على أبوها الجبار وهي شايفة أخوها بيموت حسيت بغيرة غريبة مش غيرة حب غيرة من الحالة زين لقى حد يحبه ويحميه حتى لو التمن غالي لكن أنا أنا مين يحميني انسحبت بهدوء قبل ما حد يلمحني رجعت العربية وأنا باخد نفسي بصعوبة كريم عايش، بس لو مات مايا هتنهار وتعترف وساعتها زين هيضيع ولو كريم فاق، هيقول الحقيقة إحنا في سباق مع الزمن رجعت القصر وش الفجر مكنش جايلي نوم دخلت مكتبي في البيت بابا طالب مني رقبة الجابري مالياً خلال ٤٨ ساعة وزين ماسك رقبة ابن الجابري فعلياً قعدت قدام اللابتوب فتحت الملفات اللي كنت مجمعها عن شركات الجابري الأرقام بدأت ترقص قدام عيني أصفار ووحايد وفواصل عشرية قررت أعمل اللي بدر الفنان بيعمله لما يتزنق في لوحة أدور على الظل كل شركة ليها واجهة بتلمع (النور) وليها دفاتر مخفية (الظل) بدأت أبحث بجنون دخلت على داتا مسربة كانت معايا من فترة ومكنتش بستخدمها بحثت عن شركات وهمية حسابات في جزر العذراء تحويلات بنكية مشبوهة فضلت شغال لحد ما الشمس طلعت عيني كانت بتحرقني وضهري واجعني بس لقيتها لقيت اللون الأسود في لوحة الجابري البيضا شركة استيراد وهمية باسم مرات الجابري بتدخل معدات طبية مغشوشة وتبيعها لمستشفيات الحكومة بملايين والمصيبة الأكبر، إن فيه تحويلات بتثبت إنهم بيتهربوا من جمارك بمليارات دي مش بس ثغرة دي قنبلة نووية لو الورق ده وصل للنائب العام يحيى الجابري هيقضي بقية عمره في طرة واسم عيلته هيبقى في الوحل سندت ضهري على الكرسي الورق ده ينقذ بابا ويكسبه المناقصة بس الورق ده كمان هيدمر مايا البنت اللي شفتها بتعيط وبتحمي أخويا هدمر أبوها وأمها زين بيحب بنت عدونا وأنا معايا السكينة اللي ممكن تدبح العدو ده لو قدمت الورق لبابا الجابري هيتدمر وممكن ينتقم بفتح ملف كريم والتحقيق الجد ولو ماقدمتوش بابا هيدمرني أنا، وزين كده كده في خطر
الباب خبط دخلت ليلى في إيدها صينية عليها فنجانين قهوة
ليلي : صباح الخير يا بدر، شفت نور مكتبك والع قلت أكيد لسه منمتش، ليلى النسمة الوحيدة في جحيم الجارحي، حطت القهوة وقربت مني حطت إيدها الناعمة على كتفي
ليلي : وشك أصفر ، إنت بتقتل نفسك في الشغل عشان ترضيه وهو عمره ما هيرضى
أنا : ابتسمت ليها بضعف ومسكت إيدها وبستها، أنا كويس يا ليلى المهم إنتي جاهزة لليوم النهاردة، الشوفة، العريس وأهله جايين
ليلى : سحبت إيدها وعيونها اتملت دموع جاهزة هو الخروف بيجهز غير للدبح، ماما جابتلي فستان غالي أوي وخبيرة تجميل جاية كمان ساعة بيجهزوني كأني عروسة حلاوة للعرض بصت لي نظرة رجاء بدر ساعدني إنت وآدم وزين اعملوا أي حاجة أنا بختنق
حسيت بالعجز بيعصر قلبي أختي بتستنجد بيا وأنا غرقان في مصيبة زين ومصيبة الجابري فتحت درج مكتبي وطلعت سكتش صغير كنت راسمهولها من فترة رسمة لليلى وهي صغيرة لابسة فستان بسيط وبتجري ورا فراشات في حقل عباد شمس
أنا : ببتسم، خدي دي يا ليلى خليها معاكي
ليلي : بصت للرسمة وابتسمت وسط دموعها، دي أنا أنا عمري ما جريت في حقل يا بدر
أنا : بقهر، دي روحك يا ليلى روحك حرة حتى لو جسمك محبوس هنا بصي للرسمة دي لما تحسي إنك ضعيفة وافتكري إن ليكي جناحين زي الفراشات دي، مسيرك هتفرديهم
حضنتني وريحة الياسمين في شعرها فكرتني بطفولتنا البريئة اللي اتسرقت ليلي شكراً يا فنان العيلة همست في ودني وخرجت
بصيت للابتوب تاني لازم آخد قرار زين ولا ليلى ولا نفسي قمت وقفت أخدت فلاشة وحطيت عليها المستندات اللي بتدين الجابري وطلعت ورقة وقلم ورسمت رسمة سريعة كاريكاتيرية رسمت ميزان كفة فيها قلب وكفة فيها فلوس والفلوس هي اللي طابة حطيت الرسمة في جيبي والفلاشة في جيبي التاني ورحت لغرفة زين كان صاحي قاعد في الضلمة بيأكل ضوافره
أنا : زين كريم الجابري في العناية، بس عايش
زين : اتنفس بصوت مسموع ودموعه نزلت، الحمد* الحمد*
أنا : مايا مقالتش اسمك قالت بلطجية
زين : بص لي بذهول، بجد هي عملت كده
أنا: أيوه البنت دي بتحبك يا غبي وإنت حطيتها في موقف زبالة قربت منه ومسكته من لياقة تيشرته اسمعني كويس إنت هتنسى البنت دي فاهم علاقتكم دي مستحيلة ودلوقتي بقت دموية لو قربت منها تاني أخوها هيفوق ويقول اسمك وأبوها هيفرمك وبابا مش هيرحمك
زين : زق إيدي، مش هقدر أنساها إنت مش فاهم حاجة إنت عمرك ما حبيت إنت عبارة عن آلة حاسبة بتمشي على رجلين
الكلمة وجعتني آلة حاسبة ده اللي أخويا شايفني بيه ميعرفش إني بضحي بروحي عشانه
أنا : بحزن، ماشى يا زين ماشي خليك فاكر إن الآلة الحاسبة دي هي اللي هتشيل وسختك دلوقتي سبته وخرجت
رحت لمكتب بابا في الشركة الساعة كانت ٩ الصبح هو بيحب الاجتماعات بدري دخلت عليه كان قاعد علي مكتبه وآدم قاعد قدامه بيراجع عقود
بابا : وهو بيلعب بالقلم الدهب بتاعه، ها يا بدر الـ ٤٨ ساعة لسه مخلصوش بس شكلك جاي ومعاك أخبار، آدم بص لي بقلق كأنه بيحاول يقرأ ملامحي
أنا : قربت من المكتب وحطيت الفلاشة قدامه، كل حاجة هنا يا بابا شركة الجابري بتستورد معدات طبية مغشوشة عن طريق شركة وهمية في قبرص اسمها بلو ويف، وادي أرقام التحويلات وتواريخ الشحنات وأسماء الموظفين المرتشين في الجمارك
الصمت عم المكتب بابا ساب القلم وبص للفلاشة وبعدين بص لي ابتسامة بطيئة وشيطانية اترسمت على وشه
بابا : باعجاب، يا ابن اللعيبة جبتها منين دي
انا : مش مهم منين يا بابا المهم إن ده يوديه في داهية ويخلي وزارة الصحة تسحب منه التراخيص وسمعته في السوق تبقى صفر
آدم كان بيبص لي بذهول هو عارف إن بدر ملوش في الألاعيب القذرة دي بابا أخد الفلاشة وحطها في اللابتوب بتاعه وبدأ يقلب في الملفات ضحكته كانت بتعلى مع كل ملف بيفتحه
بابا : * عليك يا بدر * عليك ده إنت طلعت داهية وأنا معرفش ده إحنا مش بس هنكسب المناقصة، ده إحنا هنشتري شركته بتراب الفلوس لما تقع
قام وقف، ولف حوالين المكتب ووقف جنبي حط إيده التقيلة على كتفي وخبط عليه بقوة
بابا : ده الشغل الصح النهاردة بس أقدر أقول إنك ابن سليم الجارحي كنت فاكرك طري بس طلعت قرش
كلمة قرش حسستني إني عايز أستفرغ أنا مش قرش أنا فنان قتلت فنه بإيديك
انا : بحزن، تؤمر بحاجة تانية يا بابا
بابا : بفرح، لأ روح إنت دلوقتي خد مكافأة وخد إجازة يومين بس اوعي تنسي بليل تحضر نفسك عشان عريس أختك عايزك تكون موجود القرش بتاعنا لازم يبان
خرجت من المكتب آدم لحقني
آدم : بدر، استنى إنت جبت الورق ده إزاي وإيه التمن أنا عارفك إنت مش بتعمل كده إلا لو فيه كارثة
انا : بصيت لآدم وشفت صورتي في عيونه صورة واحد كسر مبادئه، زين كان هيتقتل يا آدم أو يتسجن أنا عملت صفقة مع الشيطان عشان أحمي العيلة متسألش في تفاصيل
آدم : مسك دراعي، زين عمل إيه
أنا : اسأل زين، أنا تعبت أنا رايح أشوف ليلى
مشيت وسبته كنت ماشي في الشركة وأنا حاسس إن كل الناس بيبصوا عليا كأنهم شايفين الدم على إيدي ددمم الجابري اللي دمرته ودم كريم اللي مرمي في المستشفى ودم قلب مايا اللي هيتحرق لما أبوها يتفضح أنا بقيت واحد منهم بقيت، جارحي أصلي
رجعت القصر البيت كان مقلوب الخدم بيجروا في كل حتة بينضفوا بيلمعوا النجف بيحضروا البوفيه ريحة الورد البلدي مالية المكان بس بالنسبالي كانت ريحة جنازة طلعت لجناح ليلى الباب كان مفتوح وخبيرة التجميل كانت بتحط لمسات أخيرة ليلى كانت قاعدة قدام المراية لابسة فستان سماوي رقيق جداً وشعرها معمول بطريقة كلاسيكية كانت جميلة جميلة بشكل يوجع زي لوحة فنية نادرة محطوطة في مزاد علني دخلت وشاورت للكوافيرة تخرج
ليلى : لفت ليا وعيونها مليانة رعب، قربوا يوصلوا كمان نص ساعة
أنا : قعدت قدامها ومسكت إيدها، إنتي جميلة يا ليلى أجمل بنت في الدنيا
ليلي : ضحكت بمرارة، جميلة أنا حاسة إني سلعة بابا دخل لي من شوية قالي افردي ضهرك، واتكلمي فرنساوي بس لما يسألوكي ومتضحكيش بصوت عالي، بيبعني يا بدر بيبعني لواحد أكبر مني بـ ١٥ سنة عشان مصالحه
طلعت من جيبي الرسمة الكاريكاتيرية اللي رسمتها الصبح الميزان اللي فيه القلب والفلوس قطعتها حتت صغيرة قدامها
ليلي : ليه قطعتها
أنا : عشان الواقع مش كاريكاتير يا ليلى الواقع أقسى أنا دمرت عيلة النهاردة عشان أحمي زين بابا داس على آدم عشان البيزنس ودلوقتي الدور عليكي بصيت في عينها مباشرة وعيني لمعت بوميض غريب وميض التمرد اللي كان مدفون بس إحنا لسه ممتناش اسمعيني يا ليلى لما تنزلي تحت متكونيش بنت سليم الجارحي كوني ليلى، ليلى اللي بترسم فراشات في خيالها لو العريس ده معجبكيش لو حسيتي إنه بيشتريكي ارفضي اصرخي بوظي الجوازة
ليلى : بصت لي بصدمة، إنت بتقول إيه دا بابا يقتلني
أنا : بحزن، خليه يقتلنا كلنا أحسن ما نعيش أموات وقفت وبوست جبينها أنا هكون جنبك تحت وآدم هيكون جنبك، وزين زين غرقان في مصيبته بس بيحبك إحنا الأربعة درع وسند لبعض متخافيش
سبتها وخرجت ألبس وقفت قدام المراية أربط الكرافتة النهاردة بالليل القصر ده هيشهد مسرحية جديدة الشوفة بس المرة دي الممثلين مش حافظين الدور كويس أنا بدر الظل والنهاردة قررت إني مش هكون مجرد خيال بيعدي على الحيطة النهاردة الظل ده ممكن يبقى كابوس للباشا
سمعت صوت عربيات العريس بتدخل من البوابة نزلت السلم، ووقفت جنب آدم وزين (اللي نزل وعيونه وارمة بس بيحاول يتماسك) بابا وقف في النص زي المايسترو اللي بيقود الاوركسترا، همس بصوت فحيح ابتسموا الضيوف وصلوا
الباب اتفتح ودخل عاصم الشناوي العريس ووالده، ووالدته عاصم كان راجل أصلع بكرش صغير ولابس بدلة بتلمع زيادة عن اللزوم وفي بوقه سيجار وعيونه بتفحص القصر كأنه بيقيمه عشان يشتريه نظراته ليا ولإخواتي كانت نظرات استعلاء مقرف وبعدين نزلت ليلى صوت كعبها على السلم كان هو الصوت الوحيد المسموع كل العيون اتجهت ليها بابا كان بيبص ليها نظرة التاجر لبضاعته أما أنا، فكنت ببص ليها نظرة الرسام للوحته، اللي خايف عليها من التراب
ولما عاصم الشناوي بص ليها شفت في عينه نظرة جوع، نظرة خلت الدم يغلي في عروقي بصيت لآدم، لقيته ضامم قبضته لدرجة إن عروق إيده هطق، وبصيت لزين، لقيته بيبص للعريس بقرف وتحدي، إحنا التلاتة حسينا بنفس الشعور في نفس اللحظة، مش هنسمح بده يحصل حتى لو حرقنا القصر بلي فيه
الفصل الثالث
بقلم : عفريتة هانم

السلم، السلم الرخامي ده هو مسرح حياتي أو بمعنى أدق الممشى اللي بتتعرض عليه البضاعة كل درجة بنزلها بحس إنها بتقربني خطوة من القبر مش من الصالون الكعب العالي اللي لابساه بيعمل صوت على الرخام، صوت شبه دقات الساعة اللي بتعلن نفاذ الوقت
أنا ليلى، ليلى سليم الجارحي 25 سنة خريجة أدب إنجليزي من الجامعة الأمريكية، بس عمري ما اشتغلت، وعمري ما سافرت لوحدي، وعمري ما اخترت حتى لون ستارة أوضتي أنا الزينة أنا البرستيج، أنا الحاجة الحلوة اللي بتتحط على التورته عشان تغطي طعم العجين الفاسد
النهاردة الشوفة الكلمة نفسها مقرفة بتحسسني إني فرس في سوق مواشي الشاري جاي يفتح بوقي ويشوف سناني ويتأكد إن صحتي تمام وتصلح للإنتاج، لابسة فستان سماوي قماشه حرير طبيعي ناعم جداً بس أنا حاسة إنه خيش بيحك في جلدي ماما هي اللي اختارته، والكوافيرة هي اللي سرحت شعري، وحتى العقد الألماظ اللي في رقبتي بابا هو اللي جابه من خزنة العيلة ولبسهولي بنفسه وقالي ده عهدة إوعي يضيع منكم فيش حاجة عليا بتاعتي حتى جسمي مش بتاعي
نزلت آخر درجة الصالون الكبير كان مليان ناس، بس بالنسبالي كان مليان وحوش بابا واقف بابتسامته التجارية العريضة وماما قاعدة جنبه زي الليدي اللي خرجت من مجلة موضة محافظة على جمود ملامحها عشان التجاعيد متبانش وإخواتي سندي وظهري المكسور آدم واقف بجمود بس عيونه فيها قهر، نفس النظرة اللي شفتها لما ساب هنا حبيبته زمان بدر باصص لي نظرة فيها شفرة نظرة بتقول متستسلميش زين واقف بعيد شوية، عينه حمرا وشكله مبهدل رغم البدلة بيبص للضيوف بقرف كأنه عايز يتف عليهم
والضيوف عاصم الشناوي العريس اول ما عيني جت عليه حسيت برعشة برد مشيت في جسمي راجل في الأربعينات شعره خفيف وشه مليان ومدهنن ولابس ساعة دهب بتلمع بشكل مستفز كان بيبص ليا لأ مكنش بيبص ليا كان بيمسحني بعينه عينه نزلت من فوق لتحت، وقفت عند وسطي، وعند رجلي نظرة حسيت بيها إن فستاني اتشال من عليا نظرة شهوة تملك مش نظرة إعجاب
يا أهلاً يا أهلاً بـ ست البنات بسم** ما شاء ***، قمر ١٤ ده كان صوت والد عاصم، راجل عجوز صوته عالي بابا قرب مني ومسك إيدي وقدمها لعاصم كأنه بيسلمه مفتاح عربية جديدة
بابا : ليلى بنتي جوهرة العيلة
عاصم مد إيده إيده كانت عرقانة مسك صوابعي وضغط عليها ضغطة خفيفة ومقززة
عاصم : اتشرفنا يا آنسة ليلى الحقيقة الصور ظالماكي الطبيعة أحلى بكتير
انا : سحبت إيدي بسرعة وحاولت أرسم ابتسامة باهتة ) ميرسي
تعالي يا ليلى اقعدي هنا جنبي ماما شاورت على المكان الفاضي جنبها عشان أكون في الفاترينة قعدت وبدأت المناقصة، بابا ولع سيجاره، وبدأ يتكلم مع والد عاصم عن البورصة، وأسعار الحديد وصفقات الأراضي الكلام كان رايح جاي بينهم وعاصم بيشارك بضحكات مصطنعة وتعليقات بتدل على إنه رجل أعمال شاطر شويتين كنت قاعدة وحاطة إيدي في حجري بفرك في قماش الفستان لحد ما صباعي وجعني كنت سامعة صوت بدر في ودني كوني ليلى اصرخي بس أصرخ إزاي وأنا لساني مقطوع من سنين
رجعت بذاكرتي لورا لطفولتي كنت **** شقية بحب أجري وألعب فاكرة مرة وأنا عندي ٧ سنين هربت من الدادة وخرجت في الجنينة لقيت القطة السايامي بتاعتنا والدة قطط صغيرة قعدت ألعب معاهم، وهدومي اتبهدلت وشعري اتنكش كنت بضحك بصوت عالي فجأة حسيت بضل طويل غطاني بابا يومها مضربنيش الضرب للولاد العقاب ليا كان العزل حبسني في أوضتي ٣ أيام ممنوع خروج، ممنوع تليفزيون ممنوع لعب الأكل كان بيجيلي صينية وتتاخد ولما أفرج عني قعدني قدامه وقالي جملة منستهاش البنت الغالية زي التحفة الكريستال لو اتلمست كتير بتبصم وترخص ولو وقعت واتكسرت بتترمي في الزبالة إنتي عايزة تكوني كريستال ولا زبالة من يومها، قررت أكون كريستال خفت أترمي خفت من نظرة الاحتقار اتعلمت أمشي والكتب فوق راسي عشان ضهري يفضل مفرود اتعلمت آكل بالشوكة والسكينة حتى لو سندوتش جبنة اتعلمت إن صوت ضحكتي عورة وإن رأيي ملوش لازمة وإن وظيفتي في الحياة الانتظار انتظار إيه معرفش بس كنت مستنية المخلص كنت فاكرة إنه هيكون فارس على حصان أبيض يخطفني بس اللي جه مقاول بكرش جاي يشتري الرحم اللي هيجيب له ورثه والاسم اللي هينضف بيه سمعته في السوق
آنسة ليلى بتسوقي سؤال عاصم رجعني للواقع كان موجه الكلام ليا وهو بيبتسم ابتسامة صفرا بصيت لبابا بطرف عيني لقيته بيهز راسه إيماءة خفيفة يعني جاوبي
أنا : لا مبعرفش أسوق عندي سواق خاص
عاصم : ضحك بصوت عالي ) أحسن سواقة الستات بتجيب الجلطة أصلاً وبعدين اللي زيك ميمسكش دريكسيون يمسك مجلة وردة لكن بهدلة الشوارع دي ملناش فيها
حسيت بالدم بيغلي في عروقي اللي زيك هو شايفني إيه كائن عاجز زين اتكلم فجأة من مكانه
زين : ( بنبرة حادة ) على فكرة ليلى بتعرف تسوق كويس جداً أنا علمتها في ممرات الكومباوند وكانت بتعمل غرز أحسن مني
الكل سكت وبص لزين بابا برقلة بعينه نظرة تحذير
عاصم : ( رفع حاجبه باستنكار ) غرز يا ساتر لا إحنا عايزين هدوء عموماً يا زين بك أنا هوفرلها أسطول عربيات بسواقين مش هتحتاج تتعب نفسها
بابا حب يغير الموضوع بسرعة قبل ما زين يبوظ الليلة ليلى مش بس ست بيت ممتازة دي كمان فنانة بتعزف بيانو هايل إيه رأيك تسمعينا حاجة يا ليلى دي الفقرة التانية من العرض اختبار المهارات كنت عايزة أقول لأ عايزة أقول إني بطلت أعزف من زمان وإن البيانو بالنسبالي آلة تعزييب بتفكرني بدروس الموسيقى الإجبارية بس الريموت كنترول اللي ماسكه بابا اشتغل قمت من مكاني، ومشيت بخطوات آلية ناحية البيانو الجراند الأسود اللي في ركن الصالون
قعدت على الكرسي فتحت الغطا المفاتيح البيضا والسودا كانت بتبص ليا كأنها سنان وحش حطيت إيدي المرتعشة على المفاتيح أعزف إيه بيتهوفن، موزارت، الحاجات الكلاسيكية اللي بابا بيحبها عشان الرقي بصيت ناحية بدر كان باصص لي وبيهز راسه وبيلمس قلبه بإيده اعزفي اللي حاساه غمضت عيني وافتكرت اللوحة اللي بدر قطعها القلب والفلوس ضغطت على المفاتيح بقوة بدأت بمقطوعة لـ شوبان نكتورن حزين وكئيب المزيكا كانت بتخرج من تحت صوابعي زي البكا نغمات بطيئة تقيلة مليانة شجن
كنت بعزف وأنا شايفة نفسي بصرخ كل ضغطة على مفتاح كانت صرخة أنا مش عايزة أتجوز أنا مش عايزة أعيش كده خرجوني من هنا
اندمجت في العزف النغمات بدأت تعلى وتزيد حدتها تحولت من حزن لغضب عزفت كرشيندو عالي ومفاجئ صوت البيانو رن في القصر كله كأنه جرس إنذار فتحت عيني فجأة لقيت الكل باصص لي بذهول عاصم كان فاتح بقه ووالدته بتعدل نضارتها باستغراب بابا كان وشه محتقن وعروق رقبته بارزة أنا خرجت عن النص المفروض أعزف حاجة ناعمة، هادية خلفية موسيقية لكلامهم عن الفلوس مش سيمفونية غضب
سكتت فجأة شلت إيدي من على البيانو
الهدوء اللي حصل كان مرعب بابا كسر الصمت بضحكة متوترة
بابا : ( احم ) ليلى بتحب المدارس الحديثة في العزف مليانة مشاعر زيادة بس طبعاً بتعرف تعزف حاجات تانية أهدى
عاصم : ( صفّق ببرود عظيم ) عظيم قوية بس ياريت في بيتنا بقى نعزف حاجات فرايحي كده مش عايزين نكد يا عروسة
نكد، فني ووجعي وصرختي سماهم نكد
قمت ورجعت مكاني وحسيت إني عايزة أستفرغ زين كان بيبتسم ابتسامة صغيرة وآدم غمز لي بعينه غمزة سريعة يعني برافو حسيت بقوة غريبة سريت فيا أنا نكدت عليهم أنا بوظت المود المثالي اللي بابا كان راسمه دي أول مرة أعمل حاجة بإرادتي
والد عاصم : ندخل في المفيد بقى يا سليم بيه إحنا طالبين القرب ويشرفنا نناسب عيلة الجارحي وطبعاً إحنا عارفين الأصول المهر اللي تطلبوه والشبكة عاصم جايب طقم من بولجاري يليق بالآنسة
بابا : ( ابتسم برضا ) إحنا بنشتري راجل يا حاج والفلوس آخر همنا بس طبعاً الأصول أصول إحنا هنكتب الكتاب والفرح بعد شهرين في فندق الماسة وإحنا مجهزين فيلا لليلى في التجمع تكون باسمها
عاصم : ( قاطعه ) فيلا التجمع دي هتبقى للصيف يا عمي أنا بجهز الجناح بتاعي في قصر الوالد في الزمالك عشان نكون قريبين من العيلة
قلبي وقع هخرج من قصر لقصر من سجن بابا لسجن حمايا هعيش مع أهله في نفس البيت يعني مراقبة ٢٤ ساعة
أنا : ( بصيت لبابا مستنجدة ) بس يا بابا إحنا اتفقنا إني.
بابا : ( بص ليا بحدة خرستني ) اتفقنا على الخير يا ليلى بيت العيلة عزوة وأمان وعاصم أدرى بمصلحته
عاصم : بعد إذنكم يا جماعة ممكن أتكلم مع الآنسة ليلى دقيقتين على انفراد في التراس مثلاً نتعرف عاصم طلب الطلب ده وهو بيبص لي بنظرة خبيثة
بابا : ( وافق فوراً ) طبعاً طبعاً يا بني خدوا راحتكم قومي يا ليلى فرجي عاصم بيه على الجنينة
قمت ورجلي مش شيلاني مشيت ناحية التراس عاصم قام ومشي ورايا حسيت بآدم بيتحرك من مكانه بس بابا مسكه من دراعه وقعده تاني وبدأ يكلمه في تفاصيل الشغل عشان يلهيه زين كان هيقوم بدر مسكه وهمس له بحاجة خلت زين يقعد وهو بيغلي خرجت التراس الهوا كان بارد ومنعش ريحة الياسمين في الجنينة كانت قوية وقفت وبصيت للبيسين كنت بتمنى أغرق فيه وأخلص
عاصم وقف جنبي قريب أوي ريحة البرفان بتاعه كانت تقيلة ومختلطة بريحة سجاير وعرق
عاصم : ( همس بصوت لزج ) إيه الجمال ده
مردتش قرب أكتر لدرجة إن كتفه لمس كتفي بعدت خطوة
عاصم : مالك خايفة كده إحنا خلاص هنبقى واحد بصراحة أنا مكنتش متحمس للجوازة دي كنت فاكرك زي بنات اليومين دول لسان طويل وعلى الفاضي بس عجبتيني هادية ومطيعة والأهم جسمك فرنساوي
انا : ( بصوت بيترعش ) لو سمحت ممكن نتكلم في حاجة تانية
عاصم : ضحك وقرب وشه مني نتكلم في إيه في الأدب الإنجليزي فكك بقى من جو الثقافة ده أنا عايز ست بيت عايز واحدة تدلعني لما أرجع من الشغل وتسمع الكلام وأبوكي قالي إنك عجينة لينة أقدر أشكلها زي ما أنا عايز
أبويا قال كده عجينة عاصم مد إيده وحاول يمسك خصلة من شعري
عاصم : شعرك ده طبيعي ولا إكستنشن ناعم أوي
حسيت بلمسة صباعه على رقبتي في اللحظة دي الخوف اختفى وحل مكانه قرف قرف لا نهائي افتكرت كلام بدر ارفضي اصرخي
أنا : ( زقيت إيده بعنف ) اوعى تلمسني
الصوت خرج مني عالي أعلى مما تخيلت
عاصم اتفاجئ ورجع لورا خطوة وملامحه اتحولت من الهزار للغضب
عاصم : ( بغضب ) إيه يا بت الجنان ده إنتي بتزقيني
انا : أيوه بزقك وأنا مش بت ومش عجينة وأنا مش موافقة عليك
عاصم : ( وشه احمر وقرب مني بنظرة تهديد ) صوتك ميعلاش وإلا هعرفك مقامك من دلوقتي إنتي فاكرة نفسك مين إنتي حتة بضاعة أبوكي بيحاول يخلص منها قبل ما تعنسي وأنا بعمل فيكم جميلة إن بستر عليكي وبناسبكم عشان وضعكم المالي المهزوز
أنا : ( بذهول ) وضعنا المالي مهزوز
عاصم : ( ضحك بسخرية ) يا قطة أبوكي مديون لطوب الأرض ومناقصة العاصمة دي هي طوق النجاة وجوازي منك جزء من ديل كبير عشان أبويا يضمن له سيولة مالية يعني إنتي مش بس صفقة إنتي سداد ***
الدنيا لفت بيا أنا سداد *** بابا بيبيعني عشان يسد ديونه مش عشان مصلحتي زي ما بيقول كل الأقنعة وقعت آدم، بدر، زين وأنا كلنا وقود لمحرك سليم الجارحي اللي بيتحرق
عاصم : ( انتهز فرصة صدمتي، ومسك دراعي بقوة ) فلمي ليلتك وعديها وخلينا ندخل نقرأ الفاتحة وبلاش شغل العيال ده إنتي هتيجي معايا ورجلك فوق رقبتك
سيب إيدها يا حيوان الصوت جه من ورا عاصم صوت هادي بس مرعب بصينا إحنا الاتنين كان زين واقف عند باب التراس وفي إيده كاس عصير بس الماسكة اللي ماسك بيها الكاس بتقول إنه ناوي يكسره على راس حدو ورا زين كان آدم وبدر التلاتة واقفين صف واحد حيطة سد
عاصم : ( ساب إيدي وبص لهم بتوتر حاول يداريه ) إيه يا جماعة فيه إيه إحنا بنهزر أنا وخطيبتي
زين : ( قرب خطوة وعيونه فيها جنون ) خطيبتك مين يا روح أمك إحنا سمعناك وإنت بتهددها وسمعنا الوساخة اللي قولتها
آدم : ( قرب ببرود ووقف قدام عاصم مباشرة آدم أطول منه وأعرض ) أستاذ عاصم الزيارة انتهت آدم قالها بصوت واطي ورسمي جداً
عاصم : ( حاول يعلي صوته ) نعم إنت بتطردني إنت عارف أنا مين أبوك لو عرف
بدر : اتكلم من ورا آدم وهو بيعدل نضارته بصباعه الأوسط (حركة مقصودة) أبوك وأبويا قاعدين جوه بيشربوا قهوة بس لو صوتك علي كمان نمرة أو لو فكرت تقرب من أختنا تاني صدقني المناقصة هتكون أقل خسارة ليك النهاردة أنا معايا ملفات تخلي عيلة الشناوي تبيع لب في الإشارات
بدر كان بيكدب أو ربما بيستغل ورق الجابري كورقة ضغط وهمية بس نبرة صوته كانت مقنعة ومرعبة
عاصم بص للتلاتة بص لزين المتهور، وآدم القوي وبدر الماكر وعرف إنه خسر الجولة
عاصم : ( عدل جاكيتته بعصبية ) تمام، تمام أوي أنا خارج بس بلغوا الباشا الكبير إن الاتفاق لاغي وخلوه يشوف مين هيسد ديونه بقى
مشى من جنبهم، وخبط في كتف زين وهو خارج زين كان هيهجم عليه بس آدم مسكه، أول ما عاصم دخل الصالون واختفى رجلي خذلتني وكنت هقع آدم لحقني بسرعة وحضنني دفنت وشي في صدر آدم وبدأت أعيط عياط هستيري عياط السنين اللي فاتت كلها
انا : كان كان بيقول إني سداد *** إن بابا بايعني
آدم : ( طبطب على شعري بحنية ) ششش اهدي خلاص مشي مش هيدخل البيت ده تاني
بدر : قرب ومسك إيدي إنتي كنتي بطلة يا ليلى زقتيه أنا شفتك
زين : ( كان بيتنفس بصعوبة من الغضب ) أنا هدخل أكسر الصالون على دماغهم
فجأة سمعنا صوت زعيق جاي من جوه صوت عاصم وهو بيزعق وصوت أبوه وبعدين صوت بابا العالي جداً
إنتي عملتي إيه يا هانم باب التراس اتفتح بعنف بابا ظهر وشه كان لونه أحمر وشكله مرعب أكتر من أي وقت فات وراه كانت ماما بتعيط بصمت الضيوف مشيوا والمسرح فضي وبقينا إحنا وبس بابا بص لينا إحنا الأربعة النظرة كانت بتوحي بحاجة واحدة الإعدام
بابا : ضيعتوا الصفقة ضيعتوا العريس وقفتوا قصادي صوته كان واطي في الأول وبعدين انفجر زي البركان. ده انقلاب بقى عاملين عصابة عليا
آددمم سابني، ووقف قدامي يحميني بضهره وزين وبدر وقفوا جنبه لأول مرة في تاريخ قصر الجارحي الأبناء الأربعة واقفين صف واحد في وش الأب
آدم : ( رفع راسه وبص لبابا في عينه ) مش عصابة يا بابا إحنا بنحمي أختنا من واحد واطي كان بيمد إيده عليها
بابا : ( ضحك ضحكة هستيرية ) تحموها تحموها من مين أنا اللي بحميكم أنا اللي شايل همكم من غيري إنتوا ولا حاجة ومن غير الجوازة دي الشركة هتفلس سامعين هنفلس وهنشحت
الخبر نزل علينا زي الصاعقة عاصم كان بيتكلم جد إمبراطورية الجارحي بتنهار
بابا : ( كمل وهو بيشاور علينا بصباعه ) بس وحياة أمي لربيكم من أول وجديد ليلى مفيش خروج من أوضتك لحد ما تموتي. زين بكرة الصبح هقدم بلاغ فيك وأسلمك للقسم بإيدي في قضية الضرب بدر انسي شغلك في الحسابات، هرميك في المخازن وآدم. آدم باشا اعتبر نفسك مفصول من إدارة المجموعة
التهديدات المرة دي كانت حقيقية هو بيحرق المعبد على اللي فيه بس الغريب إني مكنتش خايفة بصيت لإخواتي شوفت في عينهم نفس النظرة الخوف راح لأننا خسرنا كل حاجة خلاص فمبقاش عندنا حاجة نخاف عليها غير بعض
زين : ضحك فجأة ضحكة مجنونة وسط الجو المشحون ده حلو حلو أوي يا بابا وفرت علينا كتير طالما هنفلس وهنتحبس يبقى نلعب بقى
بابا : ( بص لزين بذهول ) إنت اتجننت
زين : بص لينا، وغمز يلا
آدم ابتسم ابتسامة خفيفة بدر عدل نضارته و
أنا مسحت دموعي يلا. اللحظة دي كانت النهاية
إحنا مش بس بوظنا الجوازة إحنا أعلنا الحرب .
الجزء الرابع
الأدرينالين. مخدر رباني. بيمشي في الدم زي الكهربا بيخليك تشوف الدنيا HD الألوان أسطع الأصوات أوضح والخوف بيتحول لحاجة تانية خالص حاجة طعمها حلو، طعمها قوة. أنا زين الجارحي، الصايع الفاشل عار العيلة زي ما الباشا بيحب يكتب في الـ CV بتاعي بس النهاردة وفي اللحظة دي أنا حاسس إني بني آدم لأول مرة من 20 سنة
بابا خرج ورزع باب الصالون وراه والازاز اللي في النيش رن من قوة الرزعة ماما كانت قاعدة على الكنبة منهارة، وشها بين إيديها، صوت بكاها هو الصوت الوحيد اللي قاطع الصمت المرعب اللي حل على المكان إحنا الأربعة واقفين كتف في كتف آدم، اللي طول عمره التمثال اللي بنعبده واقف وفارد ضهره، بس عروق رقبته بتنبض بعنف بدر الظل اللي بيخاف يمشي جنب الحيط، واقف وبيعدل نضارته بتحدي غريب، وكأنه لسه مخلص معركة شطرنج كسب فيها الملك ليلى العصفورة المحبوسة لسه بتترعش، بس مش رعشة خوف، رعشة إفراج
ماما : رفعت وشها وعينها وارمة المكياج ساح وبوظ وش الهانم اللي بتحافظ عليه؛؛ إنتوا عملتوا إيه إنتوا اتجننتوا ضيعتوا أبوكم ضيعتوا نفسكم
أنا : قربت منها وكنت عايز أصرخ في وشها وأقولها؛؛ إنتي فين من زمان ليه مدافعتيش عننا بس لما شفت كسرتها صعبت عليا هي كمان ضحية بس ضحية استسلمت للجلاد وحبت الزنزانة
انا : بصوت هادي غير معتاد مني؛؛ إحنا مضيعناش حد إحنا يا دوب بنحاول نتنفس
ماما : صرخت بهستيريا؛؛ تتنفسوا أبوكم مش هيسكت إنتوا متعرفوش سليم الجارحي لما بيغضب هيحرق الأخضر واليابس قال هيحبسك يا زين هيسلمك للقسم وقال هيطردكم
آدم : قرب منها وحط إيده على كتفها؛؛ متقلقيش يا ماما إحنا عارفين بنعمل إيه
أنا : بصيت لآدم وضحكت غصب عني ضحكة قصيرة؛؛ بجد عارفين بنعمل إيه يا أستاذ آدم ولا دي جملة من بتوع الاجتماعات عشان أنا شخصياً معنديش فكرة إحنا هنروح فين لما الباشا ينفذ تهديده آدم بص لي ونظرة الأخ الكبير اللي كنت بكرها اختفت وحل مكانها نظرة شريك في الجريمة؛؛ أدم تعالوا على أوضتك يا زين لازم نتكلم بعيد عن هنا
طلعنا على أوضتي في الجناح الشرقي أوضتي المملكة بتاعتي الحيطان المدهونة أسود ( رغم اعتراض بابا ) بوسترات Pink Floyd و Metallica الجيتار الكهربائي المركون في الزاوية وريحة السجاير المكتومة اللي بحاول أداريها بالبخور المكان ده هو الرئة الوحيدة اللي بتنفس منها في القصر ده ليلى قعدت على الـكرسي وحضنت ركبها بدر قعد على طرف المكتب وآدم فضل واقف ساند على الباب المقفول وأنا أنا قعدت على الأرض ولعت سيجارة من غير ما أستأذن حد لأول مرة أولع سيجارة قدام آدم من غير ما يبص لي بقرف أو يديني محاضرة عن الصحة والبرستيج
انا : ها الخطة إيه يا رجالة نسلم نفسنا ولا نهرب ولا نستنى لما الحرس بتوع الباشا ييجوا يرمونا بره
بدر : اتكلم وهو بيبص في الأرض؛؛ هو مش هيرمينا بره دلوقتي هو قال حسابكم لسه مخلصش سليم الجارحي مبيحبش الفضايح الليلية هو هيستنى للصبح عشان ينفذ الانتقام على نار هادية
آدم : فك الكرافتة ورماها على السرير؛؛ بدر معاه حق هو محاصرنا دلوقتى البوابات أكيد اتقفلت والحراسة اتشيدت احنا في سجن
ليلى : رفعت راسها؛؛ طب هنستسلم أنا أنا مستحيل أتجوز الراجل ده مستحيل
أنا : بصيت لها وابتسمت؛؛ محدش هيتجوز حد غصب عنه يا لولو خلاص الفيلم ده اتحرق عاصم الشناوي خرج من هنا وهو عارف إنك مجنونة وإحنا بلطجية مفيش راجل بكرش زي ده هيقبل يناسب عيلة مشرفة زينا بعد اللي حصل
بدر : بصوت واطي؛؛ بس التمن غالي أوي الشركة يا آدم بابا قال هتفلس المناقصة كانت الأمل الأخير
آدم : فرك وشه ؛؛ الشركة بتنزف بقالها سنين بابا كان بيداري الخساير بقروض وصفقات مشبوهة انهيارها كان مسألة وقت إحنا بس سرعنا النهاية
وقفت ومشيت في الأوضة رايح جاي الطاقة اللي جوايا مش مخلياني عارف أقعد
أنا : بعصبية؛؛ تولع الشركة وتولع الفلوس إنتوا زعلانين على إيه على الورق الملون اللي كنا عبيد ليه ما تغور في داهية نعيش فقرا بس أحرار
آدم : بص لي بحدة؛؛ زين فوق الدنيا مش أغاني روك وشعارات إحنا مسؤولين لو الشركة وقعت فيه موظفين هيتشردوا وفيه قضايا وشيكات ومصايب هتنزل فوق راسنا إحنا كمان بصفتنا شركاء أو ورثة
أنا : بغضب؛؛ أنا مش شريك في حاجة أنا اسمي مش في أي ورقة أنا القاصر بنظر القانون والعيلة
بدر : قاطعنا بهدوء؛؛ إنت عندك مصيبة أكبر يا زين. كريم الجابري
الاسم نزل عليا زي جردل مية متلجة نسيت وسط هوجة الثورة العائلية نسيت إن فيه واحد مرمي في العناية المركزة بسببي وإن فيه بنت اسمها مايا بتدعي **** إن أخوها يعيش وإن حبيبها ميطلعش قاتل قعدت تاني وحسيت إن روحي بتنسحب مني لو فاق هيقول اسمي ولو مات سكت ومقدرتش أكمل
آدم : قرب مني ؛؛ عشان كده لازم نتصرف بسرعة بابا هدد إنه هيسلمك بكرة الصبح هو عايز يغسل إيده منك ويقدمك قربان عشان يحاول يصلح علاقته بالجابري أو على الأقل يبان قدام المجتمع إنه الأب العادل اللي مبيتسترش على ابنه المجرم
انا : بصيت لآدم بذهول؛؛ هو ممكن يعمل كده بجد يبيعني؛؛؛ آدم وبدر بصوا لبعض والنظرة كانت كفيلة بالإجابة سليم الجارحي يبيع أي حد عشان الجارحي جروب حتى لو ابنه
في اللحظة دي حسيت بحاجة انكسرت جوايا للأبد آخر خيط رفيع كان رابطني بالراجل ده اتقطع مابقاش بابا بقى العدو .
انا : بصوت مخنوق؛؛ طب والعمل
بدر : طلع فلاشة من جيبه الفلاشة اللي دمر بيها الجابري الصبح أنا لسه معايا نسخ من الملفات دي وكمان سحبت نسخة من ملفات بابا القديمة من السيرفر قبل ما الصلاحيات تتلغي
آدم : بص لبدر بصدمة؛؛ بدر. إنت عملت إيه
بدر : عدل نضارته بابتسامة؛؛ أنا كنت بجهز لليوم ده بقالي سنين يا آدم من غير ما أحس كل مرة كان بيزعقلي فيها كنت بخبي ورقة كل مرة كان بيحتقرني فيها كنت بحفظ ملف أنا معايا تاريخ سليم الجارحي الأسود كله تهرب ضريبي، رشاوي، غسيل أموال
أنا وليلى وآدم بصينا لبدر بذهول الظل طلع أخطر واحد فينا طلع هو الصندوق الأسود
أنا : يعني إيه يعني هنبلغ عنه
بدر : هز راسه؛؛ لأ دي ورقة مساومة نعيش ونخليه يعيش أو نقع ونوقعه معانا دي الورقة اللي هتحميك يا زين، وتحمي ليلى، وتخلينا نخرج من هنا بأمان
آدم : سكت شوية بيفكر عقل المدير التنفيذي اشتغل؛؛ مينفعش نفضل هنا المساومة دي لازم تحصل وإحنا بره سيطرته طول ما إحنا جوه القصر هو يقدر يدفننا ويدفن الملفات دي لازم نخرج الليلة
ليلي : بتبص للشباك؛؛ نخرج إزاي الحرس تحت في كل حتة أنا شفت شوقي كبير الحرس بيلف بكلاب الحراسة
قمت وقفت ورحت ناحية الشباك بصيت من ورا الستارة فعلاً الجنينة كانت مليانة حركة غير طبيعية كشافات بتنور وتطفي وناس ببدل سودا واقفين عند الأسوار حصار كامل زين الجارحي لما بيتحاصر بيتحول عقلي بدأ يشتغل بسرعة جنونية انا حافظ القصر ده طوبة طوبة حافظ كل ممر كل شباك كل شجرة ممكن نتسلق عليها أنا قضيت طفولتي كلها بهرب من هنا عشان أروح ألعب مع العيال
انا فيه طريقة قلتها وأنا لسه باصص للشباك التلاتة بصوا ليا فيه ممر الخدم القديم اللي ورا المطبخ ده مسدود بقاله سنين بكراتين وحاجات قديمة وبابه بيفتح على الزقاق الضيق اللي ورا القصر بعيد عن البوابة الرئيسية والكاميرات
آدم : هز راسه؛؛ انا فاكره بس ده مقفول بقفل ومفتاحه مع عم عبده الجنايني بس
انا : ابتسمت؛؛ وطلعت من جيبي دبوس شعر كنت واخده من ليلى من فترة عشان أصلح بيه جاك الجيتار مين قال إننا محتاجين مفتاح
بدر : سأل بقلق؛؛ طب وبعد ما نخرج هنروح فين العربيات كلها متراقبة وبطايقنا البنكية أكيد وقفت
انا : بصيت لهم وعيني لمعت؛؛ هنركب الريح شاورت على صورة كبيرة متعلقة على الحيطة صورة لموتوسيكلي الـ Harley Davidson المتعدل، وموتوسيكل تاني Ducati كنت مخبيه في جراج صاحبي ميدو، وبدر كان دافع لي قسطه من ورا بابا موتوسيكلي موجود في الجراج الخلفي تحت غطا مشمع ومفاتيح عربية آدم الـ 4x4 معايا سرقتها من مكتبه الصبح احتياطي
آدم : ضحك بذهول؛؛ إنت سرقت مفاتيح عربيتي
انا : بضحك؛؛ احتياطي يا عم اهو جه وقتها العربية دي الوحيدة اللي تقدر تمشي في المدقات اللي ورا القصر لو الطريق اتقفل
رسمنا الخطة الساعة ٣ الفجر وقت نوبة تغيير الحرس الوقت اللي التركيز فيه بيقل آدم هيسوق الـ 4x4 ومعاه ليلى وبدر وأنا هطلع بالموتوسيكل عشان أشتت انتباه الحرس لو حصل حاجة وعشان أنا أسرع واحد يعرف يستكشف الطريق
اتفقنا حطينا إيدينا فوق بعض إيد آدم القوية إيد بدر المرتعشة إيد ليلى الناعمة وإيدي الموشومة اتفقنا
الساعات اللي بعدها كانت أطول ساعات في عمري كل دقيقة بتعدي كأنها سنة قعدنا نلم حاجاتنا الضرورية ليلى لمت دهبها وفلوس كانت محوشاها بدر لم اللابتوب والفلاشات وسكتشات الرسم بتاعته آدم أخد أوراق شخصية وباسبوراتنا اللي كانت في خزنة مكتبه (لحسن الحظ هو كان محتفظ بيهم عشان كان بيجدد تأشيرات) أنا مخدتش غير الجيتار بتاعي وجاكيت الجلد وصورة صغيرة لـ مايا
الساعة بقت ٢:٥٥ الفجر القصر كان ساكت تماماً زي المقبرة النور مطفي في كل الممرات اتسحبنا زي الأشباح نزلنا سلم الخدم الضيق عشان نتفادى السلم الرئيسي وصلنا للمطبخ ريحة بواقي أكل وتوابل وصلنا لباب المخزن الخلفي
ليلي : زين؛؛ إنت متأكد ليلى همست وهي ماسكة في ديل جاكيت آدم
أنا : بابتسامة؛؛ عيب عليكي
قعدت قدام القفل الكبير المصدي حطيت الدبوس في القفل دقيقتين والقفل اتفتح زقينا الباب الحديد ببطء شديد عشان ميطلعش صوت الهوا البارد لفح وشوشنا إحنا في الجراج الخلفي المكشوف عربية آدم الـ Jeep Wrangler كانت راكنة في الزاوية وموتوسيكلي تحت المشمع بسرعة. آدم وبدر وليلى ركبوا العربية آدم دور الموتور. صوته كان عالي نسبياً في السكون ده قلبي دق يا رب ما حد يسمع أنا جريت على الموتوسيكل شلت المشمع، وركبت فجأة كشافات قوية نورت في وشنا صوت سرينة إنذار ضربت في المكان كله وقف عندك صوت شوقي كبير الحرس طالع من جهاز لاسلكي ووراه ٣ رجالة أمن جايين جري ومعاهم كلاب خيانة الحرس صحيوا آدم صرخ بصيت لآدم وشاورت له يكسر البوابة الخشب القديمة اللي في آخر الممر دوس يا آدم دوس ومتقفش آدم داس بنزين العربية اندفعت ناحية البوابة الحرس كانوا بيقربوا كلب منهم كان هيهجم على العربية أنا دورت الموتوسيكل وعملت حركة ( رفعت العجلة اللي قدام ) ومشيت ناحية الحرس عشان أخوفهم وأبعدهم عن طريق العربية الموتور بتاعي صوته كان زي الرعد خلى الكللابب ترجع لورا بخوف
زين اركب ليلى صرخت من شباك العربية؛؛ اسبقوني أنا هلحقكم آدم خبط البوابة والطريق اتفتح العربية خرجت للزقاق الضيق وطارت أنا لفيت بالموتوسيكل، وبحركة استعراضية مجنونة زحفت بالعجلة ورشيت تراب وحصى في وش الحرس اللي كانوا بيحاولوا يمسكوني. قولوا للباشا زين بيسلم عليك وفتحت مقبض البنزين على آخره الموتوسيكل طار ورا العربية الهوا كان بيخبط في وشي، والسرعة كانت بتغسل روحي من كل وجع هربنا أول مرة في حياتنا نهرب بجد مشينا في شوارع جانبية ضلمة لحد ما طلعنا على الطريق الدائري العربية كانت قدامي وأنا وراها زي الحارس شفت ليلى بتبص لي من الشباك الخلفي وبتضحك وهي بتعيط وبدر رافع علامة النصر من الشباك وآدم سايق بتركيز بس حاسس إنه بيطير
وقفنا بعد ساعة ريست مهجور على طريق السويس نزلنا من العربيات السكوت كان سيد الموقف للحظات بننهج بنبص لبعض ونضحك بهستيريا عملناها ليلى قالتها وهي بتحضن آدم إحنا بره القصر إحنا بره حياتنا القديمة كلها أنا قعدت على الأرض وسندت ضهري على كاوتش العربية طلعت تليفوني كان فيه رسالة وصلتني قبل ما الشبكة تقطع (لأن بابا أكيد وقف الخطوط) الرسالة من رقم غريب فتحتها كريم فاق وسأل عليك
الدم جمد في عروقي بصيت لإخواتي اللي بيحتفلوا بحريتهم الفرحة ماتت في قلبي كريم فاق يعني الحرب الحقيقية هتبدأ دلوقتي الجابري مش هيسيبنا وبابا مش هيسيبنا والبوليس هيدور علينا إحنا مش بس هربنا من سجن إحنا دخلنا ساحة حرب رفعت راسي لآدم، وقلت بصوت واطي كسر فرحتهم الهروب كان الجزء السهل يا جماعة كريم فاق
الصمت رجع تاني بس المرة دي صمت الخوف من المجهول واقفين في نص الطريق ورانا ماضي بيتحرق، وقدامنا مستقبل مظلم هنعمل إيه بدر سأل آدم بص للسما اللي بدأت تشقشق بنور الفجر هنواجه لأول مرة هنواجه وإحنا اللي سايقين
وبص ليا زين إنت اللي هتقودنا المرة دي إنت بتعرف تتعامل في الشارع إحنا بتوع مكاتب إنت ابن الليل حسيت بحمل جبل نزل على كتافي أنا الفاشل هقود آدم وبدر قمت وقفت ونفضت التراب من على بنطلوني تمام اركبوا أنا عارف مكان نستخبى فيه مكان محدش هيتوقعه مكان يخلي الباشا يتجنن لو عرفه ابتسمت ابتسامة شيطانية عند العدو أو اللي المفروض إنه عدو
آدم: صرخ في وشي؛؛ عند العدو إنت شارب حاجة يا زين صوته كان حاد لدرجة إنه خض الغربان اللي واقفة على عمود النور عيونه كانت حمرا من السهر والضغط وشعره اللي دايمًا متسرح بالمللي، كان منعكش وكأنه لسه طالع من خناقة
أنا : أخدت نفس عميق؛؛ اسمعني يا آدم وبلاش شغل المدير ده دلوقتي الباشا هيقلب علينا الأرض هيدور في الفنادق عند صحابنا في الشاليهات حتى عند قرايبنا اللي منعرفهمش المكان الوحيد اللي مستحيل يخطر على باله هو مكان يخص الجابري
بدر : عدل نضارته وهو بيترعش من البرد؛؛ تقصد إيه بمكان يخص الجابري إنت عايزنا نروح نسلم نفسنا ليحيى الجابري في فيلته
انا : ضحكت بسخرية؛؛ لا يا فالح أنا بتكلم عن الخرابة المسكونة شقة قديمة في جاردن سيتي ورثتها مايا من جدتها الشقة دي مقفولة بقالها سنين ومحدش بيروحها مايا ادتني المفتاح من شهور عشان كنا بنتقابل هناك بعيد عن عيون الناس
ليلى : شهقت إحنا هنروح شقة حبيبتك بنت الراجل اللي إحنا دمرناه
انا : بصيت لليلى في عينها؛؛ إحنا هنروح مكان ملوش وجود في السجلات الحالية مكان محدش بيدخله مكان مفيهوش كاميرات مراقبة ولا حرس ده أأمن جحر لينا دلوقتي لحد ما نشوف هنعمل إيه في المصيبة اللي اسمها كريم دا
آدم سكت لحظة بيحسبها في دماغه هو بيكره المخاطرة بس هو ذكي كفاية عشان يعرف إننا محروقين في كل حتة تانية
آدم: معاك المفتاح
أنا : طلعت سلسلة مفاتيحي ورفعت مفتاح؛؛ دايماً معايا
آدم : طب تمام يلا اركبوا العربية
الطريق لجاردن سيتي كان كابوس الشمس بدأت تطلع والناس بدأت تتحرك كل عربية شرطة بتعدي جنبنا كانت بتخلي قلوبنا تقع في رجلينا أنا كنت سابقهم بالموتوسيكل عيني بتسح الطريق زي الرادار كنت حاسس إني كاشف في حقل ألغام. وصلنا المنطقة شوارع جاردن سيتي المتعرجة والمضللة بالأشجار الضخمة كانت دايماً بتديني إحساس بالرهبة منطقة الكوات والباشوات القدام اللي ريحتها تاريخ ركنت الموتوسيكل في زقاق ضيق ورا العمارة وغطيته بمشمع قديم لقيته هناك آدم ركن العربية بعيد شوية عشان متلفتش النظر دخلنا العمارة المدخل كان عالي وضخم والرخام مكسر والأسانسير معطل ومكتوب عليها خارج الخدمة الدور الرابع قلتلهم وأنا ببدأ أطلع السلم. ليلى كانت بتنهج فستانها السماوي الغالي اتبهدل تراب من الجري والقعدة في العربية وكعب جزمتها اتكسر فقلعته وماشية حافية منظر برنسيسة الجارحي وهي طالعة سلم خدامين حافية كان بيوجع قلبي بس في نفس الوقت حسسني إنها أقوى مما كنت فاكر وصلنا الشقة فتحت الباب صوت تكة المفتاح في الكالون كان عالي ومزعج في سكون العمارة
زقيت الباب ريحة الكمكمة والغبار استقبلتنا الشقة كانت واسعة بشكل مخيف سقف عالي عفش متغطى بملايات بيضا كأننا في بيت أشباح الشبابيك الطويلة مقفولة بشيش خشب تقيل مانع النور
انا : بسخرية؛؛ نورتوا بيت الرعب قلت وأنا بقلع جاكيتي وبرميه على كرسي متغطى بدر دخل وقفل الباب وراه بالترباس وسند ضهره على الباب واتزحلق قعد على الأرض
بدر : إحنا بقينا مجرمين بجد مقتحمين أملاك خاصة
آدم مشي في الصالة ورفع طرف ملاية عن كنبة مدهبة
آدم : أحسن من الحبس على الأقل هنا نقدر نتكلم
ليلى لقت كنبة نضيفة شوية قعدت عليها ودفنت وشها في إيديها الجو كان تقيل الهروب خلص وبدأنا مرحلة ما بعد الكارثة
بدر : حد معاه شاحن بدر سأل وهو بيطلع اللابتوب بتاعه البطارية بتموت ولازم أدخل أشوف الدنيا بتولع إزاي بره؛؛ دورت في الأدراج القديمة لحد ما لقيت مشترك كهربا وتوصيلات قديمة شغالة
بعد ربع ساعة كنا قاعدين حوالين ترابيزة السفرة الضخمة اللي عليها طبقة تراب سميكة بدر فتح اللابتوب ووصله بـ Hotspot من تليفون قديم كان معاه خط احتياطي فيه داتا الشاشة نورت ونورت وشوشنا المخطوفة
بدر : يا نهار أسود
كلنا سألنا في نفس واحد : في إي أنطق
بدر لف الشاشة ناحيتنا موقع إخباري كبير منزل خبر عاجل اختفاء أبناء رجل الأعمال سليم الجارحي في ظروف غامضة... ومصادر ترجح وجود خلافات أسرية حادة والنيابة تحقق في بلاغ عن سرقة سيارة ومجوهرات
ليلى : صرخت؛؛ سرقة هو بلغ عننا إننا حرامية
آدم : ضحك بمرارة. طبعاً عشان لو حد شافنا يبلغ البوليس فوراً وعشان يغطي على هروبنا كتمرد ويظهره كجريمة جنائية يكسر بيها عنينا؛؛ بدر كمل قراءة وعينه بتجري على السطور
بدر : استنوا فيه مصيبة أكبر أسهم مجموعة الجارحي نزلت ١٠٪ في الافتتاح وفيه شائعات عن تسريب وثائق تدين شركة الجابري المنافسة السوق بيولع
أنا : بسأل وريقي ناشف طب وكريم مكتوب حاجة عن كريم
بدر : دور في أخبار الحوادث سكت لحظة طويلة وبعدين بص لي مفيش ولا كلمة الجابري متكتم تماماً على الخبر مفيش أي بلاغ رسمي نزل عن حادثة ضرب أو شروع في قتل
انا : بفرح؛؛ طب الحمد*** مش ناقصة مصائب تانية دلوقتي
آدم : قطع فرحتي؛؛ ده مش خبر حلو يا زين ده معناه إن الجابري ناوي يخلص حقه بدراعه لو كان بلغ كنا هنبقى في حماية القانون حتى لو مساجين لكن السكوت ده معناه إن فيه تار
قمت وقفت ومشيت ناحية الشباك بصيت من فتحات الشيش على الشارع تحت أنا السبب أنا اللي جبتلهم المصيبة دي لو كنت مسكت أعصابي ومضربتش الواد كنا زماننا بنتحايل على ليلى تفركش الجوازة وخلاص لكن دلوقتي إحنا مطلوبين حيين أو ميتين
انا: أنا لازم أكلم مايا
بدر : بعصبية؛؛ إنت مجنون تليفونها أكيد متراقب ولو كلمتها هيعرفوا مكاننا فوراً عن طريق الـ GPS
أنا : مش هكلمها من تليفوني هبعتلها من الأكونت السري بتاعنا على ديسكور ومحدش يعرف عنه حاجة
آدم : مسكني من دراعي؛؛ زين البنت دي أخوها بين الحياة والموت بسببط إنت متخيل إنها لسه هتساعدك دي ممكن تكون بتنصبلك فخ
انا : بصيت لآدم بتحدي؛؛ مايا غيرهم مايا ضحية زينا ولو فيه حد يقدر يقولنا كريم قال إيه ولا مقالش فهي مايا لازم نعرف إحنا واقفين فين لو كريم نطق اسمي يبقى لازم نهرب بره البلد فوراً لو منطقش يبقى لسه فيه أمل نتفاوض
سحبت اللابتوب من قدام بدر فتحت Discord الأيقونة الخضراء نورت هي Online قلبي دق بعنف كتبت لها مايا.. أنا زين أنا آسف على كل حاجة طمنيني عليكي وعلى كريم قعدنا دقيقتين باصين للشاشة الدقيقتين دول عدوا كأنهم قرن ظهرت كلمة typing. كلنا كتمنا نفسنا الرد وصل
مايا: إنت فين بابا حالف يقتلك كريم فاق بس لسه مبيتكلمش كويس الدكاترة مانعين عنه الكلام بابا بيضغط عليه عشان يقول مين اللي ضربه بس كريم لسه تايه
أنا : كتبت بسرعة؛؛ إحنا هربنا سيبنا البيت إحنا في الشقة القديمة بتاعتك آدم حاول يمنعني أكتب المكان بس أنا دوست Enter بسرعة
آدم : زقني بعيد عن الجهاز؛؛ يا غبي قلتلها مكانا
انا : استني يا آدم دلوقتي
مايا : ردت؛؛ الشقة دي مش أمان بابا كان بيدور في ورق جدتي إمبارح عشان يشوف أي أملاك يبيعها عشان الخسارة اللي سببتوهالنا هو ممكن يبعت سماسرة هناك في أي لحظة امشوا فوراً
الدم هرب من وشنا كلنا سماسرة ليلى وقفت مرعوبة في اللحظة دي سمعنا صوت تحت في العمارة صوت بوابة العمارة الحديد بتتقفل وصوت خطوات تقيلة طالعة السلم خطوات كذا راجل مش واحد بس بصينا لبعض المصيدة اتقفلت
آدم : صرخ بصوت واطي وهو بيلم الحاجات بسرعة على السطح مفيش وقت ننزل بدر قفل اللابتوب وحطه في شنطته ليلى لبست فردة الجزمة السليمة وقلعت المكسورة ومشيت بفرده واحدة جرينا ناحية باب المطبخ اللي بيفتح على سلم الخدم الخلفي الخطوات كانت بتقرب وصلوا الدور التالت فتحنا باب الخدم كان مصدي وبيزيق آدم كتم الصوت بإيده وزق الباب بجسمه كله عشان يفتحه من غير دوشة. طلعنا السلم الخلفي سمعنا صوت مفاتيح بتتحط في باب الشقة اللي كنا فيها وبعدين صوت راجل خشن افتح يا ابني. الباشا قال المعاينة النهاردة سماسرة بدر همس وهو بيترعش مايا كان عندها حقأو رجالته جايين يخلصوا آدم رد وهو بيزقنا لفوق
طلعنا السطح الشمس كانت حامية والسطح مليان خزانات مية قديمة وكراكيب استخبينا ورا خزان مية كبير كنا سامعين أصواتهم وهم بيفتحوا الشقة تحتنا بدور واحد إيه ده الباب مفتوح وفيه ريحة سجاير قلبي وقع نسيت عقب السيجارة اللي طفيته أول ما دخلت فيه حد كان هنا فتشوا الشقة ولو لقيتوا أي حد هاتوه من قفاه
إحنا محاصرين فوق السطح لو طلعوا هنا ملناش مهرب غير إننا نطير
ليلى : شاورت بإيده؛؛ آدم بص هناك السطح بتاع العمارة اللي لازقة فينا قريب جداً سور قصير بيفصل بينهم لازم ننط
بدر : دي مسافة متر ونص وعلو خمس أدوار؛؛ بدر قالها وهو بيبص للهاوية اللي بين العمارتين
آدم : يا ننط يا نموت
آدم نط الأول بخفة ورشاقة ووصل الناحية التانية لف ومد إيده لينا ليلى. يلا ليلى وقفت على السور بصت تحت للشارع داخت مش هقدر مش هقدر سمعنا صوت باب السطح بيتفتح ورا خزان المية اطلع شوف السطح يا مغاوري
نطي يا ليلى صرخت فيها وزقتها زقة خفيفة عشان أجبرها تتحرك ليلى صرخت ونطت آدم مسكها من وسطها وشدها عليه وقعوا هما الاتنين على سطح العمارة التانية بدر. بدر كان متسمر مكانه ونضارته وقعت منه على الأرض نضارتي وطي يجيبها آدم زعق فيه سيب النضارة وانجز الراجل ظهر من ورا الخزان شاف بدر أهو امسكه يا ولا
بدر في لحظة يأس جري وغمض عينه ونط خبط في سور العمارة التانية وكان هيقع في الفراغ بس أنا وآدم مسكناه من هدومه وشدناه بدر وقع بيننا وهو بينهج كأنه بيموت الرجالة وصلوا عند سور العمارة الأولى يا ولاد الـ... واقفين مكانكم واحد منهم طلع مسدس مسدس بجد ده مش سمسار دول رجالة الجابري مايا كانت غلطانة أو كانت بتمثل علينا دول قتلة
اجروا آدم صرخ جرينا على سطح العمارة التانية ونزلنا من باب السطح بتاعها اللي كان مكسور لحسن الحظ نزلنا جري على السلم جرينا كأننا في سباق مع الموت خرجنا من العمارة التانية للشارع الجانبي العربية ليلى صرخت نسينا العربية والموتوسيكل عند العمارة الأولى بدر مش مهم مش هنقدر نرجع ناخدهم هنوقف تاكسي
في اللحظة دي تليفوني رن رقم مجهول رديت وأنا بجري ألو صوت هادي بارد ومألوف جداً رد عليا صوت خلاني أقف مكاني في نص الشارع أهلا يا بطل الجري نص الجدعنة مش كده ده صوت بابا. بابا إيه رأيك في المفاجأة دي كنت فاكر إنك أذكى من كده يا زين شقة مايا بجد إنت ناسي إن جدتها كانت صديقة لأمك وإن أنا اللي شاري الشقة دي أصلاً وسجلتها باسم الجدة كنوع من أنواع تبييض الأموال زمان
حسيت إن الدنيا بتلف بيا هو سابقنا بخطوات الشقة مش ملك الجابري. الشقة ملكه هو من الباطن ومايا كانت طعم أو كانت مغفلة زينا
أنا : بغضب؛؛ إنت عايز مننا إيه
بابا : عايزكم ترجعوا البيت حالاً اللعب خلص ولو مرجعتوش خلال ساعة الفلاشة اللي مع بدر دي مش هتلحقوا تستخدموها لأني بلغت عنكم خلاص بتهمة سرقة أوراق أمن قومي وتجسس لصالح جهات أجنبية التهمة دي مفيهاش كفالة يا زين. فيها حبل مشنقة
الخط قطع وقفت في الشارع العربيات بتزمجر حوالينا آدم وبدر وليلى بيبصولي ومستنيين أقولهم خطة ب بس لأول مرة.. زين الجارحي معندوش خطة بابا عارف كل حاجة وبلغ عننا أمن الدولة
بدر قعد على الرصيف وحط راسه بين ركبه ليلى مسكت في دراع آدم وقعدت تعيط بصمت آدم.. آدم بص ليا وعينه فيها نظرة غريبة نظرة واحد قرر يبيع كل حاجة
آدم: زين؛؛ إنت بتعرف تسرق عربيات صح
أنا : بصيت له باستغراب؛؛ إيه
آدم شاور على عربية نقل أموال واقفة قدام بنك قريب والحراس نازلين منها
أنا : لأ يا آدم؛؛ مش للدرجادي
آدم: مش دي اللي وراها. شاور على عربية ميكروباص قديمة واقفة وسواقها نزل يشتري سجاير وسايبها دايرة هنركب دي وهنروح المكان الوحيد اللي سليم الجارحي ميقدرش يطوله
كلنا في نفس واحد : فين دا
آدم: بابتسامة خبيثة؛؛ عزبة الصعايدة عند جدك أبو سليم الجارحي اللي طرده من ٣٠ سنة وتبرأ منه
الاسم ده كان أسطورة في العيلة الجد الكبير الرجل اللي بابا بيكرهه أكتر من أي حد في الدنيا الرجل اللي عايش في قلب الصعيد بقوانينه الخاصة وسلاحه الخاص
انا : بذهول؛؛ إنت متأكد إنه هيستقبلنا ده ممكن يقتلنا لأننا ولاد سليم
آدم : ركب مكان السواق في الميكروباص وشاورلنا نركب هو بيكره سليم يبقى أكيد هيحب أعداء سليم اركبوا الرحلة للصعيد طويلة
ركبنا الميكروباص وإحنا خارجين من القاهرة بصيت ورايا على المدينة اللي بلعت أحلامنا الهروب انتهى ودلوقتي رايحين للجحيم نفسه أو يمكن للجنة اللي مفهاش ألوان رمادية رايحين للأصل للجذور للمكان اللي سليم هرب منه عشان يعمل نفسه ملك وإحنا راجعين له عشان نرجع بشر
الطريق الصحراوي مكنش مجرد أسفلت ده شريان بيمد في قلب العدم كنا محشورين في الميكروباص اللي آدم سايقه ريحة الجاز بتخنقنا والعفش القديم بيزيق مع كل مطب تمن ساعات سواقة تمن ساعات بنتحول فيهم من أبناء سليم الجارحي لـ لاجئين كلنا كنا ساكتين آدم مركز في الطريق وعينه بتبص في المرايات كل دقيقة خوفاً من البوليس بدر حاضن شنطة اللابتوب كأنها درع وليلى نايمة وساندة راسها على الشباك وشعرها اللي كان متسرح عند كوافير عالمي بقى منعكش ومترب أنا كنت صاحي عيني على الصحرا وعلى الشمس اللي بتغيب وبترسم لون دموي على الرمل كنت حاسس إننا بنرجع بالزمن بنرجع لعصر ما قبل الشركات القابضة والإتيكيت
وصلنا مشارف سوهاج مع غياب الشمس الجو اتغير الهوا بقى أتقل ريحة قصب محروق وطين ندي البيوت مابقاتش أبراج بقت بيوت طوب أحمر وبيوت طين الناس ملامحها ناشفة محفورة من الشمس وعيونهم فيها حدة الصقر آدم وقف العربية وسأل واحد فلاح ماشي بحماره يا حاج فين عزبة الجارحي الراجل بص لآدم وبص للعربية الميكروباص الغريبة وبعدين شاور بعصايته ناحية طريق ترابي ضيق وسط الغيطان دوار العمدة هناك... بس مين انتوا الدوار ده محدش بيدخله غريب بعد المغرب احنا مش أغراب آدم قالها بصوت فيه رنة حزن إحنا ولاد الغايب
مشينا في الطريق اليل كان دخل مفيش غير ضو العربية وكشافات بعيدة فجأة الطريق اتسد ببوّابة حديد ضخمة وحواليها سور عالي وعلى البوابة واقفين أربعة رجالة لابسين جلاليب واسعة وعلى كتف كل واحد بندقية آلي دول مش سكيورتي لابسين بدل دول غفر دول اللي بيضربوا في المليان ومبيسألوش مين هناك
آدم وقف العربية ونزل ورفع إيده فوق راسه عشان ميفتكروش إنه جاي بشر نزلت وراه وبدر وليلى نزلوا وهما بيترعشوا واحد من الغفر قرب ووجه كشاف قوي في وشوشنا
الغفير : مين يا واد منك ليه وعايزين إيه من الحاج حسن
آدم : بلع ريقه وحاول يجمع صوته؛؛ أنا آدم وده زين،وبدر، وليلى إحنا أحفاد الحاج حسن ولاد سليم
الغفير : نزل الكشاف شوية، وبص لزميله بذهول؛؛ ولاد سليم اللي هج من تلاتين سنة قرب مني وبص في وشي بتركيز كأنه بيقارن ملامحي بملامح حد يعرفه وبعدين بص لليلى و* الدم بيحن البت دي شبه ست الحسن *يرحمها رفع اللاسلكي القديم اللي معاه يا ريس.. افتح البوابة الغايب رجع أو ولاده اللي رجعوا
البوابة اتفتحت دخلنا الدوار مكنش قصر زي بتاعنا في القاهرة كان قلعة مبنى ضخم من دورين بتصميم عربي قديم وساحة واسعة في النص فيها نخل عالي وفسقية ميه قديمة المكان كان بينطق هيبة، هيبة حقيقية مش مصطنعة بالرخام المستورد في نص الساحة على دكة خشب كبيرة كان قاعد راجل عجوز مش عجوز عادي ده كان زي الشجرة العجوزة اللي جذورها ماسكة الأرض عشان متقعش لابس جلابية رمادي، وعمة كبيرة، وماسك نبوت في إيده وشه كان خريطة تجاعيد بس عيونه. عيونه كانت جمر، حسن الجارحي جدي
قربنا منه بخوف آدم كان هيتكلم بس جدي رفع عصايته فسكتنا كلنا قربوا صوته كان واطي بس مسموع زي صوت الحجر لما يتحرك قربنا لحد ما بقينا قدامه هو فضل قاعد وإحنا واقفين زي التلاميذ الخايبين بص لآدم
جدي : إنت الكبير
آدم : أيوه يا جدي؛؛ أنا آدم
جدي : شكلك طري.. إيديك ناعمة زي الحريم أبوك رباك في التكييف ونسي يعلمك تمسك الفاس؛؛ آدم وشه احمر بس مقدرش يرد بص لبدر، وإنت عينك في الأرض ليه الراجل ميوطيش راسه غير للي خلقه بدر رفع راسه بصعوبة وعدل نضارته بص لليلى، ونظرته لانت للحظة إنتي واخدة عيون ستك بس لبسك ده، ميمشيش في بلادنا وأخيراً بص ليا أنا فضل باصص لي فترة طويلة وأنا بصيت ليه في عينه بتحدي مكسرتش عيني
جدي : ابتسم؛؛ أهو ده الوحيد اللي فيه ريحة الصعيد عينه فاجرة اسمك إيه يا ولد
انا : بصوت قوي؛؛ اسمي زين
جدي : اسم على مسمى لو كان طبعك زين بس شكلك شيطان
آدم : قطع الصمت؛؛ إحنا في مصيبة يا جدي إحنا هربنا أبونا عايز يحبسنا والبوليس بيدور علينا وعيلة الجابري بتطاردنا
جدي : ضحك ضحكة خشنة هزت صدره؛؛ عارف الأخبار بتوصلني قبل ما توصلكم سليم ابني الكلب اللي عض إيدي وهرب عشان الفلوس دلوقت بيعض ولاده خبط بالعصاية على الأرض اقعدوا الدوار دواركم اللي يدخل بيت حسن الجارحي ميتخافش عليه
الخدم نزلوا بصواني أكل فطير، جبنة قديمة، وعسل أكلنا بنهم كأننا بقالنا سنين مأكلناش الأكل كان طعمه حلو جدا قضينا الليلة دي في أوض الضيوف السرير كان ناشف،والناموسيات قديمة، بس نمنا بعمق غريب عمق الأمان
تاني يوم الصبح صحينا على صوت دوشة بره الدوار أصوات عربيات، وزعيق، وغفر بيعمروا سلاحهم طلعت جري للبلكونة وجنبي آدم وبدر شفت منظر عمري ما هنساه أسطول عربيات واقف قدام البوابة عربيات سليم الجارحي بابا نزل من عربيته وحواليه حراسه الشخصيين ومن الناحية التانية، نزل يحيى الجابري من عربية تانية، ومعاه رجالة مسلحين الاتنين أعداء بس اتحدوا عشان يكسروا الحصن ده
جدي خرج من باب الدوار مشي ببطء، بس بخطوات ثابتة، لحد ما وقف عند البوابة من جوه وراه وقفنا إحنا الأربعة وورانا صفين من غفر العزبة مسلحين للمواجهة الماضي ضد الحاضر
بابا : صرخ من بره؛؛ افتح البوابة يا حاج حسن دول ولادي وأنا جاي آخدهم متخلينيش أغلط فيك قدام الناس
جدي: بص له بقرف؛؛ تغلط في مين يا واد إنت نسيت نفسك إنت هنا مجرد سليم العيل اللي سرق دهب أمه وهرب
يحيى : تدخل بصوت عالي؛؛ يا حاج حسن المسألة مش عائلية بس ابنك وابنك التاني (قصدني أنا) كسروا ابني وسرقوا شرفي العيال دي لازم تتحاسب سلمهم لينا وإحنا نتفاهم
جدي بص للجابري: ابنك قليل الرباية يا يحيى.. بيعاكس بنات الناس والواد زين عمل اللي أي راجل صعيدي يعمله دافع عن عرضه حتى لو العرض ده كان يخصك
أنا : بصيت لجدب بذهول؛؛ هو بيدافع عني هو عارف التفاصيل
جدي : كمل بصوت جلجل المكان؛؛ واللي يفكر يهوب ناحية شعرة من أحفادي يقرأ الفاتحة على روحه العزبة دي مقبرة للغرباء
بابا : فقد أعصابه؛؛ ده كلام فارغ أنا معايا أمر ضبط وإحضار ومعايا قوة من المركز جاية في الطريق سلمهم أحسنلك
جدي: ضحك باستهزاء؛؛ أمر ضبط في عزبة الجارحي القانون هنا هو كلمتي يا سليم
في اللحظة دي بدر اتحرك خرج من ورا ضهر جدي ومعاه اللابتوب بتاعه قرب من البوابة ووقف قدام بابا والجابري آدم زعق في بدر ارجع ورا بس بدر مسمعش فتح اللابتوب ورفعه بحيث الشاشة تكون باينة لبابا والجابري بدر اتكلم بصوت عالي وواثق لأول مرة في حياته بابا.. يحيى بيه.. قبل ما الشرطة توصل وقبل ما الدم يسيل أحب أوريكم حاجة داس على زرار صوت تسجيلي طلع من سماعات اللابتوب صوت بابا وهو بيتفق مع الجابري (زمان) على صفقة أدوية فاسدة وصوت تاني للجابري وهو بيدي أوامر بحرق مخازن منافسين وفيديوهات وثائق بنكية بتظهر غسيل أموال مشترك بينهم الاتنين العدوين اللدودين كانوا شركاء في الجريمة زمان قبل ما يختلفوا على التورته .
الصمت عم في المكان بابا وشه بقى لونه أصفر
يحيي : نزل النضارة وبص بذهول؛؛ الفلاشة دي
بدر : ببرود؛؛ نسخة منها اتبعتت دلوقتي حالاً لثلاث جهات مكتب النائب العام، الصحافة الدولية، وموقع تسريبات عالمي لو حد فيكم فكر يقرب مننا أو لو الشرطة دخلت الدوار ده الكود اللي معايا هيفك تشفير الملفات دي وتنتشر في العالم كله في دقيقة
بابا : صرخ؛؛ إنت بتعمل إيه يا مجنون إنت كده بتدمرني وتدمر نفسك
بدر : ابتسم ابتسامة حزينة؛؛ أنا دمرت نفسي من زمان لما رضيت أكون ظلك يا بابا دلوقتي أنا بقطع الخيط بص للجابري يحيى بيه نصيحتي ليك تاخد رجالتك وتمشي ابنك كريم فاق واعترف للدكتور إن هو اللي بدأ الخناقة والتقرير الطبي عندي يعني مفيش قضية شروع في قتل فيه قضية مشاجرة لكن قضية الفساد اللي في الفلاشة دي، فيها إعدام
الجابري بص لبابا نظرة كره واحتقار وبص لبدر بخوف عرف إنه خسران شاور لرجالته وركب عربيته ولف ومشي من غير ولا كلمة بقى سليم الجارحي لوحده واقف قدام ابنه اللي دمره بالمعلومات وأبوه اللي دمره بالتبرؤ منه بابا بص لنا واحد واحد شاف آدم اللي واقف بصلابة وزين اللي بيبص له بتحدي وليلى اللي ماسكة في جدها وبدر اللي ماسك الزناد الإلكتروني عرف إنه خسر سلطته للأبد
بابا : بصوت مبحوح؛؛ ماشى يا ولاد الجارحي خليكم هنا خليكم في التراب بس انسوا إن ليكم أب انسوا الورث انسوا الاسم
جدي : أبتسم؛؛ هما كسبوا الاسم النهاردة يا سليم إنت اللي خسرته
بابا ركب عربيته ومشي ورا موكب الجابري الغبار غطى على أثره السكون رجع للدوار بدر قفل اللابتوب ورجله خذلته ووقع على الأرض جرينا عليه وحضناه عملتها يا ابن اللعيبة قلت ليه وأنا بضحك وبعيط في نفس الوقت الجد قرب مننا وحط إيده الخشنة على كتف بدر عفارم عليك يا ولدي القلم ساعات بيوجع أكتر من الرصاص
بعد مرور سنة
أنا قاعد دلوقتي على سطح الدوار بكتب السطور دي في النوت بوك اللي بدر جابهولي السنة دي غيرتنا 180 درجة آدم مابقاش يلبس بدل آدم بقى المسؤول عن أراضي جدي بيصحى الفجر يتابع المحصول يحل مشاكل الفلاحين اكتشف إن الإدارة مش بس توقيع شيكات الإدارة هي إنك تراعي الناس وشه اسمر من الشمس، بس ضحكته بقت صافية
بدر.. بدر مابقاش محاسب، جدي اداله أوضة في الدور التاني حولها استديو رسم لوحاته بدأت تتباع في معارض في القاهرة (باسم مستعار طبعاً) وبقى عنده ثقة تخوف الملفات اللي كانت معاه لسه مخبيها تأمين ضد غدر الزمن
ليلى، ليلى بقت حكاية البلد رفضت تقعد في البيت اتطوعت في المدرسة الوحيدة اللي في القرية بتعلم العيال إنجليزي ورسم البنات هنا بيحبوها وبيعتبروها مثل أعلى قصت شعرها قصير وبقت تلبس عبايات صعيدي شيك ومحدش يجرؤ يرفع عينه فيها لأنها حفيدة الحاج حسن
وأنا..زين.. أنا لسه زين بس العجلة الهارلي ركنتها في المخزن. جبت حصان عربي أصيل سميته رعد، واتعلمت من جدي أصول التحكيم بين العائلات بقيت ذراعه اليمين في الجلسات العرفية اكتشفت إن الصياعة اللي كانت عندي في القاهرة هنا اسمها فهلوة وجدعنة لو اتوظفت صح
بابا سمعنا إن شركته فلست فعلاً وإنه سافر بره مصر هرباً من الديون الجابري اتحبس في قضية أدوية تانية (بدر سرب ورقة صغيرة كده سخنت عليه الدنيا) كريم الجابري اتعالج، وسافر ومايا، مايا بعتتلي رسالة من ٦ شهور، أنا فخورة بيك عيش حر. وغيرت رقمها الحكاية انتهت بس سابت أثر حلو
بصيت لغروب الشمس وسامع صوت ليلى بتضحك وهي بتلعب مع عيال آدم (آه نسيت أقولكم آدم أتجوز، والحياة ماشية) إحنا خسرنا الفلوس، خسرنا القصر، خسرنا البرستيج. بس كسبنا نفسنا كنا فاكرين إننا بنهرب من السجن اكتشفنا إننا كنا بنهرب عشان نلاقي المفتاح والمفتاح مكنش في خزنة بابا المفتاح كان مدفون هنا في طين الأرض دي
ودي كانت حكايتنا
بصيت في المراية الطويلة اللي واخدة نص الحيطة في أوضتي.. أوضة النوم اللي مساحتها قد شقة كاملة لأسرة متوسطة كنت بظبط رابطة العنق الحرير لونها كحلي غامق نفس اللون اللي الباشا بيحبه إيدي كانت ثابتة مفيش رعشة، مفيش توتر، بس كمان مفيش حياة زي المكنة بالظبط كل حركة مدروسة ومحفوظة عن ظهر قلب
اسمي آدم.. آدم سليم الجارحي الاسم اللي بيفتح أبواب مقفولة بالضبة والمفتاح في البلد دي، والاسم اللي خنقني أنا شخصياً لحد ما بقيت مجرد خيال ليه النهارده عندي ٣٢ سنة بس بحس إن عمري الحقيقي انتهى وأنا عندي سبع سنين اللحظة اللي أدركت فيها إن آدم ده مش ملك نفسه ده ملك لشركة مجموعة الجارحي ملك لبرستيج العيلة وواجهة لازم تفضل تلمع مهما كان اللي وراها مصدي ومكسور
وأنا واقف قدام المرايا شفت صورتي وأنا طـ ـفل متعلقة في برواز مدهب ضخم في نص الاوضة كنت لابس بدلة سموكن صغيرة، واقف وقفة عسكرية وفي إيدي شهادة تقدير الصورة دي بتلخص حياتي كلها طـ ـفل مصنوع للعرض
رجعت بذاكرتي لورا.. لأول مرة حسيت فيها بالقيد كنت فاكر اليوم ده كويس كأنه إمبارح كان عندي سبع سنين وكنا في حفلة استقبال كبيرة بابا عاملها لشركاء أجانب، الجنينة كانت مليانة ناس ومزيكا كلاسيك هادية شغالة في الخلفية كل الأطفال اللي في سني – ولاد رجال الأعمال التانيين – كانوا بيلعبوا بعيد شوية بيجروا وبيضحكوا
أنا كنت واقف جنب بابا ماسك في طرف جاكيته كنت هموت وأروح ألعب معاهم كل عضلة في جسمي كانت بتصرخ اجري.. اضحك.. اتبهدل شديت الجاكيت بتاعه براحة وبصيت له بعيون بتترجى بابا.. ممكن أروح ألعب مع يوسف
بابا نزل لمستوايا بس مش بحنية.. نزل عشان يوشوشني بحدة صوته اللي بتخلي الدم يتجمد في عروقي عينيه كانت حادة زي الصقر، ملامحه جامدة مفيش فيها ذرة تعاطف مسك دراعي جامد ضوافره غرزت في لحمي من فوق قماش البدلة وقال لي بصوت واطي فحيح زي التعبان "آدم.. إنت مش زي يوسف ومش زي أي عيل هايف بيجري هناك إنت آدم الجارحي إحنا مابنجريش إحنا مابنضحكش بصوت عالي وإحنا مابنوسخش هدومنا اقف مفرود، ابتسم للضيوف، ومسمعش صوتك
يومها وأنا عندي سبع سنين تعلمت الدرس الأول مشاعرك ورغباتك ملهاش مكان هنا.. المهم هو الشكل العام وقفت طول الحفلة رجلي نملت ودموعي كانت محبوسة ورا ابتسامة بلاستيك بشوف العيال وهما بيضحكوا وبحس إني بتفرج عليهم من ورا لوح إزاز عازل للصوت والحياة
كبرت وكبر معايا القيد المدرسة مكنتش مكان للتعليم بس دي كانت ساحة حرب عشان أثبت إني الأول بابا مكنش بيقبل بالمركز التاني المركز التاني معناه فشل معناه عار فاكر لما جبت في امتحان الساينس ٩٨ من ١٠٠ في رابعة ابتدائي رجعت البيت طاير من الفرحة جريت عليه في المكتب وهو بيشرب قهوته وبيراجع ورق الشغل
بابا.. أنا جبت ٩٨ أعلى درجة في الفصل
حط الورق من إيده ببطء ونزل نضارته على طرف مناخيره وبص لي نظرة خيبت أملي وكسرت فرحتي نصين ومين اللي جاب الدرجتين اللي ناقصين يا آدم ليه المدرس ينقصك إنت ناقصك حاجة بتشرب وتأكل وتلبس أحسن من المدرس نفسه.. يبقى إزاي تنقص الـ ٩٨ دي خيبـة.. المرة الجاية لو الورقة مش مقفلة، متجبهاش وتيجي توريهالي
من وقتها بطلت أفرح بأي إنجاز النجاح بقى بالنسبالي مش طموح بقى وسيلة عشان أتفادى العقاب أو عشان أتفادى نظرة الاحتقار اللي بشوفها في عينيه، ماما.. أه يا ماما.. كانت قصة تانية خالص ماما كانت الضحية والجلاد في نفس الوقت كانت بتخاف من بابا لدرجة الرعب وعشان تحمي نفسها كانت بتشارك في تحويلنا لمسخ يرضيه .
كانت بتدخل أوضتي كل يوم الصبح تتأكد إن لبسي مكوي شعري مظبوط ضوافري مقصوصة مكنتش بتسألني نمت كويس.. أو حلمت بإيه كانت بتسأل حفظت كلمات الفرنساوي المدرس جاي الساعة أربعة .. وإوعى تكسفنا قدامه كانت شايفة إن وظيفتها كأم هي إنتاج الوريث المثالي مش تربية *** سوي .
مرحلة المراهقة.. دي بقى كانت الكابوس الحقيقي في الوقت اللي صحابي بدأوا يكتشفوا الدنيا،يسهروا، يحبوا، ويجربوا حاجات مجنونة، كنت أنا بخلص المدرسة عشان أروح دروس البيانو اللي بكره وبعدها دروس في الاقتصاد والإدارة عشان أجهز نفسي لاستلام الراية
بس في وسط الضلمة دي كان فيه نقطة نور يتيمة "هنا" هنا كانت بنت بسيطة معايا في النادي مش من مستوانا أوي زي ما ماما بتقول أبوها كان دكتور محترم بس مش مليونير اتعرفت عليها بالصدفة لما كنت هربان من تمرين التنس وقعدت في المكتبة اقرأ كانت الوحيدة اللي كلمتني كـ آدم مش كـ ابن الجارحي كانت بتضحك من قلبها ضحكة بترن في وداني لحد دلوقتي
حبيتها.. أيوة حبيت لأول مرة أحس إن قلبي بيدق مش عشان يضخ ددمم بس عشان فيه حياة كنا بنتقابل في السر مكالمات بليل وأنا تحت اللحاف رسايل ورق بتدسها في كتبي "هنا" خلتني أحلم خلتني أفكر إني ممكن أكون مهندس معماري.. بحب الرسم بحب أبني حاجات مش أدير فلوس وأرقام باردة في البورصة
وفي يوم قررت أواجه كان عندي ١٨ سنة وكنت خلاص داخل الجامعة جمعت كل شجاعتي اللي استلفتها من حب "هنا" ووقفت قدام بابا في مكتبه وهو بيشرب السيجار بتاعه
أنا : بابا.. أنا مش عايز أدخل بيزنس أنا قدمت في فنون جميلة قسم عمارة واتقبلت
الهدوء اللي حصل بعد الجملة دي كان أتقل من أي صريخ بابا سحب نفس طويل من السيجار وطلع الدخان ببطء ناحية السقف وبعدين لف بالكرسي وبص ليا المرة دي مكنش فيه غضب.. كان فيه سخرية
بابا : فنون جميلة، هه.. عايز تبقى مقاول يا آدم، ولا رسام بتبيع لوحاتك على الرصيف
أنا : أنا بحب العمارة يا بابا.. دي حياتي
قام وقف ومشي ناحيتي وقف قدامي وحط إيده على كتفي كأنه بيطمن عليا بس ضغطته كانت بتوجع
بابا : اسمع يا ولد حياتك دي ملكي أنا.. أنا اللي صنعتها وأنا اللي بقرر تمشي إزاي كلمة بحب دي تقولها لما تشتري عربية ولا ساعة.. لكن مستقبلك ده استثمار العيلة إنت هتدخل الجامعة الأمريكية بيزنس وإدارة أعمال وهتتخرج بامتياز وهتمسك فرع الشركة في دبي زي ما خططت الكلام ده نهائي
أنا : بس... أنا* قاطعني بصوت زي الرعد
بابا : ولا كلمة ولو فاكر إن البنت الجربوعة اللي بتمشي معاها في النادي دي هتنفعك تبقى غلطان أنا سايبك بمزاجي بس عشان تعيش سنك شوية لكن لو الموضوع زاد عن حده أنا همحيها هي وأهلها من على وش الدنيا.. فاهم
حسيت إن سقف الأوضة وقع عليا هو عارف طول الوقت ده عارف وسايبني التهديد مكنش ليا كان ليها هي، في اللحظة دي عرفت حجمي الحقيقي أنا مش بس عبد مأمور أنا كمان خطر على أي حد أحبه
تاني يوم رحت لـ "هنا" مكنتش قادر أبص في عينها قلتلها كلام قاسي كلام مش بتاعي كلام كسر قلبها وكسرني أنا كمان ميت حتة قلتلها إننا مش لبعض وإن مستوايا ميسمحش وإني كنت بتسلى شفت الدموع في عينها وهي بتجري من قدامي وحسيت إني قتلت آدم القديم ودفنته في اليوم ده
ومن يومها لبست القناع قناع آدم الجارحي البارد، العملي، القاسي دخلت بيزنس، وتفوقت زي ما هو عايز، وبقيت النسخة الشابة منه بقيت أمشي في الشركة الموظفين يترعبوا مني بقيت أحضر اجتماعات مجلس الإدارة وأنا ببتسم ابتسامة صفرة وبمضي عقود بملايين وأنا مش حاسس بأي طعم للنجاح
فوقت من ذكرياتي على صوت خبط خفيف على باب الأوضة "آدم بيه.. الفطار جاهز، والباشا مستني حضرتك تحت عشان اجتماع الوفد الياباني ده كان صوت... عم حسين السفرجي العجوز اللي شافنا وإحنا بنكبر وشاف القهر في عيوننا ومقدرش يعمل حاجة
أنا : حاضر... نازل يا عم حسين
أخدت نفس عميق بصيت للمراية نظرة أخيرة اللي واقف قدامي ده راجل وسيم، غني، نفوذه يهد جبال.. بس من جواه، هو *** خايف، مرمي في ركن ضلمة بيعيط على لعبته المكسورة وعلى حبيبته اللي ضاعت وعلى عمره اللي بيتسرق منه يوم ورا يوم
نزلت السلالم ودخلت غرفة السفرة ترابيزة طويلة عريضة تكفي ٣٠ شخص، بس مفيش عليها غيرنا بابا قاعد في المركز بيقرا الجورنال وماسك فنجان القهوة ماما قاعدة على يمينه بتاكل توست ناشف عشان تحافظ على رشاقتها وهي بتبص في الفراغ، بدر أخويا اللي أصغر مني.. قاعد بيلعب في الطبق بالشوكة عيونه دبلانة وتحت جفونه سواد بيحكي عن ليالي سهر في الرسم اللي بيخبيه، ليلى.. أختي وحبيبتي، قاعدة زي التمثال لابسة فستان شيك أوي.. بس وشها شاحب كأنها عيانة وممنوع عليها حتى تختار هي عايزة تاكل إي وزين.. آخر العنقود الكرسي بتاعه فاضي أكيد لسه نايم أو بيعمل مصيبة جديدة عشان يلفت الانتباه
أنا : صباح الخير يا بابا.. صباح الخير يا ماما* بابا نزل الجورنال وبص في ساعته
بابا : اتأخرت دقيقتين يا آدم الوفد الياباني مبيحبش التأخير الدقة هي أساس النجاح
أنا : آسف يا بابا.. كنت براجع ملف الصفقة كذبت ببراعة اتعلمتها مع السنين
بابا : هز راسه برضا مصطنع... اقعد افطر بسرعة، بدر سيب الطبق وبطل لعب العيال ده عندك مراجعة حسابات مع مدير المالي النهاردة، مش عايز غلطة
بدر ساب الشوكة، وبص لبابا.. حاضر يا بابا الكلمة خرجت منه مخنوقة كأنها بتجرح زوره وهو بيقولها بصيت لبدر بحزن مكتوم أنا عارف هو بيعاني قد إيه، بدر أرق واحد فينا فنان حساس، بابا رماه في إدارة الحسابات، وسط الأرقام والضرايب، مكان بيقتل روحه كل يوم حاولت كتير أتوسط ليه، بس النتيجة كانت دايمًا تهزيق ليا وليه
بصيت لليلى وغمزت ليها عشان تبتسم، ردت بابتسامة باهتة وجعني قلبي عليها، ليلى اللي كان نفسها تدرس أدب إنجليزي وتسافر، بس بابا حبسها في البيت بعد التخرج وقال "بنت الجارحي مكانها بيتها لحد ما يجي اللي يستاهلها.. ودلوقتي بيجهزولها... عريس تفصيل... عشان مصالح الشغل
إحنا الأربعة عايشين في قصر بس كل واحد فينا في زنزانة انفرادية بنتجمع بس على الأكل عشان نمثل دور العيلة السعيدة
فجأة دخل..زين.. شعره منكوش، لابس تيشرت أسود عليه رسمة جمجمة وبنطلون جينز مقطع دخل وقعد ورزع الكرسي بصوت عالي وبدأ ياكل تفاحة بصوت مستفز بابا طبق الجورنال
بابا : بعصبية... إيه المنظر اللي إنت نازل بيه ده إحنا قاعدين في غرزة، اطلع غير هدومك دي والبس حاجة تليق ببني آدمين * زين كمل أكل ببرود وبص لبابا وعينه فيها تحدي
زين : ده ستايلي.. وأنا مرتاح كده وبعدين النهاردة إجازة، ولا حتى في الإجازة لازم ألبس بدلة واربط رقبتي بحبل زي آدم
بابا وشه احمر، وضرب بإيده على الترابيزة لدرجة إن الكوبايات رنت
بابا : بغضب... احترم نفسك يا حيوان، آدم ده سيدك، آدم ده اللي شايل اسم العيلة وشايل خيبتكم كلكم إنت هتفضل لحد امتى عيل صايع كده شوف إخواتك الكبار اتعلم منهم الأدب والطاعة
زين : ضحك ضحكة قصيرة مليانة مرارة.. أتعلم منهم، أتعلم إيه، أتعلم إزاي أكون ميت وأنا عايش، أتعلم إزاي أمسح شخصيتي بأستيكة عشان أرضي غرورك، آدم مش مثالي يا بابا.. آدم تعيس وبدر بيموت بالبطيء.. وليلى.. ليلى دي إنت بترتكب في حقها جريمة كل يوم
الصمت خيم على المكان أنا قلبي وقع في رجلي، زين قال اللي كلنا خايفين نقوله بابا قام وقف وعروق رقبته برزت، وشاور لزين بصباعه
بابا : يغضب... اطلع بره مش عايز أشوف وشك النهاردة وحسابك معايا بالليل لما أفضالك
زين قام ببرود وخد تفاحته وخرج وهو بيصفر لحن أغنية روك بصيت لبابا كان بيتنفس بصعوبة وبيحاول يهدى عشان ضغطه بصيت لماما، كانت باصة في طبقها ولا كأن حاجة حصلت دي طريقتها في الهروب، الإنكار التام
بابا : يلا يا آدم.. السواق مستني، قالها بابا وهو بيعدل جاكيتته كأن الخناقة اللي حصلت دي مجرد ذبابة هشها من على وشه قمت وراه زي ضله ركبت العربية وبابا ركب جنبي وفتح اللابتوب وبدأ يشتغل بصيت من الشباك على شوارع القاهرة اللي بتبعد عننا على الناس العادية اللي ماشية في الشارع بيضحكوا بيتخانقوا، بيحبوا، بيعيشوا، حسيت بحسد رهيب ليهم هما بيعانوا من الفقر، من الزحمة، من مشاكل الحياة.. بس هما أحرار لكن أنا، أنا مسجون في بدلة بـ ٥٠ ألف جنيه، وفي عربية تمنها ملايين، وجنبي سجان هو أبويا الطريق للشركة كان طويل والزحمة كانت خانقة بابا كان بيتكلم في التليفون بيزعق لمدير المبيعات صوت زعيقه كان عامل دوشة في دماغي غمضت عيني ورجعت بذاكرتي لورا تاني، لصورة "هنا" يا ترى هي فين دلوقتي، اتجوزت، خلفت، لسه فكراني،ولا بتكرهني، السؤال ده بيطاردني كل ليلة قبل ما أنام أنا بعت حبي عشان أرضي والدي والنتيجة إيه إني بقيت وحيد، تعيس، وغني جدًا
وصلنا مقر الشركة مبنى زجاجي ضخم بيناطح السحاب نزلنا والحراس جريوا يفتحوا الأبواب الموظفين وقفوا انتباه أول ما شافونا صباح الخير يا فندم.. صباح الخير يا باشا... مشيت ورا بابا للمكتب الملكي بتاعه النهاردة يوم طويل.. توقيع عقود، ابتسامات مزيفة، وكذب كتير، بس وأنا ماشي في الطرقة، بصيت على انعكاس صورتي في القزاز شفت آدم التاني.. آدم الطفل، بيخبط على القزاز وبيصرخ خرجني من هنا.. أنا عايز أعيش
تجاهلت الصوت زي ما بتجاهله كل يوم وعدلت الكرافتة ودخلت غرفة الاجتماعات.. أهلاً وسهلاً بالوفد الياباني.. مجموعة الجارحي بترحب بيكم الكلمات خرجت من بوقي ببرود وثقة، المسرحية بدأت، ولازم أكون بطلها لحد ما الستارة تنزل.. أو لحد ما المسرح يقع فوق دماغنا كلنا
الاجتماع خلص بعد تلات ساعات من العجن في التفاصيل تلات ساعات وأنا راسم على وشي ابتسامة مهنية خفيفة وبهز راسي بالموافقة في التوقيتات المحسوبة بالمللي الوفد الياباني كان صارم جداً بس قدرت أقنعهم ببنود العقد الجديدة دي موهبتي الوحيدة اللي بابا بيعترف بيها القدرة على "التفاوض البارد" بعرف أبيع الهوا في ازايز، وأقنع اللي قدامي إنه اشترى أكسجين نقي
لما خرجوا، بابا قعد مكانه ولع سيجار وبصلي كنت مستني كلمة "برافو" أو حتى تمام بس سليم الجارحي مابيدكش اللي إنت عايزه بيديك اللي يخليك تفضل جعان لرضاه
بابا : كان ممكن تضغط عليهم في نسبة الشحن يا آدم الـ ٢٪ اللي سبتها دي خسارة للشركة على المدى البعيد
أنا : بلعت ريقي بصعوبة وحسيت بمرارة... يا بابا إحنا كسبنا شرط التوزيع الحصري.. ده بيعوض النسبة دي وأكتر
شاور بإيده في الهوا كأنه بيهش دبانة، ماشي.. مقبول المرة دي بس المرة الجاية عايزك أشرس من كده الطيبة دي تسبها لماما في البيت، هنا إحنا في غابة.. غابة.. الكلمة رنت في وداني وأنا خارج من مكتبه فعلاً إحنا في غابة، بس الفرق إن الحيوانات في الغابة بتقتل عشان تاكل وتعيش لكن إحنا بنقتل أرواحنا عشان نكدس أرقام في بنوك سويسرا
مشيت وقررت أعدي على مكتب بدر كنت محتاج أشوف وش مألوف وش فيه بني آدم مش آلة حاسبة مكتب بدر كان في الدور اللي تحتنا دخلت من غير ما استأذن السكرتيرة لقيته غرقان وسط ورق ومجلدات ضخمة بدر كان حاطط راسه بين إيديه وشعره منكوش بطريقة بتفكرني بزين، بس الفرق إن نكشة شعر زين تمرد، ونكشة شعر بدر يأس .
أنا : إيه الأخبار يا فنان... قلتها وأنا بقعد على طرف مكتبه* بدر اتنطر من مكانه كأنه ممسوك بتهمة وبسرعة حط ورقة بيضا فوق الدفتر اللي كان قدامه لمحته.. كان راسم بورتريه لوش السكرتيرة بتاعته بالقلم الرصاص رسمة عبقرية فيها روح وتفاصيل مستحيل كاميرا تجيبها
أنا : ابتسمت بحزن... خبيتها ليه خايف أكتب فيك تقرير للباشا
بدر : اتنهد ورجع ضهره لورا وعينه فيها تعب سنين... مش ناقصة يا آدم لو شافني برسم في وقت الشغل هيمسح بكرامتي الأرض وإنت عارف لسانه
مديت إيدي وسحبت الرسمة من تحت الملف بصيت فيها بتركيز الخطوط انسيابية الظل والنور مرسومين بحرفية واحد درس سنين مش واحد بيشتغل محاسب غصب عنه إنت موهوب يا بدر.. موهوب بشكل يوجع القلب حرام الموهبة دي تموت وسط فواتير التوريد والضرايب .
بدر : ضحك بسخرية... ومين قالك إنها ماتت هي مدفونة حية وده عذاب أكبر كل يوم وأنا براجع الحسابات بشوف الأرقام بتتحول لخطوط وألوان في خيالي بكون عايز أصرخ وأقطع الورق ده وأرسم عليه.. بس برجع وأفتكر إني بدر الجارحي اللي لازم يكون نسخة طبق الأصل من محاسبين العيلة وإلا..سكت ومكملش الجملة، بس أنا كملتها في سري... وإلا هتتطرد من الجنة زي ما هددنا مليون مرة.. حطيت الرسمة قدامه وقربت منه
أنا : بصوت واطي... حاول تتنفس يا بدر.. حاول تسرق وقت لنفسك أنا عارف إن الحمل تقيل بس لو استسلمت تماماً هتنطفي
بص لي نظرة طويلة نظرة خلتني أحس إني عريان من كل مظاهر القوة اللي بتمتع بيها
بدر : وإنت يا آدم إنت بتتنفس ولا نسيت إزاي إنت بتطلب مني أقاوم وإنت نفسك بقيت ضل للباشا.. بتنفذ أوامره بالحرف حتى في حياتك الشخصية
كلامه كان زي السكينة التلمة بتدبح ببطء ووجع مكنش عندي رد دورت وشي ناحية الشباك الإزاز اللي بيطل على النيل
أنا : أنا خلاص يا بدر.. أنا اخترت طريقي أو بمعنى أصح الطريق هو اللي اختارني أنا الدرع اللي بيحميكم.. لو أنا وقعت أو تمردت الباشا هياكلكم كلكم لازم حد فينا يضحي عشان المركب تمشي
بدر كان لسه هيتكلم بس قاطعه رنة تليفوني اسم "الوالد" منور على الشاشة قلبي انقبض زي كل مرة..أيوه يا بابا.. تعالى مكتبي حالاً فيه موضوع شخصي لازم نحسمه النهاردة الخط قطع موضوع شخصي الجملة دي في قاموس سليم الجارحي معناها كارثة جديدة
ودعت بدر بنظرة سريعة وطلعت تاني للدور الأخير دخلت المكتب كان قاعد المرة دي على الكنبة ومشاور لي أقعد قدامه مكنش فيه ورق شغل بس كان فيه علبة قطيفة كحلي على الترابيزة اقعد يا آدم... قعدت وأنا بفرك إيدي بتوتر حاولت أداريه
بابا : إنت كبرت يا آدم.. واسمك في السوق بقى ليه وزنه بس الراجل الناجح ميكملش غير بأسرة مستقرة وزوجة تكون واجهة مشرفة ليه وللعيلة
عرفت رايحين فين السيناريو اللي كنت خايف منه من سنين كمل وهو بيفتح العلبة اللي كان فيها طقم ألماظ خيالي ده شبكة عروستك شيرين الشامي بنت يحيى الشامي امبراطور الحديد والصلب عيلة عريقة نسب يشرف وبنت متربية في سويسرا يعني عارفة الأصول والبروتوكول .
حسيت إن الهوا اتسحب من الأوضة شيرين الشامي أنا عارفها.. شوفتها في حفلات كتير بنت جميلة أيوه بس باردة زي التلج نسخة نسائية مني مانيكان بتتحرك ببطارية مفيش بينا أي كيميا ولا حتى كلام مشترك غير.. إزيك.. وميرسي
أنا : بابا.. بس أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي الشغل واخد كل وقتي وبعدين الجواز ده قرار مصيري لازم يكون فيه تفاهم قبول
قاطعني بحدة بس المرة دي بنبرة هادية مخيفة أكتر من الزعيق
بابا : تفاهم وقبول إحنا مش بنمثل فيلم رومانسي يا حبيبي الجواز في مستوانا صفقة.. اندماج شركات.. توسيع نفوذ... يحيي الشامي عنده علاقات سياسية إحنا محتاجينها وهو محتاج السيولة اللي عندنا عشان مشروعه الجديد الجوازة دي هتخلينا نملك السوق حرفياً.. بابا بص ليا في عيني نظرة فيها أمر واقع... أنا اديت كلمة للراجل خلاص قراية الفاتحة الخميس الجاي في فيلتهم في الساحل والخطوبة الرسمية الشهر اللي بعده جهز نفسك، واشتري خاتم يليق باسم الجارحي
أنا : بس يا بابا ده ظلم أنا بني آدم مش ورقة عقد إزاي اتجوز واحدة مبحسش ناحيتها بأي حاجة صوتي علي غصب عني
بابا :قام وقف وشاور بصباعه في وشي... الظلم هو إنك تضيع تعب السنين دي كلها عشان مشاعر وكلام فارغ الحب بيجي بالعشرة.. أو مايجيش مش مهم المهم الاحترام والمصالح المشتركة إنت فاكر إني اتجوزت أمك عن حب ولا جدك اتجوز جدتك عن حب وغرام... إحنا بنبني امبراطوريه مش بنلعب الموضوع منتهي يا آدم... ولو فكرت تكسر كلمتي.. إنت عارف العقاب مش ليك إنت.. لإخواتك... زين لسه صغير ومستقبله في إيدي.. وبدر ممكن بكرة الصبح يترمي في الشارع من غير مليم
التهديد المبطن المعتاد هو عارف نقطة ضعفي إخواتي عارف إني مستعد أبيع نفسي عشان أحميهم من بطشه قمت وقفت رجلي كانت تقيلة كأن فيها رصاص
أنا : حاضر يا بابا.. اللي تشوفه* خرجت من المكتب وأنا حاسس إني بختنق فكيت الكرافتة وأنا في الأسانسير كنت محتاج أتنفس ركبت عربيتي وطلبت من السواق ينزل وميسوقش بيا كنت عايز أكون لوحدي سوقت العربية بسرعة جنونية في شوارع القاهرة كنت بهرب... بهرب من القصر من الشركة من أبويا، ومن شيرين الشامي، ومن آدم الجارحي
وقفت العربية على الكورنيش في حتة هادية شوية نزلت وسندت على سور الكورنيش المكان كان هادي، جنبي كان فيه اتنين شباب قاعدين بياكلوا ترمس وبيضحكوا لبسهم بسيط شكلهم طلبة جامعة الولد كان بيوشوش البنت في ودنها وهي بتضحك بكسوف كانوا عايشين في عالم تاني عالم أنا اطردت منه
طلعت تليفوني وفتحته قلبت في الصور لحد ما وصلت لصورة قديمة صورتي أنا و"هنا" كنا في رحلة.. زمان كنا بنصحك ومبسوطين وفي عيني فرحة حقيقية لمست وشها في الشاشة بصباعي. سامحيني يا هنا.. سامحيني إني كنت جبان ياريتني كنت هربت معاكي يومها يارتني رضيت أعيش معاكي في شقة أوضتين وصالة بس أكون حر دمعة يتيمة نزلت على الشاشة مسحتها بسرعة قبل ما حد يشوفها.... آدم الجارحي ممنوع يعيط
رجعت القصر متأخر بالليل البيت كان ساكت تماماً الأضواء مطفية ماعدا إضاءة الجنينة دخلت وكنت طالع على أوضتي بس لمحت نور جاي من التراس اللي بيطل على البيسين قربت بهدوء.. لقيت ليلى قاعدة على الكرسي الهزاز لافة نفسها بشال وباصة للبسين.. ليلى إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي.. اتخضت وبصت لي وعينها كانت وارمة وحمرا باين عليها كانت بتعيط بقالها ساعات
ليلي : آدم.. خضتني* صوتها كان مبحوح قعدت جنبها على طرف الكرسي ومسكت إيدها الباردة
أنا : مالك يا حبيبتي حد ضايقك زين عمل حاجة
ليلي : هزت راسها بالنفي ودموعها نزلت تاني.. لأ.. بس.. ماما كانت عندي في الأوضة من شوية
أتا : قلبي انقبض عرفت إن فيه مصيبة تانية.. قالتلك إيه
ليلى : بصت في عيني ونظرة الانكسار اللي فيها قتلتني... قالت ليا إن طنط ميرفت جايبة ابنها وجاية تزورنا بكرة.. زيارة تعارف أنت عارف معنى الكلام ده يا آدم بيبيعوني.. زي ما باعوك وزي ما بيبيعوا كل حاجة أنا خايفة أنا مش عايزة اتجوز واحد معرفوش مش عايزة أخرج من سجن بابا لسجن واحد تاني
ضغطت على إيدها جامد وحسيت بالعجز بيحاصرني من كل ناحية أنا لسه مدبوح بسكينة الجواز الجبري ودلوقتي أختي الصغيرة كمان
أنا : متخافيش يا ليلى.. أنا موجود مش هخلي حد يغصبك على حاجة.. قلتها وأنا عارف إني كداب أنا مقدرتش أحمي نفسي هحميها هي إزاي بس مكنش ينفع أقول غير كده
ليلى : ابتسمت ابتسامة يأس... إنت طيب يا آدم.. بس إحنا الاتنين عارفين إن كلمتك ملهاش وزن قدام كلمة الباشا إحنا عرايس ماريونيت، وهو اللي ماسك الخيوط
سكتنا إحنا الاتنين الليل كان بارد.. وفجأة سمعنا صوت خبط ورزع جاي من الجناح الشرقي للقصر... جناح زين وصوت زعيق بابا بيعلى إنت يا فاشل يا عار العيلة جايبلي مصيبة لحد باب البيت
بصيت لليلى برعب زين عمل إيه المرة دي قمت جريت ناحية الصوت وليلى ورايا وصلنا عند باب أوضة المكتب لقينا الباب مفتوح وبابا واقف ماسك عصايته وبيهزها في وش زين وزين واقف ساند على الحيطة وشه وارم وفيه جرح عند حاجبه بينزف، وهدومه متبهدله
أنا : إيه اللي حصل صرخت وأنا بدخل بينهم بابا بص لي وعيونه بتطلع شرار
بابا : بغضب.. البيه.. البيه اتمسك في خناقة في بار مشبوه والبوليس كلمني عشان ألم الفضيحة قبل ما الصحافة تشم خبر اسم الجارحي بقى لبانة في بوق الضباط بسبب الصايع ده
زين تف ددمم من بوقه على الأرض وبص لبابا بنظرة تحدي مرعبة نظرة واحد مابقاش باقي على حاجة
زين : أحسن.. ياريت كانت الصحافة عرفت ياريت كانوا كتبوا ابن سليم الجارحي بلطجي وسكير يمكن ساعتها البرستيج بتاعك يتشرخ شوية وتحس إننا بني آدمين بنغلط مش تماثيل شمع
بابا رفع العصاية عشان يضربه أنا جريت وحوشت الضربة بدراعي الألم كان فظيع
أنا : خلاص يا بابا كفاية الولد متعور* بابا نزل العصاية وهو بينهج وبص لنا إحنا التلاتة.. أنا اللي ماسك دراعي وزين اللي بينزف وليلى اللي واقفة عند الباب بتترعش
بابا : غوروا من وشي.. كلكم مش عايز أشوف خيال حد فيكم لحد الصبح حسابنا لسه مخلصش
خرجنا من المكتب سندت زين ومشيت بيه ناحية أوضته ليلى جابت علبة الإسعافات وجت ورانا في أوضة زين اللي كانت كلها بوسترات لفرق روك وجيتارات مرمية في كل حتة قعدته على السرير وبدأت أمسح الدم من على وشه زين كان ساكت بس عينه كانت بتلمع بدموع غضب مكبوت
زين : بتدافع عني ليه يا آدم ... سيبه يضرب يمكن لما يقتل واحد فينا يرتاح
انا : بحط لزقة طبية على جرحه.. متعجنش يا زين.. إحنا ملناش غير بعض.. بصيت في وشوشهم بدر كان دخل الأوضة دلوقتي وواقف ساند على الباب بيبصلنا بحزن إحنا الأربعة.. في أوضة واحدة مهزومين، مكسورين، وأغنى ورثة في البلد في اللحظة دي أدركت الحقيقة المرة الفلوس مش بس مابتشتريش السعادة الفلوس ساعات بتبقى هي القفص وهي السجان وهي اللعنة اللي بتورث من جيل لجيل... بس في وسط نظراتنا لبعض شفت حاجة في عين بدر.. حاجة خوفتني أكتر من زعيق بابا نظرة واحد قرر قرار خطير ومستني اللحظة المناسبة
بدر : بصوت واطي... تفتكروا هنفضل كده لحد امتى.. محدش رد بس كلنا كنا عارفين الإجابة يا إما نتمرد ونخسر كل حاجة... يا إما نفضل كده لحد ما نموت وإحنا عايشين في السجن دا... سبتهم وخرجت روحت أوضتي رميت نفسي على السرير بهدومي بصيت للسقف... بكرة قراية فتحتي.. وبكرة زيارة عريس ليلى.. وبكرة تحقيق جديد مع زين.. وبكرة يوم جديد في موت بدر البطيء أنا آدم الجارحي.. وعمري ٣٢ سنة.. وبدأت النهاردة أفهم إن الجحيم مش نار وشياطين.. الجحيم هو قصر كبير وأب ديكتاتور، وحياة مرسومة بالمسطرة، وقلب ممنوع عليه يدق
غمضت عيني وتخيلت إني بفتح الشباك وبطير. بطير بعيد عن الأسوار العالية وبعيد عن اسم العيلة.. بس صحيت على صوت المنبه بتاع موبالي بيفكرني بميعاد دواء الضغط بتاع بابا اللي لازم اتأكد إنه خده قمت.. عشان أكمل دوري في المسرحية دي .
الجزء الثاني
الدنيا لونها إيه، سؤال عبيط مش كده، أي طـفل في حضانة هيقولك، السما زرقا الشجر أخضر الشمس صفرا بس في عالمي أنا في عالم، بدر سليم الجارحي، الدنيا ليها لون واحد بس الرمادي، رمادي بدرجات مختلفة رمادي البدلة اللي بلبسها كل يوم رمادي وشوش الموظفين اللي براجع وراهم الحسابات رمادي الأسفلت اللي بمشي عليه وحتى رمادي قلبي اللي حاسس إنه قرب يعفن من قلة الاستعمال أنا قاعد دلوقتي في مكتبي في الدور السابع من برج الشركة الساعة قدامي عقاربها بتتحرك ببطء مستفز كأنها بتعد دقات قلبي اللي بتضيع عالفاضي، قدامي ملف فيه أكتر من ٥٠٠٠ صف أرقام خانات دائن ومدين أرباح وخساير، ضرايب مبيعات الناس بتشوف الأرقام دي فلوس، قوة، نفوذ أنا بشوفها قيود بشوفها سلاسل حديد باردة بتلف حوالين رقبتي وبتخنقني
اسمي بدر، اسم على مسمى، المفروض أكون منور، بس أنا مضلم، أنا ضلمة أنا الابن المنسي، أو زي ما بابا بيحب يسميني لما يكون راضي عني الترس اللي شغال من غير صوت آدم هو الواجهة زين هو المشكلة ليلى هي الضحية وأنا أنا الفراغ أنا الشخص اللي لو اختفى فجأة محدش هيلاحظ غير لما يلاقوا غلطة في الحسابات، مسكت القلم الرصاص مش عشان أراجع الرقم اللي في الخانة C45، لأ إيدي اتحركت لوحدها على طرف الورقة البيضا اللي بداريها تحت الملفات بدأت أرسم عين، عين واسعة، مليانه رعب، والجفن نازل بكسرة نفس دي عين ليلى أختي لما بابا زعق لها امبارح الرسم هو لعنتي وهو خلاصي الوحيد من وأنا طـ ـفل كنت بشوف الدنيا كادرات مكنتش بشوف بابا راجل أعمال ناجح كنت بشوفه كتلة لون أسود بتبتلع النور اللي حواليها مكنتش بشوف ماما، سيدة مجتمع، كنت بشوفها لون بيج باهت، شفاف، ملوش شخصية، صوت الخطوات بره المكتب خلاني أنتفض ده صوت أستاذ صفوت المدير المالي راجل عنده ٦٠ سنة ريحته دايمًا سجاير رخيصة وقهوة محروقة وعينه زي الصقر على كل مليم خبيت الرسمة بسرعة تحت كشف المرتبات وعدلت نضارتي ومسكت الآلة الحاسبة وعملت نفسي بجمع أرقام وهمية، دخل صفوت من غير ما يخبط كالعادة
صفوت : يا بدر بيه، خلصت مراجعة بند المصروفات الشهرية لفرع إسكندرية الباشا الكبير طالب التقرير قبل الساعة ٢، صوته بارد خالي من أي مودة هو بيحترمني عشان اسمي الجارحي، بس في نفس الوقت بيحتقرني لأنه عارف إني مش كار الحسابات وإنه أشطر مني بمراحل، بس أنا المدير عليه بالوراثة
أنا : بتوتر، شغال عليه يا أستاذ صفوت قدامي ربع ساعة بالكتير صوتي طلع مهزوز، واطي أنا بكره صوتي. بكره الطريقة اللي بتهته بيها لما بتوتر صفوت بص لي من فوق نضارته نظرة فاحصة وعينه وقعت على طرف الورقة اللي مخبيها قلبي دق بعنف لو شاف الرسمة هيقول لبابا ولو بابا عرف إني لسه برسم هتبقى ليلة سودة
صفوت : ربع ساعة يا بدر بيه، الباشا مش بيحب التأخير وحضرتك عارف عصبيته اليومين دول
لف وخرج، وساب الباب مفتوح وراه
أخدت نفس عميق ريحة المكتب بتخنقني تكييف مركزي ريحته صناعية، ورق، حبر، ريحة موكيت مفيش ريحة حياة غمضت عيني ورجعت بذاكرتي لورا لليوم اللي بدر مات فيه واتولد مكانه المحاسب .
كنت في تالتة إعدادي، سن المراهقة وتفجر المشاعر كنت مجمع مصروفي كله واشتريت طقم ألوان زيت وينسور آند نيوتن وحامل خشب، ولوحات كانفاس نضيفة، كنت عامل لنفسي ركن في الجنينة الخلفية للقصر ورا شجر السرو العالي مكان محدش بيروحه قعدت شهر كامل أرسم لوحة واحدة كنت برسم الحرية، رسمت حصان عربي أبيض بيجري في صحرا واسعة بس رجله مربوطة بسلسلة دهب بتلمع كنت راسم السلسلة بدقة فظيعة كل حلقة فيها كانت بتبرق بس في نفس الوقت بتجرح رجل الحصان وبتنزل منها ددمم كنت فخور بيها أوي كنت حاسس إني صنعت حاجة إني ملك صغير في مملكتي الخاصة، الألوان كانت لسه طرية وريحة التربنتين كانت مالية مناخيري ومحسساني بنشوة غريبة يومها بابا رجع بدري من السفر سمعت صوت عربيته بس مكنتش خايف قلت يمكن لما يشوف اللوحة ينبهر يمكن يشوف ابنه،، فنان سذاجة، سذاجة *** لسه مقراش كتالوج سليم الجارحي لقاني وأنا بلم الفرش وقف ورايا ضله غطى اللوحة وغطاني إيه ده سأل بصوت هادي هدوء ما قبل العاصفة لفيت بابتسامة واسعة وإيدي ملطخة ألوان
أنا : بابتسامة، دي لوحة يا بابا، أنا رسمتها إيه رأيك في الحصان
بابا قرب من اللوحة بص لها بتمعن لثانية واحدة شفت في عينه ومضة إعجاب أو يمكن ده كان خيالي بس الومضة اختفت بسرعة وحل مكانها البرود القاسي مد صباعه ومسح جزء من رقبة الحصان بوظ الألوان ودخلها في بعض
بابا : شاطر في النقل، بس إيه فايدة الكلام ده هتبيعها بكام دي مية جنيه متين
أنا : الابتسامة اختفت من على وشي، دي مش للبيع يا بابا دي فن تعبير عن
بابا : قاطعني بضحكة قصيرة مستفزة، تعبير فن الكلام ده للعيال الصايعة اللي قاعدين على القهاوي يا حبيبي ولاد الجارحي مابيلعبوش بالألوان، ولاد الجارحي بيلعبوا بالأسهم بيلعبوا بمصاير ناس
فجأة مسك الستاند الخشب وشاطه برجله اللوحة وقعت على وشها صرخت وجريت عليها عشان ألحقها بس هو كان أسرع داس بجزمته على القماش داس على الحصان على السلسلة الدهب وعلى روحي سمعت صوت الخشب وهو بيتمزع تحت رجله صوت التكسير لسه بيرن في ودني لحد النهاردة
بابا : اسمع يا ولد دي آخر مرة أشوفك ماسك الفرش دي إنت هتدخل علمي رياضة وهتتأسس عشان تمسك حسابات الشركة أنا مش بصرف ددمم قلبي في مدارس انترناشونال عشان تطلعلي رسام الرسامين دول شحاتين، وإنت سيد، نادى على الجنايني عم عبده لم الزبالة دي كلها وولع فيها مش عايز أثر للكلام الفارغ ده وقفت أتفرج والنار بتاكل ألواني بتاكل الحصان الأبيض اللي كان نفسي أكون هو ريحة الزيت المحروق كانت بتخنقني والدخان الأسود طلع للسما واختفى واختفى معاه بدر من يومها مابقتش أمسك فرشة على الأقل مش في النور، بدر بيه التقرير صوت السكرتيرة قطعني من الذكريات
انا : بصيت ليها وشها كان قلقان، حاضر حاضر هبعته حالاً، خلصت اليوم بالعافية الصداع كان هيفجر راسي خرجت من الشركة وأنا حاسس إني خارج من سجن ركبت عربيتي السواق عرض يوصلني بس رفضت كنت محتاج أكون لوحدي ومحتاج أروح المكان إياه مشيت بالعربية في الزحمة بس المرة دي مروحتش القصر انحرفت عن الطريق ورحت لمنطقة وسط البلد شوارع قديمة عماير متهالكة بس لسه محتفظة بجمالها وعزتها زي أرستقراطي فقر بس لسه رافع راسه ركنت العربية في جراج بعيد ومشيت في حواري ضيقة لحد ما وصلت لعمارة قديمة من بتوع الخمسينات المدخل رخام مكسر والأسانسير عطلان بقاله سنين طلعت السلم للدور الأخير السطح هناك في أوضة صغيرة فوق السطح كانت مملكتي الخاصة الغرفة السرية، أجرت الأوضة دي من بواب العمارة بمبلغ عبيط كل شهر، وفهمته إني بستخدمها مخزن كتب بس هي في الحقيقة مخزن روحي فتحت القفل وزقيت الباب صوت الزعيييق بتاع الباب هو أحلى موسيقى بسمعها أول ما دخلت، الريحة استقبلتني وحضنتني ريحة تربنتين، زيت بذر كتان خشب قديم، وغبار الأوضة كانت مكركبة بشكل فظيع عكس مكتبي المرتب بالمسطرة لوحات في كل حتة على الحيطان، مسنودة على الأرض، متعلقة في السقف هنا بس، بدر الجارحي بيقلع بدلة المحاسب، وبيلبس المريلة الملطخة ألوان قلعت الجاكيت ورميت الكرافتة على الأرض بإهمال وشمرت قميصي وقفت قدام لوحة كبيرة لسه مخلصتهاش كنت راسم فيها وش آدم بس مش آدم القوي اللي الناس بتشوفه كنت راسم آدم وهو *** لابس بدلة أكبر من مقاسه وعينيه متغمية بشريط قماش مكتوب عليه أرقام وراه كان فيه خيال أسود طويل خيال الأب، مسكت الفرشة وبدأت أخلط الألوان حطيت أحمر قرمزي وعليه نقطة أسود عايز درجة لون الدم المتجلط بدأت ألون الخلفية كنت بضرب الفرشة في القماش بعنف كأني بضرب الدنيا كلها كل ضربة فرشة كانت بتطلع آه مكتومة جوايا وأنا برسم بنسى كل حاجة بنسى الميزانية، وبنسى صفوت، وبنسى تهديدات بابا، هنا الألوان هي اللي بتتحكم، مش الأرقام هنا مفيش دائن ومدين فيه بس نور وضلمة قضيت ساعات معرفش عددها الليل ليل بره وصوت كلاكسات العربيات في وسط البلد واصلني زي همهمة بعيدة كنت غرقان في اللوحة وش آدم بدأ يسيح وبدأ يظهر وراه وشوشنا كلنا، أنا، ليلى، زين كلنا مربوطين بخيوط رفيعة ماسكها يد ضخمة يد سليم الجارحي فجأة تليفوني رن الصوت كان زي انفجار قنبلة في الهدوء المقدس ده بصيت للشاشة زين تجاهلت المكالمة مش عايز أكلم حد مش عايز أرجع للواقع دلوقتي رن تاني وتالت زين لحوح وخفت ليكون فيه مصيبة في البيت، خصوصاً بعد خناقة امبارح مسحت إيدي ورديت بصوت لسه فيه تأثير الخدر بتاع الرسم أيوه يا زين
زين : إنت فين يا فنان، صوت زين كان فيه نبرة سخرية ممزوجة بقلق
زين هو الوحيد اللي عارف سري، هو الوحيد اللي عارف مكان الأوضة مرة راقبني وأنا جاي هنا، وبدل ما يفتن عليا طلب مني أرسم له تاتو على ضهره ومن يومها بقى شريكي في الجريمة
أنا : في المكتبة بقرأ قلت الكود المتفق عليه بينا
زين : طب انجز وتعالى القصر بسرعة الجو مكهرب والباشا قالب الدنيا عليك بيقول مرجعتش ليه لحد دلوقتي وتليفونك مقفول ليه شكل صفوت الزفت ده وصله حاجة غلط
قلبي وقع في رجلي صفوت هل شاف الرسمة قال إيه سألت وأنا بلم حاجتي بسرعة
زين : معرفش بس الباشا قاعد في الصالون وعمال يشرب قهوة ويهز رجله، وإنت عارف الهزة دي معناها إيه ومعاه آدم وآدم وشه مقلوب ارجع بسرعة قبل ما يبعت الحرس يدوروا عليك وتبقى فضيحة
قفلت السكة وبصيت للوحة نظرة أخيرة كانت مرعبة وجميلة في نفس الوقت غطيتها بقماش قديم وخرجت وقفلت الباب بالقفل وأنا بقفله حسيت إني بقفل على نفسي وبحبس روحي جوه تاني نزلت جري على السلم ركبت العربية وطرت على القصر طول الطريق وأنا بجهز سيناريوهات ومبررات كنت مخنوق وتمشيت ع النيل كاوتش العربية نام كنت عند واحد صاحبي وصلت القصر دخلت العربية ونزلت وأنا رجلي بتخبط في بعض دخلت الصالون المشهد كان محكمة تفتيش بابا قاعد على كرسيه الضخم، آدم واقف جنبه مكتف إيديه وبيبص في الأرض، وماما قاعدة بعيد بتفرك في منديل قماش
بابا : أهلاً أهلاً بالبيه اللي صايع لحد نص الليل بابا بدأ الكلام من غير مقدمات
انا : بلعت ريقي، مساء الخير يا بابا أنا آسف الطريق كان زحمة جداً و...
بابا : كداب صوته كان زي الكرباج، أنا سألت السواق قال إنك رفضت يوصلك وأخدت عربيتك ومشيت لوحدك وصفوت كلمني وقال إنك طول النهار سرحان وبتعمل حاجات غريبة في الورق وسلمت التقرير ناقص توقيعات مهمة كنت فين يا بدر
أنا : بتوتر، كنت.. كنت.. الكلام هرب مني مقدرش أقوله كنت في وسط البلد مقدرش أقوله كنت برسم آدم اتدخل فجأة عشان ينقذ الموقف، كعادته
أدم : بابا بدر كلمني وقال إنه رايح يشتري هدايا لليلى عشان عيد ميلادها قرب وعربيته عطلت منه في الطريق وموبايله فصل شحن هو قالي كده بس أنا نسيت أبلغ حضرتك عشان انشغلت
بصيت لآدم بذهول هو بيكدب عشاني وبيورط نفسه في النسيان اللي بابا بيكرهه بابا بص لآدم بشك وبعدين رجع بص ليا
بابا : الكلام ده صح
أنا : هزيت راسي بسرعة، أيوه، أيوه يا بابا، كنت عايز أعملها مفاجأة
بابا : سكت لحظة وعينه بتتنقل بينا إحنا الاتنين بعدين رجع ضهره لورا بملل، خيبة تقيلة واحد عربيته بتعطل ومش عارف يتصرف، والتاني بينسى يبلغني اتنيلوا اقعدوا الموضوع اللي عايزكم فيه أهم من تفاهتكم دي
تنفسنا إحنا الاتنين بارتياح شديد قعدت جنب آدم، وهمست له وأنا بوطي راسي شكراً، آدم ماردش بس ضغط على إيدي ضغطة خفيفة ومؤلمة معناها مش كل مرة هعرف ألحقك
بابا : اعتدل في قعدته وولع سيجار اسمعوا بقى شركة الجابري للمقاولات داخلة مناقصة معانا في مشروع العاصمة الجديدة المناقصة دي حياة أو موت للمجموعة ولو خسرناها أسهمنا هتنزل الأرض يحيى الشامي حماك المستقبلي يا آدم لمح ليا إن الجابري بيحاول يلعب من تحت الترابيزة ويرشي ناس في اللجنة
بابا : بص ليا أنا بالذات، ودورك جه يا بدر
انا : سألت باستغراب، أنا
بابا : أيوه إنت إنت المحاسب وإنت اللي بتفهم في اللعب بالأرقام أنا عايزك تراجع ميزانيات شركات الجابري المنشورة وتطلعلي منها أي ثغرة أي غلطة، أي شبهة فساد مالي، نضربهم بيها في السوق ونبلغ عنها الرقابة قبل المناقصة
حسيت بغثيان هو مش بس عايزني محاسب هو عايزني جاسوس ومزور حقائق هو بيطلب مني أدمر سمعة عيلة تانية عشان نكسب إحنا
أنا : بس يا بابا ده ده مش قانوني وميزانياتهم أكيد متراجعة من مكاتب كبيرة
بابا : ضحك بسخرية يا ابني إنت عبيط مفيش ميزانية في البلد دي مفهاش غلطة الشطارة مين اللي يطلع الغلطة وينفخ فيها أنا مش بسألك أنا بؤمرك معاك ٤٨ ساعة، تكون حالل لي لغز الجابري وتجيبلي رقبته على مكتبك وإلا اعتبر نفسك مفصول من الشركة ومحروم من الميراث، وتروح بقى ترسم على الأسفلت زي الشحاتين
الجملة الأخيرة نزلت عليا زي الصاعقة هو لسه فاكر لسه بيعايرني بصيت في الأرض وشفت السجاد الإيراني الفاخر وشفت دمه ددمم الحصان اللي رسمته زمان
أنا : بصوت حزين، حاضر يا بابا
بابا : قوموا شوفوا شغلكم
خرجت أنا وآدم من الصالون أول ما بعدنا آدم مسكني من كتفي وهزني
آدم : بعصبية، فوق يا بدر إنت كنت هتودينا في داهية كنت فين بجد
انا : بصيت لآدم وكنت عايز أعيط في حضنه زي العيال الصغيرين، كنت بتنفس يا آدم كنت بتنفس عشان ماتخنقش هو عايزني أبقى مجرم زيه عايزني ألفق تهم للناس
آدم : بحزن، اعمل اللي قاله يا بدر ملناش مفر الجابري مش ملاك وأكيد عنده بلاوي طلعها وخلص نفسك لو وقفت قصاد بابا دلوقتي هيدهسك
سبته وطلعت أوضتي دخلت، وقفلت الباب بالمفتاح رميت نفسي على السرير وبصيت للسقف أنا بكره الأرقام بكره الفلوس وبكره اسم الجارحي قمت وقفت قدام المراية بصيت لوشي شفت راجل ببدلة غالية، ونضارة طبية، وملامح هادية ومطيعة بس لو ركزت في عيني هتشوف نار نار مكتومة تحت الرماد فتحت دولابي ومن تحت كومة هدوم شتوي مركونة طلعت سكتش صغير وقلم فحم قعدت على الأرض وبدأت أرسم بسرعة وجنون. رسمت بابا وهو قاعد على كرسيه، بس بدل ما يكون بني آدم، رسمته عنكبوت ضخم ببدلة سموكن، وشبكته معمولة من فلوس، وإحنا الأربعة دبان محبوس في الشبكة دي وأنا برسم حسيت بوجع في صدري الوجع ده كان الحقيقة أنا مش هقدر أكمل كده أنا مش هقدر أدمر الناس عشان خاطره لازم أعمل حاجة بس إيه أنا أجبن من إني أواجه فجأة الباب خبط خبطات سريعة وخفيفة خبيت السكتش وفتحت الباب زين دخل وقفل الباب وراه بسرعة وشه كان أصفر ومخطوف
زين : بدر، أنا في مصيبة
انا : تاني يا زين، ما إحنا لسه مخلصين من خناقة إمبارح
زين : قعد على السرير ودفن وشه في إيده، دي بجد المرة دي مش خناقة بار المرة دي فيها بوليس بجد وفيها بنت والبنت دي تبقى بنت الجابري
انا : اتسمرت مكاني، بنت الجابري المنافس بتاعنا
زين : رفع وشه وعينه مليانة رعب، أنا بحبها يا بدر بنتقابل في السر بقالنا شهور والنهاردة النهاردة أخوها شافنا وكان هيضربها أنا اتدخلت وضربته وهو هو وقع ومبقاش بيتحرك أنا هربت وجيت هنا مش عارف هو مات ولا عايش
الدنيا لفت بيا المصاير بتتشابك بشكل مرعب بابا عايزني أدمر أبوها وزين ضرب أخوها وممكن يكون قتله بصيت لزين ولأول مرة حسيت إن دوري جه مش دور المحاسب ولا دور الظل دور الأخ
أنا : اهدى يا زين، اهدى احكيلي بالتفصيل وفي اللحظة دي عرفت إن اللوحة السودة اللي برسمها لحياتنا لسه هيتحط فيها ألوان أغمق وأعنف بكتير، زين قاعد على طرف السرير جسمه كله بيترعش زي ورقة شجر في ريح عاصفة رافع وشه ليا وعيونه مليانة دموع ورعب طفولي عمري ما شفته فيه قبل كده زين الروك ستار المتمرد، اتحول في لحظة لعيل صغير خايف من العقاب
انا : طب هو مات ولا حصله اي
زين : مش عارف يا بدر و*** ما عارف هو وقع وقع جامد وراسه خبطت في الرصيف صوت الخبطة كان وحش وحش أوي أنا جريت ركبت الموتوسيكل وهربت زي الجبان
أنا : مسكت كتافه وهزيته عشان يفوق، اسمعني كويس مين كان معاك حد شافك الكاميرات
زين : بلع ريقه بصعوبة، مايا، مايا كانت واقفة وبتصرخ المكان كان ضلمة شوية وكريم أخوها كان جاي يتهجم عليا فزقيته مكنتش أقصد أقتله يا بدر مكنتش أقصد
بدأ يدخل في نوبة بكاء هيستيري كتمت بقه بإيدي بسرعة وبصيت ناحية الباب برعب لو الباشا سمع أو لو حد من الخدم نقل له الخبر زين انتهى مش بس هيتحبس ده هيتفرم بابا مش هيغفر له إنه جاب العار للعيلة والأهم إنه ضرب ابن الجابري المنافس اللدود
أنا : اخرس خالص، اوعى صوتك يطلع أنا هتصرف بس لازم تقولي الحقيقة كريم الجابري ده كان بيتحرك لما مشيت
زين : هز راسه، كان ساكت وعينه مفتوحة وباصة للسما
حسيت ببرودة بتجري في عمودي الفقري اللون الأحمر القاني بدأ يفرش قدام عيني لون الدم، ولون الخطر
انا : اسمعني يا زين، إنت هتفضل هنا في أوضتك متخرجش متردش على تليفونات ولو حد سألك إنت كنت تعبان ونايم من بدري فاهم
زين : برعب هتعمل إيه يا بدر
أنا : هروح أشوف المصيبة دي وصلتلنا لحد فين
خرجت من أوضته وقفلت الباب وقفت في الطرقة الضلمة شوية أخد نفسي أنا بدر المحاسب اللي بيخاف من خياله مطلوب مني دلوقتي أدخل عش الدبابير عشان أنقذ أخويا نزلت السلالم وتسللت زي الحرامي في بيتي ركبت عربيتي تاني بس المرة دي مروحتش وسط البلد رحت ناحية المستشفى الاستثماري الكبير اللي عيلة الجابري بتتعامل معاه أنا عارف إنهم مستحيل يروحوا مستشفى حكومي ومستحيل يبلغوا البوليس فوراً قبل ما يطمنوا على شكلهم الاجتماعي وصلت المستشفى الجو كان هادي ريحة المطهرات خنقتني اللون الأبيض في كل حتة أبيض بارد لون الموت والملاءات والكفن لبست كاب ونضارة شمس رغم إننا بالليل ومشيت وأنا موطي راسي سألت في الاستقبال بصوت واطي عن كريم الجابري، الموظفة بصت لي بشك
الممرضة : مين حضرتك الزيارة ممنوعة
أنا : أنا السواق بتاعه الهانم بعتتني أجيب حاجات، كدبت والكذب بقى أسهل مما تخيلت الممرضة : هو في العناية المركزة الدور التالت بس ممنوع الدخول
العناية المركزة يعني عايش بس حالته خطرة طلعت الدور التالت واستخبيت في زاوية بعيدة في ممر الانتظار شفتهم شفت يحيى الجابري، المنافس بتاع بابا راجل طويل عريض شعره أبيض بالكامل واقف ببدلة شيك بس كرافتته مفكوكة وبيتكلم بعصبية مع دكتور وشفت مايا بنت صغيرة جميلة بشكل رقيق لابسة فستان سهرة وعليه جاكيت بدلة رجالي واسع (أكيد بتاع أخوها) وقاعدة على كرسي ومنهارة من العياط
حاولت أسمع بيقولوا إيه ارتجاج شديد ونزيف داخلي الـ ٢٤ ساعة الجايين حاسمين ده كان صوت الدكتور يحيى الجابري صرخ بصوت واطي
يحيى: بعصبية، مين الحيوان اللي عمل فيه كده يا مايا انطقي مين الي كان معاكي
مايا: كانت بتترعش وصوت بكاها زاد، معرفوش يا بابا معرفوش كانوا شباب بيعاكسوني وكريم اتخانق معاهم وهربوا
قلبي دق بعنف مايا بتحمي زين بتحبه بجد لدرجة إنها بتكدب على أبوها الجبار وهي شايفة أخوها بيموت حسيت بغيرة غريبة مش غيرة حب غيرة من الحالة زين لقى حد يحبه ويحميه حتى لو التمن غالي لكن أنا أنا مين يحميني انسحبت بهدوء قبل ما حد يلمحني رجعت العربية وأنا باخد نفسي بصعوبة كريم عايش، بس لو مات مايا هتنهار وتعترف وساعتها زين هيضيع ولو كريم فاق، هيقول الحقيقة إحنا في سباق مع الزمن رجعت القصر وش الفجر مكنش جايلي نوم دخلت مكتبي في البيت بابا طالب مني رقبة الجابري مالياً خلال ٤٨ ساعة وزين ماسك رقبة ابن الجابري فعلياً قعدت قدام اللابتوب فتحت الملفات اللي كنت مجمعها عن شركات الجابري الأرقام بدأت ترقص قدام عيني أصفار ووحايد وفواصل عشرية قررت أعمل اللي بدر الفنان بيعمله لما يتزنق في لوحة أدور على الظل كل شركة ليها واجهة بتلمع (النور) وليها دفاتر مخفية (الظل) بدأت أبحث بجنون دخلت على داتا مسربة كانت معايا من فترة ومكنتش بستخدمها بحثت عن شركات وهمية حسابات في جزر العذراء تحويلات بنكية مشبوهة فضلت شغال لحد ما الشمس طلعت عيني كانت بتحرقني وضهري واجعني بس لقيتها لقيت اللون الأسود في لوحة الجابري البيضا شركة استيراد وهمية باسم مرات الجابري بتدخل معدات طبية مغشوشة وتبيعها لمستشفيات الحكومة بملايين والمصيبة الأكبر، إن فيه تحويلات بتثبت إنهم بيتهربوا من جمارك بمليارات دي مش بس ثغرة دي قنبلة نووية لو الورق ده وصل للنائب العام يحيى الجابري هيقضي بقية عمره في طرة واسم عيلته هيبقى في الوحل سندت ضهري على الكرسي الورق ده ينقذ بابا ويكسبه المناقصة بس الورق ده كمان هيدمر مايا البنت اللي شفتها بتعيط وبتحمي أخويا هدمر أبوها وأمها زين بيحب بنت عدونا وأنا معايا السكينة اللي ممكن تدبح العدو ده لو قدمت الورق لبابا الجابري هيتدمر وممكن ينتقم بفتح ملف كريم والتحقيق الجد ولو ماقدمتوش بابا هيدمرني أنا، وزين كده كده في خطر
الباب خبط دخلت ليلى في إيدها صينية عليها فنجانين قهوة
ليلي : صباح الخير يا بدر، شفت نور مكتبك والع قلت أكيد لسه منمتش، ليلى النسمة الوحيدة في جحيم الجارحي، حطت القهوة وقربت مني حطت إيدها الناعمة على كتفي
ليلي : وشك أصفر ، إنت بتقتل نفسك في الشغل عشان ترضيه وهو عمره ما هيرضى
أنا : ابتسمت ليها بضعف ومسكت إيدها وبستها، أنا كويس يا ليلى المهم إنتي جاهزة لليوم النهاردة، الشوفة، العريس وأهله جايين
ليلى : سحبت إيدها وعيونها اتملت دموع جاهزة هو الخروف بيجهز غير للدبح، ماما جابتلي فستان غالي أوي وخبيرة تجميل جاية كمان ساعة بيجهزوني كأني عروسة حلاوة للعرض بصت لي نظرة رجاء بدر ساعدني إنت وآدم وزين اعملوا أي حاجة أنا بختنق
حسيت بالعجز بيعصر قلبي أختي بتستنجد بيا وأنا غرقان في مصيبة زين ومصيبة الجابري فتحت درج مكتبي وطلعت سكتش صغير كنت راسمهولها من فترة رسمة لليلى وهي صغيرة لابسة فستان بسيط وبتجري ورا فراشات في حقل عباد شمس
أنا : ببتسم، خدي دي يا ليلى خليها معاكي
ليلي : بصت للرسمة وابتسمت وسط دموعها، دي أنا أنا عمري ما جريت في حقل يا بدر
أنا : بقهر، دي روحك يا ليلى روحك حرة حتى لو جسمك محبوس هنا بصي للرسمة دي لما تحسي إنك ضعيفة وافتكري إن ليكي جناحين زي الفراشات دي، مسيرك هتفرديهم
حضنتني وريحة الياسمين في شعرها فكرتني بطفولتنا البريئة اللي اتسرقت ليلي شكراً يا فنان العيلة همست في ودني وخرجت
بصيت للابتوب تاني لازم آخد قرار زين ولا ليلى ولا نفسي قمت وقفت أخدت فلاشة وحطيت عليها المستندات اللي بتدين الجابري وطلعت ورقة وقلم ورسمت رسمة سريعة كاريكاتيرية رسمت ميزان كفة فيها قلب وكفة فيها فلوس والفلوس هي اللي طابة حطيت الرسمة في جيبي والفلاشة في جيبي التاني ورحت لغرفة زين كان صاحي قاعد في الضلمة بيأكل ضوافره
أنا : زين كريم الجابري في العناية، بس عايش
زين : اتنفس بصوت مسموع ودموعه نزلت، الحمد* الحمد*
أنا : مايا مقالتش اسمك قالت بلطجية
زين : بص لي بذهول، بجد هي عملت كده
أنا: أيوه البنت دي بتحبك يا غبي وإنت حطيتها في موقف زبالة قربت منه ومسكته من لياقة تيشرته اسمعني كويس إنت هتنسى البنت دي فاهم علاقتكم دي مستحيلة ودلوقتي بقت دموية لو قربت منها تاني أخوها هيفوق ويقول اسمك وأبوها هيفرمك وبابا مش هيرحمك
زين : زق إيدي، مش هقدر أنساها إنت مش فاهم حاجة إنت عمرك ما حبيت إنت عبارة عن آلة حاسبة بتمشي على رجلين
الكلمة وجعتني آلة حاسبة ده اللي أخويا شايفني بيه ميعرفش إني بضحي بروحي عشانه
أنا : بحزن، ماشى يا زين ماشي خليك فاكر إن الآلة الحاسبة دي هي اللي هتشيل وسختك دلوقتي سبته وخرجت
رحت لمكتب بابا في الشركة الساعة كانت ٩ الصبح هو بيحب الاجتماعات بدري دخلت عليه كان قاعد علي مكتبه وآدم قاعد قدامه بيراجع عقود
بابا : وهو بيلعب بالقلم الدهب بتاعه، ها يا بدر الـ ٤٨ ساعة لسه مخلصوش بس شكلك جاي ومعاك أخبار، آدم بص لي بقلق كأنه بيحاول يقرأ ملامحي
أنا : قربت من المكتب وحطيت الفلاشة قدامه، كل حاجة هنا يا بابا شركة الجابري بتستورد معدات طبية مغشوشة عن طريق شركة وهمية في قبرص اسمها بلو ويف، وادي أرقام التحويلات وتواريخ الشحنات وأسماء الموظفين المرتشين في الجمارك
الصمت عم المكتب بابا ساب القلم وبص للفلاشة وبعدين بص لي ابتسامة بطيئة وشيطانية اترسمت على وشه
بابا : باعجاب، يا ابن اللعيبة جبتها منين دي
انا : مش مهم منين يا بابا المهم إن ده يوديه في داهية ويخلي وزارة الصحة تسحب منه التراخيص وسمعته في السوق تبقى صفر
آدم كان بيبص لي بذهول هو عارف إن بدر ملوش في الألاعيب القذرة دي بابا أخد الفلاشة وحطها في اللابتوب بتاعه وبدأ يقلب في الملفات ضحكته كانت بتعلى مع كل ملف بيفتحه
بابا : * عليك يا بدر * عليك ده إنت طلعت داهية وأنا معرفش ده إحنا مش بس هنكسب المناقصة، ده إحنا هنشتري شركته بتراب الفلوس لما تقع
قام وقف، ولف حوالين المكتب ووقف جنبي حط إيده التقيلة على كتفي وخبط عليه بقوة
بابا : ده الشغل الصح النهاردة بس أقدر أقول إنك ابن سليم الجارحي كنت فاكرك طري بس طلعت قرش
كلمة قرش حسستني إني عايز أستفرغ أنا مش قرش أنا فنان قتلت فنه بإيديك
انا : بحزن، تؤمر بحاجة تانية يا بابا
بابا : بفرح، لأ روح إنت دلوقتي خد مكافأة وخد إجازة يومين بس اوعي تنسي بليل تحضر نفسك عشان عريس أختك عايزك تكون موجود القرش بتاعنا لازم يبان
خرجت من المكتب آدم لحقني
آدم : بدر، استنى إنت جبت الورق ده إزاي وإيه التمن أنا عارفك إنت مش بتعمل كده إلا لو فيه كارثة
انا : بصيت لآدم وشفت صورتي في عيونه صورة واحد كسر مبادئه، زين كان هيتقتل يا آدم أو يتسجن أنا عملت صفقة مع الشيطان عشان أحمي العيلة متسألش في تفاصيل
آدم : مسك دراعي، زين عمل إيه
أنا : اسأل زين، أنا تعبت أنا رايح أشوف ليلى
مشيت وسبته كنت ماشي في الشركة وأنا حاسس إن كل الناس بيبصوا عليا كأنهم شايفين الدم على إيدي ددمم الجابري اللي دمرته ودم كريم اللي مرمي في المستشفى ودم قلب مايا اللي هيتحرق لما أبوها يتفضح أنا بقيت واحد منهم بقيت، جارحي أصلي
رجعت القصر البيت كان مقلوب الخدم بيجروا في كل حتة بينضفوا بيلمعوا النجف بيحضروا البوفيه ريحة الورد البلدي مالية المكان بس بالنسبالي كانت ريحة جنازة طلعت لجناح ليلى الباب كان مفتوح وخبيرة التجميل كانت بتحط لمسات أخيرة ليلى كانت قاعدة قدام المراية لابسة فستان سماوي رقيق جداً وشعرها معمول بطريقة كلاسيكية كانت جميلة جميلة بشكل يوجع زي لوحة فنية نادرة محطوطة في مزاد علني دخلت وشاورت للكوافيرة تخرج
ليلى : لفت ليا وعيونها مليانة رعب، قربوا يوصلوا كمان نص ساعة
أنا : قعدت قدامها ومسكت إيدها، إنتي جميلة يا ليلى أجمل بنت في الدنيا
ليلي : ضحكت بمرارة، جميلة أنا حاسة إني سلعة بابا دخل لي من شوية قالي افردي ضهرك، واتكلمي فرنساوي بس لما يسألوكي ومتضحكيش بصوت عالي، بيبعني يا بدر بيبعني لواحد أكبر مني بـ ١٥ سنة عشان مصالحه
طلعت من جيبي الرسمة الكاريكاتيرية اللي رسمتها الصبح الميزان اللي فيه القلب والفلوس قطعتها حتت صغيرة قدامها
ليلي : ليه قطعتها
أنا : عشان الواقع مش كاريكاتير يا ليلى الواقع أقسى أنا دمرت عيلة النهاردة عشان أحمي زين بابا داس على آدم عشان البيزنس ودلوقتي الدور عليكي بصيت في عينها مباشرة وعيني لمعت بوميض غريب وميض التمرد اللي كان مدفون بس إحنا لسه ممتناش اسمعيني يا ليلى لما تنزلي تحت متكونيش بنت سليم الجارحي كوني ليلى، ليلى اللي بترسم فراشات في خيالها لو العريس ده معجبكيش لو حسيتي إنه بيشتريكي ارفضي اصرخي بوظي الجوازة
ليلى : بصت لي بصدمة، إنت بتقول إيه دا بابا يقتلني
أنا : بحزن، خليه يقتلنا كلنا أحسن ما نعيش أموات وقفت وبوست جبينها أنا هكون جنبك تحت وآدم هيكون جنبك، وزين زين غرقان في مصيبته بس بيحبك إحنا الأربعة درع وسند لبعض متخافيش
سبتها وخرجت ألبس وقفت قدام المراية أربط الكرافتة النهاردة بالليل القصر ده هيشهد مسرحية جديدة الشوفة بس المرة دي الممثلين مش حافظين الدور كويس أنا بدر الظل والنهاردة قررت إني مش هكون مجرد خيال بيعدي على الحيطة النهاردة الظل ده ممكن يبقى كابوس للباشا
سمعت صوت عربيات العريس بتدخل من البوابة نزلت السلم، ووقفت جنب آدم وزين (اللي نزل وعيونه وارمة بس بيحاول يتماسك) بابا وقف في النص زي المايسترو اللي بيقود الاوركسترا، همس بصوت فحيح ابتسموا الضيوف وصلوا
الباب اتفتح ودخل عاصم الشناوي العريس ووالده، ووالدته عاصم كان راجل أصلع بكرش صغير ولابس بدلة بتلمع زيادة عن اللزوم وفي بوقه سيجار وعيونه بتفحص القصر كأنه بيقيمه عشان يشتريه نظراته ليا ولإخواتي كانت نظرات استعلاء مقرف وبعدين نزلت ليلى صوت كعبها على السلم كان هو الصوت الوحيد المسموع كل العيون اتجهت ليها بابا كان بيبص ليها نظرة التاجر لبضاعته أما أنا، فكنت ببص ليها نظرة الرسام للوحته، اللي خايف عليها من التراب
ولما عاصم الشناوي بص ليها شفت في عينه نظرة جوع، نظرة خلت الدم يغلي في عروقي بصيت لآدم، لقيته ضامم قبضته لدرجة إن عروق إيده هطق، وبصيت لزين، لقيته بيبص للعريس بقرف وتحدي، إحنا التلاتة حسينا بنفس الشعور في نفس اللحظة، مش هنسمح بده يحصل حتى لو حرقنا القصر بلي فيه
الفصل الثالث
بقلم : عفريتة هانم
السلم، السلم الرخامي ده هو مسرح حياتي أو بمعنى أدق الممشى اللي بتتعرض عليه البضاعة كل درجة بنزلها بحس إنها بتقربني خطوة من القبر مش من الصالون الكعب العالي اللي لابساه بيعمل صوت على الرخام، صوت شبه دقات الساعة اللي بتعلن نفاذ الوقت
أنا ليلى، ليلى سليم الجارحي 25 سنة خريجة أدب إنجليزي من الجامعة الأمريكية، بس عمري ما اشتغلت، وعمري ما سافرت لوحدي، وعمري ما اخترت حتى لون ستارة أوضتي أنا الزينة أنا البرستيج، أنا الحاجة الحلوة اللي بتتحط على التورته عشان تغطي طعم العجين الفاسد
النهاردة الشوفة الكلمة نفسها مقرفة بتحسسني إني فرس في سوق مواشي الشاري جاي يفتح بوقي ويشوف سناني ويتأكد إن صحتي تمام وتصلح للإنتاج، لابسة فستان سماوي قماشه حرير طبيعي ناعم جداً بس أنا حاسة إنه خيش بيحك في جلدي ماما هي اللي اختارته، والكوافيرة هي اللي سرحت شعري، وحتى العقد الألماظ اللي في رقبتي بابا هو اللي جابه من خزنة العيلة ولبسهولي بنفسه وقالي ده عهدة إوعي يضيع منكم فيش حاجة عليا بتاعتي حتى جسمي مش بتاعي
نزلت آخر درجة الصالون الكبير كان مليان ناس، بس بالنسبالي كان مليان وحوش بابا واقف بابتسامته التجارية العريضة وماما قاعدة جنبه زي الليدي اللي خرجت من مجلة موضة محافظة على جمود ملامحها عشان التجاعيد متبانش وإخواتي سندي وظهري المكسور آدم واقف بجمود بس عيونه فيها قهر، نفس النظرة اللي شفتها لما ساب هنا حبيبته زمان بدر باصص لي نظرة فيها شفرة نظرة بتقول متستسلميش زين واقف بعيد شوية، عينه حمرا وشكله مبهدل رغم البدلة بيبص للضيوف بقرف كأنه عايز يتف عليهم
والضيوف عاصم الشناوي العريس اول ما عيني جت عليه حسيت برعشة برد مشيت في جسمي راجل في الأربعينات شعره خفيف وشه مليان ومدهنن ولابس ساعة دهب بتلمع بشكل مستفز كان بيبص ليا لأ مكنش بيبص ليا كان بيمسحني بعينه عينه نزلت من فوق لتحت، وقفت عند وسطي، وعند رجلي نظرة حسيت بيها إن فستاني اتشال من عليا نظرة شهوة تملك مش نظرة إعجاب
يا أهلاً يا أهلاً بـ ست البنات بسم** ما شاء ***، قمر ١٤ ده كان صوت والد عاصم، راجل عجوز صوته عالي بابا قرب مني ومسك إيدي وقدمها لعاصم كأنه بيسلمه مفتاح عربية جديدة
بابا : ليلى بنتي جوهرة العيلة
عاصم مد إيده إيده كانت عرقانة مسك صوابعي وضغط عليها ضغطة خفيفة ومقززة
عاصم : اتشرفنا يا آنسة ليلى الحقيقة الصور ظالماكي الطبيعة أحلى بكتير
انا : سحبت إيدي بسرعة وحاولت أرسم ابتسامة باهتة ) ميرسي
تعالي يا ليلى اقعدي هنا جنبي ماما شاورت على المكان الفاضي جنبها عشان أكون في الفاترينة قعدت وبدأت المناقصة، بابا ولع سيجاره، وبدأ يتكلم مع والد عاصم عن البورصة، وأسعار الحديد وصفقات الأراضي الكلام كان رايح جاي بينهم وعاصم بيشارك بضحكات مصطنعة وتعليقات بتدل على إنه رجل أعمال شاطر شويتين كنت قاعدة وحاطة إيدي في حجري بفرك في قماش الفستان لحد ما صباعي وجعني كنت سامعة صوت بدر في ودني كوني ليلى اصرخي بس أصرخ إزاي وأنا لساني مقطوع من سنين
رجعت بذاكرتي لورا لطفولتي كنت **** شقية بحب أجري وألعب فاكرة مرة وأنا عندي ٧ سنين هربت من الدادة وخرجت في الجنينة لقيت القطة السايامي بتاعتنا والدة قطط صغيرة قعدت ألعب معاهم، وهدومي اتبهدلت وشعري اتنكش كنت بضحك بصوت عالي فجأة حسيت بضل طويل غطاني بابا يومها مضربنيش الضرب للولاد العقاب ليا كان العزل حبسني في أوضتي ٣ أيام ممنوع خروج، ممنوع تليفزيون ممنوع لعب الأكل كان بيجيلي صينية وتتاخد ولما أفرج عني قعدني قدامه وقالي جملة منستهاش البنت الغالية زي التحفة الكريستال لو اتلمست كتير بتبصم وترخص ولو وقعت واتكسرت بتترمي في الزبالة إنتي عايزة تكوني كريستال ولا زبالة من يومها، قررت أكون كريستال خفت أترمي خفت من نظرة الاحتقار اتعلمت أمشي والكتب فوق راسي عشان ضهري يفضل مفرود اتعلمت آكل بالشوكة والسكينة حتى لو سندوتش جبنة اتعلمت إن صوت ضحكتي عورة وإن رأيي ملوش لازمة وإن وظيفتي في الحياة الانتظار انتظار إيه معرفش بس كنت مستنية المخلص كنت فاكرة إنه هيكون فارس على حصان أبيض يخطفني بس اللي جه مقاول بكرش جاي يشتري الرحم اللي هيجيب له ورثه والاسم اللي هينضف بيه سمعته في السوق
آنسة ليلى بتسوقي سؤال عاصم رجعني للواقع كان موجه الكلام ليا وهو بيبتسم ابتسامة صفرا بصيت لبابا بطرف عيني لقيته بيهز راسه إيماءة خفيفة يعني جاوبي
أنا : لا مبعرفش أسوق عندي سواق خاص
عاصم : ضحك بصوت عالي ) أحسن سواقة الستات بتجيب الجلطة أصلاً وبعدين اللي زيك ميمسكش دريكسيون يمسك مجلة وردة لكن بهدلة الشوارع دي ملناش فيها
حسيت بالدم بيغلي في عروقي اللي زيك هو شايفني إيه كائن عاجز زين اتكلم فجأة من مكانه
زين : ( بنبرة حادة ) على فكرة ليلى بتعرف تسوق كويس جداً أنا علمتها في ممرات الكومباوند وكانت بتعمل غرز أحسن مني
الكل سكت وبص لزين بابا برقلة بعينه نظرة تحذير
عاصم : ( رفع حاجبه باستنكار ) غرز يا ساتر لا إحنا عايزين هدوء عموماً يا زين بك أنا هوفرلها أسطول عربيات بسواقين مش هتحتاج تتعب نفسها
بابا حب يغير الموضوع بسرعة قبل ما زين يبوظ الليلة ليلى مش بس ست بيت ممتازة دي كمان فنانة بتعزف بيانو هايل إيه رأيك تسمعينا حاجة يا ليلى دي الفقرة التانية من العرض اختبار المهارات كنت عايزة أقول لأ عايزة أقول إني بطلت أعزف من زمان وإن البيانو بالنسبالي آلة تعزييب بتفكرني بدروس الموسيقى الإجبارية بس الريموت كنترول اللي ماسكه بابا اشتغل قمت من مكاني، ومشيت بخطوات آلية ناحية البيانو الجراند الأسود اللي في ركن الصالون
قعدت على الكرسي فتحت الغطا المفاتيح البيضا والسودا كانت بتبص ليا كأنها سنان وحش حطيت إيدي المرتعشة على المفاتيح أعزف إيه بيتهوفن، موزارت، الحاجات الكلاسيكية اللي بابا بيحبها عشان الرقي بصيت ناحية بدر كان باصص لي وبيهز راسه وبيلمس قلبه بإيده اعزفي اللي حاساه غمضت عيني وافتكرت اللوحة اللي بدر قطعها القلب والفلوس ضغطت على المفاتيح بقوة بدأت بمقطوعة لـ شوبان نكتورن حزين وكئيب المزيكا كانت بتخرج من تحت صوابعي زي البكا نغمات بطيئة تقيلة مليانة شجن
كنت بعزف وأنا شايفة نفسي بصرخ كل ضغطة على مفتاح كانت صرخة أنا مش عايزة أتجوز أنا مش عايزة أعيش كده خرجوني من هنا
اندمجت في العزف النغمات بدأت تعلى وتزيد حدتها تحولت من حزن لغضب عزفت كرشيندو عالي ومفاجئ صوت البيانو رن في القصر كله كأنه جرس إنذار فتحت عيني فجأة لقيت الكل باصص لي بذهول عاصم كان فاتح بقه ووالدته بتعدل نضارتها باستغراب بابا كان وشه محتقن وعروق رقبته بارزة أنا خرجت عن النص المفروض أعزف حاجة ناعمة، هادية خلفية موسيقية لكلامهم عن الفلوس مش سيمفونية غضب
سكتت فجأة شلت إيدي من على البيانو
الهدوء اللي حصل كان مرعب بابا كسر الصمت بضحكة متوترة
بابا : ( احم ) ليلى بتحب المدارس الحديثة في العزف مليانة مشاعر زيادة بس طبعاً بتعرف تعزف حاجات تانية أهدى
عاصم : ( صفّق ببرود عظيم ) عظيم قوية بس ياريت في بيتنا بقى نعزف حاجات فرايحي كده مش عايزين نكد يا عروسة
نكد، فني ووجعي وصرختي سماهم نكد
قمت ورجعت مكاني وحسيت إني عايزة أستفرغ زين كان بيبتسم ابتسامة صغيرة وآدم غمز لي بعينه غمزة سريعة يعني برافو حسيت بقوة غريبة سريت فيا أنا نكدت عليهم أنا بوظت المود المثالي اللي بابا كان راسمه دي أول مرة أعمل حاجة بإرادتي
والد عاصم : ندخل في المفيد بقى يا سليم بيه إحنا طالبين القرب ويشرفنا نناسب عيلة الجارحي وطبعاً إحنا عارفين الأصول المهر اللي تطلبوه والشبكة عاصم جايب طقم من بولجاري يليق بالآنسة
بابا : ( ابتسم برضا ) إحنا بنشتري راجل يا حاج والفلوس آخر همنا بس طبعاً الأصول أصول إحنا هنكتب الكتاب والفرح بعد شهرين في فندق الماسة وإحنا مجهزين فيلا لليلى في التجمع تكون باسمها
عاصم : ( قاطعه ) فيلا التجمع دي هتبقى للصيف يا عمي أنا بجهز الجناح بتاعي في قصر الوالد في الزمالك عشان نكون قريبين من العيلة
قلبي وقع هخرج من قصر لقصر من سجن بابا لسجن حمايا هعيش مع أهله في نفس البيت يعني مراقبة ٢٤ ساعة
أنا : ( بصيت لبابا مستنجدة ) بس يا بابا إحنا اتفقنا إني.
بابا : ( بص ليا بحدة خرستني ) اتفقنا على الخير يا ليلى بيت العيلة عزوة وأمان وعاصم أدرى بمصلحته
عاصم : بعد إذنكم يا جماعة ممكن أتكلم مع الآنسة ليلى دقيقتين على انفراد في التراس مثلاً نتعرف عاصم طلب الطلب ده وهو بيبص لي بنظرة خبيثة
بابا : ( وافق فوراً ) طبعاً طبعاً يا بني خدوا راحتكم قومي يا ليلى فرجي عاصم بيه على الجنينة
قمت ورجلي مش شيلاني مشيت ناحية التراس عاصم قام ومشي ورايا حسيت بآدم بيتحرك من مكانه بس بابا مسكه من دراعه وقعده تاني وبدأ يكلمه في تفاصيل الشغل عشان يلهيه زين كان هيقوم بدر مسكه وهمس له بحاجة خلت زين يقعد وهو بيغلي خرجت التراس الهوا كان بارد ومنعش ريحة الياسمين في الجنينة كانت قوية وقفت وبصيت للبيسين كنت بتمنى أغرق فيه وأخلص
عاصم وقف جنبي قريب أوي ريحة البرفان بتاعه كانت تقيلة ومختلطة بريحة سجاير وعرق
عاصم : ( همس بصوت لزج ) إيه الجمال ده
مردتش قرب أكتر لدرجة إن كتفه لمس كتفي بعدت خطوة
عاصم : مالك خايفة كده إحنا خلاص هنبقى واحد بصراحة أنا مكنتش متحمس للجوازة دي كنت فاكرك زي بنات اليومين دول لسان طويل وعلى الفاضي بس عجبتيني هادية ومطيعة والأهم جسمك فرنساوي
انا : ( بصوت بيترعش ) لو سمحت ممكن نتكلم في حاجة تانية
عاصم : ضحك وقرب وشه مني نتكلم في إيه في الأدب الإنجليزي فكك بقى من جو الثقافة ده أنا عايز ست بيت عايز واحدة تدلعني لما أرجع من الشغل وتسمع الكلام وأبوكي قالي إنك عجينة لينة أقدر أشكلها زي ما أنا عايز
أبويا قال كده عجينة عاصم مد إيده وحاول يمسك خصلة من شعري
عاصم : شعرك ده طبيعي ولا إكستنشن ناعم أوي
حسيت بلمسة صباعه على رقبتي في اللحظة دي الخوف اختفى وحل مكانه قرف قرف لا نهائي افتكرت كلام بدر ارفضي اصرخي
أنا : ( زقيت إيده بعنف ) اوعى تلمسني
الصوت خرج مني عالي أعلى مما تخيلت
عاصم اتفاجئ ورجع لورا خطوة وملامحه اتحولت من الهزار للغضب
عاصم : ( بغضب ) إيه يا بت الجنان ده إنتي بتزقيني
انا : أيوه بزقك وأنا مش بت ومش عجينة وأنا مش موافقة عليك
عاصم : ( وشه احمر وقرب مني بنظرة تهديد ) صوتك ميعلاش وإلا هعرفك مقامك من دلوقتي إنتي فاكرة نفسك مين إنتي حتة بضاعة أبوكي بيحاول يخلص منها قبل ما تعنسي وأنا بعمل فيكم جميلة إن بستر عليكي وبناسبكم عشان وضعكم المالي المهزوز
أنا : ( بذهول ) وضعنا المالي مهزوز
عاصم : ( ضحك بسخرية ) يا قطة أبوكي مديون لطوب الأرض ومناقصة العاصمة دي هي طوق النجاة وجوازي منك جزء من ديل كبير عشان أبويا يضمن له سيولة مالية يعني إنتي مش بس صفقة إنتي سداد ***
الدنيا لفت بيا أنا سداد *** بابا بيبيعني عشان يسد ديونه مش عشان مصلحتي زي ما بيقول كل الأقنعة وقعت آدم، بدر، زين وأنا كلنا وقود لمحرك سليم الجارحي اللي بيتحرق
عاصم : ( انتهز فرصة صدمتي، ومسك دراعي بقوة ) فلمي ليلتك وعديها وخلينا ندخل نقرأ الفاتحة وبلاش شغل العيال ده إنتي هتيجي معايا ورجلك فوق رقبتك
سيب إيدها يا حيوان الصوت جه من ورا عاصم صوت هادي بس مرعب بصينا إحنا الاتنين كان زين واقف عند باب التراس وفي إيده كاس عصير بس الماسكة اللي ماسك بيها الكاس بتقول إنه ناوي يكسره على راس حدو ورا زين كان آدم وبدر التلاتة واقفين صف واحد حيطة سد
عاصم : ( ساب إيدي وبص لهم بتوتر حاول يداريه ) إيه يا جماعة فيه إيه إحنا بنهزر أنا وخطيبتي
زين : ( قرب خطوة وعيونه فيها جنون ) خطيبتك مين يا روح أمك إحنا سمعناك وإنت بتهددها وسمعنا الوساخة اللي قولتها
آدم : ( قرب ببرود ووقف قدام عاصم مباشرة آدم أطول منه وأعرض ) أستاذ عاصم الزيارة انتهت آدم قالها بصوت واطي ورسمي جداً
عاصم : ( حاول يعلي صوته ) نعم إنت بتطردني إنت عارف أنا مين أبوك لو عرف
بدر : اتكلم من ورا آدم وهو بيعدل نضارته بصباعه الأوسط (حركة مقصودة) أبوك وأبويا قاعدين جوه بيشربوا قهوة بس لو صوتك علي كمان نمرة أو لو فكرت تقرب من أختنا تاني صدقني المناقصة هتكون أقل خسارة ليك النهاردة أنا معايا ملفات تخلي عيلة الشناوي تبيع لب في الإشارات
بدر كان بيكدب أو ربما بيستغل ورق الجابري كورقة ضغط وهمية بس نبرة صوته كانت مقنعة ومرعبة
عاصم بص للتلاتة بص لزين المتهور، وآدم القوي وبدر الماكر وعرف إنه خسر الجولة
عاصم : ( عدل جاكيتته بعصبية ) تمام، تمام أوي أنا خارج بس بلغوا الباشا الكبير إن الاتفاق لاغي وخلوه يشوف مين هيسد ديونه بقى
مشى من جنبهم، وخبط في كتف زين وهو خارج زين كان هيهجم عليه بس آدم مسكه، أول ما عاصم دخل الصالون واختفى رجلي خذلتني وكنت هقع آدم لحقني بسرعة وحضنني دفنت وشي في صدر آدم وبدأت أعيط عياط هستيري عياط السنين اللي فاتت كلها
انا : كان كان بيقول إني سداد *** إن بابا بايعني
آدم : ( طبطب على شعري بحنية ) ششش اهدي خلاص مشي مش هيدخل البيت ده تاني
بدر : قرب ومسك إيدي إنتي كنتي بطلة يا ليلى زقتيه أنا شفتك
زين : ( كان بيتنفس بصعوبة من الغضب ) أنا هدخل أكسر الصالون على دماغهم
فجأة سمعنا صوت زعيق جاي من جوه صوت عاصم وهو بيزعق وصوت أبوه وبعدين صوت بابا العالي جداً
إنتي عملتي إيه يا هانم باب التراس اتفتح بعنف بابا ظهر وشه كان لونه أحمر وشكله مرعب أكتر من أي وقت فات وراه كانت ماما بتعيط بصمت الضيوف مشيوا والمسرح فضي وبقينا إحنا وبس بابا بص لينا إحنا الأربعة النظرة كانت بتوحي بحاجة واحدة الإعدام
بابا : ضيعتوا الصفقة ضيعتوا العريس وقفتوا قصادي صوته كان واطي في الأول وبعدين انفجر زي البركان. ده انقلاب بقى عاملين عصابة عليا
آددمم سابني، ووقف قدامي يحميني بضهره وزين وبدر وقفوا جنبه لأول مرة في تاريخ قصر الجارحي الأبناء الأربعة واقفين صف واحد في وش الأب
آدم : ( رفع راسه وبص لبابا في عينه ) مش عصابة يا بابا إحنا بنحمي أختنا من واحد واطي كان بيمد إيده عليها
بابا : ( ضحك ضحكة هستيرية ) تحموها تحموها من مين أنا اللي بحميكم أنا اللي شايل همكم من غيري إنتوا ولا حاجة ومن غير الجوازة دي الشركة هتفلس سامعين هنفلس وهنشحت
الخبر نزل علينا زي الصاعقة عاصم كان بيتكلم جد إمبراطورية الجارحي بتنهار
بابا : ( كمل وهو بيشاور علينا بصباعه ) بس وحياة أمي لربيكم من أول وجديد ليلى مفيش خروج من أوضتك لحد ما تموتي. زين بكرة الصبح هقدم بلاغ فيك وأسلمك للقسم بإيدي في قضية الضرب بدر انسي شغلك في الحسابات، هرميك في المخازن وآدم. آدم باشا اعتبر نفسك مفصول من إدارة المجموعة
التهديدات المرة دي كانت حقيقية هو بيحرق المعبد على اللي فيه بس الغريب إني مكنتش خايفة بصيت لإخواتي شوفت في عينهم نفس النظرة الخوف راح لأننا خسرنا كل حاجة خلاص فمبقاش عندنا حاجة نخاف عليها غير بعض
زين : ضحك فجأة ضحكة مجنونة وسط الجو المشحون ده حلو حلو أوي يا بابا وفرت علينا كتير طالما هنفلس وهنتحبس يبقى نلعب بقى
بابا : ( بص لزين بذهول ) إنت اتجننت
زين : بص لينا، وغمز يلا
آدم ابتسم ابتسامة خفيفة بدر عدل نضارته و
أنا مسحت دموعي يلا. اللحظة دي كانت النهاية
إحنا مش بس بوظنا الجوازة إحنا أعلنا الحرب .
الجزء الرابع
الأدرينالين. مخدر رباني. بيمشي في الدم زي الكهربا بيخليك تشوف الدنيا HD الألوان أسطع الأصوات أوضح والخوف بيتحول لحاجة تانية خالص حاجة طعمها حلو، طعمها قوة. أنا زين الجارحي، الصايع الفاشل عار العيلة زي ما الباشا بيحب يكتب في الـ CV بتاعي بس النهاردة وفي اللحظة دي أنا حاسس إني بني آدم لأول مرة من 20 سنة
بابا خرج ورزع باب الصالون وراه والازاز اللي في النيش رن من قوة الرزعة ماما كانت قاعدة على الكنبة منهارة، وشها بين إيديها، صوت بكاها هو الصوت الوحيد اللي قاطع الصمت المرعب اللي حل على المكان إحنا الأربعة واقفين كتف في كتف آدم، اللي طول عمره التمثال اللي بنعبده واقف وفارد ضهره، بس عروق رقبته بتنبض بعنف بدر الظل اللي بيخاف يمشي جنب الحيط، واقف وبيعدل نضارته بتحدي غريب، وكأنه لسه مخلص معركة شطرنج كسب فيها الملك ليلى العصفورة المحبوسة لسه بتترعش، بس مش رعشة خوف، رعشة إفراج
ماما : رفعت وشها وعينها وارمة المكياج ساح وبوظ وش الهانم اللي بتحافظ عليه؛؛ إنتوا عملتوا إيه إنتوا اتجننتوا ضيعتوا أبوكم ضيعتوا نفسكم
أنا : قربت منها وكنت عايز أصرخ في وشها وأقولها؛؛ إنتي فين من زمان ليه مدافعتيش عننا بس لما شفت كسرتها صعبت عليا هي كمان ضحية بس ضحية استسلمت للجلاد وحبت الزنزانة
انا : بصوت هادي غير معتاد مني؛؛ إحنا مضيعناش حد إحنا يا دوب بنحاول نتنفس
ماما : صرخت بهستيريا؛؛ تتنفسوا أبوكم مش هيسكت إنتوا متعرفوش سليم الجارحي لما بيغضب هيحرق الأخضر واليابس قال هيحبسك يا زين هيسلمك للقسم وقال هيطردكم
آدم : قرب منها وحط إيده على كتفها؛؛ متقلقيش يا ماما إحنا عارفين بنعمل إيه
أنا : بصيت لآدم وضحكت غصب عني ضحكة قصيرة؛؛ بجد عارفين بنعمل إيه يا أستاذ آدم ولا دي جملة من بتوع الاجتماعات عشان أنا شخصياً معنديش فكرة إحنا هنروح فين لما الباشا ينفذ تهديده آدم بص لي ونظرة الأخ الكبير اللي كنت بكرها اختفت وحل مكانها نظرة شريك في الجريمة؛؛ أدم تعالوا على أوضتك يا زين لازم نتكلم بعيد عن هنا
طلعنا على أوضتي في الجناح الشرقي أوضتي المملكة بتاعتي الحيطان المدهونة أسود ( رغم اعتراض بابا ) بوسترات Pink Floyd و Metallica الجيتار الكهربائي المركون في الزاوية وريحة السجاير المكتومة اللي بحاول أداريها بالبخور المكان ده هو الرئة الوحيدة اللي بتنفس منها في القصر ده ليلى قعدت على الـكرسي وحضنت ركبها بدر قعد على طرف المكتب وآدم فضل واقف ساند على الباب المقفول وأنا أنا قعدت على الأرض ولعت سيجارة من غير ما أستأذن حد لأول مرة أولع سيجارة قدام آدم من غير ما يبص لي بقرف أو يديني محاضرة عن الصحة والبرستيج
انا : ها الخطة إيه يا رجالة نسلم نفسنا ولا نهرب ولا نستنى لما الحرس بتوع الباشا ييجوا يرمونا بره
بدر : اتكلم وهو بيبص في الأرض؛؛ هو مش هيرمينا بره دلوقتي هو قال حسابكم لسه مخلصش سليم الجارحي مبيحبش الفضايح الليلية هو هيستنى للصبح عشان ينفذ الانتقام على نار هادية
آدم : فك الكرافتة ورماها على السرير؛؛ بدر معاه حق هو محاصرنا دلوقتى البوابات أكيد اتقفلت والحراسة اتشيدت احنا في سجن
ليلى : رفعت راسها؛؛ طب هنستسلم أنا أنا مستحيل أتجوز الراجل ده مستحيل
أنا : بصيت لها وابتسمت؛؛ محدش هيتجوز حد غصب عنه يا لولو خلاص الفيلم ده اتحرق عاصم الشناوي خرج من هنا وهو عارف إنك مجنونة وإحنا بلطجية مفيش راجل بكرش زي ده هيقبل يناسب عيلة مشرفة زينا بعد اللي حصل
بدر : بصوت واطي؛؛ بس التمن غالي أوي الشركة يا آدم بابا قال هتفلس المناقصة كانت الأمل الأخير
آدم : فرك وشه ؛؛ الشركة بتنزف بقالها سنين بابا كان بيداري الخساير بقروض وصفقات مشبوهة انهيارها كان مسألة وقت إحنا بس سرعنا النهاية
وقفت ومشيت في الأوضة رايح جاي الطاقة اللي جوايا مش مخلياني عارف أقعد
أنا : بعصبية؛؛ تولع الشركة وتولع الفلوس إنتوا زعلانين على إيه على الورق الملون اللي كنا عبيد ليه ما تغور في داهية نعيش فقرا بس أحرار
آدم : بص لي بحدة؛؛ زين فوق الدنيا مش أغاني روك وشعارات إحنا مسؤولين لو الشركة وقعت فيه موظفين هيتشردوا وفيه قضايا وشيكات ومصايب هتنزل فوق راسنا إحنا كمان بصفتنا شركاء أو ورثة
أنا : بغضب؛؛ أنا مش شريك في حاجة أنا اسمي مش في أي ورقة أنا القاصر بنظر القانون والعيلة
بدر : قاطعنا بهدوء؛؛ إنت عندك مصيبة أكبر يا زين. كريم الجابري
الاسم نزل عليا زي جردل مية متلجة نسيت وسط هوجة الثورة العائلية نسيت إن فيه واحد مرمي في العناية المركزة بسببي وإن فيه بنت اسمها مايا بتدعي **** إن أخوها يعيش وإن حبيبها ميطلعش قاتل قعدت تاني وحسيت إن روحي بتنسحب مني لو فاق هيقول اسمي ولو مات سكت ومقدرتش أكمل
آدم : قرب مني ؛؛ عشان كده لازم نتصرف بسرعة بابا هدد إنه هيسلمك بكرة الصبح هو عايز يغسل إيده منك ويقدمك قربان عشان يحاول يصلح علاقته بالجابري أو على الأقل يبان قدام المجتمع إنه الأب العادل اللي مبيتسترش على ابنه المجرم
انا : بصيت لآدم بذهول؛؛ هو ممكن يعمل كده بجد يبيعني؛؛؛ آدم وبدر بصوا لبعض والنظرة كانت كفيلة بالإجابة سليم الجارحي يبيع أي حد عشان الجارحي جروب حتى لو ابنه
في اللحظة دي حسيت بحاجة انكسرت جوايا للأبد آخر خيط رفيع كان رابطني بالراجل ده اتقطع مابقاش بابا بقى العدو .
انا : بصوت مخنوق؛؛ طب والعمل
بدر : طلع فلاشة من جيبه الفلاشة اللي دمر بيها الجابري الصبح أنا لسه معايا نسخ من الملفات دي وكمان سحبت نسخة من ملفات بابا القديمة من السيرفر قبل ما الصلاحيات تتلغي
آدم : بص لبدر بصدمة؛؛ بدر. إنت عملت إيه
بدر : عدل نضارته بابتسامة؛؛ أنا كنت بجهز لليوم ده بقالي سنين يا آدم من غير ما أحس كل مرة كان بيزعقلي فيها كنت بخبي ورقة كل مرة كان بيحتقرني فيها كنت بحفظ ملف أنا معايا تاريخ سليم الجارحي الأسود كله تهرب ضريبي، رشاوي، غسيل أموال
أنا وليلى وآدم بصينا لبدر بذهول الظل طلع أخطر واحد فينا طلع هو الصندوق الأسود
أنا : يعني إيه يعني هنبلغ عنه
بدر : هز راسه؛؛ لأ دي ورقة مساومة نعيش ونخليه يعيش أو نقع ونوقعه معانا دي الورقة اللي هتحميك يا زين، وتحمي ليلى، وتخلينا نخرج من هنا بأمان
آدم : سكت شوية بيفكر عقل المدير التنفيذي اشتغل؛؛ مينفعش نفضل هنا المساومة دي لازم تحصل وإحنا بره سيطرته طول ما إحنا جوه القصر هو يقدر يدفننا ويدفن الملفات دي لازم نخرج الليلة
ليلي : بتبص للشباك؛؛ نخرج إزاي الحرس تحت في كل حتة أنا شفت شوقي كبير الحرس بيلف بكلاب الحراسة
قمت وقفت ورحت ناحية الشباك بصيت من ورا الستارة فعلاً الجنينة كانت مليانة حركة غير طبيعية كشافات بتنور وتطفي وناس ببدل سودا واقفين عند الأسوار حصار كامل زين الجارحي لما بيتحاصر بيتحول عقلي بدأ يشتغل بسرعة جنونية انا حافظ القصر ده طوبة طوبة حافظ كل ممر كل شباك كل شجرة ممكن نتسلق عليها أنا قضيت طفولتي كلها بهرب من هنا عشان أروح ألعب مع العيال
انا فيه طريقة قلتها وأنا لسه باصص للشباك التلاتة بصوا ليا فيه ممر الخدم القديم اللي ورا المطبخ ده مسدود بقاله سنين بكراتين وحاجات قديمة وبابه بيفتح على الزقاق الضيق اللي ورا القصر بعيد عن البوابة الرئيسية والكاميرات
آدم : هز راسه؛؛ انا فاكره بس ده مقفول بقفل ومفتاحه مع عم عبده الجنايني بس
انا : ابتسمت؛؛ وطلعت من جيبي دبوس شعر كنت واخده من ليلى من فترة عشان أصلح بيه جاك الجيتار مين قال إننا محتاجين مفتاح
بدر : سأل بقلق؛؛ طب وبعد ما نخرج هنروح فين العربيات كلها متراقبة وبطايقنا البنكية أكيد وقفت
انا : بصيت لهم وعيني لمعت؛؛ هنركب الريح شاورت على صورة كبيرة متعلقة على الحيطة صورة لموتوسيكلي الـ Harley Davidson المتعدل، وموتوسيكل تاني Ducati كنت مخبيه في جراج صاحبي ميدو، وبدر كان دافع لي قسطه من ورا بابا موتوسيكلي موجود في الجراج الخلفي تحت غطا مشمع ومفاتيح عربية آدم الـ 4x4 معايا سرقتها من مكتبه الصبح احتياطي
آدم : ضحك بذهول؛؛ إنت سرقت مفاتيح عربيتي
انا : بضحك؛؛ احتياطي يا عم اهو جه وقتها العربية دي الوحيدة اللي تقدر تمشي في المدقات اللي ورا القصر لو الطريق اتقفل
رسمنا الخطة الساعة ٣ الفجر وقت نوبة تغيير الحرس الوقت اللي التركيز فيه بيقل آدم هيسوق الـ 4x4 ومعاه ليلى وبدر وأنا هطلع بالموتوسيكل عشان أشتت انتباه الحرس لو حصل حاجة وعشان أنا أسرع واحد يعرف يستكشف الطريق
اتفقنا حطينا إيدينا فوق بعض إيد آدم القوية إيد بدر المرتعشة إيد ليلى الناعمة وإيدي الموشومة اتفقنا
الساعات اللي بعدها كانت أطول ساعات في عمري كل دقيقة بتعدي كأنها سنة قعدنا نلم حاجاتنا الضرورية ليلى لمت دهبها وفلوس كانت محوشاها بدر لم اللابتوب والفلاشات وسكتشات الرسم بتاعته آدم أخد أوراق شخصية وباسبوراتنا اللي كانت في خزنة مكتبه (لحسن الحظ هو كان محتفظ بيهم عشان كان بيجدد تأشيرات) أنا مخدتش غير الجيتار بتاعي وجاكيت الجلد وصورة صغيرة لـ مايا
الساعة بقت ٢:٥٥ الفجر القصر كان ساكت تماماً زي المقبرة النور مطفي في كل الممرات اتسحبنا زي الأشباح نزلنا سلم الخدم الضيق عشان نتفادى السلم الرئيسي وصلنا للمطبخ ريحة بواقي أكل وتوابل وصلنا لباب المخزن الخلفي
ليلي : زين؛؛ إنت متأكد ليلى همست وهي ماسكة في ديل جاكيت آدم
أنا : بابتسامة؛؛ عيب عليكي
قعدت قدام القفل الكبير المصدي حطيت الدبوس في القفل دقيقتين والقفل اتفتح زقينا الباب الحديد ببطء شديد عشان ميطلعش صوت الهوا البارد لفح وشوشنا إحنا في الجراج الخلفي المكشوف عربية آدم الـ Jeep Wrangler كانت راكنة في الزاوية وموتوسيكلي تحت المشمع بسرعة. آدم وبدر وليلى ركبوا العربية آدم دور الموتور. صوته كان عالي نسبياً في السكون ده قلبي دق يا رب ما حد يسمع أنا جريت على الموتوسيكل شلت المشمع، وركبت فجأة كشافات قوية نورت في وشنا صوت سرينة إنذار ضربت في المكان كله وقف عندك صوت شوقي كبير الحرس طالع من جهاز لاسلكي ووراه ٣ رجالة أمن جايين جري ومعاهم كلاب خيانة الحرس صحيوا آدم صرخ بصيت لآدم وشاورت له يكسر البوابة الخشب القديمة اللي في آخر الممر دوس يا آدم دوس ومتقفش آدم داس بنزين العربية اندفعت ناحية البوابة الحرس كانوا بيقربوا كلب منهم كان هيهجم على العربية أنا دورت الموتوسيكل وعملت حركة ( رفعت العجلة اللي قدام ) ومشيت ناحية الحرس عشان أخوفهم وأبعدهم عن طريق العربية الموتور بتاعي صوته كان زي الرعد خلى الكللابب ترجع لورا بخوف
زين اركب ليلى صرخت من شباك العربية؛؛ اسبقوني أنا هلحقكم آدم خبط البوابة والطريق اتفتح العربية خرجت للزقاق الضيق وطارت أنا لفيت بالموتوسيكل، وبحركة استعراضية مجنونة زحفت بالعجلة ورشيت تراب وحصى في وش الحرس اللي كانوا بيحاولوا يمسكوني. قولوا للباشا زين بيسلم عليك وفتحت مقبض البنزين على آخره الموتوسيكل طار ورا العربية الهوا كان بيخبط في وشي، والسرعة كانت بتغسل روحي من كل وجع هربنا أول مرة في حياتنا نهرب بجد مشينا في شوارع جانبية ضلمة لحد ما طلعنا على الطريق الدائري العربية كانت قدامي وأنا وراها زي الحارس شفت ليلى بتبص لي من الشباك الخلفي وبتضحك وهي بتعيط وبدر رافع علامة النصر من الشباك وآدم سايق بتركيز بس حاسس إنه بيطير
وقفنا بعد ساعة ريست مهجور على طريق السويس نزلنا من العربيات السكوت كان سيد الموقف للحظات بننهج بنبص لبعض ونضحك بهستيريا عملناها ليلى قالتها وهي بتحضن آدم إحنا بره القصر إحنا بره حياتنا القديمة كلها أنا قعدت على الأرض وسندت ضهري على كاوتش العربية طلعت تليفوني كان فيه رسالة وصلتني قبل ما الشبكة تقطع (لأن بابا أكيد وقف الخطوط) الرسالة من رقم غريب فتحتها كريم فاق وسأل عليك
الدم جمد في عروقي بصيت لإخواتي اللي بيحتفلوا بحريتهم الفرحة ماتت في قلبي كريم فاق يعني الحرب الحقيقية هتبدأ دلوقتي الجابري مش هيسيبنا وبابا مش هيسيبنا والبوليس هيدور علينا إحنا مش بس هربنا من سجن إحنا دخلنا ساحة حرب رفعت راسي لآدم، وقلت بصوت واطي كسر فرحتهم الهروب كان الجزء السهل يا جماعة كريم فاق
الصمت رجع تاني بس المرة دي صمت الخوف من المجهول واقفين في نص الطريق ورانا ماضي بيتحرق، وقدامنا مستقبل مظلم هنعمل إيه بدر سأل آدم بص للسما اللي بدأت تشقشق بنور الفجر هنواجه لأول مرة هنواجه وإحنا اللي سايقين
وبص ليا زين إنت اللي هتقودنا المرة دي إنت بتعرف تتعامل في الشارع إحنا بتوع مكاتب إنت ابن الليل حسيت بحمل جبل نزل على كتافي أنا الفاشل هقود آدم وبدر قمت وقفت ونفضت التراب من على بنطلوني تمام اركبوا أنا عارف مكان نستخبى فيه مكان محدش هيتوقعه مكان يخلي الباشا يتجنن لو عرفه ابتسمت ابتسامة شيطانية عند العدو أو اللي المفروض إنه عدو
آدم: صرخ في وشي؛؛ عند العدو إنت شارب حاجة يا زين صوته كان حاد لدرجة إنه خض الغربان اللي واقفة على عمود النور عيونه كانت حمرا من السهر والضغط وشعره اللي دايمًا متسرح بالمللي، كان منعكش وكأنه لسه طالع من خناقة
أنا : أخدت نفس عميق؛؛ اسمعني يا آدم وبلاش شغل المدير ده دلوقتي الباشا هيقلب علينا الأرض هيدور في الفنادق عند صحابنا في الشاليهات حتى عند قرايبنا اللي منعرفهمش المكان الوحيد اللي مستحيل يخطر على باله هو مكان يخص الجابري
بدر : عدل نضارته وهو بيترعش من البرد؛؛ تقصد إيه بمكان يخص الجابري إنت عايزنا نروح نسلم نفسنا ليحيى الجابري في فيلته
انا : ضحكت بسخرية؛؛ لا يا فالح أنا بتكلم عن الخرابة المسكونة شقة قديمة في جاردن سيتي ورثتها مايا من جدتها الشقة دي مقفولة بقالها سنين ومحدش بيروحها مايا ادتني المفتاح من شهور عشان كنا بنتقابل هناك بعيد عن عيون الناس
ليلى : شهقت إحنا هنروح شقة حبيبتك بنت الراجل اللي إحنا دمرناه
انا : بصيت لليلى في عينها؛؛ إحنا هنروح مكان ملوش وجود في السجلات الحالية مكان محدش بيدخله مكان مفيهوش كاميرات مراقبة ولا حرس ده أأمن جحر لينا دلوقتي لحد ما نشوف هنعمل إيه في المصيبة اللي اسمها كريم دا
آدم سكت لحظة بيحسبها في دماغه هو بيكره المخاطرة بس هو ذكي كفاية عشان يعرف إننا محروقين في كل حتة تانية
آدم: معاك المفتاح
أنا : طلعت سلسلة مفاتيحي ورفعت مفتاح؛؛ دايماً معايا
آدم : طب تمام يلا اركبوا العربية
الطريق لجاردن سيتي كان كابوس الشمس بدأت تطلع والناس بدأت تتحرك كل عربية شرطة بتعدي جنبنا كانت بتخلي قلوبنا تقع في رجلينا أنا كنت سابقهم بالموتوسيكل عيني بتسح الطريق زي الرادار كنت حاسس إني كاشف في حقل ألغام. وصلنا المنطقة شوارع جاردن سيتي المتعرجة والمضللة بالأشجار الضخمة كانت دايماً بتديني إحساس بالرهبة منطقة الكوات والباشوات القدام اللي ريحتها تاريخ ركنت الموتوسيكل في زقاق ضيق ورا العمارة وغطيته بمشمع قديم لقيته هناك آدم ركن العربية بعيد شوية عشان متلفتش النظر دخلنا العمارة المدخل كان عالي وضخم والرخام مكسر والأسانسير معطل ومكتوب عليها خارج الخدمة الدور الرابع قلتلهم وأنا ببدأ أطلع السلم. ليلى كانت بتنهج فستانها السماوي الغالي اتبهدل تراب من الجري والقعدة في العربية وكعب جزمتها اتكسر فقلعته وماشية حافية منظر برنسيسة الجارحي وهي طالعة سلم خدامين حافية كان بيوجع قلبي بس في نفس الوقت حسسني إنها أقوى مما كنت فاكر وصلنا الشقة فتحت الباب صوت تكة المفتاح في الكالون كان عالي ومزعج في سكون العمارة
زقيت الباب ريحة الكمكمة والغبار استقبلتنا الشقة كانت واسعة بشكل مخيف سقف عالي عفش متغطى بملايات بيضا كأننا في بيت أشباح الشبابيك الطويلة مقفولة بشيش خشب تقيل مانع النور
انا : بسخرية؛؛ نورتوا بيت الرعب قلت وأنا بقلع جاكيتي وبرميه على كرسي متغطى بدر دخل وقفل الباب وراه بالترباس وسند ضهره على الباب واتزحلق قعد على الأرض
بدر : إحنا بقينا مجرمين بجد مقتحمين أملاك خاصة
آدم مشي في الصالة ورفع طرف ملاية عن كنبة مدهبة
آدم : أحسن من الحبس على الأقل هنا نقدر نتكلم
ليلى لقت كنبة نضيفة شوية قعدت عليها ودفنت وشها في إيديها الجو كان تقيل الهروب خلص وبدأنا مرحلة ما بعد الكارثة
بدر : حد معاه شاحن بدر سأل وهو بيطلع اللابتوب بتاعه البطارية بتموت ولازم أدخل أشوف الدنيا بتولع إزاي بره؛؛ دورت في الأدراج القديمة لحد ما لقيت مشترك كهربا وتوصيلات قديمة شغالة
بعد ربع ساعة كنا قاعدين حوالين ترابيزة السفرة الضخمة اللي عليها طبقة تراب سميكة بدر فتح اللابتوب ووصله بـ Hotspot من تليفون قديم كان معاه خط احتياطي فيه داتا الشاشة نورت ونورت وشوشنا المخطوفة
بدر : يا نهار أسود
كلنا سألنا في نفس واحد : في إي أنطق
بدر لف الشاشة ناحيتنا موقع إخباري كبير منزل خبر عاجل اختفاء أبناء رجل الأعمال سليم الجارحي في ظروف غامضة... ومصادر ترجح وجود خلافات أسرية حادة والنيابة تحقق في بلاغ عن سرقة سيارة ومجوهرات
ليلى : صرخت؛؛ سرقة هو بلغ عننا إننا حرامية
آدم : ضحك بمرارة. طبعاً عشان لو حد شافنا يبلغ البوليس فوراً وعشان يغطي على هروبنا كتمرد ويظهره كجريمة جنائية يكسر بيها عنينا؛؛ بدر كمل قراءة وعينه بتجري على السطور
بدر : استنوا فيه مصيبة أكبر أسهم مجموعة الجارحي نزلت ١٠٪ في الافتتاح وفيه شائعات عن تسريب وثائق تدين شركة الجابري المنافسة السوق بيولع
أنا : بسأل وريقي ناشف طب وكريم مكتوب حاجة عن كريم
بدر : دور في أخبار الحوادث سكت لحظة طويلة وبعدين بص لي مفيش ولا كلمة الجابري متكتم تماماً على الخبر مفيش أي بلاغ رسمي نزل عن حادثة ضرب أو شروع في قتل
انا : بفرح؛؛ طب الحمد*** مش ناقصة مصائب تانية دلوقتي
آدم : قطع فرحتي؛؛ ده مش خبر حلو يا زين ده معناه إن الجابري ناوي يخلص حقه بدراعه لو كان بلغ كنا هنبقى في حماية القانون حتى لو مساجين لكن السكوت ده معناه إن فيه تار
قمت وقفت ومشيت ناحية الشباك بصيت من فتحات الشيش على الشارع تحت أنا السبب أنا اللي جبتلهم المصيبة دي لو كنت مسكت أعصابي ومضربتش الواد كنا زماننا بنتحايل على ليلى تفركش الجوازة وخلاص لكن دلوقتي إحنا مطلوبين حيين أو ميتين
انا: أنا لازم أكلم مايا
بدر : بعصبية؛؛ إنت مجنون تليفونها أكيد متراقب ولو كلمتها هيعرفوا مكاننا فوراً عن طريق الـ GPS
أنا : مش هكلمها من تليفوني هبعتلها من الأكونت السري بتاعنا على ديسكور ومحدش يعرف عنه حاجة
آدم : مسكني من دراعي؛؛ زين البنت دي أخوها بين الحياة والموت بسببط إنت متخيل إنها لسه هتساعدك دي ممكن تكون بتنصبلك فخ
انا : بصيت لآدم بتحدي؛؛ مايا غيرهم مايا ضحية زينا ولو فيه حد يقدر يقولنا كريم قال إيه ولا مقالش فهي مايا لازم نعرف إحنا واقفين فين لو كريم نطق اسمي يبقى لازم نهرب بره البلد فوراً لو منطقش يبقى لسه فيه أمل نتفاوض
سحبت اللابتوب من قدام بدر فتحت Discord الأيقونة الخضراء نورت هي Online قلبي دق بعنف كتبت لها مايا.. أنا زين أنا آسف على كل حاجة طمنيني عليكي وعلى كريم قعدنا دقيقتين باصين للشاشة الدقيقتين دول عدوا كأنهم قرن ظهرت كلمة typing. كلنا كتمنا نفسنا الرد وصل
مايا: إنت فين بابا حالف يقتلك كريم فاق بس لسه مبيتكلمش كويس الدكاترة مانعين عنه الكلام بابا بيضغط عليه عشان يقول مين اللي ضربه بس كريم لسه تايه
أنا : كتبت بسرعة؛؛ إحنا هربنا سيبنا البيت إحنا في الشقة القديمة بتاعتك آدم حاول يمنعني أكتب المكان بس أنا دوست Enter بسرعة
آدم : زقني بعيد عن الجهاز؛؛ يا غبي قلتلها مكانا
انا : استني يا آدم دلوقتي
مايا : ردت؛؛ الشقة دي مش أمان بابا كان بيدور في ورق جدتي إمبارح عشان يشوف أي أملاك يبيعها عشان الخسارة اللي سببتوهالنا هو ممكن يبعت سماسرة هناك في أي لحظة امشوا فوراً
الدم هرب من وشنا كلنا سماسرة ليلى وقفت مرعوبة في اللحظة دي سمعنا صوت تحت في العمارة صوت بوابة العمارة الحديد بتتقفل وصوت خطوات تقيلة طالعة السلم خطوات كذا راجل مش واحد بس بصينا لبعض المصيدة اتقفلت
آدم : صرخ بصوت واطي وهو بيلم الحاجات بسرعة على السطح مفيش وقت ننزل بدر قفل اللابتوب وحطه في شنطته ليلى لبست فردة الجزمة السليمة وقلعت المكسورة ومشيت بفرده واحدة جرينا ناحية باب المطبخ اللي بيفتح على سلم الخدم الخلفي الخطوات كانت بتقرب وصلوا الدور التالت فتحنا باب الخدم كان مصدي وبيزيق آدم كتم الصوت بإيده وزق الباب بجسمه كله عشان يفتحه من غير دوشة. طلعنا السلم الخلفي سمعنا صوت مفاتيح بتتحط في باب الشقة اللي كنا فيها وبعدين صوت راجل خشن افتح يا ابني. الباشا قال المعاينة النهاردة سماسرة بدر همس وهو بيترعش مايا كان عندها حقأو رجالته جايين يخلصوا آدم رد وهو بيزقنا لفوق
طلعنا السطح الشمس كانت حامية والسطح مليان خزانات مية قديمة وكراكيب استخبينا ورا خزان مية كبير كنا سامعين أصواتهم وهم بيفتحوا الشقة تحتنا بدور واحد إيه ده الباب مفتوح وفيه ريحة سجاير قلبي وقع نسيت عقب السيجارة اللي طفيته أول ما دخلت فيه حد كان هنا فتشوا الشقة ولو لقيتوا أي حد هاتوه من قفاه
إحنا محاصرين فوق السطح لو طلعوا هنا ملناش مهرب غير إننا نطير
ليلى : شاورت بإيده؛؛ آدم بص هناك السطح بتاع العمارة اللي لازقة فينا قريب جداً سور قصير بيفصل بينهم لازم ننط
بدر : دي مسافة متر ونص وعلو خمس أدوار؛؛ بدر قالها وهو بيبص للهاوية اللي بين العمارتين
آدم : يا ننط يا نموت
آدم نط الأول بخفة ورشاقة ووصل الناحية التانية لف ومد إيده لينا ليلى. يلا ليلى وقفت على السور بصت تحت للشارع داخت مش هقدر مش هقدر سمعنا صوت باب السطح بيتفتح ورا خزان المية اطلع شوف السطح يا مغاوري
نطي يا ليلى صرخت فيها وزقتها زقة خفيفة عشان أجبرها تتحرك ليلى صرخت ونطت آدم مسكها من وسطها وشدها عليه وقعوا هما الاتنين على سطح العمارة التانية بدر. بدر كان متسمر مكانه ونضارته وقعت منه على الأرض نضارتي وطي يجيبها آدم زعق فيه سيب النضارة وانجز الراجل ظهر من ورا الخزان شاف بدر أهو امسكه يا ولا
بدر في لحظة يأس جري وغمض عينه ونط خبط في سور العمارة التانية وكان هيقع في الفراغ بس أنا وآدم مسكناه من هدومه وشدناه بدر وقع بيننا وهو بينهج كأنه بيموت الرجالة وصلوا عند سور العمارة الأولى يا ولاد الـ... واقفين مكانكم واحد منهم طلع مسدس مسدس بجد ده مش سمسار دول رجالة الجابري مايا كانت غلطانة أو كانت بتمثل علينا دول قتلة
اجروا آدم صرخ جرينا على سطح العمارة التانية ونزلنا من باب السطح بتاعها اللي كان مكسور لحسن الحظ نزلنا جري على السلم جرينا كأننا في سباق مع الموت خرجنا من العمارة التانية للشارع الجانبي العربية ليلى صرخت نسينا العربية والموتوسيكل عند العمارة الأولى بدر مش مهم مش هنقدر نرجع ناخدهم هنوقف تاكسي
في اللحظة دي تليفوني رن رقم مجهول رديت وأنا بجري ألو صوت هادي بارد ومألوف جداً رد عليا صوت خلاني أقف مكاني في نص الشارع أهلا يا بطل الجري نص الجدعنة مش كده ده صوت بابا. بابا إيه رأيك في المفاجأة دي كنت فاكر إنك أذكى من كده يا زين شقة مايا بجد إنت ناسي إن جدتها كانت صديقة لأمك وإن أنا اللي شاري الشقة دي أصلاً وسجلتها باسم الجدة كنوع من أنواع تبييض الأموال زمان
حسيت إن الدنيا بتلف بيا هو سابقنا بخطوات الشقة مش ملك الجابري. الشقة ملكه هو من الباطن ومايا كانت طعم أو كانت مغفلة زينا
أنا : بغضب؛؛ إنت عايز مننا إيه
بابا : عايزكم ترجعوا البيت حالاً اللعب خلص ولو مرجعتوش خلال ساعة الفلاشة اللي مع بدر دي مش هتلحقوا تستخدموها لأني بلغت عنكم خلاص بتهمة سرقة أوراق أمن قومي وتجسس لصالح جهات أجنبية التهمة دي مفيهاش كفالة يا زين. فيها حبل مشنقة
الخط قطع وقفت في الشارع العربيات بتزمجر حوالينا آدم وبدر وليلى بيبصولي ومستنيين أقولهم خطة ب بس لأول مرة.. زين الجارحي معندوش خطة بابا عارف كل حاجة وبلغ عننا أمن الدولة
بدر قعد على الرصيف وحط راسه بين ركبه ليلى مسكت في دراع آدم وقعدت تعيط بصمت آدم.. آدم بص ليا وعينه فيها نظرة غريبة نظرة واحد قرر يبيع كل حاجة
آدم: زين؛؛ إنت بتعرف تسرق عربيات صح
أنا : بصيت له باستغراب؛؛ إيه
آدم شاور على عربية نقل أموال واقفة قدام بنك قريب والحراس نازلين منها
أنا : لأ يا آدم؛؛ مش للدرجادي
آدم: مش دي اللي وراها. شاور على عربية ميكروباص قديمة واقفة وسواقها نزل يشتري سجاير وسايبها دايرة هنركب دي وهنروح المكان الوحيد اللي سليم الجارحي ميقدرش يطوله
كلنا في نفس واحد : فين دا
آدم: بابتسامة خبيثة؛؛ عزبة الصعايدة عند جدك أبو سليم الجارحي اللي طرده من ٣٠ سنة وتبرأ منه
الاسم ده كان أسطورة في العيلة الجد الكبير الرجل اللي بابا بيكرهه أكتر من أي حد في الدنيا الرجل اللي عايش في قلب الصعيد بقوانينه الخاصة وسلاحه الخاص
انا : بذهول؛؛ إنت متأكد إنه هيستقبلنا ده ممكن يقتلنا لأننا ولاد سليم
آدم : ركب مكان السواق في الميكروباص وشاورلنا نركب هو بيكره سليم يبقى أكيد هيحب أعداء سليم اركبوا الرحلة للصعيد طويلة
ركبنا الميكروباص وإحنا خارجين من القاهرة بصيت ورايا على المدينة اللي بلعت أحلامنا الهروب انتهى ودلوقتي رايحين للجحيم نفسه أو يمكن للجنة اللي مفهاش ألوان رمادية رايحين للأصل للجذور للمكان اللي سليم هرب منه عشان يعمل نفسه ملك وإحنا راجعين له عشان نرجع بشر
الطريق الصحراوي مكنش مجرد أسفلت ده شريان بيمد في قلب العدم كنا محشورين في الميكروباص اللي آدم سايقه ريحة الجاز بتخنقنا والعفش القديم بيزيق مع كل مطب تمن ساعات سواقة تمن ساعات بنتحول فيهم من أبناء سليم الجارحي لـ لاجئين كلنا كنا ساكتين آدم مركز في الطريق وعينه بتبص في المرايات كل دقيقة خوفاً من البوليس بدر حاضن شنطة اللابتوب كأنها درع وليلى نايمة وساندة راسها على الشباك وشعرها اللي كان متسرح عند كوافير عالمي بقى منعكش ومترب أنا كنت صاحي عيني على الصحرا وعلى الشمس اللي بتغيب وبترسم لون دموي على الرمل كنت حاسس إننا بنرجع بالزمن بنرجع لعصر ما قبل الشركات القابضة والإتيكيت
وصلنا مشارف سوهاج مع غياب الشمس الجو اتغير الهوا بقى أتقل ريحة قصب محروق وطين ندي البيوت مابقاتش أبراج بقت بيوت طوب أحمر وبيوت طين الناس ملامحها ناشفة محفورة من الشمس وعيونهم فيها حدة الصقر آدم وقف العربية وسأل واحد فلاح ماشي بحماره يا حاج فين عزبة الجارحي الراجل بص لآدم وبص للعربية الميكروباص الغريبة وبعدين شاور بعصايته ناحية طريق ترابي ضيق وسط الغيطان دوار العمدة هناك... بس مين انتوا الدوار ده محدش بيدخله غريب بعد المغرب احنا مش أغراب آدم قالها بصوت فيه رنة حزن إحنا ولاد الغايب
مشينا في الطريق اليل كان دخل مفيش غير ضو العربية وكشافات بعيدة فجأة الطريق اتسد ببوّابة حديد ضخمة وحواليها سور عالي وعلى البوابة واقفين أربعة رجالة لابسين جلاليب واسعة وعلى كتف كل واحد بندقية آلي دول مش سكيورتي لابسين بدل دول غفر دول اللي بيضربوا في المليان ومبيسألوش مين هناك
آدم وقف العربية ونزل ورفع إيده فوق راسه عشان ميفتكروش إنه جاي بشر نزلت وراه وبدر وليلى نزلوا وهما بيترعشوا واحد من الغفر قرب ووجه كشاف قوي في وشوشنا
الغفير : مين يا واد منك ليه وعايزين إيه من الحاج حسن
آدم : بلع ريقه وحاول يجمع صوته؛؛ أنا آدم وده زين،وبدر، وليلى إحنا أحفاد الحاج حسن ولاد سليم
الغفير : نزل الكشاف شوية، وبص لزميله بذهول؛؛ ولاد سليم اللي هج من تلاتين سنة قرب مني وبص في وشي بتركيز كأنه بيقارن ملامحي بملامح حد يعرفه وبعدين بص لليلى و* الدم بيحن البت دي شبه ست الحسن *يرحمها رفع اللاسلكي القديم اللي معاه يا ريس.. افتح البوابة الغايب رجع أو ولاده اللي رجعوا
البوابة اتفتحت دخلنا الدوار مكنش قصر زي بتاعنا في القاهرة كان قلعة مبنى ضخم من دورين بتصميم عربي قديم وساحة واسعة في النص فيها نخل عالي وفسقية ميه قديمة المكان كان بينطق هيبة، هيبة حقيقية مش مصطنعة بالرخام المستورد في نص الساحة على دكة خشب كبيرة كان قاعد راجل عجوز مش عجوز عادي ده كان زي الشجرة العجوزة اللي جذورها ماسكة الأرض عشان متقعش لابس جلابية رمادي، وعمة كبيرة، وماسك نبوت في إيده وشه كان خريطة تجاعيد بس عيونه. عيونه كانت جمر، حسن الجارحي جدي
قربنا منه بخوف آدم كان هيتكلم بس جدي رفع عصايته فسكتنا كلنا قربوا صوته كان واطي بس مسموع زي صوت الحجر لما يتحرك قربنا لحد ما بقينا قدامه هو فضل قاعد وإحنا واقفين زي التلاميذ الخايبين بص لآدم
جدي : إنت الكبير
آدم : أيوه يا جدي؛؛ أنا آدم
جدي : شكلك طري.. إيديك ناعمة زي الحريم أبوك رباك في التكييف ونسي يعلمك تمسك الفاس؛؛ آدم وشه احمر بس مقدرش يرد بص لبدر، وإنت عينك في الأرض ليه الراجل ميوطيش راسه غير للي خلقه بدر رفع راسه بصعوبة وعدل نضارته بص لليلى، ونظرته لانت للحظة إنتي واخدة عيون ستك بس لبسك ده، ميمشيش في بلادنا وأخيراً بص ليا أنا فضل باصص لي فترة طويلة وأنا بصيت ليه في عينه بتحدي مكسرتش عيني
جدي : ابتسم؛؛ أهو ده الوحيد اللي فيه ريحة الصعيد عينه فاجرة اسمك إيه يا ولد
انا : بصوت قوي؛؛ اسمي زين
جدي : اسم على مسمى لو كان طبعك زين بس شكلك شيطان
آدم : قطع الصمت؛؛ إحنا في مصيبة يا جدي إحنا هربنا أبونا عايز يحبسنا والبوليس بيدور علينا وعيلة الجابري بتطاردنا
جدي : ضحك ضحكة خشنة هزت صدره؛؛ عارف الأخبار بتوصلني قبل ما توصلكم سليم ابني الكلب اللي عض إيدي وهرب عشان الفلوس دلوقت بيعض ولاده خبط بالعصاية على الأرض اقعدوا الدوار دواركم اللي يدخل بيت حسن الجارحي ميتخافش عليه
الخدم نزلوا بصواني أكل فطير، جبنة قديمة، وعسل أكلنا بنهم كأننا بقالنا سنين مأكلناش الأكل كان طعمه حلو جدا قضينا الليلة دي في أوض الضيوف السرير كان ناشف،والناموسيات قديمة، بس نمنا بعمق غريب عمق الأمان
تاني يوم الصبح صحينا على صوت دوشة بره الدوار أصوات عربيات، وزعيق، وغفر بيعمروا سلاحهم طلعت جري للبلكونة وجنبي آدم وبدر شفت منظر عمري ما هنساه أسطول عربيات واقف قدام البوابة عربيات سليم الجارحي بابا نزل من عربيته وحواليه حراسه الشخصيين ومن الناحية التانية، نزل يحيى الجابري من عربية تانية، ومعاه رجالة مسلحين الاتنين أعداء بس اتحدوا عشان يكسروا الحصن ده
جدي خرج من باب الدوار مشي ببطء، بس بخطوات ثابتة، لحد ما وقف عند البوابة من جوه وراه وقفنا إحنا الأربعة وورانا صفين من غفر العزبة مسلحين للمواجهة الماضي ضد الحاضر
بابا : صرخ من بره؛؛ افتح البوابة يا حاج حسن دول ولادي وأنا جاي آخدهم متخلينيش أغلط فيك قدام الناس
جدي: بص له بقرف؛؛ تغلط في مين يا واد إنت نسيت نفسك إنت هنا مجرد سليم العيل اللي سرق دهب أمه وهرب
يحيى : تدخل بصوت عالي؛؛ يا حاج حسن المسألة مش عائلية بس ابنك وابنك التاني (قصدني أنا) كسروا ابني وسرقوا شرفي العيال دي لازم تتحاسب سلمهم لينا وإحنا نتفاهم
جدي بص للجابري: ابنك قليل الرباية يا يحيى.. بيعاكس بنات الناس والواد زين عمل اللي أي راجل صعيدي يعمله دافع عن عرضه حتى لو العرض ده كان يخصك
أنا : بصيت لجدب بذهول؛؛ هو بيدافع عني هو عارف التفاصيل
جدي : كمل بصوت جلجل المكان؛؛ واللي يفكر يهوب ناحية شعرة من أحفادي يقرأ الفاتحة على روحه العزبة دي مقبرة للغرباء
بابا : فقد أعصابه؛؛ ده كلام فارغ أنا معايا أمر ضبط وإحضار ومعايا قوة من المركز جاية في الطريق سلمهم أحسنلك
جدي: ضحك باستهزاء؛؛ أمر ضبط في عزبة الجارحي القانون هنا هو كلمتي يا سليم
في اللحظة دي بدر اتحرك خرج من ورا ضهر جدي ومعاه اللابتوب بتاعه قرب من البوابة ووقف قدام بابا والجابري آدم زعق في بدر ارجع ورا بس بدر مسمعش فتح اللابتوب ورفعه بحيث الشاشة تكون باينة لبابا والجابري بدر اتكلم بصوت عالي وواثق لأول مرة في حياته بابا.. يحيى بيه.. قبل ما الشرطة توصل وقبل ما الدم يسيل أحب أوريكم حاجة داس على زرار صوت تسجيلي طلع من سماعات اللابتوب صوت بابا وهو بيتفق مع الجابري (زمان) على صفقة أدوية فاسدة وصوت تاني للجابري وهو بيدي أوامر بحرق مخازن منافسين وفيديوهات وثائق بنكية بتظهر غسيل أموال مشترك بينهم الاتنين العدوين اللدودين كانوا شركاء في الجريمة زمان قبل ما يختلفوا على التورته .
الصمت عم في المكان بابا وشه بقى لونه أصفر
يحيي : نزل النضارة وبص بذهول؛؛ الفلاشة دي
بدر : ببرود؛؛ نسخة منها اتبعتت دلوقتي حالاً لثلاث جهات مكتب النائب العام، الصحافة الدولية، وموقع تسريبات عالمي لو حد فيكم فكر يقرب مننا أو لو الشرطة دخلت الدوار ده الكود اللي معايا هيفك تشفير الملفات دي وتنتشر في العالم كله في دقيقة
بابا : صرخ؛؛ إنت بتعمل إيه يا مجنون إنت كده بتدمرني وتدمر نفسك
بدر : ابتسم ابتسامة حزينة؛؛ أنا دمرت نفسي من زمان لما رضيت أكون ظلك يا بابا دلوقتي أنا بقطع الخيط بص للجابري يحيى بيه نصيحتي ليك تاخد رجالتك وتمشي ابنك كريم فاق واعترف للدكتور إن هو اللي بدأ الخناقة والتقرير الطبي عندي يعني مفيش قضية شروع في قتل فيه قضية مشاجرة لكن قضية الفساد اللي في الفلاشة دي، فيها إعدام
الجابري بص لبابا نظرة كره واحتقار وبص لبدر بخوف عرف إنه خسران شاور لرجالته وركب عربيته ولف ومشي من غير ولا كلمة بقى سليم الجارحي لوحده واقف قدام ابنه اللي دمره بالمعلومات وأبوه اللي دمره بالتبرؤ منه بابا بص لنا واحد واحد شاف آدم اللي واقف بصلابة وزين اللي بيبص له بتحدي وليلى اللي ماسكة في جدها وبدر اللي ماسك الزناد الإلكتروني عرف إنه خسر سلطته للأبد
بابا : بصوت مبحوح؛؛ ماشى يا ولاد الجارحي خليكم هنا خليكم في التراب بس انسوا إن ليكم أب انسوا الورث انسوا الاسم
جدي : أبتسم؛؛ هما كسبوا الاسم النهاردة يا سليم إنت اللي خسرته
بابا ركب عربيته ومشي ورا موكب الجابري الغبار غطى على أثره السكون رجع للدوار بدر قفل اللابتوب ورجله خذلته ووقع على الأرض جرينا عليه وحضناه عملتها يا ابن اللعيبة قلت ليه وأنا بضحك وبعيط في نفس الوقت الجد قرب مننا وحط إيده الخشنة على كتف بدر عفارم عليك يا ولدي القلم ساعات بيوجع أكتر من الرصاص
بعد مرور سنة
أنا قاعد دلوقتي على سطح الدوار بكتب السطور دي في النوت بوك اللي بدر جابهولي السنة دي غيرتنا 180 درجة آدم مابقاش يلبس بدل آدم بقى المسؤول عن أراضي جدي بيصحى الفجر يتابع المحصول يحل مشاكل الفلاحين اكتشف إن الإدارة مش بس توقيع شيكات الإدارة هي إنك تراعي الناس وشه اسمر من الشمس، بس ضحكته بقت صافية
بدر.. بدر مابقاش محاسب، جدي اداله أوضة في الدور التاني حولها استديو رسم لوحاته بدأت تتباع في معارض في القاهرة (باسم مستعار طبعاً) وبقى عنده ثقة تخوف الملفات اللي كانت معاه لسه مخبيها تأمين ضد غدر الزمن
ليلى، ليلى بقت حكاية البلد رفضت تقعد في البيت اتطوعت في المدرسة الوحيدة اللي في القرية بتعلم العيال إنجليزي ورسم البنات هنا بيحبوها وبيعتبروها مثل أعلى قصت شعرها قصير وبقت تلبس عبايات صعيدي شيك ومحدش يجرؤ يرفع عينه فيها لأنها حفيدة الحاج حسن
وأنا..زين.. أنا لسه زين بس العجلة الهارلي ركنتها في المخزن. جبت حصان عربي أصيل سميته رعد، واتعلمت من جدي أصول التحكيم بين العائلات بقيت ذراعه اليمين في الجلسات العرفية اكتشفت إن الصياعة اللي كانت عندي في القاهرة هنا اسمها فهلوة وجدعنة لو اتوظفت صح
بابا سمعنا إن شركته فلست فعلاً وإنه سافر بره مصر هرباً من الديون الجابري اتحبس في قضية أدوية تانية (بدر سرب ورقة صغيرة كده سخنت عليه الدنيا) كريم الجابري اتعالج، وسافر ومايا، مايا بعتتلي رسالة من ٦ شهور، أنا فخورة بيك عيش حر. وغيرت رقمها الحكاية انتهت بس سابت أثر حلو
بصيت لغروب الشمس وسامع صوت ليلى بتضحك وهي بتلعب مع عيال آدم (آه نسيت أقولكم آدم أتجوز، والحياة ماشية) إحنا خسرنا الفلوس، خسرنا القصر، خسرنا البرستيج. بس كسبنا نفسنا كنا فاكرين إننا بنهرب من السجن اكتشفنا إننا كنا بنهرب عشان نلاقي المفتاح والمفتاح مكنش في خزنة بابا المفتاح كان مدفون هنا في طين الأرض دي
ودي كانت حكايتنا