والان مع القصه
على ركن القهوة
رائحة البن كانت مليا المكان، وضوء أصفر دافي بينزل من لمبة قديمة معلقة فوق الطاولة. أصوات الملاعق وهي بتخبط في الفناجين كانت عاملة لحن هادي، ووراهم موسيقى خفيفة من راديو صغير على الرف.
على الطاولة اللي جنب الشباك، كان قاعدين سامي ومريم.
هو قدامه فنجان قهوة سادة، بيشربه ببطء، وعينه كل شوية تبص على الشارع من ورا الزجاج.
هي قدامها كابتشينو، والوش عليه رسمة قلب صغيرة، كانت بتبص له وبتضحك:
مريم: "أنت ليه دايمًا بتشرب القهوة كده… كأنك بتفكر في حاجة كبيرة؟"
سامي: "لأن القهوة بتخليني أفتكر… حاجات كنت فاكر إني نسيتها."
مريم: "افتكر إيه مثلاً؟"
سامي (ابتسم): "أول مرة قعدت على القهوة دي… كنت لوحدي، والمكان كان فاضي. دلوقتي القعدة أحلى."
ضحكت مريم وهي تحرك الملعقة في الكوب، وقالت:
"يمكن القهوة هي اللي بتجمع الناس… أو يمكن هي مجرد حجة عشان نقعد نحكي."
سامي بص لها وقال بنبرة هادية:
"أنتِ عارفة… الكلام معاكِ زي القهوة… مهما كان مر، بيفضل له طعم."
سكتوا لحظة، والهدوء كان مليان إحساس مريح.
بره، المطر بدأ ينزل خفيف، والنقطة اللي نزلت على زجاج الشباك جرّت وراها تانية وتالتة.
مريم: "تحب المطر؟"
سامي: "المطر بيخليني أحس إن الدنيا لسه بخير… حتى لو في حاجات كتير ناقصة."
الموسيقى في الخلفية عليت شوية، وأصوات ضحك من طاولة تانية وصلت لهم، لكنهم كانوا في عالمهم الخاص.
القهوة خلصت، لكن الحكاية لأ…
مريم مسكت الفنجان الفاضي، وقلبته على الطبق، وقالت وهي بتبص لآثار البن:
"تحب أقولك إيه مكتوب لك؟"
سامي (ضاحك): "هو إحنا دخلنا في الفنجان وقراية الطالع؟"
مريم: "يمكن… بس أنا شايفة في البن إنك هترجع القهوة دي معايا تاني."
سامي اكتفى بابتسامة صغيرة، لكن في عينه كان واضح إنه موافق.
والمطر بره كان شاهد على وعد جديد… وعد بدأ من قلب القهوة.
المطر كان لسه بيخبط على زجاج الشباك بخفة، والمكان بدأ يتملي أكتر.
ريحة البن اتحولت لمزيج مع ريحة المعجنات الطازة اللي لسه طالعة من الفرن.
صوت صاحب القهوة وهو بينادي: "واحد شاي، واحد قهوة مظبوط!" ضاف للمشهد روح الشارع.
سامي ومريم كانوا لسه قاعدين في نفس الركن، لكن الحوار بدأ ياخد شكل أعمق.
مريم كانت بتحرك الكوب الفاضي قدامها، وكأنها بتحاول تسرّح فكرة عالقة في بالها.
مريم: "عارف يا سامي… في ناس بتدخل حياتك زي فنجان القهوة، تدفيك، وتصحيك، وتخليك تبتسم… حتى لو مش هتفضل موجودة طول الوقت."
سامي (بص لها بنظرة مهتمة): "وأنا بالنسبة لك إيه؟ فنجان ولا حاجة تانية؟"
مريم (ضحكت بخجل): "يمكن أنت القهوة اللي مش عايزة تخلص."
ضحك سامي، لكن الضحكة كان فيها شيء من الصمت… كأن جواه حاجة مش قادر يقولها.
بره، واحد عجوز دخل القهوة وهو بيهز المظلة من المطر، وقعد على الطاولة اللي جنبهم.
مريم بصت له وقالت:
"شايفه؟ يمكن هو كمان ليه حكاية هنا."
سامي: "القهاوي مليانة قصص يا مريم… بعضها بيتقال، وبعضها بيختفي مع آخر رشفة."
فجأة، صاحب القهوة جاب لهم قطعة كيك صغيرة، وقال:
"دي من عندنا… هدية، عشان الجو برد."
ابتسموا هما الاتنين، وبدأوا يشاركوا الكيك.
كانت اللحظة بسيطة، لكن مليانة إحساس بالراحة.
مريم سألت:
"لو بعد سنين رجعت القهوة دي، تتوقع تفتكر اللحظة دي؟"
سامي: "أكيد… لأن في حاجات مش بتتكرر، حتى لو رجعنا نفس المكان ألف مرة."
سكتوا شوية، والمطر بقى أقوى، والزجاج اتغطى بقطراته، والشارع بره بقى لوحة مرسومة بالرمادي.
مريم حطت إيدها على الفنجان الفاضي وقالت:
"يمكن المرة الجاية أطلب لك قهوة أنا… وأختار لك الطعم."
سامي: "وأنا مستعد أجرب، حتى لو كان طعمه جديد عليّ."
الخاتمة:
قاموا من على الطاولة، لبسوا معاطفهم، وخرجوا للشارع المبتل.
خطواتهم كانت بطيئة، لكن قلوبهم كانت أسرع من أي وقت.
والقهوة وراهم فضلت شاهدة… على بداية قصة، يمكن تكمل، ويمكن تفضل حكاية حلوة في الذاكرة… زي أول رشفة قهوة في يوم شتا.