• سجل عضوية للتمتع بالمنتدى واكتساب مميزات حصريه منها عدم ظهور الإعلانات

مكتملة عامية فانتازيا وخيال الدرك الاسفل (3 عدد المشاهدين)

𝔱𝓗ⓔ β𝐋𝓪℃Ҝ Ã𝓓𝔞Mˢ

𝓐𝓹𝓲𝓻𝓪𝓽𝓮 𝓯𝓻𝓸𝓶 𝓽𝓱𝓮 𝓒𝓪𝓻𝓲𝓫𝓫𝓮𝓪𝓷
إدارة ميلفات
مدير
نائب مدير
اداري مؤسس
كبير الإداريين
رئيس الإداريين
إداري
أسطورة ميلفات
أوسكار ميلفات
فارس الكلمة الماسية
مؤلف الأساطير
برنس الأفلام
برنس الصور
إمبراطور شتاء ميلفات
ملك المزاج العالي
ميلفاوي VIP
رئيس قسم الصحافة
محرر محترف
كاتب ماسي
محقق
ناشر قصص
ناشر صور
ناشر أفلام
إستشاري مميز
ناشر موسيقي
ناشر قصص مصورة
ناشر محتوي
مترجم قصص
نجم ميلفات
ملك الصور
ناقد قصصي
صائد الحصريات
فضفضاوي أسطورة
كوماندا الحصريات
ميتادور النشر
مسؤول المجلة
ناشر عدد
قارئ مجلة
ناقد مجلة
مزاجنجي أفلام
الذئب الأسود
إنضم
30 مايو 2023
المشاركات
17,089
مستوى التفاعل
12,837
نقاط
99,671
العضوية الفضية
العضوية الذهبية
العضوية الماسية
ميلفاوي كاريزما
ميلفاوي أكسلانس
النوع
ذكر
الميول
طبيعي
CHARACTERS' AESTHETIC

قُصى الرَاويٌ



Horus Boarding University
جَامعةِ حُورس الدَاخِلية
8

تَصلب جُثمانهُ وعَسلِيتاهُ تَجوُل المكان البَارد مَصحوباً برَفيف الصَباح ،سَيارات فَارههِ مُصطفة وأَهاليِ يُودِعُون أبنائهم لِأولِ يوم دراسيِ في جَامعتهُم الداخليه ،إِستنشق مَاء أنفهِ و جَرّ خَلفهُ حقائبهُ الصَغيرهِ نسبياً لِيشق طَريقهُ نحو المَبني الإداريِ ، بينما تتسلّل الألحان عبر سماعاتهِ السلكِية، تعزله عن ضجيج الواقع الذيِ بدا غريبًا ومُريبًا
2

شقَّ طريقهُ بصمت، عينيه متشبّثتان بالأرض، وكأنّه يسير في نفقٍ من العزلة لا يسمع فيه سوى دقّات قلبه، حتى بلغ الباب المَنشود ،نَزع سماعاتهِ ،ثُم طَرق الباب بِخفّة، فأتاهُ صوتٌ رزين يأذن له بالدخول
، دَفَع الباب برفق، لتقع عيناهُ على رجلٍ في عِقده الرابع، يجلس خلف مكتبٍ أنيق، مظهره المُهندم يعكس انضباطًا لا يُهادن،للحظة، إبتلع ريقه، ثم تقدّم خُطوة، وإرتسمت على وجهه إبتسامة خفيفة
1

"أَنا يَزيِد عُمر ،المِنحه الخاصه من الدار"
4

تَبّسم الرَجُل تِباعاً ليأُخذ الورقة التي قَدمها لهُ الفتىٰ
مُعيداً قرأة المُحتويات سَريعاً وأَخرج خِتماً خَاصاً بالجَامعة وهو يَرفع حَدقتيهِ نحو يزيد.

"أَنا حَقيقي كُنت مُنبهر وسعيد منك من قَبل ما أشوفك ،والمُبهر أكتر هو مَجموعك ودرجاتك المُبشرة"
1

وَ لازالت البَسمة تُزين ثُغر الفَتىٰ التي داعبت تلك الكلماتِ اللطيفة فُؤادهُ "شُكراً لكلام حضرتك و أوعدك إني هكون عند حُسن ظنك"

طَوىٰ الرَجل الورقةِ يضعها في ملفِ كُتب عليه الإسم الثُلاثيِ يَزيد أحمد عُمر ،ثُم رَفع الهَاتف الأرضي بِجُواره وهو يُشير للفتيٰ بالجُلوس وبالفعل إمتثل لأمرهِ يسمعهُ يُهاتف شَخصاً "مستر يُوسف ممكن تِجيلي المكتب حالاً..مُتشَكر"

"قُولي بقا يا يَزيد ،إخَتارت التخصص بتاعك طِبي مش كدا؟"أَومئ المُعني بخفٌة وهو يُلاحظ إسم ولَقب الرَجُل على المَكتب ،فقد كان نَائب المُدير الأُستاذ مُعتز ، وطَرقُ رتيب على الباب جَعلهُ يُحدق في الهَيئة التىِ دَخلت ،فَقد كَان رَجلُ أَشقر مَع نظَاراتِ طِبيه سَوداء
1

"مِستر چُو ،دا يَزيد عُمر الحاصل على المِنحة"
6

إِبتَسم الرَجُل بِلُطف مُوجهاً عَينيهِ نحو الفَتىٰ مع مَدٌ يُمناهُ للمصافحةِ "أَهلاً بيك ،مَعاك مستر يوسف الأَخصائي النفسي هنا"

وَقد رَاود يَزيد بَعضُ التَعجب جِراء أول شَخص ناداهُ نائب المُدير ،هو الأخصائي النَفسي؟بِجَانب أن هذا الرَجُل يبدو وسيماً ويافعاً على أن يَعمل هُنا حتىٰ.
1

بنت تبلع من العمر ١٤ سنه جانت عائشه حيا عاديه مثل أي بنت وفجئة صارت مشاكل عائليه وطلبو دو نوب تفاهم وقبلو بالفصليه لان البطله ما قبلت ينكتل شخص من أهلها و ...... والبطل...
وبعد التوقيع علىٰ بعض الأوراق الخَاصة بملفهِ الدراسي ،قَد أَخذهُ الأخصائي النَفسي خَارج المكتب بِنيٌة إعطائهِ تعريفاً بسيطاً حول الجَامعةِ ، وَسار يزيد جوارهُ بهدوءِ يجُرّ حقائبهُ في المَمر

"حابب أقولك إنك شَخص مُكافح"
2

ثُم قَام بإرجاعِ نظارته خَلفاً مع بسمتهِ الخَافتهِ للفَتيٰ الذي رَفع عسليتاهُ نحوه "مِش هكدب عليك يا مستر ،بس حقيقي أنا طِلع عيني"
1

"لازم يِطلع عينك ،بس إنت صَبرت و نُولت..دِي المَكتبه والمبني اللي جمبها دا المَسرح"
قام بالإشارةِ نحو المباني قِبالتُهم ،والأَخر إنبهرَ
من نَظافة المكان بجانب إِهتمامُهم الجَليل بتلك الأشياء التي يظُن أنها ترفيهيهِ فَهذا مكان للدراسه فَحسب.

"و بِخصُوص ال— قُصي!!"
8

إِنتَفض جُثمان يزيد على وقعِ صَرخة يُوسف الحادة ،مُرتجفاً من وقعها المُباغت، وسُرعان ما رفع مرأىَ بصره ليلتقط مجموعة طِلاب يلتفون حول فتى مُلتهب الغضب يُحكم قبضته على آخر مُلقىٰ تحته، ينهال عليه بلكماتٍ قاتلة، كأنما يسعى لانتزاع أنفاسه الأخيرة.
5

الدماء غمرت وجه الفتى المُلقى، فلم يعد ملامحه سوى لوحةٍ قرمزية باهتة، وعينان شِبه مطفأتين تستجديان الخلاص، أما المعتدي، فقد كان أشبه ببركانٍ يوشك على الانفجار،أَوردة عنقه نافرة، تكاد تتمزّق من فرط احتدامه، ونَفَسه اللاهث يتصاعد كزئيرٍ مكبوت.
5

لم يحرك أحدٌ من الطلاب ساكنًا؛ وقفوا متحلقين من حوله، يُشجعونه بصيحاتٍ خاوية من الرحمة، وكأن الدم المسفوك ليس إلا مشهدًا عابرًا في مسرحٍ يُعاش فيه العنف بلا ثمن.
3

إندفع يوسف نحوهم بسرعة، يُحاول إنتزاع الفتى الغاضب من ضحيتهِ، فأحكم قبضته على كتفه في محاولةٍ لوقف إندفاعهِ، و في لحظةٍ واحدة، تفرّق الطلاب كقطعِ شطرنج مبعثرة، هرع كلٌّ منهم إلى مُحاضرته.
1

إقترب يزيد بخطواتٍ حَذرة، أنفاسهُ متقطعة وقلبه يخفق بقوةِ مِن فرط العُنفِ، فيما وقعت عَسليتاهُ على الفتى الذي يُمسكهُ يوسف، كان شعره أسود حَالِك، تتناثر عليه خصلاتٍ مبللة بالعرق، ووجههُ ملطّخ بالدماء، حتى أن ملامحه بدت كظلٍّ غامض وسط الفوضى.
4

لكن ما شدّ انتباهه حقًا كان الوشم الذي إمتدّ من كفّه اليسرى صعودًا إلى عنقه، كأفعى تتلوى حول جُثمانهِ الفَارع ، شعر يزيد بقشعريرةٍ باردة تسري في جسده، وعيناه لم تستطيعا الفكاك من هيئة الفتى المُريب، الذي بدا وكأن العاصفة لم تهدأ بعد في عينيه.
2

"هو إيه التخلُف دا يا قُصي؟"
إنفجر يوسف بالكلماتِ وهو يمرر يده في شعره، محاولًا تهدئة أعصابه، بينما كان يزيد يُحدّق بالفتى المُلقى على الأرض

"لأ، بُصلي وكلّمني..دا إيه دا؟!"
أطبق يوسف على كتف قُصي بعزمٍ، يجبره على مواجهته، إلّا أن الأخير اكتفى بإلقاء نظرةٍ عابرة على الفَتىٰ الذي مضى بخطًى وئيدة نحو غرفة التمريض
1

"يعني أنا بقول إنك هديت شوية واتحسّنت، تقوم دابب خِناقة في أول يوم دراسي الساعة سبعة الصبح؟!"
10

إبتسم قُصي بفتور، وهو يمسح الدم النازف من أنفه بطرف كُمّ قميصه "يعني اللي مضايقك إنّي بتخَانق الصبح؟"
2

"قُدامي يا قُصي ،نشوف أخرك إيه"
زَفر يوسف بِحدةِ تَمالكها لينظُر إلي يزيد الذي كَان يرمق قُصي بِأقذرِ النَظراتِ وحتماً لن يَلومه ، تحرك الأخصائي ويَزيد في المُنتصف ليكون الفتىٰ الجامح بجوارهِ.
6

"المهم يا يزيد كُنت بقول إن المبلغ المالي بتاع المِنحه كويس جداً دا بالإضافة إنه هيزيد مع كُل سنه وفيه إمتيازات كمان إنك تشتغل في الحرم الجامعي دا لو عايز فلوس إضافية كمان ليك"

راح يوسف يسرد تفاصيل الامتيازات التي تُقدّمها المنحة، يتحدّث بحماسٍ واضح يُنافيِ غَضبهُ مُنذ قَليل ، بينما كان يزيد يُنصت إليه بصمت، محاولًا أن يُركز في كلماته ويتناسى وجود هَذا الجامح ،و كاد أن يُبادر بالرد، لولا أن قُصي قاطعه فجأة بصوتٍ كساه الفضول، وقد دسّ يديه في جيوب بنطاله بتراخٍ
3

"هيَ من إمتىٰ حُورس بتعمل مِنح؟"
3

"دي مِنحة خاصة بالدار"
6

أَوضح يُوسف وهو يَعبث في أوراق يَزيد بَحثاً عن رقم غُرفتهِ ،والمُعنيِ إبتلع مافي جوفةِ يقبضُ علي حقائبهِ بكَفِ باردهِ
2

"دار إيه يا چُو؟كِنيسة يعنيِ ولا إيه دا؟"
9

إِستطردَ قُصي بنبرةِ سَاخرة إستبدت حديثه ليزفر يُوسف للمرةِ التي يجهل عَددها اليوم.

"دار أَيتام يا بضان"

"كسم العبثية!حُورس اللي مش بتعمل مِنح للثانويِ الأمريِكن ،عَملت لـِ أيتام؟؟"
33

تشنّجت أصابعه حول الحقيبة حتى أبيضّت مفاصله، وكأنها تستمد من جلدها المهترئ صلابةً تُعينه على كتم غليانه،إرتعشت عَسليتاهُ تحت وطأة شعورٍ مُرّ، مزيجٌ من الغضب والقهر، لكن شفتيه ظلّتا مُطبقتين، وكأن صوته قد خذله في اللحظة التي إحتاجه فيها.
7

ماذا عساه يقول؟ وهل سيُجدي الكلام؟
عاش عُمره يُحاول أن يُثبِت أنه ليس أقل شأنًا لمجرد أنه وُجِدَ في دار أيتام، لكن ما من كلمة قادرة على محو الوصمة التي يضعونها على جبينه دون أن ينطقوا بها.
5

لكنه لم يتراجع قط.
سَهر الليالي، ينهل من الكُتب حتى أُرهقت عيناه، وأَنهكَ ذاتهُ ليِحظىٰ بِمنحةِ إبتغاهاَ الكثير ،وحين نالها، شعر لأول مرة أن الحياة أنصفته ولو قليلًا.

ثُم يأتي فتىٰ فاحش الثَراء، يُلقي بكلماتهِ العابرة ثم يمضي؟كأن العالم يأبى أن يمنحه لحظة انتصارٍ واحدة دون أن يُذكّره بمكانه في أسفل الهرم.
9

لطالما كانت -الطبقية- قاسية،مُتجذّرة ،لا تُكسر.
2

"زوز ،دي أُوضتك أهي رقم ١٨"
2

أَفاقهُ من شُرودهِ صوت يوسف مُشيراً له نحو غرفتهُ و أومئ بهدوء يجُرّ معهُ حقائبه وثُقل ذاتهُ ،هُو حتى لم يُلاحظ كيف سحب يوسف قُصيِ من قميصةِ كَ***ِ سيتم عقابهُ.
1

أَخرج المفتاح الذي قد أعطاهُ له نائب المُدير وإنفرج الباب لتظهر معالم الغُرفة ،كانت راقية بطابع بسيط وأنيق، الأرضية من خشب الباركيه اللامع، تعكس بريق الضوء القادم من منتصف السقف الأبيض،و على جانبي الغرفة، وُضع سريران متقابلان، كل منهما مُغطى بملاءة بيضاء ناصعة، تتوسطها بطانية رمادية أنيقة، وطُويت المناشف بعناية عند طرف كل سرير.

وضع حقائبهُ أرضاً ثم مَضى يُعانق السرير بخمول إكتساهُ ،يومهُ الأول و إستبدهُ فتور مع أفكار لا تنتهيِ بجوارِ مزاج تعكر من كَلمةِ ألقاها أحدهُم،
و لوهلةِ أغمض جفنيهِ من تعب جسيم ،مُبتغياً بعض الراحةِ.
1

٥:٣٠ مَسائاً -

"إصحى يا حبُوبي ،إنت كويس؟"
4

ألقىٰ الفتى كَلماتهُ بلطف يهز جُثمان رفيق غُرفته الجديد ولكن بدون إستجابه ،أحكم الوِثاق حول كتفهِ يحركهُ سريعاً مع صُراخه الباديِ عليه خوفهُ

"يسطااا، صحصح والنبي!!"
فُزعَ يزيد من الصُراخ الذي إقتحم أحلامهُ الهادئه ليهرع في الإعِتدال بوجه شَاحب يرمُق الذي قِبالته بِنظراتِ ساخطه ناعسةِ
1

"كان عندك حُمولة زلط ولا إيه؟، إيه النوم دا كُله؟"
3

مَسح الآخر علي وجههِ وهو يتثائب مُتبسماً على سُخرية الأخر "الساعة كام؟"

"بقينا المغرب يحُب،قوم فوّق كدا"

نَهض يزيد يشعر بالإسىٰ لمُفارقتهِ سريرهُ الناعم وذاك الغطاء الدافئ ،يرى ذَلك الفتى يعبث في هَاتفه
مع وجه لطيف مُبتسم ،شَجع ذاتهُ لتعرفُ عليه فهو يبدو وَدود عكس صاحب الوُشوم صباحاً
3

"أنا يزيد عُمر"
رفع الفتى عينيه عن الهَاتف مبتسماً إلى أن ظهرت غمازتيهِ المحفوره "مالك جمال، وعلفكره أنا بصيت بصه كدا على ورقك لقيتك تخصص طبي معايا ،يعني كُلنا في الهوا سوا"
2

أنهىٰ حديثه مع إغلاقه للهاتف كُلياً وإخراج عُلبه بلاستيك شفافه بها مُكسرات "بُص هتطلع هتلاقي في أخر الطُرقه حمام ومتتأخرش عشان نقعد نتكلم ياض"
2

"الكلام مش هيطير"
أغلق يزيد باب الغُرفه هو حتى لم يسمع رد مالِك وإكتفىٰ برسم بسمة لطيفة على ثُغرهِ ،فَيبدو أن رفيق سكنهِ إجتماعي ذُو طِباع مُحبه ، تثائب للمرةِ الثانيهِ يضع يده فوق فاههِ يشق طَريقه نحو الحمام الفسيح كما قال مالك.
1

دفع الباب الخَشبي وهو يفرُك حدقتيه التي آلمتهُ للنور الساطع مع إستنشاقهِ لرائحة سجائر فَجّه وصوتِ رُجولي صدح في المكان الفارغِ
"وبيقولي إيه براحه يا حُذيفة أصل أول مره ليا وأحا يعني خرمه كان أوسع من الدائري"
32

تَصنم يزيد في مَكانه عند الباب وحتماً لم يتوقع حديث جِنسي بحت بتلك الشفافية! وفي ثوانِ تَحمحم ليجذب إنتباه الإثنين ،أحدهم كَان يقف مُستنداً علي الحائط ويستنشق سيجارة بدتت غريبه الشَكل لـ يزيد فهي حتماً ليست سجائر عاديه ،والأخر كان يغسل وجههُ ثُم أغلق الصُنبور تباعاً مع تقدم الأصغر نحوهم.

"جديد؟"

سأل الفتى الذي يُجفف وجهه في منشفةِ مُعلقة و أومئ يزيد مع فتحهِ للصُنبور يرىٰ المياه البارده تصطدمُ في الحوض وهو حقاً لا يود خسارة دِفئ كفيه في ذاك الصَقيع

"وفي الأخر يا كِيمو كان بيتنطط علي زبي ولا أجدعها لبوه"
8

قَهقه المدعو بـكَريم مع إعطائهِ لسيجارة الحشيش لصديقهِ الذي يحكي تجربتهُ الجنسيه بصدر رحب ،
سارع يزيد في غسل وجههُ مزيحاً علامات النُعاس ولكي يفر هَارباً من هؤلاء الفِتيه ،كان يظن أن صاحب الوشم هو السيء هُنا ولكن يُوجد الأسوء.
1

"قُصي ،إنت معاك الرِيس هنا؟"
6

وعلى ذِكرهِ فقد خَرج من الحمام المُغلق، خُصلات دَاكنه مُبتله وقَطراتِ تتساقط على عُري صدرهِ العضليِ كاشفاً للأعُين تفاصيل وشمهِ المُلتف من يُسراه إلى أن إحتضن عُنقه المُزين بِسلسال فِضي يُشبه الصَليب ،وقد سَتر نصفه السُفلي ببِنطال قُماشي أسود.
1

"أنا جاي بِيه أصلاً"
أفصح كَلماتهُ و سَوداوتيهِ إلتقَطت جُثمان ضئيل يُجفف وجههُ وقد مَيز تلك الملامح سريعاً
"إسمك إيه؟"
4

وسُرعان ما أخرج يَزيد وجههُ المُبلل من المنشفةِ لِتأكد إذا كان يقصدهُ هو بحديثهِ ،أم شخص آخر وللآسفِ أنهم كانوا ثلاثةَ وهو رَابعهم

"يزيد"

"وإنت داخل يا زُوز مشُوفتش باب حمام تاني جمب دا؟"
2

عقّد الأخر حاجبيه من غرابةِ السؤال ليُعيد وضع المنشفة مكانها وعسليتاهُ علىٰ العاري الذي لم يصلهُ برد الشتاء بَعد"مِش فاهم ،ما دا حمام ودا حمام"
أشار بيده في نهاية حديثهِ للإِثباتِ ، لينضم إليهم صوت حُذيفة ذاك الذي ميّزهُ يزيد.

"فُكك ،لِسه جديد ميعرفش حاجه"

"هو فيه إيه يجماعه ،هو الحمام دا هيزعل لو شخينا فيه يعني ولا إيه؟"
سَخر يزيد بضيق صَدر إعتلاهُ ليسمع قهقة كَريم وماهي إلا ثوانيِ حتىِ شعر بإرتطام جُثمانهِ ضد الحائطِ و إنتصاب قُصي قبالتهِ بهجُوميةِ تَعجبها
18

"لأ أنا اللي هزعل يكسمك، الحمام التاني دا بتاعكم أما دا بتاعي مش ناقص عفانه"
6

هسهس بعنفٍ مستتر، غير أن نبرته الهادئة إنزلقت كخنجرٍ باردٍ يشقّ سكون الأجواء، لتلفح وجه يزيد بأنفاسٍ مُثقلةٍ برهبةٍ صامتة ،كان القُرب خانقًا، والحضور طاغيًا حتى تلاشت المسافة بينه وبين الواقف.

وفي لحظةٍ خاطفة، إنعقدت أصابع يزيد في قبضته حتى شحبت مفاصله، ثم دفع كتف قُصي بعنفٍ كمن يسعى لكسر قيدٍ غير مرئي يُكبّله، تمايل جسد الأكبر خطوةً واهنة بالكاد تُذكر، غير أنّه ثبت في موضعه سريعًا، كجدارٍ صلد لم تُحرّكه سوى نسمةٍ عابرة وارتسمت على ملامحه بسمةُ باردة الظُهور
1

تصلّب جسد الأصغر للحظةٍ يَنتظرُ رد فِعل عَنيف من قُصي، ولم ينطق بحرف، بل إكتفى بإلقاء نظرةٍ خاطفة، ثم استدار بخطىً وئيدة، تُثقلها رهبةٌ خفيّة، وانسحب من الحمام كظلٍّ غادر المشهد بهدوء
1

"حرام عليك،شكلهُ علي نياته نيك"
كان كريم الذي أنهىٰ سيجارة الحشيش ثم ألقاها في البالُوعة غَير آبِهاً ،وتبعهُ صوت حُذيفه وهو يُخرج هُودي داكن ويُعطيه إلى قُصي
"حرام عليك، طيزه مربربه نيك"
10

"نفسي ألاقيلهُ حد يشكمه كدا ويخفف هيجانهُ اللي طالقه علينا دا"ضحك قُصي مُحدثاً كريم الذي أومئ مُوافقاً من ثالثِهُم الذي جُل همه هو الجَنس والتلميحات القذرة.
4

"ألا أنت عامل إيه مع المُز بتاعك؟"

تَسائل حُذيفة وهو يُرجع خصلاتهُ قاصداً كريم الذي تَنهد وكأن ثُقل الأيام بات في صدرهِ مع خُروج ثَلاثتُهم من الحمام يسيرون في المَمر الهادئ

"المُز بتاعي مش مخليني أقرب منه بعد ما شافني مع الشرموطه رَنا"
15

ثُم..إنفجر الضحك من بين الثُنائيِ كعاصفةٍ جامحة، تشظّت أصداؤه في الأرجاء ، حُذيفة إنحنى قليلًا، يضغط على رُكبتيهِ ،فيما إرتفع رأس قُصى لِلخلف
مُوجهاً حديثهُ "أهي دِي أخرة الشرمطة ،واحد في رِيليشن رايح لواحده تعملهُ بلوجوب ليه؟"
8

"كُنت معمي يا قُصي و*** كُنت سكران من كسم الدرينك اللي شربته" بَرر كريم سريعاً بنبرة إستبدها الندم وهو يلكُم حذيفة في صدرهِ لكي يكف عن الضحك ويسمع قُصي مُكملاً
2

"عارف إنك كنت سكران بس إنت غلطت وهو حقيقي ملوش ذنب، لو فعلاً بتحبهُ وباقي عليه روح حسسه إنك غلطان وإعتذرله كل خمس دقايق
وبعدين إِ..
6

"نِيكه" قاطعهُ حذيفة سريعاً وسط ضحكاتهِ
6

"دا أنا إللي هنيكك دلوقتي"
سَحبهُ قُصي بقوةِ ليتأوه الآخر بصوتِ جنسي عاليِ
في الممر الخاليِ ليضع قُصي يدهُ فوق فاههِ وهو يأخذهُ نحو غُرفته مع ضحكات كريم علي مظهرهم الفَاحش.
3

-

"إنتَ تُوهت عن الأوضه ولا إيه؟"

مَازحهُ مالك فور أن دلف إلى غُرفتهم المُشتركة يراهُ يجلس أسفل الغطاء وبجوارهُ شنطة بلاستيكية تحتوي على قُشور لِب كثيره ،تَبسم له يزيد الذي كان شاحب الوجهِ جراء لقائهِ مع ذاك القُصيِ المُريب ،
ثُم إقتربَ يتخذُ مجلساً جوار مَالك الذي رحب بالأمرِ وأعطاهُ بعض التساليِ ليأخذها يزيد ويبدأ في تناولها بتلذذُ خفيّ ،فلم يُصادف يوماً أن تذوق تلك الأنواع الغاليه من المكسرات.
1

"أنا في تانيه طِب ،المفروض أكون في تالته بس سقطت سنه عشان كُنت عملت حادثه"
3

فَتح مالك المُحادثه ثُم تبسٌم بغباء على الحادثةِ التى أدت إلى رُسوبه في الإختبارات الأخيره ،ليرىٰ تعجب يزيد الواضح الذيِ زار ملامحهُ
"كانت حادثة كبيره ولا إيه؟"

"كانت تُحفه ياض يا يزيد"
ثُم قهقة بقوةِ وهو يُخبئ وجههُ والأخر عقد حاجبيهِ من غَرابة الأبله قِبالتهُ ،فَمن الأحمق الذي يقول علىٰ حادثة صابتهُ أنها رائعه؟
1

"إيه اللي تحَفها يقلب يزيد؟"

ثُم أطال مالك النظر نحو صديقهُ ليعتدل مع بسمةِ لازالت تشق ثُغرهُ

"يعني أحدهم كان إعترف لِيا أخيراً"
2

وحصل على تصفير عاليِ من يزيد مصحوباً بتصفيق لتزداد ضحكات مالك وهو يضربهُ على كتفهِ
"يعني هي إعترفت لِيك وعَملتوا حادثه سوا، ميتين الحُب يا أخي!"
1

إِرتشف مالك القليل من المياه ليعُيد إغلاقها ببطء وهو يأخذ الفُستق من يزيد "هُو مش هي"
همهم الآخر بهدوء مُتابعاً تناول بعض الكَاچو ينتظرُ من مالك إكمال قصةِ إعترافهِ الملحمية ولكنه فقط ظَل مُحدقاً نحو يزيد بصمتٌ.
13

"مِش هتشمئز بقا وتقعد تنصحني ولا إيه؟"
إستطردَ مالك مع ضحكةِ خافته في النهايةِ ولكن تبسٌم بصدقِ حينما سمع كلمات يزيد المُلاطفه لِداوخلهِ.

"وهشمَئز ليه؟دي ميولك ودي مشاعرك الخَاصه ،هو فيه حد بيعرف يتحكم في مشاعرهُ ولا يحب مين ويكره مين؟بس أهم حاجه يكون الشخص دا بيحبك ومُعتز بيك ،غير كدا أي كلام ومنافع جسديه بس"
8

"ما تجيب بُوسه علي الكلام الحلو دا"
غمز مالك بقذارةِ مُمازحاً وهو يقف أما يزيد فقد
أشار له بلامُبالاة "إبعد يا شاذ"
4

وقد حصل على قَهقة مالك اللطيفة وهو يخرجُ من الغرفه بعدما أخبرهُ أنهُ ذاهب لِقضاء حاجتهِ ، تنهد يزيد بِراحةِ مُمسكاً هاتفهُ الجديد فقد إشتراهُ من نصف مال المِنحة التي حصل عليها وإحتفظ بالباقيِ
ثُم سمع طَرق خافت علي الباب ويستحيل رجوع مَالك بتلك السُرعة المُخيفه ،سابق خطواتهُ إتجاه الباب ليفتحهُ وصَدر الصوت الضاحك

"يعني مش هتجبلي بوسه مشبك؟"

قَلب الٱخر عيناهُ من تفاهةِ الأكبر "عيل بضان"
ثمّ أغلق الباب في وجهه بغير اكتراث، تاركًا وراءه صوت مالك يُعلن أخيرًا عن توجهه إلى الحمام

عاد يزيد إلى السرير وجلس على حافتهِ يتأملُ هاتفهُ أصابعهُ ترددت فوق الشاشة، يُقلبها بحذر كأنّهُ يتعامل مع قطعة أثرية ،راح يُحاول إكتشاف خصائصه، يتنقل من خيارٍ إلى آخر وعسليتاهُ تضيقان في تركيزٍ مرتبك،كل شيء بدا معقدًا، أو ربما كان توترهُ ما يجعل الأمور أصعب مما هي عليه.
3

وفجأة، إنقطع سيل أفكاره على وقع طرقٍ خفيفٍ على الباب،تحرك من مكانهِ سريعاً، وقذف الهاتف جانبًا قبل أن يقفز على قدميه، يفتح الباب بعجلةٍ مع صوتِ مُتذمرٍ مرتفع

"مش هبوسك يا زِفت الطين!"

لكن صوتهُ تلاشى في حَلقهِ حين تسمر مكانهُ، حدقتاهُ إتسعتا على وقع المفاجأة، وودّ لو الأرض تنشق وتبتلعهُ في الحال،لم يكن مالك من يقف أمامهُ بل صاحب الوشوم، يكسو وجههُ ذات الابتسامة المعتادة، مُتكئًا على الحائط بعفوية، وعيناه تلمعان بسخريةٍ نافذةِ
11

"بيجيلك رجالة بليل ولا إيه؟"
5

"ل.لأ؟؟"

إِهتزت نبرتهُ وباتت مُتسائلة أكتر من كُونه ينفي حديث الأخر الذي تبسم بوسع أكبر من إِرتباك يزيد الواضح ،ثُم ظَهر من خلفهِ كريم العابس يدخلُ الغُرفة صامتاً ،يسير بخطوات ثابتة إلى أن تمجلس على سرير مالك بهدوء
3

"مِحتاج حاجة؟"

لم تصدر من كريم أي استجابة إلى يزيد المُتسائل، ثُم فجأة، شعر بيدٍ خشنةٍ تُطبق على ذراعه وتسحبهُ بعنف، ليجد نفسه خارج الغرفة قبل أن يستوعب ما حدث، الباب أُغلق خلفه، ووقف قصي أمامهُ ،ومع تصاعد نبضات قلبه، دفع يزيد صدر قصي بقوةٍ لم يتوقعها من نفسه، حتى ترنح الأخير خطوةً للخلف.
1

"يعم متقربش مني كدا تاني!"خرج صوته حادًا وهو يُتابع سريعاً "وبعدين إيه شُغل الحمير دا، تُدخل أوضة حد متعرفوش وتُطرده منها،يأخي أحا!"

"خلاص تمام هنبدأ البُروجِكت من بُكره"
3

خرجت نبرتهُ هادئه مع إرجاع خُصلاتهُ الداكنه للخلفِ وقد منع ذاتهُ من الضحك عالياً جراء تعابير يزيد التي خرجت مُتفاجئه وغريبه من حديث قُصي العشوائي ولكنهُ إلتفَت للخلفِ ليرىٰ مُعتز نائب المُدير يُحدق في كلاهما عن قُربِ.
2

"بتتكلموا في إيه؟"

"أنا ويزيد بنتفق نعمل بُروجكت عشوائي بين هندسة السيارات والـ..

ثُم نظر سريعاً نحو يزيد المُبتسم وكأنهُ يُخبرهُ -لو راجل قول أنا في تخصص إيه- وَد الأصغر القهقة على تعابير قُصي المُستندجة بهِ لينطق "و الطِب"

همهم مُعتز بغير إكتراثِ يتفحص قُصى من أعلاهُ لأخمص قدميهُ وكأنه يبحث عن شيءِ يُعلق عليه لكنه لم يجد وإكتفى بقول "بالتوفيق ياشباب" ثم
سار بعيداً ليخرجُ من سكن الفتيانِ أجمع، إعتدلَ الشَابان يُراقبان إختفائهِ عن مرأى بَصريهما.
1

ثُم أعاد قُصى سوداوتيهِ ضِد معالم يزيد الهادئة قبل أن يُحركها على مالك الذي رجع من الحمامِ ليدفع يزيد قُربهُ أكثر كي لا يُلاحظهُ مالك وبالفعل حدث ودخل غُرفتهم المُشتركه وأضحىَ الأصغر مُتأفف من مُلامسات قُصى التي إزدادت عن حدها.
1

ضَرب يزيد كف قُصى التي إرتاحت علىٰ خصرهِ برفقِ
ليُبعدها الأخر وهو يحشر يُسراهُ المَوشُومةِ في جوف بِنطالة مُخرجاً عُلبة سجائرهِ
"شُوفلك مكان تِبات في إنهارده"
1

"أفندم؟"

"بقولك،شُوفلك أُوضه تانيه نام فيها"

"ودا ليه إن شاء ****؟"

أَخرج قُصى لفافة التبغِ يُقلبها بين أناملهِ ثُم إحتضنها ثُغرهُ "عشان عصافير الحُب" ثُم أشار بعينيهِ نحو باب الغُرفةِ ،أما الأصغر؟فقد كشّر قليلًا بعدم فَهم لما يرمي إليه ذُو الوشُوم.

"يعني هُما كانوا متخانقين وهيتصالحوا دلوقتي على ما أظن يعني..كسم كدا" ذَم في النهايةِ لعدم إيجادهِ قداحتهُ في جِيوبهُ ليُعاود وضع سيجارتهُ داخل العُلبه وإغلاقها ،بينما ظهرت على معالم يزيد آمارتُ الفِهم وحقاً لم يكبح فُضولهُ العفويِ

"هُما مع بعض؟"

همهم قُصى بإيجاب لِتظهر الصُوره له أخيراً ،فلقد كان كَريم هو من يتحدث عنهُ مالك بهٌيام تام ،
تبسم بلطفُ غير آبهاً لـالأكبر الذي يتفحص ملامحهُ عن قُربِ ،فلقد كَان صاحب عَسلِيتانِ مُشعةِ بوهج دافئ، وإبتسامةِ هادئة، لتُرسم حول عينيه خطوط ناعمة أشبه بلمسات الزمن الرقيقة.
2

ثُم وبدون سابق إنذار تحرك قُصى يسيرُ في الممر تاركاً خلفهُ شبيهِ القهوةِ في حيرة من أمرهِ ،فَما بال هذا الفتىٰ المُريب؟
3

-

قَبل رُبع ساعة
1

دلف إلى غُرفتهم المُشتركة بِبسمةِ واسعه لكن سُرعان ما إندثرت وحل مَحلها عُبوس تام مِن الشخصِ الذي يتمدد قِبالتهُ بوجهِ جامد مُغلقاً عينيهِ

"وحَشتنيِ يا مالك"
1

أفصحَ كريم بهدوء وهو لازال مُتسطحاً على سرير مَحبُوبهِ الذي إبتعد عنهُ يحجبُ إشتياقهُ فلم يراهُ لمدة أسبوعين كَاملين ،إبتغىٰ عقاب كريم لكنهُ لم يُعاقب سوى نفسهُ "هو إنتَ طردت يزيد؟"
1

إعتدلَ كريم في جلسته ليكون مُواجهاً لمالك الذي يجلس على كُرسي المكتب "ممكن تُرد عليا؟"

"أقولك إيه يا كريم؟وأنت كمان وحشتني؟"
إنفعلَ الأصغر يرىٰ كريم يقف ويتجه نحو جُلوسهِ
بهدوء لم يتعجبهُ مالك، فَلطالما كان لـكريم القُدره على التحكم في أعصابهِ وبجدارة ،إنحنىِ قبالتهُ يضع كَفيه البارده على فخذ مالك الذي إرتعشّ بخفه
لمُلامستهِ.

"أنا آسف"

كانت عيناهُ تترجىٰ الصغير ليفصح عنهُ
"عارف إني غلطان ومش هكابر وأقولك لأ ،
أنا غلطان يحبيبي وعارف إني سِكرت جامد لدرجة إني مش فاكر إيهِ اللي حصل، أنا حقيقيِ أسف"
2

ثُم عمّ صمتُ ثقيل بينهم ،فقط أعينهم تتَبادلُ النَظراتِ الساكنة إلى أن تغرغرت حدقتيِ مالك بالدموعِ المالحةِ ليُسارع الأكبر في الوُقوف وإحتضان رأسهُ إلى صَدرهِ "بس يحَبيبي ،و**** ما أستحق إنك تعيط عشاني أنا..
1

"إ.إنت ،أنا بحب.ك يا كريم و****ِ ،بس إنت غبي،
متكررهاش والنبي"
9

أَفصح مالك بصوتِ مُختنق جراء إحتضانهِ لكريم قَوياً يبكي هُناك ،فلقد حاول تشتيت ذاتهُ عن إحتمالِ إنفصالهِ عن كريم ولقد كان هذا الأحتمال مُؤلماً بِقسوةِ ، أَبعدهُ الأكبر عن عناقهِ ليواجهِ حدقتيهِ الباكيةِ و وجنتيهِ الحمراءِ يُقبل عينهُ اليُمني ثم اليُسرى برفقِ هامساً قُرب شِفاهه

"يـعُيون كريم و*** ماهتتكرر"
2

وبهدوءِ إقترب يُلامس شِفاه صغيرهِ في صمتٍ مشحونٍ بالاشتياق، حين اقترب كريم بُبطء، كأن الزمن قد توقف عند لحظة ملامستهما الأولى،إمتصَّ رحيق شفتيهِ برفق، يستشعر دفءَ أنفاسه وسخونة جوفه المتعطش لهذا القرب، تسلّلت كف مالك لتُحيط بعنقه، تشده نحوه في حاجة صامتة، فإنتفض قلب كريم تحت وطأة المشاعر المتأججة.
1

إرتفع مالك على أطراف قدميه، يسعى لملامسةٍ أعمق، فاستجاب الأكبر بشغفٍ مكتوم، يغوص أكثر في قُبلتهم الأولى، كأنهما يبحثان عن شيءٍ ضائع وجده كل منهما في الآخر.


كانَ يسيرُ بلا وجهةِ، السماعات السلكية تتدلّى من أذنيه، والموسيقى تتسلّل بهدوء إلى أعماقه، كأنها تحاول تهدئة اضطرابٍ لم يجد له اسمًا بعد، الهاتف بين يديه، يُقلّبه بلا تركيز، فيما خطواته تتثاقل تحت وطأة أفكاره المبعثرة.




حين طرقَ باب الغُرفةِ، فعلها بإحترام، مُترددًا في طلبه إستعادة هاتفه وسماعته، لم يتوقع أن يكون كريم هو من يفتح له الباب - عاري الصَدر، بوجهٍ محمرٍّ على نحوٍ مريب،ورغم إرتباك الموقف، إعتذر كريم بلطف عن كَونهِ شِبه قام بطرد يزيد

1


لكن الأصغر إبتسم له بخفوت، متظاهرًا بأن الأمر عادي، لكن في أعماقهُ كان الخجل يحرقه لم يحتج لتخمين ما كانا يفعلانه، والوعي بذلك جعله يشعر كأنه اقتحم شيئًا خاصًّا، لم يكن ينبغي له رؤيته.

1


خرج من المبنى السَكني بخطواتٍ بطيئة، سلكَ الممر الطويل المؤدي إلى الحِديقة العامه للجَامعةِ، حيث الصمت يلفّ المكان بسكينةٍ، جلس على العشب الرطب، تاركًا جسده يسترخي فوق الأرض الباردة نسبيًّا، أغمض عينيهِ قليلًا، متلمّسًا نسمات الهواء تتسلل إلى جوف رئتيه، كأنها تغسل ما علق بداخله من ارتباك.

6


الموسيقى تستمر في التدفق عبر السماعات، خافتة كهمسٍ بعيد، بينما هو غارق في صمته، يحاول أن يستوعب كُل ماهو جَديد وكيف لهُ التأقلم مع تِلك البيئة المُختلفه تماماً




مرّت ثوانٍ قليلة هادئة، لا يُسمع فيها سوى صوت أنفاسه المنتظمة وهمس الليل العميق..و على حين غرّة، اخترق صوتٌ مدوٍّ سكون الليل ، دَويُّ مُفرقعاتٍ مفاجئ لم يكن قريبًا تمامًا ولا بعيدًا، لكنهُ كان قويًّا بما يكفي ليقتحم موسيقاه ويجمد أنفاسه في صدره، إنتفض جسدهُ بعنف، وكأن صدمة الصوت نبضت في عروقه، فانتزع السماعات من أذنيه بسرعة، يدير رأسه بحدّة نحو مصدر الضجيج.

1


لمح على بُعد بضعة أمتار ثلاثة أشخاص، ولدين وفتاة ذاتِ مَلامح عابسة ، يقفون تحت ضوء المصابيح الخافتة و بِفُضولهِ المُتزايد أغلق الهَاتف ينفض التُراب عنهُ ويقترب بِخُطى هادئه نحو الثُلاثيِ ،وقف خلفهم للحظة، يراقب المشهد بصمت، ثم ارتفع صوته فجأة يكسر سُكونهم




"بتفرقعوا صواريخ؟"




شَهقت الفتاه بفزع من هذا الإقتحام المُفاجئ بينما أحد الفِتية ذُو بنيةِ عضليه أمسك المُجسم المعدني المُلقى على الأرضِ ويتصاعد منهِ دُخان خفيف ،
والآخر يمضغ عِلكتهُ بعدم إهتمام لما يحدث سَاخراً




"صواريخ إيه بس ،دول بيحاولوا يعملوا سِينسور من التوته دي"




حَرك يزيد عَسليتاهُ ليقترب من الفتىٰ المُنحنيِ يتفحص المُجسم ،ليتشجع الأصغر قَائلاً
"مُمكن أشوف؟"

"هو المفروض سينسور وبيصفّر لما يحس بأي حركه" وَضح الفتىٰ الطويل يتنهد وهو يُعطيهِ لـيزيد


"إنت السبب يا أصفر"
ضَربت الفتاة صاحب العلكة الذي يحاول تفادي لَكماتِها العنيفة مُدافعاً عن ذاتهِ
"إهمدي يا فريده بقااا"
4

"عمّال تقول مش هينفع ،مش هينفع ،لحد ما فرقع يا أصفر"


تبّسم يزيد من الحوار العنيف الذي يدور بجوارهِ ليرفع عسليتاهُ البراقةِ نحو الطَويل فقد كان هو الهادئ الوحيد بينهم


"طب بُص ،إنت وصلت السُلوك بتاعته غلط
فـ بسبب دا حصل زي قُصر كهربي كدا خلت البطارية تفرقع"


"بجد؟" تسائل الفتىٰ بهدوء مُقترباً من يزيد بِعفوية
وقد إستشعرَ إنتفاضة جُثمانهُ الخفيفه ليأخذ المُجسم يتفحصهُ مُهمهماً بتفَهم"متقولش إنك
فـِ هندسة ميكاترونكس لأني عُمري ماشُوفتك"


نَفي يزيد مُستوعباً هُدوء الثُنائي الذي بجواره أخيراً
"في طِب و****"


"تِعرف نُور بقا؟"سَأل مُشيراً نحو صديقهِ ذُو العِلكةِ
1

"لِسه جديد"أجابهُ الأصغر مع بسمة مُرتبكةِ ليقترب المَدعو بـ نُورالدين "إنتَ يزيد؟بتاع المِنحه. چُو قالي عليك"
6

أومئ الآخر بالإِيجابِ و إرتباكهُ العَظيم فاق الحُدود ،فَكيف أنهُ لم يمر يومه الأول وأضحى الجَميع يعلمون بشأن منحتهُ الخاصه،المُريب أن جامعة حُورس تَضم النُخبة من الطَبقة البُرجوازيه
وليست مِن الجامعات التى تُعطي مِنحاً فلم يسبق لهم أن فعلوا ذلك


وحين جاء مُدير الجَامعةِ عَميد الراوىّ رجُل ذو مقامِ داعم للِدار الذيِ يضم يَزيد،أَحب إِعطاء فُرصة للمُراهقين اليافعين فيِ الدار لِذا وَفرّ لهم مِنحة خاصة مع مبلغ مالي ليس بِهيّن، وقد كانت مِن نصيب ذاك الصَغير المُجتهد.
1

"مِنحة إيه؟" أخرجت فريده صوت مُتثائب وهي تأخذ المُجسم من ماريوس الهادئ.


"مِنحة خاصه بدار الأيتام اللي كُنت فيه"
إسترسلَ يزيد مع بسمة حاول بقدر المُستطاع رسمها ،حقيقةً أنهُ مُستعد للكَلام السام أجمع ،فلقد هَييء ذاتهُ لمثل تلكَ الأسئلة وها هو ذا..


"شَطور"


مدحهُ ماريوس وإتسعت حدَقتىّ يزيد بِلمعةِ لم يُخفيها ،بينما كلا من فريده و نُور جَلسا علي العُشبِ غير مُظهرين أي ردة فعل نافره وهي تابعت أسألتها بنبرةِ ودوده


"طب وإنت كدا خلاص؟ طلعت من الدار صح؟"


"أكيد عشان عدىٰ السن القانوني" أجابها ماريوس سريعاً ثُم ناظر يزيد الهادئ يُمازحهُ"ولا إيه؟ لسه قاصر؟"




"لأ يأخي عديت الـ١٨..يزيد بالمُناسبة"
ثُم حك مُؤخرة عُنقه بخجل راودهُ فجأة فَـ هو غِير إجتماعي بتاتاً لكنهُ يُرغم ذاتهُ علي الخروج من منطقة راحتهُ والإندماج مع الطُلاب هِنا


"الدبابة مَاريوس.نُور ،فَريده الليزبيان"
29

كَافح الأصغر فيِ رسم بسمةِ لكن لم ينَجح ،لِذا أومئ يُحاول إخفاء تَعجبهُ أولاً من مَاريُوس ذَاك فلم يُقابل مَسيِحياً قط في حَياتهِ التى كَانت بين الجُدران
،والنَصيب الأكبر كان من فَريده التى لم يَغزُوها العار من ميولها الصَريح ،فلقد كانت تَضحك بـبَشاشةِ تَعتزُ به ،هي حتىٰ لم تُحاول إِخفائهُ.


"طب وفلوس المِنحه كويسه ولا هتضطر إنك تشتغل؟"


كان ماريوس الذي إستراح جوار يزيد الذي فعلياً يتفحص جُثمانهُ الفارع رفقةِ عُرض كتفيهِ ،فقد كان ذُو بُنيان عضليّ بارز.


" مستر يوسف كان كلمني عن الحوار دا بس مكملناش بسبب عيّل جاموسة و***"
3

ضحك ماريوس بخفوتِ يُعيد تركيزهُ لتلك العَسليةِ المُميزه "عملك إيه الجاموسه دا؟"


"معمليش حاجه ،بس هو همجي كدا وشكلهُ مريب عامةً"


"تلاقيه قُصي" أجاب نُور وهو يفرك عينهِ اليُمنى وفريده بالفعل إستلقت علي فخذهِ تضع رأسها هُناك مُضيفةً "لو كُنت ستريت كنت هبقا السكس فريند بتاعتهُ"


"إكتمي يمرا يهايجه"
صَفعها نُور علىٰ جبينها لِتلكم معدتهُ تعتدل في جَلستها أسفل أنظار مَاريوس الذى ملّ شِجارات الأثنين و يزيد المُسنتفر لهذا العُنف الشديد لكنهُ لم يكبح فُضولة ،يميل نحو ماريوس هامساً


"يعني إيه سكس فريند؟"
3

"يعني بيناموا مع بعض"
أَجابهُ بإعتيادية كأنهُ يُحدثهُ عن نشرة الأخبار للِيوم ،ولكن الآخر لم يُغزى فُضوله بعد


"أقصد إزاي صُحاب وبيناموا مع بعض.مش كدا إستغلال ولا أنا دقّه قديمه؟"


عقد الأكبر حَاجبيهُ بِخفةِ أخفاها سريعاً ،ما يُراود عقلهُ حالياً أن يزيد يسخر منهم لكن ما إن أَبصرَ ملامح وجهه؛فقد كانت جِدية لأبعد حد.


" بيناموا مع بعض بالتراضي وبيبقوا متفقين أن مفيش حُب وغالباً فيه طرف بيحب التاني"


"ما طبيعي يكون فيه حُب حتى لو غصب عنهم. لأن مفيش أعمق من المشاعر وطريقة التواصل دي"
صَمت يزيد لوهلةِ شارداً في العُشب أمامهُ يستكمل
حديثهُ


"مش مستوعب إن فيه حد بيهلك نفسهُ عشان مُتعة لحظيه بس! طب ماتقرب من حد وحِبهُ بجد وحِس معاه بالشهوة دي.وإنها هتكون الضعف أصلاً لأنك بتمارس دا مع اللي بتحبهُ مش أي حد لمُجرد أنك مُنجذب ليه جنسياً"
2



"سامع الكلام يشرموط!"
نكزت فريدة خصر نور الذخي أشار بِلامُبالاه
"مِحبكها أوي يا زوز.ماتنام مع اللِ إنت عايزهُ ،إحنا عايشنها كام مره يعني"
1

"هي إختلاف أراء عادي" أظهّر بسمة خفيفة مُراقباً وُقوف كُلاً من نُور و فريده التى تتثائب ذَاهبين نحو غُرفَهم تاركين مَاريوس و يزيد في ذاتِ البُقعة يكتنفُهم الصمت.


"مَاريو"


إِقتحم صوتُ رُجولي منطقةَ سُكونهمِ وقاطع ماريوس الذى إبتغَ الحديث مع الأصغر مُلتفتاً لصاحب الصَوت وقد لحقهُ يزيد تِباعاً ،فَـكان يُوسف
الأخصائيِ النَفسيِ يتجه نحوهم بـبسمة لطيفة مع إرجاع نظارتهِ للخلف بحركة عَفوية.


"الفرخة البيضه لسه منامتش"
سَخر ماريوس ليتلقىٰ لكمةً ضد صَدرهِ العريض من الأكبر ،فَـ يُوسف لا يَحبذُ السهر بتاتاً لِذا يغفو بَاكراً
فـ التاسعةِ كحد أقصىٰ ،تاركينَ يزيد الذي للآن لا يستوعب كيف أنه الأخصائي النَفسيِ للجامعةِ ويفُوقهم سِناً لكن مع ذلك الجميع يتعامل معهُ بأريحيةِ فجّه بدون ألقاب حَتىٰ.
2

"لِحقت تفسد الواد اللِ حليتنا"
تذمر يُوسف ساحباً يزيد في أحضانهِ جانبياً جاعلاً منهُ يُقهقه "لا و**** دا ماريوس عسول خالص"
7

"شُوف سوء الظن"
ضيّق ماريوس حدقتيه لـيُوسف الذي تجاهلهُ يتمجلس جُوارهم"مكملناش كلامنا عن الشُغل"
نبس قاصداً يزيد الذي أومئ"كُنت هجيّلك كدا كدا"


"عامةً فيه حاجات كتير مثلاً شيف في المطبخ، أمين المكتبة، أو ممكن تكون مساعد دُكتور في الأعمال الورقيّة،ولو عندك خبرة في تحضير القهوة أو أي حاجة تانية، هساعدك تلاقي حاجة تناسبك أكيد، دا بجانب أن ساعات الشُغل هتكون حوالي أربع أو خمس ساعات"
3

"حلو فشخ"
إنضم ماريوس للحُوار مع إمائة يُوسف لهُ الذى تابع
"والفلوس هتكون في رِينج الألفين بس لسه مش مُتأكد"


"ش.شُكراً يا يوسف"
إهتّزت نبرتهُ مع ضَغطهِ المُبالغ فيه على أناملهِ كابحاً رغبة عارمة في البُكاء ،إمتلأ قلبه بمشاعر جياشة إجتاحت أعماقه حتى بلغت أعمق نقطة فيه، شعور بالرضا تسلل إلى روحه، كأن كل شيء من حوله إصطفّ ليستجيب لدعواته أخيرًا، تملّكه إحساس دافئ بأن حياته بدأت تأخذ المسار الذي لطالما تمناه، وكأن الأقدار تُعيد ترتيب نفسها لتمنحه فرصة جديدة.
3

"متشكُرنيش دا واجبي،وحقيقي أتمنى إنك تجتهد كدا و تتخرج بإمتياز مع مرتبة الشرف عشان مُستقبلك فيما بعد.وتسيبك من العيّال الشمامه دُول"


أَشار نحو ماريوس الذي إبتسم وطَبطب على صدرهِ
كأنهُ يُخبره -حبيبي تُشكر- ،ثُم أومئ الأَصغر تضامُناً لحديث يُوسف التشجيعيِ يُشتت ذاتهُ عن البُكاء
1



"عايز جدوّل المُحاضرات بتاعتي لأنيِ لسه معرفش هحضّر فين أصلاً"


"أول ماجيت هِنا قعدت شهر كامل أحضر مُحاضرات هندسة سيارات وأنا أصلاً فـ ميكاتُرونكس"
ولوهلةِ مرّت ومضاتِ في عقل يَزيد عن قُصى ذَاك حينما سمع إسم تخصُصه.
5

"أهطّل من يُومك"
ربت يُوسف على ظهرِ ماريوس ثُم حرك كَفيه صُعوداً إلى كَتفيهِ العريضه "كتاف الراجل بالدنيا"
3

لِيسايرهُ ماريوس مع غمزةِ قَذره
"مابالك بالحاجات التانيه"
4

"يلا يا وسخ"
ضحك يزيد على سَب يوسف الصريح ،حَقيقةً أحب كَونهُ قريباً من الطُلاب أجمع وكأنهُ رفيق لهم مِن سِنين عدة.


"المُهم يمَاريو عايزك إنت وقُصى في مُهمه كدا"
مُحيت بسمة الأصغر من ذِكر أسم المعني لذا وضع كامل تركيزهُ في الحديث أمامهُ وقابلهُ تأفأفُ ماريوس المُتذمر "كسم كدا مبنعرفش نشتغل سوا في أي حاجه وإنت عارف"


"عارف.بس عامةً الحاجه دي لسه عليها بدري،كُنت بقولك تستعد نفسياً بس."
ثُم أشار له مَاريوس على فاههِ علامةَ أن يصمت وبالفعل إمتثل يوسف لتلك الحَركةِ ضاحكاً ،يُدرك تماماً مدىٰ كُره ماريوس للعمل مع قُصىِ.


"هو ليه عنيف كدا؟متكلمتش معاه كتير.بس طول الوقت حاسس إنهُ متعصب"
خرج صوت يزيد مُتسائلاً يُناظر يُوسف المُجيب


"هو أصلاً بيحضر جلسات عنديِ عشان يعرف يسيطر على نوبات الغضب اللِ بتجيلهُ دي"
6

"طب ودي حاجه نفسيه بتيجي لوحدها؟"


"نوبات الغضب بتكون عصبيه أكتر من إنها نفسيه في الفِعل.بس السبب الرئيسي بتاعها نفسي بحت"


"يعني هو مريض نفسىّ"
أفصح يزيد بعفويةً عن ما جال في خاطِره ليسمع قهقة ماريوس العاليه وضرب يوسف لهُ لكي يصمت مُتابعاً "هو مرّ بظروف خلتهُ مش عارف يتحكم في عصبيتهُ والأوسخ إنه كان بياخد مُهدئات بِنسب عاليه من غير دكتور فـ الدنيا بايظه من زمان"
4

"بس مش مُبرر إنه يطلع زعابيبهُ في الرايح والجاي هو مش ***" إشترك ماريوس في الحوار وهمهم له يزيد بتأييد لحديثه


"مبقولش إنه مبرر يماريو بس اللِ بيحاول يتحسّن ويتحكم في نوبات غصب عنهُ؛نُقف جمبه ونشجعه.
منروحش نقوله إنت مش عيّل وإجمد ياض "
2

"دكتور نفسي جداً"
مازحهُ يزيد ليجد يُوسف يرفع نظارتهُ بغرور إعتلاهُ
،وفي ذاتِ الوقت بِداخل أعمق نُقطه لديهِ شعر يزيد بالأسف إتجاه قُصى ،هو لا يعلم السبب الذى أردىَ بهِ حبيساً لغضبهِ لكنهُ حتماً سيعُطيهِ فرصة لِتكوين صداقة معهُ، رُبما هو شَخصياً وعن قُرب لَطيف؟.
6



-


شعر بحرارةِ دافئة تتغلغل في أوصاله، وهو يسحب الغطاء بإحكام حول جسده، غارقًا في سبات عميق، لكن وسط السكون، تردد في أذنه صوت مألوف، خافت بادئ الأمر، ثم ازداد وضوحًا، يُناديه بإصرار، تجاهله بدايةً، متشبثًا بعالم أحلامه، غير أن الصوت لم يلبث أن اقترب، حتى لامس أنفاسه.


"قُوم يا يزيد عندك مُحاضرات.چُو جابلك الجُدول بتاعك"


تثاءب مالك وهو يحاول إيقاظه من غفوته الغارقة
مع هَزهِ المُستمر لجسد يزيد الذي تأفأف مُبعداً الغطاء عنهُ بعُبوسِ وهو يفرك عينيهِ بِنُعاس
،رَاقب مالك الذي وقف يُخرج مَلابسهُ من الخزانهِ
مع تثائُبه للمرةِ الثانيه.


"كُنت رجعت الأوضه الساعه كام؟"


"تلاته"
همس وكفيه إمتدت لِهاتفهُ يتفحص الساعه ليسمع صوت مالك الذى إلتفتَ لهُ "عارف إن دي قلة ذوق مني.بس هو كان واحشنيِ فشخ يايزيد"


"كريم؟ولا بتاع كريم؟"
وتم صفعهُ بالملابس التى تساقطت عليهِ من قِبل مالك الذى إعتراهُ الخجل لوهلةِ مُكملاً
"كُنا متخانقين ومكنتش شُوفته بقالي إسبوعين تقريباً وحقيقي أحا كان أجمد شعور"
4

"طب إلبس حاجه بِمخنق عشان رقبتك شوارع"
نبس بها وهو يُعاود الإستلقاء على دفئ سريرهُ وقبل أن ينهال عليه مالك بـأفحش الشتائم قُوطع جراء طرقات خفيفه على الباب.


"تلاقيه حبيب القلب جاي يطمن على العروسه"
1

قَهقه بصوت عاليِ يُرجع خصلاتهُ للخلفِ مع رفع مالك لهُ إصبعهُ الأوسط وهو يفتح الباب بهدوء
ليِظهر خلفهُ من جعل فُؤادهُ يبتسم مع تسارع نبضاتهِ
،فلقد كان كريم يقف مُستنداً ضِد الحائط وخلفهُ قُصى الذى يعبث فيِ أربطة الهُودي الخاص به فلقد كانت مُتشابكه.


"صباح الفُل"
كان كريم ذو البحةِ الهادئه مع بسمة لطيفه يأخذ الصغير في عناق دافئ وحصل على تنهيدة من قُصى الذي تخطاهم بضجرِ يدخل الغُرفة التى كانت ذُو جو دافئ عكس الممر البارد "صباحية مُباركه يعروسه"
4

سَخر صاحب الوُشوم مُربتاً على كتف مالك الذى أدار عينيهِ هامساً للأكبر "شايف البارد؟"


"بِيرازي فيك"طَبطب على ظهرهِ برفقِ ساحباً إياهُ للغُرفةِ أسفل نظراتِ يزيد الذى إضطربت أنفاسهُ فُور رُؤية قُصى بملامح هادئة لم يعتدها منه، خالية من تجهمه المعتاد، غريزة غير واعية دفعته إلى سحب الغطاء بإحكام، مُتراقبًا ما يجري أمامه.


"الإتنين أبضن من بعض.يساتر"
صاح بها مالك مُشيراً نحو قُصى ويزيد لِمُضايقتهم المُستمره لهُ ،ولوهلةِ إلتقتَ سوداوتِيه الداكنهِ بتلك العَسليةِ الناعسة ثُم قطعها سريعاً يُحاول فكّ تلك الأربطةِ المُتشابكه في ملابسهِ.




"مراتك كانت عايزه تغتصبني إمبارح"
أردف يزيد لـكريم الذي إقترب يُصافحهُ وقبل أن يُجيب سمع صوت قُصى
"إِعذُره يبني كان عنده جفاف جِنسي"


وهُنا شعر بمعدتهِ تَضطرب لأن الأكبر وجّه لهُ حديث يُمازحهُ ،مُتجاهلاً كريم الذي شمّر عن ساعديه مُتجهاً نحو قُصي "قلبك جايبك لِإيه ياض؟"


"إِديلهُ يكتكوتي"
شجعهُ مالك بِدلال
5

"خرم كريم،إهمد"
9

و قهقة عاليه صدرت من يزيد الذى جلس بجوارهِ مالك العابس،حقيقةً لم يتوقع رد قُصى بتلك العَفويةِ
، يُراقب اللكماتِ التى يُوجهها لهُ كريم يتفادها لِينحني ويحمل الأخر من خصرهِ يُلقيهِ ضد السرير
وسارع مالك في الوُقوف والإرتماء فوق كريم الذي تأوه من كُوع الأصغر الذي إنغرس في صدرهِ


تحرك قُصى مُتمجلساً عند طَرف سرير يزيد مُبتسماً على شكل الثُنائي لِيُعاود النظر نحو أربطتهِ المُتشابكه بطريقةِ إستفزتهُ بجديهِ وحاول فكّها للمرةِ التى يجهل عددها هذا الصَباح.


"قرّب.أفِكهالك"
ربت يزيد على المكان جُوارهُ مُشيراً نحو ملابس قُصى الذي إقترب بهدوء يقتحم مِساحة الأصغر ،
إبتلع مافي جوفهُ وهو يبسط كَفيهِ قُرب عُنق قُصى المَوشُومةِ بـلُغةِ لم يستطع إستيعابها.
6

حاول البَحث عن مركز كُل هذا التَشابك ثُم تبسّم
حينما حَرر الربطةً الأُولى وبـعفويةِ رفع عَسليتاهُ نحو قُصي الذي كان يخترقهُ بتلك الأَعينُ الداكنةِ سلفاً،كانت مُعتمةِ ذات لمعةِ مُنطفئة، أعاد الأصغر ناظِريهِ نحو الحِبال سريعاً يعبثُ بها إلىٰ أن حررَ
الربطة الأخيرهِ بتوتر داهمهُ من تلك الأَعينُ الفارغة
المُلتصقة بهِ.
1

"شُكراً.من الصُبح بحاول أعملها"
أردف قُصى وهو يُبعد كِلا الحَبلينِ عن بعضهما
البعض.
1

"تلاقيهم إتربطوا الربطة السودا دي في الغساله"
أجابهُ يزيد مع بسمتةِ التى لم تُمحىٰ وهو يقف مُبتعداً عن السرير يُحاول التخلص من الإرتباك الذىِ للآنِ لم يعلم سببهُ ،فَلِما مُرتبك وهو كان لطيفاً وهادئاً معهُ هذا الصباح؟
6

سار نحو الخِزانهِ مُخرجاً ملابسهُ مع حَقيبةِ شفافة عليها نُجوم بيضاء وبداخلها معجون الأسنان وفُرشاتهِ بالإضافةِ إلىٰ مُنتجاتِ العنايةِ بالشعرِ والجسد مع عُبوات صغيره من الزيوت العطرية
أسفل نَظراتِ قُصى الواضحة فـهو لم يبذلُ مجهوداً
في إبعَادها حتىٰ.


"إيه النضافة دي؟"
مازحهُ ذو الوُشومِ يُعيد خُصلات تمردت وسقطت علىٰ جبهتهِ
1

"شُوف يأخي سبحان ****.كان فيه حد بيقول عليا معفن"تكلّم يزيد من داخل الخِزانة بصوت عاليِ مُتابِعاً إخراج كامل ملابسهُ ليسمع ضحكة قُصى الخافتةِ ،فهو بالفعلِ قصد عُنف قُصى ليلة أمس.
4



"بقرف نيك. وياكُتر المعفنين اللِ هنا"
2

"فاهمك.بس إزاي أقنعت السكن كُله إن الحمام ليك لوحدك"ضحك في نهايةِ حديثهِ وهو يُخرج رأسهُ مُغلقاً الخزانه ،حَقيقةً يجد أنهُ شيء مُريب أكثر من كونهِ مُضحك ،فَكيف سَيطر علىٰ مهجعِ كامل.
1

"قُصى إبن عَميد الراوي"
1

نَطق كريم مُغمضاً عيناهُ فهو حتماً سَيعاود النوم
بِتلك الوضعيةِ ،سريرُ دافئ وحبيبهُ الصغير في أحضانهِ ،غير مُنتبهاً لـيزيد الذىِ توّسعت عسليتاهُ
بغيّر وعي منهُ يحاول إستيعاب أن قُصى يكون نجل عميد الراوي مُنشيء تلك للجامعةِ ومن أعطاهُ المنحه من الأساس.


"تصدق إنك منيوك"
نهرهُ قُصى سريعاً الذى إعتدل في جلستهُ يُراقب كريم الضاحك "مش هتتبرىَ من أبوك يعني يخول"
1

"كسمك إنت وهو في ساعه واحده"
أشار لهُ الأخر بعدم إهتمام يسحب مالك لحضنه أكثر يستشعر دِفئهُ ،و يزيد الواقف فيِ محط تعجُب من نفور قُصى حينما أتت سيرةِ والدهِ الذي حقاً يزيد يَكّن لهُ الحب والإحترام، تحمحم يُلملم حاجِيتهُ يبتغِ الإستحمام والهُروب ذاك الغاضب ولكن ليس كُل مايبتغيهِ المرء يُدركهُ
1

"خُدني معاك أسموك برا"


- أ smoke.أدخن -


همهم يزيد وهو يحمل الحَقيبة يُراقب قُصى الذي وقف يفتح الباب ثُم خرج وتلاهُ خُروج الأصغر ،
يَسيران جنبًا إلى جنب في هدوء، يزيد ظن أن الآخر سيتوقف عند الباب ليُشعل سيجارة، لكنه فوجئ به يُكمل المسير بجواره عبر الممر المُزدحم بالطلاب.


كان الممر يعج بمظاهر الصباح المعتادة-بعضهم لا يزال يُصارع نعاسه وشعرهُ مُبعثر، وآخرون منشغلون بتناول إفطارهم على عجل، بينما هناك من بدا أنيقًا وكأن يومه بدأ بكامل ترتيبه، لكن ما لفت إنتباههُ هو أن الجميع تقريبًا كانوا يُلقون التحية على قُصي، إما بكلمات عابرة أو بإيماءة مألوفة.


"أحا؟"
دُهش العسّليِ من إِزدحام الحمامات فقد لاحظ التكدس وهو مازال بِالخارج ،إن إنتظرَ الخُلو فلن يستحم إلا بعد مُنتصف الليل.
4

وفجأةً شعر بِكف بارده ضِد خاصتهُ ليُحدق نحو قُصىِ التى كانت حدقتيهِ نحو الممر يتفادىٰ الإزدحام
ثُم فعلَ شيء جَعل الأصغر يعقد حاجِبيهِ فلقد دخلاَ كِلاهما حمام قُصى الخاص به!؟ دَفع الباب يُغلقهُ خلفهُ وحقاً يزيد ودّ لو يُخبرهُ أن رائحة الحمام رائعه لكنهُ تجاهل تلك الأفكار ،فلقد علّم أن قُصى مهووس بالنَظافةِ لِدرجة مُريبه.
2

"مش عارف أقول إيه بس شُكراً يعم.نُردهالك في الأفراح"مازحهُ يزيد ليتبسّم الأخر جَالساً علىٰ كُرسي
صغير مُخرجاً عُلبة سجائرهُ
"لأنك نضيف مش عشان سواد عيونك يعني"
2



"هى عامةً عَسلي"
ثُم أغلق باب الحمام الصَغير بعد أن علّق ملابسهُ ليُحرك صنبور المِياه الساخنةِ لِتتساقط المياه عليه دُفعةً واحده ،وقد سمع قُصى صرخة يزيد جِراء سُخونة المياه الشديده ،لِيرفع صوتهُ
"عشان تبقا تِبضن أوي"
1

ثُم أخرجَ سِيجارة حشيش من عُلبة سجائرهُ يُشعلها بهدوءِ مُرجعاً رأسهُ للِخلف يتسللُ إلىٰ سمعهِ صوتُ قطراتِ المياه ترتطم بالأرضيهِ مع دَندنة يزيد الخافتة لِمعزوفةِ ما ،أخرج هاتفهُ وبدأ فيِ البحثِ عن أُغنية تَحمل عنوان Baby Outlaw by Elle king
ثُم وجدّها لِيرفع الصوت إلىٰ حد أقصىٰ ،لا يعلم أهو كان يبتغِ أن يُشاركهُ يزيد أُغنيتهُ المُحببه أم أنهُ يود الهُروب من أفكارِ تُراودهُ بجعل المُوسيقى تغزو المَكان.
1

I been runnin' since the day I was born


I'm the definition of warn


Shed a tear for each soul set free


But that's what happens
when u dance with me


Pity the man that stands in my way


I'm a nightmare, even in the day


رَمش الأصغر أسفل المِياه حينما وقعت تِلك الكَلمات على مسامعه ،أيخبِرهُ أنها تُشبِههُ إلىٰ حد كَبير أم يُبقي فاههُ مُصمتاً ،أغلق المَرش مُجففاً جُثمانهُ مُستمتعاً بالمُوسيقىٰ السائده في المَكان ،ثُم أغرق جَسدهُ بِمُنتجاتِ العنايةِ ليبدأ في إرتداءِ مَلابسهُ السُفلية.


وفي الخَارجِ أغلق قُصى الأُغنية التي شَارفت علي الإنتهَاءِ ينفثُ أدخنتهُ المُخدرةِ بأعينُ ناعسه وجُثمانِ مُسترخيِ،ألا أن رَاحتهُ إِستُنزفت حينما تدارك سمَعهُ
ذاك الصوت الرُجوليِ الذي لن يُخطِئهُ مُطلقاً ،يَقف خارج الحمام وعلىٰ بُعد خطواتِ منهُ،يتسامرُ مع الطُلاب ويسألهُم عن مكان تواجدهُ.


إِنتصبَ جَسدهُ بإضطرابِ إعتراهُ يُراقب إقتراب الصوتِ وبدون وعيّ إمتدت يُسراه ليفتح الحمام المُصغر الذي يستحم فيهِ يزيد ويحشر ذاتهُ هُناك مع ذاك الصَغير الذي إرتبكت مَلامحهُ وإكتساهُ اللون الأحمر.
2

"م.مش هعملك حاجه.متخافش"


همس بها قُصى قُرب أذني يزيد وصوته الخافت تسرّب إلى أعماقه كنبضة كهربائية باغتت حواسه، فارتجف لا إراديًا، ليس فقط من وقع الكلمات، بل من المسافة الضئيلة التي فصلت بينهما، الحمام كان ضيقًا، مما اضطر يزيد إلى الاتكاء على الجدار، بينما وقف قُصي أمامه، يملأ المساحة بأنفاسه المضطربة.


لم يجرؤ يزيد حتى على التقاط نفس عميق، وكأن الهواء ذاته قد أصبح ثقيلًا داخل رئتيه، لكن فجأة، إنفتح باب الحمام الرئيسي، وبحركة سريعة، إمتدت يد قُصي إلى صنبور المرش، ودار المقبض لينهمر الماء بقوة، مُغرقًا إياهُ وإقتربَ أكثر مِن جُثمان الأصغر ليمنع عنهُ كامل المياه وليكون البَلل من نَصيب صاحب الوُشوم.
3

ظلَّ يزيد واقفًا في مكانه، تتابع أنفاسه المضطربة كأمواج متلاحقة، بينما إنحدرت بعض قطرات الماء على وجهه المُرتبك، تنساب على خصلاته المبللة
رفع عسليتاهُ،ليجد نفسه عالقًا في عُمق تلك الداكنه، اللتين إهتزّتا برعشة خفية لم يدرك سببها.


لم يكن يعلم لِمَ ارتجفت نظرات قُصي على هذا النحو، لكنه فقط شعر برغبة مُلحة في احتضان هذا السواد، في تهدئته، في التربيت عليه كما يُهدَّأ قلبٌ مُنهك ،وخُصلاته الداكنة، المشبعة بالماء، التصقت بجبهته، بينما كانت رُموشه الطويلة مُحملة بِقطراتِ منها.


"قُصيّ!"



حابب أوضح حاجه عن شخصية قُصي ،هو مش الشخصية الل ماشيه تلطش في أي حد ولا الجامد القادر المطرشم ،هو شخص عادي وطبيعي جداً لكن عنده نوبات غضب مش بيقدر يسيطر عليها فـ دا الل مخلي مُعظم الناس تشوفهُ همجي وإبن كلب.

إهتزَّت تلك الأعينُ الداكنة للحظة، تزلزل بريقها تحت وطأةِ الصوت الرجولي الذي إخترق الصمت، ينادي باسمهِ بثقلٍ لم يمرَّ دون أثر، شَعَر يزيد بإرتعاشةٍ خفيّةٍ تسري في نظرات قُصي، كمن إجتاحهُ تيارٌ جارفٌ من الذكريات أو الخوف، لم يكن يعلم أيهما تمامًا، لكنه لمح فيها شيئًا شبيهًا بالتيه.

2


تحركت شَفتيّ الأكبر، ثم خرج صوته جهوريًا، غير عابئ"بَستحمى"




لم يُفكّر يزيد حين رفع يديه ببطء، باطن كفّيه إستقرّا على كتفيه،لم يكن يدري لِمَ فعل ذلك،لكنه فقط أراد أن يُشعرهُ بالأمان ولو لثانيةٍ واحدة، أراد أن يمسح بذلك اللمس الخفيف آثار الارتجاف الذي تسلل إلى جسد قُصى عند سماع ذاك الصوت خلف الباب.

6


"خلّص وتعالالي المكتب"




"حاضر"
ثُم سمع صوت إغلاق الباب ليتَنهد بِثُقلِ إجتاح جُثمانهُ ،تسللت كفهِ المَحبورة لِغلق الصُنبور الذي أغرق جسدهُ كاملاً ،وقبل أن يُعطي لـ يزيد تفسيراً لتلكَ الأفعال فقد أخفضَ رأسهُ قليلاً لفرق الطُول يُسنده على كتف يزيد الأيسر بدون التفوه بِشيء.

4


وفي تلك اللحظة، كان الأصغر هو من ارتجف، وكأن تيارًا خفيًا سَرى في أوصالهِ حين شعر بثقل رأس قُصي مُستريحًا على كتفهِ، لم يكن يتوقع هذا القُرب، ولم يكن يعلم كيف يتعامل معه، للحظةٍ راودتهُ رغبة عفويّة في تمرير أصابعه بين خصلاتِ الشعر الداكنة، أن يربّت عليها بلُطفٍ يطمئنه، لكن تراجع فورًا، وكأن شيئًا بداخله نبهه بأن المسافة بينهما لم تُختصر بعد لتسمح بذلك.

6


تنفّس بعمق، يحاول السيطرة على خفقات قلبه التي باتت وكأنها في مِضمار السِباق، عوضًا عن ذلك إكتفى بلمسةٍ خفيفة على كتف قُصي مُجدداً، محاولة صامتة لتشتيت ذاته عن اضطرابه، وعن ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إليه دون إذن.




"إ.إنت كويس؟"
أخرج كَلماتهُ بهدوء ليسمع همهمةِ قُصى الخافتة وهو يبتعد عن الوضعيةِ التى تُشبه العِناق إلى حد كَبير وأدار مِقبض الباب بقوةِ غايةً في الخُروج السريع ألا أن الباب لم يُفتح معهُ ،أسند كفهُ على المِقبضِ بدون حَراك ،أيُعقل أن أعصابهُ تهاوتّ في تِلك اللحظه؟.

3


"هفتَحهُ"
أردف يزيد مُتقدماً نحو الباب لِيسحب المقبض ألا أنهُ أَبىٰ أن يُفتح ويُحرِرهُم

"شكلهُ يعيني إتصدم من الرزعة إللِ أنت رزعتها"
مازحهُ بلطف ليرىٰ بسمةً خافته وقد باتت شاحبةِ إلىٰ أقصىٰ درجة ،لذا تقدَّم الأكبر مُجدداً، وهذه المرة دون أدنى تفكير، أمسك بالمقبض وأداره بقوةٍ مبالغ فيها، حتى إنكسر بين يديه ببساطةٍ.

للحظةِ، حدّق في القطعة المعدنية المحطمة في كفّه، ثم التفتَ إلى يزيد لكن ما فاجأهُ حقًا لم يكن المقبض المكسور، بل القهقهة التي إنطلقت من العسّلي، صافيةً وعفويّة،فلقد كانت نظرات الأكبر نحو يزيد وكأنهُ طِفل سيتم تَوبيخهُ على ما إقترفَ.
4

رَمى قُصي المقبض المكسور على الأرض غير قادرٍ على كبح الابتسامة التي إرتسمت على وجههِ لرؤية رد فعل يزيد المُبهجه ،راقبهُ وهو يُرجع خصلاتهُ المُبللة إلى الخلف بحركةٍ عفويّة"مكانش قصدي"
4

ثُم إستند إلىَ الحائط المقابل يُخرج هاتفهُ مُتصلاً على صديقه حُذيفة لكي يُخرجهم من ذاك المأزق، مُواجِهًا الفتى العَسلىّ الذي لازَال مُشرقاً وهو يسمع صوت رنين الهاتف "حاسس إني وشي نحس عليك"
2

أنهىٰ يزيد ضَحكاتهِ مُتابعاً " يعني اول مرة شوفتك.
دبيّت خناقة لرب السما وتاني مره إتحبسنا
فـ الحمام، أحا بجد يَعالِم تالت مرة هتكون فين"


"على سِريري"
نبس بها مُراقباً معالم الأصغر التى إكفهرت ولم يسعهُ الحديث جراء صوت حذيفة الذي صدح من مُكبر الصوت
13

"خير يعرص"


"تعالا الحمام عشان إتحبست أنا ويزيد"


"أحا يا قصى رايح تِنيك فـ الحمام.السرير قصر معاك في إيه؟"
6

"كسمك إقفل البلاعة دي وإنجز"


أغلق المُكالمة التي كانت أمام يزيد فهو لم يُكلف ذاتهُ
عناء إغلاق مُكبر الصوت حتىٰ فلقد كان الأصغر يستمع إلى حديثهم البذييء بوضوح ،ولوهلةِ تلاشت بسمةً يزيد تماماً وإمتدت أصابعهُ تشدّ أكمام الهودي بإحكام مُخبئاً يديهِ كأنهُ يدرأ عن نفسه ماسمعهُ للتو.
7

أخفض رأسهُ مُتأمّلًا حقيبة المنتجات أمامهُ، يحاول إشغال نفسه عن الأفكار التي غزت رأسه عقب المكالمة، بينما ظلّ الصمت مخيمًا على المكان
و على الجانب الآخر، كان قُصي يُمسك هاتفه بين أصابعهِ، لا يزال مستندًا إلى الحائط، يُراقب يزيد بنظرةٍ مُتفحصة، غير مُستوعب سبب انطفائه المُفاجئ. منذ لحظات كان مُبتسمًا، ضاحكًا، والآن غارقٌ في صمتٍ مُطبق.
2

"متقلّبش خِلقتك كدا.هيجي يفتحلنا ونطلع."


نطقها قُصي بنبرةٍ عابثة، كأنّه يُحاول تبديد ذلك التوتر غير المبرر، لكنّه تفاجأ بالأصغر يرفع عينَيه العسليتين نحوه، يرمقه بنظرةٍ ثابتة، قبل أن يرد بصوتٍ هادئ


"لا و**** يا قُصي أنا مش قالب خِلقتي عشان الحَبسة دي،أنا قالب خِلقتي عشان كلامك الزبالة."
7

تَفاجئ الأكبر للِحظةِ ،سوداوتيهِ تقلصت وهو يُحاول إستيعاب إذا كان يزيد بالفعل إنزعج من حديثهِ البسيط ،مرر لسانه ضد شفتيهِ مُتسائلاً
3



"إنت بتضايق من الكلام دا؟"
3

"أنا بضايق من أي كلام جنسي.أهو دا عيب عندي؟"


"كل واحد وطبعهُ.مش لازم تتشنج كدا، كان هزار بيني وبين صاحبي"
2

"الهزار اللي زيه مش بيضحكني."


"عندك واحد إتنين تلاته ،إفلَق دماغك في اللِ تحب" أنهىٰ حديثهُ مشيراً على عدد الحوائط في الحمام بهدوءِ تام ليتسلل إلى أُذنهِ صوت خطوات في الخَارج ،تقدم حُذيفه يفتح باب الحمام مِن الخارج وقد عقّد حاجبيهِ من مظهر قُصى المُبلل بالكامل غير آبهاً بالصغير الذي خرج من الحمام سريعاً تاركاً إياهم
10

"كنت بتستحمى بهدومك؟"
سأل حُذيفه بجدية وهو يفرك عينيهِ بِنُعاس فلقد أيقظهُ قُصى لمُهمة الإِنقاذِ تلك.
2

"كُنت سامع صوت عميد برا فعملت إني باخد شاور"
همس بها ثُم ضحك في نهاية حديثه وهو يفتح باب الحمام الرئيسي، يخرج وخلفه حذيفة بملامح مَشدوهه.
1

"قالك عايز إيه؟" سألهُ حذيفة، متأملاً قطرات الماء المُتناثره على ثياب قُصي ،هزّ الأخر رأسه نفيًا وهو يسير في الممر متجهاً إلى غرفتهِ لتبديل ملابسه المبللة.


"طب هروح ألبس وأجيلك.متمشيش هااا"
صاح به حذيفة وهو يسرع خطواته نحو غرفته، إذ كان لا يزال مرتديًا ملابس النوم، ليقابله إيماءة هادئة من قُصي قبل أن يلج غرفته ويغلق الباب خلفه.


-


دخل القاعة بهدوء، ممسكًا بحقيبة الظهر التي تحتويِ على دَفتر صغير ليدون فيه أي ملاحظة مهمة وقف لبرهة، عينيهِ تتجولان في المُدرجات المليئة بالشباب والفتيات، معظمهم يبدو أنهم يعرفون بعضهم البعض، بينما كان هو الوحيد الذي لا يعرف أحدًا هنا.
4

تنهد بهدوء وهو يحاول أن ينسى وقاحة قُصي مُنذ وقت مَضىٰ،توجه نحو المُدرج الأول وجلس فيِ المُقدمةِ، ثم أخرج سماعته ليضعها فَـ دكتور المُحاضرة لم يأتي بعد وقبل أن يختار الأُغنية شعر بشخص ما يقف بجواره.


رفع يزيد رأسهُ ليكتشف من هو هذا المُقتحم وقد رأىَ بسمة لطيفه مُشرقه "صباح الخير."
1

بادلهُ العسلىّ ذاتِ الإشراقةِ مُزيلاً السماعة من أذنه، فلقد كان نور الفتى الذي قابلهُ ليلة أمس رفقةَ ماريوس "صباح النور. عامل إيه؟"


إتخذَ نور مجلساً جانب يزيد وكان يمضغ علكة كما في المرة السابقة "فُل، وإنت إيه الأخبار؟"


"بيني وبينك، متوتر فشخ."


ضحك نور وهو يفرقع بالون العلكة الذي في فمه "خليك بجح ياض.دي تالت مرة ليا أعيد أولى طب."
و رافقهُ يزيد فيِ الضحك وليس لسبب رُسوبهِ المُتكرر بل لأنهُ هادئ وبارد الأعصاب لأقصىَ حد تُدركهِ البشريه.
3



وفجأةً إنفتح باب القاعة ودخل منها شخص طويل، ذو قامة فارعة، خُصلات ذَهبيه لامعةً مع حدقتين عُشبيتينّ كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وقد تركه مفتوحًا على غير عادةِ، صعد إلى المنصة بخطوات واثقة وتوجه نحو الميكروفون وهو يحرّك رباط عنقهُ بعناية
5

وعيناهُ الخَضراء تجولان بين الحضور، في حين كان الهدوء يخيم على القاعة بأكملها، كان الحضور في صمتٍ، والمُلفت أكثر من مظهرهِ هو هدوءه التام، الذي جعل وكأن الوقت قد توقف مع دخوله، مشعًّا بتلك الهيبة التي أضفت على المكان طابعًا خاصًا.
2

"معاكم دكتور سِيف خريج ستَانفُورد تخصص جِراحه عامة"


أمسك الميكروفون مُتجهاً نحو شاشةِ اللمس العريضةِ يأخذ القلم الخَاص بها مُتابعاً حديثهُ
"مبتعاملش مع سنه أُولى لكن المره دي مُضطر"
كتب إسمه رفقةً تخصُصهِ مع عنوان المُحاضرةِ
5

"أنا بحب شُغلي جداً وبحب الناس المصحصحه معايا وبتفهم.هتكونوا مُحترمين أهلاً وسهلاً وأكتر من حبايب،هحس إن فيه إستهتار محدش هينجح"
3

إبتلع يزيد ما في جوفه من تلك الكلمات، فهو لا يُنكر إعجابه بمظهر الرجُل الذي يبدو أنه لا يوحي بكونهِ مصري، لكن مع ذلك تساءل في نفسه عن سبب جفائه في التعامل، وهو في أول محاضرة له معهم.
3

أخرج دفتره ببطء، وعيناه تتابعان الرجل الذي يقف أمامهم على المنصة، وقد جال في خاطره تساؤل لما كل الرجال الذين قابلوهم حتى الآن كانوا ذوي مظهر رائع، ولكن شخصياتهم غالبًا ما تكون جافة إلى هذا الحد؟
3

تثاءب نور بنعاس، مستندًا على كفه وهو يُناظر الدكتور الذي أمامهُ بتركيز، كان يبدو عليه الانجذاب لما يراه، فالرجل كان يبعث في نفسه شعورًا بالرجولة إلى أقصى درجة، وأحس بأن هناك شيءًا جذابًا في ذلك الجفاء، شيءٌ يجذب انتباههُ ويروق له.
4

-


تَمجلس على الأريكةِ الجلديه كانت بعيده عن المَكتب بِمسافةِ لأ بأس بها ،سوداوتيهِ المُنطفئةِ كانت تجول بين الإسم الذي حُفر في مُقدمةَ المكتب الفارغ وبين الساعةِ المُعلقةِ ،قدميهِ تهتز بقوةِ ملحوظه فقد كان قُصى يتهرب من لقاء والدهُ بشكل صريح.
8

هو الذي لا يُكمل مُحاضره ويهّم بالخُروج أسفل نِداء المُحاضِرين الذين ضاقوا ذرعاً من ذاك الفتىٰ ولكن اليوم كان مُختلفاً بجدارة،فلقد سَجل حُضورهُ في جدول اليوم كاملاً ولم يُفوت إحداها لِدرجة أن والدهُ قد أرسل لهُ ثانيةً في مُنتصف المُحاضرة لكي يأتي إليه.


وها هُو ذا..يُحاول تشتيت ذاته عن أي سيء قد يمُر به.


ثُم فُتِح الباب ودلف رَجلُ كهل ذُو معالم جَافيهِ شبيةً إلي حد كبير خاصة قُصى ،كان يرتدي بذلة داكنه رِفقةً خواتم فِضية ثَقليه،وعُقده بين حاجبيهِ تكونت من الهاتف الذي علىَ أُذنيهِ ينصتُ لمن يُحادثهُ متوجهاً نحو مكتبهِ فلم يُلقىٌ بالاً لإبنهِ الذي وقف من مكانهِ إحتراماً لوالدهِ الذي أشار له غير مُكترثاً مُعاوداً الجُلوس.




إِهتزت قدمهُ اليُسري والأُخرى ثابته مُحدقاً نحو والدهِ الذي أنهي الإتصال واضعاً الهاتف فوق المكتب وبيديهِ المِجعدةِ شابكها يُريح عليها ذَقنهِ ،والصمتُ إستبد الحَيّز الذي تتشارك فيهِ ذاتِ الأعينُ وذاتِ النظراتِ السقيمة.


"وصلني إنك كسرت مناخير طالب ،السبب؟"
ولازال الرَجُل على ذاتِ الوضعيةِ الهادئة ولكن نبرتهُ كشفت سُكوناً خادعاً.
1

"إللِ يغلط فيا أكسرلهُ دماغهُ مش مناخيره بس"
أنهىٰ حديثهُ مُحركاً إصبعهُ فوق حاجبهُ كـحركةِ توارثها من الذي يجلس قِبالتهُ ناهيكَ عن الغُرور الذي يُغذىِ أوردةَ تلك العائلةِ.


"خليك كدا قاعد تِغلط.."
همس بها عَميد يقف من مِكانه مُتجهاً نحو جُلوس إبنهِ الذي وقف بدورهِ يُواجه طُول والده وقد كان قُصى يفوقهُ طُولاً.
1

"لحد ماجيب أخري."
أكمل تِباعاً يُثبت خواتمهُ الفِضية جيداً في نهايةِ أناملهِ ،أما الأصغر؟فقد أَفرج عن فاههِ المُصمت يبتغِ التبرير لكن لم يخرج صَوتهُ الذي إندثر في حَلقهِ بل خرجت دِمائاً دافئة تفجّرت على معالم وجههِ جراء اللكمةِ الجافية التى داهمت أَنفهُ بعُنف.
14

أخرج عميد ملامح مُتقززه من الدماء المُتناثر على يدهِ والخواتم المُحببه له ،يأخذ خُطاه نحو المكتب مُخرجاً عدة مناديل ورقية يُزيل السائل الأحمر عنهُ، ولوهلةِ شعر قُصى بطنين قاسي عُمق أُذنيهِ وهو يُحكم القبض على نزيف أنفهِ الذي يأبىَ التوقف
،فلقد أحس بـِ لُيونة عِظام أنفه أسفل كفهِ الضاغط وحينها تأكد أنها كُسِرت.
6

"غُور.هتوسخ الأرضيه"
15

وبالكادِ إستطاع قُصى سماع صوت والدهُ فلقد بات الطَنين أعلىٰ مُرفقاً بـتشويش فِي بصرهِ لكنهُ أبىٰ السُقوط أمام تِلك الأعين التى تُراقب ضعفهُ عن كُثب ،سار ببِطُيء يُكافح شُعور الإغماءِ الذي فُرض على جُثمانهِ وخرج أخيراً من ذاك المكتب الفاخرِ الذي يَعلوهُ إنسانُ فاجر النَفس دنِيء الطِباع.


خرج من المَبنىَ الإداريِ كاملاً ونِصف وجههِ النازف مُغطىَ بكفهِ الموشوم يستندُ على الجدارِ أثناء سيرهِ البطيء، وسوداوتيهِ لم تلمح جُثمان أحد جُوارهُ فلقد كان وقت الإِستراحة وهذا يعنيِ أن الجميع في قاعة الطَعام ،رَفع رأسهُ للخلف يبتغِ إيقاف النزيف بأي طَريقةِ كانت وبالفعل قد هدأت الدماء نِسبياً، تنفس من فمهِ وهو يمسح وجههُ بأكمام مَلابسهِ
السوداء.
1

وبيده الأُخرىٰ أخرج عُلبةً سجائرهِ يُشعلها ويمسح أي دماء تتساقط علىٰ فاههِ سريعاً مُسبباً ألماً لأنفهِ المكسور ،إستنشق سُخونهُ لفافة التبغِ يكتنزُها في صدرهِ ثُم يُحررها على هيئةِ سُحب ضبابيةِ وعَيناه مُثبتتان على الأرض ولكن لَيس هُناك ما ينظر إليه، كَان يحدق في الفراغ ،خَالي الملامح بِشكل يُثير الريبة، لا حُزن،لا غَضب ولا أيّ إشارة تَدُل على مَايجول في خَاطره ،كأنه يسكُن العَدم.
1



"قُصى؟!!"
1

أفاقهُ من شرودهِ وَقِع إسمهُ بنبرةِ لطيفه قد ميّزها سريعاً ،لقد كان شبيه القَهوه كما يُسميهُ هو، تسارعت خُطواتهُ إلى أن وقف قِبالة المُدخن بـوجهِ دمويِ وملامح بارده، عقد يزيد حاجبيهِ من مظهر قُصى المُزري وبدون إنذار وضع يدهُ على عظمةِ أنفهِ اللينةِ وشهق من الخوف الذي راودهُ هو حتىَ أفزع قُصى الذي يراهُ مُبالِغاً.
4

"أحا.أحا دي مكسوره!!"


أزاح يزيد يدهُ برفق كي لا يُؤلم الأخر المُبتسم بِبلاهه،ثُم أعاد وضعها مُجدداً يُحاول إرجاع العَظمةِ بهدوءِ وبأعين مُتسعةِ إستبدها الخوف حَقاً "بِتوجع؟"ليحصل على إيماءة من قُصى مُعيداً حديثهُ"بِتوجع".
3

"طب تعالاَ ن.نروح للتمريض"
إقترح بهدوء لكن الآخر لم يُجِب، وإنما أمال رأسه فجأة، فانهمر الدم من أنفه كالسيل، دافقًا بغزارةٍ مُفجعة،حتى بدا وكأن جسده يفرغ ما به من انكسارٍ عبر ذلك النزيف.
2

شهق يزيد شهقة فزع، ومدّ يده سريعًا إلى جيبه، يُخرج منديلاً ورقيًّا، ثم أسند رأس قُصي بكفٍ مرتعشة، في حين قبض بالأخرى على المنديل، وضغط به بقوة على أنفه النازف.


وفي لحظةٍ خاطفة، التقت نظراتهما؛ كانت سوداوتيهِ رغم بهتان لونهما، تختلجُ بالحيرة، فيما كانت عينا يزيد –تلك التي لطالما اتّسمت بالحذر – تنبض الآن بمشاعر غير مألوفة،غير مُتوقعة كانت تمتلئ بالخوف،ليس خوفًا من الدم، ولا من الموقف ذاته وإنما خوفٌ عليه.
1

وللمرّة الأولى في حياته، شعر قُصي بشيءٍ مختلف أنّ هناك من يرتجف خشية أن يصيبه مكروه.
6

ألقى الأكبر لفافة التَبغِ من بين أصابعه، فانطفأت على الأرض ببطء، كما تنطفئ شرارة في صدره ما عادت تقوى على الاشتعال،بدا صوته مبحوحًا، مشوبًا باختناق لم يكن سببه النزيف وحده، بل كأن شيئًا ثقيلًا جثم على صدره فلم يدَع له سبيلًا للكلام.


"محدش بيعملي حاجة."
7

رفع يزيد حاجبيه في دهشة، وأزاح المنديل عن أنفه قليلًا ليتفقد النزيف "يعني إيه؟"


"يعني بدخل أخد شاش ،قُطن،بيتادين، أي حاجة أنا مِحتاجها بس."


تنهّد يزيد مُعيداً المنديل برفق إلى مكانه، بينما تنفّس قُصي من فمه كأنّ أنفاسه باتت ثقيلة عليه.
"ودا ليه إن شاء ****؟"


"مِتوصي عليا جامد"
5

إبتسم قُصي في ختام كلماته، لكنها لم تكن ابتسامة بل ظلّ باهت لشيء إنطفأ منذ زمن،كانت شاحبته تفضح ما حاول إخفاءه، مُتهاوية أمام ناظري يزيد، الذي ألقى المناديل المثقلة بالدم جانبًا، ثم مدّ يده ليسحب أخرى جديدة، يمررها على وجه قُصي المتلطخ بآثار الألم، وهمس بصوت خافت، كأنما يخاطب عجزه قبل أن يخاطب صاحبه




"إنت كويس؟"
5

أومأ له قُصي وقد كان كاذبًا، كاذبًا رديئًا لا يُجيد الكتمان، إذ ارتجفت كفاه في وضوح، وتجلّى في عينيه سوادٌ خاوٍ، كأنما نُزعت منهما الحياة، حُزنه كان فاضحًا، حتى وإن جاهد للحظة أن يُنكره، لم يُفلح، ولم يُرد.


ويزيد لم يحتج إلى تفكير،لم يطلب تبريرًا ولا اعترافًا ،فقط أسقط ما في يده، ثم انقضّ عليه بعناقٍ واسع، احتوى عنقه بكامل الذراع، كما لو كان يخشى أن يتبعثر صاحبه إن أفلت منه.
12

ولم يستوعب قُصى لم يفكّر، لم يقاوم، كل ما فيه كان يتلهّف، يتعطّش، يتضرّع إلى لحظة دفء كالتي إحتوته فجأة،فانزلق بوجهه المحتقن إلى عنق يزيد، كأنما دفن فيه كل خيبته، ذراعاه أحاطتا خصر الآصغر بقوة، يسحب جسده إليه أكثر، وأكثر، وكأنّ في هذا القرب خلاصًا، وكأنّه يودّ أن يتوقّف الزمن، أن يتجمّد الألم، أن تُطفأ النيران داخله بحنانٍ واحد، بحضنٍ صادق.
10

وفي تلك اللحظة لم يكن شيءٌ في العالم يعنيه بقدر ذلك العناق،كانت الحرب في صدره تخبو، شيئًا فشيئًا، مع كل ثانيةٍ من الدفء الذي تسلّل إلى أطرافه رغمًا عنه.


-


كان جالسًا على طاولة مكتبه،بِلا بنطال ،لا يسترهُ سوىٰ قميص أبيض تدلّى على كَتفيه بإهمال يُغرى بالكشف أكثر مما يُخفي ،وساقيه العاريتين ترتجفان بخفوت في هدوء المكان الذي كان يمتلئ بتأوهاتِ رجسة تحتضن أجسادهم،و في يده كوب قهوةٍ دافئ يتصاعد منهُ البخار وقِبالتهُ


جلس الآخر، مُتكئًا على الكرسي، عاري الصدر تتصلب عضلاته تحت الضوء الخافت وجسدٍ رياضيٍّ يفضح العناية والصبر ،لم يكن يرتدي سوى سرواله الداخلي الأسود، فيما كان عابثًا بهاتفهِ دون إكتراث وكأن العالم لا يُهمه في شيء.


لم يطل الصمت إذ وقف يوسف من مكانهِ في خطواتٍ متمهّلة، ثم اقترب منه وجلس بثقلٍ ناعم على فخذيه، وكأن حضوره أمرٌ لا يُناقش، داعب بأنفه أنف الآخر بدلال مفرط، وكأنه يستدرجه إلى عالمه
6

"مش مالي عينك ولا إيه؟"


"مش إتناكت؟حِل عن دماغي"
6

إنفلت صوتهُ حادًا، جافًا، يضرب الهواء بينهما، كان صوته كافياً ليُشعل الحذر في قلب يوسف ذاك الذي شعر بشيء مُضطرب ينهض في صدره فجأة،ومع ذلك إقترب دافعًا قلبه قبل جسده، كأنه يبحث في عيني من أمامهُ عن الطمأنينة التي طالما لجأ إليها، مدّ يده بخفّة، ووضعها على عنقه، همس بصوتٍ رقيق


"مالك يروحي؟"
1

تنفّس الأخر ببطءٍ يشبه الزفير من صدرٍ مثقل، ثم أغلق هاتفه ووضعه على سطح المكتب دون أن يلتفت إليه ثانية وفي تلك اللحظة العابرة، تحرّك يوسف قُربهُ أكثر خشية السقوط، فوجد نفسه بين ذراعي حبيبهُ، محاطًا بقوةٍ لم تكن حنونة، لكنها لم تكن قاسية تمامًا، كانت أقرب إلى محاولة امتلاك، محاولة يائسة لكبح الغضب الذي يتملكه، فأحاط خصره بذراعه، ورفع رأسه


"زبي مكفيك مش كدا؟"


عقد يوسف حاجبيه في دهشة مصدومة من غرابة السؤال، وأومأ بخجلٍ لم يستطع إنكاره ليأتيهِ صوتهُ الحاد مُجدداً


"ولزومه إيه بقا الشرمطة مع الخول اللي اسمه محمد؟"
1

"محمد مين؟"


جاء صوت يوسف مرتبكًا، وهو يُحاول أن يفك الحصار عن خصره، لكن الأخر كان قد أغلق عليه الدائرة، لا يسمح له بالهرب، ولا يمنحه مساحة للنقاش، صوته ارتفع، فاضَ من غضبه


"هنستعبط ولا إيه؟ دكتور الأناتومي، حد شافكم داخلين الحمام مع بعض وطلعتوا بعد نص ساعة. لحق ناكك؟ولا عملتله بلوجوب؟"
1

عند هذه النقطة، أرخى ذراعيه أخيرًا، لكن الخنق لم يكن في الجسد بل في القلب،وقف يوسف أمامهُ ودموعه تُنذر بعاصفة ،كانت عينيهِ مُهتزه مُرتجفة.


"ب.بردو يا ماريوس؟هنرجع تاني لحوار الشك دا؟"
19

"خِف منيكه وأنا مش هشُك"


تراجع يوسف، كمن أُطفئت شمعة روحه دفعة واحدة،أسرع في ارتداء ما تبقى من ملابسه، ودموعه تسابق أصابعه على وجهه، ثم نظر إليه مرة أخيرة، بعينين خاليتين إلا من خيبة الأمل


"يأخي دا أنت مريض نفسي"


ثم خرج وصفع الباب خلفه بقوةٍ إهتزٌ لها سُكون اللحظه،أما ماريوس فبقي مكانهُ ،الصمت حوله كان ثقيلًا والهواء ملبّدًا بشيء لا يُوصف،لم يكن ينوي إيذاءهُ خاصةً بعد قضاء وقت لطيف ،لكنهُ ككل مرة إختار الطريقة الخطأ، الكلمات الخطأ، وكل ما يستطيع فعله الآن هو أن يُخمِد الندم داخله كما إعتاد، بصمتٍ لا يعترف بالاعتذار.


ماريوس لم يكن يجهل طبيعة يوسف، بل كان يعرفهُ جيدًا؛ يعرف كم هو اجتماعي، وكيف يتعامل مع الجميع بودّ وابتسامة لا تفارقهُ كان يدرك أنّه لا يحمل في قلبه إلا نقاءً، وأنّ لطفه مع الآخرين لا ينقص من محبته له شيئًا ،لكنه رغم هذا الإدراك، لم يسلم من الغيرة.
2

كانت غيرة ماريوس قاتلة، مُعميَة لهُ، تُحرّك داخله مشاعر متضاربة لا يستطيع السيطرة عليها، لم يكن يحتمل أن يرى يوسف يضحك مع أحدٍ سواه، أو يتحدث بلينٍ مع من لا يحمل له ذات الحُبّ، لم يكن عقل ماريوس يتجاهل حقيقة يوسف، لكن قلبه لم يكن يتّسع لها.
2














-


عادي يجماعه جداً ماريوس أصغر من يوسف بكتير وهو التُوب عادي جداً مش بالسن و****.
9

علاقتهم تُوكسيك وقد أعذر من أنذر.

كان جالسًا على المقعد البلاستيكي في زاوية الغرفة، يشمّ عبق المطهرات الذي يختلط بآثار دم لم يجف تمامًا بعد، وتتناوب في أذنه أصوات الممرضين وهم ينادون بالأسماء ويصدرون الأوامر القصيرة،أمامهُ جلس قُصي على سرير الفحص والطبيب يضع اللمسات الأخيرة من الضماد على أنفه المكسور، بحركات دقيقة يملؤها الحذر.

1


يزيد كان لا يزال في حالة ذهول من كمية الدم التي رآها، شكّ في البداية أنهُ يُعاني من سيولة في الدم، وهو ما تأكد منه حين أخبرهم الطبيب أن على قُصي أن ينتبه جيدًا في المرات القادمة، لأن أي جرح عميق قد يُعرضه لمضاعفات خطيرة، الخوف تسلل إلى قلب الأصغر رغم صمته،كان يحاول أن يبقى هادئًا لكنه شعر فجأة بأن قُصي أكثر هشاشة مما بدا عليه.

2


لم يسأله حتى الآن عن السبب،لم يفتح فمه ليسأله من الذي تجرأ عليه، من الذي تشاجر معه بوحشية تكفي لتهشيم أنفه بتلك الطريقة البشعة،والأكبر كان يرفض في البداية أن يذهب إلى أي طبيب، خاصة خارج حدود الجامعة لكن إصرار يزيد لم يترك له خيارًا، وها هما الآن، في تلك الغرفة الباردة، بين الأجهزة البيضاء والجدران الصامتة.




يزيد ينظر إليه بصمت وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيهِ وهو يتأمل وجه قُصى الملفوف بالضمادات، ورغم كل شيء ما زال يرى فيه شيئًا يُضحكه؛ ربما تذمر قُصي من الضماد الذي يسد أنفه، أو طريقته في محاولة التنفس بصعوبة كأن الحياة صارت تمر من خيط رفيع لا يكفيه.




خرجا من بوابة المستشفى بعدما كتب لهُ الطبيب مُسكنات قويّة، كتفاهما متقابلان لكن دون كلمات خطواتهما متوازنة، كأنهما يتحرّكان على إيقاعٍ واحد، لا صوت سوى وقع أقدامهما على الأرض الباردة.




الأصغـر وقد لمح الغروب يتهادى خلف البنايات، ابتسم بخفوتٍ لا يعرف له سببًا سوى أنّ لحظة الهدوء تلك بدت له مألوفة ودافئة ،أما قصي فكان صامتًا بدوره، يتّجه نحو دراجته النارية دون أن يلتفت، وإصبعهُ يحكّ بخفة على الضمادة الملفوفة حول أنفه، كأن الألم لا يعنيه أو كأنه لا يعرف كيف يُصغي لجسده حين يئن.




ولوهلـةِ إخترق صوت يزيد الهدوء من حولهما، مرتفعًا، ساخطًا وهو يُبعد كف قُصى
"يا أخي إعتبرني أمك واسمع الكلام.بطل تشد فيها بقا!"




"بحيث كدا رضعني"

12


ضحك قصي بصوتٍ مُمتلئ بالعبث، وهو يعتلي دراجتهُ النارية ذات اللون الداكن،وكأن كلماته سهمٌ أطلقه ليُثير الغيظ وقد نجح، لأنهُ ما إن جلس يزيد خلفه حتى وجّه له لكمةً خفيفة على كتفه، مصحوبة بصوتٍ مرتفع ملأ الأفق "عيل بضان"

لكن الأخر لم يلتفت، إكتفى بابتسامةٍ جانبية،ثم أدخل المفتاح في مكانه ليُدير المُحرك وزئير الدراجة شق الهواء، لا صوت يعلو عليه وفجأة، إنطلقت.




كأن الأرض نفسها لم تكن كافية لاحتوائهما، كأنهما انفصلا عن العالم بثوانٍ، شهق يزيد بفزع إرتسم في ملامحه كضوء برق، ويداهُ بلا وعي تطوّقتا حول خصر قصي بقوةً.




ولسبب ما لم يهدئ الأكبر سُرعته.


بعد وقتٍ مضى بين زحام الطرق السريعة، وضوضاء السيارات التي تُزاحم أنفاس المدينة، هدأت عجلة السرعة أخيرًا، وتوقّفت الدراجة النارية في مكانها، كما لو أنها أخذت أنفاسها الأخيرة بعد سباقٍ طويل.
+

نزل يزيد أولًا، يمدّ جسده المتيبس من طول الطريق، يمدّ ذراعيه كأن الهواء نفسه يُعيد له الحياة،إلى جواره كان قصي يستند بجانب الدراجة، إحدى قدميه تتكئ على الأرض، وعيناه شاردة في لا شيء.


"مش هتقولي إتخانقت مع مين؟"


تكلم الأصغر وهو يُخرج هاتفه يتفقد صورته في الكاميرا الأمامية، يحاول إصلاح خصلات شعره المبعثرة جراء الهواء ،لكن جاءهُ صوت الأكبر على حين غرّة "شكله حلو وهو منكوش."


أخفض يزيد الهاتف ببطء ليلتفت إليه ولم يكن هناك سخرية ولا مزاح ،كان قُصي ببساطة صادقًا.


يُخرج علبةُ التبغ من جيبهِ لكنه أخرج لفافة حشيش مُخدرة إحتضنها بين شِفاهه أسفل تحديقات الأصغر الذي إستوعب أنهُ مدمن على النقيضين، مدمن على النظافة حدّ الهوس، وكأن فوضى العالم لا تليق بجلده،ومدمن على السجائر كأنها الشيء الوحيد الذي يسمح له بأن يلوث نفسه به، بإرادته.


"متعملش زي العيال وتِتوٌه في الكلام"


لم يُجِبْه الأخر، بل اكتفى بأخرج قداحتهُ بإيقاعٍ رتيبٍ كعادته،لكن وقبل أن تلد النار أنفاسها الأولى، إمتدت يد يزيد فجأة، واختطفت القداحة من بين يده المَوشومةِ بخفة المتسلّي، وابتسامة نصر صغيرة ترتسم على شفتيه


"قولي كنت بتتخانق مع مين وأنا أروح أرزعه حُقنة هوا تجيب أجلهُ"
6

وابتسامة خفيفة انسابت على ملامح قُصى، كأنها تسلّلت دون إذنهِ رغماً عنه وهو يتأمل وجه يزيد للحظة أطول مما يليق.


وفي تلك اللحظة، تفتّحت في داخله فكرة كادت تُربكه لم يكن بينه وبين يزيد رصيدٌ من الطفولة، ولا ذكريات يافعة تشدّ أحدهما إلى الآخر،لم يتقاسما فصول المراهقة،ومع ذلك كان يزيد حانيًا بصورة أربكته، دافئًا إلى حدٍّ مُريب.
1



رغم أن حديث الصباح بينهم كان متوشحًا بالجفاء، بل قاسيًا في نبراته،فما إن رأى يزيد جُرح الأكبر، حتى هرول إليه كأن قلبه ذاته قد أُصيب ،احتضنه بلا تردّد، بلا تساؤل، بلا انتظارٍ لكلمات تبرّر، ورافقه إلى المستشفى.
2

ولأول مرة شعر قصي بشيءٍ لم يعتدهُ،أن يمدّ أحدهم يده إليه لا ليمنّ عليه،بل ليحتويه أن يُبصره أحدهم دون أن يطلب،أن يهتم لأمره دون أن يستحقّ.


"طب هات وأنا أقولك"
حدثه قصي بلطف، كأنه يخاطب ***ًا صغيرًا، وهو يُشير إلى قداحته التي في يد يزيد ليُجيب الأخر نافيًا "قولي الأول."


"عادي.واحد مش طايق كسمي كل مانشوف بعض
لازم أرجع بإصابات"ثُم تَخللت أناملهُ في جوف خصلاتهُ الداكنه يُرجعها خلفاً مع مُراقبته للعُقدة التى تكونت بين حاجبيٌ الصغير "بسبب إيه طيب؟"


"مش عارف"
ثم مدّ يده نحو يزيد، ليمرر لهُ الولّاعة،وبالفعل إمتثل الأصغر و وضعها بين كفيةِ، ثم رأى قصي وهو يضع السيجارة بين شفتيه، ويميل برأسه ليشعلها، فتراقصت النيران الهادئة في عينيهِ،وانعكست الأضواء الخافتة على وجهه الجامد.


ومن دون وعي، بدأ يزيد يتفحص ملامح الرجل الذي يقف أمامه،بدأ بخصلات شعره السوداء التي تتلألأ بلطف، إلى عينيه بنفس اللون، لكنها كانت جافة، غائرة، لا تجد فيها بريق الحياة الذي تأمل فيه.


ثم انتقل إلى شفتيهِ، اللتين كانتا تحملان سمومًا مجهولة، تُشعل النار في كل شيء، قبل أن يستقر نظره على يدهِ على تلك الكف الموشومة،و كان تأثيرها عليه كالخطايا التاركةً للندوب.


"عجبتك ولا إيه؟"


مازحهُ وهو يُنفث دخانه برفق بعيدًا عن وجه الأصغر، الذي بدا أن الدماء قد غمرت وجههِ فقد لاحظ أنه يُحدق به، يلتقط تفاصيل جسده،حاول يزيد أن يُبدي ابتسامة رقيقة، وهو يُدلك مؤخرة عنقه في محاولة لتخفيف التوتر.


"الوشم جميل."


همهم قصي وهو يستنشق نفسًا عميقًا من سيجارته، في حين خرج الدخان من فمه كخيوط ضبابية
"بتحبهُ؟"


و أجاب يزيد بإيماءة رأسه "بحب أشوفهُ على الناس.أما إني أعمله؟لأ بخاف"


"هبقا أعملك واحد مُؤقت"
إقترح بعفويةً تامه ينفث دُخانه في الأرجاء ليُحيط المساحة الصغيره بين كِلاهما وقد وجد إيماءة راضيه من يزيد مع بشاشتهِ المُعتاده.


"أخبار مُحاضراتك إيه؟"


"أُسكت"نبس بها يزيد مع حدقتين لامعة واضعاً يُمناه على ذراع قصى"جالنا دكتور إسمه سيف تِنك فشخ.شكلهُ هادي لكن طريقة كلامه تحسسك إن إحنا ولاد كلب واكلين عليه ورثه"
5



وقبل أن يجد قصي فرصة للرد، شقّ سكون اللحظة هديرٌ عميق لمحركٍ قادم من خلفهما، كأنما الأرض نفسها ارتجّت لوقعه،استدار كلاهما في آنٍ واحد، لتقع أعينهما على سيارةٍ رياضيةٍ باذخة، تنساب إلى الجراج بخفةٍ متعجرفة كانت بلون العقيق الأحمر،
ويعلو مقدّمتها شعار الحصان الجامح، ذاك الذي لا يخطئه قلبٌ يعرف الفيراري.
5

وبحقّ كانت تلك أول مرة يرى فيها يزيد مثل هذه المركبات رأي العين، لا على شاشات الهواتف ولا في أفلام الرفاهية، فظل واقفًا في مكانه يُحدق بها بدهشةٍ لم يُخفِها.


توقّفت السيارة في هدوء محسوب، لتفتح أبوابها وتكشف عن رجلٍ طويل القامة، شعرهُ أشقر بلون القمح إذا قبّلتهُ شمس الغروب، وملابسه سوداء أنيقة بلا تكلّف ،ولوهلةِ إستوعب الأصغر أن هذا هو ذاتهُ دكتور سيف الذي كان يتحدث عنهُ مُنذ دقيقة مرّت.
3

"هو دا"
همسَ يزيد وهو يُقارب المسافة بينه وبين قصي، واضعًا يده على فاهه في حركة بدت عفوية، كأنه يمسح أنفهُ و لم يُجبه قصي بل اكتفى بابتسامة جانبية نحتت على ملامحهِ خفةً نادرة، ثم نفث دخانه في خطٍ مستقيم أمامه، يُراقب خطوات سيف الواثقة نحوهم.
2

وهُنا إبتلع يزيد جراء تفكيرهِ بأن سيف قد يكون صديق قُصى؟فتلك البسمة التى تعلو وجههُ وسيرهُ بإتجاههم يُؤكدان أنهُ ليس بعابرِ أبداً.
2

"دخلت السنه بوشك ولا إيه"
صَدَرَ صوتُ سيف جهورياً، يحملُ في طيّاتهِ نبرةَ سُخرية واضحة، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية وهو يُحدّق في ملامح قصي المضمدة
3

ضحك الأخر، وهو يُنفض رماد سيجارتهِ على الأرض دون اكتراث،ثمّ أتاه صوت سيف مجددًا "مع مين؟"


"هو فيه غيرهُ؟"
ثمّ مدّ سيجارته نحو سيف، الذي أخذها منه بصمتٍ تام ووضعها بين شفتيهِ ،أما يزيد فقد تجمّد في مكانه يرمق المشهد بدهشةٍ لا يجرؤ على الإفصاح عنها،إذ لم يكن يتخيّل أن يراه بعينيه؛أستاذ جامعيّ، يتقاسم سيجارة حشيش مع طالبٍ في موقفٍ علنيّ
6

استنشق سيف نفسًا عميقًا، وأطلق الدخان في خطٍّ مستقيم، ثمّ استدار ببطء نحو يزيد "بشبّه عليك"


"في أُولى طب"
أومأ سيف برأسهِ ثم أعاد السيجارة إلى قصي وهو يردف بنبرة تنضح باللا مبالاة
"دُفعتكم هاديه.نوعاً ما"


"طب خِف عليهم يـكبير"
أخذ قصي آخر نفسٍ طويل من السيجارة، ثم ألقاها أرضًا بينما لا يزال يزيد واقفًا في مكانه مُحاطًا بالدهشة،وفي تلك اللحظة وضع سيف يديه في جيبي سترته مُحدقاً نحو ذو الوشوم.
"أبقى خلّص وتعالالي.إشطا"


"إشطا يا بوب."
3

ثم استدار سيف بخطى ثابتة، وغادر المكان متجهًا نحو بوابات الجامعة تاركًا خلفه أثرًا من عبق التبغ وشيئًا من الغموض،بينما ظلّ يزيد واقفًا في موضعه ونظراته تتبع ظهر سيف الذي لم يشبه أيّ مُحاضِر عرفه من قبل.




قصي، في المقابل كان يحرّك الضمادة على أنفهِ بحذر مُلتفتاً نحو الصغير الهادئ
"سيف.أخويا الكبير"
24

تجمّد يزيد لوهلةِ فقد كان يدعي ألا يكون صديقهُ!
بات شقيقهُ!،قبل أن تنفجر ضحكته عالية وهو يربت على كتف قصي غير مصدّق "متهزرش معايا"
2

وفي المُقابل نفى الآخر وهو مُستمر في ترتيب الضمادة كأنّه لم يقل شيئًا يُثير الدهشة،لكن يزيد
لازال يعاني من الصدمة ففكرة أن يكون سيف الهادئ الأنيق، هو شقيق هذا الفوضويّ الموشوم؟


بدت له كأنها مزحه لم تُروَ بعد نهايتها.


"أحا بجد.مش شبه بعض بنكلة!!"


"أخوات من الأب"
نبس قُصي يسيرُ بخطًى وئيدة، واضعًا كفّيه في أعماق جيوبه كأنما يتكئ على صمتهِ أكثر مما يتكئ على الأرض، إلى جواره كان يزيد يُحاذيه في خُطاه وما زال الذهول يعتلي ملامحه كغشاوةٍ شفّافة، لا تُخفي دهشته بل تزيدها وُضوحًا.
8

لم يكن بينهما حديث، لكن الصمت لم يكن قاسيًا
بل بدا كأنّه صداقة وليدة، لا تحتاج إلى الكلمات لتزهر كان صمتًا دافئًا، يُشبه طمأنينة المساء بعد ضجيج النهار.
1

وكان الممر الطويل الذي يقود إلى سكن الفتيان، يمتد أمامهما كأن لا نهاية له،ورغم خطواتهما البطيئة لم يكن أحدهما يرغب في الوصول سريعًا.


-


كان يسير في الممرات الهادئة، تلك التي تُضاء بمصابيح خافتة تُلقي ظلالًا طويلة على الجدران، لم يكن ثمة أحد فالمساء قد حلّ، وانتهت المحاضرات وعاد الجميع إلى سَكنهم أو خرجوا.


تنهد بمللٍ ظاهر وقد وقف أمام الباب الكبير، ذاك الباب العتيق المحفور عليه اسم المدير بأحرفٍ نحاسية لماعة، وكأنّها تتفاخر بثقل من يقبع خلفه رفع يده وطرق عدة طرقات ،لحظاتٌ فقط حتى جاءه الردّ من خلف الباب بصوت رجوليٍ هادئ.


دخل سيف الغرفة بخطى هادئة يخلع معطفه الطويل بحركة رتيبة، ثم علّقه بعناية على ظهر أحد الكراسي وفي الداخل كان عميد يجلس خلف مكتبه، يرتدي نظارته ويغوص في تلاوة من المصحف الشريف، يتلو الآيات بصوت خافت، مسترسل.
19

وحين شعر بدخول إبنهِ، أنهى الآية بهدوء ثم أغلق المصحف بإجلال، واضعًا يده عليه لحظة قبل أن يرفع عينيهِ نحو سيف المُتسائل
"مرجعتش البيت ليه؟"


"كُنت قايم أمشي"
نبس بها الكهل وهو يُزيل نظاراتهُ ضد المكتب والآخر همهم مُسنداً ظهره إلى الكرسي


"هتبطل ضرب في قصي إمتى؟"


ولم يأتِه جواب،فقط نظرات الوالد التي لا تُقرأ، ولا تُفسَّر لـيتابع "إنت راجل كبير مش جاي أعرفك الصح من الغلط ،و معلش في الكلمه بطل تبضن عليه مش هيبقى انت والدنيا"




إنفجر عميد في ضحكةٍ صاخبة، تنمّ عن سخريةٍ لا تخفى، محدّقًا في سيف الذي ظلّ جالساً قِبالتهُ بهدوئه المعتاد وبسمتهِ المُستفزة
"مقولتش نكته ياوالدي"
2

"فيه دكتور جامعي مُحترم يقول تبضن عليه؟"
سخّر وقد هدأت قهقاته وهو ينتصب واقفاً لإرتداءِ
جاكيت بدلته أمام سيف الذي مدّ يده بهدوء والتقط معطفه ليقف بجوار والدهُ
4

"محدش قالك إني محترم.أنا ردٌ سجون"
12

ثم سار مبتعدًا بخطى هادئة، يسلك المنعطف الأيمن دون أن يلتفت، بينما ظل الكهل في مكانه يتنهد بصوتٍ عميق، ثم غادر المكتب هو الآخر لكنه سَلك المنعطف الأيسر.


تابع سيف سيره بخطى بطيئة حتى غادر المبنى الإداري، وعبر الساحة المؤدية إلى الحديقة الواسعة التي تفصل بين سكن الفتيان والفتيات،كانت نسمات المساء تتسلل بخفة، محمّلة بعطر الأشجار وأصوات متفرقة للطلاب المتجمّعين هنا وهناك يضحكون ويتبادلون الأحاديث العابرة.


أخرج علبة السجائر من جيب معطفه، سحب واحدة منها، وأشعلها بهدوء ليستنشق الدخان الساخن بعمق وكأن صدره اعتاد هذا الاحتراق، ثم أطلقه ببطءٍ في الهواء، وخضراوتيهِ تتجولان بتروٍ في أرجاء المكان.


بدا كأنه خارج المشهد رغم وجوده فيه، حتى شعر بلمسةٍ مفاجئة على كتفهِ فاستدار بسرعة خاطفة، عيناه تلتمعان بتحفّزٍ فطري، ليقابل وجه يوسف الذي تجمّدت ملامحه من الصدمة وقد رفع يديه في الهواء كمن يُسلّم نفسه.


"خضّتني!"
4

"إنت اللِ أهطل وجاي من ورايا"


وقد نال جزائهُ لكمةً من يوسف على ظَهرةِ، ثم دفع نظارته إلى أعلى أنفه بضيقٍ خفي، يُراقب تعبير سيف الذي وسّع عينيه بمبالغة، واضعًا السيجارة في فمه بينما تمسّك بموضع الضربة على ظهره كأنها كانت طعنة قاتلة، يبالغ في ردّة فعله بدرامية واضحة.


لكن لم تمضِ سوى لحظة، حتى تبدلت ملامحه فجأة وقد ضاقت عيناه وهو يتأمل حدقتى يوسف ذاتِ الإحمرار الواضح "كنت بتعيط ولا إيه؟"
4

نفي الآخر بقوةٍ وهو يُزيل نظارتهُ يفرك عينيهِ الدموية وقد كان سيف مُحقاً فالآخر ظل يبكي لمدة ساعه كاملة " شوية إرهاق"
1

همهم الأطول وحقيقةً لم يقتنع بتلك الإجابةِ لكنه فضّل الصمت عوضاً عن التدخل في أمور الآخرين ،
نفث سيف الدخان ببطء ودق السيجارة بأطراف أصابعه ليتساقط رمادها فوق العشب الأخضر، قبل أن يعود بعينيه نحو يوسف، يتأمله من خلف نظارته التي أعاد ارتداءها.
2

"أخبار سيشنز قُصي إيه؟"


زفر يوسف زفرة خفيفة، ودسّ يديه داخل جيوب الهودي قبل أن يجيب




"و**** يا سيف، قُصي ساعات بيكون بارد فشخ، وساعات تانية لو اتنفست جمبه ممكن يكسرلك دماغك. مزاجي بشكل مرعب ،لكن المشكله مش هنا ،المشكله لو فيه أعراض PTSD (إضطراب مابعد الصدمة)هيكون عُرضة بطريقة غبيه إنه ميعرفش يسيطر علي مشاعرهُ الطبيعية مش الغضب بس"
3

"وإنت قُولتله إيه؟"


"قُولتله حاجات كتير يلتزم بيها..إنه يقف خمسه كدا قبل ما ياخد رد فعل إتجاه حد،و يتنفس كتير لما يحس بمشاعر سلبيه ،بسThank God شخرلي قبل مانخلص السيشن"
13

أبعد سيف السيجارة من بين شفتيهِ ضاحكاً بصوت منخفض فيما إبتسم يوسف أيضًا
"متعرفش عنده مُزه ولا لأ؟"
1

أجاب سيف بنفي سريع، دون تردد، وكأن السؤال لا يستحق الإجابة "ودا يفرق في إيه؟"


"أحا.يفرق فشخ"
ثم أخذ يوسف السيجارة من يد سيف، وقام برميها على الأرض في حركة متسرعة، لا لشيء سوى أنه كان قد سئم من رائحة الدخان الكريهة، وبالأخص بعد أن انتهت السيجارة تمامًا مُكملاً


"الأحضان واللمس الجسدي بيساعدو في إفراز هرمون'الأوكسيتوسين' اللِ هو هرمون الأمان ودا بيحسن المود عامةً، وبعيداً عن هبد العِلم وبتاع ،
الأحضان سواء كانت عادية أو في السكس فـهى بتهدي الجهاز العصبي وبتخفف التوتر "
7

"وأنا بقول مُودي مش متظبط ليه.أتاريني عايز أنيك"
4

تكلم سيف بهدوء مُرتباً معطفه بعناية فوق جسده، بينما يوسف الذي كان يسير إلى جواره، لطّم كتفهِ العريض "يساتر.إقفل البلاعة دي كان شكلك حلو وإنت ساكت"
وحينها سمع ضحكةِ خافته من الأشقرِ الذي حاذاهُ سيراً.
8

-


١٨+


"آ.آه"
تأوه بِألم جامح مِمن يخترق دَواخلهُ بقوة جعلتهُ يُصارخ ألماً،أحكم القبض على الملائةِ البيضاءِ وعيناهُ مُغرغرة بالدموعِ يشعر بجزئه السُفلي يتم هتكهُ.


"أهخِ،متشدش يامالك"
زمجر كريم بقوةِ وهو يُمسك بيِمناهُ كِلتا يدي مالك يُثبتها فوق وجههِ المُصطبغ بالأحمر ،إنحنى الأكبر بصَدرهِ قُرب أُذن مالك مما أدي إلى ولوج قضيبه كاملاً وبقوةِ هامساً


"زبي ماليك يقطه"
1

همس بقذارةِ لمن أسفلهُ وهو يدفع بهِ مراراً وتكراراً إلىٰ أن رأى ملامح مالك والنشوه تَعلوها
"ه.هنا يـروحي آهه"


تأوه بنعومةِ حينما إخترق كريم منطقتهُ بمهارةِ
حاول تحرير كفيهِ من قبضة الذي ينكحهُ بقوه لكن الأخر شدّ عليه يُثبتهُ
"سمعني آهاتك وحبيبك جواك"




أدار مالك عيناهُ للخلف إلى أن إبيضت من فرط مايشعر بهِ من نشوةِ "أ.هه كماان" همس بها مُحركاً نصفهُ السُفلي ليخترقهُ قضيب الأخر بقوةٍ أرادها.


تأوه كريم بِعمق يستشعرُ دفئ تلك الفتحة التي تحتضن ذكوريته بنهم شديد وقد حرر أيدي الصغير أخيراً الذي إحتضن كريم بقوةِ يتأوه بـعُهر شديد.


"يـروحي ق.قربت"


وحينما سمعهُ الأكبر يتأوه بتلك الكلماتِ فقد خفف من وتيرة دفعهِ جاعلاً إياها بطيئةِ إلى أقصى دَرجةً
، وإبتسم بقذارةٍ حينما لمح جسد مالك يتحرك بسرعه أسفل قضيبهُ "عايز إيه؟"


"نكني جامد يحبيبي.عايزك جوايا أكتر"
2

تأوه مالك بـرقةّ يحاول إستعطاف كريم الذي ينكحه بوتيرةِ بطيئة وهو يبتغيهِ كاملاً بقسوةِ ،وفجأة شهق
الأصغر عندما حملهُ كريم وإستند هو بظهرهِ ضد حافة السرير ليجعل من مالك جالساً فوق قضيبه المُنتصب.


"نيك نفسك يقطه"


همس بها الأكبر وقد صفع مُؤخرة مالك التى إهتزت وقد إبتسم الأصغر بوسعِ وهو يُقبل شِفاه كريم الذي أعاد صفع مُؤخرتهِ بقسوةِ يُحبها مالك ،وقد إرتفع الصغير نسبياً لكي يُدخل ذُكورية حبيبهُ بداخله مجدداً


لكن طرقًا عنيفًا على الباب قطع لحظتهم الحميمية، مما أفزع الصغير وجعل كريم يعتدل في جلسته رافعًا صوته الجهوري "مين؟"
1

"أنا حُذيفة يعرص.مدير السكن بيمُر على الأوض"
1

تبادل مالك وكريم النظرات بسرعة، قبل أن ينهض مالك ضاحكًا وهو يسارع بارتداء ملابسه، بينما ألقى كريم نظرة متضجرة على قضيبهِ المنتصب، قبل أن يتنهد ويبدأ هو الآخر في ارتداء ثيابه متجاهلًا انزعاجه الواضح.


خرج الاثنان من الغرفة ليجدا حذيفة واقفًا، مستندًا إلى الحائط وفي فمه مصّاصة ذاتِ لون بُرتقالي، إرتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة حين وقعت عيناه على ملامح كريم المتجهمة، ولم يفوّت الفرصة ليضحك بخفّة مستمتعًا بذلك الضيق البادي عليه.
1

"كُنتم بتعملوا واحد ولا إيه"


"صدقني.مزاجهُ مش هيتحمل بضنتك"
نقر مالك بخفة كتف حذيفة، الذي لم يُبدِ أي رد فعل سوى إشارة عابرة وهو يفتح هاتفهُ ثم تقدّمهم، بينما تبعه الثنائي خلفه، كان مالك يحاول التخفيف من تجهم حبيبه، يهمس له بكلمات ناعمة ويضفي بعض المزاح الخفيف، وكأنّه يرمم ما أفسدتهُ لحظتهم الحميميه.


مرّوا بالفعل بمدير السكن، الذي كان يتنقّل بين الغرف بنظرات صارمة، يتفحّص النظافة ويبحث بعينٍ خبيرة عن أي أثر لممنوعات أو أشياء مشبوهة، مما جعل الجميع يتحرك بحذر.




وحين وصل الثلاثة إلى قاعة الطعام، كانت رائحة العشاء قد بدأت تملأ المكان، وقد تلقّوا رسالة من قُصى يخبرهم فيها أنه ينتظرهم في الكافتيريا، فقرّروا تناول العشاء سويًا، على أمل أن ينتهي هذا اليوم المُ*** ببعض الدفء.


توجهوا بخُطى متباطئة نحو الطاولة المُنعزلة في نهاية القاعة، تلك التي لا يجلس عليها سواهم، وقد كان قُصى جالسًا في مواجهتهم، بهيئةٍ غير مألوفة، يرتدي الأبيـض ويحمل بين أنامله عبوة ريدبول يرتشف منها بهدوء.
1

وأمامه جلس شخص يُعطيهم ظهره، يحتسي عصير البرتقال ويبدو مندمجاً في حديثهِ ،خلع حذيفة معطفه الثقيل الذي كان يرتديه، فالجو داخل القاعة كان دافئًا على غير العادة وتمجلس بجانب قُصى بينما عيناه تنزلقان نحو الضمادة التي تغطي أنف الأخر


نظراته غير راضية تمامًا، وكأنها تُعاتبه بصمت، كان قد رآه قبل أربع ساعات فقط ووقتها حذيفة كان مستعدًا يفرّغ فيه غضبه لأن قُصى تجاهله تمامًا ولم يُراسلهُ حتى في وضعِ كهذا ،و كريم لم يُفوت الفرصة لينفجر ضاحكًا وهو يشير إلى شكل قُصى الغريب بالضمادات
1

أما حالياً فقد تقدّم مالك بخطى هادئة، صافح يزيد بابتسامة خفيفة قبل أن يجلس إلى جواره، تاركًا المقعد الآخر لكريم الذي جلس بجانبه، حيثُ كان ثلاثتهم يوجهون ظُهورهم لباب القاعةِ والعكس مع قصى وحُذيفة.


"ياسفاح الأندر إيدج"


ضحك حُذيفة يأخذ الريدبُول خاصة قُصى مُرتشفاً وقد أدار مالك عيناهُ وهو يستند على كتف كريم من سُخرية حذيفة ضِد يزيد التي لم ولن تنتهي،وسُرعان ما ألقىٰ عليه كريم مفاتيح سيارتهُ بإتساع مللهِ ليتفادها حُذيفه بخفة لكنها إرتطمت بـعبوة الريدبول في يده ،فأنسكب المشروب البارد على قميص قُصى الأبيض.


"وديني عيل متنااك"


سبّ قُصى بحدة وهو ينهض من مكانهِ، مما زاد من ضحك الثلاثي الجالس بجوار بعضهم،اقترب قُصى من حذيفة بخطوات متسارعة، بينما الأخير وقف فورًا رافعًا يديه في وضعية استسلام بريئة، يتراجع بخطوات خفيفة إلى الخلف محاولًا كبح ضحكته.


وفي رمشة عين إستدار حذيفة وبدأ بالجري، ضحكته الصاخبة تشق سكون القاعة وتلفت الأنظار نحوهم مع قُصى الذي لحق به يركض بسرعة وملامح الغضب الممزوجة بالضحك على وجهه، وقميصه الأبيض المبتل يلتصق بجُثمانه.


"وأنا داخل كُنت مفكرك قُصى"


ضحك مالك بمرح مُراقباً الثنائي يختفيان عن الأنظار خارج القاعة، فتنهيدة خفيفة أفلتت منه وهو يلتفت ليزيد، الذي ارتشف عصير البرتقال بهدوء وعُقد حاجباه دون أن ينبس بكلمة


"أصل هو دايمًا تلاقيه قاعد القعدة بتاعتك كده، لابس الهودي وساحب الكابيشو على دماغه"


رسم الآخر بسمةً وادعة على شفتيه،ثم وضع الكوب الفارغ على الطاولة برفق، وأشار بكفّه نحو كريم الجالس في صمت عاكفًا على شاشة هاتفه، كأنّما يسأل بعينيه -ماله؟
1

مالَ مالك نحوه، وهمس في أذنه بنبرة خفيضة
"هبقا أقولك لما نرجع الأوضه"
أومأ يزيد إيماءة خفيفة ثم مدّ يده بهدوء، وانتقى شريحة من رقائق البطاطس من الكيس الذي كان بين يدي مالك.


ولحظاتٍ قليلة، شقَّ القاعةَ طالبانِ دخلا بخطًى واثقة، وقد امتلأت قاعة الطعام نسبيًا بأصوات الطلبة وضجيجهم ،تقدّم أحدهما بخطًى رخية مرتديًا قميصًا صيفيًا خفيفًا يتناقض مع برودة الشتاء التي تُغلف المكان، تتدلّى على صدره سلسلة فضيّة تأخذ شكل الجُمجمة ، تتلألأ تحت الإضاءة الخافتة، وفي يده مضرب بيسبول يُؤرجحه بتكاسل كأنما يقتل به الوقت.
1

أما الآخر، فكان يسير بمحاذاته يمضغ علكة ببطء، وعلى وجهه ابتسامة صفراء لا تطمئن، وقد أشار بذقنه نحو الطاولة المنعزلة في طرف القاعة، قبل أن يغمز لصاحبه بتأكيد نحو هدفهم المطلوب.
1

تقدَّم صاحب مضرب البيسبول بخطى بطيئة وابتسامةٍ عريضة تفترش وجهه، كأنّه على موعدٍ مع عرضٍ طال انتظاره،كان يُمسك المضرب وكأنّه امتدادٌ لذراعه يتراقص بين أصابعه بخفة، ثم ثبّته في قبضته بإحكام وهو يُنادي بصوت جهوري اخترق ضوضاء القاعة


"قُصى!"
1

في لحظة، وبدون تردّد هوت العصا المعدنية الثقيلة فوق رأس يزيد بقوّةٍ همجية، صوت الضربة تردّد صداه في القاعة كطلقةٍ مفاجئة، وجمّد الدم في عروق من شهدوا المشهد.
15

إرتعد مالك في مكانه واتسعت عيناه بفزع، بينما اندفع كريم واقفًا يُحدق بالفاعل غير مُصدق الفِعل ،


أمّا يزيد، فكان قد همّ بالاستدارة، ليُنكر أنه المعني بالنداء لكنه لم يُكمل.
6

شعر بشيءٍ دافئ يتسلل من أنفه، وبصره بدأ يضطرب، الضباب يتكاثف في عينيه، وأنفاسه تتقطع، مدّ يده في محاولةٍ يائسة نحو مالك الجالس بجانبه، لكنها لم تطاوعه، لم تُرفع.


وفي ثوانٍ، هوى جسده كورقةٍ ذابلة، ليغرق في غيبوبةٍ مفاجئة، غير مدركٍ لما يدور حوله.


"بقولك هو أصلاً نوعه جِيرمن بس أنا عايز أجيب دُوبيرمان"

3


تكلم قُصى بهدوء يقترح على حُذيفة الذي أومئ وهو يُبعد كيس رقائق البطاطس عن مُتناول يد قُصى الذي أخذ واحده رغماً عنهُ وهم يدخلون قاعة الطعام من جديد لإكمال عشائهم الذي لم يبدأ بعد.




ولوهلةِ توقف الإثنين بتعجبُ إستبد أوصالهم جراء الوجوم الذي خَيّم أرجاء القاعةِ والسُكون الثقيل الذي إنزاح ببطء حين خطا قُصى خطوات سريعة نحو التَجمع وتتبعهُ حذيفة وقد ألقى بكيس الرقائق على الأرض دون إكتراثِ حين وقعت عيناهما على المشهد قبالتهم.




كان كريم واقفًا الدم يقطر من أنفه وشفتيه، يمسحه بلا اكتراث بكُمّ سترته، وعيناه تحدّقان بثبات إلى الأمام كان في نظراته إحتقار وابتسامة ساخرة ترتسم على وجهه كأنما يقول - دا كُل اللِ عندك؟

3


أما الذي وقف في مواجهته، فكان مُنهك الملامح، ووجهه يحمل آثار اللكمات المتعددة، شفتاه متورمتان، وجانب وجهه يحمل ظلال كدمة حديثة.

1


وكان بينهما سيف، واقفًا في المنتصف بوجه جامد كالصخر، ملامحه خالية من الانفعال، إلا أن عينيه المتسعتين بخطورة كانت كفيلة ببث الرهبة في النفوس.




وحقيقةُ الأمر أن قصي لم يحتج أكثر من نظرةٍ واحدة ليُدرك من ذلك الواقف في قلب الضوضاء وقد كان مَاجد ،وبين الإثنين عُنف وعداوة غير مُبرره ، علم قصي على الفور أن وجوده هنا لم يكن محض صدفة، بل لغايةٍ خبيثةٍ لا تختلف عن سابقتها،كان ماجد دومًا يسعى وراء الفوضى، خاصةً حينما يتعلّق الأمر بـ قُصى شخصياً.

1


ومن فرط الغضب، كاد قصي أن يهرع إليه لينهال عليه ضربًا، لولا أن وقف سيف أمامه بثبات حاجزًا طريقه وهمس له بصوتٍ عميقٍ لا يسمعهُ سواه




"وديني وما أعبد إن إتعاركت مع العرص دا وقليّت من نفسك لأكون أنا اللِ مدشملك الباقي من وشك"

5


سكنت الكلمات في صدر قصي كصفعة وتجمد مكانه للحظة، ثم رأى سيف يبتعد عنه بثقةٍ باردة، وهو يومئ لحذيفة إشارة سريعة، مفادها -خرجه من هنا

2


ولم يُجادل حذيفة، بل أمسك بذراع قصي في محاولة لتهدئته وسحبه بعيدًا.




أما سيف، فالتفت بعدها نحو كريم، وكان صوته هذه المرة منخفضًا "برا يا كريم."


فأومأ كريم دون اعتراض، وهو يمسح الدم عن أنفه للمرة الأخيرة، ثم التفت نحو مالك وسحب يده ليُغادر معه ،كان مالك يسير بصمت، بعينين مغرورقتين بالدموع لم يُحاول حتى أن يُخفيها.
+


وفي النهاية وقف سيف وجهًا لوجه مع ماجد، الذي بدا متألمًا بشدة من آثار لكمات كريم، فرفع الأخير بصره في محاولة لتبرير نفسه، لكن سيف قاطعه قبل أن ينطق


"قُدامي.على نائب المدير."


"بس أنا-"


"ما بكرّرش كلامي."
3

لم يجد ماجد ردًا، فاكتفى بالتنهيدة والانصياع، وسار سيف أمامه بينما تبعه ماجد وصديقه الذي لا تزال ملامح الغضب مطبوعة على وجهه، وقد ساد القاعة صمتٌ خانق.
6

وفي الخَارج جذب حذيفةُ قصيّ بقوةٍ ظاهرة، مُمسكًا ذراعه بإصرارٍ بينما نظراتُ قصيّ لا تزال معلّقةً على المشهد المتناثر أمامهُ على ماجد المُبتعد رفقة سيف، بينما مالك يمسح أنفهُ المُحمر جوار كريم الذي يُربت على ظهر صغيرهِ كأنهُ يُهدهده
يزرع فيه طُمأنينةً لم يُبدها على نفسهِ.


حاول قصيّ أن ينتزع ذراعه من قبضة حذيفة، غير أنّ الأخر شدّ عليه بقوة فهتف قصيّ بنبرةٍ عالية
"يعم هشوف كريم"


اقترب منه مُحدقاً في وجهه بقلقٍ جلي، وعيناه تتفحّصان ملامحه وقد اغتسل بعضها بالدم.
"تمام؟"
4

أومأ كريم مبتسمًا، إبتسامة خافتة لا تخفي الألم، فيما كان مالك يمسح دموعه، وكأن ما جرى أوجعهُ هو.


كان قصيّ على وشك أن يتكلّم، أن يقول شيئًا، لكنّه تجمّد فجأة كأنّ فكرة ما ضربته بعنف،جال ببصره حول القاعة سريعًا، يبحث عن شخص ما ثمّ تلاشت نظراته، كأنّه أدرك الغياب.


"يزيد رجع أوضته؟"


سألهُ قصي بهدوءٍ، فلم يُمهله مالك فرصةً حتى أجاب سريعًا وهو يُشير نحو الجهة التي اتجه إليها ماجد بإنفعالِ "العلق ضرَبه على دماغه عشان فاكره إنت لدرجة أنه أُغمى عليه"


وفي تلك اللحظة، راودت حذيفة رغبة عارمة في أن يصدم رأسه بالحائط، ومعه رأس مالك في ذات الضربة، إحباطًا مما سمع لكن خلافًا لما توقعه الجميع،ردّ قصي بنبرة هادئة على نحو مدهش، دون أي تغيّر يُذكر
4

"حد من التمريض خَدُه؟"


أومأ كُلاً من كريم ومالك في اللحظة ذاتها، وكأنّهما يتفقان دون تنسيق، ليُربّت قُصى على ظهر كريم بلطف "طب تعالَ نروح عشان وشك دا"
7

تقدمهم بخطواته الهادئة، بينما التحق الثلاثة به في صمتٍ مريب، يسيرون خلفه نحو المبنى الطبيّ، كأنّ الصخب الذي سبق تلك اللحظات لم يكن إلا ظلًّا ثقيلًا انسحب بهدوءٍ عن المشهد.


دخل قصي المبنى الطبي، وخطاه تتقدم بثبات بينما أصدقاؤه يتبعونه بصمتٍ ثقيل ،مالك أسرع بأخذ كريم من ذراعه، يوجهه نحو غرفة الإسعافات الأولية ورغم محاولات كريم المتكررة لطمأنتهِ بأن ما حدث لا يستحق هذا القلق، كان الإصرار بادياً في عيني حبيبه.




وفي حين إنشغل الاثنان، إتجه قصي نحو مكتب الإستقبالِ، نيته كانت واضحه أن يسأل عن مكان يزيد ،لكن صوته لم يخرج،فقد استوقفه صوت حذيفة الذي ناداه من الطرف الآخر للممر، مشيراً بصمت إلى بابٍ مفتوح قليلاً يقف بجانبه.


تقدم بخطواتٍ ثابته، يدهُ الموشومة دفعت الباب المفتوح برفقٍ مُتعمَّد فلم ينتظر إذنًا، فقط دخل وكأن دخوله أمرٌ مُسَلَّم به، خلفهُ تبعه حذيفة بصمتٍ مقلق يختبىء بين نظراتهُ


وبداخل الغُرفةِ الهادئه كان يزيد جالسًا على السرير، يحدّق في كيس المحلول المعلّق بجانبه، وما إن وقعت عيناه على قصي حتى ارتسمت على شفتيه إبتسامة لطيفة كعادته، الأمر الذي أثار تعجبهُ؛ فكيف له أن يبتسم بهذه البساطة، وهو مَن فقد وعيه منذ لحظات بسبب خطأ لم يرتكبه؟
4

إقترب قصي من السرير وجلس إلى جواره دون أن ينبس بكلمة، فيما ظلّ حذيفة واقفًا في مكانه، يتأمل وجه يزيد بقلقٍ خالٍ من سخريته المعتادة
"حاسس بوجع في دماغك أو حاجه؟"


أومأ يزيد نافيًا، إلا أن حذيفة قاطعه سريعًا وهو يلتفت نحو الباب "هَجبلك حاجه تاكلها" ولم يمنح له فرصة للاعتراض، إذ غادر الغرفة على الفور.
1

"آسف"
1

همس بها وعينيه مثبتتين على يده المتشابكة، يتفحص وشومه كما لو أنه يراها لأول مرة،كأنها تذكره بتلك اللحظات التي جعلته يشعر بالضياع، كانت نبرته هادئة جدًا، تحمل في طياتها شعورًا ثقيلًا بالذنب.


"أنا حقيقي زي الفُل.الدكتور قالي إن الضربه معملتش أي مضاعفات ولا نزيف والحمدلله مش حاسس بوجع"
5

أفصح يزيد بصوت هادئ ومريح، وكان صوته خفيفاً يحمل في طياته شعوراً بالراحة،ثم ربت على السرير في المكان الفارغ بجانبهِ "تعال."
4

رفع قصى سوداوتيهِ و إلتقتا بتلك العيون العسلية التي لا تخلوا أبداً من اللمعان، كان شيئاً في تلك العيون يجعل قصى يشعر بنوع من الطمأنينة التي كان يفتقدها.


لم يستطع رفض الدعوة البسيطة تلك، فخلع حذاءه وسار ببطء حتى جلس بجانب يزيد، فكانت أكتافهما تلامس بعضها البعض.


"أنت كويس؟"
6

سأل يزيد، و يده تتحرك برفق على الغطاء الأبيض الذي يغطّي جسده، ثم وضعه بعناية على جُثمان قصى، وكأنما كان يطمئن عليه بتلك اللمسة اللطيفة.


همهم قصى برفقِ وهو يميل برأسه إلى الوراء، عينيه تتفحصان رأس يزيد بحذر، متأكدًا من أنه لا يوجد أي جرح أو أثر لإصابة عميقة، وبالفعل لم يجد شيئًا يستدعي القلق، فتسلل إليهِ شعور من الراحة اللحظية.




"مين دا؟"
سأل يزيد، وهو يُرجع ظهره للخلف مستندًا على السرير، بينما كان كتفه مُرتخي فوق كتف قصي الذي كان مستندًا هو الآخر على الحائط، ورأسه مرتكزًا عليه.
2

"ماجد.واد أهطل كدا مفكرني شايف نفسي عليه"


"وأنت فعلاً كدا؟"
سألهُ مجدداً بصوت منخفض وهو ينظر لملامحه عن قُرب والذي لم يتوقعه حقاً هو حركة قُصى المُفاجئة لـرأسهِ ليواجهه مباشرة نحوهُ، وسوداوتيهِ تلتقيان بعيون الآخر، إندهش الاثنان من القُرب المفاجئ بينهما لكن النصيب الأكبر كان لـيزيد الذي تنفس ببطء مُبتلعاً كلماتهُ
1

بينما كان قصي يُحدق نحو شفاههِ الوردية بوضوح وَقح ثُم رفع عيناهُ هامساً
"أنا مش شايفهُ أصلاً."
3

تبسٌم يزيد وهو يزيح وجهه عن وجه قصي القريب منه، محاولًا إخفاء التوتر الذي إرتسم في قسماته، وعسليتاه إنسلتا نحو يده الموضوعة فوق الغطاء الأبيض الذي يتشاركانه بصمت،عمّ السكون بينهما للحظة قبل أن يقطعه يزيد


"هتتخانق معاه؟"


كان يزيد صادقًا في سؤاله، يعلم تمامًا أن قصي لا يمكن أن يظل بذلك الهدوء، ويوقن يقينًا لا يخالطه شك أن ماجد سيجد نفسه في ورطة قريبًا، لكن قصي أجابه ببساطة


"أنا؟لأ طبعاً"
9

وهُنا ضحك يزيد وشاركهُ قصي بإبتسامة، كلاهما يعلم أن الآخر يُدرك الحقيقة دون أن يُصرّح بها، يزيد يعلم أن قصي يكذب، وقصي يعلم أن يزيد يُدرك هذا، لكن لم يكن بينهما حاجة للكلمات.


تثاءب قصي واضعاً يده على فمه، وبينما الصمت يخيّم، إنفتح الباب فجأة ودخل حذيفة بسرعة أزعجت السكون وأفزعت يزيد الذي انتفض بخفة وهو ينظر نحو الداخل، ألقى حذيفة كيسًا يحتوي على رقائق وبسكويت وعصائر، ثم صاح بنبرة عابرة "تصبحوا على خير"
أغلق الباب خلفه وغادر دون انتظار رد.
5

نظر قصي إلى يزيد ثم أشار إلى رأسه بحركة صامتة تعني بوضوح -أن حذيفة أهبل.


أخذ قصي الكيس وبدأ يفتحه بهدوء، ثم أخرج كرواسون بالشوكولاته الداكنه، نزَع غلافه ومدّه ليزيد، لكنه حرّك رأسه نافيًا
"عندي حساسية من الشوكولاتة."
3

إكتفى قصي بالهمهمة وأخذ قضمة منه، ثم أخرج بسكويت ليتفحّص نكهتها بعينيه قبل أن يفتحها، وقد كانت بنكهة الفانيليا، ناولها ليزيد الذي قابلها بابتسامة راضية.


ثم أخرج عصيرًا طبيعيًّا بنكهة البرتقال، وقدّمه للأصغر قبل أن يعود إلى وضعه المسترخي، مسندًا ظهره إلى الحائط، منشغلًا بإنهاء ما تبقى من الكرواسون.




"بتحب الكلاب؟"
سأل قصي وهو يعتدل في جلسته مجدداً ليُخرج من الكيس زجاجة ماء معدنية وفتحها، منتظرًا إجابة الأصغر الذي ابتلع مافي فمهِ قبل أن يردّ
"بحب القُطط أكتر"
3

"كان ممنوع في الدار أننا نربي حيوانات أصلاً.عشان كدا متعاملتش مع الأتنين،لكن كـحُب أنا بميل للقطط"


أنزل قصي الزجاجة من فمه بعد أن ارتشف منها قليلًا "كان عندي قُط بس مات"
1

"كان تعبان؟"


نفى قصي بإشارة من رأسه، ثم رفع الزجاجة من جديد ليأخذ رشفة أخرى، وأغلقها بعدها واضعًا إياها على الطاولة الصغيرة بجوار السرير
"كنت بمرّ بفترة مش أحسن حاجه.وبعدت عنه حوالي شهرين ولما رجعت لقيته مات"
3

"وإنت بقيت كويس حالياً؟"
1

سأل يزيد بهدوء وعيناه تُراقبان وجه قصي المتجمّد للحظات، قبل أن يهمهم بإيماءة صغيرة دون كلام، أخرج من جيبه علبة سجائره كمن يفعل ذلك دون تفكير، مجرّد عادة تلقائية.


لكن يزيد قاطعهُ سريعاً وهو يفتح كيس الرقائق بطعم الدجاج المتبّل"طعمه تُحفه.جرب"
ناول الكيس لقصي في اللحظة نفسها التي سحب فيها علبة السجائر من يده بخفة.


قصي لم يستوعب المشهد فورًا، فقط أخذ الكيس وبدأ في تناوله بلا إعتراض مُتناسياً كونه يود التدخين.


رمق يزيد المحلول المعلّق على الحامل المعدنيّ، وحين أبصره فارغًا نهض في تؤدةٍ محمّلة بطمأنينة، ونزع سن الإبرة من وريدة ثم دسّ منديلًا قطنيًا مكانها، وتلك الحركة البسيطة لم تغب عن عينَي قصي الذي ظلّ يراقبه كأنه للتوّ يُدرك أنّ هذا اللطيف سيغدو طبيباً في يوم ما.
5

إنحنى يزيد يُجمّع الأكياس الفارغة، يطويها برفقٍ ثم ألقاها في سلة المهملات، وتحرك قصي نحوه حاملاً الكيس الذي إنتهى ليُلقيهِ "يلا؟"


"الدكتور قالي هبات هنا.تحسباً لو حسيت بحاجه وكدا"


وإستدار نحو الساعة المُعلّقة على الحائط، راقب عقاربها بثوانيها ثم إلتفت للِأكبر "بقت ١٢.لو كدا إمشى إنت عشان تلحق تناملك شويه"


بعد مرور نصف ساعة


إستحالت الغرفة سكونًا مطلقًا، إلا من ومضة الضوء المنبعثة من هاتف قصي، وهي تُنير جزءًا من ملامحهِ الهادئة خلف الشاشة،كان مستلقيًا تحت الغطاء، يتصفّح صورًا ومقاطع لا تعنيه، فقط ليشغل قلبًا يأبى النوم.
2

إلى جواره إستسلم يزيد لنومٍ عميق، رأسه قد مال في غفلةٍ واستقر على كتف الأكبر، دون وعيٍ أو إستئذان ،و قصي لم يتحرك.




كأنّ في سُكونه قسمًا بألا يُقلق راحة النائم، لم يكن بينهما شيء في تلك اللحظة، فقط تنفّسات هادئة تتعانق وهمس الصمت يطوّق المكان.
2

ولأول مرة لم يبدو الليل وحيدًا.
2

أغلق قصي هاتفه ووضعه جواره فوق السرير، ثم إستلقى بكامل جسده ببطءٍ متناهٍ، كأنّه يخشى أن يُزعج حلمًا يسكن جوارَه،تمدّد بحذر حتى تماهى جسده مع الفراش وما إن استقر حتى شعر بحرارةٍ غير مألوفة تقترب، حرارة جسدٍ آخر يزحف نحوه دون وعي.
2

كان يزيد قد تحرّك في غفوته واقترب منه، بل إلتصق به، حتى اختبأ بين ذراعيه كطفلٍ وجد أخيرًا مكاناً دافئاً،تسمّرت عينىَ قصي ببطء إلى السقف، يُحاول أن يشتّت ذاك التوتر الدافئ الذي اجتاحه، ذاك الشعور المفاجئ الذي لم يكن يعرف له اسمًا، ولا أراد له تفسيرًا.
4

لكن ما لبث أن هدأ، فالأصوات المتقطعة التي خرجت من بين شفتي يزيد، تنهداته، أنينه الخفيف، كانت كأنّها ترتيلة ناعسة تُهدهده،وللحظةٍ هادئة إلتفّت ذراعا قُصى حول خصره، يجذبه إليه أكثر.
3

أغمضَ عينَيه ببطء، دون أن يُكلّف نفسه عناء التفكير،لم يعتد النوم سريعًا، ولا الاطمئنان، لكن في هذه الليلة تحديدًا لم يكن بحاجةٍ إلى مقاومة.
1

-


كان يسير في الممر المؤدّي إلى قاعةِ مُحاضراتهٓ يحتضن كوب القهوة بين كفّيه كأنما يستمدّ من دفئه بعض الصبر ،ملامحه متجهمة تقطر سُخطًا، وهو يُمعن النظر في الوجوه العابرة من حوله؛ ضحكات، أصوات متحمّسة، خطوات مسرعة نحو صباحٍ لا يستحق هذا القدر من البهجة.
11

الساعة بالكاد تجاوزت الثامنة،فما الداعي لكل هذا الحماس؟أزاح خصلاته المبتلّة نسبيًا عن جبهته بإيماءة سريعة، وقبل أن يُكمل خطوته التالية، توقّف فجأة، فقد رآه.


يوسف قادم من الطرف المقابل، عيناه معلّقتان بملف بين يديه، وكأنه يهرب من العالم بين الأوراق، تنفّس ماريوس بعمق، زفيره خافت، يحمل في طيّاته أثر جدالٍ قديم لم يُغلق بابه بعد، لم يتبادلا الحديث منذ آخر خلافٍ اندلع بينهما.
1

رفع يوسف رأسه فجأة ليتفادى الاصطدام بأحدهم، فوقع بصره على ماريوس، واقفًا هناك، ساكنًا كتمثالٍ نُحِت ،يرمقه بهدوءٍ غريب.


لكن يوسف لم يتوقّف.
1

تجاهله تمامًا، مرّ من جانبه كما لو كان فراغًا، كأنما أصبح ماريوس تفصيلة غير مرئية في مشهدٍ يخصّه وحده.
4

تنهد ماريوس ببطء، كأنّه يقتطع من صدره جمرةً خامدة إستدار بخطًى وئيدة نحو يوسف، لا يصدر عنه إلا صمتٌ يضجُّ بما لا يُقال.




كلاهما بلغ المكتب فدلف يوسف إليه أولًا، فتح الباب بلا إكتراثِ ودون أن يُلقي بالًا لوجود الآخر، همّ بإغلاقه خلفه، لكن ماريوس بعزمه المتأجّج أوقفه بدفعٍ رصين، ودخل.


أغلق الباب بإحكام، وسكون الغرفة إختنق بثقل الحضور الذي ما عاد يحتمل التجاهل ،يوسف جلس على مكتبه يُقلب أوراقه بنظرة زاهدة، كأنّ ماريوس لا يقف أمامه، كأنّ شيئًا لم يكن.


"وبعدين يعني؟"
2

لم يرفع يوسف نظره وإكتفى بابتسامة جانبيّة
"شوف يأخي ناس تموت ولا تقول آسف"
5

أطرق ماريوس برأسه قليلًا، ثم رفع عينيه إلى يوسف وقد نهض يتجه نحو أدراجه، يبحث عن شيءٍ ما، لكنّ ماريوس لم يُمهله.


في لحظةٍ خاطفة تقدّم إليه، مدّ يده إلى خصره وجذبه إليه في اندفاعٍ حاسم، ثم إنحنى على شفاههِ يُقبّله بشغفٍ عاصف، قبلةً عاتية تحمل لوعة الغياب،
كان يُقبّله بعنفُ كمن يغرق.
6

تأوّه يوسف من المفاجأة،لكنه لم يقاوم وحين إبتعد ماريوس هامسًا، وعيناهُ معلّقتان على شفتيه المرتجفتين هامساً بوهنِ"أنا غبي"
2

ولوهلة، أومأ يوسف في صمت، كأنّه يعترف ضمنًا ويصفح في آن.
1

ثم كانت القبلة التالية ،بطيئة، رخيمة، مشبعة بالودّ، كانت أنامل ماريوس تطوف بخفة على خصره، بينما يوسف شدّه إليه، يُحيط عنقه بذراعيه، يضمه كمن يخشى ضياعه مرةً أخرى.
9

مال ماريوس برأسه قليلًا ليستطيع تقبيله بقوةٍ، وارتفع بذراعيه ليجذب يوسف أكثر نحوه، حتى إلتصقت أجزائهم السُفلية، واختلطت الأنفاس.


تأوه يوسف في منتصف القبلة، صوت خافت خرج منه دون إرادة، ثم أبعده بوهنٍ لا يخلو من حنو، بينما تحلّت ملامحه ببسمة دافئة وهمس بصوتٍ يكاد يكون رجاءً


"وحشتني"
5

إقترب ماريوس هامساً قرب شفتيه، وإبتسامةً قذرة تعلو مَحياه "طب ماتيجي"
3

ضحك يوسف بخفة وهو يدفعه برفق بعيدًا عن حضنه، ثم إتجه ليجلس على الأريكة الجلدية، يتابعه بنظراتٍ لا تخلو من لهو.


ماريوس، وقد ازداد حنيناً لحق به وتمدد على الأريكة، مُلقيًا رأسه على فخذ يوسف
"هنخلص بسرعه يا چُوي"


"بسرعة إيه!إنت أقل حاجه عندك ساعه"
1

"أحا إحسدني بقا"


ضحك يوسف مجددًا وهو ينفي برأسه، يُمسّد على شعره بأنامل لا تعرف إلا الحنان، كأنّه يغفر له كل حماقاته بتلك اللمسة وحدها.




"متعرفش إللِ حصل إمبارح؟"


استمر يوسف في مداعبة خصلات ماريوس، أنامله تتسلل بلين بين خصلاته السوداء، بينما عينا ماريوس ترقبانه في صمتٍ كي يُفصح مافي جوفه.
1

"ماجد إمبارح كان رايح يتخانق مع قُصى قام ضارب يزيد مفكرهُ هو، لدرجة إنه حبيبي أُغمى عليه."


إنعقد حاجبا ماريوس بسرعة، واعتدل في جلسته وقد بدا الذهول على ملامحه.
"يزيد الل هو الجديد دا؟"


أومأ يوسف في هدوء مُكملاً
"ودا كله حصل قُدام سيف.خد ماجد وطلّعوا على نائب المدير، وكلموا أبوه وتخيل قالهم إيه؟"


"هدفعله مبلغ كويس، وهو كدا كدا محدش هيسأل عليه."
9

"أحا."
خرجت الكلمة من فم ماريوس تلقائيًا، كمن تلقّى صفعة غير مرئية، غير مصدّق أن أبًا، لديه أولاد، قادر على التفوّه بمثل هذا الكلام عن فتى يتيم لا سند له،
ثم تنهد بعمق، وعاد يتمدد على الأريكة من جديد، يضع رأسه على فخذ حبيبهُ.
1

"وبالفعل أبو ماجد حوّل لأستاذ معتز حوالي ٨ تلاف
، عشان يديهم ليزيد وميعملش محضر"
6

قال يوسف بنبرة خافتة، بينما كانت يداه ما تزالا تنسجان الراحة في شعر ماريوس.


"طب وعميد فين من الحوارات دي؟"


"عميد إيه يا ماريو؟أبو ماجد دا مُحافظ و عميد في مجلس النواب ،يعني الإتنين بيعرصوا لبعض ومش
فارق معاهم لو حد هنا مات.الل بيجي على كرامتهم أوي،لو حاجه وصلت للصحافة غير كدا فاكس"
1

"كسم النجاسه"
2

سبّ ماريوس بحقدِ دفين ثم ضمّ يوسف إليه بقوةٍ خافتة، يُخفي وجهه في خصرهِ كمن يلوذ بملجأه الأخير، أغلق عينيه ببطء كأن النوم سيأتيه من بين أنامل يوسف التي تنساب في شعره، تُبعثر داخله كُدور الساعات الماضية.
1

ربّت يوسف على ظهره برفق، وهمس في أذنه بنبرةٍ حانية"مش هتروح المحاضرة؟"


لم يجبه ماريوس بالكلمات، فقط حرّك رأسه نافيًا، وعيناه لا تزال مغلقتين، كأنه يخشى أن تنزلق منه لحظة السكينة هذه.


-


حين إنفتحَ جفناه ببطء إرتطمت عيناه بوميضٍ خافتٍ وأصواتٍ هامسة، كأن العالم حوله يستيقظ على أطراف أصابعه، لمح وجوهًا مألوفة، الطبيب والممرضون يتحركون في هدوء، يتفقدونه


جلس ببطء يُعدل من وضعيته بينما عيناه تتنقلان بين الوجوه، تبحثان عن وجهٍ بعينه ،لكن الغرفة بدت فارغة من حضوره، غيابه كان صامتًا لكنه مُريب.
2



إبتسم يزيد ابتسامة خافتة عندما طمأنه الطبيب بأنه بخير، لا مضاعفات، لا ما يدعو للقلق،وبعد أن غادر الجميع نهض بتؤدة، ذهب ليغسل وجهه يُزيل عن ملامحه آثار النوم والدوار.


وحين خرج من المبنى الطبي، كان الجو ساكنًا رغم الحركة،الطلاب يسيرون بحماس في الاتجاه المُعاكس، ضحكات، نداءات، وصباحٌ ينهض بهم نحو يومٍ جديد.


أما هو فكان يسير وحده، هاتفه بيده، وأنفاسه بطيئة كأنها تُقاس بقلق، وما شغل عقله رغم كل شيء، لم يكن سوى سؤالٍ واحدٍ بسيط أين هو؟
1

اقترب يزيد من بوابة سكن الفتيان بخطى وادعة، كأن جسده يُطيع أوامر السكون الذي يخيّم على داخله ،وبينما همّ بعبور العتبة الحديدية، دوّى رنين الهاتف في جيبه بنغمةٍ عاليةٍ حادة، قطعت سكون اللحظة وأفزعته هو شخصياً.
1

توقّف مكانه مُخرجاً الهاتف ونظر للشاشة، رقمٌ غريب، لا اسم يظهر، لا ملامح مُسجلة
كاد أن يُغلق المكالمة، إصبعه يتردد فوق الزر، لكن شيئًا ما جعله يجيب.


"صباح الخير."


أبعد يزيد الهاتف قليلًا، حدّق في الرقم مجددًا، وكأنّ عينيه تُطالبانه بتأكيدٍ لا تحتاجه،ثم أعاد الهاتف لأذنه، وصوته خرج مترددًا


"قُصى؟"


"بتحب لون إيه؟"
8

وحقيقةً تلك المره أبعد يزيد الهاتف عن أُذنه مُحدقاً به للحظاتِ، دقائق مرّت وهو واقف في مكانه، لا يعرف إن كان ما شعر به ناتجًا عن بقايا دخانٍ عالق في رأسه، أم أن قُصى ثملاً؟ مستحيل، فالساعة لا تزال تشير إلى الثامنة صباحًا، فبأي عقلٍ يبدأ أحدهم يومه على هذا النحو العجيب؟


هزّ يزيد رأسه، محاولًا طرد الأسئلة التي احتشدت في عقله، لكن صوت قُصى عاد يتردّد في أذنه، هذه المرة أكثر وضوحًا، وأكثر غرابة


"يزيد."


ردّ يزيد بهمسٍ خافت، أعاد الهاتف إلى موضعه، واستأنف سيره نحو غرفته، خطواته بطيئة وأنفاسه متسارعة دون سبب واضح.


"بتحب لون إيه؟"


"الأبيض.بس ليه؟ إنت.."
5

لكنهُ حتى لم يُكمل سيل إندهاشهُ ،فكلّ ما سُمع بعدها كان الصمت، ثم نغمة الإغلاق القاطعة ،قُصى أغلق الهاتف في وجهه.
2

تنهّد يزيد، لا يدري أ ينزعج أم يضحك،أتراه يندهش من تصرّف قُصى؟ أم من غرابة السؤال؟أم من حقيقة أنه لا يعلم حتى كيف حصل قُصى على رقمه؟


ضحك يزيد بخفّة وهو يفتح باب الغرفة بهدوء، متعمّدًا ألّا يُصدر صوتًا وقد كانت الإضاءة خافتة، وبداخل الغرفة يرقد مالك وكريم على السرير المجاور، يغفو الأخر بين ذراعي الأول، ووجهه مغطى بضمادات ما تزال شاهدة على شجار الأمس.
3

أغلق يزيد الباب بلطف، ثم توجّه نحو خزانته وفتحها، يبحث عن ملابس مريحة يرتديها، اليوم لا محاضرات لديه، وكل ما يرغب به الآن هو القليل من النوم، نوم دافئ وهادئ لا يشبه برودة المستشفى الصارمة.


"انت كويس يا حبيبي؟"
جاء صوت مالك هامسًا، ناعسًا، بالكاد مسموعًا، ومع ذلك امتلأ بحنو صادق.
2

أومأ يزيد برأسه وابتسامة لطيفة ترتسم على شفتيه، وما لبث أن عاد مالك لإغماض عينيه، يدفن وجهه في حضن كريم كأنّه يبحث عن مزيدٍ من الأمان.


أما يزيد، فتمدّد على سريره بأنفاسٍ مطمئنة، يشكر صمت الغرفة ونعومة الفراش،و في يده هاتفه يتأمله برغبة خافتة في إرسال رسالة إلى قصي، غير أنّ النعاس غلبه قبل أن يتمكّن من ذلك حتى.


ساد الغرفة هدوءٌ عميق، لم يُسمع فيها سوى أنفاسٍ متناسقة لثلاثة فتيان غرقوا في نومٍ وادع، كلٌّ منهم يحمل في صدره ما يُثقله، لكن السكون وحده كان كفيلًا بتهدئتهم، ولو إلى حين.


- شُوفت كومنت بتسأل عن معنى إسم الروايه




وهو أحقر وأدنى مرتبة ممكن يوصلها الإنسان، سواء من الناحية الأخلاقية أو الروحية في العذاب(وطبعاً ملناش دعوه بالعذاب إحنا هنا قصدنا الأخلاق)




-




فتح عيناهُ للمرة الثانية هذا اليوم، لكن هذه المرّة كان الاستيقاظ على وقع ضجيجٍ صاخب، أصواتٌ متداخلة وضحكات وموسيقى تعلو من هاتفٍ ما في الغرفة، حاول أن يستدير على جانبه الآخر ويغطي وجهه بالغطاء، لعلّه يستعيد بعضاً من النوم لكن الصوت كان أعلى من أن يُحتمل.

3


إعتدل في جلسته ببطء، يفرك عينيه المتورمتين من النعاس، وشعره مُبعثر بعشوائية، يتثاءب وهو يرمق المكان من حوله بنظرات نصف مفتوحة.

1


كريم كان جالسًا قبالته، يُدخّن بهدوء ومالك متكوّر في حضنه يتصفّح هاتفه بصمت، بينما حذيفة متمدّد على السرير الآخر يُجاذب كريم الحديث.

1


أما قُصي، فكان يجلس في الزاوية كعادته بثيابه السوداء، لكن هذه المرّة يرتدي قميصاً صيفي يكشف عن عضلاته المرسومة ووشومه التي بدت أكثر وضوحًا في ضوء النهار، زادت من وهجه وجاذبيته وهو يتأمل شيئًا في الفراغ، ملامحه مبتسمة بهدوء رتيب.

2


يزيد كان نصف غائب عن الواقع، لا يدرك تمامًا ما يراه أو يسمعه، حتى دوّى صوت حذيفة فجأة وحقاً قد أفزعهُ "أهو فاق.المغيبب فاق"

4


نظر يزيد إليهم بعينين واسعتين وذهولٍ لم يُخفَ عن أحد، يراقب مالك وهو ينهض من حضن كريم ويتوجه إليه ليُعانقه ويطبع قبلة دافئة على وجنته، ثم تبعه حذيفة بحضنٍ جانبي خفيف، وكأن يزيد كان عائدًا من غيابٍ طويل، من منفى لا يليق إلا بالغرباء.

3


لم يكن يفهم سبب هذا التجمع ولا دفء هذه اللحظة المفاجئة، ولا لماذا يحيطونه بكل هذا الحنان وكأنه خرج تواً من السجن.

1


"كل سنة وإنت طيب يا زُوز"
هتف بها كريم وهو يرفع يده بالتحية دون أن يبرح مكانه، بينما قلب يزيد قد انقبض بشدة، وإمتدت يده تبحث بتوتر عن هاتفه بين ثنايا الغطاء، حتى وجده ونظر إلى التاريخ

4


عيد مولده.
كان اليوم عيد ميلاده فعلاً، وهو لم يتذكر، لم يخطر بباله حتى.

4


ترك الهاتف ببطء على الفراش، ورفع بصره ناحية قصي الذي إقترب منه وجلس إلى جواره، وجهه يحمل إبتسامة هادئة، ضماداته إختفت إلا واحدة صغيرة عرضية تعبر أنفه، كأنها مجرد بقايا حرب قديمة.

"كل سنة وإنت طيب."

1


قالها قصي بصوتٍ دافئ وهو يُعطيه صندوقًا كبيرًا، ويزيد لا يزال متسمّرًا في مكانه، لا يصدق ما يحدث، لا يفهم كيف عرفوا، وكيف اجتمعوا بهذه الطريقة بينما هو نفسه غفل!


"مش هتفتحه؟"

1


سأله الأكبر، قاطعًا عليه تيه أفكاره وأسئلته التي لا تنتهي،إرتسمت على وجه يزيد ابتسامة واسعة أضاءت ملامحه، حتى بان صف أسنانه البيضاء، ثم أومأ برأسه كطفلٍ صغيرٍ متحمّس، وبدأ في فتح الصندوق بهدوء.




وما إن فتحه، حتى شهق بخفة، ذاهلًا مما رآه.

1


قطة صغيرة الحجم، ذات فراء أبيض ناصع، وعينان زرقاوان واسعتان تحدقان به ببراءة تامة،صرخ بحماس لا يُصدّق، ورفعها بين يديه بلطف، ثم رمى الصندوق أرضًا وضمّها إلى صدره، يقبّلها برقة وعاطفة تحت أنظار الجميع المبتسمة، وخاصة قُصي الذي شعر لحظتها بأنه قد أحسن الاختيار.

22


"عايز أبوسها"


إنتحب مالك بنبرة شبه باكية، فتناول القطة من يزيد برفق، وجلس بها في حضن كريم بينما جلس حذيفة إلى جواره، يلاعبان القطة التي بدأت تصدر صوت خرير ناعم وهي تتمدد بهدوء.
1

إلتفت يزيد نحو قُصي، يبتسم ابتسامة صادقة أظهرت غمازته الصغيرة "عشان كدا كُنت بتسألني بحب لون إيه؟"
1

أومأ قُصي وهو يجلس إلى جواره، فتابع الأصغر بصوت منخفض دافئ "عرفت منين؟"


"أوعدني الأول إنك هتاخدهُ وهتهتم بيه؟"
2

"هو قطّ؟"


أومأ قُصي مجددًا، ليجيبهُ العسليّ بعفويته المعتادة
"هو كدا كدا بقا بتاعي.بس قولي عرفت منين؟"


"إمبارح موبايلك رن وكُنت هقفله بسرعه لكن قولت ممكن يكون حد عايزك في حاجه مُهمه. ولما رديت كان صوت واحده كبيره بتسلم عليك وبتقولك كُل عام وإنت بخير،فعرفت إنه عيد ميلادك..
المُهم هتسميه إيه؟"


نظر قُصي في نهاية حديثهِ إلى القطة التي باتت بين يدي أصدقائهم،كان يزيد لا يزال يحدق نحو الأكبر، دون أن ينبس ببنت شفة، شفتاه نصف مفتوحتين، وعيناه تائهتان بين وجهه وقلبه الذي أخذ يطرق صدره بعنف، كأنما يركض في سباق لا يعرف له خط نهاية.
4

ثم، وقبل أن يتمكن قُصي من قول شيء، وجد جسد يزيد يندفع نحوه فجأة في عناق مباغت، غير محسوب، لكنه صادق حتى النخاع، إحتضنه يزيد بشدة يدفن وجهه في كتفه، وكأنما يتشبث به خشية أن يتلاشى.
6

كان العناق الأول بينهما قد جاء لأن قُصى بدا عليه أنهُ بحاجةِ إليه، أما هذا فكان من يزيد نفسه، رغبة خالصة لم يُفكر بها، فقط استجاب لقلبه.


لم يكن يدري، أكان يشكره؟ أم أنه مُمتن؟أم يحاول قول شيئًا لا تسعه الكلمات؟لكنه علم شيئًا واحدًا فقط ،في تلك اللحظة أراد أن يعانق قُصي.
فَـفعل.




"طب علفكرة أنا اللِ جايب الكِيك!"
3

هتف حذيفة ممازحًا الثنائي المتعانقين، وهو يرفع حاجبه بسخرية لاذعة تخفي خلفها ابتسامة ودٍّ خفيّة، ليضحك قُصي وهو يجذب يزيد أقرب إليه
2

"مانت عرص جايبها تشوكلت"


تحرر يزيد من بين ذراعي قُصي بهدوء، لكنّه ظل قريبًا منه، يسمعه يردّ على حذيفة وهو يشير إليه "عنده حساسية."
2

صفّر كريم بإعجاب، بينما صفق حذيفة ضاحكًا بصوتٍ مرتفع "هااا.نلبس الحته الزفره ونطلع على لندن؟"
5

قلّب يزيد عينيه بتثاقل من سخريتهما فقد كان يقصد زواجه من قُصى لكن بطريقة غير مُباشره، قبل أن يتجه إلى مالك ويأخذ منه القطة الصغيرة بحنان، ثم جلس يُدلّلها بأصابعه بلُطفٍ ظاهر، وعيناه تتبعان قُصي وهو يفتح صندوقًا آخر، ويُخرج منه طعامًا وأدواتٍ خاصة للقط، كل شيءٍ أعدّه خصيصًا له.


"أسميه إيه؟"


"تُوتي"إقترح مالك بحماس، وهو يُلاعب الفرو الأبيض بين أصابعه.
9

"والنبي إنت اللِ توتي"
2

ثم وقف حُذيقه متجهًا نحو الكعكةٍ صغيرة، كانت موضوعة على الطاولة مغلفة بورقٍ شفاف، فكّ الغلاف برفق، ليظهر كعكٌ بالشوكولاتة الداكنة، مزيّن بقطع الكاكاو البارزة، فوضعها أمامهم ووزّع الشوك الصغيرة وقد تلقّاها مالك وكريم.


بينما ظلّ يزيد ينظر إلى القطة بين يديه وكأنّه لا يصدق أنّ هذا الدفء كله كان بانتظاره في يومٍ كان لا يتذكره أحد سواه.
1

أخرج قُصى علبة ليست بـكبيرةً وفتحها أمام يزيد، الذي اتّسعت عيناه قليلًا حين رأى ما بداخلها
دوناتس، كعكٌ دائري مُحلّى بطبقات من نكهتي الفراولة والفانيليا، تلمع سطحها قطرات السكّر الناعم.
14

نظر إليها للحظة ثم وضع القط الصغير في حضنه بلُطف، وأخذ واحدة بطعم الفراولة، بينما كان مالك بجانبه يفتح فمه بحماس وكأنه يطالبه بتذوقها أولًا.


ضحك يزيد من تصرفه الطفولي، وقام بأخذ جزء منها ووضعه في فم مالك، الذي أخرج صوتًا مُتلذّذًا مبالغًا فيه، مما جعل يزيد يضحك أكثر، ثم تذوّقها بنفسه وإرتسمت على شفتيه ابتسامة صافية، تعكس مدى إعجابه بالمذاق الحلو.
1

كان الطعم لذيذًا فعلًا، وكأنّه يوقظ شيئًا دافئًا بداخله شيئًا نسيه منذ زمن، وحين مدّ مالك يده ليأخذ قضمة ثانية، أبعده يزيد بنصف ضحكة وهو يُخرج من فاههِ صوت - تؤ تؤ تؤ
1

ورجع يتأمل القط الصغير النائم بهدوء في حجره، وإبتسامته لا تزال تضيء وجهه.




كان قُصَيّ يُلقي نظراتٍ خفية على يزيد من آنٍ لآخر، وعيناه الداكنتان تلمعان تحت ضوء الغرفة، كأنما تُخبئان شيئًا لا يُقال، أخرج علبة سجائره ببطء ثم أخرج منها لفافة حشيش يُشعلها واستنشق منها بعمق،تَبع ذلك بقضمةٍ من دوناتس الفانيليا، ثم أسند رأسه إلى الوراء بإبتسامة خفيفة لا تحمل في طياتها إلا السكون.
2

وفي الجهة المقابلة كان يزيد يحتضن القطة الصغيرة في دفءٍ واضح، وما أن التقت عسليتاهُ بعيني قُصى، حتى شعر بشيءٍ ما يتحرك بداخله شيء خفيف لكنه حاضر.
3

رفع رأسه نحوه، إبتسم بصدقٍ وهدوء وهمس كمن يدين له بشيءٍ لا يُرد "شكراً."


ثم ضحك وهو يُبعد مالك الذي كان يُصرّ على مشاركته كعكته وقُطته.
1

نهض كريم من مكانه بخطًى واثقة مُتقدماً نحو قُصى حتى جلس بجانبه على السرير، مدّ يده بهدوءٍ مألوف وسحب السيجارة من بين أنامله الموشومةِ، ثم رفعها إلى شفتيه واستنشق منها ليُخرج الدخان ببطءٍ وهو يميل برأسه قليلاً نحو الآخر هامساً


"روميو خِف."
4

إرتفعت ضحكة قُصى خفيفة خافتة، وهو يستردّ لفافته من بين أصابع كريم بسخرية مكتومة


"كسمك."
1

عاد يُدخّن بنفسٍ طويل، يحتبس الهواء في صدره لحظة، ثم يزفره بهدوءٍ مستسلم، حين تسلل صوت كريم من جديد هذه المرة بنبرة أكثر جديّة، لكنه لا يزال هامسًا


" بيحب الرجالة أصلاً؟"


"دا أنا هسبلك ملة ودين؟"


"هستخسره فيك أصلاً يعرص"
2

إستدار قُصى لينظر إليه بعينين متسعتين، كأنه قد سمع تهمة ما أنزل **** بها من سلطان، وأشار إلى نفسه بإيماءة مصطنعة البراءة، وكأنّه أطهر من في هذا المكان.


"بجد بقيتوا شبه البلطجيه بتوع التكاتك"
4

أفصح مالك بكل صراحة وهو ينظر نحو كريم وقُصى و وافقهُ يزيد الرأي بينما كان يرتشف بعض المياه جراء مظهر الإثنين الجانح ،فـ قصى وضع ضماده على أنفه المكسور مسبقًا، وكريم كان يضع ضماده بالقرب من حاجبهِ.
1

"مفيش إلا حبيب قلب مامي المُحترم."
ثم أخذ حُذيفة في حضنهِ جانبياً جراء مشاعر الأمومه الطاغية التى إستبدت مزاجهُ الحالي.
2

"مسافة يلبوه مِنك ليه"
3

وقد كان كريم ،جاعلاً من حُذيفه ينتفض جراء ضحكتهِ العاليه مُبتعداً عن مالك الذي إقترب يتمجلس في حضن كريم بدلال واضح، كأنما يعلن عن محبته.




إبتسم يزيد بهدوء وهو يُراقبهم، عيناه تلمعان ببعض الدفء وهو يُداعب القِط الصغير النائم في حضنه، كأن حرارة جسده تسرّبت لقلبه، تمنحه سكينة لم يعرفها منذ زمن، للحظةٍ شعر أن كل شيء بخير العالم هادئ، وأن داخله رغم كل الفوضى، قد هدأ أخيرًا.


وحين إلتقطت عينه لمحة من ضحكاتهم جميعاً، تمايلت ابتسامته بخفة، وهو يدرك يقينًا إنه لا يُريد أن يخسرهم، لا الآن، ولا أبدًا.
3

-


كانت عقارب الساعة تُعلن الثالثة عصرًا، والشتاء يُلقي بقبلتهِ الدافئة فوق المدينة كما لو أنه اعتذر عن برودته الطويلة ،الضوء الذهبي تسلل من زجاج الشرفة الواسعة، يغمر المكان بهدوءٍ حميم، يرسم ظلالًا ناعمة على جدران الحمّام المُعطّر ببخارٍ كثيف.
2

جلس في البانيو، نصفه مختفٍ تحت سطح الماء، كأنه يذوب فيه ببطء،جلدهُ يتوهّج بحرارة السائل الذي يلف جسده بتملُّكٍ هادئ،رأسه مائلٌ إلى الخلف وعيناه مُعلقتان بـُشرفة السماء، الغيوم تُشبه رُكام أفكاره، ساكنةو كثيفه تُنذر بمطرٍ داخلي لا يسمعه أحد.


في يده لفافة حشيش مُشتعلة، يتصاعد منها الدخان كرقصة غجرية حول جسده العاري،و في الخلفية كان صوت أديل- ينساب من مكبر الصوت بسلاسةِ
طاغيه.
3

ولـثانيةً، خفَض صوت الأغاني بحركة تلقائية عيناه نصف مغمضتين وذهنه يسبح بين الموسيقى والدخان والبخار، لكنه كان متأكدًا أنه سمع شيئًا.


الجرس.


ظل جالسًا للحظة، يحدق في سطح المياه يراقب التموجات الصغيرة كأنها ستحمل له الإجابة.
ثم عاد الصوت، مؤكدًا شكّه.


كان أحدهم يرن جرس منزله ،نهض من البانيو ببطء قطرات الماء تتسلل على جلده المنحوت، تلمع تحت ضوء الغروب الكامن خلف الزجاج،ثُم أخذ المنشفة وجفف جسده على عجالة،ليرتدى بنطالًا رماديًا خفيفًا، ناعم الملمس يلائم تلك الراحة التي لم تكتمل.


لفّ المنشفة الأخرى حول رقبته، تاركًا صدره مكشوفًا؛ العضلات البارزة، ووشم العقرب الداكن الذي يرقد فوق خصره الأيسر كندبة مرئية لا تختفي.
1

فتح الباب ،فوجد يوسف واقفًا أمامه بهيئته الهادئة المعتادة ملابسه تنتمي لتدرجات اللون البني رِفقةً نظاراتهِ الطبيه.
1

"إنت بتخرج قالع كدا علطول؟"
علّق يوسف بنبرة ساخرة، ناظرًا لجسد سيف نصف العاري والمنشفة الملقاة حول رقبته.
5

"محدّش قالك تيجي وأنا باخد شاور."
رد سيف بنفس نبرته الساخرة، وهو يتراجع ليترك له المجال للدخول.




دخل يوسف وأغلق الباب خلفه بهدوء، بينما سيف مر بجواره متوجهًا نحو ريموت التكييف، ضغط الزر وجعل الجو دافئًا متعمدًا طرد البرودة التي تسللت من الخارج، كأنه يهيّئ المكان لمزاج أكثر راحة.
1

خلع يوسف جاكيت الجلد الثقيل الذي كان يرتديه، ومرر يده في خصلات شعره ليرجعها إلى الخلف بإيماءة معتادة
"عارف إنك مبضون من الجامعة.عشان كده جيتلك أبضّنك في شقتك."
3

نظر له سيف بطرف عينه، كأنما يُخبره - يازين ما إخترت!
ثم ارتسمت إبتسامة خفيفه على شفتيه وهو يتجه نحو المطبخ وبإشارة من يده دعا يوسف أن يتبعه.


"عصير ولا حاجه سُخنه؟"


سأل سيف وهو يفتح باب الثلاجة والبُروده التى إنبعثت منها إصطدمت بجسدهِ الدافئ ،وقف للحظة يتأمل محتوياتها، بينما اقترب يوسف بخطوات هادئة ونظرات فضوليةِ لطيفة، كأنما يتلصص على حياة سيف من خلال زجاجات الماء والعلب المرتبة بعشوائية منظمة.
10

عيناه لمعتا فجأة وهو يُشير على زجاجة عصير الرمان "حبيبي دا"
تبسٌم سيف وتركه يأخذ الزجاجة بينما خطا يوسف نحو المطبخ بخفة، وأخرج كأسًا من أحد الأدراج كأنه المالك لهذا المكان.
1

وفي الوقت ذاته أخرج الأشقر عبوة الحليب من الثلاجة، وإبتسامته الهادئة لا تفارقه، ينوي تحضير قهوة بالحليب، تلك التي يشربها حين يريد أن يُطفئ كل الضجيج داخله، ويُعيد ترتيب أفكاره على مهل.
1

"بقولك يا سيف"


خرج صوت يوسف هادئ، يكاد يُلامس الصمت وهو يحدق في الكأس الزجاجي بين يديه ،إنعكاس صورته باهت على سطح العصير وهو يجلس على أحد الكراسي الخشبية الصغيرة المحيطة ببار المطبخ.


"تعمل إيه مثلاً لما يكون البارتنر بتاعك بيشك فيك عمّال على بطال؟"
4

"أسيبه."
7

إرتفعت عينا يوسف نحوه ببطء، وقد بدت على ملامحه علامات الدهشة من بساطة الرد وصرامته أما سيف، فقد عاد إلى اهتمامه بالقهوة ثم أردف


"بص هو على حسب.لو إنت خول وبتعمل حاجات بتخلّيني أشك فيك غصب عني يبقى الغلط منك. فاهم؟"
2

"ألفاظك من فضلك."


قالها يوسف بحدة مصطنعة، بينما كان يُحاول إخفاء إبتسامة صغيرة على طرف شفتيه، بدا على سيف ضحكة خفيفة، وهو يُهدئ النار تحت القهوة


"يِزيد فضلك يا غزالي."
10

نظر له يوسف من أسفل نظارتهِ بعدم تصديق لطريقةِ حديث سيف بينما هربت منهُ ضِحكة لهذا اللقب المُريب ،ثُم صب لذاتهِ كأساً جديداً من الرمان.




"أحياناً بستغرب صلابتك النفسية.وإنك كُول كده ورايق برغم كل اللي مريتوا بيه"


وقد حصل على الأجابهِ دون أن يلتفت إليهِ
"لأجل قُصى،غير كده كنت هتلاقيني في إيطاليا من خمس سنين فاتو"
1

"مش بحسد.بس الريليشن بينكم جميلة"


إكتفى سيف بابتسامة صغيرة وهو يُقلّب القهوة، قائلاً بنبرة مشوبة بالامتنان "ملناش غير بعض"


هزّ يوسف رأسه موافقًا، وسرح للحظة في الشاشة الكبيرة التي تتوسّط جدار الصالة، قبل أن يعود بنظره إلى سيف


"تحب نشوف فيلم؟"
6

-


كان جالساً في الركن الهادئ من الحديقة العُشبية، وكُتب كثيرة مبعثرة أمامه، تتداخل صفحاتها بين موادِ لا يفقه لها إسماً حتى ،واللعنة التي لا تنتهي بإسم -إختبار الغد.
3

الإضاءة فوقه قوية تُضيء عينيه المتعبتين وتفضح كل إنزعاج دفين في ملامحه،أخرج هاتفه واتصل بـيوسف، علّه يجد عزاءً أو على الأقل صوتاً يُخرجهُ من هذا المزاج الحاد ، لكن الهاتف كان مغلقاً
والأمر الذي جعل صدره يضيق أكثر.


زفر ماريوس بضيق، زفرة حادة كأنها تطرد اليأس من رئتيه، ثم مد يده وأخرج سيجارة من جيبه، أشعلها ببطء، وكأنه يشعل معها الوقت الهارب من بين يديه، وقبل أن يُكمل قراءة المعادلة التي أمامه شعر بظلٍ ثقيل يتسلل إلى جانبه.


رفع رأسه ليرى ماجد، يقف ببسمته المُزعجة المعتادة، وبجواره فتاة جديدة لم يسبق له رؤيتها، تتشبث بذراعه كأنها دُمية بلا وزن.
4

"معلش يماريو يا خويا، ممكن بس تروح تقعد هناك؟ أصل المكان دا مفيهوش كاميرات وأنا عايز أرّول جوينت"


-أرّول جوينت:ألِف سيجارة حشيش.


قالها ماجد ببرود، وهو يُشير إلى المقعد المقابل، وكأن المسألة لا تتطلب أي نقاش، وكأن جلوس ماريوس هنا مجرد خطأ غير مقصود.


الأخر نظر له لثوانٍِ بلا تعبير، فقط دخان سيجارته يعلو أمام عينيه كستارٍ رمادي يحجب الغضب البطيء في صدره.


وحقيقةً ماريوس لم يكن في مزاج يسمح بأي صدام، نهض ببطء لا غضب ولا انفعال، فقط قرار بالانسحاب لملم دفاتره، أقلامه وهمّ بالرحيل نحو المقعد المقابل.


لكن الآخر كـعادتهِ لم يسمح له بالرحيل في صمت.
2

"هموت وأعرف إيه اللي خلاك إنت والراوي تبعدوا عن بعض."ضحك ضحكته الخالية من الدفء ثم أضاف بصوتٍ أكثر سُمًّا
"كنتم بتتخانقوا مين اللِ ينيك التاني؟"
6



كلمات ماجد سقطت كحجر في ماءٍ راكد،
لكن ماريوس لم يلتفت،لم يمنحه رد فعل يُشبعه
فقط إبتسم بإستفزازِ يُميزهُ ثُم سحب من سيجارته نفسًا عميقًا، ونفث دخانهُ نحو السماء ليجلس على المقعد المقابل دون أن ينبس ببنت شفة.


فتح ماريوس هاتفه للمرة الثانية، وضغط على رقم يُوسف مجددًا ،رنّ الهاتف طويلاً دون إجابة ،زفر بضيق ثم أعاد نظره إلى الكتب المبعثرة أمامه، إلا أنّ الحروف بدت له كأنها مجرد خطوط عبثية لا تحمل معنى.


وبينما كان يحاول جمع شتات تركيزه، إلتقط أنفه عبير عطر مألوف، ليس بغريب عنه، لكنه لم يرفع رأسه فوراً تجاهل الأمر بادئ ذي بدء، ظنًا منه أن عقله المتعب يعبث بحواسه، لكن الرائحة ازدادت وضوحاً واقتربت أكثر.


إضطر في النهاية إلى رفع رأسه ببطء وتحفّظ،
و كانت بالفعل خطوات قُصي تقترب بخطى ثابتة، يداه في جيبهِ، وعيناه لا تتجهان إليه بل نحو ماجد الذي كان جالسًا يضحك بصوت عالٍ بجوار الفتاه.
1

توقف ماجد عن الضحك وبدت عليه ملامح التسلية، بينما يضع سيجارة الحشيش في فمه ببطء، ناظرًا إلى قُصيّ الذي وقف أمامه بثبات، لا يشي وجهه بشيء،ثُم نطق بـتباهيّ.


"مش هتبطّل حَكّ في ريناد؟"


"حكّ إيه يخول.دي بتنزل على رُكبها تمصلى ولا أجدعها لبوه"
4

إبتسم ماريوس إبتسامة خفيفة، وهو ينفض رماد سيجارته على العشب، متابعًا المشهد بصمتٍ ،فقد
نهض ماجد من مجلسه يسير بخطى واثقة نحو قُصيّ ثُم ربت على كتفه بعنفٍ متعمّد


"**** يبعد عنّا ولاد المتناكة."


ثم أشار بعينيهِ إلى قُصي، ثم انحرفت نظرته نحو ماريوس الجالس في الخلف، وكأنه يُعلن عن إستحقار مزدوج.
1

إلتفت ذُو الوشوم ببطء إلى الخلف، ليتبيّن من المقصود بالإشارة، فلمح ماريوس جالسًا بهدوء، يرمقهم بلا أدنى انفعال.


"ريح يا ماجد ومتهلفطش بالكلام"


"وإن ماريحتش يا حبيب بابي؟ هتروحله تعيط؟"
1

"لأ هريحك أنا. زي ما أمّك إرتاحت ليلة دُخلتها"


وقبل أن يلتقط ماجد أنفاسه أو يردّ، كان رأس قُصي يرتطم بقوة برأسه، دفعة عنيفة أرجعته للخلف وهو يمسك بأنفه بيد مرتجفة وقد بدأ الدم يتسرب منها.
3

اقترب قُصي أكثر، أمسك بياقة قميصه ولكمه ثانيةً في أنفه، بقسوة جعلت الدماء تنفجر من وجهه، صرخت الفتاة الجالسة جوار ماجد وابتعدت بسرعة، بينما ماريوس انفجر في ضحكة صافية، وكأن المشهد لا يزيده إلا متعة.
3



حاول ماجد النهوض، وضرب قُصي في بطنه بلكمة مفاجئة، غير أن الأخير لم يتأخر في الرد، إذ ركله بقوة في موضعٍ حساس جعل جسد ماجد ينكمش على نفسه من الألم، يهوى أرضًا بتأوّه مكتوم، بينما نظرات قُصي فوقه كانت كالصقيع.


وكان قُصي لا يزال يهمّ بلكم وجه ماجد حين إستجمع الأخير قواه ووجه ضربة قوية نحو ساقه، أفقدته توازنه وأسقطته أرضًا، لم يضيع ماجد الفرصة فوثب فوقه بسرعة ولكمه في وجهه لكمة عنيفة، زلزلت ملامحه لوهلة.
2

كان من المتوقع أن يقلب قُصي الوضع عليه كما إعتاد، أن يثور بغضب ويجعل ماجد يندم لكن المفاجأة،أنه لم يتحرك.


إبتسم.


إبتسامة خافتة، باردة، ثابتة.


ثم أغمض عينيه، وإستسلم للأرض كأن شيئًا لا يعنيه، كان ساكنًا إلى درجة أزعجت ماجد نفسه، الذي توقف لحظة وقد اعترته دهشة حذرة، كأن ثمة شيئًا غريبًا يتشكل في الهواء.
1

وقبل أن يتمكن من الالتفات للخلف، شقّ الهواء صوتٌ رجوليٌّ جَهوريّ، حاد النبرة.


"ماجد!!"


تجمّد ماجد في مكانه، وقد بدا عليه التوتر واضحًا، خاصة حين التقى بعينَي عميد الغاضبتَين،لم يكن معتادًا أن يظل المدير حتى هذا الوقت، لكن حظه العاثر شاء غير ذلك.
3

وعلى الأرض كان قُصي لا يزال مُستلقيًا، يكسو ملامحه ذلك البرود الغريب وتلك الابتسامة العابثة، قبل أن يقول بنبرة هادئة خالية من أي انفعال


"كنت ماشي فـ حالي وهو اللِ إتهجم عليا"
1

لم يعقب عميد ولم يُكلّف نفسه حتى النظر نحو إبنه، بل ألقى نظرة سريعة على المكان يتفحصهُ ولم يكن هناك وجود إلى أي كاميرات، ثم ثبت عينيه على ماريوس الجالس بعيدًا منغمسًا في كتابه، وكأن الفوضى لم تمر من أمامه قبل ثوانٍ، أشار له أن يقترب فنهض ماريوس على الفور وتقدّم نحو المدير دون تردد.


"مين اللِ بدأ؟"


"ماجد."
1

والحقيقة أن ماجد كان البادئ بالشتائم، بينما قُصي هو من وجه أول ضربة ،ورغم علمه التام بأنه يجب قول إسم قُصى ألا أنهُ إمتنع ببساطة.


تنهّد عميد بقوة، ثم وجّه كلامه لماجد دون أن يمنحه فرصة للدفاع


"فصل أسبوعين.لِم حاجتك وارجع على بيتكوا"
3

تغيّرت ملامح ماجد، وانقبض وجهه بوضوح محاولًا الاعتراض، لكن المدير قاطعه بلهجة أشد


"أبوك قالي كسر وأنا أجبّس. وأنا مجتش جمبك في الحوار السُقع اللِ إنت عملته إمبارح لأجل أبوك،
لكن تتبلطج كل يوم على الرايح والجاي إحنا مش في زريبه"
4

صمت ماجد، ولم يكن أمامه سوى الرضوخ، بينما وقف قُصي أخيرًا من على الأرض، ينفض عن بنطاله بعضًا من الغبار، وهو لا يزال يحتفظ بذلك الهدوء المستفز، وكأن شيئًا لم يكن.


تحرك ماجد بخطى بطيئة وثابتة نحو سكن الفتيان، يحمل على كتفيه ثقل الإهانة وثقل القرار، أما عميد فاكتفى بإلقاء نظرة باردة نحو قُصي، نظرة خالية من العاطفة حادة في معناها، قبل أن يغادر الحرم الجامعي تمامًا، يركب سيارته وينطلق تاركًا وراءه ما يشبه السكون المشوب بالقلق.
2

ظلّ قُصي واقفًا بجوار ماريوس لدقائق طويلة خيّم عليها الصمت، لا أحد تكلّم ولا حتى نسمة هواء مرّت بينهما.


ثم وكأنّ كل شيء قد قيل رفع قُصي يده وربت بخفة على كتف ماريوس العريض، وهمس بنبرة هادئة بالكاد تُسمع "شكرًا."


قالها ببساطة ثم أنزل يده ومضى في طريقه نحو السكن، دون أن يلتفت أو ينتظر ردًا.


ظلّ ماريوس في مكانه لم يتحرّك، لم ينبس بكلمة فقط عيناه تابعتا قُصي وهو يبتعد، وقلبه مشدود لذلك الهدوء البارد الذي غلف الكلمة -شُكراً؟ وكأنّهما أصبحا غريبان ،كأنّ ما جمعهما من ماضٍ قد اختفى بلا أثر، وكأنّ قُصي لم يكن يومًا أقرب الأشخاص إليه.


مرّ أسبوع كامل على أحداث عيد مولدهِ، تلك الليلة التي إنحفرت في ذاكرته بعمق، ليس فقط لأنها كانت مختلفة بل لأن ذُو الوشوم كان السبب الأكبر في تميزها، وفي إضطراب قلبه بعدها.

1


ومنذ ذلك اليوم أصبح وجود قُصي في يومه عادة، شيء مألوف لا يخلو منه يوم ،يزيد لا ينكر ذلك بل يُقرّ في قرارة نفسه أنه تعلّق بقُصي أكثر مما كان يتوقع.

1


كان الآن جالسًا على الأرض في غرفته، وقد إفترش سجادة بسيطة وترك جسده يستند للحائط، بينما يمرر كفه برفق على الفرو الأبيض الناعم لقطه الصغير الذي أسماهُ - نِيمو ،رغم إعتراض أصدقائه على الاسم إذ أصروا أن نيمو سمكة وليست قطًا
إلا أن يزيد تمسك بخياره، مدفوعًا بحبه لفيلم ديزني القديم، وكأن الاسم يمنح القطة روحًا خاصة.

3


صوت خرخرة نيمو الهادئ ملأ المكان، يمنحه سكينة مؤقتة، بينما كانت عيناه تتنقلان بين دفتي دفتر المحاضرات الموضوع بين ساقيه، يُراجع ملاحظاته ويتأكد أنه لم ينس شيئًا قبل موعد عمله المسائي.




فـهو الآن يعمل كمساعد شيف لأربع ساعات يوميًا، مقابل راتب شهري يبلغ أربعةَ آلاف،مبلغٌ جيّدٌ للغاية وسيساعده على الادّخار، لا سيّما وأنّ يزيد ينوي إيداعه في حسابٍ مصرفيّ خاصٍّ به، تحسُّبًا لأيّ ظرفٍ طارئٍ قد يطرأ في المستقبل.

4


والحقُّ يُقال، إنّه يشعر في هذه المرحلة من حياته بامتنانٍ حقيقيّ، ورضًا داخليّ لم يعهده من قبل، لو أنّ أحدهم جاءه قبل عامين وأخبره بأنّ حياته ستأخذ هذا المنحنى الهادئ المستقرّ، لضحك ملء فمه، وربّما ظنّ أنّه مجرّد واهمٍ أو حالم.

1


غير أنّ الواقع الآن مختلف تمامًا، يزيد بات مطمئنًا نفسيًّا يشرق من ملامحه نور السكينة، وانعكس هدوءه الداخليّ على مظهره الخارجيّ بشكلٍ واضح؛ فابتسامتهُ باتت حاضرة، وعيناه لا تحملان سوى طمأنينةٍ خفيّة، كأنّه وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه طويلًا.

1


فُتح باب الغرفة وأُغلق مجددًا، غير أنّ يزيد لم يرفع رأسه إذ كان متيقّنًا بأنّ الداخل هو مالك، العائد من محاضرتهِ كعادتهِ المتذمّرة، ليعلن بصوته المألوف "مش عايز أتعلم وَدوني على بيت كريم نعيش مع بعض فيه"

7


لكنّ رائحة عطرٍ مألوفة تسلّلت إليه، رائحة لا تخصّ مالك إطلاقًا رفع يزيد رأسه بسرعة، ليراه.

1


كان قُصي واقفًا عند الباب، مستندًا بكتفه إلى الحائط، يحدّق بصمت في المشهد أمامه يزيد جالس على الأرض، ونيمو غافٍ بهدوءٍ في حضنه.

1


تقدّم قُصي دون كلمة، وجلس إلى جواره، ثمّ مدّ يده بلطف وأخذ نيمو من بين ذراعيه، ليخاطبه وكأنه بشر
"يمزاجك يعم. نايم في حضنه أربع وعشرين ساعة"


إبتسم يزيد ابتسامة خفيفة وأغلق دفتر محاضرته،
مُراقباً نيمو الذي نهض من بين يدي قُصى ليقف على الأرض ويرمقهُ بنظرةِ جامده، وبكل عفويةِ رفع قُصى له إصبعهُ الأوسط لينفجر يزيد ضاحكاً وهو يرىٰ نيمو يُعطي لـقُصى ظهره ويصعد على السرير مُتمجلساً عليه.

6


"أبو تُقل دم أمك"

سب قُصى بجدية تامة، كأنما يحمل ضغينة لا تُفسَّر، ضغينة غريبة لا يُفترض أن تُوجَّه إلى مخلوق صغير مثل نيمو، لكنّها كانت حاضرة، حقيقية، وكأنّ بينهما تاريخًا من العداء الخفي.
1

رفع يزيد يده ونكّز خصر قُصى برفقِ
"متغلطش في إبني"
2

"شايف بيبُصلي إزاي؟!"
2

أشار إلى القط باستنكار، وكأنّه يتهمه بمحاولة تهديد صامته، نظر يزيد إلى نيمو وبالفعل وجده يرمق قُصى بنظرة حادّة، ملامحه الصغيرة متجهّمة، عينيه نصف مغمضتين كأنّ في داخله سخرية مكتومة.
4

ازدادت ضحكات يزيد حتى تحولت إلى قهقهةٍ عالية يضرب بها كتف قُصى الذي نسي أمر نِـيمو تمامًا، وانصرف ذهنه كلّه إلى أنغام ضحكات يزيد، ذلك الصوت البشوش والمبهج الذي بدا له كنسمةٍ في صيفٍ ثقيل.
1

شعر وكأن يزيد قد تسلّل إلى أعماقه دون أن يشعر، وأنّ هذا الصغير يحمل في روحه نورًا مُعديًا، يجعلهُ يضحك أكثر، يهدأ أكثر، يشعر بأن العالم أقلّ ضجيجًا.
2

تناول قُصى الكُتب من حِجر الأصغر ووضعها إلى جانبه، ثم تمدّد على الأرض وأسند رأسه على فخذ يزيد في حركة عفوية،كان ملمس فخذه دافئًا وطريًّا، لكنه امتنع عن التعليق بقذارة.
3

"ماشي إمتا ياشيف؟"
همس بها قُصى وهو يُعدّل وضع رأسه براحة، بينما الأخر إبتسم مُخرجاً هاتفه ليتفقّد الوقت
"يعني ساعه ونص كدا"


"يادوب ألحق أقيِل شويّة."
3

راقبه يزيد بصمتٍ وهو يُغمض عينيه شيئًا فشيئًا، متأملًا ملامحه القريبة وقد سكنت في هدوءٍ مريح، وكأن العالم خارج هذه اللحظة لا يعني شيئًا،مدّ يده برفقِ وبدأ يُمرّر أنامله في خصلات شعر قُصى السوداء، شعرٌ ناعمٌ كأنما خُلق ليُلامس الأمان.
5

أما الآخر فقد كان يستشعر دفء يدهِ، وصوته الداخلي يهدأ مع كل حركة تُداعب شعره، أطلق أنينًا خافتًا، أقرب إلى تنهيدة إرتياح، وكأن لمسة يزيد تمسّ خافقه لا رأسه.
4

-


كان جالسًا في مكتبه، تحيطه دفاتره المُرتبة بعناية، وملامحه تفيض بالحيوية، أنهى جلسته الثانية لذلك اليوم، ودَوّن آخر ملاحظاته بخط دقيق وواثق، بدا وكأن يومه يسير بسلاسة غير معتادة، أغمض عينيه لثوانٍ، قبل أن يسمع الباب يُفتح ويُغلق خلف الداخل بخفّة متعمّدة.
1



رفع رأسه بتوقع تلقائي فظنّه الطالب الثانيٌ ليحظى بجـلستهِ، لكنه لم يكن كذلك، كان ماريوس.
2

وقف عند الباب، كتفاه متصلبتان وملامحه ساكنة بجمودٍ مرعب، كأن كل الغضب الذي عرفه العالم احتُجز في نظرة واحدة، أغلق الباب خلفه بهدوء بارد، تقدّم خطوة واحدة داخل الغرفة ولم يزد.
4

يوسف وقد نهض فاتحاً ذراعيه له بابتسامة لم تعد تملك نفس الدفء، فقط بقاياه لكنه لم يتحرك ،لم يأتِ إليه.
5

"بكل هدوء.كنت بتعمل إيه عند سيف في البيت؟"
8

تجمّدت عضلات وجه يوسف ،لم يُفاجأ فقط خاب ظنه مرّة أخرى ،أغمض عينيه للحظة، زفر ثم همّ بالرد، لكن ماريوس لم يمنحه فرصة.
1

"الأسبوع اللي فات كله مبترُدش على معظم الكولز بتاعتي ولا حتى المسدجات، زبه مشبعك للدرجة دي يعني ولا إيه؟"
13

"ماريوس؟"


"كسمك إنت خليت فيها ماريوس ولا زفت؟"
5

كان الصوت أقسى من أن يُحتمل، وأقرب إلى الطعن من أن يُعدّ مجرد كلام ،إقترب ماريوس أكثر حتى لم يعد هناك ما يُسمّى مسافة، ثم سحب يوسف نحوه بعنفٍ يليق بالغِلّ المتراكم في صدره.


"والعدرا يا يوسف، إن كان اللي في دماغي صح لأنَيّكك قدّام الجامعة كلها عشان تشوف أصلك الوسخ قدّام عينك."
21

لحظة واحدة فقط ظل يوسف ساكنًا ثم دفعه بقوة كمن يدفع ثقلًا كاد يخنقه ،إرتدّ ماريوس للخلف، فيما كان يوسف يُحاول ترتيب أنفاسه التي اختنقت في صدره.


عينيه كانت دامعتين، لكن ليس بفعل الحزن بل الإرهاق من تلك الأفكار المُوحِشة التى لم ولن تتغير.


"دخلت معايا كسم ريليشن ليه وإنت غاوي شرمطه ولبونه على أي زب يقابلك؟"
13

إقترب ماريوس من يوسف مرة أخرى، قبض على ياقة قميصه بعنفٍ أفقد القماش شكله، وجذبه نحوه حتى تلاصقت أنفاسهما في لحظة اشتعال ،حاول يوسف دفعه مجددًا، لكن جسده خذله.


لم تكن القوة هي ما ينقصه بل الرغبة، لم يعُد يريد القتال، فقط يريد أن يبتعد.
1

"إ.طلع برا"


لكن الآخر لم يتوقف، بل إبتسم بسخرية شنيعة وهو يتمادى في سُمّه


"طب عيب عليك يا شرموطتي، بتمص لأزبار الناس وسايب زبر حبيبك؟"
13

وفي تلك اللحظة،تحطّم كل ما تبقّى من صبر يوسف.




إرتفعت يده فجأة وارتطمت بكفٍ صارخ على وجه ماريوس ،صوت الصفعة ملأ الغرفة يتردد صداها في جدران المكتب، وفي قلب ماريوس الذي لم يتزحزح، فقط نظر إليه ببرودٍ قاتل، كأن الصفعة لم تمسّه.
12

لم ينبس بكلمة لم يرد الصفعة، لم يعتذر، فقط إستدار بهدوء وغادر المكتب تاركًا خلفه يوسف واقفًا، يده ما تزال معلقة في الهواء، وشفتيه ترتجفان بصمتٍ.


لم يعُد يوسف يشعر بشيءٍ سوى ثقلٍ خامدٍ يجثم فوق صدره،كأن قلبه لم يعُد ينبض بل يُصفع ،شك ماريوس لم يعُد مجرد خلاف عاطفي، بل تحوَّل إلى معول يهدم كيانه بهدوء بارد.
6

الكلمات الأخيرة ما زالت تتردد في رأسه، كأنها سُمّ خفيّ يتسلل في عروقه، يُفسد كل دفءٍ تبقّى فيه،
ما عادت علاقته بماريوس علاقة، بل ساحة حرب كل لقاءٍ أشبه بالكمين ،كل كلمة مغموسة بالاتهام،كل نظرة تُفكك كبرياءه بلا رحمة، لم يعُد قادرًا على الاحتمال، لا لأنه ضعيف بل لأنه استُنزف حدّ الفراغ.
2

و طرقٌ خفيف على الباب أيقظه من شروده.


"دكتور چو.أدخُل؟"


كان الصوت ناعماً، لطالبٍ جاء في موعد جلسته ،رفع يوسف عينيه نحوه ببطء، كأن كل حركة تُكلفه عمراً، أومأ برأسه دون كلمة وحاول انتزاع ابتسامة، لكنها جاءت باهتة.


جلس الطالب أمامه، في حين انكمش يوسف خلف مكتبه يخبّئ ارتجاف روحه خلف دفتر الجلسات، يداه متصلبتان فوق الورق، وعيناه تتظاهر بالانتباه، بينما عقله يرتطم بجدران الخذلان.


-


يسيرُ في بيتٍ موحشٍ تكسوه الظُلمة، لا يُنيره سوى ضوء القمر الخافت المتسلل من نوافذ مكسورة، الأرض تحت قدميه باردة كالجليد، وجسده يُثقل كأنما يحمل وزر العالم بأكمله، عيناه فارغتان جامدتان، لا حياة فيهما، تسيران به كمن يُقاد نحو مجهولٍ لا نجاة فيه.
1

ومع كل خطوة يخطوها يترك خلفه أثر دمٍ غزير، يتسرب من جرحٍ طويل يشق ظهره شقًّا، وكأن أحدهم نحت عليه ألماً لا يُمحى.


في تلك اللحظة شعر بدمائهِ الساخنه تنتشر في جسده، وكأنها تجرفه نحو حافة الموت ،عينيهِ تهتزّان، قلبه ينبض بشدةٍ رهيبة، وفجأة شعر بكل شيء يتباطأ، كانه يغرق في ظلامٍ أبدي.
1

سقط على الأرض فجأة، غير قادر على الحراك، وكل ما كان يشعر به هو الدماء التي تغمره، وعيونه تنغلق ببطء مُميت.


ثُـم..


شهق قُصى شهقةً مفزعة، مرتجفًا كأنما انتُزع من قاع الجحيم، أفزعه الكابوس، أفزعه المشهد الذي عاد ليطارده من ماضٍ يرفض أن يُدفن ،رفع رأسه بسرعة عن فخذ يزيد، وقد تراقصت في عينيه نظرات ذعرٍ حقيقية، ويداه ترتعشان بعنف.
3



إنتفض يزيد بجانبه، وقد سرت في جسده قشعريرة من فزع قُصى،اقترب منه بحذرٍ مُحب، يربّت على كتفه بكفه الدافئة، وصوته يتهدّج بخوف صادق
1

"مالك يا روحي؟ مالك؟"
10

لم يُجب قُصى، لم يُحرّك شفتيه حتى بل اكتفى بإبعاد يد يزيد عن كتفه بخفةٍ واهنة، كأن لمسة الآخر كانت أثقل مما يحتمل ،وضع يده المرتجفة على صدره، فوق قلبه مباشرة حيث كانت الضربات تتوالى بعنف، تكاد تفتك بقفصه الصدري.


أنفاسه تعالت لكنه لم يكن يتنفس حقًا الأكسجين يرفض دخول رئتيه،كان صوته يُشبه شهقة غريق، يبحث عن الهواء في محيطٍ من الهلع.


إقترب يزيد منه سريعًا، قلبه يطرق صدره بذعرٍ حقيقي، وعيناه تائهتان في ملامح قُصى المرهقة، أمسك بكفيه المرتجفين برفقٍ مفرط كما لو كان يمسك زهرةً أو قلبًا على وشك الانهيار هامساً بصوتٍ تغلفه الرِقة والخوف معًا
1

"إتنفس يا قُصى.خد نفسك يا حبيبي."
12

صوته كان يُشبه نسمة دافئة تحاول إنعاش نفسٍ اختنق، وكان يحاول تهدئته بنبرةٍ بطيئة، مليئة بالحب، خالية من أي ذعرٍ ظاهر.


"براحة"


لكن قُصى حاول سحب يديه، ضعف جسده كان ظاهرًا،ومع ذلك لم يتركه يزيد أمسك بيديه مرةً أخرى، وضمّهما بحنانٍ كأنما يعيد بها الحياة لأطرافه المتجمدة.


اقترب منه أكثر، وهمس بجوار أذنه بصوتٍ دافئ، مطمئن، موجّه كليًا لقلبٍ خائف


"إتنفس من مناخيرك.
أيوه، شطور."
6

راقبه يزيد بصمتٍ حنون وهو يراه يُحاول فقط أن يتنفس،كانت المحاولة في ذاتها كفيلة بإثارة الرجفة في قلبه، لكنها سرعان ما هدأت حين بدأت أنفاس قُصى تنظم ذاتها، تتباطأ قليلاً، تخف ارتجافاته تدريجيًا، كأن صدره وجد الطريق أخيرًا ليهدأ.


عسليتاهُ تُتابعانه كأنما يتأكد من عودته إلى الحاضر، ثم ترك يديه برفق، ووضع كفه على ظهرهِ، يربت عليه بلينٍ بالغ.


صمتٌ هادئ خيّم على الغرفة لم يقطعه سوى صوت علبة السجائر وهي تُفتح، وإرتجاف بسيط في أصابع قُصى وهو يُخرج لفافة الحشيش، يشعلها بعادةٍ مُكررة، ثم يسحب منها نفسًا عميقًا ويحبسه طويلًا في صدره، كأنه يُطفئ اللهيب الذي أشعله الكابوس.


يعلم تماماً أن الحشيش ليس حلاً، يعلم ضرره، ويكره رؤيته في يدهِ ،لكنه أيضًا يعلم أنه الشيء الوحيد الذي يُهدئه عندما تفترسه نوبات الذُعر وحين تُهاجمه ذاكرته ليلاً.
1

"حِلم وحش؟"
سأل يزيد بصوتٍ خفيض، وهو لا يزال يُربّت على ظهره برفق، كأنّ أناملَهُ تُحاول طرد أشباح الكابوس من جسده.




أومأ قُصى بصمتٍ تام، دون أن ينبس ببنت شفة، بينما عيناه تحدّقان في الأرض،نفث دخان سيجارته ببطء، كأنّه يطرد ما في صدره من ثِقل داهمه على حين غفلةً.


"فيه بارتي بليل.تِيجي؟"


سأل بخفوت وهو يُبعد لفافة الحشيش عن شفتيه، ينفث الدخان ببطء، ثم رمق نِيـمو بنظرة عابرة وهو ينهض من نومه الثقيل ويتهادى نحو يزيد، يلقي بجسده في حضنه كأنّه وجد وطنه الصغير.
1

أخفض يزيد رأسه ينظر إلى القط الصغير بين ذراعيه، ثم رفع عينيه نحو قُصى، كان على وشك الإيماءة ردًا على سؤاله، لكنّه تراجع وسأل بصوت خافت


"هتروح؟"


"بسألك عشان تيجي معايا"


"يـسيدي. قُول إنك بـِتفلرت و دا أول دِيت لينا"
12

مازحهُ يزيد بإيماءة خفيفة وغمزة دافئة، تحمل في طيّاتها رغبة صادقة في انتشال قُصى من غيمته الثقيلة، كان يحاول أن يسرق منه إبتسامة ولو صغيره.


نفى قُصى بهدوء وهو يُخرج منديلًا من جيبه، يفرشه بعناية على الأرض قبل أن ينفض عليه رماد سيجارتهُ
1

"أول ديت لينا مش هيبقى في بارتي كحيانة زي دي."
7

يزيد، الذي كان يُمرر أصابعه بلطف فوق فراء نيمو المتكور في حضنه؛ لم يرفع عينيه نحوهُ، لكن نبرة قُصى التي غلفتها الجدية أصابتهُ بشيء يشبه الرجفة، أحس فجأة أن حرارة جسده ارتفعت، وكأن جملته البسيطة تلك أشعلت بداخله نارًا لم يكن مستعدًا لها.


"عايزهُ إنت يبقا فين؟"
2

سألهُ قُصى بنبرة جادّة، وهو ينفض رماد سيجارته مُجدداً على طرف المنديل الأبيض، عيناه ثابتتان على ملامح يزيد، لا تزيغان.


رفع عسليتاهُ نحوه ببطء، وابتسامة باهتة حاولت أن تتسلّل إلى وجهه، لكنها خانته، لأن قلبه في تلك اللحظة كان يضجّ بعاصفة.


لم يكن توتره نابعًا من ارتباك عابر، بل من تلك المشاعر التي تسلّلت إلى داخله دون استئذان واستقرّت هناك تُ*** أنفاسه وتُثقله بنبضٍ لا يهدأ.


"على البحر"
2

"مع راجل حِـيلوه طويل وشعره أسود وعامل
وشم" أكملها قُصى كأنه يُتمّ الجملة عن يزيد دون تردّد، مستندًا برأسه إلى الحائط.


"يااه.شاروخان!"
11

نظر له قُصى بسرعة بعينين متّسعتين،وكان على وشك الرد بأقذر الألفاظ، لولا أن الباب فُتح فجأة، ودخل مالك بوجه مكفهر وكتفين منحنين كأنه يحمل العالم فوق ظهره.




رَمى جسده بعشوائية فوق السرير، وصوته خرج مختنقًا "ودّوني على بيت حبيبي نعيش مع بعض فيه"
7

قهقه يزيد وهو يُبعد نيمو من فوقه، معتادًا على دراما مالك التي تتكرّر كلما قرر أخذ المحاضرات على محمل الجد،وقف بعدها أمام المرآة يرتّب خصلات شعره ويُهندم ملابسه، يرشّ على نفسه عطر الفانيلا الذي بات علامة له.


مالك لف رأسه ناحية الغرفة، شاحب النظرة مع عبوس إستبد معالمهِ
"إزيك يا قُصى."


"أهلاً يا مرا يقادرة"
2

"هقول لـكريم"


"خخخ. تعال يايزيد خَبيني في عِبك"
1

"بتهيألي إنت لو إستخبيت في عِبه هيطُب علينا بوليس الآداب"


"لأ متخافش يقلبي هحطهولهُ براحه"


"معتقدش إنك توب ڤانيلا يا قصى"
12

"يعني إيه توب ڤانيلا؟"
7

وفي اللحظة ذاتها، إلتفت كلٌّ من قُصى ومالك نحوه، ينظران إلي يزيد المُتعجب من تلك الكَلمات والألفاظ الجديده! مالك إنفجر ضاحكًا، يعلم جيدًا أن يزيد بطبعه خجول، لكنّه لم يتوقّع أن تصل براءته إلى هذه الدرجة.


"يعني بينيك براحه.من غير سبانكات، من غير بعبصه ولا حتى كلام ديرتي"
9

تغيّر لون وجه يزيد دفعة واحدة، كأن الدم صعد بأكمله إلى وجنتيه مُرتبكاً بشدة، وعاد ينظر إلى نفسه في المرآة، باحثًا عن أي شيء يشتت ذهنه عمّا قيل لتوّه ،كانت شفافيه قُصى صادمة، ومباغتة، وتكاد تكون مربكة.


خفَتت ضحكات مالك تدريجيًا وهو ينظر إلى يزيد، الذي بدا وجهه بلونٍ يكاد يضاهي لون الدم
" في رأيك يا زيزو،الواد دا بينيك براحه ولا مُفتري؟"
3

و في تلك اللحظة، نهض قُصى من مكانه مُقترباً ليقف بجوار يزيد أمام المرآة، يعدّل خصلات شعره ويهندم قميصه بصمتٍ شبه متعمّد.


"م.معرفش!مجربتش قبل كدا"
6

وهنا انفجر مالك ضاحكًا من جديد، بينما التفت يزيد إلى قُصى بسرعة، ونظراته تقول بوضوح إنّ مقصده لم يكن على الإطلاق كما فُهم،كان يتحدّث بعفويةً، لا يعني بها شيئًا جنسيًّا، لا من قريب ولا من بعيد حتى!
1

"هبقا اخدك عليه وأخليك تجربه يبطايتي"
4

غمز له قُصى بقذارةٍ،وهو يُلقي بالمنديل في سلة المهملات، كأن حركته تحمل من الوقاحة ما يكفي لإشعال الحرج في صدر يزيد ،ولم يكن الأمر في الكلمات فقط! بل في الطريقة ،النظرة، اللهجة، ذلك البرود الوقح الذي يلتف حول نبرته كالدخان.




يزيد شعر بحرارة تسري في جسده، تبدأ من وجهه وتتمدد نحو صدره وبطنه، كأن أنفاسه تُثقَل فجأة، لم يكن معتادًا على هذا النوع من الأحاديث، لا بهذا الشكل.


لا بهذه الجرأة، ومع ذلك لم يستطع أن ينكر -لا لنفسه ولا لتسارع نبضه - أن شيئًا في تلك الوقاحة أغراه.
أثار فضوله
أربكه
وجذبه.
1

حاول أن يتظاهر باللامبالاة، أن يعود بنظره إلى المرآة ليصلح هندامه، لكنه كان يراه هناك في طرف عينه... قُصى واقفٌ بثقة مرعبة.


ولسببٍ لم يفهمه ولا يريد أن يعترف به، تمنى يزيد ولو للحظة قصيرة، أن يسمعه يقول شيئًا آخر أكثر إيحاءً وأكثر قذارة.
8

-


يجلس في ركنٍ هادئ من المكتبة، منكفئًا على طاولة صغيرة بالكاد تتّسع لشخصين، تفصل بينه وبين العالم شاشة حاسوبه المحمول المفتوحة على محاضرةٍ إلكترونية، بدا وكأنها تُبث في عالمٍ لا يخصّه، إذ لم يكن يضع السماعات، وقد كتم الصوت، كما أن نظراته لم تلتفت نحو الشاشة ولو لمرة واحدة.


كلّ تركيزه كان منصبًا على من يجلس أمامه؛ ذلك الشاب الذي بدا كقطعةٍ مقتطعة من سكونٍ عتيق، غارق في قراءة كتاب فلسفي بعنوان -الهرمينوطيقا والتأويلية الحداثية- لـ بول ريكور ،كان يرتدي نظارة قراءة تُبرز خلف عدساتها عينين بلونين متناقضين حدّ العبث؛ الأزرق البارد والعسلي الدافئ.
3

شعره الأسود، الطويل نسبيًا بدا مبعثرًا بعناية، وملابسه إختيرت بذوق بسيط، يتدرّج بين السماوي والبيج، لكنّ البساطة تلك لم تُخفِ خطوط جسدهِ المشدود، ولا كتفيه العريضين اللذين تشي بهما أكمام القميص.
2

إبتلع حذيفة ريقه بصعوبة، وهو يرمقه من خلف شاشة الحاسوب، لا لشيء سوى أنه فعلًا لا يستطيع التوقّف عن التحديق به
6

لم تكن هذه أول مرة، الحقيقة أن مراقبته أصبحت عادةً يمارسها منذ ما يقارب الثلاثة أشهر، دون أن يجرؤ ولو لمرة، على المبادرة بكلمةٍ واحدة.
3

وفجأة، رفع الشاب نظره عن صفحات الكتاب، كأن حركةً عابرة في الجهة المقابلة قد استرعت انتباهه، كانت لحظة عابرة..لولا أن عيناه وقعتا مباشرة في عيني حذيفة.
1

تجمّد الأخير في مكانه، شعر بأن قلبه يرتطم بجدار صدره بعنف،لم يكن يتوقّع أن تُضبط نظراته بهذه السرعة، وبهذه المواجهة المباشرة.


لكن ما أدهشه أكثر أن آسِـر لم يشيح بوجهه، لم يقطّب حاجبيه استنكارًا، ولم يُنهِ الاتصال البصري على عجل، بل على العكس إبتسم إبتسامة خفيفة، هادئة تُشبه نسيم المساء بعد يومٍ صاخب، وهو يدفع نظارته إلى الأعلى برفق، كأن الأمر لا يستحق إرتباكًا.
5

أما حذيفة فقد ضاع تمامًا بين خجلٍ مباغت وتوترٍ خانق، ومع ذلك حشد كل ما استطاع من رباطة جأشٍ، وردّ بابتسامة مرتعشة حاول جاهدًا أن تبدو طبيعية.












4

-


إختلاف لون القزحيتين حاجه إسمها
- Heterochromia-


وده بيحصل إما من وقت الولادة (يعني حاجة وراثية) أو ساعات بيظهر نتيجة إصابة أو مرض أو استخدام علاج معين، ولأ مش خطر ولا حاجة.


وده بيحصل إما من وقت الولادة (يعني حاجة وراثية) أو ساعات بيظهر نتيجة إصابة أو مرض أو استخدام علاج معين، ولأ مش خطر ولا حاجة

+


"آهه دخلهُ يـروحي"




تأوه بفُحش وهو يرفع مؤخرته وجُزئه السُفلى كاملاً لينخفض ظهرهُ تلقائياً فوق ذلك المكتب بوضعية مُؤلمه لكنه حقاً لا يُبالي.




"أدَخل إيه؟"




همس بها وهو يُحرك إصبعه فوق فتحته المُنكمشة على ذاتها راغبةً بإحتكاك قاسي




"صا أه صابعك.عشان خاطري"




وتنهيدة رقيقه هربت مِن فاه يُوسف جراء صفع ماريوس لمؤخرته بقوةِ إلى أن باتت حمراء قانيه ،
تبسم الأصغر بقذارةِ لهذا المنظر المُحبب لـخافقهِ
، لقد عاد بعد ساعة من الشجار الذي دار بينه وبين يوسف، وانتهى بهما الحال إلى تلك الوضعية الخليعهِ.

25


"ءاهه يا ماريوو!!"




كان نحيبهُ عالياً لإصبح الأصغر الذي إخترق فتحته الساخنه ولم يترك له ماريوس متّسعًا للتراجع، إذ لحق إصبعه الآخر بالأول يدفع بهم عميقاً




"بتيجي على البعبصه يادكتور"




همس ماريوس بقذارةِ، بينما يدفع إصبعيهِ عميقاً في جوف تلك الفتحة المشدودة عليه وقد وجد إيماءة سريعه من يوسف المُغيب وهو يدفع بمؤخرتهِ الطريه نحو ماريوس أكثر بـعُهر تملكه.




"بعبصني يـروحي أهه"

10


حين نطق يوسف بتلك الكلمات، سحب ماريوس أصابعه بهدوء مُستفز، وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة غير مبالية وكأنّه لم يكن لتوّه يزرع رعشة في أعماق الآخر.




تقدّم إلى الكرسي بثقة جلس متراخيًا، مُباعدًا بين ساقيه بثقل رجولي لا يُخطئه البصر،وكان ذلك المشهد كافيًا ليوسف الذي عضّ على شفته لا إراديًا وهو يزحف بخفّة من فوق المكتب، ثم جلس أرضًا أمام ماريوس، وعيناه مُثبتتان على قضيبه المُنتصب من أسفل الملابس.




"م.مكن أمصه؟"

10


أومئ ماريوس وكان هذا سبباً لإبتهاج يوسف إذ أنهُ إقترب أكثر يفتح سحّاب بنطاله بسرعة ويُعانق بيده الدافئه عُضو الأخر الذي كان شاهقاً أمام مرآى بصره




وسرعان ما دسّه الأكبر في فمهِ يملئهُ بلعابه الساخن وحينما فعل ،أخرج ماريوس لفافةَ حشيش يُعيد إشعالها وهو يستنشق تلك المُخدِرات ونظرهُ يثقب الأكبر الذي يمتص قضيبه بتفانِ ومهاره.




"أحا يا لبوه!"


سَب ماريوس عالياً ليقهقه يوسف ،فهذا إن دِل فَيدُل على إستمتاعهِ ،إستقام ماريوس ينظر للأكبر وهو لازال يمتصهُ وعيناهُ اللامعه تُحدق به من الأسفل.

وبتلك الحركةِ وقف يوسف سريعاً وهو يحاوط عُنق ماريوس بدلال بادي على وجهه مع وضع قُبلات لطيفه مُتفرقه على أنحاء وجههِ والأصغر يبتسم مع صفعه المُتكرر لتلك الطريه المرتجه.

+


"عايز ماريو يفشخني"


همس بتغنج أذاب قلب ماريوس الذي سحبه ضد الحائط محاصرًا إياه بقوة،كانت أنفاسه ثقيلة وعيناه ناعسة شهوانيه.


إعتصر ماريوس مُؤخرة الذى يتأوه بخفوتِ ،ثُم وبدون سابق إنذار حَملهُ ليشهق الأكبر مع بسمتهِ اللطيفة وأحاطت قدميه خصر ماريوس وبذراعيهِ عانق رقبته بوهن.


هجم الأصغر على شِفاهه الداميهِ من كثره العض يمتصها بقوةِ مداعباً لسانه وفجأةً أقحم قضيبهُ بداخل فتحة الآخر الذي تأوه بألم في مُنتصف القُبلةِ ألا أن ماريوس آبى أن يترك شِفاه يوسف.


زفر الأصغر أنفاسهُ بثقل مُميت من ضِيق يوسف الذي يبتلعهُ بمثاليةِ ،إزدادت دفعاته وهو يشعر بأظافر حبيبه تنغرز في ظهرهِ بقوة لطالما فضلها.


"أه يا ماريوس.
ك.كمان آهه"


"بحبك"
همس بها بهيّام وإحتدت حركة ولوجه وخروجهُ وهو يرى مظهر يوسف الذي يرتفع وينخفض جراء دفعاتهِ القاسيه وذاك الوجه المُستلذ بما يفتلعهُ به من فُحش


صرخ يوسف بـعُهر إستبد دواخله وهو يشعر بخروج سائلهِ اللزج بين كُلاً من جسديهما اللذان يشتعلانِ حرارةً و رغبةَ عارمه ،خرجت من ماريوس بسمةً خافته وهو يدفع بهِ عميقاً مُكرراً ذات الهمس


"بتحب ماريو؟"


أومئ يوسف سريعاً كطفل صغير مع عضهِ المستمر
لشفاهه السُفليهِ وقد أدار حدقتيه للخلف من السُخونه التى إجتاحتهُ جراء قذف ماريوس به.


أراح الضخم جبهتهُ ضِد خاصة يوسف بأنفاسِ مُضطربه وقد سكن جسدهُ داخل حضن حبيبهِ الذي أحاط وجنتيِ ماريوس وقبلهُ برفقِ كعادته


"بحب ماريو"


"و ماريو بيعشق أمك"


"بَـلدي!"
21

ضحك ماريوس بخفة وهو يلتقط علبة المناديل، سحب منها بضع ورقات، وبدأ بمسح السائل الذي لطّخ جسد يوسف، يفعل ذلك برفقٍ بالغ، وكأنّه يعتني بكنزٍ ثمين.
7

وبينما يُنظّفهُ براحةٍ وعناية، لم يتردد في دغدغته برقة، ليعلو ضحك يوسف وهو مستكين في حضنه، مُرتاحًا وكأنّ العالم اختفى من حوله.


بعد مضيّ بعض الوقت، كان ماريوس قد انتهى من إلباس يوسف ملابسه بعناية، ثم نهض يبحث عن نظارتهِ ،لم يتأخر في العثور عليها إذ كانت موضوعة على سطح المكتب.




التقطها، ونفخ عليها برفق ثم مسح زجاجها بحافة قميصه وعاد بها إلى يوسف الذي كان يجلس مبتسمًا بـوسع، انحنى ماريوس بانسيابيةٍ وقبّل عينيه قبلة خفيفة، ثم وضع النظارة على وجهه بلطف، قبل أن يجلس بجانبه، مستندًا إلى كتفه في سكونٍ عميق.


"آسف"
7

ظلّ ماريوس صامتًا برهة، يُمسك بكف يوسف ويضمّه إلى كفّه العريض


"إبقى أُحضني يا يوسف،أنا بخاف تسيبني وتروح لحدّ تاني أحسن مني.عارف إنّي مليان عيوب بس لو خسرتك حقيقي أنا مش هسامح نفسي، أنا بس محتاج أتطّمن، محتاج أحس إنك لسه ليا."
11

تابع وهو يطرق برأسه نحو صدر محبوبهِ
"بُص...عالجني، عالج الموضوع دا ولو في أدوية ممكن تساعد إديني. بس متبعدش متكرهنيش يا يوسف."
6

يوسف وقد ضمّه إليه بقوة، يشد على جسده كما لو كان يحاول احتواء اضطرابه الداخلي، وقلبه ينبض بخوفٍ عميق من كلمات ماريوس التي تسللت إلى أعماقه بحدّة، تعبث بثباته وتزلزل سكينته.


لأن ماريوس لم يسبق له أن تحدّث إليه بهذه الطريقة من قبل، ولم يُظهر له ضعفه بهذا الشكل قطّ! لم يكن يومًا من الذين يُفصحون عن مشاعرهم أو يُقرّون بندمهم، لكنه الآن في تلك اللحظة التي إنكشفت فيها هشاشته، بدا نادمًا بحقّ على نوبات غضبه، على عصبيته الجارحة التي لطالما آذت يوسف دون أن يقصد.
1

كان حديثه اعترافًا غير مسبوق، وماريوس - بكل ما فيه من قسوة ظاهرية - بدا وكأنه ينهار من الداخل، يسقط درع صلابته الثقيلة، ويكشف عن رجاءٍ خافت أن يُمنَح فرصة أخرى و أن يُغفر له.


"نحاول مع بعض يـعيوني.
مش هسيبك في حالك أنا"
2

ابتسم ماريوس، ثم أسند وجهه إلى صدر يوسف عميقاً كأنه يلتمس منه دفئًا يُسكِّن به اضطرابه، مدّ يوسف يده يربّت فوق خصلاته برفقٍ اعتاد عليه، حركة صغيرة لكنها كانت تحمل طمأنينة كبيرة.


اقترب ماريوس برأسه أكثر، دافعًا خده إلى صدر يوسف كما تفعل القطط حين تبحث عن مأوى دافئ، ثم همس بصوت خافت.


"عايز أرضع."
14

ضحك يوسف وهو يومئ برأسه، وقد بدا عليه الاستسلام التام لرغبة ماريوس، قائلاً بنبرة خفيفة وهو يُداري ضحكته
"حاضر. هخلص السيشن، واعمل فيا كل اللي انت عايزه."


أخرج ماريوس رأسه من صدر يوسف، وقبّله قبلة سريعة على شفتيه، قبلة عفوية لكنها محمّلة بالامتنان، فقد أسعدته كلمات يوسف بصدق.


وفجأة، رنّ هاتفهُ فوقف من مكانه مُتجهاً نحوه بخطوات هادئة، بينما ظلّ يوسف جالساً يُراقب جسده الضخم،عريض الكتفين، طويل، مشدود العضلات كأنما صيغ من نحتٍ إغريقي تتراقص الظلال فوق منحنياته كأنها تعرف الطريق.




كان يُحدّق به دون خجل،كأن عينيه تُسجّلان ملامح الرجلٍ الذي يحبهُ.


"دُوك!"
1

صاح بها قُصى بصوته الجهوري، فاخترق السكون كطلقة أفزعت يوسف وأربكت ماريوس الذي التفت سريعًا جهة الباب.
3

كان قُصى قد دخل بطريقة لا تقل درامية عن صوته، دفع الباب بقدمه وتركه يتأرجح خلفه، فيما يداه غاصتا في جيبي معطفه، وابتسامة هادئة ترتسم على وجهه.


أدار نظره سريعًا نحو ماريوس، وعيناه تلتقطان منه كل التفاصيل في لحظة صامتة، لم ينبس ماريوس ببنت شفة، بل ردّ عليه بنظرة هادئة ثابتة استمرت لثوانٍ، ثم أشار بيده إشارة خفيفة نحو يوسف، تحمل في طيّاتها معنى وداعٍ صامت.
4

وغادر بعدها بهدوء يستكمل مكالمته في الخارج، تاركًا خلفه يوسف الذي إبتسم بلطف وهو يُشير بيده ليقترب ذو الوشوم، ثم نهض من مكانه يعانقه عناقًا جانبيًّا خفيفًا "فِينك يا عرص"


ضحك قُصى وهو يهبط على الكرسي بتراخٍ، مسندًا رأسه وظهره بإهمال، وعيناه لا تفارقان يوسف وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة بلهاء
"العرص مزاجهُ في العَالالِي"
2

"نفسي أشخرلك بس مبعرفش"
قالها يوسف بجدية صادقة وهو يدفع نظارته إلى الوراء بإيماءة معتادة، فتعالت ضحكات قُصى مجددًا، قبل أن يبدأ يوسف بتلك الأسئلة الروتينية التي تفتتح بها كل جلسة.
4

"إِشجيني.إتخانقت كام خِناقه الأسبوع دا؟"


"ولا واحده"
6

قالها قُصى بهدوء تتخلله ابتسامة كسولة، ولا يزال مسترخياً في مقعده، كأن لا شيء في هذا العالم يستحق القلق، رفع يوسف عينيه إليه بعدم تصديق، متفحصًا ملامحه كما لو كان يُحاول فك شفرة سلوكٍ غير معتاد.


"آخر خناقة كانت مع الخول ماجد.وحقيقي متخانقتش مع حد الأسبوع دا"


"طب أخدت مُهدئات؟"


"هـاش ولا أدوية؟"
هاش-حشيش.


"أدوية"


نفى قُصى برأسه بهدوء، وإبتسامة خفيفة مرت على شفتيه، كأنما يستمتع بريبة يوسف المُعتادة،كان يعلم تماماً أنهُ لا يُصدّقه، وأن ملامحه تُفصح عن شكٍ واضح، لكن وللمرة النادرة كانت هذه هي الحقيقة فعلاً.
1

"مين في دايرتك حالياً؟"


"يزيد،سيف،كريم،حذيفة،مالك"
3

"إلعب.
مين يزيد؟"


إبتسم قُصى هذه المرّة،لكن الأكبر التقط على الفور أنها لم تكن ابتسامة عابرة أو ساخرة كما اعتاد، كانت أقرب لابتسامة راحة، استقرار خفي، بل وظهرت لمعة دافئة في عينيه لم يعهدها يوسف من قبل.
2



"واد لهطة قشطة كدا."
3

"ريليشن؟"


هزّ قُصى رأسه نافياً، وصوته جاء هادئًا، كأنما يطمئن نفسه "صُحاب"
5

"مش عيب عليك تبقا قد البغل وبتكدب؟"
قالها يوسف وهو يقترب من وجه قُصى ليقرص وجنتيه كما يفعل الكبار مع الأطفال.
2

ضحك قُصى وهو يبعد يد يوسف عن وجهه، لكن قبل أن يلتقط أنفاسه حتى، سأله يوسف بسرعة وحماسٍ لا يُقاوم "بتحس بـإيه وهو حواليك؟"
1

"إنيِ هادي
مش متعصب."
3

همهم يوسف بابتسامة صغيرة، وهو يُدوّن ملاحظة سريعة في دَفتره الجلدي المعتاد، وقبل أن يرفع رأسه تسلل إلى أذنه صوت قُصى
"رايحين بارتي سوا على ١٢ كدا"
2

رفع يوسف عينيه ببطء
"إنت وهو؟"


نفى قُصى بإيماءة خفيفة، وعيناه على شاشة هاتفه يتفقد الوقت "كُلنا."


"كنت عايزها تبقى إنت وهو بس؟"


هُـنا رفع قُصى عينيه الداكنتين نحو يوسف، ولم يقل شيئًا، بل اكتفى بهزة كتف خفيفة، كأنها اعترافٌ غير منطوق بعدم التأكد أو بعدم الرغبة في الاعتراف.
1

همهم يوسف ثانية، وكاد يطرح سؤاله التالي، إلا أن قُصى سبقه، صوته انخفض أكثر وهو ينقر بأطراف أصابعه على سطح المكتب نقرات متتالية


"الأحلام رِجعتلي تاني"


"دا العقل الباطن يا قصى، الكوابيس اللي بترجع لمواقف من الماضي غالبًا بيكون دا سببها، خصوصًا لو كانت المواقف دي فيها ألم، خوف، أو مشاعر اتكتمت وما اتعالجتش وقتها ،العقل الباطن زي مخزن كبير بيحتفظ بكل حاجة عدت عليك حتى لو حاولت تنساها"
2

همهم قُصى بعدم اكتراث، ونظراته شاردة لا تُمسك بمعنى ويوسف شعر بذلك جيدًا؛ فقد اعتاد قراءة تقلبات وجهه، بين تلك اللحظات التي يبدو فيها متبلدًا تمامًا تجاه ماضيه، وأخرى يغدو فيها مذعورًا حد الانهيار، وكأن شبحًا قديمًا خرج من بين طيات الذكرى ليُعيد تمثيل الألم أمامه.
1

لكن رغم كل ذلك كان يوسف هادئً يُحاول معه دون إستعجال، يمد له يدًا غير مشروطة لا تطلب اعترافًا ولا تدين خوفًا ،وفي قرارة نفسه كان سعيدًا بما وصل إليه قُصى، بتلك المرحلة التي اجتازاها سويًا.


لم يمضِ وقت طويل على الجلسة، حتى وقف قُصى فجأة، واضعًا كفّه المُوشوم على سطح المكتب
"هطير أنا."


أومأ له يوسف بإبتسامةٍ دافئة، تلك التي لا تفارقه في وداع قُصى "خلّي بالك من صاحبك يقلبي"
2



ابتسم وعيناه تلمعان بخفة الظل، ثم رفع إصبعه بهدوء ووضعه على طرف عينه، في إشارةٍ تقول بلا صوت -من عيوني.


وقبل أن يُكمل استدارته نحو الباب، توقّف قُصى للحظة مُلتفتاً بصوته الهادئ


"هو رِيـو كويس؟"
4

كانت نبرته عفوية، لكن اللقب الذي نطقه 'رِيـو' جعل الابتسامة تتسع على وجه يوسف بِصدق، لأنه اعتاد سماعه من قُصى وحده، لقبٌ خاص لا ينادي به ماريوس سواه، ولهذا ابتسم يوسف بشيء من الألفة والحنين لصداقتهمِ الماضيه.
6

"كويس يا حبيبي.مكانش هنا عشان سيشن متقلقش"
3

أومأ قُصى ليُغادر المكتب بخطوات بدا ظاهرها الوَقار، لكن من يعرفه جيدًا كان سيشعر بلهفةٍ خفية تُسابقه، هو لم يكن يسير فحسب بل كان يركض داخله شوقًا، فقط ليرى ذاك الفتى ذو العينين العسليتين.
2

-


وقف أمام المرآة مُبتسمًا لنفسه، تعلو ملامحه لمحة إعجاب صادقة، فقد راق له شكله حقًا هذه الليلة، كانت ملابسه مزيجًا أنيقًا بين الأسود والنبيذي الداكن، وشعره البني الفاتح بدا مُبللًا قليلًا تتدلى بعض خُصله فوق عينيه العسليّتين، أما بشرته فقد أنهى العناية بها للتو، واضعًا طبقة خفيفة من كريمات الوجه، ثم أنهى اللمسة الأخيرة بمرطّب شفاه وردي لامع.
3

ورغم كل ذلك، كان التوتر يتملّكه بشدة، لم يعتد حضور الحفلات أو التجمّعات الصاخبة من قبل، لكن فكرة وجود قُصى بجانبه أشعرته ببعض الطمأنينة، فهو يعلم أنه لن يتركه وحده.
2

جلس على السرير بجوار نيمو المتثائب بكسل
أما مالك فكان يقف بالقرب منه وهو ينفخ بإمتعاض، يلقي السراويل من خزانته واحدًا تلو الآخر على الأرض، وكل ذلك لأن كريم أخبرهُ أنه لن يخرج بهذا البنطال الذي يرتديه.


وفيما كانت الفوضى تُخيّم على المكان، جلس كريم على طرف السرير، في قمة هدوئه، يُحادث قُصى عبر الهاتف وكأن لا شيء يحدث حوله.


فُتح الباب فجأة على إتساعه،ودخل حذيفة بخطواتٍ متسارعة، مرتديًا ثيابًا يجتمع فيها الأبيض والأسود، غير أن ملامحه لم تكن على ما يرام،كان وجهه محمرًّا بشكلٍ مبالغ فيه، وعيناه شاردتان، وكأنما فرّ من سباقٍ لم يُدرك بعد أنه انتهى.


يزيد الذي كان يراقبه منذ أن دلف إلى الغرفة ،عقد حاجبيهِ "مالك؟؟"


رمقه حذيفة بنظرةٍ يملؤها الاستغراب، وكأن السؤال غريب عليه، ثم أجاب بنبرة شبه مشوشة "مَـالي؟"


"بُص كدا في المرايا"


فاستدار حذيفة ببطء، وما إن وقعت عيناه على إنعكاسه حتى اتسعت حدقتاه دهشة، إذ بدا وجهه متورمًا بالاحمرار، وكأن الدماء تدفقت إليه دفعة واحدة بعد جهدٍ مضنٍ لم يدرك كم بذل منه.




- وعادت ذاكرتهُ إلى الوراء، ليعيد في ذهنه تفاصيل ذلك الموقف الذي مرَّ به، كما لو أن الزمن توقف للحظة..


كان يحاول جاهدًا أن يركِّز في محاضرة مملة، يطوِّقها في ذهنه، لكنه لم يرفع الصوت حتى! ناظره مثبتًا على شاشة الحاسوب المحمول أمامه، يقرأ ولكن عقله لم يكن في حالة استيعاب حقيقية لما يراه.


وعلى حين غرةً


شعر بشيء غريب، شعورٌ غير مألوف بأن هناك حركة بالقرب منه، كانت مجرد لمحة أو هاجس خفي، إلتفت بسرعة ليتفاجأ بـآسر الذي كان يقف بجانبه مباشرة، وقد قام من مكانه فجأة، ليقف إلى جانبه بلا سابق إنذار.
2

كانت عيناه المتباينتين، مركَّزتين على رف الكتب المجاور لهما، كما لو كان يبحث عن شيء ما، لكن حذيفة وقد كانت مشاعره تتضارب، شعر وكأن قلبه على وشك أن يخرج من صدره بسبب الارتباك الذي أصابه.


"٣ شُهور كتير"
9

"أ.فنـدم؟"


نظر إليه آسر بعينيهِ تحملان لونين مختلفين كأنهما نافذتان إلى عالمين متناقضين، بينما سكنت ملامحه في هدوء غريب، ونبرة صوته العميقة اخترقت السكون من حولهما


"كنت مُنتظر كتاب بقاله تلات شهور."
4

إرتبك حذيفة للحظة، لكنه سرعان ما حاول أن يرسم على شفتيه ابتسامة توحي باللامبالاة، وكأن ما قيل لا يعنيه،شعر بنوع من الارتياح الطفيف لأن آسر لم يكن يتحدث عن مراقبته أو نظراته المتكررة نحوه لكن سرعان ما قُطع عليه هذا الشعور حين عاد الصوت ذاته، بذات الهدوء الآسر


"تخصصك إيه؟"


"بيزنس."


أومأ آسر إيماءة خفيفة، ثم جلس بجانبه على المقعد الخشبي، فارشًا ساقيه في راحة، وأسند ظهره للخلف كمن لا يحمل في قلبه ذرة اضطراب، ثم بلهجة رائقة أفصح.


"طب ركز في دراستك يا حبيبي زي ما انت مركز في حياتي.صدقني هتفلح"
28

تجمدت عضلات وجه حذيفة، وتبدلت ملامحه إلى إمتعاض واضح، وبدأ يهز رجله في توتر لا إرادي، وكأن جسده يُعلن عن انكشاف سره، فيما جلس آسر أمامه بثبات واسترخاء، كأنه يُدير مشهدًا يتحكم في كل تفاصيله، بهدوء يُثير الجنون -


ثم عاد حُذيفة إلى واقعهِ على إثر صوتٍ جهوريٍ إخترق سكون اللحظة، صوت قُصى وهو يُزيح نيـمو عن صدر يزيد بيدِ حازمه لا تخلو من نفور واضح بينهُ وبين القِط الصغير.
8

"قصى إنت بجد عامل عقلك بـعقل نيمو!"


"مانا لو كنت أعرف إنه كِلح كدا مكُنتش جبته"
1



ضحك كريم وهو يخرج من الغرفة رِفقةَ مالك الذى تحسن مزاجهُ نوعاً ما،وتبعهما حذيفة بخطوات هادئة وصمت غريب، لم يمرّ دون أن يلحظه قُصى، لكنه أرجعه في ذهنه إلى الإرهاق المعتاد بعد يوم دراسي طويل.


عاد قُصى ببصره إلى يزيد، الجالس أرضاً منكفئ الجذع، يضع الطعام بعناية أمام نيمو الذي راح يُراقب حركته بفضولٍ ملوكي.


غير أن انحناءة يزيد جعلت تفاصيل جسده تنكشف في زاويةٍ ما، لا سيما تقوس خاصرته الذي بدا بارزًا على نحوٍ لا يرحم النظر.


شعر قُصى بشيء يضرب في صدره، لم يكن شيئًا سوى الرغبة، تلك الرغبة الغريبة التي تجتاح الإنسان في لحظةٍ غير مناسبة فابتلع لعابه على مهل، ثم استدار فجأة، يدير له ظهرهُ كي يصرف عقلهُ عن صفع تلك المُؤخرةِ الكبيرة بشكل ما.
3

خرج يزيد وقُصى بعد أن تأكدا من أنّ نيمو قد نال طعامه، وأغلقا باب الغرفة خلفهما بهدوء،كانا آخر من غادر؛ إذ سبقهم كريم بخطى واسعة في المقدّمة، بينما تبعه حذيفة ومالك وقد بدأ الأخير في مشادةٍ كلامية عفوية مع رفيقه كعادتهما.
1

أما ذُو الوشوم فقد مضى بخطوات ثابتة، يديه في جيبه، ووجهه مائل إلى الهدوء المُتعالي، كان يسير إلى جانب العسّليِ الذي بدأ توتره يتصاعد شيئًا فشيئًا؛ فمنذ لحظة دخول قُصى إلى المكان لم يتوجه إليه بكلمة واحدة، وكأن وجوده لا يُرى.


وفجأة، جاءت نبرة قُصى العميقة لتقطع خيوط شرود الصغير


"شكلك حلو نيك."
6

كلمات جاءت على حين غرّة، جعلت قلب يزيد يقفز كطفلٍ خائف، لكنه سرعان ما ضحك بحرج، عينيه لا تلتقيان بعين أحد، وردّ بهمسٍ مرتبك


"ألفاظك!"


"مظهرك رائع."
21

ضحك يزيد ضحكة صغيرة، خافتة، وكأنها هاربه من بين شفتيه دون إذن، فقد لامست تلك التفاهة الظاهرة في كلمات قُصى جانبًا لطيفًا بداخله، جانب لا يراه من قُصى الكثيرون، لكنه يعلم أنه هناك مُخبّأ.


"إنتَ كمان"


"أنا إيه؟"


"شكلك جميـل إنهارده"


"يعني أنا مش جميل كل يُوم؟"


"لأ.لأ مقصدش إنت جميل علطول"


"يعني عاجبك؟"


"أيوه عاجبني"
5

أجاب يزيد بعفويّة، ضاحكًا بخفّة، لكن ما لبث أن التفت سريعًا نحو قُصى حين لمح تلك الابتسامة الواسعة ترتسم على وجهه، فتدارك بارتباك
1



"مِش الل في دماغك"


لكن قُصى لم يُعلّق، بل رفع حاجبًا بخفة وكأنّه يُغذّي ذلك المعنى الخفي
"هنسمّي الولاد إيه؟"
11

قهقه يزيد ومدّ يده يضرب كتف قُصى بخفّة، محاولة لإخفاء خجله، بينما حاول الآخر تفادي الضربة ببهجةِ واضحه، ضاحكًا مع العسّلى ، وكأن تلك اللحظة الصغيرة كانت ملاذًا من كل شيء.


بعد مدّةٍ لم تكن بالطويلة..


نزل مالك من سيارة كريم وشفاهه متورّدة بلونٍ فاضح، في حين ترجل الآخر بعدها مباشرةً، وابتسامة واسعة لا تُفارق محيّاه، متّجهَين نحو مكان الحفلة، حيث كان الصخب يصمّ الآذان، والموسيقى تنبض في الأرض تحت أقدام الداخلين.
1

أما في السيارة الأخرى، فقد ترجل حذيفة وهو يضحك بانسجام مع يزيد الذي لم يكف عن سرد نكات تافهة، لكنّها مع ذلك نجحت في انتزاع ضحكته.


نزل قُصى من مقعد السائق، متمددًا بجسده قليلاً وهو يضع يده على ظهره بانزعاجٍ خفيف؛ لم يعتد على الجلوس خلف عجلة السيارة، فطريقته المُفضّلة في القيادة كانت دائمًا على ظهر درّاجته النارية، تلك الوحش المعدني السريع الذي يناسب روحه المُتقدة أكثر من هذه الآلات المُغلقة.


وقف يزيد إلى جوار قُصي، عيناه تلمعان بحماسة الطفولة وهو يتأمل المشهد المزدحم أمامه.،فتيان وفتيات يتدفقون نحو القصر الفخم الذي تزين واجهته الأضواء المتراقصة، تنبعث منه الموسيقى كأنها نبضٌ حيّ يتغلغل في الهواء، بينما الضحكات تتصاعد كأمواجٍ متتابعه.


ألقى قُصي نظرة جانبية نحو حذيفة، وابتسامة ماكرة تلعب على زاوية فمه "شوف مين هناك."


تبعت عينا حذيفة نظرة قُصى، لتقع على فتاة شقراء تجلس على العشب وفي يَدها مشروب، كانت تبتسم إبتسامة مريبة، تلوّح له بإشارة أن يقترب، وكأنها تنتظر قدومه عن سابق نيّة.
2

زفر حذيفة بضيق، وأدار وجهه بعفوية تخفي الاشمئزاز، ثم تمتم في سره ساخرًا
"وديني عِلق"


ثم بدأ يخطو نحوها بخطوات مترددة، لا رغبة له في هذا اللقاء، لكنها وللسخرية العميقة إبنةً عمه.


ضحك الصغير بعفوية، وقُصي لم يبادله سوى نظرة بريئة كأن شيئًا لم يكن، ثم بكل هدوء، لفّ ذراعه الموشوم حول خصر يزيد، لمسة خفيفة لكنها كفيلة بإشعال فراشات لا تهدأ في معدته، تلك الحركة الصغيرة العفوية أربكت أنفاسه وسرّبت في داخله ارتجافة ناعمة لا يعرف كيف يفسرها.
3

كان قُصي يسير بخفة، يوزع ابتساماتٍ على كل من أشار إليه من بعيد، ويزيد معهُ بصمت ، يُكِنّ له في قلبه امتنانًا خفيًا لأنه لم يتوقف للترحيب بكل هؤلاء الذين يعرفونه، بل استمرّ في طريقه، وكأنه يمنح يزيد أولوية المرور إلى عالمٍ لم يعرفه من قبل.




وما إن تخطوا عتبة القصر حتى اضطر يزيد أن يُغمض عينيه للحظة، تحت وقع الأضواء الساطعة التي باغتته بعنف.


أنوار تتراقص، موسيقى تصمّ الآذان وأجساد مترنّحة تميل وتتمايل كأنها بلا وعي،كل شيء كان جديدًا عليه، واقعٌ لم يلمسه من قبل إلا عبر الشاشات.
2

والآن، ها هو وسطه، قلبه ينبض سريعًا وعيناه تتأملان هذا الجنون المتلألئ.


وَفيِ الداخل لمح يزيد مالك وهو جالس على إحدى الأرائك الوثيرة، يتبادل الضحكات مع حبيبهُ وقد ارتسم على وجهه ذلك الصفاء العابر الذي لا يظهر إلا في لحظات الغفلة عن العالم.


وبجوار كريم، شاب غريب الملامح يتوسطهما كأنه صديق قديم، يضحك بلا تكلف والسيجارة بين أصابعه تتراقص كأنها امتداد ليده.


رأى يزيد كيف سحب ذلك الشاب نَفَسًا عميقًا، ثم مال نحو كريم وهو يناوله السيجارة بحركةٍ عفوية.


أدار يزيد رأسه نحو قُصى، وقد شعر بفراغٍ مفاجئ حينما ارتفعت يد الأخير عن خصره، كأن دفئها كان يملأ فراغًا لم يشعر به من قبل،لكن سرعان ما عاد ذلك الارتياح الخفي حين أحس بتلك الكف ذاتها تربّت بخفة على ظهره، تبثّ فيه طمأنينةً لا تُقال.


اقترب قُصى قليلاً، حتى لامس بأنفاسه الدافئة رقبة يزيد، وهمس بصوتٍ منخفض "تِحب نروحلهم؟"


ارتجف يزيد داخلياً كأن الهواء المحيط به أصبح أثقل جراء ذاك الهمس الذي لامس عُنقه ورأسه أومأ ببطء دون أن ينطق،كأن الحروف تلاشت أمام هذا القرب المفاجئ.
1

همهم قُصى همسة لا تُسمع إلا لمن يرافقه، ثم خطا بثقة نحو المجموعة، ويزيد إلى جواره يسير بصمتٍ مبلل بالارتباك سببهُ صاحب الوشومِ وقلبه يعلو ويهبط كراقصٍ تائهٍ وسط موسيقى لا يعرف لحنها بعد.


"أنت كدا كدا بتتلكك عشان تِعمل بارتي"


انطلقت ضحكة مالك بخفّة وهو يُحادث الفتى الجالس بجوار كريم متناول لفافة التبغ من يد الأخير وأومأ موافقًا على ما قاله حبيبه.


وكان الفتى على وشك أن يفتح فاهه بكلمة، لولا أن أبصر القادم نحوهما، فتجمّد قليلًا ثم صفر بإعجابٍ جهوريّ، نهض بعدها مُسرعًا ليحيي القادم بعناقٍ حار، واضعًا ذراعيه حول كتفيه


"الديابلو!"
- الديابلو:الشيطان.
2

تبسّم قُصى بهدوءٍ خفيّ وهو يُحيط أيان بعناقٍ عابر، لا يخلو من حرارة المودّة،ثم مال بجسده قليلاً نحو يزيد، موجهاً ذراعه الموشومة باتجاهه وهمس لأيان بشيءٍ لم يلتقط يزيد فحواه، لكنّ أثره بدا جلياً في إتساع إبتسامة الفتى التي ظهرت في لحظة، كأنّما قيل له سرّ يسعده.




إقترب أيان من يزيد بخطواتٍ خفيفة، مدّ له يده في ترحيبٍ ودود، وقال بصوتٍ مائل إلى الصياح بفعل الموسيقى الصاخبة


"أيان الراوي."


صافحهُ يزيد ببسمة لطيفة، هامسًا بصوتٍ أعلى من المعتاد "يزيد."


لكن قبل أن يُكمل، قاطعه أيان مؤكداً ما خمنه يزيد في نفسه منذ أن سمع الاسم"ولاد عم"


أومىء يزيد في هدوء، وعيناه لا تفارق قُصى الذي كان يرمقه من الأساس، نظراته الهادئة تسكنها سوداوية براقة ازدادت وهجًا تحت تأثير أضواء الحفل المتراقصة


تقدم نحوه قُصى مُنحنياً قليلًا ليقترب من مستوى طُوله


"نطلب دِرينك؟"


هزّ يزيد رأسه بسرعة موافقة، لكن الآخر لم يبتعد بل رفع يده المُحبرةِ ليمشط خصلات شعر الأصغر المُبعثرة "سمّعني صوتك"


إرتجف قلب يزيد خفيةً من تلك اللمسة المفاجئة والطلب القريب، تنهد براحة حين ابتعد قُصى عنه، قبل أن يجيب بصوتٍ مهتز لا يخلو من الإرتباك


"موز بلبن؟"
6

وللحظة، كاد قُصى أن يطلق تعليقًا قذراً بطريقته المعتادة، وقد ارتسمت لمعة شيطانية في عينيه، لكنّه كبح نفسه بصعوبة، يعض على طرف لسانه ليمنع الكلمات من الانفلاتِ نحو فتاهُ البرييء.
4

تقدّم يزيد نحو البار بخطواتٍ تسبقها حماسةُ قلبٍ صغيرٍ يحاول أن يبدو شجاعًا في عالَمٍ لا يُشبهه، قرر هذه المرة أن يتحدّث هو.


وقف بثباتٍ ظاهر أمام الشاب خلف بار المشروبات وابتسم في تلعثمٍ خجول "موز بـلبن"
6

تجمّدت ملامح الفتى في دهشةٍ لا تخفى، حاجباه إرتفعا، ونظر إليه وكأنه نطق بكلمة من كوكبٍ آخر،
وفي اللحظة التي بدأ فيها قلب يزيد يتقلّب في صدرهِ..


شعر بدفءٍ مألوفٍ يتسلل إلى جسده كطمأنينة خفية،جسدٌ أطول، أمتن، اقترب منه من الخَلف حتى لم يَعُد بينهما فراغٌ،أحاطه بذراعيه من الجانبين، مستندًا بكل هدوءٍ على سطح البار الزجاجي، مطوّقًا إياه بجسده كما لو كان يحجبه عن العالم.
1

أسند قُصَيّ ذقنه على كتف يزيد برفقٍ بالغ، وكأنّه يملك موضعه هناك منذ الأزل


"كُوكتيـل فِريش وموهيتو من غير كحول"
2

وجه قُصَيّ طلبه للشاب الذي أومأ سريعًا وبدأ يعدّ المشروبات بانضباطٍ متمرس، وفي لحظةٍ بدت خفيفة كأنها لا تحمل وزنًا، مدّ يزيد يده ببطءٍ ودفء، ووضعها برقة فوق يد قُصَيّ المستقرة على البار الزجاجي، ثم جذبها نحوه، كأنما يطلب منه الاقتراب أكثر، أكثر مما يبيحه الفراغ بين جسدين.




ابتسم قُصَيّ ابتسامة واسعة لم يستطع كبحها، تلك الابتسامة التي لا تُمنح إلا في لحظة نادرة يتفتح فيها القلب.


شعر بها، بالحركة، بالدفء، بذلك القرب الذي أربك عقله قبل أن يعصف بقلبه.


"بس أنا كُنت عايز موز بلبـن!"
قالها يزيد بنبرة صادقة، فيها شيء من العتاب الطفولي.
3

أمال قُصَيّ رأسه قليلاً وهمس عند أذنه بابتسامةٍ خفيّة
"نُخرج بس وأشتريلك عِلبـه كامله"
4

ضحك يزيد، ضحكة خافتة لكنّها حملت معها ارتياحًا تامًا، وبدأ يتحرّك برشاقة داخل إطار ذراعي قُصَيّ، متمايلًا مع إيقاع الموسيقى التي تضرب الأرضية بوقعها الثقيل.


أما الأكبر فظلّ جامدًا في موضعه، كأنّ عينيه لا تعرفان سوى هذا الفتى بين ذراعيه..هذا المشهد المُ*** الذي أذاب يقينه، وحرّك أضعف ما في داخله، كأنّه يذوب دون أن يشعر.


"هي البارتي بتاعة أيان دا؟" سأل يزيد بنبرة فضولية، وصوته بالكاد يسمع وسط ضجيج الموسيقى.


"اللِ عاملها أيان عشان أخوه رجع من إيطاليا بعد حوالي ١٥ سنه" ثم ضحك ذو الوشومُ مُضيفاً "وتلاقي أُودِيـن أساساً في سابع نُومه "
2

أمال يزيد رأسه قليلًا وهو يتأمل الشاب الواقف خلف البار، يحضّر المشروبات بصمتٍ معتاد.
"إسمهُ جميل"
1

لم يُجيب الأكبر على الفور بل إقترب أكثر حتى لامست شفتاهُ عنق يزيد


"ودِيني مافي أجمل من عِيونك"
35

ثم طبعت شفتاه قبلة صغيرة، ناعمة، على عُنق الأصغر من الخَلف، فارتجف يزيد ارتجافة لم يستطع إخفاءها، فيما إرتسمت على وجه قُصَيّ بسمةً هادئة، لكنها مشبعة بالرضا والانجذاب الخالص.
5

وضع الفتي المشروبات أمامهما، وتعلّقت عين يزيد بكأسه الورديّ المُزيّن بقطع الفاكهة الطازجة، وكانت شرائح الموز أوضح ما فيه، مما زرع ابتسامة صغيرة على شفتيه.


مدّ يده يأخذ ملعقة وراح يذوق الكوكتيل بحماس *** نال شيئًا يشتهيه منذ وقت، النكهة كانت لذيذة، باردة، حلوة بشكل مُبهج، كأنها خلقت خصيصًا له.


لكن الدفء الذي كان خلفه، الدفء الذي التصق به منذ دقائق، اختفى فجأة أحس بجسد قُصَيّ يبتعد عنه، فـبدون الإلتفاتِ ظنّ أنه ربما رأى أحد أصدقائه وذهب لتحيته.


لم يبالِ، بل مدّ يده وأخذ رشفة من مشروب قُصَيّ، الموهيتو الأخضر ليتذوقه بفضول ساخر،و لم تعجبه النكهة كما أعجبه كوكتيله الخاص، فابتسم بانتصارٍ داخلي.


ثُم إستدار وهو يتهيّأ ليخبر قُصَيّ بما اكتشفه، لكنه لم ينطق.
لم يستطع.
كل شيء داخله توقف.
2

الضحكة اختنقت في صدره.
العسلية في عينيه اتسعت، لكنّها لم تلمع بل خَفَتَ فيها كل شيء.


عينيه وقعت على المشهد قبالته.
قُصَيّ، الذي كان يحتضنه منذ لحظات، الذي همس عند عنقه، وقبّله، وأخبره أن لا شيء جميل سواه،
ذاك الرجل كان الآن في حضن فتاةٍ أخرى، ذراعها ملتف حول عنقه، شفاهها ملتصقة بشفتيه كأنها تبتلعه، تنهشه، تُغرِق جسده في قبلة لا تعرف الرقة قبلة متوحشة، جائعة، تلتهمه.
22

وهو..لم يُمانع.
3

وقف يزيد هناك، يحمل الكوكتيل الورديّ بين يديه، والفاكهة الطازجة ما زالت تلمع فوق السطح، لكنّ الطعم الحلو تلاشى من فمه، ولم يبقَ سوى مرارة.
6


- معلومة مش لازم تعرفها -

+


الحشيش بيزوّد الإحساس بالحاجات اللي الجسم بيستمتع بيها، زي السكس والحلويات وحاجات كتير، ده بيحصل لإنه بيأثر على الدماغ وبيخلي الحواس تشتغل بشكل أهدى وأكتر حساسية، فالإحساس باللذة بيكون أقوى والسكس بيكون أبطأ، أعمق، وأمتع، والسكريات طعمها بيكون أحلى بكتير وبتعمل دماغ عاليه .

5


عشان كدا قُصى كان بيسموك حشيش مع حاجات مسكره طول الوقت، وماريوس في السكس كان نفس الحاجه.


لا زال واقفًا في مكانهِ، كأن الأرض قد تجذّرته فيها، لم يتحرّك ولم يرمش حتى، وعيناه مسمّرتان عليه.

4


كان يُحدّق في يد قُصيّ،تلك اليد الموشومة التي طالما راقبها بشغف، خطوطها، رموزها، ملمسها حين تُلامس جلده بعشوائيةِ وكم مرّر أصابعه عليها كأنّه يحفظها عن ظهر قلب.




الآن يراها تلتف حول خصر فتاةٍ أخرى،يده الدافئة التي كانت منذ لحظات تفيض دفئًا على خاصرته، تسحب جسدًا لا ينتمي، بينما شفاهه تنغمس في قبلةٍ عميقة، جشعة، لا تعرف الحياء.

9


و حقيقيةً يزيد لم يُقاوم ردة فعله إذ أمسك بكأسه الورديّ بهدوء، كأن تلك الحركة تُبقيه واقفًا على قدميه،و عسليتاه ارتفعتا ببطء نحو باب المكان، تحدّقان فيه كما لو أنه الضوء الوحيد الباقي في هذا الزحام.

1


الموسيقى كانت تصرخ حوله، تدقّ طبولها في الهواء، تخترق الأجساد، تُلهب العيون
لكنه لم يكن يسمع شيئًا.




وفي تلك اللحظة فقط، وسط الصخب والأجساد المتمايلة،إنكشفت الحقيقة التي كان ينكرها في صدرهِ




هو لا يُحب قُصيّ كصديق.
هو لا يشتاقه كأخ.
هو لا يريده بالقرب كرفيق.

1


هو يُريده.
كليًا. تمامًا. دون مواربة.

3


وذلك الإدراك وحدهُ..أرعبهُ ،لذا قرّر بصمتٍ داخليّ أن يتفادى تلك المشاعر، أن يخنقها قبل أن تنمو أكثر، قبل أن تكبر وتكسره، لأن الفؤاد حين يحبّ من لا يراهُ ؛يُدمَّر.

13


خرج من صخب الحفلة بخطواتٍ بطيئة، كأن كل صوتٍ فيها كان يضرب رأسه لا أُذنيه،الهواء في الخارج كان باردًا، يلسع جلده برقة، لكنّه لم يعبأ، فقط تابع سيره وهو يحمل الكوكتيل الذي لم يذقه.

+


لم يشعر بنفسه إلا حين وجد قدميه تقفان خلف المنزل تمامًا،البقعة كانت هادئة، بعيدة عن الأضواء والموسيقى، كأنها من عالمٍ آخر،جلس على الأرض دون تفكير مُسنداً ظهره إلى الحائط البَارد.




الليل كان يهمس له، يُداعب وجنتَيه ويملأ رئتَيه، لكنه لم يكن يشعر بالراحة. كان فقط يُحاول أن يُشتت ذاته عن أي شعور سَلبـي في تلك اللحظه.




"يا أحا خضتني!!"

2


صوت جهوري قطع السكون فجأة، فارتفعت نظرة يزيد بسرعة ليرى شابًا يقف أمامهُ بملامح هادئةِ، لكن الظلال على وجهه أعطته طابعًا حادًا، سلسلة فضيّة لمعَت حول عنقه، وضمادة صغيرة تزيّن حاجبه ثم إنخفض هاتفهُ من على أذنه مُنهياً حديثه.


"آسف"

2


تعجب الفتى من سكون يزيد وهو جالسٌ على الأرض يتناول كوكتيله بهدوء، مظهره غريب بعض الشيء وسط تلك الفوضى الآتية من الداخل، ومع ذلك كان فيه شيء لطيف،تبّسم الفتى بخفة واقترب يُجاورهُ

"متتأسفش يمان.أنا بس متوقعتش حد يكون هنا أصل البارتي فاجره بأمانه"




بـادلهُ يزيد وظهرت غمازته بوضوح وهو يبتلع نكهة الفراولة الباردة، ليخرج صوته هادئًا، متناقضًا مع الصخب الذي يعمّ المكان
"مَليش في الفايبز دي أوي."




"شكلك نِيرد"

7


ضحك يزيد، واضعًا يده على فمه وهو يهز رأسه نفيًا بينما يحاول ابتلاع ما تبقى في فمه، ثم خرج صوته هادئًا، ناعمًا، وقد راق للجالسِ كثيـراً


"من بُقّك لباب السما.دا أنا ف أوّل سنة وحاسس إني هشيل مواد مع خيبتي التقيلة."


إنطلقت من الشاب ضحكة عميقة، صادقة، من ردّة الفعل العفوية ليزيد، وبينما كان يخرج من جيبه جهاز تدخين إلكتروني داكن اللون، لفت إنتباه يزيد النقش الغريب المنحوت على سطحهِ،فقد كان إسماً لكن بطريقةِ مُميزه.


و دون تردّد، مدّ الأصغر يده وأخذ الجهاز مِنهُ بتلقائية، وعسليتاهُ تتفحصان الحروف المحفورة في صمتٍ فضولي، تممركّزتان عليها محاولاً قراءتها بصوت خافت.
1

وفجأة، انفرجت شفتاه بابتسامة انتصار، وقال بصوتٍ أعلى قليلًا وقد رفع عينيه إليه


"ماجد؟"
23

أومئ ماجد تأكيدًا، فأعاده يزيد إليه، وإبتسامته لا تزال مرتسمة على وجهه، بينما غمازته عادت للظهور بوضوح ،ثم انشغل بمحاولة التقاط قطعة الكرز العالقة في قاع الكوكتيل تحت أنظار ماجد، الذي تابع حركاته بدهشة طفيفة.


لم يكن غريبًا فقط مدى عفويته، بل الأغرب أن هناك شيئًا في ملامحه مألوف للغاية وكأنّه رآه من قبل، أو كأنّ وجوده يحمل صدى ما لا يمكن تجاهله.
3

"يزيد"


قالها يزيد بسرعة، وكأنه استعجل ليصحّح توازنه، لأنه للتو أدرك أنه نطق باسم ماجد وهو لم يُعرّف نفسه بعد.


تبسم ماجد بخفة وهمهم بصوت خافت، بينما كان يسحب نفسًا عميقًا من جهازه،لحظات وخرج الدخان بكثافة، يغلف المسافة بينه وبين يزيد بسحابة ضبابية ذات طابع غامض، كأنّ المشهد انتقل فجأة لفيلم أبيض وأسود.


كان ماجد على وشك الكلام، لكن يزيد سبقه، حاجباه مرفوعان بدهشة طفولية وصوته يحمل نبرة استغراب صريح




"ريحتهُ قهوة؟"
3

"أيوه؟"


"إزاي؟؟"


سأله يزيد، وفي عينيه العسليّتين تأجّج فضولٌ يشبه فضول العالم كلّه، لم يتمكّن ماجد من إخفاء دهشته من جهل الفتى بأمرٍ بسيط كهذا، غير أنّه لم يُبدِها، وردّ عليه بهدوء وبطبيعية بالغة


"دي يا قُطه ڤيب،بتحط فيها أي ڤِلَاڤير بتحبهُ قهوه ،بطيخ،ريد واين،كراميل وهكذا"
8

خرجت من يزيد همسة إعجاب خافتة تشبهُ- أُوه - فضحك ماجد ضحكة جهوريّة صادقة، إذ راق له فضول الفتى الأصغر، كان يزيد حقًّا يُشبه القطط؛ بتلك العينين الواسعتين وذلك التطلّع العارم لاكتشاف كلّ ما هو مجهول بالنسبةَ له.
2

"مُمكن أجرب؟"
3

أومأ ماجد ببساطة، ثمّ أخذ نفسًا من الجهاز وإقترب من يزيد، الذي ارتبك في بادئ الأمر، معتقدًا أنّ ماجد يجب أن يُعطيهِ الجهاز ،غير أنّ الأخر اقترب أكثر، إلى درجة شعر فيها يزيد بأنّ المسافة التي تفصل بين وجهيهما تكاد تتلاشى، وكأنّ ماجد على وشك أن يُقبّله.
4

كانت نظرات ماجد إليه هادئة حدّ السكون، وملامحه آسرةِ في صفائها، تسرق النَفَس دون جهد.
3

وبلا وعي، فتح يزيد شفتيهِ فاقترب ماجد أكثر، حتى لم يعد هناك من فراغٍ بينهما، ثمّ نفث دخانه برفق بين شفتي الفتى اليافع، وهمس بصوتٍ يكاد يُلامس جلده
11

"إِسحبهُ لصدرك"


إمتثل يزيد، وسحب الدخان داخله قليلًا، ثم أخرجه وهو يسعل سُعالة خفيفة، يرافقها ابتسامة اتّسعت على وجههِ إذ تذوّق طعم القهوة يملأ فمه، ناعمًا ودافئًا على غير ما توقّع.


عاد ماجد إلى مجلسه بجواره، وصوته يحمل نبرةَ عبثٍ لطيف
"الحركة دي خففت الدخان سيكا. لو كنت شدّيت من الڤيب نفسه،كنت هلاقيك مفرفر مني."
4

ضيّق يزيد عسليتيهِ، وكان على وشك أن يردّ قائلاً كم بدا له الأمر طبيعيًا، وأنه لم يشعر بأي احتراق في صدره من الدخان، لكن هاتف ماجد شقّ حديثهُ الذي لم يبتدأ ،وما إن نظر الأخير إلى الشاشة حتى نهض من مكانه بسرعة "ثواني."


أومأ يزيد بلامبالاة، يتابعه بعينيه وهو يدير له ظهره ويختفي بهدوء عن نظره، تنهد الفتى بخفة وإرتسمت على وجهه ابتسامة خافتة؛ فقد بدا لهُ ماجـد لطيفًا بحق، بطريقته الهادئة وحديثه السلس.
4

نظر إلى كوب الكوكتيل في يده، ولمّا وجده قد فرغ تمامًا، تذكّر قصي فجأة وكأن الطعم الباقي على لسانه أعاد إليه ما نسيهِ، تنهد مرة أخرى ونهض عن الأرض متجهًا نحو أقرب سلة مهملات ليرمي الكوب.




غير أنهُ وقبل أن يخطو خطوته التالية، تجمّد في مكانه كأنّ مسًّا من الصقيع قد لامس روحه، حين سمع صوتًا عميقًا مألوفًا للغاية، صوتًا كان يميّزه من بين آلاف الأصوات دون أن يخطئ.
1

"إختفيت فين؟"


إستدار يزيد ببطء، ليجد قُصي واقفًا في مكانه كالعادة، ثابت الجسد، ويداه غائرتان في جيبي سترته، لكن نظرته هذه المرة لم تكن هادئة كما إعتادها الأصغر؛ كانت مشتعلة بشيء يشبه الغضب، كأنها تنتظر صدامًا.
3

"عادي."


"طب مقولتش ليه لحد يجي معاك؟"
1

"عادي يا قُصي!"


ثُم تلاقت نظراتهما، عسلية يزيد تتقد مُحدقةً في ملامح الآخر الذي ظل واقفًا، ساكن الجسد، متوتر الروح.


زفر قُصي فجأة، ومدّ يده يمسح على وجهه ببطء، وكأنه يحاول كبح ما بداخله


"يلا نرجع جوا"


"مش راجع."


جاء صوت يزيد خافتًا،ونظر إلى الكوب الفارغ في يده كأنه يحتمي به من المواجهة،وفجأة إرتجف جسدهُ من وقع صوت قُصي الذي اخترق سكون الليل وتسلّل إلى أعماقه، حادًا.


"كسم دا أتيتيود. أُظبط."
15

انعقد حاجبا يزيد بقوّة، وارتسمت على وجهه علامات استنكارٍ شديد، إذ لم يجد مبرّرًا لانفجار قُصي المفاجئ، تراجع خطوة إلى الوراء، وارتفع صوته محتدًا


"ده أنت ألفاظك خرا، وأسلوبك أخرا!"


لكنّ قُصي لم يتراجع، بل خطى خطوة نحو الأمام
"خرا إيه يا يزيد.إنت مبتشوفش جسمك وهو بيترعش بسببي؟ دا عاجبك..وعاجبك نيك كمان"
12

" إرجع لشراميطك يا قُصى وطلّعني من دماغك أصل مش ناقصاك!"
7

رفع قُصي حاجبيه بدهشة ساخرةِ فلم يسمع يزيد يسب من قَبل، وتسللت من بين شفتيه ضحكة منخفضة، باردة، مستفزّة، قبل أن يرد بنبرة أقلّ ما توصف به أنها وقحة


"أرجع لشراميطي؟
بـس حاضر هطلعك من دماغي وأحطك على زبي"
19

حدّق يزيد فيه بذهولٍ، مصدومًا من فجاجة الردّ وانحدار أسلوبه، ولم يفهم ما الذي يدفع قُصي للانفعال بهذا الشكل، بينما كان من المنطقي أن يكون هو! يزيد من يغضب، بالنظر لما رآه سابقًا.
1

لكنّه لم ينبس بكلمة، واختار أن يلتزم الصمت، فاكتفى قُصي بإخراج يده من جيبه، وحكّ مقدّمة أنفه بأصابعه الموشومة




"قُدّامي."
1

تنهد يزيد بعمق واستدار دون أن يرد، منح قُصي ظهره، عازمًا على تركه وحده، فهو لا يرغب في مجاراة جنون ذاك المُريب


ثُـم شهق شهقة حادّة، وكأنّ الهواء قد انسحب من رئتيه دفعة واحدة حين أحاطت يد قُصي الموشومة عنقه من الخلف،وفي لحظة حاسمة، جذبهُ بعنفٍ مفاجئ ليلتفت جسد يزيد ويصطدم بصدره مباشرة، دون مسافة، دون مهرب.
2

"لما أقولك قُدّامي..تقول حاضر. أصل كُسم الطريقة دي مش أنا اللِ أتعامل بيها"
20

عينا يزيد اتسعتا، أنفاسه المضطربة تلاقت بأنفاس الآخر في نقطة سخيفة من القرب، سخيفة لدرجة أن الهواء نفسه صار مشتركًا بينهما، ثقيلًا، ملوّثًا بالكتمان والرغبة والغضب.


"حاضر"


همس يزيد بطاعة هادئة، كأن كلماته نُزعت من فمه لا إراديًا، يذعن دون مقاومة، وهو يحدق في عيني قُصي،عينان تخلّت عن حدّتهما تدريجيًا، كأن نيرانها خمدت على مهل، ومعها خفّ الضغط عن عنقه.
3

كان يتأمل ملامحه الرجولية بإفراطٍ طفولي، وكأن وجه قُصي وحده عالم يضيع فيه طواعية، عظم الفك، النظرة الغائرة، التقسيمات القاسية التي لطالما استهوته في صمت.


يد الأصغر ارتفعت من تلقاء نفسها، كأنها مدفوعة بشيء أعمق من الرغبة، ووُضعت بهدوء على كتف قُصي العريض، راحة يده استقرت هناك كأنها وجدت مكانها، وهمس بصوت خافت بالكاد مسموع، بين أنفاسه وأنفاس الآخر
2

"متعصب ليه؟ همم؟"
2

الزفرة التي خرجت من صدر قُصي كانت قصيرة، حادّة، ثم فجأة اشتدّت قبضته على عنق يزيد من جديد،سحبهُ نحوه بقسوة، حتى لم يبقَ مجال له لالتقاط نفس حرّ.
1

"لما نكون سوا إياك تِسبني وتمشي"
13

لم يرتجف يزيد، بل أومأ برأسه في هدوءٍ مطلق، مطيعًا، مُستسلمًا، ونبرته متماسكة وهو لا يزال يُحرّك كفّه ببطء على كتف قُصي، في لمسة تبدو كأنها تخدّر الوحش داخله


"حاضر."
16

بكل سُكونٍ مهيب، نظر قُصى في عينيه، تلك العيون العسليّة التي لطالما أربكته. عيون واسعة، كأنها مرآة مشروخة تعكس ألف وجه ليزيد، وكلهم يُغريه.


مد قُصى يده بثقةٍ ثقيلة، وسحبها برفق من عنقه، لكن بدلًا من الابتعاد، أنزلها نحو خصره الضيّق، وأحاطهُ بكامل جسده ذراعاه التفّتا حوله كقيدٍ ناعم، كأمانٍ لم يعترف أنه اشتاقه.


ويزيد..إرتجف.


إرتجف بحق، بجسده كلّه، بأنفاسه، وحتى بنظراته.
وللمرة الأولى، أدرك كم أن قُصى كان صادقًا حين قال إن جسده يرتعش حين يلمسه -لأن هذه الرجفة لم تكن مجرد تفاعل جسدي، بل حالة كاملة من الاستسلام،كانت الأصابع التي تلامس خصره تنبش شيئًا في عمقه، شيئًا هشًا.




ثم ببطء مال قُصى برأسه وأسندهُ على كتف يزيد، كأنه وجد مكانه الأخير، أو كأنه يحتمي منه فيه
، لا كلمات ولا صِراع.


"تيِجي نِرَوّح؟ تاخد شاور دافي ونشوف فِيلم؟"
5

همس بها يزيد ويده انزلقت من على كتف قُصى، وارتفعت بخفة حتى بلغت خصلاته السوداء الكثيفة، تلك التي لطالما أغوته دون اعتراف.


أومأ قُصى ببطء، ورأسه لازال منسدلًا على كتف الأصغر كأنما أودع فيه شيئًا من عناده وغضبه، ولم يكن يزيد يعلم حقًا ما الذي استنزف طاقة الآخر بهذا الشكل، أو ما الذي أشعل نيرانه حتى انفجر بتلك الحدة.
4

-


ترجّل من سيارته الفيراري بلونها النبيذي، لونٌ يُشبه الدم بعد اشتعاله، وكأنها امتدادٌ لشخصِ ما؛ نفس العلامة التجارية، نفس البذخ المتوحّد مع طباعهِ، خطواته كانت ثابتة، يُحيط بها صمتٌ ثقيل لا يقطعه سوى وقع حذائه على الأرضية الملساء.


جسده الرياضي يتماوج مع الأسود الذي يحتضنه، كأن الليل قد اتخذ هيئة رجل وسار بها، أما عيناه، فكانت صقيلتين كالنصل، لا تقلان حدّة عن الوشم الذي يلتفّ حول عنقه ،حرف الـS' محفور على جلده، لكن بطريقةٍ تُحاكي ثعبانًا يحتضن رقبته.
3

دخل المصعد ولم يكن هناك سوى صوته يعلو، صوت أنفاسه التي تملأ الفراغ، فلا أحد غيرهُ يتواجد لِكسر سكون الساعة الثانية بعد منتصف الليل.


حين توقّف المصعد، خطا خارجًا بهدوء قاتل، وتقدّم نحو باب الشقّة المنشودة،تأكد من الرقم،و عيناه مرّتا عليه سريعًا قبل أن يسحب نفسًا عميقًا، ثُم مدّ إصبعه نحو الزرّ، وضغط عليه.
2

رنّ الجرس، فمزّق صدى صوته هدوء الممر، كما لو أن الصوت نفسه كان يهاب السكون الذي يسكن المكان.


فُتح الباب على هيئةٍ هادئة، لا تحمل في ملامحها توتّر الليل ولا أثر المفاجأة، كان يقف سيف أمامهُ مرتديًا ملابس مريحة بلونيّ الأبيض والرمادي، نظارته الصغيرة تستقر على أنفه، وعيناه الخضراوتانِ تغوصان فيمن أمامه بصمتٍ ثقيل
3

كأنه يُحاول أن يتأكد أن هذا الحضور ليس خيالًا عابرًا، بل هو، بلحمه ونبرته ونظراته، واقفٌ أمامه حقًا.


لم يتكلم، بل اكتفى بابتسامة صغيرة وانزاح جانبًا، مُفسحًا لهُ الطريق للدخول، خلع الآخر معطفه بثبات، وكأن المكان مألوفٌ لخطواته،يسير داخل الشقّة ذات الإنارة الخافتة بينما صوته المرتفع كسّر سكون اللحظة
1

"إيه المُقابلة بنت الوسخة دي.كُنت بايت في حضنك أنا؟"
2

ضحكة سيف انطلقت خفيفة من بين شفتيه، مُحمّلة بسخرية يعرفها الآخر جيّدًا، وعيونه سقطت بلا قصد على الوشم الذي لا يزال يلتف حول عنقه كعلامة لا تمحى، ثم جلس بهدوء على الأريكة، فرق ساقيه بثقلٍ رجولي، وربّت على فخذه بصمت، دعوةً غير منطوقة.
4



الآخر لم يحتج لكلمة، ابتسامة واسعة امتدت على وجهه، وسار نحوه دون تردّد جلس على فخذه وكأنه وجد مكانه الوحيد، حاصر عنقه بذراعيه، ثم همس بصوته العميق قرب شفتيه، بنبرةٍ لا تُقاوم
2

"وحشتني نِيك"


حاوط سيف خصره بقوةٍ يسحبهُ إليه إلىٰ أن تشابكت أنفاسهم ،وشعرَ الآخر بشيءِ مُتصلب أسفلهُ يتفاقمٌ "إنتَ كمان وحشتـهُ"
2

ضحك الآخر، ضاربًا كتف سيف بخفةٍ لا تخلو من دلال، محاولًا التملص من قبضته، وكأن القرب هذا قد أربك شيئًا بداخله، لكن سيف كعادته، لا يمنح فرصة للهروب، شدّه إليه ثانيةً وقد طغت على ملامحه بسمة عريضة تنمّ عن ألفةٍ وشيء من التملّك.
3

"إبعد يا هورني.بقولك واحشني وأنت بتفكر في زبك"


ضحك سيف من تلقائيته، كأن شيئًا لم يتغير في الآصغر كأن السنوات التى قضاها بعيداً لم تمسّ من طباعه شيئًا.


"أحا يا أُودِين يعني شُوفته وِقف لحد بالسرعه دي؟"
4

اقترب أُودين منه أكثر يُداعب أنفهُ بخاصةَ سيف برقة لا تُشبه ما بينهم من عناد
"عشان أنا الوحيد اللِ بستحملهُ"


شدّه سيف من خصره مُجدداً يُثبتهُ فوق المُنتصب بقوةِ دون أن يُخفي شيئًا مما يشعر، عينيه تُحدق فيه كمن يرى كل ما يُريد دفعةً واحدة.


"وهو الوحيد اللِ بيكَيفك"
3

ضحك أودين بخفة، ثم أومأ مطيعًا وهو يتعمق في أحضان سيف أكثر، كأنّ دفء جسده هو الشيء الوحيد القادر على تهدئتهِ، كان بحاجة إليه، وبشدة.


وبينما كان يدفن وجهه في عنقه، شعر براحة غريبة تتسلل إلى صدره، خصوصًا مع يد سيف التي كانت تتحرك على ظهره ببطء، صعودًا ونزولًا، بحنان خافت لا يتقنه إلا من لا يعترف به، ووسط ذلك الدفء العابر، أحس أودين أنّه في بيته، المكان الوحيد الذي لا يحتاج فيه أن يتظاهر بالقوة.
3

"يعني الخول عاملك بارتي لرب السما وسيبتها وجيت؟"
4

همهم أودين بتأكيد خافت، ثم طبع قبلة هادئة على عنق سيف
"عايز أشوف راجلي. دي عِيبه في حقي؟"


"العِيب ميعرفلكش طريق يـغزالي"
7

تبسم الأصغر من اللقب المُحبب لخَافقهِ وهو يرفع رأسهُ مُحدقاً في تلك الأعينُ العُشبيةِ بهٌيام حالم ،
وفي خضم هذا القرب، التفت في داخله تساؤلات حارقة، كيف لرجلٍ مثل سيف لا يُؤمن بالعلاقات، أن يحتضنه بهذه الطريقة؟ كيف له أن يضمّه وكأن العالم ينهار من حوله.
3



وكأن أودين هو آخر ما يملكه؟ كان يعلم جيدًا أنّ سيف لا يُجيد الحديث عن الحب، ولا يعترف به، بل ويخشى حتى لفظه. فقد أخبره في بداية الأمر، بنظرة لا تخطئها الصراحة، أن قلبه ليس متاحًا، وأن الحب بالنسبة له عبء لا طاقة له على حمله.
1

ولأن أودين أراد البقاء، وافق على ما لا يُشبهه، إقترح بنفسه أن يكونا مجرد جسدين يتشاركان لحظاتٍ خالية من العواطف، علاقتهما بلا أسماء ولا وعود، فقط سكون الليل وأجساد عاريه.
13

لكنّه كان مُخادعاً ،يخدع ذاتهُ قبل سيف، لأنه بات عاشقاً بطريقةِ مؤذيةِ ، يحبه بصمتٍ جارح، يقتل كل ليلةٍ فيه شيئًا من كرامتهُ كلما تظاهر أن ما بينهما لا يعني له شيئًا.
1

وفي لحظة تأملٍ عميقة، حين لامست أنامله خصلات سيف الذهبية، وأعينه تائهة في قسمات وجهه الرجولي، اكتشف أن الصمت لم يعد يكفي، وأن تلك النظرات التي يظن سيف أنها عابرة، كانت اعترافاتٍ مؤجلة، رسائل حب يكتبها بقلبه كل ليلة ولا يُرسلها.


فقد صار يُحبه بما لا يُحتمل، ويخشى أن يبوح.. لأنه ببساطة، لم يُعد يملك شجاعة الخسارة.
2

"مُمكن أنام في حُضنك؟"


ترددت كلمات أودين في الهواء بصوتٍ خافت، نُطقت كرجاءٍ ناعم.


لم يُجبه سيف بالكلام، فقط أومأ بصمتٍ هادئ، ثُم تحركت يده بخفةٍ نحو الأسفل، تلمّست شيئًا تحت الأريكة، وبحركةٍ واحدة سلسة، إنقلب المشهد تمامًا.


إمتدت الأريكة للخلف، لتتحول فجأة إلى سريرٍ كبيرٍ بفعل آليته الخفيّة، وسقط سيف برفقٍ على الوسائد، لا يرافقه سوى صوت المفاجأة، تلاه ضحك أودين الصافي وهو يسقط فوقه، كأنّه *** وجد أخيرًا سريره المفضل.
3

ضحك وهو ممدد على صدر سيف، صدره يهتز تحت ضحكاته، ووجهه مدفون في رقبته، في حين ظل سيف صامتًا، يراقب ابتسامته تلك كأنّها نادرة، كأنّه كان ينتظر هذه اللحظة منذ دهور.
3

ثم رفع أودين وجههُ بسرعة كأنه تذكر شيئاً وضحكاتهِ هدأت نسبياً "قبل ما أنزل بـيوم جالي واد بيشتغل عندي وأعترفلي بحبهُ وجو الصعبنيات دا"


"فوق ولا تحت؟"


"هسحبلك شخرة تجبلك صرع"
6

ضحكة خافتة انزلقت من بين شفتي سيف، وهو يمد يدهِ العريضه بثباتٍ نحو مؤخرة أودين، يطوقهُا بكفٍ واثقة،ثم شدّها إليه بقوّة لا تخفى وتلاها صفعةَ عاليه.


أنفاس أودين تعثّرت، وتأوّه خافت خرج منه دون إرادة، صوتٌ ناعم كأنّه أفلت من بين أضلعهِ قبل أن يدركه.




"إ.نت عارف إني بوتوم لـراجلي بس"


"و راجلك عايزك"


همس سيف ويده إنزلقت بداخل بنطال الآخر يتحسس تلك الطَرية بقذارةِ راقت لأُودين الذي عض شِفاههُ ،وعيناهُ اشتعلتا برغبةٍ لا تُخفى رغبة فاضت من نظراته واحتشدت في أنفاسه.


وفجأةَ وبدون إنذار إنقلبت الأدوار - حركة واحدة من سيف كانت كافية لتبدّل كل شيء، صار أودين تحت جسده، مُمدّدًا على الأريكة، وعيناهُ تتسعان بدهشةٍ خجولة واستسلامٍ تام.


"متخافش. عايز منك العادي إنهارده عارف إنك تعبان"


نفى أودين سريعاً و يداه إرتفعتا على الفور، تشبثتا بعنق سيف بشوقٍ شرس، وسحبهُ نحوه بقوة مفاجئة، حتى التقت الوجوه، وتشابكت الأنفاس في مسافةٍ لا تُحتمل.


"بس أنا مش عايز العادي"


تبسُّم سيف بوسع ولم يكن بريئًا كان يحمل خلفه نية شرسة، رغبة مُتقده وما إن التقط توسّل أودين حتى انقضّ على شفتيه بشهوة جائعة، كأنّ نيرانه الكامنة قد وجدت مهربًا.


كانت القبلة عنيفة، شهوانيّة حدّ الاشتعال؛ تتداخل فيها الأنفاس الحارّة، وتتصادم فيها الشفاه بجنونٍ لاهث، أسنانه شدّت الشفّة السفلى لأودين بنهمٍ واضح، وأصابعه كانت تطبق على خصرهِ وكأنّه يُعيد امتلاك جسدٍ لا يريد أن يُفلت منه مرّة أخرى.
1

أما أودين، فلم يكن أقلّ جوعًا؛ ردّ القبلة بذات العنف، وفتح له روحه قبل شفتيه، كأنّه لا يعرف من سيف سوى هذا اللهيب، ولا يطلب منه إلا أن يُحرقه من جديد.


-


توقّفت السيارة بهدوء على جانب الطريق، فترجّل منها قُصي بخطوات ثابتة، يتبعه يزيد الذي فكّ حزام الأمان بتأنٍ، ثم أغلق الباب خلفه دون إستعجال.


مضيا معًا في ممر طويل يقود إلى سكن الشباب، والصمت يخيّم بينهما كثقل لا يُحتمل، لم ينبس قُصي بكلمة واحدة طوال الطريق، إذ اختار الانكفاء داخل صمته، بينما كان يزيد يملأ الفراغ بأغانٍ خافتة، هربًا من الأسئلة التي أحرقت أطراف لسانه عن تلك الفتاه، لكنه قاومها بشدة خشية أن يُ*** الآخر أكثر.
2

وما إن اقتربا من باب السكن، حتى قطع يزيد ذلك الجمود


"إنت كويس؟"


لم يرفع قُصي رأسه، بل اكتفى بإيماءة خفيفة وهمهمة بالكاد تُسمع، وهو يخرج هاتفه ويتصفّح قائمة أفلام بهدوء مصطنع


"حابب تتفرج على إيه؟"


"إختارلي إنتَ"




"بورن"
1

ضحك يزيد ضارباً كتفه ضربة خفيفة مستنكرة، بينما تابع قُصي البحث ليرفع هاتفهُ على حين غفلةَ في وجه يزيد الذي صرخ مُبتعداً ،فقد كانت صفحةَ
مليئة بالفيديوهات الإباحيةِ


"أحاا.يا زفت الطين"
1

ضحك قُصي أخيرًا، ضحكة حقيقية كسرت شيئًا من بروده المعتاد، ثم أغلق هاتفه ووضعه في جيبهِ يمدّ يده ممسكًا بيد يزيد وساحبًا إياه ليكمل السير بجانبه من جديد.


وفي تلك اللحظة تحديدًا، أدرك قُصي شيئًا.. لم يكن ما هدّأ اضطرابه مجرد كلمات، ولا ضحكات عابرة، بل كان يزيد ذاته. وجوده الهادئ، طريقته البسيطة في الاقتراب دون أن يضغط، وصوته الذي يحمل طمأنينة خفية.


شعر وكأن توتره ينحلّ بهدوء لم يفهم مصدره، وكأن الفوضى في رأسه صارت أقل صخبًا فقط لأنه كان يسير إلى جوار هذا الفتى.


ولأوّل مرة منذ زمن، لم يُفكر كثيرًا، لم يُحلّل أو يُدقق أو يهرب. فقط استسلم للشعور، واعترف لنفسه - بصمت تام - أن يزيد راحتهُ.
2

سار الاثنان في الممر الطويل يتبادلان الهمسات بصوت خافت إلى أن وصلاَ غُرقةَ قُصي.


دَفع يزيد الباب بخطاه المترددة، عيناه تتجوّلان بفضولٍ متوتر في أرجاء الغرفة التي يدخلها لأول مرة، قُصى كان قد سبقه بخطوتين، دخَل بثبات كعادته، مدّ يده بهدوء وشغّل الضوء، ثم اتجه مباشرةً نحو خزانته، وكأن وجود يزيد لم يربك روتينه المعتاد.


لكن يزيد؟
كان واقفًا في منتصف الغرفة، شبه جامد، كأن الزمن توقف عند عتبة المفاجأة ،كان يعلم أن قُصى مهووس بالنظافة والترتيب،لكن أن يرى ذلك بعينه؟ أن يشهد غرفة أشبه بالصور المفلترة على إنستغرام، مرتبة، ساكنة، وهادئة بشكل شبه مقدّس؟ هذا شيء آخر تمامًا.
2

المكتب بلا ورقةٍ واحدة خارج مكانها، السرير مشدود الأغطية كأن لا أحد ينام عليه،والأرض تلمع لدرجة انعكاس الأضواء الخافتة فوقها، كانت الغرفة تشبه قُصى نفسه، أنيقٌ دون تكلّف، بسيط لكن لا يُمس، بارد ومُقلق.
1

تقدّم قُصى نحو خزانته وفتحها، ثم شرع في انتقاء ثيابه، وعيناه ما تزالان معلّقتين بداخل الخزانة


"إستناني خمسة هاخد شاور سريع. هدومي قُدامك عشان تِغَير، ولو عايز تاخد شاور تعال."
1

أومأ يزيد نافيًا، ثم اقترب من الخزانة ليختار لنفسه بنطالًا قطنيًا وهودي رماديًّا فضفاضًا، وأثناء اختياره، لاحظ الفارق الكبير في الطول بينه وبين قُصى


"هغير هدومي بس."


همهم قُصى دون أن يلتفت "مش هتأخر."
وغادر الغرفة، مغلقًا الباب خلفه.




تأمّل يزيد الباب الموصَد أمامه، وقد تدافعت في صدره مشاعر متشابكة، أقرب للفوضى ،كان قلبه ينبض بشدة من فرط السعادة؛ سعادةٌ نابعة من وجوده في هذا المكان، من قربه من قُصى، من فكرة أن ليلتهما ستُقضى معًا، يشاهدان فيلمًا، وربما، فقط ربما، يجرؤ على احتضانه ويسأله بلطف عن تلك الفتاة التي رآها معه.
1

لكن في ذات الوقت، كان هناك خوف، خوفٌ من الرفض، من الإجابة القاسية التي قد تهدم كل شيء في لحظة، كأن يقول لهُ أن هذا لا يخصُك بتاتاً


قُصى لم يكن سهل القراءة.
أحيانًا يعامله وكأنه كنزه الوحيد، يدلّله كطفل، يغمُره بحنانٍ صامت، ينظر إليه كأن العالم كلّه لا يحتوي سواه.


وفي أوقاتٍ أخرى، يتجاهله تمامًا، يتحدث إليه وكأن وجوده لا يُحدث فرقًا، وكأنه مجرد عابر طريق في يومٍ مزدحم.
1

تنهد يزيد طويلًا، يحاول ترتيب تلك المشاعر المُتشابكة، ثم بدأ في تبديل ملابسه، ما إن ارتدى الهودي حتى ابتسم لنفسه في المرآة.


كان واسعًا عليه بشكلٍ واضح، يبلعه تقريبًا، لكن ذلك لم يُزعجه، بل بعث فيه شعورًا غريبًا بالراحة،كأن هذا الثوب تحديدًا، بهذه الضخامة، يُشعره أنه قريب من قُصى، يلتف بجزءٍ منه، يُخبئه، يحميه، أو ربّما يضمه.
1

وبعد مدّةٍ وجيزة..


انفتح باب الغرفة بهدوء ليدخل قُصى، يكسو جسدهُ زيٌّ قطنيٌّ منزليّ ناصع البياض، تتخلله خطوطٌ عريضة سوداء تُضفي عليه شيئًا من الحدة رغم بساطته.


خُصلاته الداكنة كانت لا تزال مبلّلة، يقطر منها أثر الماء حديثًا، ومن حول عنقه استقرت منشفة صغيرة، تنساب على عظام الترقوة كأنها جزء من مظهره الطبيعي.


وما إن وقعت عيناه على يزيد حتى شعر بانقباض دافئ في صدره،كان الفتى جالسًا على طرف السرير، مرتديًا ملابسه، وقد غمره مظهرهُ الهادئ اللطيف بجاذبية لا تُقاوم،بدا وكأنّه ينتمي لتلك الملابس، وكأنّ جسده صُمّم ليرتديها. للحظة خطرت لقُصَي رغبة خاطفة في إحتضانهِ.
1

أمام الأصغر فقد كان أمام الحاسوب المحمول الخاص بـقُصى، وقد انشغل تمامًا بالبحث عن فيلم حاجباه مرسومان في تركيز، وعينيهِ تتابعان الشاشة بجدية.


لكن حين شعر بوجود قُصَي، ارتفعت عيناه بلونهما العسليّ بلُطف، وابتسم تلك الابتسامة الصغيرة التي تُ*** القلب، ثم رفع يده في إشارة ناعمة كي يقترب منه.


استجاب قُصَي للإشارة دون أن ينبس بكلمة، وجلس إلى جواره، نظر إلى الشاشة فوجدها قد استقرّت على فيلم 'VENOM' من بطولة توم هاردي، لكن أفكاره سرعان ما تلاشت حين شعر بحركة هادئة من جانب يزيد.
4



ببطءٍ وحرص، مدّ يزيد يده الصغيرة، وسحب المنشفة عن رقبة قُصَي، ثم وضعها فوق خُصلاته المبلّلة، وبدأ يمررها برفق، كأنّه يعتني بشيء ثمين وخائف أن يؤذيه.


"نعيماً"


"**** يِنعم عليك يحبيبي"
5

ابتسم يزيد ابتسامةً صغيرة وهو يُنهي تجفيف خُصلات قُصَي بعنايةٍ تُشبه طُهر الاهتمام العفوي، كانت لمسته حانية، لا تطلب شكرًا، فقط تبوح بكل ما يعجز القلب عن قوله، ثم وضع المنشفة إلى جانب السرير، وعاد إلى موضعهِ جالسًا بالقرب منه، وأخذ الحاسوب المحمول ليضعه بينهما على السرير.


ضغط على زر التشغيل، فبدأ الفيلم، بينما قُصَي نهض بهدوء ليُسوي الغطاء بحركاتِ رتيبهِ ،وتسطح على السرير ،فانزلق إلى جوار الصغير ساحباً الغطاء على جسديهما معًا، كأنها يختبئان من العالم أسفله، يكتفيان بهذا القرب، وبهذا المساء الذي لا يشبه شيئًا من قبل.


تمدد قُصى بجسده أكثر إلى الأسفل، حتى أصبح مستلقيًا شبه كلي، بينما ظلّ يزيد جالسًا نسبيًا، يتابع مشاهد الفيلم المتلاحقة بعينٍ نصف مركزة.
وفجأة، دون إنذار أحاطته ذراعا قُصى بهدوءٍ آسر، ثم أسند رأسه برفقٍ على بطنه، كأنما وجد مأواه هناك.
1

لم ينبس قُصى بكلمة، ولم يتحرك، بينما كان يزيد يحاول جاهدًا كتم الاضطراب الذي اجتاح قلبه فجأة، وقد بدا كأن الدم يغلي تحت جلده من شدّة الحرارة التي سرت في أطرافه.


وعلى حين غرةً جاء صوتهُ هادئاً بينما سوداوتيهِ تُحدق في الفيِلم "مكنتش أعرف إنك بتشتم."
1

خرج صوت يزيد بعد أن تنحنح خفيفًا، ووضع كفه بحنو على شعره المُبتل
"مشتمتش يا حبيبي، ما هي فعلًا شرموطة."
7

ضحك قُصى ضحكة خافتة، صافية، ظلّ بعدها ساكنًا في مكانه، رأسه لا يزال مسندًا على معدةِ يزيد، وعيناه على الشاشةِ التي لم تعُد تهمّ أحدًا.


"كانت السكس فريند بتاعتي من حوالي سنة."


"ودلوقتي؟"


"بقيت مُحترم"
3

"بأمارة هطلعك من دماغي وأحطك علي.."


"أخرتك على زبّي، عامةً"
4

شهقَ يزيد وهو يشدّ خصلاتِ قُصى الخلفية بقوّةٍ نسبيّة، غير أن الآخر لم يشعر بألمٍ يُذكَر، بل ظلّ جسده يهتزُّ بخفّة، دلالةً على ضحكهِ العميق.


ارتسمت ابتسامة وادعة على وجه يزيد، وهو يراقب قُصى يزيح الحاسوب المحمول جانبًا، ثم يمدّد ساقيه ببطء، ويسند رأسه على بطنه في حنوٍّ طفولي، يُداري وجهه كما لو كان قطًا يفتّش عن دفء مألوف.


ارتجف ضحكٌ خافت من بين شفتي يزيد، لكنه ما لبث أن سكن، إذ لامست أنامله خصلات قُصى المبتلّة، فراح يمرّرها عليها برفقِ كعادتهِ.


شيءٌ ما في تلك اللحظة كان يُشبِه السلام، أغمض قُصى عينيه على مهل، كمن يسلم نفسه لنومٍ طويلٍ بلا قلق، وتنظّمت أنفاسه تدريجيًا كأنّها تلتحق بإيقاع قلبٍ وجدَ أخيرًا موضع سكونه.
1

أطفأ يزيد الفيلم بهدوء، ووضع الحاسوب على المنضدة الصغيرة دون أن يُصدر أدنى صوت، لم يكن في نيّته أن يُغيّر وضعه، فقط آثر البقاء كما هو جالسًا، ساكنًا، محتويًا هذا النائم على صدره، كما لو أن العالم قد انكمش حتى صار لا يسع إلا هذا السرير، وهذا الهدوء.





جالسًا على الكرسي العريض في أرجاء المنزل الرحبة، والعتَمة تُخيّم كما في كل مرة. أفاق على منظر الدماء تغمره، تتسلل عبر ثيابه، تتسرب إلى أرض الغرفة، وتتمدّد في صمتٍ قاتم.

2


حاول أن ينهض، أن يُفلت من ذلك المشهد الغارق، غير أن جسده خذله؛ الجرح في ظهره كان ينزف بصمتٍ لزج، فيما تناثرت أمامه عُيون مخلوعه، تحدّق فيه من الأرضيّة ببلاهةٍ مرعبة.

4


الصوت الوحيد الذي احتلّ سمعه كان خفقة قلبه، متسارعة، مبحوحة، والهواء من حوله مشبعٌ برائحة الدماء الدافئة، نفاذة، كأنّها التصقت بروحه.




شهق قُصى فجأة، شهقة مذعورة، وانتصب جالسًا على السرير، يده ترتجف فوق صدره وكأنها تحاول إرجاع القلب إلى قفصه، الحلم ذاته يعود، يتسلل إلى نومه كما الأشباح، يأبى أن يُمحى من ذاكرته، كأنه لعنة مُستقرة في الفِكر.

1


زفر ببطء بأنفاسِ غير مستقرة، وأخذ يُنظمها بوعيٍ منهك، يضع كفّه على موضع القلب، نظراته شارده نحو المكان المُجاور لهُ، حيث الفراغ يحلّ محلّ يزيد.

2


وعلى المنضدة المجاورة، كانت هناك ورقة مطوية بعناية، جذبها بعد تردّد ليفتحها ،وقد كانت سطورٌ بخطّ يعرفهُ جيداً، رسالة مقتضبة من يزيد يعتذر فيها عن انصرافه المبكر، لأجل محاضرة هامّة. قرأها في صمت، ثم طواها بهدوء، وأسقطها في سلة المهملات دون أن ينبس بكلمة.

6


ألقى ظهره على السند، يتنهد، لا من ضيق بل من ثقلٍ يَبيت بداخله، كأن العالم رغم رحابته ضاق حتى صار مجرد كابوس يختبئ خلف جفونه.




شقّ السكون رنين هاتفه المرتفع، فتأفف بضيق، مُعتقدًا أنّ الساعة لم تتجاوز السابعة صباحًا، لكنّ حاجبيه انعقدا عندما لمح عقارب الساعة تشير للعاشرة تمامًا.

1


وكان المتّصل شقيقهُ،تثاءب وهو يُجيب على المكالمة، فجاءه صوت سيف الهادئ من الجهة الأخرى




"لسّه نايم؟"




همهم قُصى بنعاسٍ يحاول طرده عن عينيه، ثم سمع صوت سيف مجددًا، لكن هذه المرة ممتزجًا بصوت شيء يُقطّع ويُلقى في الزيت.




"طب قوم فَوّق. عميد بيمُر على السيشنز"




"بس أنا معنديش النهارده"




"عندك واحدة الساعة ١٢"




نهض قُصى من سريره متثاقلًا، لكنّه ما لبث أن سمع الصوت ذاته مرة أخرى، صوت القلي في الزيت يتضاعف حدةً.




"بِتحوّس في إيه كدا على الصبح؟"


وجاءه الردّ سريعًا، لكن لم يكن سيف بل صوت أُودِين الذي صاح كعادته بصخب


"بعملهُ كوتوليتا ألا ميلانيزي"
-أكله إيطاليه شبه البَانيه -

1


"علي أيامي كان الفطار تُوست بـمُربىَ.
وبعدين إنت جاي من إيطاليا تِتناك علطول؟"

+


قالها قصي وهو يتجه صوب خزانته يفتحها بحركةٍ آلية، لكن صوت أودين جاءه صارخًا من الجهة الأخرى كطلقةٍ تخترق السكون، حتى اضطر أن يُبعد الهاتف عن أذنه


"على الأقل بتناك من رَاجليِ ،مش من سيشنز ولا إمتحانات يا طالب يا عره"
11

"مقبولة منك ياروحي"
1

ترددت ضحكات أودين وسيف في أذنه، لكنها لم تُطل، إذ أغلق قصي المكالمة وهو يتصنع الاشمئزاز، يُلوّح بحاجبيه بتثاقل كمن لفظ مزحةً ثقيلة، بينما في أعماقه كان ثمة أمنية خَفية؛ أن يكون هذان الاثنان ثنائيًا ناضجًا، صحيًا، يجمعهما رابط حقيقي خاصةً مع ذلك الحب الصريح الذي يُخفيه أودين إتجاه سيف.
5

أخرجَ قصيٌّ ملابسه من خزانته بهدوءٍ مطبق، والتقط حاجياتهِ وما إن همّ بالخروج نحو الحمّام للاستحمام، مرّ عرضًا أمام المرآة المعلّقة على الجدار، إلا أنّ قدميه أبتا مواصلة المسير.


توقّف.
ثم عاد بخطوةٍ مترددة، وتفرّس في انعكاس صورته، كمن يطالع طيفًا نُزع منه الزمن.


كان وجهه جامدًا، مفرغًا من كل ملامح الحيوية، كأنّ الزمن قد عبره دون أن يترك أثرًا من حياة، نظراته كسيرة، مطفأة.


عيناهُ، وقد كانتا في ماضٍ ليس ببعيد تحملان وداً خافتًا وطمأنينة صافية، غدتا الآن مظلمتين، تسكنهما غربة عميقة، وجمود مرير.
1

كان يبحث عن ذلك الفتى الذي كانه ذات يوم؛ ذاك الذي اعتاد أن يبتسم بعفوية، ويتحدّث بطمأنينة، ويثق بالعالم ولو قليلاً لكنه لم يجده، لم يتبقَّ منه إلا بقايا ملامحٍ تآكلها الصمت، وأشلاءُ روحٍ أرهقها التيه.


لقد اختلّ كلّ ما بداخله.
أفكاره مضطربة، لا إنتظام فيها.
مزاجه متقلب، لا يعرف له قرارًا


تملّكه الإحساس بالغرق؛ ليس الغرق المادي في الماء، بل ذاك الأعمق، الأشد قسوة، الغرق في الذات
5

كأنّه عالق في بحرٍ هائج، تتقاذفه الأمواج، فيما يقف الناس على اليابسة، يُحدّقون إليه بصمت، دون أن يمدّ أحدهم يده إليه.


كل ما يراه من حوله، كل ما يسمعه، صار كأنّه لا يعنيهِ.
1

خرج من غرفته بخطى متباطئة، كأنما يجرّ جسده أكثر مما يسير به رِفقةَ ملامح ساكنة، ونظرته نصف فارغة، تتنقل على الوجوه المألوفة دون اكتراث، مرّ على بعض الطلّاب في طريقه؛ منهم من كان منشغلًا بنفسه، لا يرى إلا قدميه، ومنهم من حيّاه بابتسامةٍ مقتضبة، ومنهم من بدا كأنه خرج لتوّه من فم النوم، يتثاقل مثله.




و أمامهُ لمـح ماريوس وإلتقت الأعين ،كان الأخير مستندًا إلى الحائط، يتثاءب ويبدو عليه الضجر، ينتظر فراغ الحمّام كما يفعل دائمًا. يكره الزحام، ويفضل العزلة حتى في أكثر تفاصيل يومه هشاشة.
1

الصمت بينهما كان طويلًا بما يكفي ليصبح ثقيلًا، فقط نظرات تتفحّص وتترقّب دون صوت، إلى أن خفض ماريوس عينيه فجأة نحو هاتفه، كَمن يهرب من شيء لا يود مُواجهته.


قصى تابع طريقه نحو حمامهُ الخاص، بالكاد أتم ثلاث خطوات، حتى اخترق سمعه صوتٌ جاء من آخر الممر، صوت أرعن، متعمد الصخب ،ليلتفت بهدوء على عكس ماريوس الذي عقد حاجبيه من علوّ الصوت.


"يا راويّيي"
إمتدت نبرة الاسم بطريقة سمجة، تدعو للفت الأنظار لا أكثر.
1

"خدت براءة ولا لسه؟"
تبع السؤال بضحكة قصيرة مُضيفاً
"أصل عقبال عندك أخويا بقا مُستشار ،فقولت أتوسطلك يمكن يطلّعك من الخرابه اللِ إنت فيها دي"


كان يمضغ العلكة بصفاقة، يصنع منها فقاعات ثم يفرقعها بصوتٍ مستفز، كأن الفوضى هوايته.


قصى لم يُجيب، ملامحه بقيت على حالها، ساكنة إلى حدٍ يبعث القلق، كأنما الكلمات مرت من خلاله دون أن تترك أثرًا.


لكن ماريوس بدا أقل برودًا؛ جسده تحفز دون وعي مُتخذاً وضعيةَ الهُجوم رفقةَ ملامح مقتضبه.


إقترب قُصي من الفتى بخطواتِ هادئة، لا استعجال فيها ولا تردد. على الجانب الآخر، كان الصبي يتضاحك بصوت مُفتعل، ينفخ فقاعات من العلكة في فمه ثُم يُفرقعها كأنما يستلذ بإزعاج ذو الوُشوم نظراته متحدّية، مشبعة باستفزاز رخيص.
1

لكن قُصي لم يتوقف ،لم يعنِه الصوت، ولا الحركة، ولا الفقاعات التي تتناثر في الهواء، فقط ابتسامة باهتة شقّت وجهه، باردة كأنها لا تنتمي لموقف غضب أو انفعال، بل تنتمي لبركان كُبت طويل على وشك الانفجار.


وفي لحظة صامتة، دون أي إنذار، اندفع برأسه نحو وجه الصبي ضاربًا جبهتهُ بقوةٍ أربكته، دفعته خطوتين إلى الوراء وهو يئنّ واضعاً يده على رأسه من الألم.
2

"منيكه على الصُبح مَحِبش."
2

تنفّس ماريوس بعمق، كأن صدره يلفظ ثِقل لحظة تَوقعها من قُصي ،أعاد هاتفه إلى جيب البنطال بعصبيّة مكتومة، وعيناه تتنقّلان على وجوه الطلّاب المتجمهرين، كلّهم يحدّقون في قُصي، في ضربته، وفي الصمت الذي أعقبها.


لم يكن من الصعب توقّع ما سيحدث لاحقًا - أحدهم سيذهب إلى إخبار عَميد والد قُصي، وهذا وحده كفيل بإشعال ما هو أكبر.




مرّر ماريوس أنفاسه ببطء، خطواته تتقدّم نحو ذو الوُشومِ لكنها لم تُخفي إرتباكه، مضت سنتان لم يتبادلا فيهما كلمة. سنتان من الصمت، من المسافة التي صارت عادة.


ورغم ذلك..يدهُ إمتدّت كأنّها تحرّكت من تلقاء نفسها تَموضعت على كتف قُصي في حركة خفيفة، لكن الأخر إستدار بعنف، جسده متهيّئ للهجوم، بعينين لا تعرفان من يكون.
2

تجمّد الآَخر في مكانه كأنّ الزمن تعثّر لحظة حين التقت عيناه بوجه ماريوس. الذراع التي كادت تضربهُ إنخفضت دون وعي وكأنها تذكّرت شيئًا أعمق من الغضب.


سحبه ماريوس بخفة ليقف إلى جوارهِ كأنه يطوّق قنبلةَ مَوقوته، كان يعرف جيدًا طبع قُصى، يدرك تمامًا أن لحظة إضافية قرب ذاك الفتى قد تجرّهم إلى مشاكل لا تُحتمل.


أوقفه إلى جانبه دون أن ينبس بكلمة، فقط وضع الجسد في مكانٍ آمن، فيما بقيت نظرات قُصى معلّقة على الفتى الذي نهض متثاقلًا، ما زال يمضغ العلكةِ بذات الغباء المستفز، كأن شيئًا لم يحدث.


"دماغهُ مِسواحاه بروح أمه"
1

قالها ماريوس بلهجةٍ مُتعالية، وابتسامةٍ جانبيّة تُخفي ما لا يُقال، فانعكس على وجه الفتى المقابل ضيقٌ لا تخطئه العين.


غير أن قُصَيّ لم يكن هناك تمامًا..


فقد إضطرب خافقهُ ما إن لمح يزيد، يقترب من آخر الممر بخُطى متسارعة، يلوّح بورقةٍ إختبار لهُ، تتقدّمها ابتسامة صافية، كأنّها لم تُمسّ يومًا بغبار الحياة، لكنه ما إن رأى الزحام، وتجمهر الطلّاب، حتى هدّأ من خُطاه، أدرك بالفطرة أن هناك شيء خاطئ.
2

وهُنالك، في قلب تلك اللحظة المرتبكة، شعر قُصَيّ بأنّ المسافة بينه وبين يزيد لا تُقاس بالأمتار، بل بما لا يُقال.


أحدهما يقترب حاملاً نُورًا، والآخر واقفٌ في الظلّ يتلقى سُبابًا لا يُجدي، ويشتبك مع فراغٍ لا نهاية له.


تساءل بصمتٍ ثقيل؛ أيليقُ بالضوء أن يتبع الظُلمه؟
أينتمي قلبهُ النقيّ إلى رجلٍ مثلهُ ماهو بِـناجِي من نفسه.


وهل يكفي الحبُّ لردم الهوّة حين لا يُجيد أحدهما سوى الغرق،والآخر وُلِد ليعوم؟
1

إقترب يزيد ببطء واقفاً جوار قُصيّ وقد ارتسمت على ملامحه دهشة خفيّة، وعفويًا امتدت يده تُمسك بذراع الأخر، تلك الذراع التي لُفّت بالأوشام كأنها تروي ماضيِ لم يُقرأ بعد ،رفع قُصيّ عينيه إليهِ بهدوءِ تام لكن السلام لم يكتمل..


إذ عاد صوت الفتى، يقطع اللحظة كالسهم، وهو يُشير نحو قُصي ومَاريوس بابتسامةٍ ساخرة ممزوجة بعلكةٍ لا تكفّ عن الدوران بين فكيهِ
2



"على رأي المثل واحد كدّاب والتاني مصدّقه."


إنعقد حاجبا يزيد مُحدقاً فيه باستنكار رافعاً كفّه في وجهه دون تفكير، وصوته علا فجأة


"إيه العبط دا؟"


"أحا يجدع.رِيحة الشِياط وصلالي"


"كسمك إبن مرا زانيه"


ثلاثُ كلمات،من ثلاثِ جهات،و من ثلاثِ أرواح مُتباينة.
2

كان ماريوس ويزيد يُطوقان قُصى كما تُطوق السلاسل أسيراً مُفرَطَ الجنون؛ يزيد عن يسارهِ، وماريوس عن يمينهِ، يُوثقانه بين قبضتيهما، كأنما يخشيان أن ينفلت من إساره،و كلاهما يعلمان يقينًا كم العُنف الذي يضمره قُصى في ردود أفعاله.


لكن الفتي بغرورٍ لا يليق إلا بالأراذل، قهقه وقد إنعكست البغضاء على لسانه


"زانيه بس على الأقل عايشه يا بيبي"
ثم انفجر ضاحكًا، ضحكةً جوفاء، ترددت أصداؤها كصفعةٍ على وجوههم.
11

و لحظة صامتة تَمددت...ثم تَكسرت.


لم يكن قُصى هو من إنفجر، كما توهّم الجميع،
بل ماريوس الصامت، الذي أفلت ذراع قُصى وكأنما يزج بجهنم من عقالها، واندفع يُسدد لكمةً صاعقة إخترقت وجه الفتى، فأحدثت صوتًا مكتومًا أشبه بتهشم عظم تحت مطرقة.
1

تدحرجت العلكة من بين شفتيه، ممزوجة بشُرعة الدماء التي تفجرت من فمه كينبوعٍ مُسموم.


الفتى ترنح مُصعوقًا، وقد طوّقت شفتيه ابتسامة ميتة، لم تكد تكتمل حتى انهار كدميةٍ مهترئة قُطعت خيوطها.


شهق يزيد، وقد اعترته صدمة مباغتة من عُنف المشهد وألفاظ الفتى الفاجرة التي انهالت تُعايِر
مسامع قُصى.


رمقهُ الأصغر بنظرة حائرة، عاجز عن أن يبتدر فعلًا أو حتى ينطق بكلمة؛ مُرتبكًا أمام سكون قُصى العجيب الذي ظلّ واقفًا كالطودِ، ساكن الملامح ينظر بثباتٍ مخيف إلى الدم المُراق على الأرض.


وقبل أن يُسعفهُ لسانه بأي ردّة فعل، شقّ الممر صوت أنثوي جهوري، جاعلاً الجمع المحتشد يتفرقّ كالأشباح المذعورة، ولم يبق إلا يزيد المتشبث بذراع قُصى كالغريق بحبل نجاته، وماريوس الذي كان يُلوّح بقبضته في الهواء، يحاول تخفيف الألم الذي خلّفته الضربة؛ إذ شعر بأن عظام كفه قد تصدعت تحت وطأة العنف.
2

خطت المرأة نحوهُم بخطواتٍ واثقة، تُرسل صوت كعبها العالي صدى مُهيبًا في أرجاء الممر الخالي،
كانت ترتدي بدلةً رمادية قاتمة، وشعرها الأسود الطويل ينسدل حتى خاصرتها، يُضفي عليها هالة لا تخطئها عين.




"قُصى وماريوس مره واحده! لأ وكمان وجه جديد إنضم للجانج"
2

فتح ماريوس فمه ليبرر، لكن قاطعتهُ بانفجار صوتها
"حجز أربع ساعات يا حبايبي"
1

حدّق يزيد بقُصى مذهولًا، عاقدًا حاجبيه بدهشةٍ طفولية لم يفلح في كتمها، فيما قُصى وعلى غير المتوقع تَبسٌم من ردة فِعل الآخر المُباغتهِ، فهو فتى مِثالي بحق فكيف له أن يحصل على إحتجازِ ولمُدةِ أربع ساعات كامله!


لم تلبث المرأة أن اتجهت نحو جسد الفتى الملقى أرضًا، تحدق فيه بنظرة لاهية
"ودا مات ولا فيه النفس في صباحكوا الأغبر دا؟"


"لا.لا عايش"
قالها يزيد مِن خلف قُصى سريعاً وأشارت بيدها أن يتحركوا جميعًا نحو جهة الحجز، حيث سيقضون ساعاتهم الأربع القادمة خلف جدرانٍ مُمله.


سحب قُصى يزيد بخفة، بينما ماريوس تَبِعهم، يُمرر أصابعه فوق قبضته المتألمة، كأنما يُحصي الشروخ التي خلفها ذلك اللكم الغاضب.


-


ترجَّل من سيارتهِ اللامعة، يدفع خصلات شعره إلى الوراء بنفحة من اللامبالاة، وعيناه الجامدتان تتفحصان الأوراق في قبضته بدقة غارقة وسط سيل المعلومات ،خطا بخطوات رزينة يُغلفه السواد من رأسه حتى قدميه، فارع الطول، عريض المنكبين، يفرض حضوره بلا عناء.


شق طريقه عبر ممر العشب المبتل بندى الصباح، يتنفس الهواء البارد برضى ساكن، وقبل أن يعبر بوابة الكافيتريا، توقّف..


لم يلزم رفع بصره كي يفرض حضوره؛ إذ خرج صوتهُ عميقاً كجرسٍ متهدجٍ في معبد قديم، كافيًا ليُبدد سكون المكان


"اطلع إطلع.مش بنلعب هايد أند سِيك إحنا"
2

عندها، تجمدت الدماء في عروق حُذيفة، وأحسّ بأن الهواء نفسه قد أثقل صدره، انسلّ من خلف الباب ببطء و أوقع ناظريهِ على السماء يتأملها مُتصنعًا اهتمامًا زائفًا لا يخدع حتى العابرين.
9

حين إرتفعت عينا آسر ذاتِ اللون المُعاكسِ، كانتا كمرآتين عتيقتين تُذهل حُذيفه مراراً وتِكراراً من عَظمةِ إبداع الخَالق.


اقترب آسر بهدوءٍ حتى غدا صوته وهمسه لا يفصلهما عن وجه حُذيفة سوى رعشة خفيفة
"مش قُولنا نبطل حركات العيال دي؟"


أومأ حذيفة بإذعان واضح هازاً رأسه كطفلٍ ضبط متلبسًا بكذبةٍ صغيرة، بينما خفقات قلبه تناضل لتشق طريقها خارج صدره.
1

تناهى صوت آسر مجددًا، رخيمًا
"عايز إيه؟هِمم؟"
1

تلعثم حُذيفة، واختلطت الكلمات على لسانه، قبل أن يتمتم بجملة كسيرة بالكاد بلغت مسامع آسر
"ع.عادي؟ بحسك إنِترستنج مش أكتر"




وحُذيفة في تلك اللحظةِ، أدرك أنه لا يختلف شيئاً عن تلك المراهقات اللائي تتهافت قلوبهن لمجرد التفاتةٍ عابرةٍ من محبوبهم


غير أنهُ لم يستطع أن يظفر بتفسير منطقي لذلك الإعجاب الطاغي بآسر؛ ذاك الإعجاب الذي تمدد في صدره كجذورٍ خفيةٍ لا يعلم متى وأين نبتت،
لقد كانا من حيث الظاهر نقيضين لا يلتقيان؛ كالجمر والماء، كالعاصفة والبحيرة الساكنة.
1

ومع ذلك؛ كانت لآسر جاذبيةٌ مُبهمة، قادرة على خرق أسوار المنطق، وسَحب الروح خلفه طوعًا لا كرهًا.


"مفيش فيا حاجة إنترستنج. أنا بني آدم عادي وطبيعي،بس إنت بعقلك الباطن، بمشاعرك المتلخبطة دي وهمومك اللي مش لاقيلها مخرج، قررت تشوف فيا حد كويس وكأنك مستني إني أمدلك إيدي وأطلعك من الزون اللي أنت غرقت نفسك فيها ،بس الحقيقة إنيِ مش موجود عشان أنقذك ولا عايز أكون موجود أصلاً."
20

حدّق حُذيفة إليه بدهشةٍ لم يحسن إخفاءها؛ دهشة ارتسمت على قسماته بوضوح، كأنما لم يألف يومًا أن يلتقي بإنسانٍ ينطق بما يدور في خاطرهِ بوقاحةٍ عاريةٍ من كل قيد هكذا!
1

ما قاله آسر، في جوهره لا يبتعد كثيرًا عن الحقيقة، لكن الفظاظة التي غلّفته جعلت الكلمات تنهش شيئًا هشًّا بداخله.
3

لكن الصدمة ـ كعادتها في كل لقاء بينهما ـ باغتته، زلزلت شيئًا في روحه، حتى بات لا يدري أهي رغبةٌ في الهروب منه، أم توقٌ لا يرتوي للقرب منه؟
والمفارقة التي أربكته أكثر، أنه رغم كل هذا الشرخ الذي يحدثه آسر في داخله كل مرة، كان يجد نفسه مشدودًا إليه على الدوام؛ كعطشانٍ يتبع السراب وهو مدركٌ تمامًا أنه لن يبلّ ريقهُ.


"مش مشكلتي إنك حكمت عليا بعينك الضيقة قبل ما تحاول حتى تكلمني أو تفهمني.و مع إنك دبش نيك بس لسه شايفك إنترستنج بردو"
1

ثُم تبسم حُذيفة ابتسامة صغيرة يتبعها غَمزة تأكيد أنه لازال مُثيراً لإهتمامهُ، تحرك بعدها بخطواتٍ هادئة، ينسحب من أمام آسر الذي ظل واقفًا في مكانه لحظةً، وكأنه يحاول أن يُفكك لغز هذه الرِّدة الغريبة.


كان أي شخص آخر ليرتد غاضبًا، أو يطأطئ رأسهُ مجروح الكبرياء، لكن حُذيفة لم يفعل، فقط داعبهُ بحديثه ثم فارقهُ.
1

-


كان مستندًا بظهره إلى حافة السرير، عاري الصدر، يتصفح هاتفه بمللٍ هادئ، بينما أمامه وقف مالك مُنشغلاً أمام المرآة بتسريح خصلات شعره المبتلة قليلًا.


و في أرجاء الغرفة انسابت أنغام أغنية هادئة، تحمل لحنًا رقيقًا، يدندن معها مالك بصوتٍ خفيضٍ يُشبه الهمس.
2



رفع كريم عينيه عن شاشة هاتفه، فتوقفت نظراته عند حبيبهِ ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها حقيقية، كأن قلبه ينعش في كل مرة تقع عيناه عليه.


لم تتغير مشاعره تجاه مالك يومًا، بل ازدادت رسوخًا وجِدةً، كأن حبه له ينمو بهدوء تحت ضوء شمس دافئة لا تغيب. كان مالك ذاته تجسيدًا للنُضج والرِقّة، وعلاقتهما كانت من نوع العلاقات النادرة صحية، هادئة، خالية من العبث والتشتيت، بعيدة كل البعد عن صخب العلاقات المسمومة.
8

أشار كريم بيده يطلب من مالك أن يأتي إليه، فابتسم الأخر وأطاع الإشارة يهرول بخفةٍ نحوه، جلس في حضنه بثقة *** يعلم أنه في أكثر الأماكن أمنًا.


طوّقه كريم بذراعيه، يحتضنه بقوةٍ صامتة، واستنشق عطره المُنتشر - رائحة الخوخ الخفيفة التي التصقت بجلده ثُم طبع قبلة طويلة على عنقه فتسللت قهقهة خفيفة من شفتيه، قهقهة بريئة ناعمة كقطرات المطر الأولى، ملأت الغرفة دفئًا لا يُوصف.


"بحبك"
همس بها كريم ينساب صوتهُ هادئاً وهو لازال يغمر وجههُ داخل عُنق مَحبوبه.


كلمةٌ بسيطة، لكنها ارتطمت بفؤاد مالك ارتطام الموجة العاتية بالشاطئ الهش.
إضطربت أنفاسه، وتخبّط قلبه بين أضلعه كأنها أول مرة يُلقى على مسامعه هذا العشق الصريح.


عانقهُ مالك بقوةٍ عارمة، كمن يتمسّك بنصف روحه الآخر خشية الفقد ،هامسًا بصوتٍ مُتهدّج بالعاطفة
"وأنا كمان ياحبيب القلب"


إنفرجت شفتا كريم عن ابتسامة صادقة، وهو يرفع رأسه عن عُنق الصغير، الذي ما انفكّ يبتسم بصفاءٍ آسر، ثم انفجر كريم ضاحكًا فجأة، كأنّ ذكرى مباغتة راودت خاطره.


"الواد يزيد لِبس حجز ٤ ساعات مع قُصي"
4

شهق مالك بدهشةٍ دراميةِ واضعًا راحة يده فوق صدرهِ "إبني!!"
1

"دا خِتم الجوده باين"
ضحك مالك وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعر حبيبه بنعومةٍ هادئة، وحقيقةً أنه مُحق نوعاّ ما


فَأي شخص يسير رفقة قصى، إما أن يُطرد من الجامعةِ أو يُحتجز يوماً كامل جراء المُشاجرات العديده.


"بس من غير كِدب.
لايقين على بعض فشخ"
1

"لايقين.بس قصى بعيد كل البُعد عن يزيد"


"عادي يا حبيبي مش لازم يكونوا شبه بعض أُوڤر.
دا حتى الأقطاب المُتشابهه تتنافر ،إيه مدرستش ساينس؟"


"درست ساينس.وأخدت كمان التكاثر ماتيجي أشرحهولك عملي"
غمز كريم بِقذارةٍ وعلى مهلٍ دسّ يده الباردة أسفل ملابس مالك، ملامسًا جلد صَدرهِ الدافئ يعتصرهُ داخل قبضتهِ وإرتعش الصغير بين أنفاسهِ وهو يحاول إخراج يد كريم التى إقتحمت دِفئه وزعزت سكون قلبه.
2



تأوه مالك بخفة رقيقة، وهو يدفع يد كريم عنه بلطف، ثم عاد ليقف أمام المرآة مرة أخرى، يعدل ملامحه بحركة هادئةِ وصوته عَلا فجأةً
"كدا هندخل الراوند الرابعه.إهمد يا حبيبي"


"يا أحا.بتحسد زبي"
إستنكر كريم على الفور بينما وضع يده فوق قضيبه بتأثر بالغ،كما لو كانت كلمات مالك قد أصابته في مقتل.


دَارَ مالك عينيهِ بتكاسلٍ، ثم ألقى على كريمِ التيشيرتِ بخفَّةٍ
"طب إلبس عشان نروح نِشقّر عليهم"


رفع كريم إصبعه الأوسط نحو الأصغر في حركةٍ لا تخلو من العبث المُحبب، ثم شرع في ارتداء ثيابهِ دون استعجال، قبل أن يخطو إليه بثقةٍ خافتةٍ، ويقف جانبه أمام المرآة.


أحاط خصرهُ من الخلف بعناقٍ صامتٍ، وأمال رأسه قليلًا ليهمس قرب أذنهِ، تُلامس شفتيه طرف شحمة أذنه برقةٍ شهوانيةٍ


"عايز أبقا أنيكك قُدام المرايا"
2

قهقه مالك بخفوتٍ، إيماءة خفيَّة منهُ أكّدت رغبة كريم ثم التقط زجاجة العطر الخاصّة به، ورشّ منها على جسد حبيبهِ.


ثُم غادرا معًا غرفة مالك، يخطوان في الممر الضيق بخطى رخية، والصغير قد أوثق ذراعهُ بذراع كريم كأنّه يتشبث بهِ تعلقًا لا يُوارى، تعلو مُحيّاه ابتسامة صغيرة عجز عن إخفائها.


حين بلغا الباب العريض للغرفةٍ المَنشوده وكانت أكثر سعة، رفع كريم قبضتهُ طارقاً ليأتيهما على الفور صوتٌ أنثوي رقيق يأذن لهما بالدخول.
2

خطوا معًا إلى الداخل، حيث ارتسم المشهد أمامهما كثابتٍ متكاسل؛ قُصي كان مسندًا ظهره إلى المقعد باسطًا ذراعه على ظهر الكرسي المجاور، بينما كانت أناملهُ المحبورةِ تعبث بسطح الطاولة بإيقاعٍ كسول، يُشيع حوله هالةً من سآمة لا تخفى.
1

إلى جوارهِ، كان يزيد ينكفئ بجسده فوق الطاولة، مسندًا رأسه إلى ذراعه كمن أنهكه السهاد، يرمق بحيرةٍ حركة يد قُصي المترنحة على الخشب.


أما ماريوس، فقد اتخذ له مجلسًا إلى الخلف بمحاذاة أيان، ابن عم قُصي، وكانا يتبادلان الأدوار في لعبة ورقية بدت عديمة الحماسة، فيما كانت عينا ماريوس، بين الحين والآخر، تهربان منه إلى يوسف القائم عند مِس چيهان التى سحبتهم قسراً إلى الإحتجاز.
2

"جِيجي"
ناداها كريم بدفئ وهو يطوّق جيهان بذراعيه في عناقٍ لطيف، بادلتْه ابتسامةً رقيقة شملتْه وشملت مالك، إذ لم تكن جيهان سوى شقيقته الكبرى.


ثم إتجه كريم يُحيي يوسف، الذي استقبله بـِوده المعتاد ونُبل طويته، فيما كان ماريوس من طرف المجلس، يُحاول عبثًا أن يُلهي نفسه بالحديث مع أيان، هاربًا من نظراته المُعلقة على يوسف دون إرادة منه.




"المُهم متشديش عليهم يا جِيجي هاا"
قالها يوسف و أشار لهم بعجلة، علامةً على نيته في الرحيل، فاكتفت هي بمبادلته إيماءةً باسمة قبل أن يغادر القاعة ويتركها تعود إلى مجلسها.


أما كريم، فتقدّم نحو قُصيّ، وما إن همّ بالقهقهة حتى عاجلهُ الآخر بركلةٍ خفيفة من تحت الطاولة، جعلته يتأوه ويكتم ضحكاته بصعوبة، كان ذلك مألوفًا فقُصيّ بطبعه يضيق بالمكوث بلا حراك، كأنه خُلق ليكون في حركةٍ دائمة.


من جانبه، ابتسم يزيد بلطف وهو يُصافح مالك، ثم باغتهُ بإيماءةٍ عفوية، إذ رفع يده ليُعدل ياقة قميصه بعدما لمح آثار القُبل الغائرة على عنقه، وتلاها غمزه خبيثه من يزيد ،والآخر قد احمرّ خده خجلًا على غير العاده.
3

"يلا يا كيمو برا"


صاحت جيهان عبارتها وهي تُلقي بهاتفها فوق الطاولة في لا مبالاة، فالتفت إليها شقيقها مشيرًا إلى نفسه "بِتطرُدِيني؟"


فاكتفت هي بإيماءةٍ هادئة، بينما انفجر مالك ضاحكًا ثم جذب كريم من ذراعه بلطافة، ليسحبَهُ معه خارج القاعةِ ، مغلقين الباب خلفهما في خفّة.


همهمت جيهان بصوتٍ خفيض وهي تنهض لتُطوّف بعينيها على الحاضرين، كمن يتأكد من تعداد جنوده قبل بدء معركةِ ما ، كانت وبحكم منصبها، المسؤول الأول عن أحداث الشغب والإيقاف، إضافةً إلى الإشراف على الأنشطة الفنية للجامعة.


دفعت خصلات شعرها الطويل خلف أذنها بحركة معتادة، قبل أن ترمقهم بنظرة متفحصة
"فريدة مِبجحه مع الدكتور ،أيان كان بيسْمُوك في السيشن والثلاثي المرح عادمين واحد العافية..براڤو"
2

ثم عادت إلى مقعدها بغير اكتراث، بينما لم يتمالك ماريوس نفسهُ من الضحك حين وقعت عيناه على فريدة التي كانت تنهض من سباتها، تعدل شعرها بأصابعها وكأن شيئًا لم يكن، كأنهم ليسوا في قيدٍ أو احتجازٍ قط.


وبنبرةِ حماسيةِ أضافت
"وبما إني شخص ديكتاتوري ظالم ،فأحب أقولكم إني بنظم مسرحيه وإنتوا الخمسه هتكونوا فيها غصب،أما باقي الجروب هختاره على حسب ترشيحات الطلبه"
1

أوقف يزيد حركته فجأة، وتحولت ملامحه إلى تجاعيد من الاستغراب، بينما همس قصى بتأفُفٍ قاطع وهو يُمرر أناملهُ عُمق خصلاتهِ
"يا بضاني اللِ كرمشت"


ضحك أيان خفية، محاولًا إخفاء وجهه خلف كتف ماريوس، الذي جمدت ملامحه قبل أن ينفجر قائلاً "شايف المنيكة الفارغة؟ شايِفها؟"
أومأ أيان موافقًا يحاول إخفاء قهقاتهِ العالية.


رَنَّ هاتف جيهان في تلك اللحظة، فانزوت مغادرةً القاعة بأسرع ما يمكن، بينما انفجر ضحك أيان من أعماق صدره، ذلك الضحك الذي اختلط بأصداء الارتباك على وجه فريدة التي قفزت من مكانها، عينيها تلمعان بعدم تصديق واضح، محيرة في أمرها




"كسم الكِرنج.على آخر الزمن همثل في مسرحيه!"


أومأ كل من أيان وماريوس برؤوسهما في حركة شبه متزامنة، ثم أضاف يزيد ضحكة هادئة وهو يُحدق نحو قصى، في حين كانت يده الحانية تمرُّ على خصلات شعرهِ الداكنه تُبعد عنها شيء أبيض


"أنا أه عمري مَعملت حاجه زي كدا بس حاسسها هتكون لطيفه "


"لطيفة إيه بس.دي هتكون بنت أحبه"
ضحك يزيد مرةً أخرى، وهو يعيد يده على الطاولة مستندًا برأسه عليها بـرقةِ هادئه، وهو يُطالع ملامح قصى التي كانت تتموج في سكونٍ وجمالٍ حادّ
1

غَمز له الأكبر بخفة و عيناه تلمعان ببريق غامض،
ثم وضع يده هو الآخر على الطاولة، مستندًا برأسه عليها، مقلدًا تمامًا وضعية يزيد، وكأنهما يشتركان في حالةٍ من التوازن الصامت.


وهو يهمس بابتسامة خفيفة على شفتيه، تلك الابتسامة التي لم تكن سوى انعكاسٍ لنزاع داخلي
"هنخرج سوا في الويك إند"


"هو عادي نخرج من الجامعة أصلاً؟"


"أيوه في نهاية الأسبوع عشان يشوفوا أهالِيهم وكدا"


همهم يزيد رِفقةً بسمةِ لطيفةِ، مشدودًا إلى عمق عينيّ الأكبر ذاتِ اللون الداكن
"قُولي. هنخرج فين بقا؟"


"مُفاجأة."
5

عقد يزيد حاجبيه، بدت عليه أمارات التركيز لِيعتدل في جلسته، وكأن الفضول قد أخذ منه مأخذه، مدّ يده لتستقر على ظهر قصى، وأردف بصوت يحمل بحة خفيفة "بس أنا عايز أعرف"


"يختي على الدلوع."
3

استقام قصى في جلسته أيضًا، ملقيًا برأسه إلى الوراء، ثم انطلقت ضحكة خفيفة من بين شفتيه، بينما شاركهُ الصغير وهو ينفي كلمات قُصى تماماً.


يزيد كان يشعر في كل مرة يقترب فيها من قصى وكأن لحظاته تصبح أبطأ، وحركاته أكثر رقةِ، كان يحاول جاهدًا ألا يظهر ذلك الجانب منه الذي يميل إلى التدليل خاصةً من الأكبر خشية أن يُفهم على أنه نوع من الضعف أو المبالغة.
4

كان يُدرك رغم محاولاته البائسة في إخفاء ذلك، أن ردود أفعاله تتسرب منه دون إرادة،ولكن في حضرة قصى، كان كل شيء يتحول إلى شعور غريب من الطمأنينة التي تجذب مشاعره وكأنها تيار خفي.


نظر إليه قليلًا بعينين عميقتين، واكتشف شيئًا أغفله طويلًا..


لم يكن يفقّه عن قصى سوى القليل، بل إن بعض التفاصيل كانت تثير في نفسه دهشة لا تُوصف، فقد اكتشف تواً أن والدة قصى قد فارقت الحياة، ذلك الخبر الذي قد أتى إليه من طرف آخر؛ من فم ذاك المُستفز صباحاً، وهو ما جعله يُدرك كم أن الحياة قد تركت جراحًا في روحهِ.


يزيد شعر بثقل ذلك الصمت الذي يُحيط بقصى، وكأن قلبه يحمل بين طياته صخورًا ثقيلة، يواجه بها العالم وحيدًا، في محاولة مستمرة لتجنب أي نظرة شفقة، كان يدرك أن قصى يتنفس قوة مزيفة رُبماّ، يراهن عليها كي يظهر دائمًا في أفضل حالاته، لكنه كان يعي تمامًا أن هذه القوة كانت تستهلكه شيئًا فشيئًا، تستهلكه داخليًا وخارجيًا دون أن يدرك أحد.

تجاهل يزيد تعليقات مالك برمّتها، ومضى صوب الباب بخطًى متحفزة،وما إن أدار المقبض، حتى ارتسم المشهد أمامه كما أوحى به حدسه.

قصي كان واقفاً هناك، بهيئته الهادئة المعتادة، غير أن حمرةً متقدةً توسدت جبهته، كشاهدٍ على وعكةٍ عابرةِ ،وما إن التقت عيناهما حتى ارتسمت على شفتي قصي بسمةً خافتة، انبثقت بفعل مظهر الصغير الذي بدا ببراءتهِ الأنيقة وعطر الفانيلا المألوف الذي لا يفارقه، ككائن من عالمٍ آخر، أنقى من أن يُلمس.

4


"كُنت بتتخانق في الحلم ولا إيه؟"


انساب صوت يزيد خفيضًا، وهو يُشير بإصبعه نحو موضع الحمرة الماثلة على جبهة قصي الذي اكتفى بهزة رأس نافيه، قبل أن يتقدم في خطوات هادئة ليحمل حقيبة يزيد عن كتفه
1

"دخلت في الباب"
8

ثُم دوّى ضحك مالك من تحت الغطاء، صوتٌ خافت لكنه مُباغت إرتبك له جسد قصي فقد كان يحسبه غارقًا في النوم "كسمك"


انتزع مالك الغطاء عن وجهه، مشيرًا إلى قصي بأصبعه في تهديدٍ "هقول لـكريم"
5

إرتفعت قهقهة يزيد دون إرادة، ثم مال برفق نحو مالك، يربت على كتفهِ ويضع الغطاء فوق رأسهِ كاملاً كما يُهدئ طفلاً مُشاغبًا
"إِتخمد يا حبيبي"


غادرا الغرفة معًا، ويزيد لا تزال ابتسامته ترفرف على شفتيه، يسرع خُطاه حتى يتفقد عن قُرب موضع الحمرة على جبين قصي.


"دخلت في الباب فعلاً؟"


أومأ قصي بإيماءة متكاسلة، بينما يُخرج علبة سجائره من جيب معطفه، ويُعدل حزام حقيبة يزيد على كتفهِ "صاحي مغيبب رُوحت لِبست فيه"
3

ارتسمت على وجه يزيد ابتسامة هشة، وهو يُراقب الأكبـر يُشعل سيجارته بسكون، ويسحب أول نفس كأنما يحتضن الليل.


"طب كُل حاجه حلوه قبلها"


"مَتجيب شفايفك"
15

دارت عينا الأصغر بمللٍ مصطنع إزاء الغزل الركيك، لكنه في أعماقه كانت الفراشات تصحو، تُرفرف باضطرابٍ بين أضلعه.
4

وبعد فترةِ وجيزه غادرا حرم الجامعة بهدوءٍ، حتى بلغا البوابة الرئيسية، حيث كان يُفترض أن يُدوِّنا خروجهما ،لكن ما إن وقعت عينا موظف الإدارة على قصي حتى اكتفى بإيماءة صامتة، تاركًا لهما الطريق دون توقيع وكأن حضوره وحده صكُ إذنٍ لا يُردّ.
2

كان يزيد يسير بجانبه، يدعو في صمتٍ ملحٍّ أن يمتلك قصي سيارة طبيعية، أن تنقذه الأقدار من صهوة الدراجة النارية! لكن كعادة الأمل في قلبه، تحطم شر تحطيم، حينما لمحهُ ينحرف صوب دراجته ذات اللون الأسود، تلك الآلة الهادرة التي تشبه وحشًا ميكانيكيًا من طراز رِيـس.
2



ذكرى قيادة قصي كانت محفورةً في ذاكرتهِ ، سرعةٌ تعانق الجنون، وعينان لا تعرفان الخوف، وكأن الريح ذاتها لا تجرؤ على اعتراض طريقه.


أسقط قصي سيجارته تحت قدميه يسحقها بنفاذِ صبر، قبل أن يمد يدَه دافعًا بحقيبة الظهر نحو يزيد،
كان بوسعه أن يبقيها مُعلقة على كتفه كعادته، لكنه على نحوٍ خفي، أراد أن يشعر بيدي يزيد تلتفان حول جسده حين يشتد هدير الريح.
4

اعتلى الدراجة برشاقةٍ متناهية وضرب بكعب قدمه الخوذة الاحتياطية المُعلقة خلفه فتدحرجت صوب يزيد الذي أخذها وأطبقها على رأسه بانصياعٍ خجول، قبل أن يتقدم ويتخذ موضعه خلفه.


لم يمهله قصي كثيراً؛ فسرعان ما أصدر عن محرك الدراجة زمجرة عنيفة، واندفع بها خارج أسوار الجامعة، كأنما يطارد السراب.


لم يكن أمام يزيد إلا أن يغرز ذراعيه بقوة حول خصر الأكبر، يحتمي به من السقوط ومن هذا الجنون المندفع وسط الريح.
2

ابتسم قصى ابتسامة خفيّة ، إذ شعر بيديه المُرتجفتين تتشبثان به وكأن العالم انكمش واختزل في هذا العناق البريء المُضطرب.


أما الأصغر فقد أغمض عينيهِ للحظات، يدفن وجهه في ظهر قصي، كأنما يستمد منه طمأنينةً وسط هذا الإعصار الصاخب..لم يكن يدري أن قلبه هو الآخر قد انطلق، طليقًا، دون قيدٍ أو عودة.
3

وقد انحرف بالدراجة إلى طرقٍ جانبية، واسعة وهادئة، يغمرها سكونٌ خافت كأن الزمن هناك قد توقف، بيوتٌ أنيقة، يغلفها وقار عتيق تتوزع بنظامٍ رصين لا تشوبه فوضى، وألوانها المستكنة تعانق الصباح كأنها نُسجت من الحلم.


ظل يزيد صامتًا، يحتضن ظهر قصي بقوةٍ لم ينتبه لها الأخير إلا من وخزات أنفاسه اللاهثة.
وعيناهُ المنهكتان بفرط الطمأنينة، راحتا تتأملان المشاهد الهادئة المتلاحقة حتى ثقُلت أجفانه شيئًا فشيئًا،وسرعان ما أسند رأسهُ على ظهر قصي مستسلماً لنعاسٍ خانق لا يقاوم.
5

لم يقطعه إلا صوت الأكبـر الرخيم، همس به قرب أذنه فهز كيانه بأسره،ارتجف يزيد بعنف إلى أن كاد يسقط من فوق الدراجة لولا يد قصي التى امتدت تلقائيًا وأحاطت خصره بشدة.


"براحتك. براحتك"
نطقها قصي بوقعٍ مطمئن لينزع الخوذة عن رأس يزيد فانسدل شعره المبعثر فوق جبينه، وفتح عسليتاهُ ببطءِ ليجد نفسه قبالة بيتٍ معزولٍ عن كل ضجيج، مبنيٌ بلون البُني المحروق، يشي بهدوءٍ ساحر وتصميمٍ بسيط يلامس الروح.


"هتبيع أعضائي؟"
6

داعب يزيد قصي بنبرةٍ ناعسة، وهو يفرك عينيه بكفٍّ كسول،فاكتفى الأكبر بالإيماء، قبل أن يُمسك بمعصمهِ ويقودهما معًا نحو باب المنزل.




ببساطةٍ مدهشة، وضع قصي راحة يده فوق موضعٍ جانبي خفي، لتومض تحته بصمةٌ ضوئية خافتة،
وفي اللحظة التالية، انفرج الباب أمامهما بآليةٍ سلسة.


ظل يزيد واقفًا مكانه، مُندهشًا بعينين متسعتين، كأن سحرًا خفيًا انحل أمامه، دلف قصي إلى الداخل، وألقى بحقيبة يزيد فوق أريكةٍ أنيقة قرب المدخل،
وتبعه الأصغر بخطى مترددة.


كان البيت من الداخل غارقًا في نظافةٍ مذهلة، أشبه بتجسيد لهوس قصي المعروف بالنظام والترتيب،
كل شيء بدا متناغمًا؛ الأثاث غارق في درجات البُني والبيج الهادئة، ونباتات خضراء مورقة تنتشر في أرجاء المنزل بعنايةٍ شاعرية، تبعث الحياة في أركانه كأنها أنفاسٌ خفية تتردد بين الجدران.
2

"عَجبك؟"
1

سألهُ قصي بنبرةٍ وادعة، وقد استرخى فوق الأريكة باسطًا ساقيه في دعةٍ مفرطة،فاستدار إليه يزيد بغتةً، وعيناه تشرقان بدهشةٍ فطرية


"أحا. إنت بتسأل؟"


زار الأكبر شبح بسمةِ لطيفةِ ،وما لبث أن تناهى إليه صوت يزيد مجددًا، تغمره حماسة صادقة


"دا بِيتكُـم؟"
1

"بِيتـي."
صحح لهُ قصى بنبرةِ هادئه وهو ينهض من مجلسهِ مُتقدماً نحوهُ بوقع رصين "شارية من حوالي سنه.
ومحدش يعرف عنهُ حاجه"
6

تبسّم يزيد ابتسامة واسعة صادقة، وقد اضطرب شيءٌ خفيّ في أعماقهِ، كأن حديث الأكبر أيقظ في صدرهِ رجفةً دافئة لم يعهدها.


وفيما كان غارقًا في تيهِ تأملاته، محدقًا في سواد عينيّ قصي العميق..شقّ سكون البيت نباحٌ جهور لكلبٍ، فتشنّج جسد يزيد في فزعٍ غريزي، كأن الأرض اهتزت تحت قدميه.
1

قهقه قصي بخفة، ثم جثا على ركبتيه مرحبًا بالكلب الضخم الذي اندفع إلى حضنهِ بحماس، كان الكلب من سلالة الدوبِيرمان، أسود اللون، ذو بنيةٍ عضلية هائلة، ما دفع يزيد إلى أن يخطو خطوتين إلى الوراء بتوجس ظاهر.
2

نهض قصي وما زال يربّت على رأس الكلب بأنامل تفيض حنوًّا، ثم أشار نحو يزيد وهو يأمر بلطف


"مُوسكو.سلّم على يزيد."


ولم يكد ينهي كلماته، حتى رفع الكلب قوته الأمامية في حركة سلامٍ مُتقنة ،فانتفض يزيد مجددًا، وارتدّ خلف ظهر قصي، يختبئ به من رهبة الموقف، فيما ضحك الأخر ملء صدره، يحاول أن ينتزع يزيد من مخبئه
1

"متخافش ياحبيبي. مبيِعملش حاجه"
3

"بجد؟"
سأل يزيد بصوتٍ واهنٍ، وعيناه تنضحان بالارتياب.
3



أومأ قصي مؤكدًا، فما كان من يزيد إلا أن تردد لحظة، ثم اقترب بخطى حذرة نحو موسكو، الذي ظل جاثيًا مكانه، رافعًا يده، كمن ينتظر التحية بسط يزيد كفه بوجل، ليلامس يد الكلب الثقيلة وما إن فعل حتى اندفع موسكو فجأة يعانقه بقوة عارمة، أسقطته أرضًا تحت وطأة جسده الضخم.


جلس الكلب فوقهُ، يلهث فرحًا وراح يلحس وجهه باندفاع طفوليّ، بينما انفجر قصي ضاحكًا بحرارة، مذهولًا من سرعة الألفة التي انعقدت بين حيوانه العزيز وشخصهُ المُفضل.
7

تبسّم يزيد بخفة بعدما أيقن أن موسكو لا يُشكل خطرًا، وراح يربّت على ظهره برفق، كأن بينهما صداقة وُلدت في لحظة ،كان جسده لا يزال مستلقياً على الأرض، والكلب الضخم جالس فوقه بحميميةٍ غريبة تُثير الضحك والدهشة معًا.


وفجأةً رفع عسليتاهُ ليقع بصره على قصي، الذي كان واقفًا على بُعدٍ بسيط، يُمسك بكاميرا احترافية ويوجّهها نحوهما ،كان يُصوّرهما دون أن يُخفي ابتسامته المُعجبة، ويزيد ما إن أدرك ذلك حتى نظر للكاميرا باندهاش تمامًا كما فعل موسكو في اللحظة ذاتها.
1

وفي ومضةٍ دقيقة، التقط قصي الصورة.


صورة واحدة فقط.


لكنها بالنسبة له، كانت كافية.
1

كافية لتؤرّخ لحظة من الجمال العفوي، وشيئًا من الصفاء الساحر.
1

ظل يُحدّق في شاشة الكاميرا بعد أن التقط الصورة، يتأمل حمرة الخجل التي صبغت وجنتي يزيد، وتلك الخصلات البنية التي تناثرت بغير نظام فوق جبينه،
مظهره العفوي المرهق، وسط ابتسامةٍ خجولة وعينين تتساءلان، بدا بالنسبة لقصي..مُهلكاً.


مُهلكًا لقلبٍ اعتاد الجفاء، لكنه الآن يذوب.
1

"وَريني!"
صاح يزيد بفضولٍ شهي، عاقدًا حاجبيه بانبهار طفولي، إلا أن قصي اكتفى بإيماءة نفي بسيطة أربكت كليهما - يزيد وموسكو الذي اندفع يجري نحو قصي بشغفٍ واضح لرؤية الصورة.


و بابتسامة وادعة، انحنى قصي قليلًا وأمال الكاميرا نحو موسكو مستعرضًا له اللقطة ،لحظتها ابتسم الكلب ابتسامة عريضة، نابعة من حب صادق، جعلت قصي يضحك بخفة وهو يُربت على رأسه.


يزيد الذي ظل ممددًا أرضًا، اعتدل ببطء وجلس مُربع القدمين، مسندًا وجهه على كف يده بحركة بطيئة متأملة ،رمقهم بنظرة دافئة قبل أن يهمس بنبرة خافتة مائلة للكسل


"أجيب اتنين لمون يَحابيبي؟"


"لأ بعدين. تعالا معايا كدا"




وضع قُصي الكاميرا على الطاولة الخشبية بلونها البُني العتيق، وانسحب إلى الخلف بخفة، بينما كان يزيد يتقدم نحوه بخطى بطيئة تتكئ على ذهولٍ واضح في ملامحه، ابتسامة قُصي لم تتزحزح، كانت ثابتة، مطمئنة، كأنها تعرف ما سيتبع.


تابعا السير داخل المنزل، خطوات هادئة على أرضٍ صامتة، حتى توقّف يزيد فجأة، تجمّد مكانه كمن اصطدم بشيء يفوق الإدراك ،في نهايةِ الطُرقةِ
كان الباب الزجاجي الشفاف يُطلُّ على مشهدٍ أشبه بالسراب.
3

"ب.بتهزر؟"
خرجت الهمسة من بين شفتيهِ مُحملةَ بإنفعال لم يعرف كيف يخفيه، وهو يجرّ يد قصي نحوه دون وعي.


لم يُجبه قصي، فقط ابتسم بتروٍ وهو يراقب ملامح الصغير المُندهشة، ثم ترك يده تنسل من بين أصابع يزيد بلطف، كما لو كان يُفسح له الطريق.


خلف الزجاج..كان البحر.
8

بكل هيبته، بكل اتساعه، يضرب المدى أمامه مباشرةً، الأمواج تتلاطم في هدوء، والشمس تُلقي بضياء ذهبي دافئ على رمال ناعمة تمتد بلا نهاية، و هناك مظلة بيضاء ضخمة أسفلها كرسيان خشبيان كأنهما ينتظران.


إضطرب قلب يزيد بعنف، وتلك الرغبة الطفولية التي ظلت خامدة لسنوات عادت تصرخ داخله -
هو الذي لم يسبق له أن رأى البحر بعينيه، لم يكن ليتخيل أن تكون رؤيته الأولى هكذا خالصة،
هادئة، وبهذا القرب.
3

يزيد كما لو كان جسده سبق قلبه، اندفع نحو الباب الزجاجي وفتحه بانفعال طفولي، دسّ قدميه العارية عُمق الرمل الدافئ، واستنشق الهواء المالح النقي شعر به يملأ صدره، يُنعش روحه، والدهشة تتوسع في عينيه حتى بدت أقرب للدمع.


كان يشعر أن قلبه يركض أسرع من قدميه.


ضحك بلطف ثم لمح موسكو يركض أمامهُ، فرحًا، كأنه يعرف الطريق ،ولأول مرة ركض يزيد خلفه حافيًا، خفيفًا، كأنه يركض داخل حلمٍ وُلد من رحم البحر فقط له.


انثنى قُصي بانسيابٍ وئيد، يخلع حذاءه كما لو يُنزع عنه إرثًا من التوق، ثم اندفع نحو البحر بخطى سريعه تُحرّك الرمل تحت قدميه ،موسكو و قد ارتطم بالموج أولاً، مندفعًا بجسده العريض، يسبح بلهفة من أُعتِقَ من قيد.


يليه يزيد، الذي خاض الماء كأنّه يسير في رؤياه، قافزًا إليه بضحكة مجلجلة انطلقت من صدرٍ تجرّع الانبهار، فخرجت نقيّة لا تشوبها شائبة.
3

توقّف قُصي عند حدّ الماء، نزع قميصه أولاً و بدا جسده متين البنية، مرسومًا عليه وشم متفرّد، يبدأ من راحتِه اليسرى، متسلّقًا الساعد حتى يغمر كتفه، ثم يزحف على ظهره الأيسر في تشكيلة غامضة.
2



دون تردّد، قفز قُصي إلى الماء واحتواه البحر كما لو كان يعرفه،ترك موسكو يزيد وهرول صوب قُصي، غمره بلعِقاته الحنونة، وقُصي يضحك ويردّ عليه بقبلاتٍ تُشبه الامتنان، فيما كانت الشمس تغازل الموج، ويزيد يحدّق بهما من بعيد، بين الماء والدهشة، كمن يشهد ولادة فصلٍ جديد من الحياة.


"فرحان؟"
5

اقترب قُصي منه وسأله بنبرة خافتة تفيض بعناية، فأومأ يزيد سريعاً، كأن الإجابة كانت تنتظره منذ زمن، ثم أزاح موسكو برفق من حضن قُصي، واندفع نحوه يحتضنه وسط البحر وكأنما يطلب دفء العالم كله في تلك اللحظة.
3

بادلهُ قُصي العناق بعذوبةٍ صامتة، لكن داخله كان ضجيجًا لا يُحتمل قلبه يُصارع قفصه الصدري بشراسة، كأن لحظة الانفجار وشيكة، كأن كل شيء على وشك التبدل.


وفجأة، باغتهما موسكو بقفزةٍ هائلة أطاحت بالتوازن، فغرق ثلاثتهم في الماء دفعة واحدة، خرج يزيد أولًا وهو يلهث، شعيرات الماء تنساب من وجهه،ثم انطلقت ضحكته الحرّة تشقّ الأفق، جريًا خلف موسكو الذي أخذ يُحرّك كفّه الأمامية الصغيرة بسرعة


لينبعث من تحتها رذاذ الماء كألعاب نافورة عبثية، فتطرطش الموج في وجه يزيد وقُصي معًا، وارتفعت القهقهات في الهواء المالح، كأن البحر كان يشاركهم اللهو بكرمٍ نادر.


مدّ قُصى كفّهُ بثقلٍ رصين، ووضعه على ظهر يزيد كما لو أنّه يستحثّه على الالتفات دون أن يُقلق السكون المُقام بينهما فاستدار يزيد نحوه، والضحكة لا تزال مُتدلّية على شفتيه، بريئة كنسمةٍ في أول الربيع.


تلاقت الأبصار؛ وحدها النظرات تحدثت. حدّق قُصى طويلًا، وملامحهُ تغرق في سكينةٍ دافئة، وعيناه الداكنةِ تبرقان لا بانعكاس الضوء، بل بفائض شعورٍ دفين، مُتراكم كأنّه اشتعل دفعةً واحدة، يوشك أن ينهش صبره.


"ع.عارف إني وحِش. ومتعصب مُعظم الوقت دا إذا كان مش كُله، بس بحبـ..
19

لم يُمهله يزيد لإتمام اعترافه، بل انقضّ عليه كمن دفعه الحنين لا الإرادة، عانق عنقه بلهفةٍ مُرتبكة،
وبقبلةٍ أولى، خامدة الخبرة، حيّة الشعور، طبعها على شفتيه بخجلٍ يُلهب، قلبه كان يقرع صدره قرعًا، كأنّه يوشك أن يخرج من قفصه.
16

وهنا، فقط، أُسقِط في يد قُصى، واحتواه يجذبهُ إليه في احتضانٍ كثيف، كمن يُلملم ارتباكه، تذوّق قُبلته كمن ينهل من نبعٍ عذبٍ اكتشفهُ أخيرًا. كانت شفاهه ندية، وناعمة كقطوفٍ دانية، لها مذاق الطمأنينة..ومفعول الاضطراب المُسكر.


"بحبك"
15

خرجت من قُصى بأنفاسٍ متقطعة،لكنها أتت كثورةٍ من الشعور، واستقرت على شِفاه يزيد المُضطربة، الذي كان يتنفس بصعوبة، وكأن الرئتين قد ضاقتا بما فيهما من فرحٍ مُفرط، والهواء ذاته ما عاد يكفيه.




ابتسم يزيد، لكن الابتسامة لم تكن كافية لترجمة ما يُفتعل داخلهُ، كان كمن جُمّد لسانه من فورة المشاعر، كأن الحب عقّله، وقيده عن النطق.


اقترب قُصى خاطفًا قُبلة خفيفة من شفتيه، واضعًا كفّيه بحزمٍ على خصره، ثم أعاد الهمس ثانيةً


"بحبك"
5

كرّرها وهو ينظر إليه، والعذوبة تتقاطر من إبتسامته، بينما كان يزيد حبيس حضنه، وعيناه العسليّتان تتلألآن أسفل خيوط الشمس، وشَعره البُني مُبلل، يلتصق بجبهته في هيئةٍ تُضاعف من جاذبيته البريئة.


"بتحبني؟"
6

لم يُجِب يزيد بكلمات، بل أومأ سريعًا، وبحماسةٍ جعلت الموجة تندفع في وجه قُصى، فتسللت المياه المالحة إلى عينيه، أغمضهما على الفور، وانفجر ضاحكًا، وهو يَجذب يزيد إليه أكثر، كمن لا يرضى بوجوده إلا مُلتصقًا به حدّ الذوبان.
1

"م.متسبنيش يا قصى"
3

لم تكن مجرد جملة مُرتجفة، بل كانت استغاثة، رجاءً مُضمّخًا بالخوف، وكأن روحه تعترف بأنها ما عادت تقدر أن تكون دون هذا الحضور.


ابتسم قُصى بتلك الطمأنينة الساحرة التي لا يُجيدها سواه، وربّت على ظهره برفقٍ
"ابقى ارزعني قلم فوّقني لو سيبتك يوم."
14

ضحك يزيد، تلك الضحكة المختلطة ببكاءٍ لم يسقط بعد، تومض عيناه بدموعٍ حارّة ما زالت مُحاصرة على تخوم الرمش، وكأنها تنتظر اللحظة التي تنكسر فيها مقاومته.


كان يعلم جيدًا أنه لا يتحدث عن تلك اللحظة في البحر.. لا عن الموج أو الهواء أو الرمال الدافئة، بل عن الغد، وما بعد الغد، وعن حياةٍ بأكملها.


رفع يزيد كفّيه برفقٍ، وأسند راحتيه على وجنتي قُصى كأنما يحمل شيئًا لا يُقدّر بثمن. اقترب منه ببطءٍ بالغ يتأمل رموشه المُبللةِ ذات اللون المُعتمِ،
و إلى الهدوء العميق الذي يسكبُه حضورهُ في صدره.


ثم انحنى يقبّلهُ..قبلةً رقيقة، وادعة،يمتص سُفليتهُ بعدم خبرة لكنها أحدثت الأعاصير في قلب الأكبر.
1

وفجأة، اندفع يزيد بجسده فوق قُصى، ضاحكًا بخفةٍ وسحبه معهُ ليتقلبا معًا في أحضان الموج ، غمرهما البحر، لكن شفتاهما ظلّتا متصلتين تمتدّ تحت الماء.
1

خرج قُصَيّ من تحت الماء يحملُ يزيد بين ذراعيه، والضحكات تتعالى من كليهما كأنما البحر أنجبَهما من رحم البهجةِ، خطا به خارج الأمواج، والماء يقطر من جسديهما المتعانقَين، فيما موسكو انطلق يعدو أمامهما بنباحٍ سعيد، متجاوزًا إياهما في مرحٍ غامر، لكنه لم يدخل من الباب الزجاجي مثلما توقّع يزيد، بل دار حول البيت واختفى من مدخلٍ آخر.




"هو رايح فين يا حبيبي؟"
6

قالها يزيد بعفوية، فوقف قُصَيّ في مكانه فجأة مقلّبًا رأسه للوراء بتمثيل دراميّ كأن كلمةِ حبيبي أصابته في مقتل! ارتسمت بسمةٌ خفيفة على وجهه فيما نال ضربة لطيفة على كتفه من يزيد، ثم تابع المسير ناحية دخول موسكو.


حيث وجدهُ يزيد يقف عند باب حمام غير الرئيسي، وموسكو واقف في الداخل بانتظار أن يغسله قُصَيّ قبل أن يترك آثار الرمل وماء البحر في البيت.


"ياروحي إنت كوتي بوتي عسل!"
همس يزيد بحنان وهو يُداعب موسكو، مأخوذًا بتصرفه الذكي وانضباطه، كأنه يقرأ النوايا ويُتقن الطقوس.
4

"بَغِير خلى بالك"
4

قالها قُصَيّ وهو يُمسك بمرشّ الماء، يوجّهه نحو موسكو الذي نبح عاليًا كأنّه يُجيب، بينما شرع يزيد في وضع قليلٍ من شامبو الكلاب على راحتيه، دلكهُ على فرو موسكو برفقٍ وهو ينظر إلى قُصَيّ


"بتغير من موسكو؟"
1

"ومن نيمو. إيه الجديد يعني؟"
5

قهقه يزيد، ضحكةً خرجت منه كالمطر، خفيفة وسلسة، مُستسلمًا لعفوية قُصَيّ واعترافه الصريح الذي لم يحاول تلميعهُ أو نفيه، بل رماه كالسهم واستقرّ في القلب.


"الفكرة إنه بيحبك بس تحسهُ واد تقيل في نفسهُ كدا"
قالها يزيد ثم مدّ يده وأخذ المرشّ من بين أصابع قُصَيّ، رشّ الماء على جسد موسكو، الذي وقف بلا حراك، مُستسلمًا، كأنّه يعي لحظة الودّ هذه.


ما لبث أن أخذ يزيد منشفة، وجفّف جسد موسكو المتبلّل بلينٍ وحرص، ثم نبح الكلب بلطفٍ مرّة، كأنّه يشكرهما، وخرج بهدوء من الحمّام عائدًا إلى الداخل، تاركًا خلفه ابتسامةً دافئة ترتسم على وجهيهما.


"طب وصاحبهُ؟"


همس قُصى ساحباً خصر يزيد يُحاوط إياه وعيناهُ تتفحص ملابسهُ المُبلله التى برزت مَفاتنهُ بطريقة
مُسكره.


"صاحبه كمان بيحبك نيك"
3

ابتسم يزيد، تلك البسمة التي تتخلّق بين الخجل والدفءِ، ثم مال بعُنقه يحتضن عنق قُصي، كأنما يسكن فيه أمنه. ارتفع نظرهُ قليلًا وتعلّقت عينيه بالوشومِ التي انبسطت على جِلدِه كخطاياٍ مُقدّسة، يتأملها بفضولٍ نقيٍّ لا يخلو من دهشة.


"طب صاحبه مش عايز يتناك من حبيبهُ؟"
5

و ما إن تسلّل همس قُصي الأخير إلى أذنهِ فقد كانت كلمات قذرةِ لم يعتد عليها الصغير ،حتى توهّجت الوجنتان بحمرةٍ مباغتة، واضطرب النبض في صدره، وأراد أن يتراجع قليلًا...إلا أن قُصي ضمّه بقوّةٍ إلى صدره، كأنما يأبى منه الفرار.




أنزل قصى كفية ببطء نحو مؤخرةِ يزيد يعتصرها بقوةِ ، وحصل على شهقة رقيقة من يزيد فجأة، كأنما انسلّت من أعماقه رعشةُ ذُعرٍ غير مُتوقّعة، ثم وبلا رويةٍ، ارتفع كفّهُ ليهوي على وجنة قُصي بصفعةٍ خاطفة، أعقبها ابتعادٌ مُرتبك سريع.
18

تسمّر قُصي في مكانه، وقد أربكتهُ الفِعلة، لم يكن الألم ما أوجعه، بل الهَلع المرتسم في ملامح من أحب. تقاطع النظرات للحظةٍ مُرتبكة، قبل أن يخرج صوت يزيد مُتقاطع الأنفاس
1

"أسف و**** أ.سف مكانش قصدي. بس أنا متعودتش حد يلمسني كدا، آسف بجد"
5

أومأ قُصي بطمأنينةٍ بالغة، لا زجر فيها ولا عتاب، واقترب منهُ يضم جبهته إلى شفتيه في قُبلةٍ هادئة
"أنا إللِ إتسرعت يا حبيبي ،المفروض أستأذنك الأول"
5

رفع يزيد عينيه المرتبكتين نحوه، وصوته خافتٌ
"بس إنت عايز دا؟"


ابتسم الأكبر، وعلى وجهه صفاء لا يُزاحمُه شهوة
"عايزهُ لما إنت تبقا عايزه، أصلي مش هعمل حاجه غصب عنك..هروح أنا أخد شاور في الحمام التاني وخليك إنت هنا"


وكانت على ملامح قصى ابتسامةٌ خافتة، وادعة، تكاد لا تُرى لولا بريقها في عينيه، ثم استدار قُبيل خروجه من الحمّام، مُتلفتًا إلى يزيد


" ممكن بوسه صغننه؟"


لم يتكلّم يزيد، اكتفى بأن أومأ برأسه برقةٍ تامة، وابتسامةٍ دافئةٍ تُفصح عن ألف رضا. اقترب قُصي منهُ بخطًى هادئة، طوّق وجهه براحتَيهِ كأنما يتحسّس كنزًا، ثم انحنى ليطبع على شفتيه قُبلةً قصيرة، ولكنّها مثقلةٌ بالمعنى والودّ.


ثم انسحب في هدوء، وخرج من الحمّام دون أن ينبس بكلمة، تاركًا يزيد وحده، وقلبه لا يزال يردد وقع تلك القُبلة كأنها وُضعت على روحه، لا على فمه.


وبعد برهةٍ لم تطُل، انسلّ يزيد من الحمّام، جسده ملتفّ بالفوطة القطنية التي انتقاها من الرف، واتّجه بخطًى متعجلة نحو حقيبته، أخرج منها بيجامة قطنية مريحة وارتداها على عجل، ثم أخذ يُفتّش عن موسكو بعينين تفتّش في كل ركن، لكن ما إن مرّ قرب المطبخ، حتى توقّف فجأة.


كأن شيئًا خفيًا جذبهُ للوراء.،التفت مجددًا وبصرهُ وقع على قُصي، واقفًا أمام لوح التقطيع، يفرم الفلفل الأخضر بأناملٍ ثابتة، شعره لا يزال رطبًا ينسدل في خصلاتٍ كسولة، وملابسهُ المنزلية تحاكي البساطة والسكينة. بدا المشهد في عين يزيد لوحةً دافئة، تبثّ في صدره طمأنينةً لا توصف.
3

اقترب منه في هدوء، واحتضنه من الخلف، واضعًا رأسه على ظهره كقطّ صغير يتدلّى بحنان، يستنشق عبق رائحته المعتادة، تلك الرائحة التي باتت تُشبه الوطن.




ضحك قُصي بصوتٍ خافت من العناق العفوي، مُستديراً ناحيته وفي حركةٍ خفيفة، رفع يزيد عن الأرض بسهولة ووضعه برفق على رخامة المطبخ، لكنه لم يُبعد ذراعيه، بل ظلّ يحاوطهُ، ونظراته تنطق بالدفء والودّ.


"القُطه عايزه تاكل إيه؟"


"أحا. بتعرف تطبخ؟!"
خرجت من يزيد بدهشةِ صافيه وعسليّتَين مُتسعه


"ماما كانت شِيف شاطرة نيك.كانت بتخلينا أنا وسيف نساعدها دايماً ونعمل إِفتكاسات عبيطة، لدرجة إن سيف حالياً بقا يطبخ إيطالي وكوري أما العبد *** مصري بس"
6

ارتسمت على محيّا يزيد ابتسامةٌ وئيدة، لا تشبه ضحك السُذّج ولا زهو المغترّين، بل كانت من تلك التي تنبع من أعماق مُطَمْئِنَة،بسبب نبرات قُصي حين تحدّث عن أمّه الراحلة، كان ثمّة شجنٌ مُهذّب، وحديثه عن سيف ذاك الأخ الذي لم تجمعهما الأرحام ألا أن حُب وإحترام قُصى لهُ كان مهيباً.


"أصلاً تِحس سيف شكلياً مش مصري"


أومأ قُصي برأسه ثم مال ببطءٍ وغرس قبلةً رقيقة على وجنة يزيد، قبلة لا تشتهي شيئًا إلا الطمأنينة


"أبويا كان عايز يجرب الكس المصري والإيطالي"
3

قهقه يزيد قهقهةً عالية، وقد انعكست على محيّاه دهشة لم يعرف لها مأوى، لا يدري أيتعجّب من جُرأة قصي الوقحة في ذكر والده بتلك الخفّة، أم من سيف الذي لم يكن مصريًا بل إيطالي المَحتِد، غريب الجذر.


"يعني هو إيطالي مصري؟"


سأل يزيد بلهوٍ طفولي، يُدلّي ساقيه جيئةً وذهابًا في الهواء، بينما قصي إبتعد عنه متّجهًا صوب الثلاجة يُنقّب عمّا خبأته من طعام، وقف هناك لحظة، كأن ذكرى باغتته على حين غرّة، فأنفجر ضاحكاً


"الورق والفايلز بتاعته مكتوب إيطالي بس.
لسبب ما مامتهُ مَرضتش تخلي الجنسية مصري إيطالي، وديني مرا بتفهم يلا **** يرحمها مطرح ماهىَ بقا"
6

أومأ يزيد بتفهُّم، عينيه تتطلّعان إلى قصي بوداعة، ثم فتح فمهُ ليضع قصي قطعة فراولة بداخلهُ ،و مال برأسهِ مُقبلاً شفاه يزيد قبلة خاطفة ،قبل أن يتجه نحو الموقد يشعلهُ.


جلس يزيد والطعْم الحلو ما زال على لسانه، يتأمّل تفاصيل المطبخ، ثم التفت لوهلة في صمت، وقد ترسّخ داخلهُ أن والدة كُلاً من سيف وقصى غادروا هذا العالم، ومع ذلك لم تُخلّفهم الذاكرة غيابًا، بل حضنًا دافئًا و كانت العلاقة بين الأخوين على قِصرها، ناضجة.


هبط يزيد من على الرخامة بخفّة مَن تعلّم الدلال، وسار بخُطى ناعسة نحو قصي، ثم مال عليه بخفرٍ ظاهر، كأنّه نبتة تستند إلى جدارها الوحيد، وهمس بصوتٍ رقيق


"عايز حُضن."
3

خرجت كلماتهُ مُتغنجةِ مُحتاجة كافية لتُحرّك قصى من الداخل، فالتفت إليه على الفور، واحتواه بين ذراعيه بطمأنينة، أسند رأسه الصغير إلى صدره، يَتَنَفّس في أمان بينما أطفأ قصي النار ببطء، كأنّ دفء الموقد انتقل إلى هذا العناق.


طوّق قصي الجسد الرفيع برفق، وأسند رأسه إلى عنق يزيد، يستنشق عبير الفانيلا المعتاد، وكأنّ الرائحة باتت وطنًا لا يُخلف موعده. في تلك اللحظة، زحف موسكو بخطوات هادئة، والتصق بساق قصي، يُطالبه بنصيبه من الحنان.


كان يزيد مُستلقيًا على بطنه فوق الأرض، يلوّح بساقيه في الهواء بخفّة طفولية، وقد نصب أمامه طبقًا صغيرًا يقطر بألوان الفواكه الناضجة كانت قدماه تتحرّكان بعشوائية كأن جسده غير قادر على احتواء البهجة، وعيناه معلّقتان بقصي الواقف أمامه، يُفكّك جهازًا غريب الهيئة، يتحقّق من توهّجه ومن نبضه الخافت، كأنه يعيد بثّ الحياة في شيءٍ خامل.

2


إلى جانبه، تمدّد موسكو فوق السجّاد، هامدًا كسول، يستكين ليد يزيد التي تُعطيه قطعة فاكهة كل بضع لحظات، فيمدّ فمه في تراخٍ، ثم يعاود الاستلقاء في دلال تام.




كان المشهدُ مغمورًا بصمتٍ عميقٍ، لكنّ دواخلَ يزيد كانت تضجُّ بصخبِ السعادة، سعادةٍ صافيةٍ نادرةٍ، لا تعكّرها كلمةٌ ولا ظلُّ شكّ. أن يرى قصي هادئًا، لا يثور، لا يَجأر، لا تهزّه نوباتُ الغضبِ التي اعتادَها، كان أمرًا كفيلًا بأن يُحيي في نفسه طمأنينةً نسيها.




وكان يكفيه - بل يفوق الكفاية أن يسمعه، بين كلّ برهةٍ وأُخرى، يهمس بصوتٍ خافت، متهدّج أنه 'يُحبه' قالها مرارًا، دون خجل، دون تحفظ، وكأنها يقين لا جدال فيه.

7


في تلك اللحظةِ، لم يكن يزيدُ مجرّد عاشقٍ، بل كان كائنًا مُتوغّلًا في النعيمِ، كمن لامسَ الحياةَ في شكلِها الأنقى، كمن عرفَ المعنى، وارتوى.




"لسه شغال ياحبيبي"




قهقهَ يزيدُ فرحاً، ومدَّ يدهُ ليُطعم موسكو قطعةَ فراولةٍ ناضجة "يعني هتعمّلي تاتو؟"

1


أومأ قُصَيّ برأسه إيماءةً رصينةً تُجَانِسُ البِشر الذي ارتسم على فِيهِه، وقد استقرّت في كفّيه آلةٌ ذات مظهرٍ مهيبٍ، خطا بخطًى موزونةٍ نحو الأريكة المتربعة خلف يزيد




الذي كان منطرحًا على بطنه بإسترخاءٍ طفوليٍّ مثيرٍ للتأمل، وساقاهُ تَتَراقصانِ في الهواء كأنهما تسبحانِ في فضاءٍ لا مرئيّ، وقميصه المرتفع عن خصره فضحَ لمحةً من جلدهِ الناعم الذي يشي بعذوبةٍ مُترفّة لا تخفى على عينٍ بصيرة.

2


ابتلع قصي لعابهُ في تروٍّ جراء ذاك المشهد الرقيق ، وعيناه تنزلقان من بين أصابعه نحو الجهاز، ثم عادتا إلى الفضاء الخالي بجانبه، حيث ربّت بكفّه برفقٍ ثقيلٍ على وسادةٍ مستقرّة هناك، وصاح بنبرةٍ جهوريةٍ تنضحُ سيطرةً ودلالًا




"Who's my good boy?"

6


"أنا"

1


انساب صوت يزيد من شفتيه برقةٍ عفويةٍ، وقد تراقصت ساقاه في الهواء بخفةِ ***ٍ نسي الهمّ، منتظرًا موسكو الذي كان يلتهم قطعة الفراولة من كفّه الصغيرة، كأنهما في عالمٍ من الألفة الصامتة


ضحك قُصَيّ ضحكةً مجلجلةً، رجّت صدره من البهجة، وهو يسند ظهره إلى الأريكة، غارقًا بين إدراكٍ مرِحٍ وسعادةٍ مفاجئة، كان يقصد موسكو الذي التصق بيزيد كظلّه،كان يناديه كي يترك حبيبهُ يأكل
1

لكن الرد جاء عفويًا، صادقًا، وبريئًا إلى حدٍّ أربكه إذ أعلن يزيد بصوتهِ الواثق، أنه فتى قُصيّ الجيد.
1

نهض يزيد من موضعه برشاقة، واقترب بخفةٍ دافئة، ثم جلس على ساق قُصيّ الذي لم تزل ضحكته تتردد في الأرجاء، ولم يُفكر قُصيّ لحظة في أن يُصحح له فحوى السؤال، إذ راق له الردّ بعفويته البريئة، وأرضاه أكثر من الحقيقة ذاتها.


"بس هيوجعني؟"


"شَكة دبوس"
همس قُصيّ برفقٍ مفرط، كمن يُجسّد الطمأنينة في نبرة، كي لا يُثير في نفس يزيد ما يُعكر صفو اللحظة.


كان قُصيّ فيما مضى فنانًا بالحبر، مولعًا بفنّ التوشيم، يرسم على الأجساد كما لو كان ينقش على الأرواح، شغفه ذاك لم يكن عابرًا، بل موهبةٌ ضاربةٌ في عمق تكوينه، غير أنه في الآونة الأخيرة من حياته، تلبّسه نفورٌ دفين، تقزّز من الأدوات، ومن الحبر، ومن لمس الجلد ذاته، حتى إعتزلهُ.
2

لكن لمّا أبصر في عيني يزيد لهفةً وصدق رغبةٍ في وشمٍ دائمٍ لا يزول، نبش قُصيّ ماضيه من رماده، واستلّ جهازه القديم من مهده، وراح يُفتّش عن الرسومات، وعن قناني الحبر، وكأنّ أصابعه اشتاقت من جديد أن تتكلم بلغة الخلود.
1

تألّقت ملامح يزيد بابتسامةٍ واسعةٍ تفيض فتوةً ودفئًا، بينما عينا العسل تشعّان ضوءًا يشبه بهجة الربيع الأولى. كان جالسًا على فخذ قُصيّ كأنّه موطنهُ الطبيعي،ثم مال في عفويّةٍ مُحبّبة ليطبع قُبلةً على خدّه
1

أما قُصيّ، فلم يدرِ أكان الهواء من حوله قد صار أكثر ليونة، أم أن صدره هو من انفتح على هواءٍ جديد؛ ببطءٍ عذب، اقترب من شفتي يزيد يضع قُبلة ناعمه لطيفة.


"هتعمليّ فراشه؟"
3

"هعملك فراشة"
4

أومأ قُصيّ برأسه وئيدًا،مُستجيبًا لطلب يزيد بملامح يكتنفها رَوقٌ دفين. كان يعلم تمام العلم ما للفراشات من مكانة عميقه في فؤاد يزيد؛ تلك الكائنات الهوائيّة التي تُحلّق بخفّة، تُمسِك أطراف الضوء بأجنحة مُرقّشة، كأنها رقاع من خزف ملونٍ تُعلّق على جدار الأمل.
2

في عينَي يزيد، لم تكن الفراشات سوى تجلٍ ناعمٍ للحظ المُترف، ورمزية خفيّة للحرية التي لا تُطال، بل تُعانق الروح من بعيد،يرى في طيرانها احتفاءً بالانعتاق، وفي تنوّع ألوانها دلالةً على أن الجمال لا يخضع لنمط، بل يُزهر من الفوضى.




ولم يكن قُصيّ ليُخيّب رجاءً تفتّق من فم معشوقه بهذه العذوبة، فاستجاب له كما يستجيب العارف لنداءٍ أتى من موضع الودّ المُقيم.


رفع يزيد ثيابه العليا بتمهُّلٍ مُدلّل، حتى انكشف خصره المتوارٍ خلف بياضٍ حليبيّ ،وقد كان لا يزال جاثيًا على ساقي قُصيّ، متربّعًا كهديةٍ أُلقيت في حِجر الشغف، بينما عينا قُصيّ كمجرّتين مُغريتين بالغرق - تُحدّقان فيه بجُرأةٍ لا لبس فيها، تُفكّكان تفاصيله كما لو كان نَصًّا مقدّسًا، يُتلى ولا يُشبَع منه.
1

"ملبن"


قال قُصيّ بصوتٍ خفيضٍ، وهو يُدني القفاز الأسود من يده اليمنى، ضحك يزيد بخفةٍ عفويّة، وضرب كتف الأكبر برفقٍ فيه دلال.


"براحه.متوجعنيش ياقصى"
8

همس يزيد بتغنج واضح، صوته يشعّ برقةٍ، قبل أن يلمس قصي جهازه حتى أو يقترب منه،هو فقد يُحب أن يتدلل عليه.
1

تنهّد قصي ببطءٍ، وعينيه تتبعان موسكو الذي كان ممدّدًا على الأرض
"شوف دلوع إزاي ويزعل لو قربت منه.هشخر!"
2

كلامه كان مُوجهًا إلى موسكو، كما لو أنه يتحدّث إلى بني آدم، متفهّمًا كل تقلباته،ضحك يزيد بنعومةٍ، قبل أن يُقبّل خدّ قصيّ مجددًا، ويشير إليه بعينيه ليبدأ فعلاً في العمل الجاد، فقد حانت اللحظة التي طالما انتظرها.


شرع قصي في تشغيل الجهاز، وصوته الخافت يرتجف بين أناملِ الصمت، عَقّم الموضع بعنايةٍ، مُهيّئًا الخصر الحليبيّ ليزيد، حيث ستستقر الفراشة على الجانب، كأنها تهمّ بالتحليق نحو الأعالي، مُحلّقة في خيالٍ لا يُحدّ.


مدّ على الجلد طبقة سخية من المخدّر الموضعي، ثمّ أمسك الجهاز بثبات، وبدأ بخطّه الأوّل، بخفّة رسّامٍ يخطّ على صفحةٍ من حرير.


وقبل أن يتسرّب أي ألمٍ إلى ملامح يزيد، بادره بالكلام، بصوتٍ رتيبٍ سريع، لا يكاد يترك لذهنه فراغًا ليتأمّل الوخز


"لما أنت نِعست في حُضني؛ سيف كان كلمنيٌ وعايز يجي يتعرف عليك"
1

ارتسمت على ملامح يزيد لمحة وجيزة من التأثّر حين شعر بلسعة خفيفة عند خاصرته، لكنه لم يُبدِ تململاً، بل صرف بصره نحو قصي.


كان قصي غارقًا في تركيزه، ملامحه مشدودة بانضباط، وعيناه السوداوان تتابعان الخط بإتقانٍ نادر، وخصلات شعره المنسدلة تلامس جبينه في فوضى ساحرةٍ تُضفي عليه هيئة الفنان المُنهمك في نشوة الإبداع.


لكن ما أربك فِكر يزيد في تلك اللحظة لم يكن وخز الجهاز، بل خاطر مفاجئ تسلل إلى ذهنه - سيف، شقيق قصي.




لطالما رآه في هيئة الطبيب الصارم، المُنضبط حد التجمّد، صاحب النظرات الثاقبة التي تُقلقه، والكلمات المُقتضبة التي لا تترك مجالًا للدفء،أن يُبدي سيف رغبة في التقرّب منه أو التعرّف عليه، كان أمرًا يتجاوز استيعابه.


"إشمعنا؟"


"عادي.قولتله إننا في ريليشن فَـ جاي يتعرف على الحتة بتاعتي"
1

اتسعت عينا يزيد فجأة في دهشة صامتة، كأن شرارة اندهاش انطلقت داخله دون استئذان، مدّ يده بخفة، وأعاد خصلات شعر قصي المنسدلة إلى الخلف برفق


"وهو بِيس كدا عادي؟!"
3

وحصل على إيماءه وضحكة خالصه من قُصى
"مـهوَ جاي هو والبويفرند بتاعهُ"
2

"أحا؟"


انفرجت شفتا يزيد عن ابتسامةٍ عريضةٍ، أعقبها قهقهةٌ عذبة نمت عن بهجةٍ مشوبة بالاستغراب؛ استغرابٍ نابع من مشهدٍ لم يألفه عقله، ولم يُعهد في محيطه:أن يُحدّث الأخُ أخاه عن ميوله الخفيّة بمثل ذلك الصفا!


كان الأمر لديه عصيّ الفهم، مزيجًا من الراحة والدهشة، كيف اتسع قلب قصي ليُجاهر بما يخفيه الناس، وكيف لان صدرُ أخيه لتقبّل الحقيقة دون تجعيدةِ استنكار أو نظرةِ نفور.


ثم كان من قصي أن رفع بصره إلى يزيد، وفوق محيّاه ارتسمت ملامح الجدّ، لا هزل فيها ولا زينة، ونبـس بصوته العميق "لو دا هيضايقك ممكن أكرُشهم عادي.أنا كدا كدا عايز أستفرد بيك"
1

ولم يكن من يزيد إلا أنه أومأ برأسه نفيًا، نفيًا رقيقًا كنسمةٍ لطيفة "هتستفرد بيا بس مش دلوقتي ياحبيبي"


"يعني هنيكك؟"
3

"يعع على ألفاظك بجد!إسمها نـMake love"
3

"طول عمري بنيك بس"
1

"أيوه مانا لو لمحتك بعد كدا مع بني آدم هقطعهولك"
3

"دا حبيبي يتخاف منهُ؟"
1

"أيوه خاف على نفسك أسلحتي حاده"


"طلع عُيونك برا الموضوع وأي أسلحة تانيه أنا هقدر عليها"
8

غطّى يزيد عينيه بكفّه، كمن يستحي من طوفان الغزل، وانفجرت ضحكته الصافية كنبع ماءٍ تفجّر من أعماق الروح، كلمات قصي غرست في أعماقه نشوةً طفولية، كأن فراشاتٍ خفيّةً تناثرت في صدره، تطير في خفّةٍ ورقّةٍ لا تُحتمل.


لقد صار هو ذاته فراشةً، ترفرف في أثيرٍ من سعادةٍ مُطلقة، بينما في الخلفية كان صوت عبد الحليم حافظ ينساب ناعماً، لا يطغى على الضحك، بل يصاحبه كظلٍّ وفيّ.




كان في عُيونك حكايات
وأسرار لىّ ونُجوم
ونجوم الليل قالتلـي
إرجعله يامجنون

1

أزاح قصي ناظريه عن موضع الوشم الذي أنجز نصفه تقريبًا، وأدار وجهه صوب يزيد، فوجد ما يسلب البصر والفؤاد معًا..وجنتان تورّدتا من فرط الضحك، وعينان عسليّتان اتّسعتا في دهشةٍ طفولية، تتألّق فيهما أضواءٌ لا تُرى، وأهدابٌ بنّيّة تتدلّى كستائرَ مخملية حول بحيرةٍ من الغزل العسلىّ.
1

لقد أصبحت تلك العينان في وجدان قصي أكثر من مجرّد ملامح، صارت عادةً، ثم إدمانًا، ثم مصيرًا.


وفي تلك اللحظة، كأن صوت عبد الحليم نفسه استحال ****ًا لحقيقةٍ لا مهرب منها


العُيون ديه هي أحلامي
هيّ ياعنيا حُبي وغرامي


العُيون ديه هي أحلامي
هيّ ياعنيا حُبي وغرامي

1

وما كان من قصي إلا أن أذعن لهذا الاتفاق غير المعلن بينه وبين الغناء؛ أجل تلك العيون لم تعد مجرّد نظرات بل غدت حبه وغرامه، ومرايا أحلامه.
1

-


كان يسير بخطى متسارعة، نظارته تستقر على وجهه، وسماعتاه غارقتان في أذنيه، تعزلانه عن ضجيج العالم من حوله،عينا يوسف كانت مُنشغلتين في تقليب أوراقٍ تضم تقارير عن الطلبة الذين يخضعون لإشرافه النفسي، يتفحّص بياناتهم باهتمامٍ بالغ، يتحرّى فيها مؤشرات التحسُّن أو التدهور.


عَبّر الممر المؤدّي إلى مبنى الجامعة، ثم توغّل بصمتٍ عميق نحو الطريق المؤدّي إلى الكافيتريا، في عزلةٍ شبه تامة عن العالم المحيط، لا يفقه صوتاً ولا يُدرك حركةً.


لكن فجأة..


باغته ضوءٌ ساطع يخترق سكون اللحظة، كوميض برقٍ اقتحم سماءه دون إنذار ،رفع يوسف رأسه على عَجَل، ليُبصر سيارة تنقضّ نحوه بسرعةٍ خاطفة، وقد انحرفت بحدّةٍ إلى اتجاههِ.
3

لحظتها، لم تتحرّك قدماه قيد أنملة، تجمّد في موضعه كتمثالٍ من رخام، وقد انعقد قلبه من هول الفزع، كأن الزمن توقّف،و الهواء ذاته قد انحبس من حوله.
1

توقّفت السيارة على نحوٍ مفاجئ، بعجلةٍ تُخالف سُكون اللحظة، وتكاد تُدوّي كقذيفة فرّت من مدارها، لتتوقف على بُعد أنملة من جسد يوسف المتجمِّد في مكانه، كأن الحياة تخلّت عنه لثوانٍ.


كانت السيارة سوداء داكنة كأفُقٍ ملبّد بالغيوم، نوافذها معتمة، لا يُرى من خلفها وجهٌ أو ظل،تنفّس يوسف بصعوبة، أزاح سماعتيه من أذنيه بتوتّر، ووضع يده على صدره يتحسّس ضربات قلبه الهارب كفرخٍ مذعور.




ظلّ يراقب الباب الجانبي يُفتح، وببطءٍ مهيب، نزل منه رجل فارع الطول، يتّشح ببذلة فاخرة ذات طابعٍ دبلوماسي أنيق،و ملامح سمراء مصرية خالصة، كانت في يده اليسرى خواتم فريدة، نقوشها غريبة كأنها منقوشة بأبجديةٍ مجهولة، تعكس وهجاً خافتاً تحت ضوء الشمس.
4

"إنت كويس؟تمام؟؟"
3

قال الرجل بنبرة سريعةٍ لكنها مشحونة بالقلق وهو يقترب أكثر، يتأمّل جسد يوسف بنظرات فاحصة كأن عينيه تزن كل شبر بحثاً عن أثر اصطدام
1

لم يمهله يوسف وقتاً، أومأ برأسه نافياً في توترٍ ظاهر، أنفاسه لا تزال غير منتظمة، كأن قلبه لم يُقنع بعد أنه نجا،لذا كرر الرجل سؤاله مرةً أُخرى بعقُدةِ توسطت حاجبيهِ


"مش تمام!؟"


"ك.كويس أنا كويس.إنت كويس؟"


خرج صوت يوسف متكسّرًا من بين شفتيه، مضمّخًا بتوتّرٍ صامت، فيما كان يُحدّق في ملامح الرجل الماثل أمامه، رجلٌ لم تألفه الجامعة، ولم تنطبع هيئته في ذاكرتها.


"بعتذر من حضرتك.تايه أصلاً وماشي على الـGPS"
أردف بصوتِ مُنعمٍ بالهدوءِ وموشّىَ بالوقار وهو يُمرّر أنامله عبر خصلات شعره الكثيفة إلى الخلف بانسيابيةٍ خاليةٍ من التكلّف.


ابتسم يوسف تلقائيًا، كأنما في صوته شيءٌ من السكينة أعاد توازن اللحظة، فعدل من موضع نظّارته فوق أرنبة أنفه ثم تكلّم بنبرةٍ ممزوجةٍ باللطف
7

"تعتذر إيه بس! دَنا المفروض أبوس دماغك إني متفرمتش.أنا اللِ ماشي مش فايق"


ثم أضاف وهو يخطو خطوةً نحو الرجل، وفي صوته عرضٌ خفيّ للمساعدة


"بس إنت عايز تروح فين وتايه كدا؟"


بادر يوسف بعرض المساعدة سريعًا، نبرة صوته مشبعة بودٍّ خالص وذوقٍ فطريّ، كأنما يقدّم اعتذارًا ضمنيًّا لا يحتاج إلى ألفاظٍ واضحة،كانت حركته متسرّعة لكن هادئة،يشوبها إحساس بالذنب المُهذَّب، وكأن داخله يعترف بأنه المسؤول عن تلك اللحظة المرتبكة.
3

هو من كان يسير منغمسًا في أوراقه، غارقًا في عزلته، واضعًا سماعات الأذن التي فصلته عن العالم، وعن الطريق، وعن الضوء الذي باغته على حين غرّة.


لم يكن يعرض المساعدة فحسب، بل يعتذر بنظراته، بإيماءاته، وبمحاولةٍ رقيقة لاستعادة التوازن الذي اختلّ.
1

"سكشـن بِي في إقتصاد وعلوم سياسيه"
1

"حضرتك الدكتور الجديد؟"




بادر يوسف بالسؤال، تتسرب من نبرته ملامح الودّ الصادق، وما إن أنهى سؤاله حتى رفع الرجل يده اليمنى، حركة واثقة أنيقة، يلوّح بها في دعوة مهذّبة للمصافحة، وصوته العميق ينساب بثقلٍ دبلوماسيّ


"مروان علي.دكتور العلوم السياسيه"
14

تلقّى يوسف الإسم بإيماءة هادئة، وأقبل على المصافحة ببشاشة خفيّة فيها من الرقيّ


"يوسف البساطي.دكتور نفسي تحب أحجزلك سيشن من دلوقتي؟"
2

مازحهُ يوسف برقةٍ، ثم رفع نظارته برشاقةٍ معتادة إلى موضعها الصحيح،لأنه ببساطة كل من مرّ بهذه الجامعة؛يعبر دروبها بات مُثقلاً مهموماً وكأن الممرات تقتات على التوازن النفسي لروّادها.
1

أما مروان، فقد ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة صادقة، تشقّ طريقها بين قسمات وجهه الوقور، وظهرت غمازتاه كأنهما توقيعا خفيّا على لحظة خفيفة وسط ازدحامٍ من الرسميّة.


"لأ يعم متجرجِرنيش. أنا ماشي مِلَصم نفسي"
2

"إِزعَل وكَسّر وإحنا نصَلح"


"تِسلم ياجميل"


شكرهُ مروان بإيماءة هادئة وابتسامة ارتياح،يوسف كان أول وجهٍ يصادفه في هذا المكان الغريب عنه، لكنّه بدا له مألوفًا بشكلٍ غريب، كأنّ بينه وبين هذا الرجل خيطًا غير مرئي من الطمأنينة.
17

في حضرته، لم يشعر بالغربة، ولم يكن بحاجة لتقمص وقارٍ زائف، بدا يوسف بسيطًا، ناعم الحضور، وذكيًا في التقاط التفاصيل دون أن يُثقل ،ولهذا، قد حك طرف حاجبه بحركة لا واعية مُتفحصاً مظهر يوسف


"تِشرب إيه؟"


أومأ يوسف نفيًا وهو يبتسم بودٍ معتاد، ظانًا أن عرض مروان لم يتجاوز كونه مجاملة عابرة، كلمة طيبة تقال على سبيل اللباقة، لا أكثر. لكن ما أدهشه أن مروان لم يتحرك، لم يلتفت حتى، وكأن الزمن تثبّت عند تلك اللحظة، منتظرًا من يوسف أن يختار مشروبه بحق، لا مجازًا.
1

كان وقوف مروان ثابتًا، ملامحه جادة رغم ابتسامته، وكأنّه يُصرّ على تلك المساحة الصغيرة من اللطف أن تكتمل.


"شاي بلبن"


ابتسم مروان بإيماءة خاطفة ثم انصرف بخطى واثقة نحو سيارته السوداء، صوته العميق يتردد في الهواء "ثواني بس هركن العربية"


أومأ يوسف بهدوء، واحتضن أوراقه إلى صدره كأنما يتحصن بها من سيل الأفكار الذي بدأ يتسلل إلى ذهنه، ووقف في مكانه يرقب عودة مروان. لحظات مرت، قبل أن يراه ينزل مجددًا من السيارة، بنفس الهيئة التي لا تُخطئها العين قامة مستقيمة، خطوات دقيقة لا تحمل ارتباكًا، وملامح تأبى أن تبوح بسهولة.




"بتحب الشاي بلبن؟"


"إنت مش مُتخيل"
ضحك يوسف ضحكة خفيفة خرجت منه بعفوية،بينما كان يسير بجوار مروان بخطوات متزنة نحو قاعة الطعام الواسعة.
2

"بحس أي حد بيشرب شاي بلبن غلبان.اللِ هوَ لا يُمكن أن يكون شريراً دا بيشرب شاي بلبن"
أفصح يوسف عمّا يجول بخاطرهِ وهو يبتسم ببساطة خفيفة، قائلاً بنبرة مشوبة بالظرافة المكتومة عن ذاك الميم الذي يُضحكه دوماً.
5

"واللِ بياكل رز على شُرْبه"
8

أضاف مروان ليُحدق يوسف نحوه لِثواني ثُم صفع كتفهُ بلاوعيٌ فقد كان يعتقد أن هذا تفكيرهُ هو بمفردهُ لكن مَروان أسعدهُ.
7

جلسا معًا على طاولة نائية، بعيدة عن ضجيج المكان، حيث كان يوسف قد اختار الشاي بالحليب، بينما ارتأى مروان أن يُنعم نفسه بكوب من قهوة بالبندق، إلى جانب قطعة من الشوكولاتة الداكنة.


ثم، وفي حركة مفاجئة، أخذ مروان قطعة الشوكولاتة بين أصابعه برفق، وألقى بها في فنجان قهوته، حيث بدأت الشوكولاتة تذوب ببطء، تاركةً وراءها أثرًا من النكهات تتداخل مع طعم القهوة الغنية.


في لحظة غريبة، شعر يوسف بدافع غير مُفسر للتجربة، بالرغم من كراهيته المعتادة للقهوة، فضوله قد فاق حدوده، حتى أصبح لديه رغبة عارمة في تذوق هذه القهوة الفريدة التي اختلطت بها النكهات بطريقة غير مألوفة.


"دُوق"
اقترب مروان من يوسف بهدوءٍ، ورفع كوبه بتؤدة، ملاحظًا كيف كانت نظرات يوسف تنغمس في فنجان القهوة، تنم عن رغبةٍ دفينة لم تَظهر علنًا.
9

يوسف، الذي راح لوهلةٍ في بحر تلك التأملات، شعر بدمائه تتوهج خجلًا، حين اكتشف أن مروان قد لاحظ تلك النظرات، وهو ما جعل وجهه يكتسي بحمرةٍ خفيفة، لكنه لم يلبث أن غلبه فضوله، فمد يده وأخذ الكوب من مروان.


ليجرّب تلك القهوة التي كانت بمثابة مزيج من النكهات غير المعتادة بالنسبة له، ارتشف رشفة صغيرة، ومع أول تلامس للشراب بشفتيهِ، شعر بطعم القهوة الذي انتشر في فمه، ومعه طعم البندق الذي أضاف بعدًا من النعومة، أما الشوكولاتة، فقد ذابت بلطف في القهوة، مما جعل الطعم أقل مرارة وأقل حدة مما اعتاد عليه.


كان طعمًا غير مألوف بالنسبة له، فلطالما كانت تجاربه السابقة مع القهوة من ماريوس تعني مرارة لا تُحتمل، قهوة سوداء من غير سكر، جعلت منه ينفر منها كل مرة.
16

أما الآن، فكان يشعر بشيء غريب، شعور لا يمكنه أن يفسره، إذ أن المزيج الجديد الذي اكتشفه للتو كان له نكهة مميزة، حلوة، وغنية بدرجة لم يتوقعها.
1



"عجبتك؟"


"تُحفه.بجد تحفه"


بدأ يوسف في التعبير عن إعجابه بصدق، فكانت عيونه البنية تتسع بدهشة ملونة بلطفٍ يكاد يسلب الألباب، حتى أن مروان لم يستطع أن يخفف ابتسامته وهو يراقب ردة فعل يوسف بمرأى تلك النظرات المتوهجة.


لكن قبل أن ينطق بكلمة، شعر بحركة مفاجئة، كأنما أحدهم قد اقترب بهدوءٍ تام من طاولتهم، رفع نظره ببطء، وفي لحظة التقى ببعض الملامح الجديدة كان شابًا طويل القامة، ذو بنيان رياضي، ممشوق كما لو كان قد صنع بعناية فائقة
12

كان يمتلك عيونًا حادة، كأنها شمس ساطعة تخترق الظلام، ورغم أن تعبيره كان جامدًا، إلا أن نظرته كانت مليئة بتحدٍ جارح، تتوجه بشكلٍ غير مألوف نحو يوسف.
2

تلك النظرة كانت جريئة، بل بحدّة، وكأن صاحبها لا يعبأ بما حوله، يوجهها مباشرة إلى يوسف دون أدنى اكتراث لما قد يترتب على تلك الملاحظة.


"عايز حاجه؟"
2

سأل مروان بصوت جهوري مُتزن،بينما نظر إلى ماريوس بنظرة ثاقبة، وكأنما يثير استغرابه تصرفه المفاجئ.


بينما ماريوس، الذي بدت على ملامحه علامات اللامبالاة التامة، لم يبدِ أي نوع من الاكتراث تجاه مروان، وكأنه لم يسمع حديثهُ ،كانت هذه أول مرة يلتقي فيها بهذا الشخص، ولذلك لم يكن مُتأثرًا بما يُقال أو حتى بمن يتحدث إليه، مما جعل سلوكه يبدو وقحًا، مليئًا بتجاهل غير مبرر.
2

لم يرد على مروان، بل اكتفى بالانصراف عن حديثه وكأنما لا يُعير له أهمية،نظر بعد ذلك نحو يوسف الذي كانت ملامحه تُظهر دهشة، إذ كان حاجباه قد التقيا بشكلٍ تلقائي، منزعجًا من التصرف غير اللائق الذي بدر من ماريوس.
1

"عايزك"
5

قال ماريوس بنبرةٍ آمرة، تفيض بشيء من القسوة الخفية، يداهُ كانتا مشدودتين في جيبِه، بينما نظره ثابت، عميق، ينفذ إلى أعماق يوسف وكأنما يعريه أمام العالم.


أما مروان، الذي كان يراقب المشهد بصمت، فقد زلزلته طريقة هذا الشاب الوقحة في طلب يوسف للحديث معهُ.


"والدكتور حالياً مش فاضي.تعالَ بعد شوية"


"هو إيه اللِ مش فاضي؟دا أنتو قاعدين تشربوا قهوه ولبن وبعدين إنت مال كسمك أصلاً؟"
21

اندفع الصوت الخشن لماريوس،بنبرة متسلطة وقحة، وقد أشار بعنف نحو يوسف، ووجه كلامه مباشرة إلى مروان.


أما الأكبـر فلم يُبدِ أي رد فعل على الفور، حيث ظل جالسًا بثبات، وكأن الكلمات الثقيلة التي خرجت من فم ماريوس لا تعنيه في شيء، كان بروده لا يُحتمل، عينيه ثابتتين، لا ترفّان كما لو أن الموقف بأسره لا يُثير اهتمامه.
1



لكن يوسف لم يتمالك نفسه،إذ وقف من مكانه بسرعة، عينيه تحترق بالغضب والإحساس بعدم الاحترام الذي قابله، وأطلق صرخته الحادة، محاولًا تهدئة الموقف قبل أن يتفاقم.


"ماريوس دا الدكتور مروان.إعتذرلهُ حالاً!!"


"لأ وعلى إيه؟"
قال مروان بإتزانِ تام وقد استقام قائماً وتكتلت على ملامحه ابتسامة هادئة،أغلق زِر بدلته الذي في المُنتصف وهو ينظر إلى ماريوس الذي كانت ملامحه مشدودة واندفاعه ظاهر، متقدًا في مكانه كوحش ينوي الانقضاض.


"أنت مفصول."
15

مرَّ يوسف بين حاجبيه بأصابعه في حركة تفضح توتره، بينما نظر بعينين مشدوهتين إلى مروان، الذي كان يلتقط كوب قهوته بهدوء، ثم تحرك نحو باب القاعة.


"هو بجد دكتور؟"


"أيوه يا ماريوس دكتور،دكتور جديد كمان"


"أحا"


"دا ردك يعني؟أحا؟"


"لسه بنقول ياصُبح وجايه معاك بنكد؟"
3

عقد يوسف حاجبيه، بينما خطا خطوة مبتعدة عن ماريوس،و رفع يده يشير على نفسهِ
"أنا اللِ جايه معايا بِنكد؟انت مش شايف نفسك شبه التور الهايج إزاي!"


"ما أكيد هبقا تور هايج وأنا شايفهُ بيقرب منك وأنت بتضحكلهُ دا كان ناقص تقوم تقعد على زبه يا أحا"
18

تنهد يوسف بعمق، وكأن قلبه قد أرهق من معاناته المتكررة مع هذا الشخص،خطواته تراجعت قليلاً إلى الوراء، وكانت ملامحه قد اختلط فيها الإحباط مع اليأس، وكأن كل شيء حوله بدأ يثقل عليه أكثر من المعتاد. لم يتفوه بكلمة واحدة، بل التفت بصمت، وكأن الكلمات عجزت عن التعبير عما بداخله.
6

تجاهل يوسف ماريوس تمامًا، وبدلاً من الرد عليه، قرر أن يترك كل شيء خلفه، مشى بخطوات متسارعة نحو المخرج، وعينيه مليئة بالضيق، وتلك الغصة التي بدأت تنمو داخل صدره.


كان يحاول الابتعاد عن كل ما يرهقه، لكنه شعر بيد ماريوس تقترب نحوه، كما لو كان يريد إمساكه، لكن يوسف، بحركة سريعة وحادة، سحب يده مبتعدًا، كانت حركة هروبه تكشف عن مدى التعب الذي يشعر به، والتجاهل الذي عانى منه طيلة تلك الفترة.


خرج من المكان، ولا تزال ملامحه مليئة بالمرارة والتعب، وكأن لا شيء يمكن أن يغير من حاله، تِعب من أسلوب ماريوس المستمر، الذي لا يتغير أبدًا، ومن تلك المعركة غير المتكافئة التي يخوضها معه، والتي يشعر بأنها بلا نهاية.
7

-


نزل من السيارة بعد أن ركنها بعناية، ورفع نظره نحو المنزل الذي بدت تفاصيله أنيقة ومتناسقة، فكان مريحًا للعينين بما يبعث في النفس شعورًا بالسكينة، ومع ذلك، كانت هناك أصوات متقطعة، تذمرات تخرج من أودين الذي كان في حالة نعاس عميق، بينما سيف قد أفاقه بعد أن وصلوا أخيرًا.




كان سيف قد علم بأن قصي يمتلك منزلًا، لكنه لم يكن يعلم مكانه بالتحديد،وعلى حين غرة، تلقى مكالمة منهُ، والذي أخبره بابتسامة غير مرئية في صوته أنه أخيرًا قد اعترف بحبه لشخصه المفضل، في كلمات بسيطة مليئة بالصدق.


وكانت نبرة شقيقهُ في المكالمة رقيقة ودافئة، حيث كان أليفًا ولطيفًا للغاية لدرجة أن أودين، الذي كان لا يزال شبه نائم، شعر بالقلق البسيط وسأله عن حاله، "إنت كويس؟" وكأنما يشعر بأن هناك شيئًا غير مألوف في كلمات قصي، أو ربما في تتابع الأحداث التي كانت تتناغم بشكل غير عادي.
1

وقف أودين بجانب سيف وهو يتثاءب ببطء، ثم أراح رأسه على كتفه في حركة عفوية وقد كان سيف يضع أناملهُ فوق الجرس ليصدح صوته عالياً ثم ربت على ظهر أُودين بلطف


فُتح الباب ببطء، ليظهر قصى بابتسامة واسعة على وجهه، مُضيئًا المكان بأجواءٍ من الدفء والترحاب، خلفهُ موسكو الذي تعلق بأقدامه بلهفةِ ،أما يزيد، فقد كان يحاول برفق أن يُبعد موسكو عن حبيبه.


"بوب"


ابتسم سيف ابتسامة دافئة وهو يخطو بخفة نحو شقيقه،يضمه إلى صدره بعناقٍ قصير، قبل أن يبتعد قليلًا ويُمد يده ليصافح يزيد، ملامحه لا تزال مشرقة بتلك الابتسامة الهادئة التي تُضمر امتنانًا وتقديرًا.


"كِبرت وبغَّلت"


صاح أودين وهو يُلقي نحو قصى باقة زهور أنيقة كان قد ابتاعها خصيصًا، ثم خطا بخفة نحو يزيد، يمد يده بمصافحة ودودة ونبرة مُشرقة وهو يُعرّف عن نفسه بلطافة
3

"أُودين."


رمش يزيد بدهشة خفيفة، فذلك الاسم أيقظ في ذاكرته صورة مألوفة، فقد تذكره بوضوح- كان صاحب الحفلة التي حضروها من قبل، ولم يستطع يزيد كتمان إعجابه بأناقة أودين؛ مظهره كان منسقًا بعناية، ألوان ملابسه متناسقة تُبرز وسامته، وقد لفت نظره وشم دقيق لحروف إسم سيف الأُولىَ على عنقه، رمزًا لا يخلو من دلالة.
1

"يزيد"


"وهل يخفىَ القمر يا زوز!"


"يسطا لأ مَبيِخفاس.إبعد"
صاح قُصى بخفة وهو يمد يده ليجذب يزيد نحوهُ فجأةً في حركة مباغتة، لينبعث ضحك أودين عالياً، قهقهة صافية لا تخلو من مرح، وقد فاجأته تلك العفوية التي صدرت من قُصى.


اصطفّ الأربعة في سكينةٍ مألوفةٍ تنبض بأُلفةٍ خفيّة، جلس سيف على الأريكة بهدوء الواثق، يتوسّد راحتيه في وضعٍ مستقيمٍ متأمّل، بينما اتخذ أودين مجلسه على الأرض، مسترخيًا في دعةٍ لذيذة، يُداعب موسكو في تراخٍ محبّب، كأنّ العالم قد تقلّص عند قدميه.
1



عاد يزيد من المطبخ في خطوات رتيبةٍ متّزنة، يحمل صحنًا زُيِّن بالمقرمشات وألوان التسالي، ووضعه على الطاولة أمامهم بحذرٍ ،أمّا قُصى، فقد كان جاثيًا على الأرض، ينبش داخل صندوقٍ صغيرٍ من الورق المقوّى، يبحث عن لعبته العتيقة المخبّأة، والتي لطالما آنس بها ليالي الشتاء الطويلة.


اللعبة ما هي إلّا أوراقٌ نُقِشَت عليها أسماء أفلام ومسرحيّات، وعلى اللاعب أن يُجسّد عنوان العمل بإيماءاتٍ وإشاراتٍ صامتة، دون أن ينطق بحرفٍ، بينما يجتهد الباقون لتخمين الاسم. تبرّمت الوجوه بدايةً، وتضجّرت الأرواح من بساطة الفكرة التي وُصفت بالبدائية،لكن حماسة قُصى التي لا تَخبو، وابتسامته التي تحمل في طيّاتها لطفًا أقرب إلى الرجاء، أجبرت الجميع على الرضوخ.


جلس يزيد إلى جوار قُصي على الأرض، الحركة بدت عفويّة، لكن ما تلاها أربك السكون، إذ لم يكد يزيد يُعدّل جلسته حتى انحنى قُصي نحوه في لحظة خاطفة، ووضع قبلة سريعة على شفتيه، ثم ارتدّ بنفس السرعة إلى انشغاله بأوراق اللعبة، كأنّما لم يفعل شيئًا غير مألوف.
1

أما يزيد، فقد تجمّدت ملامحه في موضعها، لم يكن قد اعتاد بعد على هذا النوع من القرب، على هذا الجموح العاطفي الذي يُمارسه قُصي بلا حساب، فكيف به الآن، والقبلة جاءت فجائية، وقُصي لم يكتفِ بجرأته بل فعلها على مرأى من سيف وأودين؟


"أنا وحبيبي سوا"


صاح أودين بنبرةٍ مسترخية، وقد أسند رأسه إلى ساق سيف، الذي اتخذ من الأريكة مجلسًا له، وبدت عليه علامات السكينة ،فابتسم سيف ابتسامة خافتة، ربّت بها على خصلات شعره برفق.


"وأنا وحبيبي سوا"
كرر يزيد ذات الجُمله ،وما إن ارتدّ وقع الكلمة إلى مسامع قُصي، حتى رفع رأسه ببطء، ثم وضع كفّهُ على صدره في حراكٍ دراميّ، كأن اللقب قد اجتاح صدره باهتزازٍ خفيّ، واستوطن قلبه دون استئذان.


اقترب يزيد بهدوءٍ، وانحنى ليطبع قبلةً رقيقة على وجنة قُصي،ثم عاد إلى مجلسه، وجلس جواره باعتدال، لأن اللعبه ستبدأ


نهض أودين من مكانه بخفة، وعيناهُ تطوفان على الورقة المُلقاة بين يديه، يتأمل ما كُتب فيها برهةً، ثم أدار بصره نحو سيف، ليشرع بحركةٍ إيمائيّة توحي أن ما بين يديه هو عنوان لفيلم سينمائي.


أومأ سيف بفهمٍ سريع، وقبل أن ينطق أودين بكلمة، رفع إصبعين في الهواء، فتلقّف سيف الإشارة على الفور


"فيلم من كلمتين"


فأومأ أودين إيجابًا، ثم أدار جسده بحركة مفاجئة وأشار ناحية الصحون التي تزينت بالفطائر المُحلّاة بالعسل الأسود، دون أن ينطق بحرف.
1



فصاح سيف تلقائيًّا، وقد انفرجت أساريره
"عسل أسود؟"


وما إن صدح الجواب في الأرجاء حتى صفق أودين بحرارةٍ وضحك ملء قلبه، بينما انفجر يزيد ضاحكًا على حماسهما الذي أضفى على الغرفة طاقةً مُبهجة تنبض بالحياة.


"أيوه ولما يجي دورنا هيطلعلنا إسم فيلم من موزبيق"تذمر يزيد وهو يعتدل لينظر نحو قصي بإهتمام شديد.


قهقه قُصي بصوتٍ مكتوم ما إن فضّ غلاف الورقة التالية،ثم فجأة أشار بإصبعٍ قاطع نحو أودين، لتعتلي الدهشة وجه يزيد وهو يرمق المشهد في حيرةٍ تامة، حاجباه مقوسان وعيناه تطوف بين الاثنين بلا فهم.
1

عاد قُصي ليُشير مرةً أخرى إلى أودين، ثم اتخذ بيديه هيئة من يحتضن ***ًا رضيعًا، كأنه يُحاكي شخصًا يُدلل صبيًا صغيرًا.
1

انتصب يزيد واقفًا وقد بدت عليه الحيرة، وصاح بنبرة مرتفعة "أودين بيبي؟"


قالها مرتجف اللفظ، مُتلعثمًا، كأن الكلمات خرجت من فمه وهو غير مقتنع تمامًا بما يقول.


هز قُصي رأسه نفيًا بحدّة، ثم عاد يشير مرةً أخرى نحو أودين بإلحاح، وفي اللحظة التالية، دوّى الصوتان معًا كُلاً من سيف ويزيد هاتفين في آنٍ واحد، ليصرخ يزيد بعدها منفعلًا


"Son of Odin?"
1

أومأ قُصي بعجلةٍ نافدة الصبر، كمن يخشى أن تفرّ منه اللحظة، وهتف"أيوه مين بقى؟"


صاح يزيد بكل حماسة، وكأنما اخترق حاجز الحيرة
"ثُـور!"
1

ارتجف موسكو من الصوت المفاجئ، فنهض من غفوته، بينما انفجر قُصي ضاحكًا وهو يومئ تأكيدًا، فقد كان اسم الفيلم بالفعل عن شخصية -ثور- الشهيرة من سلسلة المُنتقِمون.
1

أومأ أودين برأسه بإعتدادٍ مبالغ، ثم مدّ يده وأشار نحو يزيد بإيماءةٍ تُحاكي التعالي والاستخفاف، وكأنه يُعلن أنه لا يُبالي بفوزهم أو خسارتهم.


وما إن وقعت نظرات يزيد على تلك الإشارة، حتى ارتفعت يده بعفوية تامة، راسمًا إصبعه الأوسط في حركة سريعة ساخرة، لكنه ما لبث أن خفّض يده على عجل حين تذكّر فارق السن بينه وبين أودين، فتدارك الموقف كمن فاق من غفوةٍ صغيرة.
2

قهقه أودين بصوتٍ عالٍ، وقد راق له الموقف بشدة، فيما كان سيف قد انتصب واقفًا، يمد يده نحو الورقة التالية من كومة الأوراق، استعدادًا للدور الجديد، وابتسامة جانبية ترتسم على شفتيه.


قهقه سيف فور ما ما رأى تعبير أودين المتسائل، ثم لوّح بإصبعه حركةً ناهية وهو يهز رأسه نافيًا، فتلقّف أودين الإشارة قائلاً في حيرة




"متعملش؟"


هزّ سيف رأسه مجددًا، مؤكّدًا النفي، ثم كرر الحركة ذاتها بإصبعهُ، ليقول أودين من جديد، وقد زادت الحيرة في نبرته


"لا؟"


أومأ سيف بقوة هذه المرة، كمن يُشير إلى أن أودين بدأ يقترب من الحل، ثم خطا فجأة نحو مفتاح الإضاءة وأطفأ النور فجعل المكان يغرق في عتمةٍ حالكة.
2

قهقه يزيد عفويًا على المشهد، بينما انحنى قصي نحوه وهمس له باسم الفيلم وقد تبين له المغزى، أما سيف، فقام بتشغيل مصباح آخر، يُبرز ضوءًا خافتًا في أحد أركان الغرفة.


وما زال أودين جالسًا مكانه، تطفو على ملامحه نظرات البلادة المُضحكة، غير مدرك تمامًا لما يحاول سيف أن يُوصّله، وكأن عقله لم يلتقط بعد طرف الخيط.


"يزبي مش فاهم"


"لا تُطفئ الشمس ياحتة جاموسه"


حينها انفجر يزيد في ضحكةٍ عاليةٍ، رأسه مستكين على صدر قصي في راحةٍ خالية من التكلّف، وقد ارتسم على وجهه صفاء الضحك الذي لا يُصطنع


هو يدرك جيدًا أن سيف وأودين يتشاركان علاقة عاطفية، لكن مَن يراهم يتجادلون بتلك الحدّة الطفولية، ويتراشقون بالكلمات كأنهم توأمان يقتسمان فوضى الطبع، لا يسعه إلا أن يضحك، إذ بدوا له لحظتها كأخوين نشآ على الشجار والحب معًا، لا عاشقَين.


ابتعد يزيد عن حضن قصي بخفة وهو يلتقط الورقة من الأرض، وما إن قرأ ما كُتب بها حتى ضحك بعلو وسحب أنفاسًا لاهثة، ثم ركض فجأة نحو الحمام
بلا رَجعةِ ليصدر صوت قصى الجهوري
1

"اللهم لا أسألك رد القضاء،لكن أسألك اللطف فيه!"


أودين ضحك على الفور بصوتٍ مُرتفع، حتى عاد الأخير من الحمّام وفي يده حفنة من المناديل الورقية، وبدأ يلفّها على ذراعيه وصدره كأنّه يستعد لتمثيل مسرحية فرعونية.


حينها، صاح كلٌّ من قصي وأودين في آنٍ واحد وقد انتبها للرمزية "الموميا"
1

صفق يزيد بحماسٍ وهو يهرع ليطبع قُبلة شديدة على شفاه قصي، في حين صفع سيف مؤخرة أودين
بقوةٍ أحبها الآخر "مانت حِلو أهو وبتفهم"
3

حينها إنتهت اللعبه بإنتصار كُلاً من قصي ويزيد الذي تمدّد يزيد في حضنِ الأكبر، كأنّه يبحث عن سكينةٍ لا يمنحها سوى صدر من أحبّ، واستقرّ برأسه فوق موضع القلب، منصتًا لأنغام نبضه المنتظمة


كان التلفاز أمامهم يضجّ بالصوت، لكنّ الصمت بينهما كان أبلغ، وكانت الطمأنينة تستوطن اللحظة بجانبهما، ارتمى أودين مستسلماً للنوم، يتوسّده موسكو، فيما كان سيف قد انسحب إلى الخارج يفاوض أحدهم على الهاتف.


أدار يزيد رأسهُ قليلًا، وتمعّن في ملامح قصي كمن يحدّق في وطنٍ، ثمّ دنا منه وطبع قبلةً هادئة على جفنه، كأنّه يسكب الحنان في موضع الرؤية.


ارتسمت ابتسامة على شفتي قصي، ليقترب يزيد وهمس في نبرةٍ موشّاة بالوجل، أمام شفتَي من أحبّ "مش هتسِبني صح؟"


أومأ قصي فورًا، إيماءة سريعة حاسمة، كأنها وعد، كأنها تعهّد لا يحتاج إلى ألفاظ، كان يريد أن يُطمئن قلب حبيبه بأبسط الطرق وأكثرها صدقًا، لكن ما لم يكن يعلمه قصي أن ذلك السؤال الذي يتكرر أحيانًا، لم يكن لحظة ضعفٍ عابرة من يزيد


بل كان شُعوراً عميقاً يسكنه منذ زمنٍ طويل، منذ ما قبل اعترافهم، قبل كل لحظة حُب، كان الخوف ساكنًا في قلب يزيد.. الخوف من أن يُغادره قصي، أن تفرّ الأيام به بعيدًا، أو أن يحدث شيء يفصل بينهما رغماً عنهما.


ولهذا، كلما سنحت له اللحظة، أعاد يزيد سؤاله وقد كان يودع خوفه في قلب من أحبّ، عسى أن يبقى هناك آمنًا، إلى الأبد.




آراء أو تخمينات ؟
20

**** يبعد عني وعنكم ولادالمتناكه.
2

ربنا يبعد عني وعنكم ولادالمتناكه


كان ماريوس يَئِنّ تحت وطأة الملل، يُطرِق بأصابعه على سطح الطاولة إطراقًا رتيبًا، كأنّه يستدعي الزمن ليمضي قسرًا،عيناه كانتا مشدودتين نحو أيان، ذاك الفتى المُترَف باللا مبالاة، يتقوس على مقعده في استرخاءٍ تام، قد ألقى بظهره إلى الوراء، وأحد ساقيه ممدودة فوق الأخرى بإهمالٍ مُتعالٍ، بينما شفتيه ترتجفان ضحكًا، وسيجارته تُرفرف بين أنامله كراية تمردٍ على الصمت.

8


تنفّس ماريوس زفيرًا عميقًا،ثم أدار ناظريه نحو غرفة الحجز،كانت جيهان قد أوصتهم جميعًا بالحضور في تمام الثالثة، ولكنّ عقارب الوقت قد زحفت دون أن يُلامس حضورها عتبة المكان.




لم يكن سواه وسوى أيان، الذي يتقافز في عوالمه الضاحكة، وفريدة المنغمسة في خصلاتها ذات الطُول المُستفز وبعض الطلبة المجهولين الذين جاؤوا مدفوعين إمّا بفضولٍ كسول، أو التزامٍ غائم المعالم.




أما تلك -المسرحية الغريبة -التي وعدتهم بها جيهان، فما تزال محض ظلٍّ باهتٍ لفكرةٍ لم تتجسّد، تتدثّر بالضباب، مؤجّلة حتى إشعارٍ آخر، يثقلُه صمت الانتظار.




"من فوق يادِيني ومن تحت إديني"

2


مال أيان برأسه نحو أذن ماريوس، هامسًا بسخريةٍ لاذعة تعقيبًا على الفتاة التي دخلت لتوّها، كانت ثيابها تُزاوج بين الحشمة والتجرُّؤ في نقيضٍ مدهش، أعلاها مستورٌ بصدرٍ محكم، بينما أسفلها ينكشف عن تنورة قصيرة تُجاهر بفخذيها المُكتنزين.




ضحك ماريوس، ثم أسند رأسه على سطح الطاولة كأنّه استسلم للضجر أو الإنهاك. أما أيان، فقد تمدد بجسده النحيل فوق جسد ماريوس العريض، بانسيابية الموجة فوق صخرٍ صامد، ضاغطًا بمرحهِ الصاخب على كتفيه في فعلٍ عفويّ.




"دا أنت اللِ مِحتاج تتاخد"




"متمسكنيش من إيدي أنا متوضيه.إمسكني من زبي"

10


انفجر ماريوس في ضحكةٍ مكتومةٍ وهو يدفع بجسد أيان بعيدًا عن حِجره، غير أن الأخير كان ملتصقًا به التصاقًا مريبًا، بل زاد على ذلك، بأن تقدّم برأسه وأرخى شفتيه نحو الأمام، كأنه يستجدي قُبلة عابثة في لحظةٍ مشوّشة بين الجد والهزل.

3


ماريوس راح يزحزحه عنه بأطرافه الثقيلة، إلى أن رفع بصره فجأة نحو الأمام، ليصطدم بنظرات يوسف..الواقف عند باب القاعة، يُحدّق فيهما بنظرةٍ ثابتة، جامدة، كأنها طعنة من صمتٍ مُحتدم.

9


ارتبك أيان للحظة، ثم قفز بعيدًا عن الوضعية الخليعة التي كان يتكئ بها فوق جسد ماريوس،
وإرتجل سريعاً بصوتٍ مُرتفعٍ.


"إشطا يا دوك."


ابتسم يوسف ابتسامةً مُوارِبةً مغلّفة بالتصنّع، ثم لوّح بإيماءةٍ مقتضبة، لم تكن إلا ذريعة واهية لتبرير تراجعه ،لم يُكمل المسير نحو القاعة، بل ارتدّ أدراجه بخطى مُتراخية،لم يعبر العتبة، بل اكتفى بالمُراقبة من بعيد، ثم اختفى كما جاء.
3

أما ماريوس، وقد لمح المشهد كله بطرف العين، فقد آثر التنكّر لانفعاله، وانتحل وجهًا جامدًا خاليًا من أي شيء مُسنداً رأسه إلى الطاولة في هدوءٍ مُفتعل.


ولم يطل الزمن حتى انبعث ماجد من مدخل القاعة، وجهه مكفهرّ، يفيض بمزيجٍ من السخط والضيق كطفلٍ عوقب بلا ذنب،ملامحه عبوسةٌ ومُتأففه، إنفجر أيان في ضحكةٍ جهرية حين وقعت عيناه على هيئته تلك، ضحكةٌ ملئت بالشماتة المُحببة.


ردّ ماجد عليه رافعًا إصبعه الأوسط في حركة فجة، ولكنها مألوفة بينهما، قبل أن يجلس بمحاذاته، لتكتمل بذلك الدائرة أيان في المنتصف بين كُلاً من ماريوس المُنعكف وماجد المُتأفأف.
4

"إنتي حلوه جميله هتمثلي معانا"
3

نطق أيان كلامه بلسان متهكمٍ كأنه يتحدث إلى صغيرٍ تائها، صوت ضحكته المتشنجة ملأ الأجواء، حاملةً في طياتها شماتةً صارخةً، إذ كان يعلم أن ماجد، المتململ عن الحضور في جلسات الحجز التي تكاد لا تعنيه، قد حظي بحجزٍ استثنائي اليوم لسخرية القدر فهو بات معهم في تلك المسرحية.


"ولا ولا شد بلاستر وأُقعد ساكت"
17

نفثَ ماجدُ أنفاسهُ بحنقٍ مُتأجّج، كأن صدره يضيق بهذا العبث الذي يُسمى عرضًا مسرحيًا،وأيّ تفاهةٍ هذه التي يُراد له أن يُشارك فيها! استدار أيان عنه وهو يقهقه بانشراحٍ صاخب، ثم مال بجسده بخفّةٍ نحو ماريوس الذي لم يُخفِ تبسّمه الرائق.


لم تمرّ إلا لحظات حتى انفتح باب القاعة على مهل مُجدداً، متسللًا إليهم رجاءُ أن تكون جيهان قد حضرت أخيرًا لتضع حدًا لهذا التخبّط،إلا أن الداخل لم يكن إلا قُصَيّ، الذي ولج الصالة بخطًى رصينة، عيناه تُحدّقان في الفراغ كمن يحصي أرواح المكان، وبجوارهِ يسير يزيد، مُندمجًا في حديثٍ لا يبدو أنه يعبأ إن استمع له أحد، شغوفًا، مُتحمسًا، كأنّ لسانه يركض أسرع من جسده.


وهنالك..في ركنٍ بعيد اختنقت دعوةٌ في صدر ماجد، لفرط ما داهمه من دهشةٍ مُباغتة. وللحظةٍ، رغب أن يوجه شُكراً خاصاً لا للدكتورة التي فرضت عليه الحضور قسرًا، بل ليد القدر التي ساقتهُ أخيرًا لرؤية ذاك الغريب الذي لم يبرح ذهنه مذ لمح وجهه في الحفلة منذ زمنٍ، ثم اختفى بعدها كأنّه محض خيال.


يزيد.


لكن السؤال ظلّ يخدش ذهنه كإبرةٍ طويلةٍ من صمت..لماذا يمشي بجوار قُصي؟ماجد لا يملك علّةً واضحة لكراهيته لقُصي، لكنها كراهية مغروسة، متأصلة، كأن وجود قُصي نفسه يستفز الهواء.
فكيف؟ كيف يسير يزيد- الفتى اللطيف، الهادئ، ذو الملامح التي تُشبه صباحًا نديًّا—بجانبه، وكأن بينهما ألفةٌ خفيّة؟
5



اشتعل في صدره فضولٌ غريب،هو لا يعرف يزيد. رآه مرةً، لكنه الآن يريد أكثر، يريد أن يقترب، أن يُحادثه، أن يعرف نبرة صوته عن قرب، أن يرى إن كانت ابتسامته كما يتذكّرها أم أن خياله بالغ في رسمها.
6

كل ما يعرفه الآن
أن وجود قُصي في المعادلة يُربكه، يُغيظه، وربما، يُخيفه.


"ماجد! عامل إيه؟"
3

تردّد صوتُ يزيد في أرجاء القاعة، نديًّا بالحيوية، مُثقلاً بالدفء، وهو يُنادي ماجد باسمه مُفعمًا بالمرح
أشار إليه بيده إشارةً عفوية.
7

فتوقف قُصي عن المسير برهةً، وقد التفت إليه بوجهٍ جامد القسمات، تُكثّفه نظرةٌ حاده هُجوميةِ بحته.
3

أمّا يزيد، فقد انفلت من جانبه بخطًى واثقة، واتّجه نحو ماجد بمشيةٍ يغلفها الصفاء، بينما ظلّت الدهشة تكسو ملامح ماجد، إذ لم يعتد على هذا الانسياب الودود، ولا تلك العفوية التي بدت عصيّة على التأويل.


رسم ابتسامةً لطيفه على محيّاه، ونهض في رصانةٍ مُتأنية ليصافحه، في الوقت الذي مال فيه أيان على كتف ماريوس هامسًا بنغمةٍ متلذذة ساخرة، وعيناه لا تفارقان هيئة قُصي الحاده
"الملعب ولعع.الملعبب ولع"
12

"إيه الأخبار. كله تمام؟"


أومأ له يزيد برأسه، إيماءةً رقيقة مُترفقة، توشي بالطمأنينة، وكأنّه يحمل في طلعته صفاءً لا تشوبه الريبة، فيما بقيت عينا قُصي مُعلّقتين عليهما، كنصلين يُراقبان موضع السقوط القادم.


"قُصى!أُقعد يا بابا"


انتشلهُ من لجّة شروده صوتُ جيهان،حين دخلت بثباتٍ وجلست على المقعد في صدر المكان. ظلّ قُصي واقفًا في مكانه، لا تزال نظراتهُ مُسمّرة على ماجد ويزيد، يكتنفها صقيعٌ بالغ.


أومأ برأسه لجيهان بإيماءةٍ مقتضبة تُشبه توقيعًا خالٍ من العاطفة، ثم خطا بخطى متزنة وجلس قبالة ماريوس، دون أن يُدير رأسه أو حتى يُشير ليزيد ليلحق به.


ومع ذلك، انسل يزيد من جانب ماجد بوداعةٍ تامة، تاركًا خلفه ظلّ حوارٍ لم يكتمل، واتجه نحو قُصي بخفةٍ رائقة، ليجلس إلى جواره، يتوشح بابتسامةٍ لطيفة، وكأنّه لم يُدرك الصقيع القابع على ملامح الآخر.
3

"مساء الخير ياشباب. إفردوا وشوشكم العِكره دي"
1

صدحت جيهان بصوتٍ جهوريّ وهي تنتصب واقفةً في مكانها، تُحدّق بنظرة فاحصة في وجوه الجالسين، تُحصي الرؤوس وتُقوّم الغياب بعينٍ خبيرة. ساد الصمت للحظة،حتى استأنفت حديثها بنبرةٍ رزينة.




"المسرحية بتاعتنا هتكون مُقتبسه من رواية الشياطين لـدوستويفسكي اللِ كان شايف إن الشياطين مش'الأوراح المُرعبه' بل الأفكار الفاسده اللِ ممكن تتدمر الإنسان"
2

تحدّثت جيهان بثقةٍ مترفّعةٍ وشغفٍ واضحٍ يلوح في نبرتها، كأنها تستدعي من ذاكرة الروح صفحات دوستويفسكي المُثقلة بالفكر والقلق. كانت كلماتها تنساب بثقل العارف المُتيّم، فهي من أولئك الذين هاموا بفِكر فيودور وتوغّلوا في متاهات شخوصه الموجَعة.


لكن، وبمجرد أن جالت بعينيها في وجوه الطلّاب، تهاوى شيءٌ من ذاك الحماس، إذ ارتسمت على الملامح أمامها سيماءُ اللامبالاة، ونضَح التراخي من أعينهم كقطرات باردةٍ تُطفئ جَمرًا.


"حد يحب يختار الكاركتر بتاعته؟"


سألت جيهان بنبرةِ لطيفه تُحاول أن تُوقظ فيهم بقايا اهتمام، لكن الصمت ظلّ سيد الموقف، لا همسة ولا إيماءة وكأن الكلمات قد تبخرت في هواء القاعة الكثيف بالركود.


"حلو.هختار أنا" جلبت قلماً ثم باتت تضع علامة صغيره فوق الورقه التى بـيمينها
"قُصى في كاركتر بيوتر ،ماريوس في ستافروغين ،شاتوف هياخدهُ يزيد وهيبقا لسه كيريلوف"
7

رفعت جيهان ناظريها نحو ماجد بتؤدة، الذي التقط الإشارة على الفور، تنفّس بضيق ظاهر، زافراً أنفاسه بامتعاضٍ مُستتر، ثم أرجع رأسه للخلف في حركةٍ تحمل بين طيّاتها سُخطًا مستسلِمًا.


هي لا تحتاج أن تنطق باسمه. النظرة وحدها كانت كافية، هو كيريلوف.


"حبيبي كويس؟"
6

همس يزيد بصوت لطيف، وهو يطالع قصي المنكفئ على الطاولة يُمسك هاتفه ويُقلّب فيه بلا اكتراث، يُحرك أصابعه كآليٍّ ضجر، فيما عيناه لا تحملان أدنى اهتمام بما يُعرض أمامه.


كانت جيهان تتابع شرحها بانغماس، ولم تلاحظ عزلته الصغيرة تلك، لكن يزيد أدرك تمامًا أن قصي لم يلتقط من حديث المسرحية حرفًا واحدًا.


"مبضون"


"مالك يحُب؟ حاجه ضايقتك؟"
5

دنا يزيد برفقٍ من قصي،حيث كانت عيناه العسليّتان مُتسعتين ،وفي ملامحه مسحة من اللُطف الصادق تكاد تُلامس القلب، تنهد قصي بخفوتٍ مبحوح، ثمّ أسند ظهره إلى الكرسي في حركةٍ بطيئة مُستكينة، تاركاً الهاتف يتهادى من بين أصابعه المرتخية، وقد اعتدل في جلسته وأدار وجهه ليُقابل يزيد


"تِعرف ماجد منين؟"


"أعرفهُ من الـ.. إيه دا إنتوا صحاب؟"




"مش أوي. رُد"


انزلقت نبرة قُصي الأخيرة من بين شفتيه ببرودٍ جليّ خالية من دفءِ الودّ الذي اعتاد عليه يزيد منه، حتى بدا السؤال وكأنه استجواب لا يحمل فضولًا بريئًا.


"إتقابلنا في البارتي لما إنت كنت مشغول وبتاكل شفايف الشرموطه بتاعتك"
6

ارتسمت على شفتي يزيد ابتسامة هادئة، وكأنّه أنهى جملة عادية لا تستحق الوقوف عندها، غير أن وقع كلماته كان كالسهم في صدر قُصي؛ فعقد الأخر حاجبيه بحدة، ملامحه تغلّفت بشيء مبهم بين الغيظ والدهشة


"حلو. معتش تكلمهُ"
5

"ليه؟"
1

"من غير ليه"


اعتدل يزيد في مقعده، متكئًا بكامل انتباهه على حركة قُصي، عيناه العسليّتان تتفحّصان ملامحه بدقةِ ،لم يكن يبتسم، لم يرمش حتى، فقط تساءل بعينيه إن كان قُصي يُمازحه


لكن الجواب كان صارخًا في صمت قُصي.


كان جادًا. جادًا إلى حدٍ مُزعج.
عيناه مثقلتان بذلك النوع من التحديق الذي لا يحتمل خفة، وصوته، حين عاد ليتحدث، لم يحمل فيه ذرة تردد.


"قُولي سبب مقنع أنا مش *** قُدامك!"
4

"عشان إنت حبيبي وبخاف عليك بقولك معتش تكلمهُ"


أجابهُ قُصي بصوتٍ خفيض، مُفعم بغضب مكتوم لا تُخطئه أذنُ فَطِن، وعيناه معلّقتان على جيهان التي ما تزال مندمجة في تفصيل الأدوار بجدّية مفرطة، كأنما يحاول استجماع ما تبقّى من سكينته الهشّة، وهو يُقمع توجُّساً يتصاعد في صدره كدخانٍ كثيف


"أيوه إحنا هنبرر أي حاجه غبيه بإننا في ريليشن بقا؟"
2

رمقهُ قُصي بنظرةٍ مُلغَّزة، كأنّ وراء عينيه ألف سؤالٍ لم يُطرَح، كانت حدقته ساكنة،و لم يكن في نيّته جدال، كلّ ما ابتغاهُ من يزيد هو ردٌّ رصين، مطمئن، يُسكِّن تلك الهواجس التي تنهش صدره بصمتٍ قاتل، وما تلقاهُ كان نقيض هذا تماماً.
4

"أوف. بقيت بترد"
4

"من إمتا وأنا أخرس؟"
3

"معاذالله حد جاب سيرة خرس؟"
كانت نبرته وكلماتهُ ساخره لاذعه إلى أقصىَ حد مُكملاً "أصل شفايفك يتعمل بيها بلوجوب أفيد من إنك تتدافع عن ماجد"
9

وهنا، ارتسمت على محيا قصي ابتسامة باردة،لم يكن ثَمّة مواربة في كلماته، فإيحاءه الجنسي كان صريحًا، وقد تسلّل مغزاه الحارق إلى عقل يزيد الذي إتسعت عسليتاه بشراسةِ.




"قصى لو مش هامك اللِ بقوله ممكن
تطلع برا وتعيد السنه عادي"


انطلق صوتُ جيهان جَلِيًّا، فارتفعت رؤوس الحضور نحوها،بينما نظر قُصي إليها بنظرةٍ مُفتعلة،وارتسمت على شفتَيه ابتسامة مُصطنعة تُجاهد كي تبدو صادقة، لكنها لم تخفَ على عين فاحصة.


تابعت حديثها بنبرةٍ آمرة وهي تُشير نحو أيّان بإيماءة حماسيةِ
"أيان هتكون مسؤول عن الميوزك في الباكجراوند واللايتس"


ثم حوّلت بصرها نحو فريدة، لتشير كذلك إلى الفتاة الجالسة إلى جوارها، بعينٍ تحمل توقيع تكليفٍ لا نقاش فيه "هتشتغلوا على هدوم الكاركترز. إعملوا الديزاينز وتعالوا ورهوالي لحد مانوصل للحاجه
اللِ في دماغنا"


"هنتقابل يوم السبت.بالتوفيق ياشباب"


ألقت جيهان كلمتها الأخيرة، كمن يُسدِل الستار على بدايةٍ وشيكة لعاصفةٍ مسرحيّة، ثم غادرت القاعة بخُطى ثابتة لا تعبأ بما ستخلفه وراءها من فوضى.


وما إن أُغلِق الباب خلفها، حتى تفجّرت الأصوات في القاعة كبركانٍ من التذمّر؛ اعتراضات مكتومة، تأفُّفات متذمّرة، ووجوهٌ امتقعت من هول التكليف. كان في الوجوه ما يُشبه الرفض الباطنيّ لهذا المأزق غير المتوقَّع.


وفي خضم هذا الضجيج، تحرّك يزيد.


نهض من مقعده فجأة، دون أن ينبس بحرف، ودون أن يمنح قصي ولو لمحة عابرة. قام ببساطة ومضى. لا التفاتة، لا تردُّد، لا أثر على ملامحه يشي بنيّته فقط نهض وتوارى خلف الباب مغادرًا خلف جيهان.
8

تنفّس قصي بحدة وهو ينهض من مقعده، خطواته تتابعت بخفة مُتعجّلة خلف يزيد،زادت وتيرة قدميه، ولحظة واحدة كانت كفيلة أن يُمسك بساعد يزيد ويجذبه بعنف نحو الحمّام الخاص بطابق المسرح، يدفعه إلى الداخل ويده الأخرى تُغلق الباب خلفهما بعنفٍ دوّى في أرجاء المكان.
2

وقف يزيد في منتصف الحمّام مصدوماً، عيناه العسليتان اتّقدتا ببريقٍ لاذع، شرارات الغضب تتطاير من حدقتيه، في حين قصي لم ينبس بكلمة، بل توجّه نحو الحوض يفتح صنبور الماء بانفعال، وغسل وجهه مرارًا، كأنما يحاول تهدئة غليانٍ داخليٍ يعجز عن الإفصاح عنه.


"ممكن نتكلم بهدوء؟ ماجد شخص مش كويس ومش عايزهُ يأذيك بأي طريقه"
1

"ماشي ياقصى وأنا قولتلك إني مش *** وأكيد عارف أفرٌق بين الحلو والوحش.إيه الصعب في كدا مش فاهم؟"


تنفَّسَ الأكبر بعمقٍ، تنهيدةً لا يُحصى لها عددٌ ولا يُعرَف مبتدؤها من منتهاها، كأنّ في صدره سُحبًا مُثقَلةً ثم تقدّم بخطًى وئيدة نحو يزيد، الذي بدا وكأنّ الغضب انعقد بين عينيه وتصلّب على ملامحه، كجمرٍ يُخفي اشتعاله خلف بريقٍ عسليٍّ لا يشي إلا بالعاصفة.
2



وما إن اقترب منه حتى تجلّى التفاوت بين هيئتيهما، لا طولًا فحسب، بل في السكون والصخب، في التماسك والانفجار،وبهدوءٍ مال قصي برأسه وأسنده على كتف يزيد، بلا احتضان، بلا التفات، فقط إتكاءة صامتة.


"أنا راضي ذمتك دا شكل واحد كل ما أسأله إنت كويس يقولي أه؟"


صاح يزيد بقلقٍ جليٍّ، وقد تهاوت أنفاسه على عتبة نفاد الصبر، إذ أن توجّسهُ وقلقهُ لم يكن وليد اللحظة،بل مُتراكمًا منذ الصباح؛ عيناه كانت ترصد كل لمحة ارتباك وكل انحناءة توتر في نبرة قصي، وكلّ نظرةٍ مسروقة تحمل وراءها خوفًا لا يُفصح عنه.


كان يزيد يعلم أن حبيبه ليس من أولئك الذين يُفرغون ما بصدورهم في كلماتٍ سهلة، بل من أولئك الذين يدفنون قلقهم في الأعماق، حتى يُنهكهم الصمت ويخنقهم الكتمان.


وهذا ما كان يُؤجج الغضب في قلبه، لا لأن قصي خائف بل لأنه لا يُشاركه ذلك الخوف، لا يُخبره بما يعذبه،كان يزيد غاضبًا لأنّ قلبه يتشوّه قلقًا، وهو يقف على العتبة، ممنوعًا من الدخول إلى عالم من يحب.


"أنا حقيقي كويس"
1

همس قصي بصوتٍ خافتٍ وظلّ ساكنًا في موضعه، يستند برأسه على كتف يزيد في صمتٍ ،كأنّ الثقل الذي يحمله بين أضلعه وجد لحظة نجاةٍ مؤقتة في هذا الاتكاء الصامت.


لكن حركة مقبض الباب قطعت هذا السكون الباذخ، فأطلق قصي زفرةً طويلة، وكأن تنهيدته تلك كانت استقالة من لحظة أمانٍ نادرة، ابتعد بهدوء واستند بظهره إلى الحائط المقابل، بينما عيناه تلتقي بعينَي يزيد اللتين ما زالتا تراقبانه بصمتٍ وقلق جثيم.


ثم استدار كلاهما ببطء إلى الداخل، حين دخل أيان بوجهه البشوش المعتاد، غير مدرك للسكينة المتكسّرة التي اجتاحت المكان قبل لحظات.


"أتمنىٰ مكونش قطعت لحظة أوف أح"
4

"ماهىٰ لو أوف أح كنت هتلاقيني هابدك بأي حاجه
أول ما دخلت"
2

ردّ قصي بنبرةٍ هادئة وهو يبتسم ابتسامة شاحبة، ساحباً من جيبه علبة السجائر يفتحها بأصابع متعبه أيان و بعبثه المعتادة مدّ يده يربّت على صدره بخفة كأنه يقول "حبيبي"


ضحك يزيد بخفة غير مقصودة،و دخل أيان الحمّام تاركًا إياهما مجددًا وحدهما،الأكبر كان يتكئ على الجدار، يمسك بسيجارته بين أنامله، والنار تشتعل على مهل بينما الدخان يعلو ببطءٍ كأفكاره المعقّدة يزيد كان ينظر إليه في صمتٍ تام،يراقب كل تفاصيله،وكأنّه يقرأ حبيبًا لا يُقرأ.


قصي لم يكن صعبًا في أفعاله؛ بل في أفكاره، في ما لا يُقال.


يزيد أدرك أن من يحبّه ليس شخصًا متطلّبًا بل شخصٌ يصعب عليه أن يطلب، أن يشرح، أن ينفتح
ولذلك، كان يزيد يشعر دومًا برغبةٍ غريبة في أن يضمه، يحتضنه بلا سبب، كأنّ دفء ذراعيه هو اللغة الوحيدة التي قد تريح قلب قصي المتعَب.




-


كان واقفًا أمام الباب، يحدّق فيه بثباتٍ بعينين ساكنتين تخفيان خلف هدوئهما زوابع من الترقب،
تنهد برفق، ثم رفع يده بتؤدة،وضغط على زر الجرس.


رنَّ الصوت في أرجاء المكان،خفض يده، ووقف يستبقي اللحظة، يُعِدّ ملامحه لاستقبالٍ ودي، يحاول أن يرسم على وجهه ابتسامة لا تزال ترتجف في مهدها.


ثم فُتح الباب.


وقف سيف في الإطار، يكسوه مزيج من الرسميةِ والتراخي، مرتديًا بنطالًا رسميًّا وقميصًا أسود كُفَّ كمّه حتى المِرفق، وزرّه العلوي مفتوح مُظهراً سِلسال فِضىٌ.


"ر.رايح الجامعه؟"


همس يوسف بصوتٍ مُنهك، مضمّخٍ بإرهاقٍ لا يُخفى،
لكن سيف نفى بلُطفٍ مفرط في الهدوء،كان يُراقب يوسف يتقدّم نحوه بخطى تُشبه من أنهكه الركض خلف أشياء لا تُمسك، وحين ولج أغلق الباب خلفه دون صوت.


ثم توجّه صوب الأريكة، وجلس عليها بسكونٍ مُهيب، كأنّه يُودع ساحة معركة خاضها وحده مُسنداً جسده بإعياءٍ نبيل.


"مالك يا جو؟ قالتلك خلينا أخوات"


انبعث صوتُ سيف بنبرةٍ رخيمةٍ مازجةٍ بين اللطافةِ والتهكُّم، وهو يرتشف قهوته بالحليب، جالسًا في مكانٍ قصيّ من الغرفة، كأنّه لا يرغب في اقتحام صمتٍ لم يُدعَ لكسره.


كان يوسف في الطرف الآخر، يُخفي وجهه في كفّه كمن يسند رأسه على هاوية، لا على يد، واضعًا جسده في هيئةٍ ساكنةٍ ظاهريًا، لكنها تنبض بصخبٍ لا يُرى.


قطّب سيف حاجبيه في وجلٍ مكتوم، يراقب السكون الغريب الذي أحاط بـيوسف، فلم يكن ذلك سكونَ استرخاء..


ظلّ مُتريثًا، ظانًا أنّ تعب الطريق أثقل خطى يوسف، وأنه بحاجةٍ إلى لحظة هدنة، لكن ارتعاشةً طفيفة في جسده -كارتجاف شُعلة على وشك الانطفاء- أيقظت في سيف فزعًا دفينًا.


وضع فنجانه واتّجه صوب يوسف بخطًى مشوبة بالقلق، ثم أزاح كفّه عن وجهه بحذرٍ فبدت الحقيقة


عينان محمرّتان كأنهما أجهشتا منذ قرون، جفنان ثقيلان بالكتمان، وأنف مشبعة بحرارة البكاء ،كان جسده يرتعش ارتجافًا خافتًا، كأن كل خلية فيه تُعلن حزنًا دفينًا.


"ا.الشُوز أول ل.بسه وأتوسخ"
11

قال يوسف بصوتٍ متقطّع يتهدجه البكاء، بين شهقةٍ وأخرى، مشيرًا برعشةٍ في يده نحو حذائه الأبيض


كانت كلماته أشبه باعترافٍ بائس، ساذج المظهر، شديد الدلالة، رمق سيف الحذاء للحظة؛ لم يكن متسخًا كما ظن يوسف، لكنه أدرك أن الاتساخ ليس في الحذاء، بل في الروح.




ابتسم سيف ابتسامةً باهتة، ثم اقترب منه في صمت،وجلس إلى جواره يُربّت على كتفه وجانبه بيدٍ حانية، كأنّه يربّت على جدارٍ آيلٍ للسقوط.


يعلم تمامًا أن يوسف لم ينهَر لهذا السبب البسيط
بل لأن الكأس قد امتلأ وفاض، ولم يعد في القلب متسع.


دون أن ينطق بحرفٍ واحد، مدّ سيف ذراعيه واحتوى يوسف بينهما في حضنٍ صامت،ربّت على ظهره برفق، بإيقاعٍ منتظم، كأنّه يوقظ فيه دفئًا غائبًا، أو يسكّن وجعًا مريرًا.


وفي تلك اللحظة
انهار يوسف تمامًا.
أطبق ذراعيه حول سيف، تشبّث بقميصه كأنّه يتعلق بطوق نجاة في بحرٍ موّاج، وانفجر في نوبة بكاءٍ مُرّ، كأن قلبه يفرغ سنينًا من الكتمان دفعةً واحدة.
5

ظلّ سيف يُربّت عليه في تؤدةٍ، كمن يداوي روحًا لا جرحًا، ولم ينبس ببنت شفة، تاركًا ليوسف كامل المساحة لينزف بكامل الصدق، وبلا خجل، كان الحضن واسعًا بما يكفي ليحتوي قهره،دافئًا بما يكفي ليصير مأوى.


ظل يوسف يبكي حتى بدأت شهقاته تتكسر في صدره وتخفت تدريجيًا، حتى غدت أنفاسه المتعبة أقل اضطرابًا،ومع كل تنهيدة كان يُفرغ بعضًا من وجعه، حتى إذا ما هدأ أخيرًا، همس بصوتٍ خفيض كأنّه خجل من نفسه


"أسف"
1

تباعد قليلًا عن صدر سيف، دون أن ينفصل تمامًا عن دفئه، ورفع عينيه المُحمّرتين في وجومٍ خجول،
وإن بقيت آثار الانهيار ماثلة على وجهه المنهك.


وكان سيف لا يزال على حاله، لا لوم في عينيه،
فقط طمأنينة رجلٍ يعرف أن الأسى أحيانًا لا يُحتمل


"آسف إيه بس.دا أنا أحب أشوفك بتعيط كمان مره"
4

داعبه سيف بخفةٍ رصينة، ونبرته تتوشّح باللين، فيما كانت كفّه لا تزال ترتحل على ظهر يوسف برتمٍ رتيب،ارتسمت على وجه يوسف بسمة صغيرة، من ذلك النوع الذي يولد بعد العاصفة، هشّة، لكنها حقيقية ثم مسح دموعه المالحة في قميص سيف بدون تفكير.


صدَر عن سيف صوت احتجاج خافت بنبرةٍ متصنعة للتأفف "إمتىٰ علاقتنا تِرجع رسميه؟"
2

لكن ابتسامته الخفية كانت شاهدة على أنّه لا يأبه
مادام يوسف عاد ليبتسم، ولو قليلًا.


"تمام ولا كمان شويه؟"
مال سيف برأسه قليلًا، ونظراته تفيض حنانًا حيث كانت نبرته ساكنه لطيفه.


هزّ يوسف رأسه سريعًا، كأنّه يخشى أن تعود دموعه إن تأخّر في الرد، ثم تمتم بصوتٍ يكاد يُسمع
"لأ. لأ أنا تمام"


لم يكن صوته مُتماسكًا، لكنّ في عينيه ارتجافَ طمأنينة، كأنّه أفرغ بعضًا من أثقال صدره، وكأنّ وجود سيف بقربهِ أشبه بمنجاةٍ من السقوط ،ركيزةً صامتة تقيه من الغرق الكامل.




اعتدل يوسف في جلسته، مسندًا ظهره إلى الأريكة كمن يحاول أن يُعيد بناء ما تهدّم داخله، وقد تسلّل إلى ملامحه حرجٌ صامتٌ لم يُحسن إخفاءه. شعر وكأنّه قد انكسر في لحظةٍ لم تحتمل كسره فقد خانه توقيت الانهيار.


كان قد جاء ليطمئن على سيف،و ليسأله عن تشخيصٍ جراحيٍّ بعينه، حديثٌ مهنيّ، مُحدد، لكنه وجد نفسه يُغرق المسافة بينهما بصمتٍ مثقل بالبكاء، قبل أن يمنحه سيف حتى فرصة السؤال.


"أنا جعان"
1

همس يوسف بصوتٍ خافتٍ حيث كانت الجملة قصيرة..فقط محاولة مرتجفة للفرار من سؤالٍ وشيك قد يُغرقهُ في موجة بكاءٍ جديدة.


نطقها بسرعةٍ ملحوظة، وكأنّه يلهو بتغيير مسار الحديث، يلوّح بانشغالٍ بدائي كي لا يُواجه سؤالًا يعرف تمامًا أن إجابته لن تُقال بالكلمات بل بالدموع.
كان يُدرك تمامًا أن سيف لو سأله الآن -مالك؟- فسينهار من جديد، ولهذا آثر أن يطلب طعامًا، لا عزاء.


بعد يا عيني وبعد يا ليلي
وبعد ما قال إنه ملوش غيري
وإني نصيبه وهو نصيبي
وإنه في عز الجرح طبيبي
سبني وراح لمكانه التاني
سبني وبعده يا ناسي بعاني
سبني أنا عايش على أحزاني

5

تردّد صوت أودين الجهوري بأغنية شعبيّة في أرجاء المكان كالعاصفة، وهو يخرج من غرفة النوم واضعًا منشفة على كتفيه، يُجفّف بها خصلات شعره المُبتلّة. كان صوته مرتفعًا، مفعمًا بالحيوية، ومنغمسًا في الغناء حدّ التماهي، وكأنّه وحده في عالمٍ آخر.


ذلك الاندفاع المُفاجئ في النغم أيقظ يوسف من شروده، فأخذ يحدّق نحو أودين بدهشة متحفّظة، وقد ارتجف قلبه برهة، إذ أن شدّة صوت الأخير باغتته بعنفٍ لم يكن مستعدًا له.


أنا اللي كنت عشانه بضحي
جيت على نفسي وجيت على راحتي
متخيلتش أبدًا يوم
إنه يكون هو اللي جارحني

1

تابع أودين غناءه بانسجامٍ وهو يمرّ بخفة نحو المطبخ،خطواته متراقصة على إيقاع الأغنية التي يرددها بشغفٍ صاخب، وكأنّ لا أحد يسكن هذا البيت سواه، كان مزاجه عالياً حدّ الانفلات، لكنّه توقّف فجأة حين تسلّلت إليه تلك الهالة غير المألوفة


شيء ما بدا خاطئًا.
شعر بنظراتٍ تترصّده من الصالة، فاستدار بسرعة، ووقع بصره على سيف جالسًا هناك، يضحك بصوتٍ منخفض، وبجواره شابٌ غريب لا يعرفه أودين.


الشاب كان يُحدّق نحوه بعينين ضيّقتين، تنضحان بالاستنكار، كأنّه شاهده للتوّ يرقص في جنازة.


"خلصت الإنترڤيو؟!"


سأل أودين على عجل، وهو ينتصب واقفًا كأن شيئًا لم يكن، متجاهلًا تمامًا ما بدر منه قبل لحظات. بدا صوته عاديًا.


"كانت الدنيا لطيفه و بِيس فشخ"


قطّب يوسف حاجبيه بانقباضٍ لاإرادي، وانفلت صوته سريعاً نحو سيف كأنما باغته اضطرابٌ داخلي لم يُمهله ضبطًا أو تريثًا.


"إنت هتسيب حورس ولا إيه؟"


"حاجه زي كدا."


"أحا ياسيف لأ"
اعترض يوسف بجديّة صارمة،فيما ارتفع ضحك أودين بخفةٍ غير مكترثة، وهو يخطو نحوهم بخفّة مزاجٍ لا يليق بالمقام.


"طب وإيه المُشكله مش فاهم؟"
سأل أودين يوسف، ولا تزال يده تعبث برتابةٍ بخصلات شعره المبلّلة، يُمرر فوقها المنشفة ببطءٍ متكاسل، كأنّه لم يغادر بعد دائرة الاسترخاء التي خرج منها للتو.


"مفيش مشكله بس ليه يمشي؟"


"وليه يفضل؟ما براحته"


وفي الواقع، لم يكن سيف يُعيرهم أدنى انتباه؛ إذ انشغل بانحناءة خفيفة فوق شاشة هاتفه، يتنقّل بين التطبيقات بإعياء جائع، يبحث عن وجبةٍ تسدّ رمقه، وقد بدا واضحًا أن عقله في مكانٍ آخر تمامًا، لا يسمع منهم ولا يشارك.
1

وفجأةً انبعث إشعارٌ رقميّ على شاشة هاتفهِ، صادرٌ عن صفحةٍ معنيّةٍ بالأحداث والأخبار الجارية، مدّ إصبعه بتكاسلٍ عفويّ ليُزيح التنبيه عن بصره، كما يفعل مرارًا دون اكتراث.


غير أنّ عينيه ما إن استوقفتا الحرفين الأولين، حتى عصف بجسده تيارٌ مباغت من التوتر ،كان مسترخيًا، نصف مائل، لكن الآن..جلس معتدلًا، وكأن العمود الفقري ذاته استقام بفعلٍ قسري.


قبضت أنامله على الهاتف بقبضةٍ مشدودة،وخفق قلبه بعنفٍ داخليّ كأنّه يوشك أن يندفع من بين أضلاعه بينما إستبدت ملامحه صمتٌ مهيب، ليس لفرط الحيرة، بل لثقل ما احتواه ذلك الخبر من فاجعةٍ مبطّنة.


كان العنوان كافيًا لانتزاع الطمأنينة من صدره، ولزرع نذيرٍ مبهمٍ في أعماقهِ.


كان مستلقيًا في سكينة على صدر قصي، كأنما وجد مرفأهُ الأخير في تلك الزاوية الوادعة من العالم.

3


ذراعا قصي كانتا تحيطان به بهدوءٍ رتيب، ويده تعبث بخصلات شعره بتؤدةٍ لا تخلو من عاطفةٍ مكبوتة.




شاشة الحاسوب المحمول تُطلّ من طرف السرير، تنثر ضوءها الخافت على الملامح المتلاصقة، بينما الفيلم يدور ببطءٍ كأنه يُجاري أنفاسهما المتزنة.




ابتسامة هادئة مرسومة على ملامح يزيد، كأنما وُلد للتو في هذا الحضن،رأسه مستقرّ بثقة على صدر قصي يستمع إلى خفقات قلبه كأنها موسيقى مألوفة تطمئنه.

1


في تلك اللحظة، توالت على الشاشة عِدة مشاهد رومانسية،قُبلة دافئة تُقابل بشغفٍ صادق بين البطل والبطلة،ثم ما لبثت أن تحوّلت إلى مشاهد جنسية بحته، تزداد فيها الأجساد التصاقًا، والأنفاس لهاثًا.




تسرّبت تلك الحرارة من الشاشة إلى أطراف يزيد، تسلّلت إلى عروقه مثل سُعارٍ كامن،التقطت عيناه حركة خفيفة.

فاستدار ببطءٍ لينظر إلى قصي ليُفاجئ أن الأخر كان يُحدّق فيه أصلاً، مُنذ البداية..
1

"يماما"


صاح الأصغر واضعاً كِلتا يداه فوق ملابسهِ وكأنه يحمي ذاتهِ من محاولة **** واضحه.
3

"مِسيرك تجيلي ملط وأقولك بطلت"
4

غمز له قصي بنهاية حديثه، وقد ارتسمت على وجهه بسمة ماكرة، تتراقص في ملامحه كوميضٍ عابر من عبثٍ حنون.


لم يُقاوم يزيد.
فابتسامة خجلة بدأت ترتسم على ثغره، ثم أخذ يزحف بخفّةٍ نحو قصي، كأن جسده ينجذب إليه بدافعٍ أعمق من الإرادة،اقترب بهدوء، وانساب ليستقر مجددًا على صدره، كمن يعود إلى موطنه بعد شتاتٍ طويل.
2

وضع يديه كلتيهما أسفل رأسه، في راحة ***ٍ لا يخشى السقوط، ثم رفع بصره نحو وجه قصي، وعيناه العسليّتان تتسعان ببريقٍ مبلّل بالدفء.


"إنت كدا كدا مِبطل.بس مش مني"
همس يزيد بصوتٍ خفيض
2

ولم تكن كلماته سوى اعترافٍ ضمني، فقد أدرك أنّ قصي - برغبته- قد انزاح عن كل نزوةٍ عابرة، وتطهّرت روحه من غوايات الجسد، فقط لأنه بات مُحباً لـه.


"دلوع نيك"
3

تبسّم الأصغر ثم أطلق صوتًا رقيقًا مُدللًا "تؤ تؤ تؤ"


وهو يطبع قبلة خفيفة على صدر قصي، تحديدًا فوق موضع فُؤاده.
1

في تلك اللحظة، أدرك يزيد أنه يتحول في حضرة قصي إلى نسخةٍ أكثر ليونة، أكثر رقّة، أصبح يُحب أن يتدلل، أن يترك حِدته جانبًا، ويصير ذلك الكائن المطيع الذي لا يريد من العالم سوى أن يبقى قرب قصي، يحتضنه ويحبّه بلا قيد، بلا مبرر.
2


قد يعجبك أيضاً​

قبلة وردية بقلم jilaneDeniz
قبلة وردية
39.8K990
_______حصريـــــاً على مختلف اللهجات الأصلي________ 🚫لا أحلل النشر نهااااااااااائياً🚫 قُــــــــــــــبلَة وَرديــــــــــــــــة...

في قبضه مُجرم بقلم user917219489247
في قبضه مُجرم
48.1K806
اول روايه حقيقيه وذا انشهرت انزل قصه حقيقيه ثانيه.... الاسم ال مهره:

 #في_قبضه_فهد✊️🐆 بقلم HalaZein1
#في_قبضه_فهد✊️🐆
48.7K2.1K
بت العماريه 👱‍♀️، بيت أبوها إهنه يبقي مكانها إهنه بينا وهتتجوز ولدك غصب عنيها ودخلتها هتكون بلدي علشان النجع كلياته يشهد علي طهارتها ويتخرسوا ويحطوا لسانتهم جوا خشمهم...

أيقونة المستحيل  بقلم marisol_333
أيقونة المستحيل
15.2K1.8K
" هي فتاة عربية ***** تعمل مترجمة " " و هو قاتل ***** بريطاني يُكلّف بقتلها لكنه.... يقع في شباك حبها و يصير حارسها بدل قاتلها .

غريبٌ يشبهني  بقلم G___09
غريبٌ يشبهني
16.3K1.1K
القصة بالعامية السعودية لايوجد رومنسية ولا علاقات محرمة الرواية برومانس

أجبرته على حُبي  بقلم Koka514
أجبرته على حُبي
11.1K366
بنت حبت ولد خالتها أجبرته على حبها بطريقتها

بدله رسميه وجثه مشاعر (٢٥ بارت) بقلم user584972134905
بدله رسميه وجثه مشاعر (٢٥ بارت)
27.5K726
بنت تبلع من العمر ١٤ سنه جانت عائشه حيا عاديه مثل أي بنت وفجئة صارت مشاكل عائليه وطلبو دو نوب تفاهم وقبلو بالفصليه لان البطله ما قبلت ينكتل شخص من أهلها و ...... والبطل...



كان قصي بالنسبة له وطنًا صغيرًا، وملاذًا يليق بكل هذا الدفء المتراكم في قلبه الصغير.
1

"عايز حقوقي الزوجيه"
همس قصي وهو يُمرر كَفيه فوق مؤخرة الأصغر بهدوء.
2

"قولنا بعد إيه؟"


"الفاينل"
صاح قصي بنبرةٍ تلوّنت بعدم الاقتناع، فهو مُعارض تماماً تلك الفكرة.
4

بينما عيناه تُحدّقان نحو فتاهُ وبحركةٍ مباغتة، ضغط مُؤخرته بقوة،قرصةً خفيفة لكنها عنيفة بما يكفي لتفجر ضحكةً صافية من صدر يزيد.
1

"عيل مُ****"
3

صرخ يزيد ضاحكًا،وهو يبتعد عن قصي بسرعة،هبط بخفة من على السرير حتى لامست قدماه الأرض الباردة.


أما قصي، فنهض من مجلسه مُمسكاً وسادة بيدهِ
لوّح بها كأنّه فارس يلوّح بسيفه، ثم قذفها في اتجاه يزيد، لكن الأخيرة انحرفت عن مسارها، ولم تصبه.


ضحك يزيد بصوتٍ أعلى، ثم ركض حتى التصق بباب الغرفة، محتميًا به، يلتقط أنفاسه.


والأخر لم يستسلم، التقط الوسادة الثانية، ورفعها إستعدادًا للهجوم،


ولكن القدر كان أسرع..


حيثُ فُتح باب الغرفة فجأة بعنف،وارتطم رأس يزيد بلوح الخشب الثقيل ارتطامًا غير متوقع جعل جسده يرتج من الصدمة، بينما الوسادة سقطت من يد قصي قبل أن تبلغ وجهتها حتىٰ.
2

"كويس؟ بُصلي كدا"
رفعَ قصي وجهَ يزيد برفقٍ شديد، بأناملِه التي ارتعشت رغم ثباتها الظاهري، مُمعنًا النظر في ملامحهِ، يبحث في قسماته عن أثرٍ لارتطامٍ أو جرحٍ خفيّ.


لم يكن يدرك، ولا حتى لحظة، من الذي دخل أو ما الذي يحدث خلفه؛ فقد كان كلّ انتباهه مشدودًا إلى يزيد، وإلى احتماليةِ أن يكون قد تأذّى.


لكنّ الصوت اخترق المشهد كالسيف، نبرةٌ مفردة، تحمل من الصلابةِ ما يكفي لتقوّض الحواس.


"قُصي."
7

مجرد النطق باسمه، بتلك الطبقة من الصوت، جعل أطرافه تتخشب في موضعها، كأنّ الزمن جمده من الداخل.
1

تسارعت دقّات قلبه، وازدادت عينا يزيد اتساعًا، يحدّق فيه باستفهامٍ مرتبك.


و ببطء ثقيل حرّك عينيه عن وجه يزيد، ليوجّههما صوب الباب.


وهناك كان واقفًا.


والدهُ.
4

واقفٌ بكامل هيبته، سكونه أبلغ من كل انفعال، للوهلة الأولى، غارت الحرارة من جسد قصي، ومرّت في أعصابه موجةٌ باردة، كأنّ كل دمه قد تحوّل إلى زئبقٍ مثلج. لم يفهم، لم يستوعب، لم يتوقع.




تحمحم يزيد بأدبٍ جمّ، في محاولةٍ لبثّ الاحترام في الأجواء التي تثاقلت فجأة، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ هادئة، متحفظة.


رَفعَ عينيه نحو الرجل الواقف بثبات عند العتبة، الرجل الذي لا يُخطئ أحد سلطتهُ.


عميد، والد قصي، ردّ له الابتسامة بصمتٍ مُحتدّ.


ثم، بخطى متزنة انسحب يزيد من المكان، دون أن يدير ظهره تمامًا،مرّ بجوار قصي، الذي لم يحرك ساكنًا، بل اكتفى بالتحديق فيه وهو يعبر أمامه.


قصي لم يشأ أن يتركه يغادر، ولم يرغب في أن يبقى وحيدًا في مواجهة عميد الذي نادرًا ما دلف إلى دائرته الخاصة.


لكنه لم يستطع منعه.
لم يجرؤ حتى على نطق اسمه.


كلّ ما فعله هو أن تابع خطوات يزيد بعينين متوجستين، وقلبٍ بدأ يضيق، كأنّ الغرفة تضيق معه ببطء.
2

"إِتفضل"
أشار قصي بيده بصمتٍ دال.


لبّى عميد الإشارة بخطوةٍ هادئة، متزنة، وتقدّم داخل الغرفة، ليتبعه قصي في صمتٍ ثقيل، يغلق الباب خلفهما بإحكامٍ.


التقط شهيقًا طويلًا، كمن يتهيأ لغوصٍ عميق، ثم استدار ببطء نحو والده، الذي لم يرفع بصره، بل كان منشغلًا بهاتفهِ، أنامله تتحرك فوق الشاشة بلامبالاة ظاهرية.


لكن دون سابق إنذار، رفع عميد الهاتف، وصوّبه في وجه ابنه.
2

إرتبك قصي للحظة،لم يفهم، لكن نظرات والده لم تكن عبثية.


اقترب بخطواتٍ حذرة، وعيناه علقتا على شاشة الهاتف.


قرأ السطر الأول
ثم الثاني
ثم أعاد الأول..وتجمّد.


النص أمامه لم يكن مجرد كلمات، بل صفعةٌ باردة على وجهه، طعنة ناعمة نفذت في صدره دون دم.
1

تسارعت نبضات قلبه حتى خُيّل إليه أنها تقرع صدره كطبول حرب، وعيناه ارتعشتا بحدة، تائهًا بين السطور كأنّه يرجو من المعاني أن تتبدّل أو تنكر ذاتها.


كان عقله يحاول الاستيعاب، لكن قدميه خانتاه؛ لم يعد يشعر بهما، كأنّ الأرض انسحبت من تحته فجأة، تاركة جسده متأرجحًا على حافة الانهيار.


كل ما استطاع إدراكه في تلك اللحظة، أن رعبًا صامتًا، عميقًا، استوطن قلبه
رعبٌ خام، بدائي، لا يُسمّى.


كان يرتجف.


"هتعرفلي مين العرص اللِ شَيّر الكلام دا بعد كل السنين دي"




زمجر عميد بصوتٍ انفجر في أرجاء الغرفة كالرعد المشتعل.


إرتعد الفتى،كأن الصوت اجتثّ أنفاسه، وانكمش قلبه بين أضلعه، فانحنت قامتهُ دون إرادةٍ منه، وسقط جالسًا على حافة السرير، كمن تهاوى من على جرفٍ سحيق، وقد خانته قدماه تمامًا، فما عاد فيهما وهنٌ يُسند جسدًا مثقلاً بالذنب أو الخوف.


أما عميد، فرفع يده ومسح وجهه بحركةٍ عنيفة، كأنّه يحاول أن يمحو ما إستوعبه أو يطرد الغضب العالق في أوردته، لكن عبثًا..


الغضب استوطنه.


"أنا وقفت جمبك وإستحملت كسم قرفك طول السنين اللِ فاتت دي يا قصى ومش مُستعد أكرر نفس الخرا مرتين.أخرتها أسفرك في أي داهية ومعتش تعتب مصر نهائي"
9

"إعملها.وصدقني مش هتلمح وشي طول مانا عايش"


خرج صوته باهتًا،نبرةٌ خاوية، تائهة في الفراغ، كأنّها لم تكن تُخاطب أحدًا بعينه، بل ترتطم بالهواء لا أكثر.


أما الأخر، فابتسم
ابتسامةً مكسوّةٍ بالمرارة، لا دفء فيها ولا حتى غضب، بل سخرية باردة،كأنها نصل صدئ يُغرس بلا رحمة.


"لأ ياض وأنا إللِ هموت علي شُوفة كسم خلقتك العِكره"
5

"لأ مش هتموت.بس اللِ هيموتك الصحافة والأخبار ياسيادة النائب"
3

كانت نبرتهُ مرتفعًه، صوته يحمل في تضاعيفه ما بين الغضب والخذلان، كأنّه يُناضل ليُبقي صوته ثابتًا رغم ارتعاشةٍ خانته في اليد، ورجفةٍ لاحت في أطرافه من شدة ما اختلج صدره من رعبٍ وغليان.


لكنه لم يَلقَ من والده إلا مزيدًا من الصقيع.


"عندك حق.أصل أنا لازم أخاف على مكانتي و على سُمعتي قدام الناس،ومش هتيجي أنت يامعفن تبوظهالي بسبب الخرا اللي عملتهُ قبل كدا.
ده أنا ما صدّقت الناس تنسى!"
1

وهنا..
ارتجف قلبُ قُصي كأنّ صاعقةً سرت فيه.
ظلّ يضغط على أنفاسه، يُكافح رجفة الذلّ، يُحارب ضعفه بأظافر مغروسة في راحة يده، فقط ليمنع دمعةً من السقوط.


لكن الدموع لا تُؤمن بكبرياء الإنسان.


سال ماؤها المالح من عينيه، يُغسل به قناع الصلابة التي اعتاد ارتداءه، فانكسر.


انكسر استعلاؤه، وتهاوى جدارٌ بناه سنوات ليحتمي من قسوة والدهُ الذي لطالما اختزل فيه العالم كُله، ثم سلّطه عليه كأنه عدوّه.


كلماته كانت مسنونة، لا كعتاب أبٍ، بل كلعنة تُسكب فوق الرأس.


ومع كل نبرة اتهام، كانت الحقيقة تؤلمه أكثر أن أباه، طوال تلك السنوات، لم يبرأه يومًا، لم يُصدّقه يومًا.
1



لم ينسَ.
ولم يغفر.


وقصي لم يعُد يحتمل.
هو بالكاد تلمّس نورًا ضئيلاً بعد عتمةٍ طويلة. بالكاد اعتدل داخله، بالكاد نهض من رُكام نفسه.


والآن
منشور واحد، نُشر على الصفحةٍ الإخباريّةٍ الرئيسيه، أعاد إشعال الرماد القديم.


عاد الخوف، تعاظم في صدره، تشكّل كأيامٍ سوداء تطرق الباب من جديد
كأنّ الحاضر يُوشك أن يُعيد الماضي،
والمأساة تستعدّ لأن تتكرّر.


الأيام ستُعاد ؟


"عيط ياحيلتها عيط"
3

بكل سطوة الغضب، أُغلق الباب وراء الأب ارتطامًا أرعد له السكون،ثُم مَضىٰ.


تاركاً خلفهُ انكسارًا لا يُجبر، ورُكامًا من الحطام لا يُرمَّم، ورُوحًا لم تعُد تُجيد التجلّد.


قصي ظلّ مسمّرًا في موضعه، لم يكن انهياره صاخبًا، بل كان صمتًا، يقطر من مقلتيه كقطرات ماءٍ على جدارٍ قديمٍ آيلٍ للسقوط.


كانت تلك الدموع لا تسقط حزنًا، بل قهرًا، قهر من يُدان دون جُرم، ويُجلدُ دون تهمة.


ارتعشت أطرافه، لا من خوف، بل من ثِقل الحقيقة التي غُرِسَت فيه كخنجرٍ صدئ. لقد اجتهد، وقاوم، واعتدل في خطوه، وسعى لأن يبني حياةً لم يُنصفهُ فيها أحد


لكن أباه، الذي كان يُفترض أن يكون الحصن، أضحى الجلاد.


كم تمنى أن تكون هذه المواجهة طيّ ماضٍ لا يُنشر، أن تظلّ تلك الصفحة مطويّة تحت رماد النسيان، لا أن تُبعث عبر خبرٍ تافهٍ يتسكّع بين ألسنة الغرباء.


وها هو ذا
فقد كلّ يقينٍ كان يتشبّث به،
تحطّم الحلم، واندثر الرجاء، وسقط قُصي.


"حبيبي"
1

تسلّل صوت يزيد من خلف الباب كنسمةٍ حنونةٍ تعاند صقيع الغرفة، كانت همساته تختلط بصوت طرقٍ خفيف علي الباب.


قصي لم يتحرّك. لم يكن بوسعه الوقوف، لا جسدهُ يطاوعه ولا قلبهُ يحتمل. كلّ شيءٍ فيه كان مثقلًا.


طرق الباب مرّةً بعد مرّة، خائفًا أن يُثقل عليه، لكنّ القلق خنق صدره حين سمع ما دار داخل الغرفة، الصراخ، النهر، ثم الصمت المفاجئ
صمتٌ لم يُطمئنه، بل أفزعه.


مدّ يده إلى المقبض وحاول أن يفتحه لكنه لم يتحرّك، فقد أغلقه عميد بعنفٍ لا يُبقي للهواء مخرجًا.
1

ظلّ قصي جالسًا على السرير، عيناه ما تزالان معلقتين بالباب، لا يرى ما وراءه، لكنّه يسمع صوت يزيد




ذلك الصوت الذي ما زال يحمل صدقًا لم يختبره كثيرًا في حياته.


"لو عايز تقعد لوحدك مفيش مشكلة و****.
بس إنت كويس؟"
1

يا لرهف السؤال حين يأتي من قلبٍ صادق
ويالثِقل الجواب حين يعجز المرء حتى عن الاعتراف بأنه - ليس بخيـر-


و أيةُ حُجةٍ يُلقيها على مسامعهِ الآن؟
وبأيّ لُغةٍ سيُبرّر المأساة التي أُعيد إحياؤها من رمادها؟


أيكفي أن يقول إنه مظلوم؟ أن الزمن جارَ عليه؟ أن الألسنة التهمت براءتهُ حينًا.


أيجد في معجمهِ المُتآكل ما يُنقذ كرامته من السقوط المُدوّي أمام عيني يزيد؟


وكيف له أن يُواجِه حبيبه وهو على هذه الهيئة؟
بعينين منطفئتين، ودمعٍ خانعٍ، وصدرٍ تهالك من الصراخ الذي لم يجرؤ على إطلاقه؟
3

يزيد الذي طالما رآه مثالًا للثبات،والكبرياء الصامت.
أيُعقل أن يراه الآن شبحًا لرجلٍ تحطّم؟


وأيّ قدرٍ هذا الذي يُعيد كوابيس الماضي لتطرق بابه من جديد، وتسرق من بين ضلوعه الراحة التي بالكاد وجدها؟


أتُراه سيبقى؟


أم أن خيبةً جديدة ستُضاف إلى سجلّ خيباته الطويل


هو لا يعلم لكنه يخشى، يخشى أن يخسر الأخر ممن تبقّى له.


"إفتح ياقصي الباب معلق من برا"


والأكبر نهض أخيرًا، كمن يجرُّ جسده من تحت أنقاض الروح،مُبتلعاً غُصته الحارقة في صمتٍ ثقيل، ثم اقترب من الباب بخطواتٍ لا يسمع لها وقع، كأن الأرض نفسها تأبى أن تشهد على وهنه.


وقف هناك، خلف الخشب العازل، ولفظ كلماته بصوتٍ خفيضٍ هادئ.


"أنا كويس.بس مش قاد.ر أتكلم دلوقتي
هنتكلم بعدين"
1

كلماته كانت ناعمة
لكنها تقطر خيبة.


وبعدها بثوانٍ، تسلّل إلى أذن يزيد صوت دوران المفتاح في القفل، صوتٌ صغير في حجمه، لكنّه في قلب يزيد كان كصدى بابٍ يُغلق في وجه الأمل.


حدّق يزيد في الباب بصمتٍ مؤلم، والعتمة التي استقرّت في عينيه العسليّتين كشفت عن انطفاءٍ عميق خيبةُ فعلٍ بسيط، لكنها موجعة.


لم يكن يريد سوى البقاء بقربه.


لكنهُ إختار العُزلة.


-


ترجّل من مركبته كمن تُطارد خطواته هواجس لا تهدأ، وكان معه أودين ويوسف.




اندفع سيف نحو سكن الفتيان كالسهم، لا يلوي على شيء، وقد بدت على وجهه ملامح الفزع والقلق.
مرّ وسط الطلاب كالعاصفة، والدهشة تعلو محياهم ما الذي يجعل دكتور سيف، الرزين دومًا، يهرول بهذا الشكل المحموم؟
1

صعد الدرجات كمن يركض نحو نبوءة مشؤومة، حتى بلغ الطابق المألوف ،الطابق الذي يقطن فيه شقيقه.


وهناك
على بعد خطوات، أبصر يزيد واقفًا أمام باب الغرفة، ملامحه غائمة، مشدودة عابسه.


اقترب سيف في سرعةٍ خاطفة، ووضع كفّه على ظهر يزيد بهدوء، فانتفض الصغير في مكانه كمن انتُشل من غيبوبة - لم يشعر بقدومهم، لم يسمع وقع خطواتهم، كأنما كان محاصرًا داخل نفسه، في عزلةٍ صمّاء.


ارتبك، تطلّع إليهم
متى وصلوا؟ كيف لم ينتبه؟
كان عقله غارقًا تمامًا خلف ذاك الباب المغلق، حيث يرقد قلبه القلق على حال حبيبه.


"إيه اللِ حصل؟"


"معرفش بجد. كُنا قاعدين سوا وبعدين باباه جه فأنا خرجت وسمعت صوت زعيق جامد وانا عايز أتطمن عليه وهو - هو مش راضي يدخلني"


إنقبض فؤاد سيف كما لو أن يداً خفيّة شدّت عليه قبضة حديديّة، تسارعت أنفاسه واشتدّت وطأة القلق في صدره.


إذ لم يكن بحاجة إلى تفسير، فهو يعلم يقيناً كيف يكون والده حين يُثار هذا الموضوع تحديدًا.


ذاك الجرح الذي لم يندمل قط، والذي لطالما عاد لينهش من روح قصي كلما ظن أنه تخلّص من أنيابه.


سيف أكثر من عايش ألم أخيه، وأكثر من رأى بعينيه كيف تهاوى قصي يومًا بعد يوم، كيف انطفأت نظراته، وتوقّف صوته، وغرق في صمتٍ كثيف كالغبار لا يُنفض.
1

يعرف سيف جيداً كيف أُنهك شقيقه في تلك الحقبة جلسات العلاج، الأدوية، النوبات، والليالِ التي قضياها سويًا في العتمة دون كلمة.


فقط حضور كلبه موسكو وصمته المتبادل معه كانا كل ما تبقّى من حياةٍ يشعر بها قصي.


كان قصي، في عزّ انهياره، لا يأنس لصوتٍ ولا يفتح قلبه لأحد
إلا سيف.


"قُصي "


"سيف أنا مش كسم عيل.قولت هخرج كمان شوية"
صرخ وقد اغتالت الكلمات ما تبقّى من سكينته.


مدّ أودين يده إلى سيف في تؤدة، ثم جذبها بلطف نحوه "سيبهُ براحته"


وفي تلك اللحظة.
كان يزيد وحده المُعلق بين فوضى الداخل وصقيع الخارج، مشدوهًا كأنَّما فقد الاتزان.




منذ برهة، كان قلبه ساكنًا بين ضلوع قُصي، ينهل من دفئه.


لكن الآن، بابٌ مُوصَد، وقلبٌ مُغلق، وصمتٌ يُنذر بما لا يُقال.


يزيد لم يكن يفهم بعد.
أيُّ كلماتٍ نَزفها والد قُصي حتى أطفأ وهج روحه
بتلك الطريقة ؟


رمقَ يزيدُ سيف بنظرةٍ مُرتابة حين زفر الأخير أنفاسًا ثقيلة، ثم انسلّ بهدوء نحو الأرائك المصطفّة في منتصف الممر.


جميع المارّين من الطلّاب كانوا يرمقونهم بنظراتٍ متوجّسة، مُتسائلة، كأنما ارتكبوا جرمًا، أو تلبّسوا بإثمٍ علنيٍّ عظيم.


لحقه أودين فجلس إلى جواره، تتكئ ملامحه على القلق المتكتم، بينما بقي يوسف واقفًا إلى جانب يزيد، متشبثًا بهاتفه، يغوص في شاشته بتركيز تام.


ثم ارتسمت على وجه يزيد نظرة ارتيابٍ حادّة، حاجباه انعقدا بقوة، ونظراته انغرست في شاشة هاتف يوسف..


حيث كانت صورة قُصي واضحة، مُضيئة، كما لو أنها ترفض أن تُطمس في زحام الصور.


"إيه دا !!"


ثم انتزع الهاتف من يد يوسف بسرعةٍ غريزية، وكأن قلبه أنذره بما لا يُطمئن.


لكن المفاجأة كانت أفظع مما توهّم.


لم تكن صورةً شخصية،ولم تكن ذاكرةً محفوظة في معرض الصور؛ بل كانت منشورة في صدر الصفحة الرسمية لأضخم منصة إخبارية في مصر.


صفحة تُقرأ فيها الأسماء كأنها تُساق إلى الذبح، وتُستخرج فيها الفضائح من جوف النسيان.


حاول يوسف استرجاع هاتفه، مدّ يده بحركة فورية، لكن يزيد قد أعطاه ظهره، عازلاً نفسه عن الجميع، وعيناه تسكبان الذعر فوق الكلمات التي تزلزلت أمامه


السنوات تتوالى..وقضية نجل النائب عميد الرواي لا تزال مفتوحة


لا تزال قضية الرأي العام الخاصة بنجل النائب عميد الرواي، المدعو قُصي عميد الرواي، تثير الجدل وتتصدر العناوين، في ظل عدم إغلاق ملف جريمة القتل المتهم فيها حتى اليوم. ورغم مرور السنوات، لم تُصدر الأحكام النهائية بعد، ما يُبقي التساؤلات مطروحة حول مسار العدالة في هذه القضية التي شغلت الرأي العام منذ بدايتها.

4

ضغط بإبهامه المرتجف على خانة التعليقات كمن ينتظر أن يُرفع عنه كابوسٌ ثقيل،أن يقرأ سُخريةً ما تُكذّب العاصفة،أو تعليقًا ساخرًا يُبشّره بأن ما يراه ليس إلا مقلبًا دنيئًا من مقالب الإنترنت السخيفة




لكنّ ما استقبله لم يكن سوى جحيمٍ من الكراهية المقطّرة.


- هو دا الجيل الجديد؟ جيل الانهزام الأخلاقي والجرائم المُقنّعة -
1

-كان يستحق الإعدام من أول محاكمة، لكن بما إنه ابن نائب، محدش يقدر يلمسه -


- لو كان من عامة الشعب، كان اتعلّق من رقبته في الميدان -


وكانت التعليقات تتزايد، تنهش باسم قصي دون هوادة، كأنهم يستبيحون روحه في مشهدٍ جماعي من الشنق المعنوي.


توقّف قلب يزيد للحظة، أو ظنّه توقّف، إذ خفتت الأصوات في أذنه، وتسارعت نبضاته بطريقةٍ مرعبة، كأن العالم كله ينكمش أمامه.


قصي؟!


قصي الذي كان منذ لحظات مُتمدّدًا على صدره، يضحك كطفلٍ هارب من كوابيس الحياة، يهمس له بكلماتٍ لا يقولها إلا العشّاق.
2

قصي الذي كان يطعمه من يده، ويسأله إن كان يشعر بالبرد، ويخاف عليه من تيارات الهواء كما تخاف الأمهات على رُضّعهن.


قصي قاتل؟!


أيعقل أن يكون حبيبهُ، الحاني، المتعب، الذي يقاتل ظلهُ كل مساء.
قد امتدّت يده على نفسٍ بريئة وسلبها الحياة ؟
2

"ه.هو إيه داا !؟"


همس يزيد بصوتٍ متهدّج، بالكاد يُسمَع، وهو يوجّه كلماته إلى يوسف.


لكنّ يوسف لم يُجِب، بل التفت إليه بنظرةٍ غائرة، عابسة.


أدار يزيد وجهه ببطء نحو سيف، فوجده يتحدث مع أودين بصوتٍ خفيض، وأعينهم مطفأة، مشبعة بالحسرة، لا حاجة لمزيد من الكلمات.


في تلك اللحظة
أدرك.


أدرك كل شيء دفعةً واحدة، كأن الستار الذي كان يحجب عنه الحقيقة انزاح بعنفٍ أمام عينيه


أدرك لماذا كان قصي دومًا مُرتجفًا في نومه، يصرخ داخل كوابيسه كمن يهرب من أشباحٍ لا تُرى.


فهم لماذا كان حين يُحدّثه عن الماضي، تختنق نبرته وتختبئ الكلمات خلف جُدرانٍ من الصمت.


فهم الآن مغزى عباراته المبعثرة دائمًا
"كنت في فترة ما مش كويس."
"متزعلش مني ف أي حاجه."
"خلي بالك من نفسك دايمًا"
4

لم تكن مجرد كلماتٍ تخرج من فم عاشقٍ قَلِق.
كانت صيحات استغاثة مكتومة، نداءات يائسة من قلبٍ مثقوب، لا يجد ملاذًا سوى حضن يزيد.




ازدرد ريقه، كأن في حلقه غُصةً من نار، واهتز قلبه من شدّة الخوف.


خوفٌ ليس على نفسه، بل عليه.
على قصي.


أراد في تلك اللحظة أن يلغي المسافات، أن يفتح الباب عنوةً، أن يحطّم الجدران، أن يعود إلى ذلك الحضن الذي كان مُلكه منذ لحظات.
13

أراد فقط أن يبكي في حضنه.
1

-


كان واقفًا في المطبخ الرحب الخاص بقاعة الطعام، ملاصقًا للطاهي العجوز، وسكينهُ تُمزّق حبّات البصل برتابةٍ مُنهكة.


عَيْناه تدمعان بلا انقطاع، وجفناهُ متورمان، وأنفه محمرّة كمن أصابه بردٌ في أعماق الروح لا الجسد.
خدّاهُ تورّدا، لا من حرارة الموقد، بل من أثر البكاء المستتر خلف قناع البصل.


كان وجهه لوحةً من الحزن المتنكّر، ودموعه تنهمر بانضباطٍ مُخادع، كأنها نتاج البصل، لا الألم.


ولم يجرؤ أحدٌ على سؤاله عن حاله، فالحجّة حاضرة - البصل يؤذي العيون-
2

وحين فرغ من تقطيع البصل، انتقل بهدوءٍ إلى الزيت، ألقى به في المقلاة حتى اصطبغ باللون الذهبيّ، ثم انتشلهُ من اللهيب.


كان قد جاء إلى عمله قبل الموعد بساعات، لا حبًا في الطبخ، بل هروبًا من الغرفة التي لو عاد إليها، لأغرق وسادته بدموع لا قرار لها.


هو يعلم..إن عاد إلى سريره، سينهار، وستتفجر تلك الدموع المعلّقة عند أطراف الصبر.


دخل إلى المغسلة، يداه مرتعشتان، وغسل وجهه مرارًا.


لكن الدموع أبت أن تُفارق، كأنها تستوطن المقلتين عنوةً.


"يزيد ممكن تقف برا ثواني علي ما أدخل الحمام؟"


استأذنه الرجل بكلمةٍ مقتضبة، فأومأ يزيد برأسه في هدوءٍ متروٍّ، بينما كانت يداه تجفّفان بلطفٍ آثار الماء على المئزر الأبيض الذي يكسو قامته.


خطا خارج المطبخ بخطًى رزينة، ليجد نفسه أمام الطاولة الكبيرة التي يصطف حولها الطلاب يطلبون وجبة غدائهم.


وقف يزيد في مكانه، كتفاه متهدّلتان قليلاً، وناظراه لا تركّزان في شيءٍ بعينه، ثم زفر بهدوءٍ خافت.


"عايز ستيك وسلطه"
جاءه الصوت منخفضًا.


لم يرفع يزيد بصره.
ناول الصحن كأنما بعادة ميكانيكية، وضع فيه قطعة لحمٍ مشوية وبعضًا من المعكرونة الحمراء، ثم قدّمه بصمت إلى القادم.




رفع الفتى حاجبًا باستغراب، تطلّع إلى يزيد الذي بادله النظرة برفع حاجبيه، كأن لسان حاله يسأل بفتور - لسه واقف ليه ؟-


"ستيك وسلطه"


رمش يزيد سريعًا، ثم همس معتذرًا
"أه أسف"


أومأ الشاب ببسمةٍ هادئةٍ خفيفة، ثم التفت يزيد يعدّ له الطبق كما ينبغي.


لقد وضع له المعكرونة من قبل دون أن يعي
كانت يداه تعملان، لكن ذهنه كان عالقًا في موضعٍ آخر، أبعد من ضجيج الكافتيريا وزحام الأطباق.


"بِتدرس إيه ؟"
2

سألهُ الفتى بفضول عابر ،ولم يكن الأصغر قد همّ بالإجابه بعد ؛حتي إخترق صوتهُ صوت جهوري من خلفه.


"هتطلّعله كارنيه؟"


كان كريم، بابتسامته المعتادة، يضع ذراعه حول الفتى كإحتضان جانبي لينفيِ الشاب أخذاً طبقه ومضى بهدوء.


زفر يزيد بصمت، بينما عينيه تعلقتا بكريم، الذي وقف إلى جواره حذيفة، كأنّ حضورهما جزءٌ من إيقاع يومه المعتاد.


ثم
التفت إلى الباب لا إراديًا.
لم يكن يحتاج إلى تبرير نظراته، فالقلوب تعرف وجهتها.
ذلك لأنهم -هم الثلاثة - كانوا دومًا يأتون معًا، كريم، حذيفة وقصي.


قصي الذي لم يطلّ بعد.


"بطل بلطجه علي الخَلق"


"طب غيٌر هدومك أنا إستأذنت من الشيف"


"هاجي لما أخلص شغل"


قال بنبرةٍ متماسكة وإن اختلجت فيها نُذُر الغليان، وهو يُعيد الأطباق إلى مواضعها على المِسطبة النحاسية، دون أن يمنح كريم أو حذيفة نظرةٍ واحدة


"يزيد إنت عارف إن قُصى عمره ما يعمل كدا،
المفروض أساساً إنت الوحيد اللِ محدش يبرر ليه
لأنك - بتحبه ؟"
6

كان صوت حذيفة يخرج سريعًا،ونظراتهُ مُثبتة على يزيد الذي ظلّ جامدًا.


"تيجي تحط نفسك مكاني ونشوف هتتصرف إزاي ياأستاذ حذيفه؟"
7

ارتفع صوت الأصغر مُشيراً علي نفسه، ووجهه مُحمر من أثر البكاء.


اقترب كريم بخطى هادئة، يمد يده ويربت على ظهر يزيد بلطف، يحاول أن يخفف من ثقل اللحظة ويزرع بذرة سكينة في قلبه المضطرب.


"أصل أحا يعني لو كان حُبك ليه منظره يبقا بناقص
وبلاها منيكه"
8

ارتفع صوت حُذيفة بغتةً، متشحًا بالغضب، وقد تَعرّت عروقُ وجهه من شدة الانفعال، حتى إنّ بعض الطلّاب الذين مرّوا توقفوا بدهشة، يتطلّعون إلى المشهد.


اتسعت حدقتا كريم من وقع فظاظة حذيفة وتجاوزِه في الحديث مع يزيد، فتقدّم إليه بخطى سريعة، ثمّ براحتيه المفتوحتين دفع صدره بقوةِ إلي الخلف


"هنخيب ولا إيه؟"


"كسمك لكسمه"


صاح حذيفة بحدّةٍ وقد نفد صبره، مشيرًا بكفّه نحو كريم، ثم نحو يزيد الذي انهمرت دموعه بصمتٍ فوق وجنتيه، إذ لم يكن فيه بقيةُ طاقةٍ تُعينه على الاحتمال، فجاء حذيفة يصبُّ عليه صراخه كالسياط.
1

غير أن المفاجأة صفعته، حين باغت كريم حذيفه بلطمةٍ غليظةٍ استقرّت على وجهه، فارتدّ رأسه في عنفٍ.


لم يسعَ لفضّ النزاع، لم يتوسّط بين الغاضبَين، بل خلع مئزره في هدوءٍ ثقيل، وخرج من القاعة كلها بخطى مضطربة، كأنّه يطارد انهيارًا يتربّص في صدره، يقاتل دمعةً متعجلةً تأبى أن تظلّ حبيسةَ المآقي.


وقـد أَخذتنيِ العِزة بالٱثم
حتى ظننتُ إن الوهم حقيقةً لا تنتهي.


وقـد أَخذتنيِ العِزة بالٱثم حتى ظننتُ إن الوهم حقيقةً لا تنتهي


"نِـسكس ؟"


همس أودين بصوتٍ خفيضٍ بالكاد يُلتقط، ولا تزال عيناه تنوء بثقل النعاس، تتفتّح على مهلٍ كمن يستقبل العالم مجدّدًا بعد غياب.
4

إلى جواره، كان سيف جالسًا في سكونٍ مُستغرق، عار الصدر، يستند بظهره إلى حافة السرير، وقد استيقظ قبله ببرهة، لكنه آثر ألّا يوقظه.


"الناس بتقول صباح الخير"
2

ابتسم أودين وهو يتثاءب في دعة، واضعًا كفّه على فاهه في حركةٍ نصف نائمة، ثم تمتم بصوتٍ كسول


"أصل إنت بقالك يومين سِتريسد كدا ومش عاجبني" ثُم إعتدل في جلستهِ ليُحاذي مجلس سيف مُكملاً.


"وأقول الواد هيجيلي مش بيجي! لا تكون بتمارس الرذيله برا"
2

"إتنيل أنا عارف أمارسها جوا لما أمارسها برا"
2

قهقه الأصغر في مرحٍ خافت، ثم اقترب من سيف وجثا فوق معدته بقصدٍ ظاهر، مستخدمًا ثقل جسده عن عمدِ.


"يا بغل!"


"أنا بغل!!"


"بغلين مش واحد"


"وأنا كمان بحبك.قولي بقا"


همهم سيف بإعتيادية، ثم أسند كفّه على فخذ أودين في سكونٍ مريح، وراح يُمرّر إبهامه على سطحه في حركاتٍ وئيدة.
1

"مين يوسف دا؟"


"الثيرابست بتاع قُصى"


ضاق أودين بعينيه في دلالةٍ صامتة بمعني - لا أُصدقك-


غير أنه لم ينطق بحرف. لكنه وعلى غير توقّع، انتفض من موضعه دفعةً واحدة،إثر وخزةٍ باغتته من يدِ سيف التي قرصت حلمته بقوةِ.
2

"الغُشم اللِ فيك دا"


انكمش أودين قليلًا وهو يُزيح طرف ثوبه في عُجالة،ثم رفع كفَّه ليتلمّس حلمته وقد ارتسم على محيّاه عبوسٌ خفيف


فجلدهُ، بطبيعته، مرهف الإحساس، لا سيّما في تلك البقعة تحديدًا، وسيف يعلم ذلك تمام العلم.
1

"أصالحها؟"


همس سيف فيما كانت عيناه تُحدّقان بثباتٍ نحو الصدر العاري المنتصب قبالته.



قد يعجبك أيضاً​

قبلة وردية بقلم jilaneDeniz
قبلة وردية
39.8K990
_______حصريـــــاً على مختلف اللهجات الأصلي________ 🚫لا أحلل النشر نهااااااااااائياً🚫 قُــــــــــــــبلَة وَرديــــــــــــــــة...

في قبضه مُجرم بقلم user917219489247
في قبضه مُجرم
48.1K806
اول روايه حقيقيه وذا انشهرت انزل قصه حقيقيه ثانيه.... الاسم ال مهره:

 #في_قبضه_فهد✊️🐆 بقلم HalaZein1
#في_قبضه_فهد✊️🐆
48.7K2.1K
بت العماريه 👱‍♀️، بيت أبوها إهنه يبقي مكانها إهنه بينا وهتتجوز ولدك غصب عنيها ودخلتها هتكون بلدي علشان النجع كلياته يشهد علي طهارتها ويتخرسوا ويحطوا لسانتهم جوا خشمهم...

أيقونة المستحيل  بقلم marisol_333
أيقونة المستحيل
15.2K1.8K
" هي فتاة عربية ***** تعمل مترجمة " " و هو قاتل ***** بريطاني يُكلّف بقتلها لكنه.... يقع في شباك حبها و يصير حارسها بدل قاتلها .

غريبٌ يشبهني  بقلم G___09
غريبٌ يشبهني
16.3K1.1K
القصة بالعامية السعودية لايوجد رومنسية ولا علاقات محرمة الرواية برومانس

أجبرته على حُبي  بقلم Koka514
أجبرته على حُبي
11.1K366
بنت حبت ولد خالتها أجبرته على حبها بطريقتها

بدله رسميه وجثه مشاعر (٢٥ بارت) بقلم user584972134905
بدله رسميه وجثه مشاعر (٢٥ بارت)
27.5K726
بنت تبلع من العمر ١٤ سنه جانت عائشه حيا عاديه مثل أي بنت وفجئة صارت مشاكل عائليه وطلبو دو نوب تفاهم وقبلو بالفصليه لان البطله ما قبلت ينكتل شخص من أهلها و ...... والبطل...



ولم يلبث أودين أن استجاب بإيماءةٍ وئيدة يُقرب صدره من الأكبر بدلال واضح.
2

انحنى سيف قليلًا، بانسيابٍ مُتأنٍّ، حتى لامس وجهه صدر الأصغر، ثم أطبق شفتيه عليها بتؤدة، يودع حلمته قُبَلًا وادعة.


وما لبث أن أرسل لسانه يلامسها في حركاتٍ وئيدة، يلعقها بلذّةٍ خفيّة،فينشر دفء لعابه على سطحها وما كان من أودين سوىٰ الإحكام علي خصلات سيف بقوةِ جراء تلك الأحاسيس الحلوه.


كانت بِضع ثواني لاهثةِ


حتى صدح جرس الباب في أرجاء الشقّة، دافِعًا بالسكون إلى التلاشي، فتنفّس أودين بضيقٍ جلي، وأطلق تأفّفًا مكتومًا.
2

"كسمك ياللِ علي الباب"
1

"دا كسم لبونتك دي"


قهقه سيف ضاحكًا وهو يُدخل رأسه في قميصه القطني، ثم بسط كفّه وصفع فخذ أودين برفق قبل أن يتوجّه نحو باب الغرفة ليُلبي النداء، وقد تبخّرت من وجهه ملامح العبث.


وما إن غاب خلف العتبة، حتى دوّى صوت أودين من أعماق الغرفة "تصدق إني غلطان!"


فتح سيف الباب وابتسامته لا تزال ترتسم على ملامحه، لكنّها ما لبثت أن تلاشت كظلٍّ تحت ضوء الفجر، إذ ارتسمت الجديّة على وجهه، واعتدل في وقفته على نحوٍ عفويّ، حينما أبصر والدَه قبالته.
3

"إتفضل"


"عامل إيه؟"
سأل والدهُ بصوتٍ خفيضٍ وهو يتقدّم بخطًى واثقة إلى داخل الشقّة
2

"بخير الحمد***"


تنفّس سيف بعمق، كأنّ في صدره شيئًا أثقل من الهواء، ثم جلس أمام والده على الأريكة المقابلة، يستوي في جلسته، منتظرًا ومترقّبًا الكلمة الأولى.


"أنا هسفّر قصي"
6

حدّق سيف في والده بنظرةٍ هادئة لم تهتزّ فيها ذرة استغراب. كأنّه قد توقّع الأمر مسبقًا، أو لعله قد استشعره من قبل أن يُقال.


كان يعلم، أو بالأحرى يوقن، أنّ والده سيأتي ليُلقي عليه الخبرأن قصيّ سيرحل.
أن يُبعَد من جديد.


بذريعة إغلاق تلك الفوّهات القديمة التي انفجرت فجأة، ونفثت رمادًا كان الجميع يتظاهر أنّه مات.


"بُص ياوالدي أياً يكن مين الل شيّر القضيه والحُكم بتاعها تاني فهو متأكد مليون في الميه إن المحكمه هترجع تكرر الحوار ومش بعيد نلاقي حد بيخبط علينا عشان نروح المحكمه وبالأخص إنها قضية رأي عام،فأنت هتسفرهُ دلوقتي؟ كدا بتلبسه القضيه وبتقول إن هو فعلاً اللِ قَتل فعشان كدا بتهربه"




اجتهد سيف، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، أن يُبقي نبرته هادئة، كلماته موزونة، وأن يُحسن سبك عباراته ليُدركها والده بلا تأويل أو غموض.


"أنا تعبت ياسيف"
7

همس عميد بصوتٍ خفيضٍ مُتكسّر،وقد أسند مرفقيه إلى فخذيه، وأسقط رأسه بين كفّيه، كأنّه يحمل أثقالًا لا يُطيقها الكاهل.


"كل حاجه هتبقىٰ بخير إن شاء ****"


أدار سيف عينيه نحو والده، وفي نظراته بقايا رجاءٍ يُخفيها بصمتٍ مصقول، وكأنه يُجاهد ليبدو مطمئنًا،


رغم أن الفزع الحقيقي كان يسكن في صدره هو. حاول أن يُبدي تماسكًا، لا ليهدئ والده فحسب، بل ليقنع ذاته التي تتآكلها المخاوف ألا يعود قصي خلف القضبان مجددًا.
2

سيف لا يقوى أن يُبصره منكسَرًا مرةً أخرى، لا يقوى أن يُعيد اجترار وجعه القديم في مشهدٍ مكرورٍ بارد.


ومع ذلك، كان في سكينته المؤقتة شيء من السند؛ لأن أودين هنا.


ذاك الفتى النابغ في عملهِ كـمُحامي،الصارم في منطقه، الذي لم يُعرف له عثرةٌ في مضمار العدالة.
1

وثق فيه سيف، وثق أنه وحده القادر على فكّ اشتباك هذا المصير المعقود بعنق قصي، وأنه سيقتلع اسمه من بين دفاتر الإتهام، ويُعيد إليه حريّته مُعافاة.


"هو مش عارف إنيِ خايف عليه"
4

"طبيعي.ما أنت كل يومين كاسرلهُ حاجه شكل"


"عايزهُ يخاف"


وهنا،
انعقد جبينُ سيف في تقطيبةٍ عميقة، وتقلصت ملامحه بانقباضٍ ظاهر مُعتدلاً في مجلسهِ


"يخاف من إيه؟ منك؟"


"يخاف من كل حاجه ويعملها ألف حساب. إنت مش شايف خِلقته عامله إزاي ولا الخرا اللِ علي جسمه دا"


ارتفع صوتُ عميدٍ بغتة، جهورًا غاضبًا،وقد لوّح بكفّه في الهواء بعصبية،واكتسى وجهه بحمرةٍ قانيةٍ من شدّة الانفعال.


كان الصوت نافذًا،حتى أن الباب المجاور انفتح على عجل،وظهر أودين واقفًا هناك، وقد خرج من الغرفة الأخرى، بوجهٍ تعلوه الدهشة والانتباه، كأن الصراخ قد جذبه من خيط نومٍ متقطع.


"تِحب أفكرك هو ليه عامل الخرا اللِ علي جسمه دا؟"
انفجر كمن تراكمت في صدره السنون.
4

سيف لا ينسى.
كيف لرجلٍ مثله أن ينسى أن أباه، بكل قسوته الصامتة، هو من شوّه روح قصي قبل أن يخرّب جلده؟ كيف يُمحى من ذاكرته أن من كان ذات يومٍ طفلاً مهووسًا بالتعقيم والتطهير، انتهى به المطاف يغرز الإبر في لحمه، يرسم الوشوم فوق جلده ليمحى أثار عُنف.
3



لم يكن الأمر زينة، لم تكن تلك الأوشام زخرُفًا، بل كانت آثارًا دامغة، ندوبًا حبريةً ناطقة، كلّ واحدةٍ منها تصرخ باسم أبيه.


"إبني وبَربيـه!"
5

اتسعت حدقتا الأكبر فجأة، كأن وقع الكلمة التي تفوّه بها والده كان كفيلًا بإشعال فتيلٍ عتيق تحت جلده، فتفجّرت فيه انفعالاته دفعةً واحدة.


نهض عن الأريكة كمن انتفض عليه الجمر، وقام بحركةٍ خاطفة، تكاد تقول إن الأرض لفظته من فرط الغضب.


لكن في لحظةٍ فارقة، تحرّك أودين.
فانزلق بخفةٍ واقترب من الاثنين ليقف بين الجبهتين، جسده ثابت لكن أنفاسه متوترة، يده ممدودة بشكل غريزي نحو سيف.


"سيف!"
همس بصوتٍ منخفضٍ، مُهذب الحواف، رجاءٌ مضمور في نبرته.


لكن سيف لم يُجبه.
بل رفع عينيه نحو أبيه مباشرة،وصوته جاء نافرًا مرتفعًا


"بأمانة **** أنا عمري ماهفهمك إنـت.."


ثم سكت.


لا ضعفًا، بل لأن الكلمات اختنقت من شدتها، كأنها تضاربت في صدره وتزاحمت على شفتيه.


كل شيء فيه كان ينطق.
جسده، عيناه، وقفته.
كأن صراخه لم يكن بحاجة إلى كلمات.


"شكراً يادكتور علي الضيافه"
1

إعتدل عميد في وقفته كأن شيئًا لم يكن،
كأن حنجرته لم تهتز منذ لحظات بالغضب.
كأنما لم يصرخ.
وكأنما لم يتصادم بعيني ابنه المتقدتين.


سحب أنفاسه بثقل، ثم التفت نحو الباب وخرج بخطى ثابتة، هادئة، لا تدل على عاصفةٍ كانت تزمجر في صدره للتو.


فَـ هدوء خطواته لم يكن انسحابًا بقدر ما كان اعترافًا ضمنيًّا أن لا شيء في قلبه يمكن إصلاحه بعد الآن، ولا في علاقتهم الثلاثية المعطوبة ما يستحق أن يُدارى بالكلام.


هو كان يعلم.
منذ أن خرج من بيته، كان يعرف أن سيف - الذي نادرًا ما يُستثار - سيغضب، سيشتعل، وسيصرخ.
لكنّه جاء رغم علمه، وجاء ليقول ما يعرف أنه سيجرح.


هو فقط أراد أن يلفظ ما في صدره ثم يمضي
كما اعتاد أن يفعل.
أن يُلقي الأحمال على من حوله ثم يغادر، كأنها ليست تخصّه.


وعلاقته بولديه الاثنين؟
مجرد أنقاض.
ركام من محاولات متأخرة، وكلمات خاطئة، وصمتٍ طويل لم يكن في صالح أي أحد.


عميد لم يكن أبًا سيئًا في المطلق. لكنه لم يكن جيدًا بما يكفي أيضًا.
ولذلك
لم يبقَ له سوى هذا المشي الثقيل نحو الباب، وهذا الخروج البارد من قلبٍ لم يعد يسعه.
3



تحرّك سيف بخطًى بطيئة، خافتة، تقودها نار مكتومة، ولج المطبخ في صمتٍ تام فاتحاً باب الثلّاجة، وسحب زجاجة الماء الزجاجية.


في إثره، تبعه أودين بخطوات حذرة، عيناه تتوهج فيهما ملامح القلق ،يرقب ظهر سيف بهدوء.


لكن سيف لم يشرب.
لم يُمهل الزجاجة لحظة واحدة قرب فمه.


يده قبضت على عنقها بشدّة، ثم فجأة، انطلقت من بين أصابعه كطلقةٍ مكبوتة، وارتطمت بالحائط بأقصى ما فيه من غضبٍ مكظوم.


تحطّمت الزجاجة إلى أشلاء، وتطاير الزجاج في كل اتجاه، مُعلنًا الانفجار الذي لم يستطع سيف أن يعبّر عنه بالكلمات.


"خليك برا عشان متتعورش"
أردف بهدوء يُنافي فِعلهُ.


ثم جال بعينيه في أرجاء المطبخ فتوقّفت نظراته عند المجرفة اليدوية الصغيرة الراكنة إلى جوار الحائط.


تقدّم نحوها بخطى وئيدة، ثم انحنى في صمتٍ ثقيل يقترب من الزجاج المتناثر، ومدّ يده وراح يلتقط القطع واحدة تلو الأخرى ،رفع المجرفة حين امتلأت مُتجهاً بها نحو سلّة المهملات، وأفرغها دون أن ينبس بكلمة.


أما أودين، فظلّ واقفًا في موضعه، متخشّب الملامح، عاجزًا عن الاقتراب،عيناه تتقلّبان بين كفيّ سيف المُخدّشتين وبين ملامحه الهادئه.


-


كان يسير في الممر بخطى منهكة، خارجًا للتو من قاعة الامتحان، يجرّ وراءه إرهاق الساعات الماضية كظلّ ثقيل لا يفارقه، أطبق راحة يده على رأسه يدعك فروة شعره بتوتر، وكأن في ذلك ما يُسكّن الارتجاج الذهني الذي خلّفته الأسئلة المعقّدة.


رفع رأسه سريعًا، خشية أن يصطدم بمن أمامه، لتقع عيناه على هيئةٍ فارعة الطول، ذات بُنية عريضة تقف مقابله من طرف الممر الآخر.


توقّف لحظة، يرمش مرتين في صمتٍ جاف، قبل أن تنفلت منه تنهيدة جديدة - لكنها لم تكن هذه المرة من التعب، بل من ضيقٍ مكتوم.


لقد كان مروان. المُحاضر الجديد.


ذاك الذي سبه في أول مقابلة له.


ماريوس لم يُحرّك ساكنًا، فقط وقف هناك للحظة، كتفه مثقل، وعيناه نصف مطفأتين.


تقدّم مروان بخطوات واثقة نحو الطرف الآخر من الممر، بينما ظلّ ماريوس واقفًا في مكانه، يتنفس بعمقٍ كأنّه يُقاوم زوبعةً داخلية تعصف بصدره.


تنهّد للمرة الثالثة، ببطءٍ أكثر ثقلاً من سابقاتها، وكأن زفيره محاولة خجولة للتخلص من تلك الطبقات المتراكمة من التوتر والانفعال.




كان قد عقد مع نفسه عهدًا في صمت، عهدًا لا يعلم به أحد. لا يوسف، ولا حتّى أقرب الناس إليه.


قرر أن يُعيد تشكيل ذاته. أن يُصبح النسخة الأسمى، الأهدأ، والأصفى من نفسه. أن يُصلح ما كسرته السنين وما شوّهته الانفعالات.
1

أن يُنقّي غضبه، يروّض حدّته، ويجعل من ذاته إنعكاسًا لما تمنى دومًا أن يكون.


لم يُفصح عن ذلك ليوسف، لم يخبره بنيّته ولا نطق بالوعد.


هو فقط اختار أن يكون فعله دليله، وسكونه رسالته، علّ يوسف يرى التغيير في صمته قبل أن يسمعه في كلماته.


"أ.نا أسف"
خرجت من فم ماريوس بهدوء لم يعهده على نفسه من قبل.
2

وفعلت ما لم يتوقّعه أحد لا ماريوس نفسه، ولا حتى مروان،كلاهما تفاجئ.


ماريوس ظل واقفًا، لم يتحرّك، لم يُبعد عينيه عن الدكتور مروان. كانت المرة الأولى التي يُلقي فيها باعتذاره دون قناع، دون سخرية، دون تحدٍّ.


"ماشي"


"ماشي؟؟"


نظر له مروان بتعجّب من ذاك الفتى الذي يقف قِبالتهُ.


"عايزني أعمل إيه مش فاهم يعني؟"


"متعملش! بس أنا إتأسفتلك قولي شكراً"


"أه.يعني إنت عايزني أقولك شكراً عشان إعتذرتلي لأنك سبتلي ملة ودين الأسبوع الل فات؟"


أومئ ماريوس بإبتسامةِ واسعه ملئ فمه.


"دِيانة أمك إيه؟"


"أويلي عليك جيسوس"
11

تعجّب مروان بشدة من كلمات ماريوس، فَـما قاله لم يكن سوى صوت مشهور يتداوله الجميع علي مواقع التواصل الإجتماعي.


وفجأة، انفرج وجه مروان بضحكة قوية،خرجت منه دون مقاومة، ليشاركه ماريوس الضحك بدوره، وقد بدا عليه الارتياح أخيرًا.


"مُلحد ياض؟"


"أهو كُلنا داخلين النار"
1

أبعدهُ مروان عنهُ بنظرة مُتقززةِ مازحه إرتسمت على وجههِ وقد سار نحو مكتبهِ ليتبعهُ الأخر بكل عشوائيةِ.


أزاح مروان معطفه الطويل عن كتفيه بحركة هادئة، ثم وضعه بعناية على ظهر الكرسي، دون أن ينظر إلى الخلف، مدركًا تمامًا أن هناك من يراقبه بصمت.




ماريوس، الذي كان قد أسند ظهره إلى الحائط، تابع المشهد بعينين مشدوهتين،كان على وشك أن يتكلم، أن يرمي بتعليقٍ مازح لولا السؤال الذي خرج من مروان بصوتٍ منخفض.


"إنت بقا ودكتور يوسف صُحاب ولا في صلة قرابه؟"


"مِن دا علي دا"


همهم مروان بنبرةٍ هادئة بالكاد تُسمع، و أصابعه المرتبة بدأت تُقلّب بين الأوراق التي استخرجها من درج مكتبه،يُمعن النظر فيها بصمتٍ ثقيل.


"بس إنت الواحد ميحسكش دكتور"


رفع مروان بصره عن الأوراق، حاجباه ارتفعا قليلاً ونظراته توجهت صوب ماريوس الذي تابع


"الڤايب بتاعتك ظابط،بيزنس مان وإلخ"


ارتفعت حاجبا مروان أكثر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة خالصة ،فَـتلك الكلمة التي نطق بها ماريوس - إلخ -كانت كفيلة بإخراجه من جديته المعتادة، بل وكأنها صفعة لغوية فهي لا تُستخدم في الأحاديث حتى.


" كسم اللِ ربط الحمار وسابك"


"إِديِ يامارو يـجامد"
1

صفق ماريوس بكلتا يديه صفقة قوية أفزعت السكون الخفيف الذي كان يخيّم على الغرفة، ثم مال بجسده للأمام قليلًا وهو ينطق بصوت جهوري ولهجة -سرسجية- بحتة.


"إمشى إطلع برا"


مدّ مروان يده بلا تفكير، وأمسك بالكوب البلاستيكي الفارغ الذي كان على طرف المكتب، ثم ألقاه في اتجاه ماريوس بحركة سريعة لكن الآخر تفاداه.


خطا نحو الباب بخطى رشيقة، وما إن تجاوز العتبة حتى أوصد الباب خلفه بارتجالٍ سريع، انبعثت من بين ضلوعه ضحكةٌ مكتومة، حاول جاهداً أن يخفيها لكن رنينها تسلل من خلف الباب.


-


"ياحبيبي غلط تاخد زفت علاج بـلبن!!"


انفجر صوت يزيد في الغرفة فيما كانت يداه تشير بعنف نحو كبسولة الفيتامينات الملقاة على الطاولة، ثم نحو كوب الحليب الذي احتضنه مالك بكسلٍ فاضح.


إذ بدا مالك وكأن أدنى مجهودٍ بدني يُثقل كاهله، حتى أن جلب كوب ماء يبتلع به دوائه بات عبئًا فوق طاقته فاختار الحليب بصفته الأقرب.


"واد ولا بنت؟"
سأل مالك وهو يأخذ رشفة من حليبه البارد.
1

"هو إيه؟"
نظر له وهو يرفع نظارتهُ الخاصة بالدراسه للأعلىٰ.




"يعني تحسُباً لو حامل.أصلك بقالك يومين مِهرمن وماشي تصوت في خلق ****"


"تِعرف إن الكلام معاك غير مُجدٌي بـِنكله!"


ثم هبطت نظرة يزيد نحو دفاتره بتعبيرات وجه مُتجهمة، مُمسكاً قلمه بإحكام، ثم راح يخطّ تحت الكلمات الهامة بخطوطٍ ثقيلة وقاطعة، كأنّه يحفرها لا يكتبها.


"مين أحلىٰ أنا ولا هو؟"


"هو مين؟"


"أنا ولا مَجدي"
2

"كسمك عارف كسمك"
صاح الأصغر بنفاذِ صبر تام وهو يُلقي القلم من يدهِ
ليرتطم بكتف مالك الذي أطلق صرخة أنثوية عاليه ومبالغ فيها أراد بها إضحاك يزيد عمداً.
1

ثم تنهد يزيد تنهيدة ثقيلة وهو يربت بخفة على فخذه، نداء صامت استجاب له نيمو سريعًا، قطه الأبيض ذو الفراء الناعم الذي تحرك بدلال مُترف قبل أن يستقر فوق ساقيه.


انسابت أنامل يزيد بهدوء داخل الفرو الكثيف، تمرّ عليه ببطء كأنه يبحث عن طمأنينة ما بين الشعيرات الناعمة.


لكن الهروب لم يدم طويلًا.
عاد السؤال الثقيل يطرق بابه دون رحمة، كما يفعل كل مرة.
هل حقًا قصي فعل ذلك؟
1

أراد أن يطرده من عقله، أن ينتزع هذا الشك من جذوره، لكنه لم ينجح.
كيف له أن ينسى وهو محاط بكل ما يخصه؟ حتى نيمو..


نيمو ذاته كان هدية من قصي.
نفس القط، بنفس الفراء، بنفس العيون التي أُهديت له في لحظة حب.
كيف ينسى؟
والحب نفسه، ما زال نائمًا على قدميه.


"مالك"


همهم مالك بصوت خافت بينما يرفع الكوب إلى شفتيه يمتص آخر قطرة من الحليب دفعة واحدة، ثم يضع الكوب الزجاجي جانبه بإهمال.


"هىَ القضية من إمتا؟"


"يعني حوالي ٣ سنين"


إتسعت عينا يزيد بصدمة مفاجئة،إذ أن قصي متهمًا في تلك القضية منذ أن كان في الثامنة عشرة من عمره!


كان يزيدُ علي وشك أن يُفرغ صدره بكلمةٍ تُجلي شيئًا من الغمِّ الذي انعقد في أعماقه، لولا أن صرير الباب باغته، فقطع عليه حديثه.


لم يكن بحاجةٍ إلى أن يُمعن النظر أو أن يُرهق حدسه بالتخمين؛ الأغلب أن القادم أحدُهما كريم أو حذيفة، وفي الحالتين، لا رغبة له في انخراطٍ جديد مع أيٍّ منهما.


برباطةِ جأشٍ متكلفة، تناول نظّارته الدراسية وأعادها إلى موضعها على وجهه ثم بدأ يُحدق في الأوراق المُبعثرةِ أمامهُ.




شعر بحركةٍ خفيفةٍ بجوار مالك، دلالةً على أن الداخل قد اتخذ مجلسًا قُربه، فرجّح أن يكون كريم.. غير أن ثمة أمرًا آخر قد غزا الأجواء- شيئًا أشد حضورًا من أي جسد.


رائحة.
عطرٌ بعينه.
ليس بالعطر العابر، بل هو عبيرٌ مُوغِل في ذاكرته.


حاول أن يُقنع نفسه بأنها محضُ مصادفةٍ عابرة، ربما اختلطت عليه الأمور.


غير أن النسيم العَطِر تزايد
وتعمّق
حتى بدا كأنه يُطالبه برفع رأسه، باستسلامٍ كامل للواقع.


وهكذا فعل.


رفع عينيه بثقل، كمن يُخرِج قلبه من بين أضلعه.


وها هو ذاك.
قصي.
1

واقفٌ كما اعتاد، مسندًا جسده على الحافة الخشبية للباب، بذاك الميل الطفيف الذي يُضفي عليه مسحةَ لامبالاة، وتلك الابتسامة التي لم تفارقه قط، وإن اختبأت خلف ملامحٍ ساكنة.


لكن ثمّة اختلاف.
ثمّة تغيّرٌ لا تخطئه العين.


شَعره قد زال.
حلقه كليًّا، تاركًا فروةً مصقولةً بأسلوبٍ عسكريٍّ صارم - الـBuzz Cut - كأنّه اجتثَّ كل فوضى الأيام، ونفض عنها ما علق من هزائم خفيّة.
2

"أي خدمة يعم رجعتلك الراجل بتاعك"


صاح كريم بنبرةٍ عاليةٍ كسولة نحو يزيد بينما تمدّد بأريحيةٍ مطلقة في حضن مالك الذي راح يُقبل رأسه ويُمرر أصابعه ببطء متمهل بين خصلات حبيبـه.


"إنت شطور يـحياتي.تستاهل بوسه"
همس مالك مُقبلاً شفتيهِ سريعاً وكأنه يحادث طفلاً
في الثالثةَ من عمره.


"لأ أستاهل أنيكك ومزاجي هيبقا في العالاَلِي"
2

همس الأكبر بصوتٍ خفيضٍ بالكاد يُسمع، أشبه بنفَسٍ مستتر، بينما كانت كفُّهُ تنساب على ظهر مالك برفقٍ بالغ


"مزاجك رخيص"


"رخيص إيه بس ودي أغلي حاجه بعملها في حياتي"
2

أمالَ رأسه ببطء،ووضع قُبلةً هادئةً على جبين الصغير الذي انفرج وجههُ عن ابتسامةٍ واسعةٍ عفويّة، امتدّت من شاطئ روحه إلى الضفة الأخرى من كيانه، كأنّ الفرح قد ضرب بجذوره في قسمات وجهه، فأضاءه إشراقٌ لا يُخفى.


"شكلك جميل"
انسلّت الكلمات من بين شفتي يزيد خافتةً بعد صمت طال.


أمّا قصي، فظلّ على سكونه المهيب، لا لفظٌ منه، ولا حتى نظرة معاتبة.




فقط، مدّ ذراعيه ببطء، في إيماءة لا تخطئها العين ولا حتى القلب.


لم يتردّد يزيد، لم يمنحه عقله فرصةً للمراوغة، بل تقدّم بقلبه، بخيبته، برجائه، وارتمى في حضن قصي كـعودةِ التائه إلى موطنه.


"وحشتنـيٌ"
ثم أردف قُصي إذ انحنى بتمهّل،وطبع قُبلةً وئيدة على موضعٍ واهنٍ في عنق يزيد.
5

"نِتمشىٰ بـ البايك شوية؟"


"علي جثتي!!"
ابتسم قصي ابتسامة عارفةٍ متلصّصة،لأنه يعلم يقينًا أن يزيد سيأبى، كما اعتاد أنه يخشىَ من امتطاء الدراجة النارية - تلك الريّس الهادرة - ،لذا كان معهُ مفاتيح سيارته الخاصه.


غادر كلاهما، يزيد وقصي، عتبة الغرفة بخطى موزونةٍ تكاد تُخفي في رصانتها الارتجاف الباطني الذي يعصف بصدريهما.


تاركَين وراءهم مشهدًا حميمًا مُخلًا، مُنحرفًا عن حياء المدارك، يجمع بين مالك وكريم في هيئةٍ توشك أن تُزهق الحياء من أضلُع الجدران.


في الخارج، تهادت أنوار المساء على الإسفلت المبلل من أثر مطرٍ سابق، وبدا الشارع كلوحة من الصمت الأزرق، لا يعكر صفوها إلا صوت أنفاسٍ متقطعة.


بلغ قصي المركبة، وقد سبقه الحذر إلى قلبه فاستدار بيده إلى مقبض الباب وفتحه للأصغر، فَخفق قلب يزيد خفقة ارتياحٍ ثقيلة حين أيقن أنه سيتنقّل في السيارة، لا على متن تلك الآلة الشيطانية التي يُسميها قصي دراجةً ناريّة.


استوى في مقعده، يطوي فوق صدره أجنحة القلق
وبـرغم الهدوء الخارجي، فإن الهواء كان مثقلًا بتلك الكتلة المتراكمة من الصمت.


صمتٌ ليس عاديًا، بل ممتدٌ كظلّ شجرة عجوز، يحوي أسئلة غير منطوقة واعترافات مؤجّلة، توترٌ ملبَّد لا تُفكُّ عقدته بالكلمات العابرة، بل بحاجة إلى شرارة من صدقٍ يُشعل اللحظة


ولم تأتِ بعد.


استجمع يزيد شتات صوته، وبادر الكلام في محاولة منه لتبديد غلالة الصمت الثقيل التي تخيم بينهما


"الفاينل بتاعك إمتا؟"


"الأسبوع الجاي."
1

ثم امتدت يد قصي إلى مفتاح المركبة، فدار المُحرّك بصوتٍ جهيرٍ نافذ، سرت الرعشة في هيكل السيارة، وتحركت بعزمٍ وئيد من مرآب الجامعة، تاركةً خلفها مبانيها الصامتة وشوارعها المطفأة.


"حَلاوتك وإنت مفتحتش كتاب"


تبسم الأكبـر وهو يُدير عجلة القيادة بانعطافٍ رشيقٍ على قارعة الطريق، سائراً بهدوءٍ مفرط.




اقترب يزيد من لوحة التحكم، وبحركة اعتيادية رفع مستوى التبريد في المكيّف، ينشد من الهواء ما يُطفئ اضطرابًا خفيًا يسكن جوفه.


وما إن فعل، حتى امتدت أصابع قصي على نحو لا إرادي نحو الزر المجاور، فضغط عليه، فأصدرت النوافذ رنينًا خافتًا، قبل أن تُغلق جميعها بصمتٍ مُحكم.


"ممكن أفتحك إنتَ"
4

"لو فتحتني هتاخد +A؟"
2

"مع مرتبة الشرف"


قلّب يزيدُ عينيه في انزعاجٍ مُتكلّف، قبل أن يمدّ يده ليُصفع كتف قصي صفعًا رقيقًا لا يخلو من الممازحة.


كان في فعلهِ شيءٌ من الحرج المُستتر، ورغم أنه لم ينطق به، فإن حُمرةً خفيفة ارتسمت على وجنتيه كانت كفيلة بفضح ما حاول التستّر عليه.


"تِعرف..إني كُنت عايز أخدك في حضني إمبارح "
2

خرج صوت يزيد خافتًا، نابعًا من عمقٍ موارب، وهو يُحدّق عبر النافذة في صفوف البيوت المتراصة وأغصان الأشجار التي تتمايل بانكسارٍ صامت.


عيناه لم تَثبُت على شيءٍ بعينه وأناملهُ إنعقدت مع بعضها البعض.
"طب تعرف إني عيطت كتير إمبارح بردو ؟"
1

رمقهُ قصي بنظرةٍ جانبية متأنية، عينه التقطت ملامح يزيد دون أن تُمعن، وكأنّهُ يحفظ تفاصيله عن ظهر قلب.


ثم أعاد بصره إلى الطريق، إلا أنّ صوت يزيد بقي عالقًا في أذنهِ وهو يُتابع


"متقوليش بقا الزفت الرجاله مش بيعيطوا لأ أنا عيطت وقلبتها مَناحه."
2

تسلّلت على محيا الأكبر ابتسامة خفيّة، أشبه بانحناءة باهتة لظلٍّ ناءٍ في صمت الغروب ثم أومأ برأسه نفياً.


"لأ مش هقولك كدا.مانا كمان بعيط مش حوار"
2

همس بصوت واهن، خرجت كلماته كخيط ماءٍ دافئ يتسرّب من بين أنامل الوقت،رخية كأنها لا تُريد أن تُحدِث ضجيجًا في هذا السكون الذي احتواهما.


كانت الجملة التي نطقها أشبه بإزاحة ستارٍ ثقيل عن جزء خفيّ في ذاته، ذلك الجزء المُنهك من الصراع، المتدلّي على حافة الانهيار، لكنّه ما يزال يبتسم.


لم يُدرك يزيد حينها أن ما قاله قصي، لم يكن مجرد حديث عابر، بل إعلان خافت عن هشاشة دفينة، إعلان خرج لا ليُطلب به التعاطف، بل ليُشارك به الصمت ذاته الذي طالما جمّده.


كأن قصي، في تلك اللحظة تحديدًا، قد تنحّى عن كونه الصامد دومًا، وسمح لذاته المتعبة أن تتنفس أمام يزيد فقط.




"إبقىَ تعالالي اخدك في حضني ،صدقني مش هعايرك ولا اقول الواد اللي كان بيعيط أهو..إحنا بشر ياحبيبي وكل واحد ليه طاقه"
3

كان يُحدّق في قصي بنظرةٍ اتّسعت فيها عيناه العسليتان كأنهما مرآتان تعكسان قلقًا دفينًا لم يُجِد إخفاءه.


"من العين دي قبل العين دي"


أردف وهو يُشير بأطراف أنامله إلى عينه اليمنى أولًا، ثم إلى اليسرى، في حركةٍ رمزية وقد كوفِئ على ذلك التلميح الصامت بابتسامةٍ لطيفةٍ من يزيد، لم تكن مجرد انحناءة شفتين، بل دفءٌ ناعمٌ سال في ملامحه كلها.


"طب ممكن اقول حاجه كمان بما إننا بنعاتب بعض،وبيقولوا العِتاب نص المحبه وكدا يعني"
3

همهم الأكبر بهمسةٍ واهنةٍ ثم انعطف بالمركبة ثانيةً
مُديراً رأسه برهةً وجيزه نحو صغيرهُ الذي علي وشك الحديـث.


"بحسك مش عاطيني الأمان."
صمت قليلاً ثم تابع مُسرعاً
2

"بتحسسني إني هغدر بيك في أي وقت أو همشي،فهل أنا عملت حاجه خلتك تحس اني هسيبك مثلاً؟ ممكن أكون عملت وانا مش واخد بالي؟!"


خفضَ قصي من سرعة المركبة بتأنٍّ ،لم يلتفت صوب يزيد، بل ظلّت عيناه مسمّرتين على الزجاج الأمامي، تُحدّقان في امتدادٍ صامتٍ.


"معرفش بس شعور عدم الأمان دا مستمر..نوعاً ما"
2

"إنت بتحس إن أخوك هيسيبك ويمشي؟"
ارتفع صوت يزيد قليلًا،نظراته اتقدت، واتسعت حدقتاه بعنفوانٍ.


"ملهاش علاقه."
أردف قصي بصوتٍ وئيد،خالٍ من الارتجاف، متحرر من الانفعال، لكنه مثقلٌ بما لا يُقال.


"لأ ليها ياقصي،أصل لو بتحس كدا في كل العلاقات فـدا ممكن يتعالج ياحبيبي عند حد متخصص ،أما لو حاسس كدا في علاقتنا بس يبقا فيه حاجه غلط!"
4

تفجّر صوته فجأة، كمن حاول كبح السيل ففاض به. نطق كلماته على عجلٍ، متلاحقة كأنّها تُزاحم أنفاسه، متعثّرة بين انفعالٍ داخلي وارتباكٍ واضح.


وجنتاه ازدهرتا بلونٍ ورديٍّ قانٍ، كأن الدم هرع إليهما جراء إنفعالهِ.


"متزعقش.إهدىٰ"
1

تنفّس بعمقٍ، زافرًا تنهيدةً مسموعة حملت بين طيّاتها ثِقلًا متراكمًا، ثم مدّ يده ليفتح النافذة، راغبًا في استنشاق بعض الهواء.


غير أنّ قصي، دون أن يلتفت إليه، مدّ إصبعه بهدوءٍ وضغط الزر بجانبه، لتُغلق النافذة في هدوءٍ محكم، تاركةً الهواء خلف الزجاج.




"سيف أخويا أكيد مش هقارن علاقتنا بـ-
2

"بـواحد عايز تنيكهُ؟"
6

"يـزيـد."


مطّ قصي في نطق إسمه تاركًا الحروف تنسلّ من بين شفتيه ببطء حيث كانت نظرته آنذاك مشوبة بجمودٍ لا يخلو من نُذُر.


"إنت بجد قتلت حد؟"
7

انبثق صوت يزيد على حين غِرّة، سريعًا ومُحمّلًا بثقلٍ كاد يُمزّق الهواء.


لم يكن السؤال محض جُملةٍ تُلقى، بل أشبه بانفجارٍ مكبوت، نُطِقَ في لحظةٍ تَجَرَّدَ فيها من التروّي، ليشقّ سكون السيارة شقًّا مفاجئًا، جعل قصي يضغط الفرامل بضربةٍ حادّة، فأصدرت العجلات أنينًا على الإسفلت، قبل أن تتوقف في منتصف الطريق ككائنٍ مذهول.


حدّق قصي في يزيد، عينيه الثابتتين تُطوّقان ملامحه المحتقنة.


لم يكن في وجهه غضب.
بل خيبة عابسة.


كأنّ السؤال لم يُؤذِه بقدر ما فضح وجعًا قديمًا، لقد كان ينتظر هذا السؤال، ينتظر أن ينفجر يزيد ويطلب الحقيقة..لكنه لم يكن ينتظر أن يأتيه بتلك النبرة، بتلك الصيغة التي طالما سمعها من أفواهٍ غريبة، الآن فقط سمعها من يزيد.


كان السؤال مطعونًا بالخوف، مُثقلاً بالشك، لا كاستفهامٍ عابر بل كاتهامٍ مُبطّن.


لقد خاف يزيد من الجواب..لأنه داخله، لم يكن يسأل ليُطمئن نفسه، بل ليرُدَّ عن قلبه احتمال أن يكون مَن أمامه -محبُوبـه- قاتلًا بالفعل.
1

"لأ."


ظلّ قصي يُحدّق في امتداد الطريق أمامه، يدُه الموشومة ما زالت مستقرّة على المقود، أصابعه مشدودة بلا قوّة، كأنها ترفض التحرّك، كأنّ الدم تخلّى عنها.


السيارة ما زالت متوقّفة في منتصف الطريق، لا صوت يُسمع سوى أنفاسٍ ثقيلة تتردد بينهما.


قصي لا يعلم على وجه الدقة ما الذي يشعر به الآن.


لم يكن غاضبًا، لم يكن حزينًا، لم يكن خائفًا.


بل كان فراغًا، مجرّد فراغٍ عارٍ من أيّ لون، كأنّ كلّ شيء تلاشى فجأة، تاركًا خلفه صمتًا قاتمًا يبتلع الداخل.


"هو إنت تِصدق إني قتلت فعلاً؟"
6

وهو فقط لم يُجيب.
كان صمتهُ أكثر ضجيجاً من محرك السيارة الساكن.


"إِنـزل"


حدّق بعينيه العسليّتين نحو قصي، ودهشةٌ عارمة تشكّلت في ملامحه كغيمٍ ثقيلٍ لا يحمل مطرًا بل أسئلة.




"أَنزِل؟"
4

همهم قصي همسًا تأكيداً لـهُ، ثم اعتدل ببطء، كأنّ الهواء ذاته يستثقل حركته، فانبسط كتفاه بهيبةٍ خامدة.


وفي ملامحه ارتدّت الحِدّة إلى مُحيّاه كأنها ثوبه الأصليّ،
ذاك قصيّ الذي عرفه يزيد عند أول اصطدام بينهما؛
قصي المُتعجرف، المترفّع، المُتجهّم دائمًا،
الذي يُمزّق كل فكرة بخيطٍ من الشك،
ويقدح في كل إحساسٍ بسهام العقلانية الباردة.


"إسمهُ حوار عشان نتكلم ونُـرد علي بعض.مش نِقفش كدا"
أردف بصوتٍ رخيم مفعمٍ بالفتور،وفي وجهه إرتسمت ابتسامة باهتة وهو يُقترب من قُصي الذي لازال مُحافظاً علي هدوئهِ المُزيف.
2

"متخرجنيش عن كسم شُعوري"


"آسف"
صوته كان واهن، مُحمَّل بوقعٍ خفيّ لا يُدرَك، وهو يقترب في سكونٍ مُتعمد،ثم مدّ يده برفقٍ لا يخلو من جرأة، وأنزل كفّ قصي عن المقود.


ثم جلس فوق فخذيه في هدوءٍ وكأنّ جسده قد وجد أخيرًا موضع ارتحاله،وفي عسليتيهِ ومضةٌ خافتة من تحدٍّ أو رغبةٍ لا تُقال،


تلتمع فيها أسئلة لم تُطرَح
واعترافات لم تُنطق بعد،
لكنها حاضرة.


"مش عايز نِعمل بيبي؟"
7

عقدَ قصي حاجبيه في استنكارٍ صامت، وقد باغته ذلك التحوّل المفاجئ في مزاج يزيد؛
ثوانٍ معدودة كانت كافية لتقلب ملامحه من الغضب إلى السكون المُخادع، ومن الاحتدام إلى انسيابٍ مريب.


لم ينبس قصي ببنت شفة، فقط امتدت ذراعاه تلقائيًا،كأن غريزته تسبق وعيه،
واحتضن خصره بضراوةٍ صامتة،
يجذبهُ إليه حتى التصق جسداهما في تماسٍ يكشف ولا يبرر،


باحثًا عن دفءٍ ربما يُطفئ شيئًا مما احترق داخله
أو يؤكد له أنه لا يزال على قيد الشعور.


"عايز تتناك هنا؟"
5

جاراهُ قصي في نسق الحديث، وقد انحنت هامتُهُ في خضوعٍ صامت، ثم أسند رأسه -المثقل بضجيجٍ خافت من الأسى والتراكمات - على كتف يزيد،
كأنما وجد في ذلك المنكَب المائل طمأنينة نادرة في فوضى العُمر.


أما يزيد، فاستشعر وطأة الرأس المستكين،
فما كان منه إلا أن رفع يده في تؤدةٍ ووضعها برفقٍ مقصود على شعر قصي المُحَلَّق بإسلوبٍ عسكري صارم،أنامله تجوَلت على السطح الخشن مُبتسماً.


"إيه المُشكلة طالما حبيبي هو اللِ هينكنـي"
5

"ضارب إيه علي المِسا في كسم ليلتك دي؟"
2

سأل بنبرةٍ وملامح متزنةٍ تَشُوبها الجديّة بالفعل ،لكن الآخـر إنفجر ضاحكاً.


"عايز أخرجك من المود"
2

همس بنبرة مكسوّة باللين، مُوشّاة بودٍّ دفين،
وفي رفقٍ بالغ داعب أنفه بأنفَ قصي.


"أنا مَقتلتهاش"
5

ترددت الكلمات في جوف السيارةِ الهادئه.


ارتجفت قسمات يزيد لحظة، قبل أن تختفي بسمته تمامًا، وكأنّ بردًا مفاجئًا اجتاح ملامحه العذبة.


تفرّس في مقلتي قصي العاتمتين، ثم امتدت أنامله ببطء، تتحسس ملامحه.


"هىٰ مين؟"


"أُمـي"


ترجّل من السيارةِ وسُحنتهُ يعلوها ارتخاءٌ صامت، عيناه تتفحّصان منزل عائلته الذي انبثق من ذاكرته كطيفٍ غائرٍ في الطمأنينة، لم يُخبِر أحدًا بقدومه، ولم يستأذن الغياب، إذ إنّ مشاعره قد استنزفت آخر ذرة من النظام، وما عاد في القلب حيّزٌ يُطيق ترتيبًا أو تبريرًا.

3


كان مضطربًا..لا يُمسك بتلابيب نفسه، ولا يُفرّق بين الحزن والخواء، شعورٌ رماديّ فسيح، لا ملامح له ولا قرار.

2


خطا إلى الداخل كمن يتسلّل إلى ماضٍ لا يبتغيه، تجاوز أفراد أسرته كما لو كانوا أطيافًا لا تُرى، لا صوت له، لا التفات، كأنّ الصمت قرينُه ورفيقه الأوفى.




صعد إلى غرفته كما يُقبِل الجريح إلى ملاذه الأخير، وفتح خزانته بهدوءٍ كئيب، انتشل ثيابًا بلا اكتراث، ومضى إلى الحمّام الملحق بغرفته .

3


أطلق معزوفةِ- A little death- عبر هاتفه، فتسرّبت الألحان بين البلاط البارد والماء الدافئ، تُماثل رقصة موتٍ صغيرة، يلوّح بها للجزء المُنهك منه.

1


أدار الماء، وانهمر الدفء على جسده المُنهك، لم يتحرّك، فقط أغمض عينيه وترك الماء ينفذ إلى خلاياه.




في تلك اللحظة، لم يكن سوى جسدٍ في بُقعةٍ دافئة من العالم،




جسدٌ خاوٍ
وروحٌ غارقة في الفراغ الأبديّ.




وبعد دقائق..انبعث من الداخل وهو يتلحّف هدوءَ ما بعد الماء،ثياب منزليّة قد اكتساها، ومنشفة صغيرة معلّقة على عُنقه تُلامس خُصلات شعره التي ما زال الندى عالقًا بها.




كانت خطواته وئيدة، وعيناه مُتدليتان نحو الأرض




غير أنّ السكون تهاوى بلحظةٍ خاطفة..




فجأةً




شهق صدرهُ شهقةً كادت تُزيح ضلوعه

2


أمام عينيه،
ذاك الذي افترض العقل إستحالته.
حُذيفه.

3


بملامحٍ وادعة،
وبهالة استباح فيها خصوصية اللحظة،
كان جالسًا على حافة سريرهُ - سرير آسـر
وقد استباح أحد كتبه،
يقلب صفحاته بملامح مستعجبـه لا تفقه شيء.

9


أسر لم يتفوه بحرف،
لم ينبس ببنت أنّة
كل ما فعله أنه جَمُد،
كأنّ جسده انحلّت عنه إرادة الحركة.

+


"نعيماً"

"إنت مريض.روح إِتعالج"
همس آسر بصوتٍ خفيضٍ يُشبه زفرات الروح لا النُطق.


كان يعلم -في قرارته -أن تصرفات الآخر لطالما حملت بين طياتها الغرابة..




لا يُشبه أحدًا، ولا يُشبه حتى نفسه في الأمس.




لكن..


أن يجده الآن،
هنا،
جالسًا بثباتٍ لا يليق بالطارئين،
وعلى سريره تحديدًا،
يتفحّص كتابًا من كُتبه.
1

ذلك ما لم يكن يتخيله حتى في أشد تخيلاته جنونًا.


"قَرب أنشفلك شعرك"
2

أردف بنبرة مُفرَغة من التكلّف، غارقة في الاعتياد، كأنّ ألفةً خفيّة تسكن صوته لا يُفسّرها الزمان ولا يُبرّرها المكان.


هو فقط كان يعلم.


نعم، يعلم بإصابة الكتف الأيسر وصعوبة حراكه.


هو فقط علّم أكثر من اللازم في تلك الفترةِ التي كان رقيباً بها علي آسـر.
1

دنا آسر بخطواتٍ متئدة، وجلس بجواره على السرير بصمتٍ يشبه السكون الذي يسبق العاصفة، أو ذلك الذي يعقبها. لم ينبس بكلمة، ولم يبدُ على ملامحه سوى ذاك الهدوء الغريب، الثقيل، المُ***.
2

أما حُذيفة فقد اكتفى ببسمةٍ خافتة تميل إلى الحنو، وتناول المنشفة بلُطف، يمررها على شعره المُبتل بحركاتٍ رخية.
2

ظلّ الصمت مستقرًا بينهما كضلع ثالث، لكنه لم يكن صمتَ بُعدٍ بل صمتَ قربٍ مدهش.


آسـر لم يكن يعلم ما الذي يُفترض به أن يفعله، أو ما هو الردّ الملائم لهذا الحضور المُ***.


لكن شيئًا عميقًا بداخله، شيئًا لم يَبح به قط، ولا اعترف به حتى لنفسه،
تفتّق فجأة كندبة قديمة لم تُشفَ.


في أعماقه البعيدة
شعر أنه يحتاج.


نعم، ببساطة وقسوة معًا،
يحتاج.
2

ليس إلى تفسيرٍ، ولا إلى شرحٍ طويل.


بل إلى حضنٍ آمن لا يسأل.


وإلى وجودٍ لا يُطالبهُ بأن يكون على ما يُرام دائمًا.


"كلت؟"
تساءل حذيفة بنبرةٍ ناعمه بينما كانت أنامله تُجفّف مؤخرة شعر الآخر بحركةٍ رتيبةٍ أقرب ما تكون إلى تدليكٍ هادئ يُلامس الأعصاب أكثر مما يلامس الجلد.


"ممكن أعمل حاجه وننساها إحنا الإتنين بُكره؟"
6

رمش الأصغر ببطءٍ كأنّ حدقتهُ قد استعصت على الاستيعاب، وتلبّد في صدره شعورٌ مُ*** بين الذهول والتوجّس.




لم يتوقّع قط أن يصدر عن آسر أمر شهواني أو أنه قد يود مُمارسة الجنس معـهُ !
4

ثوانِ فقط..


الوهم انقشع، وتلاشى الهذيان، حين رآه يُمدّد جسده بأناةٍ مفرطة، ويميل برأسه ليستقر على بطنه كمن يأوي إلى أرضٍ مُطمئنّة.
3

ذراعاهُ انسلّتا برفقٍ حول خصر حذيفه، والتفّ جسده كأنّه يسعى لذوبانٍ هادئ في الآخر، لا يحمل في معناه إلّا طلب النجاة من الغرق الداخلي.


تشنّج قلب حُذيفة فجأةً، كأنّه أراد الانعتاق من قفصه الصدريّ، أن يُفرّ من مكانه ليبوح بما لم يُقَل.


ذاك إذاً هو شعور- الفراشـات- الذي طالما عجزت اللغة عن وصفه ارتعاش القلب بين شغاف الدهشة، وتهاوي الحواجز الصلبة أمام دفقةِ قربٍ صامت.
1

و ها هو آسر، الذي لطالما بدا متماسكًا كجمادٍ عتيق، يتموضع الآن في حضنهِ كطفلٍ أرهقه الشتات، يبحث عن سكينةٍ ما في الدفء، لا في الكلام، في الاحتواء، لا في الرغبة.


لم يكن ثمّة شهوانية تُضمرها اللحظة كما أعتقد مُسبقاً.
1

بل سُكونٌ نادر، شعورٌ طاهر كفجرٍ لم يُدنَّس، وامتلاءٌ روحيّ.


"إِتنَفس"
همس آسر بصوتٍ بالكاد يُسمع، نبرته رخيمة خافتة كأنها من سُلالة الليل
1

حيثُ كان صدر حذيفة ساكنًا تمامًا، كأن الهواء قد جفّ في رئتيه، رأس آسر كان مستقرًا على بطنه، يستشعر السكون القاتم تحت جلده.


وفجأة، بدأ الصدر يتحرّك، أول نَفَس خرج خافتًا، متقطّعًا، ثم لحقهُ شهيقٌ آخر أكثر انتظامًا، لكنّهُ لا يزال يحمل في طيّاته الارتباك.


ومع كل نَفَس، كان رأس آسر يرتجّ بخفة فوق بطن حذيفة، يتحرّك بانسيابٍ مع الموجات الدافئة لأنفاسه.


"عيونك الحلوه دي طالعه لـمين؟"
خرج صوته وأراد أن يبدو عاديًا، لكن الارتعاش الطفيف الذي سكن حنجرته فضحهُ.


رفع يده بهدوء، ووضعها برفقٍ على رأس آسر،كانت أصابعه تتلمّس خصلات الشعر المبلول ببطء، يتحسس ملمسه كمن يتحسس واقعه ليتأكد أنه ليس حلمًا هشًا.


ولم يطل الصمت، إذ تسلّل إلى سمعه صوت آسر، خافتًا، هادئًا.


"جدي."


"علي كدا جدو حِيلِوه بقا"


"ممكن أبعتك ليه"


"فيـن؟"


"عند اللِ خَلقهُ."
5

رمقهُ بنظرةٍ خاطفة، وقد ارتسم على وجهه مسحةُ اندهاشٍ لم يُحسن إخفاءها، كانت دهشته نابعة من غرابة الردّ أولاً، ومن سرعته ثانيًا، كأنّ آسر لم يحتَجْ حتى إلى التفكير.




"كلامك مش لايق علي الوضع اللِ إحنا فيه
خلي في بالك."


وهو صادق.


فأيُّ مُختلٍ هذا، يُهدّد بموت من يغفو في أحضانه، ومن يُسَكِّنُ أصابعه شعره في سكينةٍ شبه طفولية؟


رفع آسر رأسه ببطء، وعيناه لا تزالان نصف مغمضتين بسُهادٍ عميق، ثم اعتدل في جلسته على مهلٍ، يسند ظهره إلى خشب السرير في سكونٍ تام.


وللحظةٍ خاطفة، شعر حذيفة بفراغٍ يتسلّل إلى صدره، كأنّ دفء آسر قد انسحب من حضنه فجأة، وتركهُ للبرد والتيه، لكن عينيه..عينا آسر لم تتركه.


عينٌ عسلية فاتحة، تشبه خيوط النور إذا انسدلت فجراً فوق حافة الصمت، وعينٌ زرقاء كالثلج، باردةٌ بهدوءٍ مخيف، وكأنها تخفي بحراً لم تطأه قدم.


عينان لا تنتميان لنفس الرجل، بل كأنّ لكلٍّ منهما روحاً كاملة.


لكن حذيفة.
كان مأخوذاً بالنظرة، بأسْرٍ لا فكاك منه.
هو لا يحب النظر إلى آسر فقط، بل يتورّط في ذلك.
يتورّط كأن كلّ رمشةٍ من رموشهِ تُغريه بالبقاء، وكلّ وهجٍ في عينيه يُغريه بالذوبان.


فما بين عسلٍ دافئ وزُرقةٍ قاسية،
وجد حذيفة نفسه لا يرى العالم إلا من خلالهما.


"هتيجي فرح چيهان؟"


سأل حذيفة بهدوء ،ناظراً إليه نظرة جانبية تكاد تُخفي تردده ،وكأنّه يسعى لتخفيف وطأة السكون الذي تمدد بينهما ببطءٍ خانق.


"مين جيهان؟"


"مِس جيهان.أخت كريم!"
1

نظر آسر إلى حذيفة بعينين نصف مُغلقتين لأن نبرة الأصغر خرجت متعجبه ،مشوبة باستنكارٍ خفيف، مما أثار حيرة آسر أكثر.


كيف يُعقل أن لا يعرف؟
أهو في عزلةٍ تامة عن الجامعة؟ أم أنّه بات ينتقي ما يُدخله إلى دائرة اهتمامه؟
فالأمر ليس خبرًا عابرًا، بل الجامِعة بأسرها تضجّ به كأنّه إعلان قيام الساعة - زواج جيهان!


ومع ذلك، آسر لا يدري شيئًا.
وكأنّ العالم كله في جانب، وهو على الهامش.


"مَعتقـدش."


"أحا ليه؟دا كل الجامعه جايه"


"هيبقىٰ فين؟"
تساءل بنبرةٍ هادئةٍ مستكنّة، فيما عيناهُ معلّقتين على باب غرفته.


"غالباً الساحل"


"ساحل في الشتا!"
6



قهقه حذيفة بخفةٍ وهو يومئ برأسه، لم يكن ضحكهُ سخريةً من اعتراض آسر على فكرة إقامة الزفاف في الساحل شتاءً، بل كان ضحكًا صادقًا، نابعًا من شعورٍ داخلي بأنّ آسر -على طبيعتهِ المتحفّظة - بدأ يتجاوب معه، يُبدي رأيًا، يُشارك انطباعًا، حتى ولو بدا اعتراضًا.


في تلك اللحظة، لم يكن الضحك إلا انعكاسًا لفرحٍ داخليّ، فرح التفاعل، كأنّ الجمود الذي كان يحاصر آسر بدأ يتشقق، وحذيفة كان يراها لحظةً ثمينة تستحق أن تُحتفى بها، ولو بابتسامةٍ رائقة.


"ما علينا.معاك سيجارة؟"


اعتدل حذيفة في جلسته على نحوٍ خاطف، كأنما لسعته دهشةٌ مباغتة،و ارتسمت على ملامحهِ توجّسٌ خافت


"بِـتسمُوك ؟!"


"يعني تَفاريـحي."
4

ظلّت الدهشة عالقة في ملامح حُذيفة، ثم شيئًا فشيئًا بدأت تتسلل إليه حقيقة لم يُمهّد لها، حقيقة أن ذلك الرجل الهادئ، الرصين، المتحفظ في كلماته ونظراته، يخفي خلف سكونه طبقات لم تُكشف بعد.


لم يكن ليتخيّل قط أنّ آسر قد يختلي بنفسه في زاويةٍ ما، ويُشعل سيجارة! المشهد بأسره بدا مناقضًا لتصوّراته!


"مش معايا سجاير"
صمت قليلاً ثم أكمل مُسرعاً.
"بس معايا جوينت إنما إيه! حاجه بنت متناكه"
1

"طب قوم إقفل الباب وإفتح البلكُـونه"


انفرجت شفتا حُذيفة عن ابتسامةٍ مكتومة تتخلّلها خفّة استغراب، ثم نهض في عجالةٍ ليُغلق باب الغرفة بإحكام، دائرًا المفتاح في القفل كأنما يحصن عالماً مؤقتاً لا يخص سواهما.


دلف إلى الشرفة وفتح الباب قليلًا، ليمنح عبق التبغ المُثقل بالحشيش مهربًا ،ثم عاد بعدها بخطى واثقة مُتمجلساً جوار آسر، قربًا لا يفصل بينهما سوى أنفاس مشتركة.


أخرج السيجارة ثم أوقدها وأخذ منها نَفَسًا طويلًا، يملأ صدره ويهدّئ ارتجافاته الغائرة.


ثم مدّها نحو آسر "هتخّلي دماغك في سابع سما."
1

همس بصوتٍ خفيضٍ ثم انزلق بجسده إلى الوراء، كانت عيناه لا تفارقان آسر..الذي باعد بين ركبتيه في استرخاءٍ غير مفتعَل، ورفع السيجارة إلى شفتيه ببطءٍ، ثم جرَّ منها نفسًا عميقًا أثقل صدره بالدفء والضباب.


في تلك اللحظة، تحرّكت تفّاحة آدم في عنق آسر صعودًا وهبوطًا كرقصة وترٍ مشدود، فأسرت نظر حُذيفة وأثارت شيئاً في صدره.. أحسّ وكأنّ نبضهُ يستقيم على إيقاع تلك الحركة الصغيرة.




"نتفرج علي حاجه؟"
لقد حاول أن يُشيٌح بـِفكرهِ وأن يبعثر خواطره الجنسية التي بدأت بـغزو عقلهِ.
3

نفىٰ آسر ثم مدَّ يده بهدوءٍ تام وأعاد السيجارة إلى حذيفة دون أن يلتقي بٕعينيه.


"خلينا هادييٌن كدا."


مرّ الزمان ببطءٍ خانقٍ، كأنّ عقارب الساعة أُثقلت بالضباب، وجلس الاثنان على طرف السرير كتمثالين من خدرٍ وهميٍّ، فيما عبق الحشيش ملأ الغرفة حتى ارتسم في زواياها كسحابةٍ خضراءَ كثيفة.


وكان آسر قد غاص في تأثير الحشيش الذي لم يألفه من قبل، أكثرهما انتشاءً؛ عيناه تائهتان بين السقف والجدران، ملامحه مائعة في غيبوبةٍ مترفّة، وروحهُ تُحلّق في طبقاتٍ أعلى من الأرض.


حيث لا ضجيج للواقع، ولا حدّة للوعي، بل فقط سُكرٌ ناعمٌ يسحب العقل ويُحاكيه بنشوةٍ واهنة.


"بِـتتناك؟"
6

اتسعت حدقتا حذيفة فجأةً، كأن شرارة خفية صعقته للحظة، وارتدّ نظره سريعًا نحو آسر.


كان الأخر غارقًا في نعاسٍ شهيّ، تغفو ملامحه تحت ظلال التعب والانتشاء، خصلات شعره المُبللة تنسدل بعشوائية على عينيه الباذختين، ورأسه مائل كأنّه يسند نفسه على الخيال.


"بـنيك مش بتناك."


همس بصوتٍ خفيض، كأنما الكلمات تتدلّى من طرف شفتيه مع سُحب الدخان المتراقصة، ونفث أنفاسه في وجه آسر برفقٍ آثم.


ابتسم آسر بجانبيةٍ بالكاد لامست فمه، مدّ يده بتراخٍ وسكْرٍ مألوف آخذاً اللفافة من بين أصابع حذيفة.


"عادي إنك تنيك.بس معايا هتكون تحتي بتتناك"
11

نفث آسر دخان السيجارة ببطءٍ، كأنما يُنقّي به ما تبقّى من توترٍ في جسده، وتمدّد قليلاً في جلستهِ كمن استسلم لسكينةٍ عميقة، فبدت أطرافهُ مرتخية، ونبرتهُ هادئة بلا تكلّف، كأن حديثهُ بما قاله كان عادياً تمامًا
طبيعياً للغاية.


لكن على النقيض منه، كانت أعصاب حُذيفة مشدودة حد الانفجار؛ كل عضلة فيه تأهبت، وكل فكرة مرت برأسه بدت كصفعة.


لم يكن ليتصوّر أن آسر، ذلك الهادئ دوماً، الذي يحتمي بعالم الكتب والدراسه، ويعتلي مراتب التفوّق في الجامعة، ينطق تلك الكلمات دون أن يرفّ له جفن، أو يُظهر ولو ارتباكاً ضئيلاً.


هو لم يكن يتخيّل آسر إلا مُصفّى الروح بريء ،لا يشوب حديثه لفظ جنسي، ولا يجرؤ خياله على الانحراف.
10



لكن الآن، بدا له وكأنّ ثمة عوالم كاملة لم يكن يعرفها تسكن في ذلك الشاب ذو الملامح الصامتة.


"إ.نت ليه بتقولها كأنها إِهانه ليا؟"


حاول الأصغر أن يضحك، ضحكة خفيفة مرتعشة تخفي خلفها ارتباكاً لم ينجح في مواراته، مدّ يده نحو السيجارة محاولًا أن يستعيدها ببساطة.


لكن آسر مال بجسده قليلاً إلى الوراء، وأبعد السيجارة عن متناول يده، رافعاً نظراته نحوه


عينيه، تلك الثنائية المتناقضة ارتكزت على وجه حذيفة بنظرة ثابتة.


"مش إهانه ليك.بس جسمك بيتفاعل معايا لما أقولك هتتناك مني"
1

تنفّس حُذيفة بعمق،وكأن رئتيه تحاولان التشبث ببقايا هواء لا يكفي.


عينيه شرعت في التجوّل قسرًا، تبحث عن أي نقطة ارتكاز في الغرفة غير تلك النظرة الحاده التي كانت تخترق جلده.


نبرة آسر، نبرتهُ العميقة وكيفية نُطقه لتلك الكلمةِ التي أثارت شيئاً بداخله.


وكلما مرّت تلك النبرة في الهواء، مرّت معهُ رجفة خفيّة على امتداد عموده الفقري، ثم أنفاسه باتت أثقل.. أبطئ.


"كسمك عارف كسمك؟"
2

إختطف حُذيفة اللفافة من بين أصابع آسر بخفّة حادة،رفعها إلى شفتيه وسحب منها نفسًا طويلًا عميقًا، كأنّه يُسكِت عاصفةً داخل صدره.


لكن صوت ضحكة الأكبر شقّ الصمت فجأة.


"لأ معرفوش.أبويا اللِ عارفهُ"
6

"آسر إنت كويس؟حاسس إنك سُخن؟؟"
3

مدّ حذيفة يده ببطءٍ نحو جبين آسر، أنامله إستقرت فوق جلده برفقٍ متردد، وكأنّه يتحسّس الوهم أكثر من الواقع.


حرارة الجسد كانت طبيعية، لا أثر لحُمّى أو اضطراب، لكن حديث آسر كان كفيلًا بإشعال ألف جرس إنذار في رأسهِ ،لانه من آلافِ المُستحيلات أن يتفوه آسر بمثل ذاك الحديث وهو واعي.


"دا اللِ سُخن."


امتدت أناملهُ تُمسك بكفّ حذيفة المرتبكة وتضعها برفق فوق قضيبه المُنتصب أسفل بنطاله.
10

نظر حذيفة نحوه، شاحب الوجه، مُتسع العينين
حيث كان جسده يستجيب بلا إذن، وكأن حرارة اللحظة اخترقت مداركه، تخترق عمق النخاع وتستثير كل وعيه المكبوت.


"تتناك علي السرير ولا علي المكتب"
6

إنسحب من بين شفتي آسر همسٌ خافت، بالكاد يُدرك وهو يُحرك كف حذيفة فوق ذكوريته ببطء مُتناهِ.




"أهلك هنا"
2

"مانت مش هيطلعك صوت"
3

أومىء حُذيفة بشكل أليف و أنفاسه بدأت تتباطأ، تتثاقل، تخرج منه كأنها تُجرُّ جراً من أعماقٍ مجهولة.
7

إعتلاهُ آسر بحركة سريعه جعلت الأخر يشهق بخفةِ
وهو يشعر بيد الأكبر تحتك بذكوريته ثم أزال عنهُ بنطاله مصحوباً بـ ملبسهِ الداخلي.


بدأ أسر يُحرّك كفّهُ بسرعةٍ على قضيب حُذيفة المتّقد حرارة، فيما ارتفعت يدُ حذيفة لا إراديًا تبحث عن ما يُمسَك، لكنه أعادها سريعًا إلى الفراش، يقبض على الملاءة بعنف، يَكتم أنفاسهُ لئلّا يعلو صوته.


كان يُحدّق في حذيفة بعينين غريبتَي اللون، تتلألآن بشهوةٍ طاغية.


رفع يده عن موضع ذكورته، وانحنى نحوها، يتفل عليها ببطء، ثم قبض عليه بكفّه ودسّه بالكامل في فمه.


في تلك اللحظة، خرجت من حذيفة صرخة مكتومة، ممتزجة برجفة، إذ شعر بحرارة لُعاب أسر ينساب فوق قضيبه.


"أ.حـااهه"


بدأ بإمتصاص قضيبه برفقٍ بالغ، بعذوبةٍ شهوانية، وعيناه لا تغفلان عن جسده الذي يرتجف؛ يراه يضع يده على فمه ليكتم أنينًا فاجرًا يكاد يفلت رغمًا عنه.


رفع حذيفة نصفه السفلي، يُقرّبه من آسر، كأنما يرجوه أن يغوص فيه أكثر، أن يبتلعه بكامله..


لكن آسر، في لحظة خاطفة، قلبه بعنف على بطنه، دون إنذار، ليُكمل ما بدأه بطريقته هو.


"وفر شرمطتك لما أدخلهُ"
8

همس بقذارةٍ وهو يصفّح مؤخرة حذيفة الذي يعضّ على شفتَيه بلهفةٍ جامحة.
ومن دون وعيٍ منه، رفع أردافه قليلًا، ثم فرّق بينهما ببطءٍ ماجن.


قبض آسر على مؤخرتهِ بكلتي يديه، ثم فرّق بين الأليتين بقوةٍ، كاشفًا الفتحة التي راحت تنقبض على نفسها بشدّة، وكأنها تتوسّل اللمس.


وبلا أي إنذار، انحنى آسر وغرس لسانه داخلها باندفاعٍ شرس، فدفن حذيفة وجهه في الوسادة، يختنق من شدّة المتعة التي ضربت جسده.
2

بدأ يحرك خصره بعنف، راغبًا في احتكاكٍ أعمق، في لذّةٍ تفترسه من الداخل وتطالب بالمزيد.


"ك.كمان أه..آهــه"


تأوّه بتنهيدةٍ مفعمةٍ بالعُهر، يحاول عبثًا خفض صوته، لكن النغمة المتدلّلة في أنينه وصلت إلى أعماق آسر، فاشتعلت ذكوريّته كمن انتُزعت منها القيود.




ابتعد آسر عن فتحة حذيفة، المبلّلة بلعابه، يتأمّل المشهد أمامه؛ جسدٌ منبطح، مؤخرةٌ مرفوعةٌ تهتز برغبةٍ عاهره، تبحث عن الاحتكاك كما يبحث الجائع عن كسرة الخبز.


كان المنظر كافيًا لإشعال شهوة العالم كلّه فيه.


بنظرة مشتعلة، خلع آسر بنطاله، وتفل على كفّه، يُمرّرها على قضيبه الذي بات مشدودًا حد الألم، ثم اقترب بهدوء قاتل، يقرّب رأسه نحو الفتحة المرتجفة، المُنتظرة.


"عايز تتناك؟"
2

همس آسر بصوتٍ أجش، وهو يُلصق مقدّمة قضيبه بالفتحة الجائعة، وحذيفه فقط رفع رأسه عن الوسادة يومئ مرارًا، مستجديًا بصمتٍ متوسّل، كأن الكلمات خانتهُ من فرط الرغبة.


لكنّ الأكبر لم يمنحه مايريد بل هبط بكفّه على مؤخرتهِ بصفعةٍ قاسية، رنّ صداها في الغرفة، فارتجف جسد حذيفة تحتها وارتفع خصره من جديد
بطريقة أكثر عُهراً
1

"أهه ياآسـر نـكني.عا.يز أتفشخ"
4

"عايزني أزني في كسك"


ثم وبدون تمهيد، اندفع آسر داخله بعنفٍ مفاجئ، اقتحم أعماقه دون رحمة، كأنّه يُعلن امتلاكًا لا يقبل التدرّج.


قبل أن يفلت من حذيفة صرخة مغموسة بالألم الذي قسم نفسه السُفلي، جذبه آسر إلى الخلف، حتى تلاصق ظهره بصدره، وكلاهما على الركبتين.


كمّم فمه براحة يده، يمنعه من إصدار أي صوت، فيما امتدّت يده الأخرى لتقبض على ذكورته، في لحظةٍ معلّقة.. قضيبه لا يزال مغروسًا فيه، ثابتًا، يترصّد نبض الجسد من الداخل.


"أتحرك؟"


همس بحرارةٍ مشتعلة قرب أُذنهِ ثم طبع قبلة بطيئة عند طرفها.


كان حذيفة يختنق بالرغبة، فتناول يد آسر التي كانت تحكم فمه، وسحبها برفقٍ نحو عنقه، واضعًا إياها هناك بثقةٍ تامة.


ثم أومىء لهُ تأكيداً.


وفي ثوانٍ فقط


بدأ آسر يتحرّك داخله بدفعاتٍ شرسة، تصطدم بأعماق حذيفة بقوةٍ جعلت جسده يرتجف مرارًا، كأن كل خلية فيه ترتدّ تحت سطوة الاندفاع.


كان آسر يُحكم قبضته على عنق حذيفة، يُثبّت جسده بثباتٍ غريزي، لا يسمح له بالحراك، ولا بالفكاك.


تنفّس آسر بعمق، تأوّه بأنفاسٍ ثقيلة، وهو يشعر بالضيق الملتف عليه، بحرارةٍ تلك الفتحه تحتقن حوله، تبتلعه حتى الجذر، تشدّه أكثر
وتدفعه إلى الجنون.




"هن.هنا إرزعني آهه كماانن"


انزلقت منه تأوّهات ماجنه، صوته بات ناعمًا حد الفجور، ونظرته انسلت إلى الأعلى، كأن النشوة جرّدته من وعيه وأسلمته بالكامل للذة التي يغرسها آسر فيه.


ومع كل أنينٍ يلفظه، كان آسر يزداد انفلاتًا؛ يئن من عمق صدره، ويدفع بجنون، بجسدٍ لم يعد خاضعًا لعقله.


التأوّهات الآثمة لحذيفة كانت كفيلة بإشعال شيءٍ أعمق، شيء بدائي، لا يعرف الرحمة.


"اللبوه مبسوطه"
1

ثم اندفع آسر داخله بدفعةٍ عميقة، وعنيفة حدّ التملك، فيما كانت يده الأخرى تتحرك بسرعةٍ محمومة على قضيب حذيفة المُهمل، كأنّه يُشعل فيه ما تبقّى من شرر.


" أهـه فشخ لبوتك مبسوطه فشخ"


وبدأ جسده ينتفض، لا إراديًا، كأن النشوة تملّكته بالكامل.


وبحركةٍ مفاجئة، قذف حذيفة على يد آسر، أنفاسه متقطعه ، وجسده يرتجف بحدة.


وما إن رأى آسر ذلك المشهد - تلك اللحظة التي استسلم فيها حذيفة تمامًا - حتى تسارعت دفعاته بجنون، كأنها صارت خارجة عن إرادته، ليخرج منه تأوّه عميق، أجشّ، لحظةَ شعر بانفجاره الكامل، يُفرغ قذفه في داخله


في تلك الفتحة الضيقة التي احتوته بشراسةٍ حارّة.. وأغلقته عليه.


عضّ حذيفة شفتيه بقوّة، يتنهّد بنشوةٍ ثقيلة بسبب قذف آسر الذي ملأ أعماقه، يغمره من الداخل بلذّةٍ لا توصف.


ولم يكن الأكبر قد انسحب بعد، بل أسقط جسده عمدًا فوق حذيفه ليرتطم بالسرير علي معدته ،بينما ضحكة خافتة انفلتت منهُ ،وجسد آسر لا يزال فوقه تمامًا.


قضيبه لا يزال مغروسًا فيه، نابضًا، كأن جسديهما لم ينفصلا بعد.


"لبنك مغرقني"


"راوند تو؟"
14

همس بصوتٍ خفيضٍ دافئ، شفتيه قريبتان من أذن حذيفة، فيما كان يدفع قضيبه ببطءٍ شديد إلى الداخل، دفعاتٍ رخوة لكنها عميقة، وكأنّه يتذوّق كل جزءٍ يمرّ خلاله.


فانسابت من حذيفة تأوّهات ناعمة، مُترفة، محمّلة بدلالٍ فاجر.
1

ومع كل دفعةِ عميقه كان حذيفه يُفرج عن ساقيه أكثر ببطء مقصود، جسده كان يُخبر آسر، بصمتٍ فاضح، أنه مستعد لجولةٍ أخرى.


ابتسم آسر ابتسامة صغيرة، وهو يعضّ شحمة أذنه بلذّةٍ مترصّدة، قبل أن ينسحب منه ببطء، ثم يقلبه على ظهرهِ .




جلس بعيداً عنه قليلاً، يتأمل ملامحه المنتشية، تلك التي اختلط فيها الانكسار بالعُهر، والشهوة بالخضوع.


وقد قرّر أن تلك المره..
ستكون وهو يرى كل شيء.
5

-


وقفَ بميلٍ خفيف، مُتكئاً بجانبه على دراجته النارية، وقد ضمّ ساعديه إلى صدره كمن يُحاول احتضان ما تبقّى من دفءٍ داخله.


كانت عيناه مرفوعتين نحو السّماء التي غشّاها السواد، تتثاقل فوقها الغيوم الرماديّة كأنّها مؤامرةٌ صامتة تُحاك في عتمةٍ وشيكة.


لفح البرد وجهه، فاشتدّت ملامحه قليلاً، لكنه لم يتحرّك. كان واقفاً هناك كجُزءٍ من المشهد، كصمتِ الليل ذاته، والشتاء الذي يُحدّق بعينيه إلى هذا العابر الذي لم يطلب شيئاً سوى السكون.


"محتار ألبس أسود ولا جِراي."


صدح صوت كريم، جهوراً هادئاً، وهو جالس في سيارته، وقد فتح بابها ومدّ ساقيه خارجاً في استرخاءٍ لا يُشبه سوى أولئك الذين سئموا صخب العالم.


كانت يداه تعبثان بهاتفه، بينما عيناه نصف غائمتين، تتفقدان الشاشة دون اهتمامٍ حقيقي.


كانوا متوقفين فوق تلّةٍ عالية، الطريق المؤدّي إليها أعوجٌ كخطأٍ نادم، لكنها في عُزلتها تلك بدت كمكانٍ أُقتُطع من النسيان؛ بعيدةٌ كل البعد عن ضجيج البشر، عن المدينة، وعن الأعين.


هناك، كان الهواء أخفّ، والسماء أكثر صدقاً، وقُصـي أكثر هدوءاً مما ينبغي.


"الأسود بيبقا حلو عليك"


"أوف أح قُصي بيعاكسني؟"


"دا إنت رايق بقا؟"


"مِصطبح مع مورنينج سكس.الل هو رايقه معيِ لدرچه إذا حدا سألني عن عُمرى بِقلو إنتَ عمري"
2

أردف كريم بـلهجةِ لبنانية مُقلداً ذاك الصوت الشهير وقد نجح في جعل قُصي يبتسم من تلك العبثية.


"يابا ضحكتك بالدنيا وما فيها"


"كلمه كمان وهتلاقيني نازل فيك تدعير."


"دُعابه يامسلم.دعابه"


ثم إعتدل في جلسته داخل المركبة مُغلقاً هاتفه ووضعه بخفوتٍ بالغ، وحوّل ناظريه صوب قصي الذي كان واقفًا على مقربةٍ من السيارة، لا يفعل شيئًا سوى أن يتنفس.


"كرفلك؟"
صمت قليلاً ثم تابع بضحكةِ هزليه


No offense "
بس لحد الآن حاسس إنكم مش لايقين علي بعض"




"إيه مش لايقين علي بعض دي.أوتفيت بكسمك؟"


نفى الآخر ضاحكاً "مش القصد ياعرص، أقصد إن يزيد هادي نيك ملوش في الحوارات ولا الحاجات دي.واد غلبان كدا، أو تحسهُ مش عارف يتعامل يعني أيهما أقرب"


لاذ قصي بالصمت لبرهة، متأمّلًا الأفق المُمتد أمامهما، حيث تمتد المساحة الفارغة كأنها اتساعٌ هارب من كل شيء.


في تلك اللحظة العابرة، تسلّلت كلمات كريم إلى داخله ببطءٍ كأنها لا تُقال لأول مرة.


نعم.


يزيد..ذاك الفتى الذي يقطر من عينيه السكون، ومن صوته لطفٌ لا يُشترى، شخصٌ حنون،يزيد لا يستحق أن يُجاوره ظلٌ ممزق، أو قلبٌ مليء بشروخ ماضيهِ الإجراميـه.


تنهّد قصي بصمتٍ ثقيل، كأن الهواء نفسه بات يحتاج مجهودًا للخروج.


فكّ ذراعيه المتشابكتين عن صدره، ثم أنزلها ببطءٍ، وكأنهما كانتا تمسكان عن السقوط. أدخل يديه في جيبيه، يحتمي من برودة الهواء التي لم تكن أبرد من شعوره الداخلي.


ثم نظر نحو كريم "هو المفروض يتعامل إزاي؟"


"أتكلم عادي ولا هتشتم؟"


"لأ بجد و****."
أردف بجديةِ تامه حيث كان يبتغِ معرفة ماهو التصرف الصحيح لهذا الموقف، أو مالذي من المفترض علي يزيد فِعلهُ.


"هو علي حسب كل واحد وشخصيته يعني أنا هتعامل بطريقه ،يزيد هيتعامل بطريقه تانيه
و عزالدين هيتعامل بطريقة عاشره"
6

وبتراخٍ ظاهر، مدّ كريم يده إلى جيب معطفه الجلدي مُخرجاً منه شريط علكة بطعم النعناع، فتحه بإهمال، وقطع أحدها بين أنامله.


أدخلها إلى فمه وبدأ في مضغها بلا استعجال، وكل حاسة فيه لا تزال مُنصبة على هيئة قصي.


"هو قالك إيه؟"


اعتدل قصي في وقفته، متحررًا من اتكائه الخافت على هيكل دراجتهِ الناريّة، و تقدّم بخطًى رزينة نحو الحافة، حيث الفضاء مُنبسطٌ تحت قدميه كصفحة بيضاء.


جسدهُ ثابت، غير أن داخلهُ في حالة من التآكل الصامت. الريحُ تعبث بأطراف ملابسهِ كما تعبث الأسئلة بجوانب عقله.


لم يكن يرى الطريق، بل يرى صورًا متفرقة تتراكب في ذاكرته كأحجية مكلومة، آخرها ذلك المشهد الصامت في السياره حين نطق أنه متّهمٌ في مقتل والدته.


لم تكن الكلمة وحدها ثقيلة، بل ردّة الفعل الصامتة، التكهّن المرتجف في عيني يزيد الارتباك المختلط بالخذلان، وكأنّ شيئًا عظيمًا قد انهار داخله ولم يصدر عنه سوى الصمت.




"روحني من فضلك"
2

"قال مِن فضلك؟"
سخر كريم وهو يتمدد بداخل سيارتهُ.


"قال من فضلك"
كررها قصي همساً لنفسهِ مع ضحكة جانبيهِ واهنه تسللت إلي معالمهِ.


"طب و أودين قالك إيه؟"
1

سأل كريم بهدوء حيث كان صوتهُ منخفضًا، وكأنّه يحاول أن لا يوقظ شيئًا موحشًا في قلب قصي.


في الواقع، لم يكن سؤالًا مجردًا؛ بل كان اعترافًا خفيًا بالخوف، واستدعاءً مريرًا لما قد تجرّه الأيام من تكرارٍ موجع.


هو يعلم أن أودين يمسك بخيوط القضيّة، القضيّة ذاتها التي كادت تُطفئ نور قصي بالكامل، والتي عادت للحياة من رمادها كجُرمٍ يُطاردهُ في كل نَفَس.


رغم انغلاقها منذ أعوام، إلا أنّها الآن تعود بقسوة من لا يرحم، تفتح فمها ثانيةً على ماضٍ لم يُدفن بعد، وتلوّح باحتمال أن يُحبَس النور من جديد، وأن يُقصى قصي خلف القضبان التي نزعها بالكاد من حول روحه.


كريم لا يقول الكثير، لكن قلبه يعجّ بذاك السؤال
هل سيُعيد القدر دورته القاسية، ويسلب منه صديقهُ ثانيةً؟


وهل سيكون أودين وحدهُ كافيًا ليمنع ذلك الانهيار المُرتقب؟


"قال هو لحد الآن مظهرش حاجه غير البوست اللِ إتشيّر دا بس ممكن يجوا يتمنيكوا فوق دماغي عادي بأمر الضبط والإحضار أو الإستدعاء الرسمي"


"المهم هنزورك بعـيش وحلاوه إمتا"
داعب الصمت بقول مَازح لكن صوته كان مُحملاً بإنقباض داخلي لا يُخفىٰ.


تقدّم كريم بخطًى متثاقلةٍ من جوف سيارته، وهو يُخفي تحت ملامحه العابثة وجلاً خفياً، قلقاً مشوباً بصمتٍ مُحتقن.


إقترب من قصي، ذاك الذي ظلّ واقفًا كظلٍّ أرهقه الضوء، لا يتحرك، لا يُبدي امتعاضًا.


وفي لحظةٍ لم تُمهّد لها الكلمات، فتح كريم ذراعيه ليحتوي جسد صديقه، واحتواه. ضمّه في صمتٍ نافر، عناقًا لا يعرف إن كان يُواسيه أم يُواسي نفسه.


كريم، الذي لم يكن يومًا من فصاحةِ المواسين، والذي اعتاد أن يترك الأحزان تتراكم كما هي، دون أن يحاول أن يفكّكها، قرر هذه المرة أن يكون حضوره فعلًا، لا قولاً


كان يعلم، يقينًا، أنّ قصي يمقت اللمس، ويضيق بجسدهِ حين يُحاصر، لكنّه مع ذلك لم يُفلِت ذراعيه، ولم ينبس باعتراض.


ظلّ قصي ساكنًا، لا يُبادل العناق، لكنه لم يتهرّب منه.


وحده كريم، وهو يضمّه، أدرك -ولو دون لفظٍ- أنّ صديقه لا يخشى الاتهام، ولا السجن، بل يخشى نفسه.




-


كان منتصباً أمام خزانته، يُقلب بين أثوابه بملامحٍ خاليةٍ من أي انفعال، باحثًا عن شيءٍ مريحٍ ليُلقيه على جسده قبل أن يدخل إلى الحمّام.


الغرفة من حوله بدت ساكنة، هادئة إلى حدٍّ قد يُزعج البعض، لكنها كانت ملاذًا له بعد يومٍ ثقيل، كان من المفترض أن يعود إلى منزل العائلة، لكن فكرة أن يُقابل أحدًا، أو يُلقي كلمات مجاملة جوفاء، بدت مرهقة بما يكفي لتُبعده عن ذلك الخيار.


فآثر البقاء في سكن الجامعة، حيث السكون ليس عزلة، بل راحة.


ولأن يوسف لا يُطيق الصمت المطبق، فقد ترك على حاسوبه المحمول حلقةً من مسلسل الرسوم المتحركة للكبار Family Guy تدور بلا اكتراث.


الشاشة تبثّ أصواتًا عبثية، تحرّك الهواء قليلاً، بينما هو بالكاد يلتفت إليها،كان وجود الصوت محاولةً واهية لتجنّب مواجهة الفراغ، لا أكثر.


كان يُتمتم بألحانٍ عشوائيه، لا نغم واضح لها ولا اتساق، ثم مدّ يده بخفّةٍ ليُخرج آخر قطعه من ثيابه تاركًا إياها برفقٍ على طرف السرير.


انسلّ بعدها نحو مكتبه، حيث كأس العصير لا يزال متروكًا، تتكثّف عليه قطرات الندى، أمسكهُ بين أصابعه وتذوّق آخر ما تبقّى من عصير الرُمان.


لم يكن مزاجه جيدًا تمامًا، لكنه لم يكن سيئًا أيضًا. كان فقط.. يحاول.
يحاول أن يكون بخير.


تناهي إلى سمعه طرقٌ خفيفٌ بالكاد يُسمع، كأن الطارق مترددٌ في رغبته أو حذر من ردّ فعلٍ لا يُحمد.


تحرك يوسف بخطى مُتمهّلة نحو الباب، يجرُّ ظلهُ خلفه، وفتح دون عجالة، كأن لا شيء يُفاجئه بعد الآن.


وكان ماريوس واقفًا هناك.


مُبتسمًا ابتسامة لطيفه تحمل طبعاً هادئاً.


يوسف ظلّ يحدّق فيه للحظات، دون أن يتكلم، فغياب الحديث بينهما امتد لأيامٍ سبع، كانت كافية لأن يتآكل الشعور باليقين داخله إن علاقتهم علي شفا جُرف من الإنتهاء.


لكنه رغم كل ذلك.
كان مُشتاقاً.


تنهد بصمت، ونظر إلى ماريوس طويلًا، ثم مال بجسده قليلًا ليفسح له الطريق.


"بدأت فاينل"
همس ماريوس بصوتٍ يكاد لا يُسمع.


وقد دخل بخطى واثقة، نزع جاكيته بعناية ثم خلع حذاءه وأراح جسده على طرف السرير، متكئًا بخفةٍ وهدوء.




وما إن استقر مكانه، حتى فتح ذراعيه بحركة طفولية صادقة خالية من التكلّف، كأنه لم يأتِ ليعتذر أو يبرّر، بل ليُحتَضن.


كأن كل ما يريده أن يعود إلى مكانه الأصيل، بين ذراعي من عرفهُ أكثر مما عرف هو نفسهُ.


وبرغم برودةِ الأيام التي مرّت بينهم.


ابتسم يوسف.


ابتسامةٌ لم تكن إلا رعشة طمأنينة، خافتة، عابقةٌ بدفء الذكرى، إذ أيقن في تلك اللحظة، أن ماريوس لم ينسَ.


لم ينسَ طقسهما الصغير، المُخبأ وسط صخب الحياة.


ماريوس، الذي اعتاد أن يفرّ إليه مع كل بداية إختبارات نهائيه له، لم يأتِ لينقش حديثًا أو يطلب سندًا لفظيًّا، بل جاء كمن يرجع إلى نقطة البدايه.


يوسف تحرّك بصمتٍ مشبعٍ بالرضا، واعتدل على حافة السرير، فلم ينتظر ماريوس لحظة
فتحهُ بذراعيه، بذات الحنوّ القديم.


يوسف انجذب إليه دون مقاومة، وكأنّ ضلوعه كانت تعرف هذا الإيقاع من قبل.
1

ماريوس استرخى كليًّا، أسلم جسدهُ للهدوء، وغاص برأسه في صدر يوسف.


ويوسف، بلا نبرة ولا حركة زائدة، مدّ ذراعه يُحيط به، يُسدِل عليه الطمأنينة كما تُسدَل ستائر الليل على نافذة مُنهكة.


"كان عندك معادلات تفاضليه؟"


همهم ماريوس بهمسةٍ رخوة،و رأسه تحرّك في صدر يوسف بحركةٍ عفوية، مُدلّلة، كمَن يفتّش عن زاوية أكثر دفئًا كـالقطط ،جاعلاً ضحكة رقيقه مطمئنه تـفر من بين ثغر حبيبه جراء تلك الحركه.


"دكتور إبن أحبه والمراقب إبن أحبتين."


"ليه كدا؟"


داعب خصلاته بأناملٍ هادئة، فتململ ماريوس بخفّة ثم رفع رأسه ليبدأ تذمرهُ وشكواه.


"إنت عارف اني باخد نضارتي معايا الإمتحانات عشان ميحصلش لَبس في الأسئله أو إني أشوف حاجه غلط" أومئ له يوسف تأكيداً بالفعل ليُتابع.


"النضاره يعم وقعت،وطيت أجبها وطالع لقيت المراقب في وشي..قوم يابشمهندس قدامي و وريني اللِ في جيوبك، يعم يهديك يرضيك كنت بجيب نضارتي ،يقولي قوم يابشمهندس قدامي"
1

انفجر يوسف ضاحكًا، ضحكة صافية خرجت من صدره بلا تكلّف، وهو يُحدّق في ماريوس الذي كان يُقلّد نبرة المراقب في القاعةِ بمهارة لاذعة.


"يأخي كسم الباشمُهندش علي كسمك علي كسم المريض اللِ حاطط الإمتحان"
1

ختم ماريوس حديثه بقهقةِ ساخرة، ثم انحنى دون تفكير وطبع قبلة خفيفة على صدر يوسف.




"بس خلي بالك ومتغلطش قدام الناس دي لأنهم بيتلككوا أصلاً وممكن يِشَيلوك أوبح"


همهم ماريوس ثم أعاد رأسه إلى صدر يوسف بهدوء، كمن وجد موضعه الوحيد في هذا العالم.


استكان جسده على الجسد الآخر بانسجامٍ تام، وانساب أنفاسه كأنّها تُعيد ترتيب الفوضى داخله، بينما يد يوسف تحرّكت تلقائيًا فوق ظهره.


" بقالي يومين بحاول أكون هادي وإبن حلال"


"أيوه بالظبط مع الناس إبن حلال وتيجي تِقل أدبك علي اللِ خلفوني"


ثم ساد صمتٌ مُهيب بينهم.
لم ينبس ماريوس ببنت شفة.


لقد أدرك -دون مواربة أو تزييف - أن حديث يوسف، وإن تنكَّر بثوب المزاح، لم يكن إلَّا اعترافًا ناصعًا بما يختلج صدره.


ماريوس يعلم علم اليقين أنه قد أثقل كاهل يوسف بانفعالاته المتهورة، وردوده الجارحة، وتقلّباته العاطفية التي لا ترحم.


يعرف أنه لم يكن دومًا كما يليق، ولا كما يستحقّ يوسف، الذي لطالما كان صدرًا حنونًا يتّسع، وصبرًا لا ينضب.


والمأساة لا تكمن في الذنب وحده، بل في الفاجعة المحتملة - أن ينهار كل شيء فجأة، أن ينفلت يوسف من بين يديه كما ينفلت الماء من بين الأصابع.


لذلك، ظل ماريوس في الأيام الماضية يتأرجح بين محاولات مضنية لترويض ذاته، لكبح لسانه، لتسكين ثورته.


ليس تزلّفًا، ولا ضعفًا، بل لأنّ فُقدان يوسف ليس فقدان حبيب فقط، بل هو انطفاء روحه، واندثار كيانه.


يوسف بالنسبة له لم يكن شخصًا
بل وطنًا لا يُغادر، مهما ضاقت الحياة.


"من زمان مخرجناش دِيت"


"أنا إنسان بسيط، تعال ننزل نجيب سناكس من أي سوبرماركت ونلف بالعربيه"
أفصح يوسف باعترافٍ لا يخالطه مواربه.


لأنه لم يكن يومًا من أولئك المفتونين بأضواء المطاعم الباذخة، ولا ممن يستسيغون اصطناع الرفاهية في الأماكن المتكلفة، المُحشوة ضجيجًا وادّعاءً.


ما يسكنه حقًا أبسط من ذلك بكثير..


هو لا يبتغي إلا المسير تحت سماءٍ شبه خاوية، تُرافقه موسيقى هادئة تتسلّل من مذياع السيارة، وماريوس إلى جواره، يُحادثه حينًا، ويصمت حينًا آخر.


ومع ذلك، كان أحياناً يسايره.


يُقحم نفسه في دوائرٍ لا تستهويه، يذهب حيث لا يجد ذاته، ويبتسم رغم ضيق صدره..لا لشيء، سوى أنه يُحب.




يُحب ماريوس على نحوٍ يُجبره أن يُقدّم دون أن يُؤخذ، أن يُنزف دون أن يشتكي، أن يتنازل لا ضعفًا، بل لأن الحب الحقّ، لا يُقاس بمدى ما يُشبهك، بل بكمّ ما تحتمله من اختلاف لأجل من تحب.


"أغلىٰ الغوالي والطلب رخيص"


انتفض ماريوس واقفًا كأنّ شيئًا داخله نُكِز، تحرّك بخفّة مُحمّلة بالحماسة، واتّجه ناحية معطفهُ يرتديه.


يوسف، من جهتهِ، لم يستطع أن يكبت ضحكته وهو يُراقب ماريوس يتصرّف كطفلٍ ظفر بوعدٍ مؤجّل.
1

لحظةٌ من العبث الخفيف تسلّلت إلى قلبه، فوجد نفسه يتحرّك بدوره، ينتعل حذاءه بتراخٍ مرح، كأنّه نسي للتو أنه كان ينوي الاستحمام، أو أنه كان على وشك الانزواء للنوم.


كان هناك سحرٌ في تلك البساطة
في أن تتبدّل خطط المساء دون خُطّة، فقط لأن أحدهم قرر أن يوقظ فيك الرغبة في أن -تخرج- أن تُجاري تلك الطفولة المُحبّبة، أن تنتمي للحظة، لا لما كنت تظن أنك تريده.


-


جالسًا في أحد الأركان القصيّة من المكتبة، منعزلًا عن الضوضاء والأنظار، متوسّدًا الصمت الثقيل الذي يُخيّم على المكان كأنّه غطاء قطني كثيف.


كانت الساعة تُقارب الحادية عشرة ليلًا، والمكتبة شبه خالية، إلا من بعض الأنفاس المتناثرة والصفحات التي تُقلَب ببطءٍ متعَب.


أمامهُ كُتب مفتوحة، تتزاحم فيها الأسطر وتتعالى فيها المفاهيم التي يحاول عبثًا أن يُمسك بها، لكن ذهنهُ كان كأنّه ساحة حرب بين التشتّت والخوف.


يزيد لا يُخفي خوفه..
بل إنّ الذعر ينهش أعماقهُ حرفيًا.


الخوف لا يقتصر على الامتحانات التي تُطرق أبوابه بأوراقٍ مثقلة بالقلق، ولا على المستقبل الغامض الذي يتقدّم نحوه بخُطى مبهمة، بل الخوف الأكبر، الأكثر جذرًا هو الخوف على قُـصي.


يزيد لا يشعر بالقلق، بل بالرعب الخالص.
رعبٌ صامت يتلبّسهُ منذ أن عَلِم باتهام قصي في جريمة قتل والدتهُ - كأنّ الأرض انسحبت من تحت قدميه.


كيف يمكن لإنسان أن يُتّهم بقتل أمه؟
كيف لهذا الوجه الذي كان يتحدّث عن والدتهِ بلُطفٍ بالغ وذكرى مشبعة بالحنين أن يكون مُدانًا؟
كان قصي يتكلّم عنها برقةٍ، بعينين فيهما حزن خفيّ ونُبل لا يُصطنع، فكيف لهذا الشخص ذاته أن يُرمى بهذا الاتهام الشنيع؟
1

"معاك قلم؟"


"بسم ****!!"
انتفض جسده بفزعٍ حاد، كأنّ صاعقة داهمت سكونه بغتة، فَالصوت اخترق مساحته الخاصة ليُبدّد الشرود الذي استوطن عينيه، ويُعيده إلى الواقع بقسوة لم يتوقّعها.




"حِيلك يابا.إهدىٰ"


همس الفتى بنبرة لطيفه تتخللها ابتسامة وادعة كأنها تُراضي فزعًا لم يكن في الحسبان.


"خضتنِي ياماجد!"
2

"أسف و**** مكنتش متوقع إنك خفيف كدا"


سحب ماجد الكرسي المجاور ليزيد بحركة هادئة تكاد لا تُحدث صوتًا، ثم جلس عليه متكئًا بخفة، وكأن وجوده لا يرغب في إثقال المساحة أو اختراق العزلة، بل ملامستها برفق.


"بتذاكر إيه؟"


"أناتومي."


"العلام حلو برضو"


نبس ماجد بعشوائيه لا تحمل ترتيبًا،مُسنداً ظهره على الكرسي الضيق، فتقوّست قامته الكبيرة عليه كأنما يختبر حدوده.


ولمّا لمح تلك الابتسامة الصغيرة تكسو وجه يزيد، ارتسم على ملامحه شيء أشبه بالانتصار الصامت..
ليس انتصارًا على أحد، بل على العتمة التي كانت تلوح في وجه العسلّي قبل لحظات.


"إنت في إيه ياماجد؟"


"هندسة سيارات يادوك"


"إيه دا زي قصي!"


ومن غير وعيٍ منه، وجد يزيد نفسه يُشَبِه ماجد بـقُصي.


هو لم يقصِد، ولم يُدرك حتى متى بدأت تلك العادة.
لكنها ترسخت فيه-صار يُقارن، يُشبه كل شيء بـقصي.


بات يرى قُصي في كل التفاصيل.
في نبرة صوت، في تعبير وجه، في حركة يد.
1

حتى في صمت الآخرين، كان يتردد صدًى يشبه صمتهُ.


"إفتكرلنا سِيره تفتح المنافس!"


عقدَ يزيد حاجبيه برهة،وهو يُشيّد دوائر متشابكة بلا هدف على هامش دفتره.
"إشمعنا؟"


"علاقتنا بضان بنت وسخه"
2

حكّ ماجد مؤخرة رأسه بإيماءة عفوية، ثم أطرق إصبعه على سطح الطاولة الصغيرة بنقرات متتابعة، بدت كأنها إيقاعٌ مرتبك لقلقٍ خفيّ.


"أيوه بس دا مَيديِلكش الحق إنك تشتمهُ"
2

لم يرفع يزيد عسلتيه نحو ماجد حتى ،فقد ظل مُنهمكًا في دفتَره، يرسم خطوطًا ودواوِرَ عشوائية بأنامل شبه ثابتة.


لكن صوتهُ خرج هادئًا، واثقًا، مُتزنًا على نحوٍ أربك ماجد نفسه، وجعله يلتفت إليه بتلك النظرة
-يا راجل؟-




ولوهلةٍ، تملّك ماجد شعورٌ مباغت باللاجدوى، كأن حضوره صار ثقيلًا لا يُحتمل.


لأن يزيد كان جالسًا في ثبات، ملامحه متحجرة كأنها حُفرت بصبرٍ فوق صخرة، عينيه تحدّقان في دفتره بلا رمشة، لكنه لم يكن يقرأ.


ماجد شعر ببرودة النظرات، وإن لم تُرفع نحوه. فهم دون أن يُقال له، أن شيئًا تغيّر منذ تلك الملاحظة العابرة عن قصي.


لم تكن إهانة مباشرة، لم تكن حتى نيةً سيئة، لكنها على ما يبدو- لامست وتَرًا حساسًا.


وتسلل إلى رأسه سؤالٌ واحد، بوضوحٍ جافّ ومربك هل قصي مهمٌ لهذا الحد؟


هل بلغت العلاقة بينهما درجةً تجعل من أي كلمة تمسّ قصي كأنها طعنةٌ ليزيد نفسه؟


"تِصبح علي خير يادوك"


"وإنت من أهل الخير"
1

ثم نهض من مكانه في هدوءٍ ثقيل، بلا كلمة، بلا التفاتة، فقط سحب خطواته من بين المقاعد وغادر المكتبة بأكملها.


ظل يزيد على حاله للحظات، عينيه لا تزالا مُعلقتين بالدفتر أمامه، لكن ذهنه كان أبعد ما يكون عنه.


تنهد ببطء، زفرة كأنها كانت محبوسة في صدره منذ زمن.


هو يعلم جيدًا أنه أحرج ماجد.
ويعلم أيضًا أن ذلك لم يكن بالضرورة عادلًا.
1

لكن في داخله، شيء أعمق من الحُكم، شيء يشبه الغريزة -رفضٌ صارمٌ لأي تقليل من شأن قصي.
قصي تحديدًا.


يزيد لا يطيق أن يُمسَّ اسمه بسوء.
لا يستطيع تحمُّل نظرة استنقاص، أو حتى تعليق عابر يصدر بخفة..


"Such a good boy"
3

وهُـنا -
تجمدت أنفاس يزيد في صدره، كأن صدره ضاق عن الهواء دفعة واحدة.


اتسعت عسليتاه فجأة، وانفرجت شفتاه بلا نُطق، ثم إنزلقت يداه عن الدفتر والقلم معًا.


استدار ببطءٍ
وبالفعل -
كان يقف هناك.


قُصي.


كأنّه خرج من أعماق ظنونه، أو انبثق من دخان أفكاره، واقفًا في صمتٍ رماديّ، يسند كتفه على الحائط كما اعتاد.


المكتبة، بهدوئها المقدس، لم تُحرك ساكنًا.


لكن عينَي قصي كانتا تتحركان تراقبان يزيد من الرأس حتى الوتر المرتعش في عنقه،
ومن حوله كل شيء بات مُتّهمًا.


قصي سمع.
قصي رأى.


وها هو الآن، لا يبتسم،فقط ينظر.
ونظرته وحدها كانت كافية لتقلب صدر يزيد رأسًا على عقب.


"بتدافع عني في غيابي بس متعرفش تقول كلمه حلوه وأنا موجود ؟"
1

تقدم قصي من يزيد بخُطى وئيدة،لا يُسرع ولا يتباطأ، فقط يسير بذلك الثبات المُ***.


ويزيد -
ابتلع ريقه بصعوبة، كأن حلقه ضاق فجأة.


لم يكن يعلم ما إن كان يجب عليه النهوض، أو البقاء على مقعده، أو حتى النظر في عينيه.


هو لا يُجيد مواساة قصي، لم يعرف يومًا كيفية احتواء شخص يحمل كل هذا الصمت، كل هذا الماضي، كل هذا الاتهام الساكن في ظله.


هو يحتاج أحدًا يُمسك بيده ويقول له
إفعل هذا، قُل تلك، المس كتفه، أمسك يده، لا تتحدث كثيرًا.


لكنه لا يجد أحدًا، ولا يسمع شيئًا.


وكل ما يملكه الآن هو قلبه الخائف،
وعيناه المرتبكتان،
وخطوات قصي القادمة نحوه.


هو لا يعلم من هي والدتهُ لكنه يُريدها الآن.
4

"أنا لحد الآن مش فاهم إنت عايز إيه ولا بتفكر إزاي"


ثم تموضع أمامهُ تمامًا، جلس متكئًا للخلف قليلًا، فارقًا بين ساقيه بثقة صامتة، وسُكون مُتعمد.


غير أن ملامحه الحادة، تلك التي تُشبه شفرات زجاجٍ لم تُصقل بعد، بدأت تلين رويدًا حين رأى ارتباك يزيد يتسلل لأطرافه.


عسليتيه التي لم تعرف أين تستقر، أنفاسه المُضطربة، والأصابع التي بدأت تتحرك بلا هدف على الطاولة أمامه.


"يزيد"


وهنا، في تلك اللحظة الصامتة شعر قصي بصوت جليً في صدره، كصدى ارتطام زجاج هشّ بالأرض الصلبة.

خُيّل إليه أن نظرة يزيد المرتبكة لم تكن فقط نابعة من المفاجأة أو الحرج، بل من خوف دفين


أهو يخشاه؟

قصي
الذي لطالما وضعه في قلبه موضع السند، موضع الثقة؟
الذي وإن تلطخت يداه بماضٍ مُعتم، لم يتخلَّ يومًا عن رقّته أمام من يحب؟


هل ارتعدت نظرات يزيد لأنه صدّق للحظة أن قصي ربما يكون قاتل أمه؟
1

الفكرة وحدها كانت كافية لتهتز الأرض تحت قدمَيه.
كأن نظرة واحدة من يزيد كفيلة بجرحٍ لا يبرأ، وخوفه، إن كان حقيقيًا.. فذلك يعني أن قصي، في عينيه، لم يعُد ذلك الشخص الذي يُطمأن إليه.
1

واشتدت قبضته دون أن يشعر.


"لو عايز تكمل معايا في الريليشن دي وتكون يزيد اللِ قابلتهُ في الأول خليك هنا جمبي ،


أما لو رافض وخايف مني. فـ الباب وراك أهو ومفتوح ،ممكن تقوم عادي،و أُقسملك برب العرش
إني ماهضايقك ولا هقرب منك تاني"
16

"لو عايز تكمل معايا في الريليشن دي وتكون يزيد اللِ قابلتهُ في الأول خليك هنا جمبي ،

1


أما لو رافض وخايف مني. فـ الباب وراك أهو ومفتوح ،ممكن تقوم عادي،و أُقسملك برب العرش
إني ماهضايقك ولا هقرب منك تاني"

2


قصي قال كلماته بثباتٍ مُتقَن، نبرة خالية من الارتجاف، وجهٌ لا يشكو شيئًا.




لكن بداخله، كان كل شيء يتهاوى.

3


هو لم يُلقِ بكلماتٍ عابرة، بل بوضعٍ نهائي
فاصلة، كأنها نُطقت على شفا هاوية.




ويزيد،
يزيد فقط.. نظر.
لم يتكلم، لم يتحرك، لكنه نظر - نظرة طويلة، صامته.




إما أن يبقى
ويُكمل هذا الطريق المليء بالندوب،
أو أن يبتعد
ويُصبح كل شيء مجرد ذاكرة




وها هو يزيد،
يبتلع ريقه ببطء، كمن يبتلع قراراتٍ تفوق احتماله،
كمن يعجز عن الجزم، لا لأن الاختيار صعب، بل لأن القلب منهَك.




"أسف"

25


همسَ يزيد باعتذارٍ واهنٍ كأنما يُساقُ من قاعِ الروح، ووقف في تؤدةٍ ثقيلةٍ، كأنّ ثقل العالم قد عَلِق بكاهلهِ.

4


لحظتها، رمشَ قُصي بصمتٍ، غير أن سُحُبَ الكآبة احتشدت في محجريه، متجسدةً في نظرةٍ موغلةٍ في العتمة، كأنّ السواد ذاتهُ توشّح بهيئة يزيد.

4


لقد اختار يزيد الرحيل.

2


اقترب يزيد في صمتٍ مُنحنياً ثم طبع على جبين قُصي قبلةً خفيفة.

10


جفّت أنفاس قُصي في حلقه، وابتلع ريقه ببطءٍ، كأن حناجره تجرّعت الغصة.




اعتدل يزيد في وقفته، وقد بدا كأن الهواء ذاته أثقل مما يحتمل، عينيه علقتا على هيئة قُصي الجالس.




لم يتحرك له جفن، ولم يرتجف له طرف، لكنه كان
جامداً.

كان قُصي ساكناً وجسده متيبّسًا في سكونٍ يُشبه ما قبل الانفجار، غير أنّ ملامحه ارتدت سكينةً مخادعة، هدوءاً لا يُطمئن، بل يُ***.

أما يزيد، فداخله يمور كبركانٍ بلا فوهة.
هو لم يسبق له أن انخرط في علاقة عاطفيه، لم يجرّب طعم التعلّق،
وحين تجرأ أخيرًا..

وجد نفسهُ يُحبّ قاتلاً.

قاتل محتمل.


قاتل
وأمه هي القتيلة.

6


إنها ليست قصة حبٍّ تُروى، بل مأساة تُبتلع.




يزيد لا يكره قُصي، بل يعجز عن كراهيته.


يخافه؟
نعم.
ينفر منه؟
لا.


إنه فقط
لا يعلم كيف يُعايش صدمةً بهذه الغرابة.
الذهن مشوش، المشاعر متخبطة، والإجابات مفقودة.
2

وفي معمعة كل هذا..كان أقرب ردٍّ إنسانيّ،
أبسط ما تُنطِق به غريزة البقاء،
هو الفرار.
21

الفرار لا لأنه لا يُحب، بل لأنه لا يحتمل.


في لحظاتٍ كتلك،
لا ينتصر الحُبّ، بل ينتصر الذُعر.
1

"أنا.أنا بس مش فاهم ومش عارف أتعامل،يمكن لو كنت صارحتني بـدا من البدايه كنت حاولت أستوعب،أصلهُ صعب..صعب أوي ياقصي وغريب"
10

أومىء قُصي برأسه إيماءة خافتة، كأنها لم تكن، وقد انحدرت أصابعه تُطرق على حافة الطاولة طرقًا واهنًا متكررًا، لا يشبه سوى رجفة نفسٍ تُكابر.


لم يلتفت.


لم يُزِح بنظره نحو يزيد، ولا حتى لوهلة.


كان يُدرك، ويُدرك جيدًا،
أن عينيه إذا التقتا بعيني يزيد،
فإن ما تكبّده من صلابة،
سيتهاوى على عتبةٍ واحدةٍ من نظراته.
2

كان يعرف أن رمقةً واحدةً،
كفيلة بأن تكشف هشاشته.


هو لا يريد أن يبدو ضعيفًا،
لكن الحقيقة أنه كان ضعيفًا بما يكفي ليهرب من عينيه.


لمّ يزيد أوراقه وكتبهُ بأناةٍ مصطنعة، كأنما يُخفي في حركته اضطرابًا لا يُحتمل


ثم انسحب من المكتبة بصمتٍ مُطبق، دون أن يلتفت، دون أن ينظر خلفه، دون حتى أن يترك أثرًا يدل على أنه كان هُنا منذ لحظة.
13

وهو ظلّ في مكانه.


جسدٌ مُتسمّر، وسكونٌ يُخيف.


ولوهلة، فقط لوهلة، ارتسمت على فمه ابتسامة مائلة


من قال أنه لا يُحسن كبح انفعالاته؟


كان في مقدوره الآن أن ينهار، أن يحطم شيئًا، أن يقتل شخص ما.
لكنه لم يفعل.


هو فقط جلس.
ساكنًا.


هادئًا.


جداً.


كان ينتظر احتضانًا
انتظارًا واهنًا، لكنه حيّ، نابض، خفي.
8



لكن يزيد مرّ بجواره ومضى،
كما تمر الريح دون أن تلتفت للأشجار التي تتوسلها ظلاً.
2

وما تبقّى،
كان قصي وحده.
يجلس في الغياب.


نهض من مقعده ببطءٍ،ماداً يده بتلقائيةٍ يبحث عن مفاتيح دراجته الناريّة كأنما يتشبّث بشيءٍ يمنحه شعورًا بالتحكُّم،
ثم انسحب من رواق المكتبة بهدوءٍ قاتم، لا يصحبه إلا صدى خطواته المُتحفِّظة


الهواء البارد صفَع وجهه حين خرج،
فلم يجزع، ولم يرمش حتى، فقط أدار مفتاح الحديد.


لبس الخوذة بثقلٍ، ثم جلس على متن دراجته الناريّة كمن يعتلي تابوت هروبه،أدار المحرّك، وبدون وجهة
بدون نداء،
بدون رغبة واضحة في الوصول،
انطلق.


انطلق في الفراغ الممتدّ أمامه،
في الليل اللامتناهي


هو لا يعلم إلى أين يسير.
ولا يودّ أن يعلم.
هو فقط يريد أن يمشي.


زاد من سرعتهِ كأنّه يهرب من شيء يطارده،
ضغط على مقبض الدراجة بعنفٍ لم يُشبهه، ارتفعت سرعته إلى حدٍّ جنونيّ،إلى حدٍّ خالٍ من الحذر، خالٍ من الندم، خالٍ من التفكير.
3

شعر أنّ الهواء يخترق جلدهُ،لم يكن يرى الأنوار على جانبي الطريق،لم يعد يُميّز شكل البيوت أو اللوحات أو المارّة،كل شيء أصبح مجرد خيوطٍ ضوئية تتلاشى في سرعةِ عدوه.
4

كان يُريد أن يُخرس صوتهُ الداخلي،
أن يُفجّر الصمت الذي كان يتغذّى عليه منذ لحظة خروج يزيد من المكتبة.


ولوهلةِ.


خفَّض من سرعته تدريجياً، حتى بدأت أنفاسه تتناسق مع اهتزازات الدراجة الخافتة.


أشباح التهور بدأت تنسحب ببطء من أطرافه،
وحلّ مكانها اضطرابٌ داخليٌ مُر، يلتهم كل ما تبقّى من هدوئه المؤقت.


الكمين أمامه، واضحٌ كعلامةٍ فارقة في ليلٍ مُعتم،
عربات الشرطة مصطفة بإحكام، أضواءها الهادئة تخترق العتمة وتزيدها توتراً.
2

اقترب ببطء،
يده قابضةٌ على المقبض،
الخوذة تُخفي ملامحه جيداً، والجاكيت الجلدي يُغطي كتفيه وذراعيه تماماً، يُخبئ الوشوم التي يعرفها نصف قسم الشرطة بالاسم والشكل.


تمنّى في تلك اللحظة،
أن يكون الليل أكثر ظُلمة،
وأن يكون هذا الظابط غافلًا أو ساهيًا أو لا يعرفه أصلًا.


أوقف الدراجة أمام الحاجز الحديدي،
وهو يتنفس ببطءٍ مريض،
كأنّ قلبه يدقُّ في صدره على هيئة طَرقات تحذير.




"الخوذه"


رفع قصي الخوذة ببطء،ليكشف عن وجهٍ ساكن الملامح وفكٌ مشدود لا يحمل سوى البرود.


وبرغم الصمت الذي تلحف به،
إلا أن وجهه كان كافياً ليُعلن عن هويته دون كلمة.


الهواء البارد داعب خصلات شعره المبللة بالعرق،
وصوت المحرك الذي ما زال يعمل بخفوت في الخلفية.


الظابط، ذو الكرش المنسدل والابتسامة التي لا تُبشر بالخير،اقترب بخطوتين فقط،
ورسم على وجهه تلك -الابتسامة- التي لا تعني سوى شيء واحد.


المعرفة.


لم تكن ودودة، ولا حتى رسمية.
كانت ابتسامة من يعرفهُ جيداً.


في تلك اللحظة
لم يكن الليل مظلمًا بما يكفي ليخفِيه،
ولا الهدوء ساكنًا بما يكفي ليطمئنه.


"عاش من شافك ياراجل. إِنزّلِي"
5

هبط قصي عن دراجته بخطى راسخة، وهدوء عارمٍ ثم أزاح الخوذة ليضعها على المقعد، واعتدل في وقفته حتى استقامت قامتهُ كالسيف المسلول.


"كاسر الـ٣٠٠ وطاير في أرض *** ليه كدا. مستعجل أوي علي سهرتك الوسخه؟"
8

ألقىٰ كلماتهُ بتهكم فظّ وحين أنهاها بصق علي الأرض بقرف ظاهر ،حركة فجة أراد بها أن يُنزل من مقام من أمامه.


هو يعلم من يكون قصي.


ذلك الفتى الذي يُقال إنه لا يغيب عن حفلة، ولا يتوانى عن شربٍ أو عربدة،المُدلّل ، المكسوّ بالوشوم، المختبئ خلف دخان السجائر وصخب الليل الطويل.
4

"أه. أصل أمك بتنام بدري"
10

"هاتُوه."
صرخ الضابط بقوةٍ.
2

اقترب الشرطيان الآخران بخطى واثقة، نيتهما واضحة، قبضتهما مُهيّأة للمساس بذراع قصي، لدفعه أو سحبه نحو السيارة الرسمية المركونة إلى جوار الرصيف.


لكن قبل أن تمتد أيديهما، تحرك من تلقاء نفسه.


فتح باب السيارة، وجلس بالداخل كما لو كان ذاهبًا إلى وجهة يعرفها مُسبقًا.
لم ينبس بحرف، ولم يُبدِ أي مقاومة.
بل حتى عيونه ظلّت ساكنة، كأنها لم تَلمح سوى الفراغ.


كل شيء فيه كان ساكنًا
ساكنًا على نحوٍ مُخيف.


هو نفسه لم يفهم سبب هذا الثبات.
5

مرّت الدقائق ثقيلة، ملامح قصي ثابتة، ونظرته جامدة كأنها حُفرت في وجهه.
3



السيارة انحرفت بهدوء إلى اليمين، ثم توقفت أمام قسم الشرطة، ذلك البناء الرمادي المُوحش الذي بدا وكأنه يبتلع الأنفاس قبل أن يبتلع البشر.


انفتح الباب، وخرج قصي دون أن يُؤمر.


اصطف الشرطيان إلى جانبه، يسيرون بمحاذاته كأنهم يُرافقون أحد الضباط لا متّهمًا.
لكن قصي لم يلتفت لأي منهما.


دخل من بوابة القسم كأن المكان لا يعنيه بشيء، ولا يحمل له وزنًا.


لا استسلام، ولا تحدٍ.


هو فقط..
كان يسير.


"علي التخشيبه يقلبي"
1

دُفِعَ قصي بزجّة خفيّة من ذلك الشرطي المتشفّي، زجّة لا تخلو من نشوة الانتصار المزيّف.


الشرطي كان يبتسم، بل ويكاد يهتف فرحًا في سرّه، كأنّ العالم أخيرًا انقلب لصالحه، وكأنّ سقوط قصي هو لحظة تتويجه الخاصة.


قصي، الاسم الذي لا يمس، والظلّ الذي لا يُطال، والوجه الذي يمرّ بين الجميع كأنه ليس من هذا العالم.


لكن الفرحَة لم تكتمل.
4

فجأةً


خرج من مكتبهِ هو


رجلٌ فارع الطول، مشدود القامة، عريض المنكبين، يلفّه وقار البدلة العسكرية،شَعره الأسود مُسرّح بعناية، وملامحهُ مُحايدة لدرجة مُخيفة.


المُقدّم -
نُقشت على لوح خشبيّ مُعتّق على بابه، نقشًا غليظًا لا يليق إلا بمن يقود لا بمن يُقاد.


نظر إلى المشهد أمامه برهة، ثم ثبتت عيناه على قصي، لا على الشرطي.


تلاقت حدقتهما في صمتٍ مشدود، كأن كلاً منهما يُقلّب الآخر على نصلٍ حادّ، نظرة لم تكن عابرة ولا بريئة.


وخلفه، كان الشرطي الذي ساقه إلى هذا المكان، واقفًا كالمتردد بين خزيٍ وحنق.
"سيادة المُقدَّم، هو كان -"
3

لكنه لم يُكمل، إذ اجتثّه صوت الآخر الهادئ
رخيمٌ لا يُجادَل، ثابتٌ لا يُستأنف


"تَعال."
أشار إلي قُصي وهو يفتح باب مكتبهِ من جديد.


وجراء ذلك إلتفت قصي نحو الشرطي، ولم يقل شيئًا.


لكن ابتسامته قالت كل شيء.


ابتسامة جانبية، ماكرة، تتقاطر منها سخريةٌ مُبطنة، لا تَ*** ولا تَعتذر، بل تُعلن الانتصار دون حاجةٍ لانتصار.




دخل إلى المكتب كمن يعبر عتبة مألوفة،ثم جلس على الكرسي الجلديّ الوثير براحةٍ متناهية، كأنّه جالس في مقهى معتاد.


خلفه، انغلق الباب بهدوء، ودخل الرجل بخطواتٍ بطيئه مُتجهاً إلى طاولة صغيرة في الزاوية، أمسك بإبريق زجاجيّ ثقيل، وصب الماء في كأسٍ من البلور.
3

ثم حمل الكوب، وتقدّم نحو قصي يُعطيه إياه.


"ضايقك في حاجه البغل اللِ برا دا؟"
3

نفي قصي وهو يأخذ الكوب يرتشف منهُ الكثير.
"يعمنا ميقدرش علينا غير اللِ خلقنا"
3

أومئ الرَجُل مؤكداً حديثه وهو يبتسم مُظهراً غمازتيه "بدأت فاينل ولا لسه؟"
5

"السبت الجاي"


اتخذ مجلسه بالقرب من قصي،لم يجلس على الكرسي الفخم الكائن خلف المكتب بل اختار مقعداً مجاوراً


"دا ميكاترونكس بادئين بدري بقا؟"


أومئ قصي له وهو يرتشف آخر قطرة مياه في الكوب ليُتابع الآخر ببسمةِ لطيفه
"ماريوس مبيبطلش صياح"
5

"إنت هتقوليٌ يامُوريس دا ديك من يومه"
4

أومىء موريس بتأكيدٍ هادئ، تنهض خطواتهُ بتؤدةٍ وهو يلتقط مفاتيح سيارته من على المكتب.
و بنبرةٍ لا تخلو من حنوٍّ دفين


"طب قوم أوصلك."
2

لم تكن مجرد دعوة للمرافقة، بل كانت رغبة صريحة في البقاء قربه ولو لدقائق إضافية.
الحقيقة التي لا يُجيد موريس التلفظ بها كثيراً، هي أن قصي وشخص ما قد غابوا عنه طويلاً، وغيابهم ليس لطيفاً.
3

كان موريس ممن شهدوا مراحل نضوج قصي، رآه يتشكّل كفردٍ، وكغموضٍ، كصبيٍ غاضبٍ لا يثق بأحد، ثم كشابٍ يحمل فوق كتفيه أكثر مما تحتمله السنون.
1

وها هو الآن يجلس أمامهُ بهيئته الجديدة، المُثقلة بالصمت والشكوك، لكنه لا يزال ذلك الفتى الذي يتجنّب العناق، ويُخفي ضعفهُ خلف ملامح فولاذيّة.
4

ولم يكن سهلاً على موريس أن يقاوم رغبة احتوائه، أن لا يمد ذراعيه ويضمهُ بقوة الأب أو الشقيق، تماماً كما يفعل مع - ماريوس.
2

لكن ليس كل جميلٍ يُكتب له البقاء،
ولا كل ودٍّ يُروى يُكتب له أن يُثمر.
فبعض العلاقات تُخلق لتزهر قليلاً ثم تذبل.
6

-


كان جالسًا أمام حاسوبه المحمول، يحضّر أسئلة اختبار الجراحة المقرر طرحها قريبًا، وقد استقر إلى جانبه فنجان من القهوة بالحليب، تنبعث منه رائحة دافئة تُخالط هدوء الليل.




أما أودين، فكان في الحمّام يأخذ دُشًا دافئًا، تاركاً الباب مفتوح علي مصراعيه يُغني بصوت منخفض ينساب في أرجاء المكان كالموج المتكاسل.
4

وكان موضع الحمّام يقابل تمامًا مرمى بصر سيف، مما جعله -رغم انشغاله- يُبقي عينيه على جسد أودين العاري، يتأمّل الماء وهو ينحدر على جلده بسلاسةٍ فاتنة، يتبعه في كل حركة، حتى حين انحنى أو مدّ يده ليغتسل.
2

وكانت ثوانِ حتى دقّ جرس الباب، قاطعًا خيط الصمت المُتمدّد كضلعٍ مكسور في صدر المكان.
2

نهض سيف من مجلسه ببطءٍ،وقد فرغ توًّا من صياغة سؤاله الأخير،أزاح نظّارته عن وجهه،وسحب أنفاسًا خفيضة وهو يُعدّل من وضع قميصه دون اكتراث مُغلقاً باب الحمام الذي به أُودين، مُطمئنًا إلى ظنهِ بأن الزائر ليس سوى شقيقهُ الصغير.
5

ثم أدار المقبض فاتحاً الباب.


وانقبض قلبهُ انقباضًا عارمًا،
كأن بين أضلعه جمرًا انبعث من رمادٍ ساكن.


كان قصي، نعم
غير أنه لم يكن وحده.


كان برفقتهِ مُـورِيس.


موريس، بذاته، واقف أمامهُ، ملامحه لا تنطق إلا بالسكينة، وعيناهُ المُنعسَتان تحدقان فيه في ثباتٍ لا يخلو من لطفٍ مُبهم.


تخشب سيف في موضعه، كأن جسدهُ أُفرغ من الهواء دفعة واحدة، ولم يشعر حتى بأن قصي قد عبر العتبة.
6

كان مُعلقًا بذلك الحضور الصامت، المشبع بذكرى خفية لا تزال تسكن في أعماقه.
7

موريس
ذلك الاسم لم يُنطق بين شفتيه منذ أعوام، لكن صدى العلاقة المبتورة التي جمعت بينهما، وامتدت لخمسة أعوامٍ كاملة، ثم تهاوت في عامها السادس، ما زال يُجيد رجّ القلب برجفةٍ لا تُقاوَم.
6

ثلاث سنوات مرّت على القطيعة
ثلاث سنوات كَامله.
3

"إِتفضل"


اهتزّ صوتهُ من الداخل لكن قسمات وجهه ظلّت صلبة، كأنها نُحتت من حجرٍ يرفض الانهيار.
كان سيف واقفًا بثباتٍ خادع، بينما الموج يتكسّر داخلهُ في صمت.


أما موريس، فظلّ مُعلّقًا بين الرغبة والرّهبة، واقفًا على عتبة القرار،
كان يعلم، يقينًا، أن دخولهُ يُعدّ تجاوزًا صريحًا لحدودٍ طُويت من زمن.
2

لكن قدميه خانتاه، أو لعلّهما أنصفتا قلبهُ المُنهك..


فدخل.


"هو.. قصي كان في القسم، يعني، مش علشان حاجة كبيرة، لأ، يعني، بسبب واحد غبي، إنت عارف طبعًا، فـأنا، لما دخلت من المكتب،لأ، خرجت، خرجت من المكتب، لقيته، يعني هو، كان قاعد، قصدي واقف-"
17



"تشرب إيه ؟"
3

"مايـه!"
2

نطق موريس على عَجل، كمن يُلقي بنفسه من حافة خجلهِ قبل أن يتراجع.
صوتهُ خرج مرتعشًا، متقطعًا كنبضٍ غير مُنتظم، يُجاهد أن يبدو طبيعيًا،
بينما كانت كفّهُ تُحكّ مؤخرة رأسه بتوترٍ فاضح، كأنما يبحث عن مفرٍ داخلي في مكانٍ لم يعد يسعه.


في تلك اللحظة، بدا وكأنه يكلّم سيف للمرّة الأولى،
كأن كلّ الأعوام التي مضت قد أُزيحت جانبًا.


أما سيف، فقد انسحب إلى المطبخ بخطواتٍ بطيئة، تُقاوم ثقلًا غير منظور،كأن جدران المكان تضيق، والهواء يثقل رئتيه أكثر مما يحتمل.


وقف في منتصف المطبخ ، في تَرَدُّدٍ حائر، لا يدري ما يُفترض أن يصنعه أو يقوله،جسده ثابت، لكن عقله كان يركض في كل الاتجاهات،


يريد الهروب... دون أن يتحرّك.


مضت لحظات.


ثم تحرّك أخيرًا، وكأنه يُفرّغ صمته في حركة.
أخرج كوبًا وملأهُ بالماء، وجاوره بكوبٍ آخر من عصير المانجا المُركّز،ذاك النوع الذي يعرف - دون حاجة للتفكير - أن موريس يُفضّله.
3

دائماً كان يُفضل العصائر المُركزّه.


"قصي دخل ينام؟"


همس موريس،وهو يُقلّب ناظريه في أرجاء الشقّة الصامتة، فلم يكن ثمّه وجود لـقُصي.


أما الأخر فاكتفى بهَمهمة خافتة، بينما يمدّ يده ببطءٍ رصين نحو موريس، يُناولهُ كوب العصير.


"إيه أخبار الجواز؟"
8

أردف سيف رفقةِ إبتسامته بهدوء مُقنّن، وجلس مُفرّقًا بين ساقيه،نظراته لم تكن حادة، بل محمّلة بشيءٍ من اللين الخافت.


موريس، في المقابل، لم يكن يملك خيارًا حقيقيًا؛ إضطر أن يبتسم بِزيف تام -
لا لأنّ قلبه أراد، بل لأنّ صمته بات فاضحًا، وكان لا بد من أن يسدّه بشيء، حتى لو كان ابتسامة مهزومة.
4

وعلى الرغم من أن ملامحهِ ظلت تحمل شيئًا من الوقار المُتعَب،
إلا أن يده المرتجفة حول الكوب كانت تفضحه.


ولعلّ أكثر ما أفقد تلك اللحظة توازنها..
أن سيف لاحظ أن إصبع موريس الأيسر كان خاليًا تمامًا.


خاتم الزواج لم يكن هناك.
4

ارتشف موريس رشفة بطيئة من كوب العصير،
رشفة لم تكن لتُطفئ عطشًا بقدر ما كانت محاولة ليبلع شيئًا في حلقه.




"طلقتها."
7

"لعلهُ خير"
همس سيف بصوتٍ منخفض كأن أنفاسه تُوشك أن تتعثر فيه.


"كانت عايزه *****..وإنت عارف إني مش
بحبهم ولا بعرف أتعامل معاهم"
6

تابع موريس حديثه بصوتٍ خافت متقطع،
يرتشف من كوب العصير على فتراتٍ متقاربة،
كأن المانجو المُركّز يُخفف حدّة مرارة الحديث.


وعيناهُ
لم تُغادر تلك البقعة الخالية على الطاولة أمامه،
رفضت الالتقاء بعيني سيف.


"أنا إكتشفت إنيِ عمري ماعرفتك"
3

قهقهَ سيف قهقهةً خافتةً في ختام كلماته، قهقهة مُجردة من البهجة، خاوية من أي شعور سوى التصدُّع.


لكنّهُ عَلِم -كما عَلِم موريس - أنها ليست موضع ضحك.
بل إنّها المرآة العاكسة لمأساةٍ نُطقت على استحياء، وانكسرت على أعتاب الحلق، ثم ترقرقت في نبرات متقطّعة.


كلاهما سمع صوت إغلاق باب الحمام في الطرف الآخر من الشقّة.
لكن لا أحد منهم التفت.
لم يتحرك أحد. لم يتكلّم أحد.


سيف ظلّ يحملق في ملامح موريس،
وموريس ظلّ يُحدّق في الأرض بثباتٍ شاحب.


السكينة التي حلّت لم تكن سلاماً أكثر من كونها حداداً.


دخل أودين غرفته هو وسيف بعدما أنهىٰ إستحمامهُ بخطواتٍ رتيبة ،لكن جسده انتفض فجأة، كمن صُعق، حين وقعت عيناه على هيئة قصي الممددة على السرير.
2

كان نائمًا أو متظاهرًا بالنوم.


"ياأحا هما بيطلعوا إمتا!"
3

"قرب غطيني"
همس صوت قصي منبعثًا بخفوتٍ مبحوح، كأن كلماته تسللت من تحت الوسادة.
2

فقد كان مُستلقيًا على بطنه، ظهره نحو السقف ووجهه مدفون جزئيًا في الوسادة، كأنه يهرب منها أو يذوب فيها.


إقترب أودين منهُ ببطء قَلِق.
"تعبان ولا إيه؟"


"غطيني يعم عايز أتخمد"
1

لبث أودين واقفًا للحظاتٍ وجيزة، يُحدّق في جسد قصي المستكين كمن يُحاول فك شيفرة الصمت المنبعث منه، ثم مدّ يده بتؤدة ورفع الغطاء، ليُسدلَهُ بلُطفٍ على جسده.


جثا بجواره على حافة السرير، في سكونٍ مُرهف، يرقب تقلبات أنفاسه المُضطربة، يَطبطب على كتفه برفق كأنّه يُطمئن طفلاً خائفًا ثم نبس بصوت مازح
2

"لو فيه حاجه مضايقك إنهار يسطا عادي ،الدول وإقتصادها مش أحسن منك في حاجه"
12



إبتسم قصي ابتسامة باهتة، بالكاد ظهرت على قسمات وجهه المُنهك، وشد الغطاء حول جسده كما لو أنه يحتمي به من شيءٍ داخلي يُوشك أن ينفجر.


"عارف مين اللي برا؟"
4

كان يدرك تمامًا ما يفعل
لم يكن السؤال بريئًا،
ولا الرغبة في الجواب حقيقية.


هو فقط كان يُصارع شيئًا أكبر من احتماله.
لو بقي أودين يُحادثه بذلك الأسلوب الحاني، يُربت عليه بتلك اللمسات الصامتة، فسيتشظّى من الداخل.. سينهار كليًا، ولن يستطيع أن يوقف دموعه.
5

أطلق السؤال كحيلة دفاعية، كطعنة يطرد بها اللُطف الذي لا يقدر على احتماله الآن.


هو يعلم أن العلاقة بين أودين وموريس سيئة وللغايه يعلم تمامًا أن هذا السؤال، بتوقيته، كفيل بأن يدفع أودين للخروج.


"مين؟"


"موريس"


أظلمت ملامح أودين حينما تسلّل ذاك الأسم إلى مسامعه كما تتسلّل قطرة سمّ إلى نهرٍ راكد.


لم ينبس ببنت شفة،بل حمل جسده وانصرف من الغرفة، أغلق النور وتلاهُ غلقهِ للباب على قصي ثم تركه خلفه يتنفس بثقلٍ كأنما تنهداته تحمل عظامه من التهشّم.
5

قصي ظل مسمّراً في مكانه، مُغمض العينين، كأن غياب أودين لا يعني الراحة بل استراحة مؤقتة من مواجهة أُخرى.
مواجهة مع ذاته.


وفي الخارج، خطى أودين نحو بهو الشقّة حيث كان سيف يجلس، دون أن يُظهر شيئاً من غليانه الداخلي.


كان يعلم أنه رأى شخصاً يجلس إلى جوار سيف، لكن عقله لم يتخيل ولا لمحة من احتمالية أن يكون موريس هو ذاك الشخص، لم يتصوّر ولا بنسبة ضئيلة، أن يعود ذاك الوجه من بين غبار الذاكرة.
1

اقترب منهم بخطى محسوبة، مرسوم على وجهه قناعٌ شمعيّ بارد، تتوسطه ابتسامة مزيفة قد تكون ابتسامة مُضيفٍ أو غريمٍ في هدنة.


لم يُمهل سيف فرصة للّحاق بنظراته، بل انحنى في ومضةٍ خاطفة وطبع قبلة خافتة على شفتيه، ثم جلس إلى جواره بثباتٍ يفتك بأعماقه.
8

إبتسامته باقية على فمه، لكن عينيه لم تبتسما.


هو لم يأتِ ليجلس
بل أتى ليعلن أنه هنا.
3

"موريس،إيه الأخبار عامل إيه؟"


وضع موريس الكوب برفق على الطاولة، وصدى احتكاك الزجاج بخشب السطح بدا كأنّه جرس خافت يعلن انتهاء جلسته المؤقتة، أو ربما نهاية مشهد لم يرغب بتأمله أكثر.
4



عيناه سكنت ببرود على القرب الجسدي بين سيف وأودين، على لمسة اليد، على قُبلة لم تمحُها اللحظة بعد من ملامح المكان.


ابتسم بهدوء، لكنها لم تكن راضية تماماً
"الحمد *** في نعمه "


ثم نهض، يُعدل ياقة معطفه ببطء
"مُضطر أمشي. الوقت اتأخر."


"مع السلامة"
ردّ أودين سريعًا، بنبرة ثابتة جافة، لا تهتز ولا تتلون.
9

أما سيف، فوقف من مكانهِ، خطواته كانت بطيئة وهو يُرافق موريس حتى باب الشقة، وصوته لم ينبس بكلمة بعد، فقط صمتٌ معلّق، ثقيل، يُفسح الطريق لرحيلٍ لم يُغلقه تمامًا.


وقف سيف أمام الباب، ساكنًا كظلٍ أثقلته الخيبات، في حين مرّ موريس من العتبة بصمتٍ.


كان في قلب موريس رغبة خفية أن يستدير، أن يلتقط من ملامح سيف جملة أخيرة، أو حتى نظرة لكن قدميه خذلتاه.
مضى دون أن يلتفت.
7

"مكانش لِزُومه"


أردف سيف وهو يقترب من أودين الذي انتصب واقفًا، يربع ذراعه أمام صدره
"لزوم إيه؟"


"البوسه"
7

"إيه دا يقلبي خايف علي مشاعرهُ؟
أروح أبوس طيزه عشان ميزعلش يعني ولا إيه؟"
4

وبتهكم نطق أودين وهو يتحرّك بخطى سريعة نحو الغرفة التي أوى إليها قُصي.


لكنّه لم يكد يخطو أكثر من خطوتين حتى استوقفه صوت سيف
"خُد تعال"


"تصبح علي خير."
قالها أودين بهدوءٍ
ثم ولج الغرفة وأغلق الباب وراءه،
وترك سيف واقفًا في الرواق المعتم.


سيف لم يتحرك،
لم يعرف إن كان عليه أن يضحك من عبثية الموقف،
أم أن يزفر بثقل ويعترف لنفسه أن تلك الجملة كانت أشد وقعًا من أي شجار.


ظل واقفًا هناك ألا أن إستوعب أنهُ بمفرده
"أحا إنتوا هتناموا في الأوضه سوا وهتسيبوني في التانيه لوحدي؟"
3

فتح أودين الباب سريعاً وهو يُشير لـسيف
"إيـه؟ خايف يادكتور؟إتصل علي سيادة المُقدم يجي يأمنلك الأوضة"
ثم أغلقه بعنف في وجههِ مرةَ أُخرىٰ.
13

إلتفت أودين نحو الجسد المسجّى على السرير، نظراته تلامس ملامح قصي الساكنة في صمتٍ متعمّد،لكنّ السكون لم يكن منامًا، ولم تكن العينان المغلقتان سوى هروبٍ مؤقّت من كل شيء.


قصي لم يكن نائمًا؛ بل أسيرًا بين جفنيه، يُطارد بأنفاسه المرتعشة أحداث اليوم.




كان كلما أغمض عينيه ليرتاح،
انبعثت ذاكرته كأسرابٍ من الدخان، تتسلل لعقله دون رحمة.


تُعيد له التفاصيل بترتيبٍ موجع النظرات، الصمت، الكلمات المبتورة، وظهر الأبواب المغلقة.


تنهد أودين، ثم تقدّم بخطواتٍ بطيئة حتى لامس طرف السرير،وجلَس أولًا، ثم تمدد جواره بتروٍ، دون أن ينبس بكلمة.


مضت دقائق قليلة.
تهادت في سكونٍ خافتٍ لم يُعكّره سوى أنفاسٍ متقطعة، وصمتٌ هادئ.


ثم، ببطءٍ مهيب، انفرج باب الغرفة
فاندفع نور الصالة الشاحب كزائرٍ غير مرحّب به، يزيح ظلمتها برفقٍ مُباغت.


خطى سيف إلى الداخل بخفّة مُتناهية،اقترب حتى بلغ الموضع الذي استلقى فيه أودين، والسكون مازال يجلل المكان.
2

ثم انحنى بهدوءٍ تام،و وضع قُبلة لطيفه على شِفاه أودين "ممكن نتكلم برا ؟"
همس سيف وهو يضع قُبلاً كثيره ومتناثره علي وجهِ أودين الذي إبتسم محاولاً تزّيف ضِيقهِ من سيف
7

"إبعد وبطل تلزيق"


في جوهرهِ، لم يكن أودين يومًا ذلك الذي يعرف كيف يحتفظ بالغضب في حضرة سيف.
حتى وإن حاول أن يتّسع صدره للعتاب، أو أن يُلبِس صوته ثوب القسوة،إلا أن كل محاولاته تنهار كأنها بُنيت من رملٍ هشّ على شاطئٍ عاصف.


هو ببساطة يُحبّه.
3

"الواد هيصحىٰ يابارد!"
1

همس أودين بخفوتٍ متهدّج، وابتسامة صغيرة تتراقص على طرف شفتيه، كأنها خرجت من بين ضلوعه لا من فمه.


ذلك لأن سيف لم يبتعد.
بل على العكس.
اقترب أكثر.


وظل يطبع قبلاته بعشوائيّة على ملامح أودين المندهشة - كطفل يُحاول إصلاح لعبته المكسورة بتكرار القبل.
قُبلة على الجبين،
ثم الخد،
ثم جانب الشفاه
ثم أعلى الأنف.


"الواد صاحي أصلاً يهايج مِنك ليه"
11

صرخ قُصي بعنفٍ مُفتعل، كأنما مسّه شيء مُقزز، وارتسمت على وجهه ملامح مُبالغ فيها من القرف والاشمئزاز مازحاً،ثم نهض دفعة واحدة من على السرير.


"قلبك جايبك لإيه ياض"
شمّر سيف عن ساعديهِ قاصداً شقيقه.


"ياربنا.سيب إبني في حاله!"
سحب أودين قُصي خلفهُ كأنه أم تخاف علي إبنها.
3

"أنا ماشي وسيبهالك مِخضره. نيك بقا براحتك"
خرج قصي من خلف أودين وحديثهُ جعل سيف يقهقه.
3



أما أودين، فاستدار ينظر لهما بعينين متوسعتين من فرط المبالغة
"حد يقول علي مامي كدا ؟"
6

"بقولك ترانس مش راضي تصدقني"
سخر قصي ليتلقىٰ ضربةً خفيفه علي صدرهِ وهو يُغادر الغرفة سريعاً.
3

كان الأكبر يظن أن قُصي يمزح، وأنه لن يغادر فعلاً.. لكن صوت باب الشقة وهو يُغلق خلفه بإحكام، جعله ينتفض واقفًا، يتأكّد بعينيه أن قُصي قد رحل بالفعل.
2

في عقله، كان يظن أنه سيعود للنوم في غرفة أخرى
لكنه لم يفعل.


و شروده انقطع فجأةً
حين اقترب منه أودين، دون صوت، ووضع يده برفق فوق قضيبه يتحرك بها ببطءٍ محسوب، وعيناه تتأملان وجه سيف بتروٍ.


ثم همس بصوتٍ يكاد يُسمع
"سيبه براحته ياحبيبي"


همهم سيف بأنفاسٍ متقطعة، ثم سحب أودين من خصره فجأة، بقوةٍ تكشف عن اشتعالٍ مكتوم، وانقضّ على شفتيه بعنفٍ متعطّش، كأنه أراد أن يبتلعه لا يُقبّله.


كانت يداه تجوبان ظهره بانفعال، قبل أن تنزل فجأة إلى موخرته، يضغط عليها بقوّةٍ واضحة، كأنّه يُفرغ فيها ما لا يُقال.


ولم يكن من أودين سوى التأوه بتغنج.
3

-


إنبثقت الشمس عبر النافذة الزجاجية، وتسلّلت خيوطها بخفةٍ إلى الغرفة، تطرق بعنادٍ على ملامح المستلقي فوق السرير.


لكنها لم تُزعجه.
لم يكن نائمًا من الأساس.


انقضى الليل، وأَقبل الصباح، ويزيد لم يذق طعم النوم، لا لأن النوم جافاه، بل لأنه لم يملك القدرة على دعوته من الأساس.
3

عيناه العسليّتان ظلّتا ساهرتين، كأنهما في حالة ترقّب لشيء لا يأتي.


كان ممددًا على ظهره، وصدره يحمل الكائن الوحيد القادر على منحه بعض السكينة قطه الصغير نيمو، الذي اتخذ من قلبه وسادةً ومن أنفاسه مهدًا.


كان يُمرر أنامله بهدوء بين وبر القط الكثيف، كأن في الحركة نوعًا من الطقوس المُسكنة.


عيناه تتنقلان بتراخٍ، تارةً إلى النافذة التي انسابت منها الشمس، وتارة إلى سقف الغرفة الصامت، ثم إلى عقارب الساعة التي كانت تتحرك دون اكتراث عكسه تمامًا.


الوقت يمرّ.


لكن ما بداخله
عالق.


"ياصباح الخرا علي اللِي إخترع
التعليم واللي عايز يتعلم."
1

صرخ مالك بتأففٍ جليّ وهو يندفع داخل الغرفة، مغلقًا الباب خلفهُ بحدةٍ لا تخلو من انزعاجٍ مكتوم.
كانت خُطاه تنضح بالضيق، وجسده ما زال يحمل رطوبة البخار المُنساب من استحمامه القصير.




"أنا بضِيع يا وديع"
6

راح يُحادث ذاته بنبرةٍ نصف مسموعة، وهو يمد يدهُ ويمسك بالكتاب المستقر فوق فراش يزيد، تطلع فيه لحظاتٍ كأنه موضع اتهام، ثم رماه أرضًا بنفورٍ لا يُخفيه.


مدّ ذراعيه بعدها ليمسك بـ نيمو الذي أطلق مواءً خافتًا متذمرًا، كأنه يعترض على هذا المصير غير العادل، فرفعه مالك دون اكتراث، وألقاه برفقٍ ساخر فوق السرير المقابل، ثم جلس إلى جوار يزيد بتنهيدةٍ طويله.


"قولتلي هبقا أقولك مالي بكره،
بُكره جه وإنت لسه منطقتش."


ارتسمت على محيا يزيد ابتسامة خفيفة، هادئة، امتزج فيها الامتنان بالسكينة، كأن قلبه تنبّه فجأة لنعمة وجود مالك في حياته.


كان في حنان مالك ما يُشبه حضنًا غير مرئيّ، دافئًا دون حاجةٍ للغة، لطيفًا بلا تكلّف، ومُريحاً.


"بُص"


"بصيت"


ثم اعتدل يزيد في جلسته ببطء، كأن بدنه يُمهّد لاعتراف ثقيل يستقر على صدره منذ وقتٍ طويل.


زفر أنفاسه بعمق، ومال بجسده قليلًا للأمام، عيناه العسليّتان تاهتا للحظة بين أطراف الغرفة، ثم استقرتا على ملامح مالك المتأهبة، المُنصتة بلا استعجال.


"قولت لـقُصي يبعد عني"
1

رفع الأخر حاجبيه معاً في ومضة دهشة قصيرة، كأن جسده كله تحفَّز فجأة، ثم اعتدل في جلسته ببطء محسوب، وأدار جسده نحو يزيد بالكامل، كأنّه يُزيح كل ما عداه ليُفرِغ حيّزه لصوت صديقه.


"هو أنا مقولتهاش دايركت كدا،هو اللي جه وقالي لو عايز تِكمل معايا خليك قاعد ولو مش عايز قوم إمشي..وأنا مشيت "
6

"أنا بس مش فاهم يامالك أنا عايز إيه، اوقات بحس إني خايف وقلقان إن كلام القضية دا صح ويطلع فعلاً قتل مامته! -


ابتلع يزيد ما في جوفه،وعسليتاه ثبتتا في عيني مالك من جديد.


"وأوقات بحس لأ.قصي اللي انا أعرفهُ عمره ما يعمل حاجه زي كدا،هو كان بيكلمني عنها وباين حُبه ليها ،
هو بردو مقاليش أي حاجه عن القضيه دي في الأول خالص ،ولا حتى يامالك بيحكيلي عن أي حاجه تُخصه ،معرفش هو مش عاطيني الأمان ولا هو حاطط في دماغه إنها فتره وبيتسلىٰ !"
10

ما إن ارتسمت ملامح العبوس على وجه مالك، حتى خفتت الهالة المرحة التي كانت تسبقه بدقائق، وكأن ثقلًا هبط فجأة على صدره.


تحركت يده تلقائيًا نحو فخذ يزيد، في لمسة خفيفة أقرب لطمأنة مرتبكة، وكأنه يحاول أن يثبت له أنه موجود، أنه هنا.




وكان على وشك أن ينطق لكن يزيد سبقه، بصوتٍ هادئٍ هشّ، كأنّ كل حرف فيه يخرج من قلب متصدّع.


عيناه كانتا تتلألأان بنُسغٍ مائيٍ شفاف، قطراتٌ صغيرة من صبرٍ نفد، من بوحٍ مُؤجل.


"ه.هو بردو المفروض يلتمس ليا العُذر،انا في بعض المواقف مبعرفش أتعامل ،ببقا محتاج حد يقولي المفروض تِعمل كذا،أنا متربتش مع ماما تِوجهّني في الأمور دي ،انا بردو خايف وقلقان مش هو لوحده "
8

"طب إهدىٰ ياحبيبي عادي.عادي و****"
ربّت مالك على ظهره برفقٍ مُفرط، بحنوٍ يشبه نسمةً حانية بعد عاصفة.


وهو يرىٰ عينان يزيد اللامعتان، صدره المُضطرب، وشفاهه المُطبقة التي ترتجف بخفاء، كلها كانت دلائل على الحرب الداخلية التي يخوضها.


"عادي يابابا ياما بيحصل ،المهم بس إنك نفسياً مرتاح ومش حاسس إنك مضغوط."
1

نبس مالك بهدوءٍ يُشبه الهَمْس،ثم إقترب ليُقبِّل جبهة يزيد قُبلةً حانية.


تعمد ألا يذكر قُصي، وكأنّه يُدرك أن أي اقتراب من ذِكره سيكون كمن يسكب ملحًا على جُرحٍ حديث.


لم يكن وقتُ التبرير، ولا مساحةً لعرض وجهات النظر، يزيد لا يحتاج رأيًا، بل كتفًا.
2

لا يحتاج نصيحة، بل حضنًا يأوي إليه دون شرط.


هو فقط أراد أن يفتح له الباب -باب الفضفضة- حتى وإن خرج منها كل ما هو حارٌّ وموجِع.


"وفيه حاجات كتير ،كتير أوي غريبه هو مخبيها عني وأنا اللي لاحظتها.. يعني حوار أنه عنده كوابيس طول الوقت وبيقوم مفزوع علطول،وضهرهُ اللي عليه حرفياً علامه بالطول كأنه كان مقسوم بالنص والندبه دي محدش يشوفها أصلاً بسبب التاتو، أنا حسيتها لما كان نايم في حضني من غير تيشيرت ، وأدوية للإكتئاب والحشيش اللي بيشربه ،كل دا صعب وغريب ،وأنا سايبهُ براحته لحد ما يرتاح ويجي هو بنفسهُ يحكيلي.. بس هو مجاش يا مالك"
10

همهم مالك بخفوتٍ دافئ،عيناه ساكنتان، وملامحهُ هادئة تتخللها لمسة من التفهّم.


تركه يتحدّث، تمامًا كما يترك البحر موجه يعلو ويهبط حتى يهدأ بذاته. لم يُقاطع، لم يُبادر، فقط كان هناك
وكان هذا أكثر مما يحتاجه يزيد.


"فـأنا حالياً مش عارف أعمل إيه بس أنا خايف عليه وخايف مِنهُ "
4

حاول مالك أن يرسم ابتسامة رقيقة على محياه، لكن ظلال الحزن تسللت إلى قسماته رغمًا عنه، كأن الكلمة التي تفوّه بها يزيد - خايف من قصي- اخترقت شيئًا داخله.
5



ذاك الاسم، الذي كان يومًا مرادفًا للسكينة أصبح الآن عنوانًا للرعب؟


ذاك الذي كان في عيني يزيد وطنًا، صار اليوم تهديدًا؟


فأي فاجعة أقسى من أن تتحوّل من ملاذ- إلى مصدر قلق ؟
أن تُصبح أنت سببًا في رجفة من أحبك، لا طمأنينته؟


"هنام شويه عشان معرفتش أنام بليل "


همس يزيد بصوتٍ خافتٍ متهدّج،وسحب الغطاء ليُغطي به جسده بأكمله، كمن يحاول دفن ما يشعر به، لا احتماءً من البرد، بل اتّقاءً لوطأة العالم.
1

ولم يتأخر مالك.


فقد انحنى ليحتضنه من فوق الغطاء، يلفّه بذراعيه بقوةٍ حانية "تصبح علي خير ياحبيبي"


تنهد بصمت ثم ابتعد عن يزيد بحركة خفيفة، متجنبًا أن يُزعج استسلامه المتعب للنعاس، التقط هاتفه من جوار السرير، ثم وقبل أن يخطو خارج الغرفة، اتجه نحو النافذة.


بهدوءٍ بالغ، أسدل الستائر وأغلق الشُباك، حتى لا تتسلل أشعة الشمس فتوقظ الذي يحاول النوم.


ثم عاد أدراجه نحو الباب، فتحه بحذرٍ وأغلقه برفق
مُتجهاً نحو غرفة كريم.


طرق مالك الباب ثَلاثاً بإيقاعٍ ثابتٍ،ثوانٍ فقط كانت كافية، وانفتح الباب على مهلٍ كأنّ النعاس يُمسك بمقبضه، ليطلّ كريم بملامحٍ مبلّلة بالكسل، وعينين ناعستين ما زالتا تُصارعان أثر النوم، وكتفين عاريين لا يكسوهما سوى البرد.


صدره العاري في هذا الشتاء كان شهادةً على لا مبالاته المعتادة، لا يسترهُ غير بنطالٍ.


ثمّ، وبدون أدنى مقدمة، سحب كريم مالك إليه بجاذبيةٍ خاطفة، كأنما يُعيده إلى مكانٍ يخصّه، وأغلق الباب خلفه.


قبّله على شفتَيه دون أن ينظر أو يتردد، بشوقٍ صامتٍ لا يشبه تلهّف البارحة، وكأن الأمس لم يكن كافيًا.


"صباح الملبن ياقشطه"
2

همس الأكبر بصوتٍ ناعس، كأن كلماته تتساقط من بين شفتيه بثقل النوم ودفء المألوف.


"لِحقت أوحشك ولا إيه؟"


"أم العيال مقدرش أستغنىَ"
1

"يابيئه"
صفع صدرهُ العاري ليبتعد عنه مُتاخذاً مجلساً علي سرير كريم.


ليقترب الأكبر بخطواتٍ واهنة، يتثاءب ،ثم تداعى بجسده بتلقائية تامة ليستقر رأسه فوق فخذ مالك،
تنهد بخفوتٍ وهو يدفن نصف وجهه في دفء ملابسه،وذراعه امتدت بتكاسل كمن لا يرغب بشيء سوى أن يتشبث بهذا السكون.




"يزيد وقصى سابوا بعض"


همهم كريم بخفوتٍ كأنه أكثر شيء إعتيادي في هذا اليوم.


"هو إيه اللي هممم، بقولك سابوا بعض"


إمتعضت ملامح مالك من قسمات كريم التي لم يعترها أي تغيّر ،هو فقط لم يكن متفاجئ كأنه توقع حدوث هذا.


"قولتلك في الأول إنهم مش شبه بعض بس إنت سَمعتِني محاضرة أقطاب ومش عارف إيه"
5

"إنت بتهزر ياكريم!"


تأفف مالك تأففًا خافتًا،بينما كانت أنامله تُمارس فعلًا نقيضًا تمامًا، تُمرر برفقٍ بالغ بين خصلات شعر كريم الناعسة، وكأنه يغزل صمتًا فوق رأسه.


"أبداً يقلب كريم"


ثم ساد الصمت بينهما لوهلة، صمتٌ لطيف.


حيث كان صوت العصافير المُغردة عند النافذة يتسلّل بثقة إلى أذنيهما، وبينما يُحرك كريم رأسه ببطء فوق فخذ حبيبهِ نطق بصوت هادئ


"إحنا ماشيين بكره"


"مين إحنا؟"


أشار كريم إلى نفسه ثم إلى مالك، في إيماءة واضحة تقصد أن موعد العودة إلى منزل العائلة قد حان.


فـزواج شقيقته جيهان بات وشيكًا، والتجهيزات تضغط بثقلها علي العائلة أجمع، تفرض عليه الحضور والمشاركة.


أما مالك، فكان مترددًا، متحفظًا، لم يرغب في أن يظهر وكأنه يتعدّى حدوده على أيام العائلة الخاصة، خاصّةً أن الزواج ما زال يفصلهُ عنه عدّة أيام.


إلا أن كريم، بعينيه الناعستين وإصراره الهادئ
لم يكن يطلب، بل يُصر.
لا يدعو، بل يُدرج مالك ضمن النواة الأولى لما هو آتٍ.


مالك لم يكن يعرف أين يضع خجله، لكنه شعر بأن هذا الإصرار المُحبّ يحمل شيئًا أكبر من مجرد مشاركة في تجهيزات.
كان وعدًا صامتًا، بأنه مرحّب به، مهما تقدّم الوقت أو تأخر.
2

"هنروح للبيكيني يقلبي"
مازحهُ مالك وهو يسحب شعره بخفةٍ غير مؤذيه،
نظراً لأن كريم وسيم بالفعل ولديه طول متناسق لا يمر في أي مكان دون أن تُسلَّط عليه الأنظار.


في كل مكان، في كل مجلس، لا بد أن تلتفت إليه إحداهنّ، لا بد أن يقترب منه أحدهم، يسأله أو يبتدر الحديث معه دون مناسبة.


ألا أن كريم يرفض ذاك التعارف بكل وقاحة أُوتى بها ،فـهو فظ غليظ مع أي شخص ليس بـ مالك.




"مفيش بيكيني في الشتا"


"هنروح للمحّزق والملَزق"


"كاره للنساء بفضل ***"
3

ثم قهقه مالك بصفاءٍ خالص، كأن الضحكة انبثقت من أعمق نقطة في صدره،ضحكة امتزج فيها التعجّب بالحُب، حيث كانت ردود كريم سريعه وهادئه كأنه مُستعد لهذا.


"إديني سبب أتخانق معاك عليه"


"إني نايم عريان"
إقترح كريم وهو يتمدد بأريحية إستبدت أوصاله.


"إيه دا صحيح.نايم عريان ليه؟"
رفع مالك حاجبه الأيسر في بطءٍ مقصود درامي.


"متسألنيش دايركت كدا ،قوم دور في الدولاب وتحت السرير،إي الخيابه دي هعلمك تنكد عليا إزاي؟"


"ما إنت جود مان ومش بتعمل حاجه تخليني أنكد عليك لدرجة إني ناسي هما بينكدوا إزاي"
3

أردف مالك بنبرة رقيقة مُدللة، تنزّ بالحُنو والدلال، وهو يُمرر أنامله بخفةٍ مقصودة فوق عضلات كريم البارزة.


وفي غمضةِ عينٍ،
انقلب المشهد سريعاً.


حيثُ اعتدل كريم فجأة، حركته كانت خاطفة،وسحب مالك من ساقيه بخفةٍ أربكته،
حتى وجد الأخير نفسه ممدداً تماماً على السرير، وكريم فوقه بدقةٍ تامة،كأن جسده صُمم ليُطبق عليه بهذا الشكل المُتقن.


انطلقت من شفتي مالك قهقهةٌ عفوية، صافية لا تكترث بأي تحفظ،ضحكته تلك لم تكن فقط على عنصر المفاجأة، بل لأنها جاءت من شخص يعرف جيداً أنه لا مهرب من هذا الحضور الطاغي فوقه.


ضحك لأن كريم لا يزال يعرف كيف يُربكه..


"وعشاني جود مان أستاهل أنيكك"
6

ولا زال مالك يضحك، ضحكة رخوة تتهدج بين أنفاسه المتلاحقة، وعيونه تلمع بسُكْرٍ عاطفي لا يُقاوَم.


نفى برأسه بخفةٍ متظاهراً بالأعتراض، لكن كفّه ارتفعت في نقيضٍ واضح لما يدّعي حيث تحركت أصابعه مُحتضنةً عنق كريم إليه.


إقترب كريم أكثر، حتى تلاقت شفاهه بشفاه مالك في قبلةٍ وديعة،قبلة مُحمّلة بكل السكينة التي لم يعرفاها يوماً


انزلقت يده بتؤدة تحت خصر مالك، بينما الأخير كان قد سحب عنقه إليه،بلا تكلّف، بلا عجلة، فقط رغبة صامتة في أن يظلّ كريم قريبًا هكذا.


كان خلفهم صوت العصافير لا يزال ينسج ألحانه فوق خلفية السكون،سكون لم يكن فارغًا، بل مكتظًا بصوت أنفاسهم المرتفعة.




نبضٌ في الصدر، ونبضٌ على الشفاه،
ولحظةٍ، لا تقول شيئًا
لكنها تحتوي كلّ شيء.


-


كان واقفًا أمام مقهى شعبيٍ في حيّ لا يعرف ملامحه، لا الوجوه فيه مألوفة، ولا الشوارع تحمل اسمه.


أسند ظهره إلى دراجته النارية التي بدت وكأنها الرفيق الوحيد الذي لم يخذله تلك الليلة،
وفي يده كوب ورقي يعبق برائحة القهوة المُرّة، وسِيجارة لا تزال تحترق ببطء، كأنها تشاركه الضياع.


قصي قضى الليل بأكمله يتجوّل
لم يعرف وجهته، لم يخطط لشيء، فقط ترك لعجلات دراجته أن تُقرر، وكأن الطريق هو من يقوده، لا العكس.


شوارع مهجورة، إشارات مرور بلا معنى، ونور الفجر يطارد بقايا عتمته.


حين أشرقت الشمس، أوقف دراجته بجوار المقهى،
لا لسببٍ واضح، فقط لأن ساقيه قررتا التوقف، ولأن القهوة الساخنة بدت وكأنها شهية ؟نوعاً ما.


وقف هناك
صامتًا.
يحتسي القهوة.


لجل العشق ف بختَك مَيل
تسكر تبكي زي العيل.

3

لجل الصُبح ف عِينك لَيِل
تسكر تبكي زي العيل.



تسللت تلك الدندنات الناعمة إلي أُذن قُصي،المشبعة بشجنٍ خفي،بلا استئذان، بلا مقدمات، فقط اخترقت سمعهُ وشقّت طريقها إلى ذاكرته القديمة


ثبّت نظره، وبلا وعيٍ منهُ دار برأسه ناحية الصوت.


هناك، وسط سكون الصباح والضوء المتسرب من السماء الشاحبة،
كان يقف فتى صغير جسده النحيل يتمايل بخفةٍ بين الطاولات، يمسحها بقطعة قماش قديمة،
ويُردد الأغنية كأنها جزء منه، كأنها تنمو في حنجرته لا تُغنّى.


لجل علامك لسه قُليل
تِسكر تبكي زي العيل.


سايبه في قلبك جرح مِسٌيل
تِسكر تبكي زي العيل.


رفيق السُكر ماكان مُتخيل
تِسكر تبكي زي العيل.



إرتبك الفتى، وانطفأت نبرته العفوية كما تنطفئ شمعة باغتها تيار هواء بارد،حدّق في قصي بنظرة مترددة، وقد أدرك أن انتباه ذلك الغريب له لم يكن عاديًا.


توقف عن الغناء، وبلع ريقه بخجلٍ لا يُجيده إلا من اعتاد أن يكون في الظل،ثم بصوت خافت نطق.


"أجبلك حاجة غير القهوة؟"


كلماته خرجت مُرتبكة قليلاً.




هزّ قصي رأسه نفيًا، بتمهلٍ وهدوءٍ متعمّد، كأن الحركة ذاتها محاولة لطمأنة الفتى الذي بدا عليه الارتباك،ثم استجمع ما تبقّى من رباطة جأشه، وزيّن ملامحه بابتسامة واهنة، مستجلبة من أطراف التكلّف، لا من صفاء الشعور.


لم تكن ابتسامةً حقيقية، بل ظلالًا منها.
ابتسامة لا يُرجى منها حنوّ، بقدر ما يُبتغى منها ألّا يتخذ الآخر خطوةً للوراء.


"صوتك جميل. عندك كام سنه؟"


ابتسم الصغير باتساعٍ نابض بالحياة، اتساع لا يعرف المواربة، حتى بان صفّ أسنانه الصغيرة كأنها حبات لؤلؤٍ مرصوصة في فمٍ ما زال يتعلم نطق الدنيا.


"عُـمر عندي ١٣ سنه"


"صوتك جميل ياعموره"
مدحهُ قصي بلطف وهو يميل رأسه قليلاً.


"كلهم بيقولولي صوتك مِسلكَح زيك"


"مِسلكَح؟"


"مِسرسع يعني -
شكلك مِش من هنا؟
بقولهم أصلاً يودوني لما أكبر فنون جميله أو مسرح
المهم أكون بغني "


كان الفتى ينثر كلماته كأنها حبات رملٍ تحت ريحٍ خفيفة، يتكلم بسرعةٍ مُرتبكة، وبعشوائيةٍ لا تخلو من الطُهر، وعيناه تتلألآن ببريقٍ خامٍ لم تُلوِّثه الحياة بعد.


"بتقول لمين ؟"


"المعلم عبدو بتاع القهوه"


"هو باباك ؟"


"لأ.أبويا ميت هو أمي من زمان"


همهم قصي بنغمةٍ خفيضةٍ كأنها زفرةٌ من صدرٍ مثقل، وانحنى بهدوء مُلقياً سيجارته على الأرض وداسها بطرف حذائه.


رمقهُ بنظره عابرة للفتي الصغير، ذاك الذي كانت أحلامه أكبر من سنواته، وكان صوته المرتجف يحمل وطأة أحلامٍ لا تليق بطفولته، وكأن القدر، كعادته، يُنسج بخيوطٍ من سُخرية، فيمنح الطفولة أحلامًا لا تتناسب إلا مع من نضجوا حدّ القسوة، ثم يكبلهم بالظروف، بالفقر، بالعجز.


"بتروح المدرسه يعموره ؟"


"المدرسه دي للعيال التوتو،انا بتعلم صَنعه "


قهقه قصي بخفةٍ لا تشبه خفته المعتادة، كانت ضحكة نادرة، ثم أشار برأسه ويده في آنٍ واحد إلى عُمر ليقترب منه.


وما إن لمح عمر الإشارة،حتى اندفع تجاهه بحماسةٍ طفوليةٍ نقية، يلوّح بيديه في الهواء ثم يمسح راحتيه المليئتين بغبار الطاولات على ملابسه الباهتة الممزقة عند أطرافها، تلك الملابس التي بدا وكأنها شهدت أكثر مما ينبغي لطفلٍ في الثالثة عشرة من عمره.




"يعني أنا لو خدتك دلوقتي و وديتك مدرسه جميله ونضيفه هتقول بردو لأ دا للـعيال التوتو؟"


كان عمر لا يزال واقفًا أمامه، يتأمل ملامحه المهيبة التي لا تنتمي لعالمه، ثم ترقرق خجل بسيط في أطراف فمه، فابتسم برهافة وسرعان ما أنزل رأسه، يُنكر بحركةٍ سريعة، خجلة، كمن يخشى أن يُتّهم بالغرور إن اعترف بحلمه.


لم يتفوّه بكلمة، لكن عينيه نطقتا بما ضجّت به أعماقه من توقٍ مكتوم؛
هو حقًا يرغب في التعلم،
يشتاق لِفكّ قيود الجهل،
ويحنّ لحروفٍ يكتب بها اسمه دون عون،
ولكلماتٍ يقرأ بها العالم كما يقرأ الكبار الصحف على أرصفة المقاهي.


تلك الأمنية الصغيرة التي بدت في عينيه كانت أثقل من كل أحماله،
كأنها رغبته الأولى في كسر إرثٍ من الغفلة، في حارةٍ لم ترحم أبناءها إلا بالنسيان.


"بس الحاجات النضيفه دي هتكون غاليه اوي يمعلم"


تبسم قصي لواقعيةِ الفتىٰ "قُصي ،إسمي قصي"


"أناديك بإسمك عادي يعني؟"


همهم قصي همهمةً خافتةً تأكيداً لهُ وارتسمت على ثغره ابتسامة جانبية وادعة، لكنها لم تكن عابرة أو مرتجلة، بل كانت ابتسامة من يُخفي خلفها قراراً تامّاً، ونيّة مُحكمة لا رجعة فيها.


في ذهنه فكرة نضجت على مهل، كأنها خرجت من رحم هذا الصباح الرماديّ، من دخان سيجارته المُنطفئة، ومن صوت عمر الذي غنّى بعفوية دون أن يدري أنه أيقظ شيئاً ما في رجلٍ كاد أن ينسى المعنى.


"بُص ياعمر هنتقابل هنا الأسبوع الجاي ،في نفس المكان دا إشطا يابا؟"
5

"ليه؟"


"عشان أوديك مدرستك الجديده؟ ولا مش هتبقى راجل قد كِلمتك وتِنخ مني؟"


"هزارك بايخ علفكره."


نبس عمر بذهول خافت،وهو يُحدّق في وجه قصي بارتباكٍ جليّ، وعيناه تهربان إلى الأرض ثم تعودان إليه مجددًا، تتوسّل التصديق وتخشى الخيبة.


أعاد مسح كفّيه النحيلتين في أطراف قميصه الباهت مرارًا، حركة متكررة تنمّ عن اضطرابٍ دفين، توترٍ غير مُتّزن، وشعورٍ مفاجئ بأن الحياة، ولو للحظة، ربما تبتسم له.


هو لم يعتد الوعود.
لم يُجالس الغرباء.
ولم يتلقَّ من الدنيا سوى التجاهل والمُرّ.


فأن يُمنح فجأة فرصة، أو حتى كلمة لطيفه.
كان ذلك أشبه بالحُلم المستحيل.


"هاتلي رقم المعلم عبدو دا عشان لو جيت وإنت مش موجود أسألهُ عليك"


كانت ابتسامة عمر عريضة حد البوح، تتجاوز حدود الشفاه لتتجلى في ارتعاشة وجنتيه ووميض عينيه، والضوء المتوهّج في محجريه الضيقين. التمعت حدقتاه بوضوح لا يُخطئه القلب، وكأن قلبه الصغير دقَّ أبواب الأمل للمرة الأولى، ووجدها مفتوحة.




في تلك اللحظة تحديدًا، بدا كأن ملامح عمر تعانق صدق قصي، وكأن الطفل قرأ بين سطور وجهه ما لم يُقال،أن الرجل الذي أمامه لا يكذب.


"إحلف بأغلى حاجه عندك!"


"وحياتهُ مابهزر"
27

"والمصحف الشريف بجد؟"


"ورب العرش بجد"


كانت ثوانِ حتى اندفع عمر نحو قصي في احتضانٍ فوضويٍّ، مُندفعٍ بالحماسة الطفولية التي لا تعرف الاتزان، حتى انسكب كوب القهوة على الأرض وتناثرت بُقعها الداكنة على الإسفلت المتشقق.


لكن قصي لم يبالِ، بل ضحك ضحكة خافتة، ويده تُطوّق الجسد النحيل الراجف من الفرح.


كان عمر خفيفًا، هشًّا، كأنما مكوَّن من حماسةٍ أحلامٍ وهشيم طُفولة لم تكتمل.


"هتوديني مدرسه.. بيغنوا فيها؟؟"


"بيغنوا وبيلعبوا وبيعملوا كل حاجه "


"إحلف"


"و**** العظيم"


عاد عمر يضحك ثانيةً، ضحكة صافية كالماء، وابتسم بعفويةٍ جعلت الهواء من حولهما أكثر دفئًا.


ولوهلةٍ نادرة، شعر قصي بأن النور مهما خبا يمكنه أن يُشعل فتيلًا صغيرًا في قلبٍ كان يظنّه انطفأ منذ أمد.


شعر أن بوسعه، ولو لمرة، أن يبعث البهجة في روحٍ صغيرة.


أن يكون شيئًا جيّدًا. لا المجرّد المُنهك الذي ظلّ يظنّ نفسه عليه.


"هتتغدى إيه إنهارده؟"


"و**** لو المعلم إداني تلاتينايه هجيب حواوشي عشان نفسي فيه" نبس عمر بحماس فائق وهو يتحرك في جميع الإتجاهات.


"بيبقا طعمه حلو؟"


"طرش"


قهقه قصي بخفوت، حيث كان عمر يقف أمامه بملامح تكاد تُحلّق، وكأن الطفل على وشك الطيران من فرط الحماسة والفرح.


كأن روحهُ اتسعت للدنيا دفعةً واحدة.


مدّ قصي يده بهدوء إلى جيب بنطاله الخلفي،
وأخرج ورقةً نقديّة مُطوية بعناية، كانت من فئة المئتي جنيه.


تأملها للحظة، ثم مدّها ناحية عُـمر وهو يبتسم
"طب إبقىٰ هاتلي بقا واحد معاك عشان ندوق"


"٢٠٠ كتيره!"


"مش معايا فكه يعم"
1

لم يكن قصي جائعًا للحواوشي
ولا عالقًا بين نقودٍ معدنيّة أو ورقٍ ممزقٍ في جيبه -
كان يملك من الفكة ما يكفي..


"قصي"


همهم لهُ الأكبر وهو ينظر في ساعةِ هاتفه ليُتابع عمر بنبرةِ لطيفه "هستناك الأسبوع الجاي"
1

"هجيلك و**** يعموره."


ثم امتطى قصي صهوة دراجته النارية، غرس المفتاح في موضعه وأدار المحرك، فانبعث هديرٌ جهوري مزّق سكينة الحيّ المهجور، ارتدّ عمر إلى الوراء بضحكةٍ عفويّة، وقد باغته صوت الآلة الثقيلة، بينما عيناه لا تزالان معلّقتين بـقُصي الذي اختصر في سكونه دفئًا لم يألفه من قبل.


قبل أن يُفلِت قصي زمام المركبة لينطلق، مدّ كفّه إلى رأس الصبي وربّت على شعره برفقٍ يُشبه حنوّ آباءٍ لم يُولدوا قط، كأنّه يسكب عبر راحته طمأنينة مُخبّأة بين طبقات قلبه المجهد.
1

وقبل أن يضغط على المقبض ويترك خلفه كل شيء، ارتفعت نبرة عُمر وقد تسلّلت الخيبة إلى حروفه، همس بها وقد اتسعت عيناه بنفاذ صبرٍ طفولي


"طب والحواوشي؟"


"المره الجايه. بس خلي دول إصرف منهم"


ثم انطلق.
وكأنّه يفرّ لا من عمر، بل من عاطفةٍ باغتته وهو لم يستعد لها،وكأنّه لو تأخّر دقيقة واحدة لأجهش بالبكاء.


هو لا يعلم ما الذي ربطه بعُمر بهذه السرعة،
ولا لماذا بدا له هذا الطفل تحديدًا وكأنه صورة من ماضٍ لم يُنصفه أحد فيه.


لكنّه يعلم يقينًا أنه يريد أن يكون لهذا الطفل ما لم يكن له أحد.


يريد أن يزرع فيه أمانًا، لعلّه يُنبت في داخله سلامًا.


وقد يكون قراره اندفاعيًا، وقد يكون خاطئًا.
لكن قلبه كان مطمئنًا على نحوٍ لا تفسير له،


وكأنّه أخيرًا، في لحظة غير متوقّعة.
اتخذ قرارًا صائبًا.


هوى قرص الشمس نحو المغيب في انحناءة مهيبة، تلونت السماء فيها بطيفٍ دمويٍ مشوبٍ بالعنبر، كأنها صفحة مخملية سكبت عليها قطرات من نبيذٍ معتق. انعكس الضوء المتكسر على سطح البحر الهادئ، فارتجف الماء تحت نير الغروب، كأنه يتلو نشيد الوداع الأخير.

4


لفح النسيم البارد الآتي من خاصرة الشتاء أطراف المكان برقةٍ فاترة، فيما ازدانت الحديقة الأمامية للڤيلا بزينة خجولة من الأبيض والذهبي، يضوع منها البذخ الراقي دون ابتذال.




النساء كأنهن نساء القصائد، تتهادى أجسادهن تحت وقع أثوابٍ من الحرير والتول المُترف، تزفّهن معاطف الفرو الناعم، وتنسدل العطور خلفهن كأثرٍ لا يزول.

2


أما الرجال فبذلاتهم لا تنتمي لعصرٍ معروف، أكتافهم شامخة ونظراتهم معتقة بتيه الطبقات المخملية، يتحدثون بهمسٍ لا يُسمع.




والموسيقى؟
تنسلُّ في الآذان كنسيمٍ متبتل، لا ضجيج فيها ولا حدة، بل تُعانق الروح وتُبقي القلب في حالة من السُكر الرزين.




جميعهم في ارتقابٍ نبيل، لا يصرخ ولا يلحّ، فقط ينتظرون لحظة البهاء المُقبل.
لحظة بزوغ العروسين، ككوكبين يُزفّان إلى السماء.

5


"البنطلون ضيق نيك ياأحا "
أردف كريم بوجهٍ عابس ناحية مالك، يرمقه بنظرة طويلة ممتزجة بين الامتعاض والتأفأف
والسبب؟
بنطال مالك.

4


نعم، البنطال الرمادي الضيّق الذي بالكاد يترك مجالًا للخيال، والذي بدا وكأنه صُمم خصيصًا ليُستفز به كريم في ليلة كهذه.




ورغم أن البذلة التي إرتداها مالك كانت بنفس التصميم الذي اختاره كريم لنفسه، بل وبذات اللون الرمادي الذي مال إليه مالك دون كريم،
إلا أن النتيجة كانت واحدة.

+


حين دار النقاش حول اللون.
لم يكن القرار صعبًا.
مالك أراد الرمادي، وكريم أراد الأسـود
فصار الرمادي هو القرار السائد.
لأن كريم، مهما عبس وجهه الآن، لم يفلح يومًا في أن يُخالف أمنيةً واحدة لمالك.




"إنت اللِ قليل الادب حِل عن طيزي"

6


ارتشف مالك كوب العصير ببطء،غير مكترثٍ بنظرات يزيد المُتكدّرة بجواره.


قلب يزيد عيناه بانزعاجٍ صامت، وهو يُتابع - للمرّة العاشرة منذ الصباح - الجدل ذاته بين كريم ومالك.


نعم، ذاك البنطال اللعين، الذي بات حديث اليوم وكأن العالم توقف عند حدود خصر مالك.

5


إرتفعت يده بتؤده ، تُداعب أنامله الخواتم المعدنية التي زينت أصابعه برهافةٍ خفيّة، خواتم ذات بريق خافت يتماهى مع لون بدلته الرمليّة، التي صيغت بمهارةٍ راقيةٍ فوق جسده، تعلوها قميصٌ أبيض ناصع

أما شعرهُ البُنّي،
فقد تناثر حول حدقتيه العسليتين في فوضى مدروسة، تمنحه مسحةً من سكينةٍ عميقةٍ لا تُشبه هذا العالم.
2

كلّ ما فيه كان باعثًا على السكون.
إلا عيناه.


تلكما الحدقتان،
تائهتان بين الوجوه، يذروهما القلقُ كما تذرو الريحُ الهشيم،
تبحثان عن طيفٍ مألوف، عن نبرةٍ لم تُسمع بعد،
عن يقينٍ غائبٍ يُبدّد هذا الضجيج المُنمّق.
3

ملامحه رائقة
أنفاسه موزونة
لكن شيئًا خفيًا في أعماقه يضجُّ.


كان كل شيء هادئاً
إلا قلبه.


حيثُ الجامعةُ بأسرها، وكأنها أُفرغت من قاعاتها وأروقتها لتحتشد هاهنا؛ من الطلاب الغِرّ إلى المعيدين الذين يلقّنونهم عِلمهم


الجميع هُـنا ؛عداهُ.


وما إن إنقضت لحظاتٌ واهنة،
حتى توقّفت مركبة رياضيّة، حالكة السواد، على مبعدةٍ يسيرة.


هبط منها هو
قُصي.
6

كان يُقْبل بخطى وئيدة، يكسوها ثباتٌ صلب،
يرتدي بذلة قاتمة يتوشّح فوقها معطفًا طويلًا،
تكاد طيّاته تتماوج حوله كسوادٍ مجبول بالهيبة.
5

هيئته لم تكن مألوفة،
لا ليزيد، ولا حتى لذاكرته القديمة.
إنه قصي لكن بهيئةٍ تُ*** النظر، وتُ*** القلب.
3

كانت خطواته لا تتعثر،
نظراته لا تتردد،
وسكونه، على غير العادة، كان طاغيًا ومُزلزلًا في آن.
1

كان مُثيراً ؟.
7

يزيد، رغم الحشود،
رغم الأضواء والموسيقى والضحكات المُتناثرة،
لم يرَ سواه.


وقلبه، ذاك القلب الذي أقسم النسيان،
اضطرب اضطرابًا مَخيفا، وكأن كل الطرق التي هرب منها قد عادت إليه.
1

"لو كنت إتأخرت كمان شويه كُنت جيت فتحتلك دماغك"
أردف كريم بهدوء تام يُنافي قوله وهو يُعانق قصي بجانبيةِ والآخر فقط بادلهُ الإبتسامة الخافتة.
1



نظر مالك صوب يزيد بنظرةٍ ساكنة،راقب أصابعه وهي تعبث في خواتمه بغير وعي، كأنما يترجم قلقه في دورانها المتكرر.
5

ثم التفت ناحية قصي، الذي بدا ثابت الملامح كعادته،فابتسم له ابتسامة دافئة ،لم يكن قد رآه منذ أمدٍ ليس بالقصير،فما إن اقترب منه حتى مد ذراعيه واحتضنهُ في هدوءٍ صادق لا يشوبهُ تكلّف.


"عامل إيه ؟"
نظر مالك إلى قصي لبرهة، ثم انخفض ببصره قليلاً كأن الكلمات تثقل فمه.


قصي لم يكن سيئًا بطبعه، بل صُنع من الشوك لا لأنه اختاره، بل لأنه فُرض عليه.
4

كان واضحًا لمالك، بل جليًا حد الإيلام، أن العالم لم يترك لقصي فسحة ليكون لينًا، ولا مساحة لأن ينمو كأي كائن هشّ يريد النجاة.
4

لم يكن مالك يبرر له، لكنه فهمه - نوعاً ما.


وإن كان يزيد قد ناله الجرح، فإن قصي قد صار الجرح ذاته.
1

كائنٌ لم يُخلق ليؤذي، بل أُجبر على أن يُصبح شيئًا يُخشى منه كي لا يُؤذى مجددًا.
2

"فل الحمد***"


تشكّلت على محيّا قصي إبتسامة ضئيلة، لا دفء فيها ولا جفاء، وسـوداوتيهِ كقاعٍ سحيق، جالتا بهدوء على هيئة يزيد ، من هامتهِ حتى أخمص قدميه، كما لو كان يُعاين لوحة قد رُسمت ذات يومٍ لراحته.
3

كان يزيد يبدو كما عهدته الذاكرة؛ وسيمًا بلا تكلّف، مريحًا كأن حضوره نُسج من لُطفٍ لا يُرى، وعَطْرهُ.. عطْر الفانيلا الذي طالما أعلَن حضوره قبل صوته، عاد ليُلقي بقلب قصي إلى لُجّة الارتباك، جعلتهُ ينبض بعنف لا يليق بـرجل يتصنع التماسك.
2

لكنّه لم يتوقّف.


فقد تجاوز يزيد
كما يتجاوز المرء أطلاله.
6

والأصغـر، الذي لم يفهم كيف تهشّمت اللحظة بهذه البساطة، كان قد رفع يده بنية السلام، بحركة تلقائية خالية من التفكير، لكن كفّه تخلّى عنها في منتصف الطريق، وظلّ مُعلّقًا للحظة.
15

"تعال ناكل كب كيك "
1

امتدت يد مالك بسرعه تُمسك بكفّ يزيد المُعلّقة في الهواء، تحرّكت أصابعه بإحاطةٍ ناعمة حول راحة يزيد، يقوده صوب ركن الحلوى المُرصّعة كالجواهر، في محاولةٍ لصرف بصره وبصيرته عن فداحة الموقف الذي انسكب أمامهما قبل لحظات.
4

لم ينطق مالك، لكنّ خطوته كانت كافية لتُعبّر عن إدراكه العميق للفجوة التي أحدثها مرور قصي دون اكتراث.




قصي الذي لم يُلقِ التحية، بل عبر بجسده وصمته على قلب يزيد كجرافةٍ تهدم ما بُني من توازنٍ هشّ.
2

وفي الزاوية المقابلة، انسلّ كريم حين استدعاه والده، تاركًا ما تبقّى من دفء المجلس يتلاشى بهدوءٍ مريب.


تحرّك قصي بخطى غير متّزنة، كسفينةٍ فقدت بوصلتها، يتهادى بين الحاضرين بعينين نصف مغلقتين، كأن الضوء من حوله يزعجه.


لم يكن في حالٍ يسمح له بالخروج من منزله، ومع ذلك، لم يكن من الممكن أن يتخلّف عن حضور زفاف جيهان شقيقة كريم.


كان صمته أعمق من أي صوت، والاضطراب في ملامحهِ يفضح ما حاوله جاهدًا دفنه.


كلما التقت عيناه صدفةً بعينٍ غريبة، أدار وجهه كأنها شمسٌ تلسعه، وكأن الوجود من حوله صار خانقًا.


وحين رآه -يزيد- تجمّدت خطواته لثانيةٍ واحدة فقط، ثم تنفّس ببطءٍ ثقيل، كأن الهواء نفسه لم يعد ملكه.


لقد تجاهل يزيد.
لا عن رغبة، بل كمن يسير رغماً عنه.
كان كل ذرةٍ في جسده تصرخ لتقف أمامه، لتقول شيئًا، أيّ شيء.. لكن أطرافه لم تطاوعه.


لم يكن التجاهل فعلاً مقصودًا، بل كان انسحابًا لاواعيًا، هروبًا من المواجهة التي يعلم تمامًا أنه لا يملك لها القدرة الآن.
5

"حبيبي لابس بُرنيطه
ومعلق في رقبته شريطه "


إخترق سكون عقلهِ ذاك الصوتٌ العبثي، متراخٍ كأن لا شيء في هذا العالم يستحق الجدية، تلاه شعور مفاجئ بـيد تستقر علي كتفهِ وقبل حتى أن يلتفت، كان قد عرف.


لا أحد في الكون يملك تلك اللامبالاة المتهورة
ذلك التطفّل الأليف
سوى أيان.


إبن عمّه، أكثر الكائنات طيشاً وتمرّداً على قواعد اللياقة والسكينة.


"يعني مشغلين دِين مارتن وإنت تقولي لابس بُرنيطه !"
1

اكفهَرّ وجهُ قصي في بادرة امتعاضِ لكن الابتسامة التي اختبأت عند زاوية فمه فضحت أمره،ابتسامة خفيفة.


وبهدوء، رفع يده مزيحاً كف أيان التي التصقت بجسده، إلا أن هذا الأخير، وكعادته، لم يأبه قط، بل التصق به أكثر، وكأنه لا يعترف بالحدود ولا يحترم المسافات.
2

قصي توقف عن المقاومة في لحظة استسلامٍ مألوفة
يعرفه جيداً
يعرف أنه كلّما ابتعد، كلّما اقترب أيان أكثر.


"فيه هنا دكر هموت عليه.بجد أوفف "
3

كانت -أوف- التي تفلّتت من شفتي أيان، مُحمّلة بانبهارٍ صريح لا يدعُ مجالاً للشك، لكنها تسللت بسلاسة إلى أذن قصي، ودفعته بحذر إلى أن يتبع بعينيه موضع نظرات ابن عمّه.




وهناك
كان هو.


الدكتور مروان.
10

شخصٌ لم يختبر قصي الحديث معه، ولم يتجاوز بينهما التواصل سوى نظراتٍ عابرة في أروقة الجامعة، لكنّه كان حاضرًا دومًا بثباتٍ مربك، كشخصٍ لا يُشارك الحضور.


مروان كان يقف بين ثُلّة من الرجال، لكن ثباته كان يشي بالتمايز.


يمسك كأسًا من العصير في يده اليمنى، بينما الأخرى تستند إلى حافة جيب بنطاله، والخواتم الفضيّة تُزخرف مفاصله.
1

بذلته الكلاسيكية غارقة في الرصانة، تفصيلها مُتقن، ولونها كئيب بقدر ما هو أنيق،كأنّه رجل وُلد بداخل عاصفة، ولا يزال يحتفظ برائحة المطر في شعره، وبالرماد في عينيه.


قصي لم يعلق لكنه يعلم يقينًا أنّ أيان، بعبثيته المعتادة، لن يترك مروان في حال سبيله.


"إنت وأخوك مش بِتنشلوا إلا على دكاتره."
7

سخر قصي بخفةٍ وهو يُخرج علبة السجائر من جيب معطفه، أنامله تعبث بكسل في العلبة حتى سحب سيجارة، وضعها بين شفتيه دون استعجال.


وقبل أن يشعلها، التفت بنصف ابتسامة نحو أيان، وقد مدّ يده بالعلبة ليعرض عليه واحدة، لكن حديث أيان كان كافياً.


"عايزني لما أديله واحده فرنش كِيس يقول عليا طعمي سجاير ومبستحماش!"
6

أردف أيان بنبرة دراميّة مُفرطة، وقد علا صوتهُ على نحوٍ مُلفت للإنتباه.


لكن السيدة التي وقفت خلفهما، وقد اتكأت على كعبها بإعياء راقٍ، لم تحتمل هذا الهُراء المُجلجل، فتحمْحَمت بصرامة، صوتها نافذ كالسُعال في صمتِ مكتبة، ثم رمقتهما بنظرة مقتٍ بارد، وقرف لا يُخفى.
3

ثم مشت بخُطا متعجرفة، وكأنها تُبارح حيّاً لا يليق بمستواها الاجتماعي.
2

"جرا إيه يعجل الغا- "
3

تأهّب أيان لإطلاق سهمٍ ساخرٍ من فمه، موجَّه نحو المرأة التي لم تُخفِ احتقارها لهم، انعطف بجسده نصف التفافه، وأوشك أن ينطق، لكن قبل أن تتسلل الكلمات من حنجرته كاملةً، إمتدت يد قصي بثقل مُباغت، تُكمّم فاهه بكفٍ صلبٍ أُحكم بإتقانٍ على شفتيه.


المرأة التفتت سريعًا، وقد استدارت كما لو كانت تنتظر العراك بفارغ الصبر. لكن ما أبصرته كان مشهدًا عكسيًا تمامًا.


قصي واقف في مكانه بثبات، كفهُ تُغطي فم أيان، وعيناه هادئتان كالبحر، بينما ترتسم على شفتيه ابتسامة واسعة مصطنعة، رُسمت بإتقان فجّ، كأنها لوحة مزوّرة للبراءة.
3



ابتسم لها كأن لا شيء قد حدث،المرأة ترددت لحظة، ثم أكملت طريقها، بينما عينا قصي ظلّتا تتابعانها حتى ابتعدت تمامًا. ثم تنهد ببطء، وأزاح يده عن وجه أيان.


"عيل متناك"


"Anyways"
رفع أيان شعرهُ بطريقةِ ناعمه مُتصنعاً الرقه ،ليس وكأنه تم سبه مُنذ لحظات مُتابعاً.
"أبدأ كلام معاه إزاي"
4

"روح إشتمه"
نبسَ قصي بنبرةٍ مُنهكة، وهو ينفثُ دخان سيجارته إلى السماء الرمادية حيثُ تصاعدت الدوائر البيضاء بثقل في الهواء البارد.
4

أما الآخر، فقد ضيّق عينيه نحوه، عبثاً يُخفي إمتعاضه من تلك الإجابه الغريبه ،ولكن فجأةً إنفلتت منه ضحكة قصيره كأنه تذكر شيئاً.


"ماريوس أول ماشافهُ قاله كسمك"
4

قهقه قصي قهقهة قصيرة مكتومة كأنه متوقع شيئاً كهذا من ماريوس،ثم مال قليلًا إلى الأمام، ينفض رماد سيجارته بخفّة على العشب المُبتل بندى المساء
1

"وعَملهُ إيه؟"


"إتفصل أسبوع باين"


نطق أيان بنبرة مُتسليّة، عيناهُ مسمّرتان على مروان الذي تحرّك من بين زمرة الرجال بهدوءِ.


أيان، بطبعه العشوائي، تحمحم بصوتٍ مُفتعل إستدعى من قصي تجعيدة مُتعجرفة في محيّاه، إمتعضت ملامحه وكأن شيئاً نتناً مرّ بجواره.


لكن أيان كعادته لم يُعر اهتماماً لنظرات قصي، بل إكتفى بإرسال قبلة هوائية سريعة نحوه، ضاحكًا بخفة "إدِعيلي."


قالها وهو يشد ياقة قميصه بإستعراضٍ لا يخلو من الطيش، ثم خطا بثقة فارغة خلف ذهاب مروان وكأنه ذاهب لملاقاة قدَر لا يعلم عنه شيئاً.
1

وعلى الضفّة الأخرى..
من الحديقة المُزهّرة بأضواء المساء، وقفَ يزيد ساكنًا، وكأن الزمن قد أُسقِط من حسابه.


في يده كعكة صغيرة تناثرت منها بُقع الفراولة، لكن عينيه لم تعرفا لها طعمًا، إذ كانت حدقتاهُ مُسمرّتَين نحو ذاك الجسد الذي اعتاد حضوره.
2

كان قصي واقفًا على مبعدةٍ بعدما تركهُ أيان، سيجارته تتوهج بين أنامله، والنفَس يتصاعد منها كأرواحٍ ضالةٍ تطلب النجاة.


عينا قصي لا تنظران إلى شيءٍ معلوم، بل إلى الفراغ ذاته، كأن داخله بات صدًى.


يزيد.
لم يكن يرى إلا هيئتهُ المنكسرة، تلك الوقفة التي طالما كانت شامخة، باتت الآن منحنيّة الظل، غريبة الشعور.
6



إشتاقه؟
بل اشتعل قلبه شوقًا حدَّ الاحتراق.
أراد أن يهرع إليه؟
بل أراد أن يُذيب المسافة ويصير ظلًا له.
لكنّه كان واقفًا،
مسجونًا داخل قفص من تردّدٍ وخوفٍ لا يندمل.


"ماتروحلهُ ؟"
3

إنتفض جسد يزيد بفعلٍ لا إرادي، وكأن صاعقةً باغتت سكونه، حين ارتطم صوت حذيفة الذي أتى من خلفه على حين غرة،إستدار إليه بسرعة وعيناهُ العسليّتان اتّسعتا
2

"قطعتلي الخلف !"


"ياما نفسي أقطعلك حاجه تانيه."
3

ثم إستند إلى الجدار المجاور ليزيد، عاقدًا ذراعيه لكن الأخر نظر له نظرات إستنكار واضحةِ لترتفع ضحكة قصيرة من حذيفه


"لسانك.و**** لسانك"
2

"وبعدين إنت بتكلمني ليه؟إحنا إتصالحنا أصلاً؟"


نبس يزيد بنبرةٍ مشوبة بغضب مزيف وكأنّ الخصام لا يزال بينهما مستعراً، رغم أنّ الوقت مضى منذ آخر خلاف جمعهما ولم يتكلما مُنذ ذلك الحين.


لكن حذيفة إقترب مُتحدثاً معهُ، كأن شيئاً لم يكن.


وكان يزيد على وشك أن يسترسل حديثهُ، غير أنّ بصره توقف فجأة، تجمّد على عنق حذيفة.


علامات خنق تغزو عُنقه.


بصمات أصابع غائرة، ممتدة كأنما تشي بما لم يُنطق. أثر قاسٍ، خفيٌ وواضح في آنٍ معًا.


"بِتخلي البنات تُخنقك ولا إيه؟"
7

قهقه يزيد بصوتٍ عالٍ، لم يتمالك نفسه من المفاجأة العابثة التي تسللت إلى ذهنه، فوضع راحة يده على فمه في محاولة عابثة لكتم الضحكة.


لم يكن يتخيل، ولو على سبيل المزاح، أن حذيفة قد يُدرج تحت طيف - الخاضع للفتيات -بأي شكلٍ كان.
3

أما الآخر،فقط رفع يده يُعدل ياقة سترته سريعاً وهو ينفي "إلعب بعيد يعسل"


"بجد و****؟"


قهقه يزيد مجددًا، كانت الضحكة صادقة، تخرج من عمق قلبه المُتعَب، كأنما تلك اللحظة العابثة انتشلت روحه من كل ما يثقله.


أما حذيفة، فتنهد بخفوتٍ ماداً يده بتكاسل مألوف وسحب قطعة الكعك الأخيرة من يد يزيد، ثم التهمها بلا اكتراثٍ ظاهر، وكأن لا شيء يُثير اهتمامه على الإطلاق.


لكن في قلبه.
كان العكس تمامًا.


قبل أن ينبس بكلمة، انبثق في ذهنه طيف آسِر. مشهدٌ خاطف، مشوّش، لكنه واضح بما يكفي ليبعثر هدوءه - آسِر بجسده، بصوته، بسطوته فوقه، بكل ما يفعله به فوق سريره، تلك اللقطات التي لا يُدرك كيف تظل عالقة في عقله، كأنها محفورة داخله لا تُمحى.
6



لوهلة فقط، شعر بحرارة تتسلل إلى جلده، ووجهه الذي عادةً ما يختبئ خلف قناعٍ من البرود بدأ يحمرّ بخفةٍ خجولة، كأنما اشتعلت فيه النار فجأة.


"يختي بطه بتتكسفي"


"ميتينك "


إبتعد حذيفة بخفةٍ متعجلة عن جانب يزيد، كأن شرارة أصابتهُ فجأة، ويداه تحركتا بتوترٍ غير مألوف وهو يُعدل من ملابسه عبثًا، دون حاجة حقيقية.


يزيد، من ناحيته، لم يستطع إيقاف قهقهاتهِ من مشهد لم يعتد رؤيته - لأول مرة يرى حذيفة، المتماسك دومًا، المُتعالِ بنظراته، مُرتبكًا هكذا وخجـول.


في داخله، ووسط تلك البهجة العابرة، عبرت أمنية ناعمة في قلبهِ
أن يكون حذيفة بخير.
أن تكون العلاقة التي يخوضها - أيًا كان طرفها، رجلًا كان أو امرأة علاقة صحية.
فيها ودّ، فيها أمان.
أن يكون جسده مُحتضنًا لا مُستغَل، وأن تكون نظراتهُ خالية من الذكرى المُحرِقة.
6

وفي لحظاتٍ معدودة
إنفرج الباب الكبير في وقار، لتغمر القاعة أنفاس من الصمت المُرهف، وانطلقت منها العروس، كأنها نُسِجَت من نقاء الشتاء.


كانت تسير بفستانٍ أبيض يلامس الأرض برفق، صُمِّمَ ببساطة راقية، يُعانق خصرها بانسيابية، فيما انسدل شعرها البُني في موجات حريرية على كتفيها، تُزينه باقة زهور بيضاء بعقدٍ أخضر زاهٍ، احتضنتها بين كفيها.
1

إلى جانبها، مضى كريم بخُطا ثابتة، يرتدي ابتسامة هادئة تتخللها نظرة شجن خفي، أخٌ يُسلِّم قلبه المُحب إلى مصيرٍ جديد، لكنه يبتسم له.


كانا يتقدمان تحت أنغام موسيقية واهنة، تتسلل في الأجواء كوشاح ناعم، تُرهف الآذان وتُسكت الهمسات.


وفي نهاية الممر، وقف العريس شامخًا، يتوسط والد العروس، بينما تترقب العيون، وتنبض القلوب، لتكتمل اللحظة كما خُطّت لها في الأحلام.


"يـروحي ماشاء ****."
نبس مالك بإنتحاب تام ليومئ يزيد تأكيداً
"جميله اللهم بارك"


"أقصد كريم"
صحح مالك سريعاً كأنما لا يحتمل قلبهُ صمتًا أمام حبيبه، وهو يرمقه بنظرةٍ مشبعة بالعشق، حتى كادت عيونه تفيض قلوبًا وتُبعثرها فوق ملامحه.
12

ابتسم يزيد بدوره، ابتسامة لطيفة، ثم حرك نظراته برفق نحو زاوية معينة لكنه لم يجد ما كان يبحث عنه.


كان ثمة فراغ، وغياب شخصٌ ما، كان من المفترض أن يكون هناك.
ولم يكن.


-




كان متكئًا على الرمل الرطب، وقد نزع عنهُ سترة بذلته التي بدت كأنها تخنق صدره، فألقاها بإهمال إلى جواره، كان السكون يلفُّه من كل صوب، سوى نسائم الشتاء التي تسللت بخفةٍ حادةٍ تلامس وجهه العاري، كأنها تُوشوش قلبه بخبايا البحر.


أرخى جفنيه ببطء، وترك رأسه يتكئ إلى الخلف، والريح تنفث في خصلاته كأنها تُنقِّي روحه من ضجيج البشر.


أمامه، كان ماريوس ينحني صوب حافة البحر، يتفحّص بعينٍ لامعة حُبيبات الرمل والصدف المتناثر، كطفل يُنقّب عن أثرٍ غابر.


كان يُفترض بهما أن يُشاركا الآن في الزفاف الصاخب، تتناثر فيه المجاملات كالعطر الرخيص، ويُبارك الحضور بعناقٍ أجوف وابتساماتٍ مُنمّقة.


كان عليهما أن يكونا بين أولئك الذين يُصفقون للعروسين، ويُحاصرون الفرح بالكاميرات
لكنهما إختارا العزلة.


تسللا من فوضى الاحتفال إلى عزلة البحر.


"بُص لقيت إيه "


ركض ماريوس نحو يوسف بخفةٍ تُنافي سكون البحر، وابتسامة واسعة ترتسم على وجهه كما لو أنه ظفر بكنزٍ ثمين، في كفّه العريض كان يُمسك صدفةً بلونٍ بُنيٍ داكن، تتخللها عروقٌ ذهبيةٌ لامعة كأنّ البحر قد ألبسها وشاحًا من النور.
4

اقترب منهُ بحماسةٍ عارمة، يمدّ يده كمن يُهدي عالَمَه كله، وعيونه تتوهّج بفرحٍ خالص، رفع يوسف بصره إليه، وابتسامة دافئة ارتسمت على محيّاه.


"شبه عيونك"
كانت قطعةً من البحر لكنها تحمل ذات النور الذي رآه يومًا في حدقات من أحبّ.
1

مدّ يوسف يده بتؤدةٍ وأخذ الصدفة من بين أنامله، تأملها برهةً، ثم تبسم وهو يقلبها في راحته.


يوسف، الذي لم ينطق، فقط تبسّم
تبسُّم المُتيقّن، لا المُندهش، كأنّه اعتاد على أن يراه يُدهشهُ من حيث لا يتوقع.


ابتسامته لم تكن مرحًا
بل قبولًا خافتًا، ممزوجًا بشيءٍ من الحذر.


ماريوس يتبدّل.


تبدّل ليس بالكلام الذي كثيرًا ما جُرِّد من معناه، بل بسكونه الجديد، بهدوئه الذي لم يكن مألوفًا، بذلك اللين المُستجدّ الذي يُشبه انكسار السيف في صدر محاربٍ ملّ القتال.
2

أفعالهُ باتت تشي باعتذارٍ صامت، وكأنّه لا يسعى إلى أن يُقنع يوسف بصفحهِ، بل أن يرقى إليه، أن يكون جديرًا بأن يُغتفر له.


وبات يوسف، يُصدّق


وربما- فقط ربما- بدأ يوسف يتيقّن أن الرجل الذي إلى جواره، لم يعُد يسكنهُ الهدم، بل إعادة البناء.




"كان فيه واحده علي شكل نجمه.إستنىٰ "


أردف ماريوس بخفةٍ مُباغتة،ثم أسرع الخطى صوب حافة الموج، والريح تُداعب شعره وتُبعثره كما لو أنّ الطبيعة تشاركه حماسته.


لكن- وكأن السخرية اختارت تلك اللحظة بعينها- رآها في يد ***ٍ صغير، ضئيل الحجم، بالكاد تملأ قبضته الرخوة الصدفة النجمية التي أرادها.


توقف ماريوس لوهلة، التفت يُمنته ويسرته بحثًا عن مرافق بالغ مع الطفل،لكنه لم يجد أحدًا، فانعقد حاجباه بخفة، وبتصرفٍ مُتناقض مع كل ذلك الرقي الهادئ الذي اكتسبه مؤخرًا


انحنى، ومدّ يده، مُنتزعاً الصدفة من يد الطفل في ومضة!
4

الطفل تجمّد في مكانه من الذهول، بينما ماريوس استدار وركض نحو يوسف وهو يرفع غنيمته في الهواء منتصرًا، في مشهدٍ سرياليٍّ بحت وكأنه قرصانٌ في زيٍّ أنيق سرق كنزًا من مملكة الرمل.
2

أما يوسف، فقد انفجر ضاحكًا، ضحكة خرجت من أعماقه كأنها لم تعرف طريقها للخروج منذ شهور.


وكأنّه يرى ماريوس لأول مرة، دون كل الثقل، دون كل الذنب، فقط ماريوس.


أحمق، مندفع، جميل.


بكل ما فيه.


"نقطة ضعفي دموع الطفل."
نبس الأصغر.


ولازال صوت ضحك يوسف يعلو، صادقًا، هشًّا، وماريوس لم يُشارك في الضحك، بل اكتفى بتأمله، متسمرًا، هادئًا، تتراقص في مقلتيه لمعة ناعمة ، وهو يحدّق في تفاصيل وجه حبيبه.


وجهه منفتح كأنما أشرقت عليه شمسان، إحداهما في السماء، والأخرى في قلبه.


الغمازات حفرت نفسها في خديه، وشفتيه المرتجفتين بالضحك.
شعره المُتموج ارتدّ مع نسمات البحر، يتناثر بخفة كأنّه يُراقص الريح،
وعيناه، خاليتان من نظارته المعتادة، مكشوفتان تمامًا.. عسليتان، ناعستين، تبتسمان بطريقتهما.
1

كان جميلًا
جميلًا بطريقتهِ الخاصة، التي لا تُشبهُ صورة مجلات، ولا تنتمي لأي نموذج، بل تُشبهه هو فقط.


"مش بعاكس و**** بس إحنا ليه مش متجوزين ؟"
1

أردف ماريوس بنبرةٍ مُنخفضة وهو يتمدد بجوار يوسف على الرمل البارد، مُسندًا رأسه إلى ذراعه، وعيناه تتتبعان ارتطام الأمواج المُتعاقبة على الشاطئ الرملي.


"مقبلش أقل من دايموند"


همس يوسف بصوتٍ مغمور، وهو يُراقب الطفل الذي ركض نحو والديه باكيًا وذراعيه مُعلّقتين في الهواء.




"لـيه ؟دا سندريلا متجوزه بجزمه!"
1

"ماعشان إتجوزت أمير يـجزمه"
1

"و**** بنسىٰ إنك أكبر مني.هات بوسه"
قهقه ماريوس بخفةٍ وهو ينهض من على الرمل، فـتناثرت حبيبات الرمال من على بنطاله الداكن، وراح ينفضها براحة كفه.


"أخلاقك العاليه أحرجت ميتين أهلي"
همس يوسف بخفةٍ وعلى شفتيه ارتسمت ملامح العبث.


ثم تراجع خطوة
خطوتين..
قبل أن يلتفّ سريعًا، ويطلق ساقيه للريح هاربًا من ماريوس الذي اندفع خلفه بحماسةٍ لا تخفى.


ركض يوسف وهو يضحك، ضحكة نقية صافية كما ماء البحر الذي يركض إلى جانبه، وماريوس خلفه، يطارده كمن يُلاحق ظلهُ.
1

الشاطئ كان فارغًا.. تمامًا.
لا بشر، لا أقدام، لا أصوات.
عداهُما.


والقمر المعلّق في السماء كشاهد صامت،
رِفقةَ البحر الذي يُغني لحنه الأزلي.


كان الهواء مالحًا، وباردًا، والنسمات تعصف بشعريهما.


ركض يوسف كأنه لا يود أن يُمسَك، وكأنه يتمنى أن يُمسك في ذات اللحظة.


-


استقرَّ في تلك الغُرفة التي دلّه عليها كريم، وكانت غرفةً تنضح بسكينةٍ ناعمة، كأنّها تعمّدت احتواء المُنهكين.


الزخارف الهادئة فوق الجدران، والستائر التي ترقص رقصةً خفيفةً على أنغام نسيمٍ شتوي يتسلّل من شُرفة تطلُّ على الحديقة السفلى، حيث الضيوف لا يزالون يُداعبون بقايا البهجة في آخر الليل.


لكنّ يزيد، إذ دخل، كان يبدو كمن نأى بنفسه عن العالم بأسره.


خلع سُترته مُلقياً بجسده على الفراش المُرتّب بعناية، مُستسلمًا لهبوطٍ داخليٍّ غامض، كأن روحه انكمشت فجأة في صدره.


أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما ببطءٍ، وجال بنظره نحو السماء الملبّدة فوق الشُرفة.


كان يبحث عنه
بلا وعي، بلا جدوى.


مدّ يده إلى هاتفه المحمول، وانزلق إبهامه بين الأسماء المُخزّنة حتى استقرَّ عند ذلك الاسم الوحيد القادر على إثارة تلك الرعشة في صدره.


حدّق في الشاشة كأنّها تُملي عليه قرارًا.
تردد لوهلـةِ
1

ثم انحرف بأنامله بعيدًا.
كأنّ اقترابه من الرقم كان جرمًا.


أعاد الهاتف إلى جانبه بتثاقلٍ، ثم وجّه بصره إلى شاشة التلفاز التي تنبعث منها الصور بلا صوت.




كانت الثواني تُزحف كأنها أزمنةٌ ثقيلة الوطء، تتدلّى من حواف القلب ببطءٍ.


وعسليتاهُ تتتبّعان صورًا مُتقطّعة على شاشة التلفاز فيلمٌ عشوائيّ لا يحمل معنى، ولا يُثير اهتمامًا.


أغمض حدقتيهِ بتراخٍ، كمن يستسلم لهدنةٍ مُؤقّتة مع تعبٍ لا يُشبه التعب،


لكن رمشهُ لم يكتمل
إذ انشقّ سكون الغرفة فجأة،
وانفجرت ضوضاءٌ مروّعة حين انفتح الباب بعنفٍ جائرٍ، كأن أحدهم اقتحمه بلا رحمة.


انتفض يزيد كمن لُدغ،
وارتفع جالسًا في لمح البصر،
نظره مشدود نحو الباب كخائفٍ يحدّق في كابوسٍ تَجسّد.


ثم رآه


قصي.


كان واقفًا عند الباب،
صامتًا، بلا جاكيت بذلته، بلا معطفه الطويل.


كان يرتدي قميصهُ الأسود فقط،
كُمّاهُ مطويّان حتى المرفقين،
كاشفًا عن وشومٍ داكنةٍ تتلوى على بشرتهِ.


سـوداوتيهِ -لم تكن حادّة كما اعتادها يزيد،
بل ناعسة، خاملة، مُترنّحة قليلاً
وخصلات شعره الرطبة تتدلّى فوق جبينه.


وبدون تريثٍ أو ذرة تردد، نهض يزيد كمن قُذِف من موضعهِ ،تلقّف سلّة النفايات البلاستيكية بخفةٍ مُذعورة،ثم اندفع بها نحو قصي، يضعها عند فمه بانحناءةٍ سريعة.


ركع الاثنان على الأرض،
قصي كان يستفرغ ما شربه، كأن الجسد يرفض ما حملهُ من أثقالٍ مُسمّمة.
كل ما اجترّه من سُكْرٍ ولهاثٍ وهروبٍ،
كان يخرج الآن دفعةً واحدة
2

أما يزيد،
فقد وضع كفه المُرتجف يربت علي ظهرهِ ببطء.


كان صوت قصي حينذاك لا يشبه نغمة الغثيان المعتادة،
بل بدا وكأنه يستفرغ قلبهُ.


"معلش ياحبيبي. قوم براحه"


همس يزيد بخفوتٍ مرتجف،وهو يُحاول أن يُعين قصي على النهوض.


لكن جسد الآخر لم يُطاوعه.
إذ في لحظةٍ خاطفة، تهاوى من جديد كأن ساقيه خانتاه، فانزلق جسده ببطء، وكاد يسقط لو لم يحتضنه يزيد سريعًا.


ضمه إليه بلا تفكير، بذراعيه المرتجفتين، احتضنه كما لو كان يُحاول تجميع ما تناثر من روحه،
احتضنه كما لو كان يُخبئه من العالم،
و من نفسه.


وفجأةً


تسلّل دفءٌ غريب إلى عنق يزيد، دفءٌ مشبعٌ برجفةٍ خفيّة، تبعهُ نشيج خافت كأنما يصدر من قلبٍ مشقوق لا من حنجرة، كان قصي يتشبث بقميصه بوهنٍ لا يُحتمل، وكأن ذراعيه لم تعُد تسعفه، وكأن بقاءه واقفًا بات رفاهية لا يقدر عليها.




ارتجف جثمانهُ بين يدي يزيد، واختلّ توازنه، فتهاوى كلاهما إلى الأرض في عناقٍ خالٍ من كل أشكال الادّعاء
ومفعم فقط بالحاجة.


قصي لم يبكِ كطفلٍ مدلّل، بل انهار كما ينهار رجل ظنّ طيلة الوقت أنه متماسك.
بكى بصوتٍ مبحوحٍ وكان يتشبث بيزيد كأنما هو الخلاص الأخير في عالمٍ أوشك على ابتلاعه.
9

"آ.سف"


همس يزيد بصوتٍ اختلطت نبراته بالبكاء، نبرة خافتة ارتجفت ما بين شَفَتيه وارتطمت بأذن قصي الهشّة.


شدّ ذراعيه حول جسدهِ المرتجف، احتضنه بقوّة لم يمتلكها من قبل.


كان قصي منهارًا، بحقّ، يذوب كالشمع في حضنهِ، يتشبّث به كأنما هو طوق النّجاة الوحيد في محيط عقيم، لا يُنجب السُفن، ولا يُجيد الإنقاذ.


وفي دقائق خافتة، بدأت شهقات قصي تهدأ، واحدة تلو الأخرى، كأنما كانت موجات عنفٍ على شاطئ وجده أخيرًا، فاستكانت.


ظلّ يزيد حابساً إياهُ في أحضانه، لا يُفلته، يحتضنه كما لو كان يحتضن قلبه المُرتبك، ويُقبّل جبينه مرارًا، كأنّ كل قبلة هي ترميمٌ لشرخٍ لم يُرَ.


يده الأخرى كانت لا تزال تُطبطب على جسده الواهن، بحنوٍ ثابت، لا تعجّل فيه ولا ملل، وكأنها النبض الوحيد الباقي في هذا العالم البارد.


و قصي هدأ
هدأ تمامًا.
انكمش في صدر يزيد، وأغمض عينيه، يتنفس برفق في عنقه، يستنشق عطره كأنما يُؤمن به، كأنما هو أول أمانٍ عرفه منذ دهور.


"حاسس بإيه ياحبيبي؟عايز تِرَجع تاني؟"


همس يزيد بخفوت وهو يُمرر أنامله برفقٍ بالغ على وجه قصي، يزيح خصلاته الرطبة الملتصقة بجبهته، وينحني نحوه كأنّه يُلملم بقايا سقوطه.
2

كانت عيناهُ حمراء، ناعسة، وملامحه مستسلمة.. مستسلمة تمامًا، وكأن كل مقاومة داخله قد خمدت


"خليك معايا"
6

أردف قصي بنبرةٍ واهنة، تنزف ضياعًا خافتًا، وقد إرتسمت على ملامحه بسمة بلهاء، مشوشة، كأنها إنعكاس لشروده الذائب في كأسٍ فارغ.


بدا ثملًا حدّ التيه، وحدها عيناه كانتا تطلبان البقاء، تستصرخان الحضور.


وقبل أن تكتمل ظلال التوسل في صوته، كان يزيد قد أومىء برأسه سريعًا "مش هسيبك ياحبيبـي"


تنحّى قُصي قليلًا، وعيناه الناعستان تتأملان شفتي يزيد بلون الدماءِ قانيـه، نظرةً ساكنة كأنها صلاةٌ صامتة في محراب الهوى.
4



ثم اقترب منه بخفةٍ وانحنى برفقٍ يمتص شفتيه في قبلةٍ وادعة، لكنها كانت كفيلة بأن تزلزل كيان يزيد، وتُفجّر ما في أعماقه من شوقٍ دفين، ومشاعر ظلت حبيسة الصدر طويلاً.
5

شعر يزيد فجأة وكأن قلبه قد انفلت من صدره للحظة، ثم عاد إليه بثقلٍ مُ*** كأن نبضه اختلّ حين اقترب قُصي أكثر، يواصل امتصاص شفتيه بقوةٍ.


ولم يملك يزيد سوى أن يمدّ يده، يلتقط ياقة قميص قُصي ويجذبه نحوه بقوّة، كما لو كان يتشبّث به من الداخل، يريده أقرب..أقرب حد التلامس الكامل، أراد أن يشعر بقُصي، لا بجسده فقط، بل بكل ما فيه.


"آهه"


انساب من بين شفتي يزيد تأوّه ناعم، بينما كان لسان قُصي يتوغّل في فاهه بانسيابٍ حميم، يطوف أعماقه بدفءٍ بالغ ومهارةٍ تُ*** التماسك.
1

شعر يزيد بطعم قُصي يتسلّل إلى حواسّه، طعمٌ لاذع، تختلط فيه مرارة السجائر بمذاق السُكِر ومع ذلك، راق له بشدّة، وكأن فيه شيئًا يُشبه قُصي ذاته
قاسٍ، دافئ، صادق.
1

تراجع قصي فجأةً بطريقة سريعه أَضحكت يزيـد، ابتعد عن شفاه الصغير المتورّدة، التي لازالت ترتجف بذهول، ووجهه المُبعثر تائه بين النبض والانفعال.


عينا قصي كانتا تغمضان من تلقاء نفسيهما، مثقلتين بثقل السُكِر والشراب، ابتسامتهُ البلهاء ارتسمت على ملامحه دون وعي منه، كأن وجهه فقد القدرة على التعبير، وترك للعبث أن يخطّ ملامحه.


إنخفض بجسده برفق، كل حركه منه كانت تُنذر بأن طاقته أوشكت على النفاد، وسرعان ما امتدت ذراعاه دون تفكير، لتحتضن خصر يزيد ببطء.


ثم أسند رأسه الثقيلة على بطنه
بكل ما فيه من ضعفٍ وسُكر، كأن دفء جسد يزيد صار له مأوى.


عينيه أُغمضتا بالكامل الآن.
ونَفَسه بدأ يهدأ شيئًا فشيئًا، يختلط مع أنفاس يزيد، ومع الارتباك المعلّق في الهواء.
قصي لم ينم، لم يغُب، لكنه استسلم
استسلم لصمته، لثمالته، وليزيد.


"علي رأي المَثل؛ وقد يأتيك الوقت الشخص في الصح الغلط"
15

إنبعث صوت قصي متهدجًا بثمالةٍ عبثية، كأن الكلمات تتسلل من بين شفتيه بلا إذن ولا وعي، ارتطمت ببطن يزيد الذي ارتجف ضاحكًا.


ضحك بصمتٍ أولاً، ثم تصاعد ضحكه كأنه لم يحتمل عبثية اللحظة، فقد بدا قصي، وهو في سُكره، طفوليًا على نحوٍ غريب. ألطف، أهدأ، أقل قسوة.


"إسمها وقد يأتيك الشخص الصح في الوقت الغلط"


صححه يزيد بلُطفٍ بالغ، فيما كانت أنامله تنسلّ برفق بين خصلات شعر قصي الرطبة، يُرجعها إلى الوراء برهافةٍ.




عينيه كانت على قصي فقط.


و لوهلةٍ قصيرةٍ، انبثق الإدراك في عقل يزيد كالصاعقة، حارقًا كل مبرراته السابقة ومبدّدًا سُحب الإنكار التي طالما احتمى بها.
1

لقد كاد
كاد أن يتركه.
كاد أن يتخلى عن قصي، في لحظةٍ لم يكن الأخير فيها بحاجةٍ إلى أحد أكثر من حاجته إليه.


يتركهُ وهو غارق، مُنهك، ضائع.
3

أي عبثٍ هذا؟
أي حماقةٍ تلك التي كادت تُفضي به إلى أن يُصبح شخصًا يُدير ظهره لمن أحبه بصدق، لمن ظلّ يبحث عنهُ في زحام الخراب، لمن كان يحتضر عاطفيًا وينتظر أن تُنتشلهُ يدٌ واحدة، يد يزيد.
5

"بتقول إني سكران ؟"


أردف قصي فجأةً وقد ارتفع برأسه من حيثُ كان يستكين على بطن يزيد، وسحب جسده قليلاً ليُقابل تلك الملامح المُتورّدة التي ازدانت بابتسامةٍ وادعة، صافية، تُشبه إشراق الصباح بعد ليلةٍ مُثقلةٍ بالعتمة.


كان وجه يزيد يشتعل حمرة، لا من خجلٍ فحسب، بل من تياراتٍ دافئة كانت تجتاح صدره، تجعل قلبه ينبض بعنفٍ رقيق، وكأنه يُنبّههُ أن ما يحدث الآن ليس عابرًا.. ليس مزحة.


قصي كان يُحدّق إليه بشيءٍ من الضياع الجميل، ويزيد لم يتكلم، بل فقط همهم همهمة خافتة، مؤكدة أنه بالفعل ثِمل لينفي الأكبر سريعاً


"مش سكران لأ"


"قُولي الساعه."


أشار يزيد نحو ساعة الحائط المُعلّقة، والابتسامة لا تزال تزيّن وجهه بلطف، وكأنه يُمازح ***ًا غافلًا عن الوقت.


التقط قصي الإشارة بعينين نصف مُغلقتين، ثم نهض فجأة في حراكٍ مترنّح، تَهدّل جسده قليلًا، وكاد أن يتهاوى أرضًا لولا أن اتكأ على حافة السرير وأصلح توازنه بشق الأنفُس.


وأخيرًا، وقف أمام الساعة المُعلّقة على الحائط، يحدّق فيها بعينين شاردتين لا تكادان تُميّزان عقاربها، ويزيد يُراقبه منتظرًا أن يبوح له قصي بالوقت.


"أنا مش سكران"
أردف قصي يُحادث ساعة الحائط بتأكيد
8

ثم إستدار ببطءٍ نحو يزيد، بعينين زائغتين وملامح لا تزال غارقة في غلالة السُكر، وفي اللحظة التي التقت فيها نظراتهما- انفجر يزيد في الضحك.


قهقهة عالية صادقة أفلتت من بين شفتيه، ضجّ بها الفراغ، وكأنها أول جرعة أكسجين منذ دهور. لم يكن ليتوقّع ذاك الرد بتاتاً !


"طب تعال ياحبيبي"


ولا تزال الضحكات تتردد على شفتَي يزيد، تتقافز من صدره بخفة، نهض من على الأرض بكسل ماسحاً دموع الضحك بطرف كمه، ثم جلس على طرف السرير وهو يشير لقصي بيده.




ولم يتردد قصي، بل لبّى النداء بخطى متسارعة، كأنه يخشى أن يُغيّر يزيد رأيه في اللحظة التالية، نزع حذاءه بتلك العشوائية ثم ما لبث أن انزلق بكامله إلى حضن يزيد، كمن وجد ملاذه الأخير، كمن تخلّى عن كل أقنعته في لحظة واحدة، وإنتمى.


"زعلان مني ؟"


"كُنت"
3

همس قصي بنُعاسٍ مُثقل، والتثاؤب اختنق بين شفتيه كأن جسده يُسلِّم نفسه طواعيةً للنوم.


راح يسترخي أكثر فأكثر بينما أصابع يزيد تنساب في خصلاته برفقٍ بالغ، تمشّطهُ بلا استعجال.


كانا مُمددين فوق الفراش، وكأن كل ما حولهما اختفى، لا صوت يعلو فوق صوت أنفاسهما الهادئة.


صحيح أن كلاهما لا يزال يرتدي نصف بزة السهرة، وهو ما لا يبعث على الراحة إطلاقًا، لكن لا أحد منهما عبأ بالأزرار المشدودة أو الأقمشة المتكلفة..


قصي الآن بين ذراعي محبوبـه، وذاك وحده كان يكفي ليشعر بالأمان، كأن حضنه وطنٌ مصغّر لا يُجبرك على أي شيء سوى أن تكون على حقيقتك.


"عارف لو كُنت شوفتك مع حد إنهارده؟
كنت فشختك "
3

خرج صوت قصي بإريحيّةٍ تامة، تبعته ضحكةٌ عالية لا تستند إلى سببٍ محدد، ضحكة فوضوية تمامًا كحالة قلبه في تلك اللحظة.


وما لبث أن التقطها يزيد كعدوى؛ انفجر في الضحك هو الآخر، كأن صداهما ارتدّ في الغرفة يحرر الهواء من ثقلهما السابق.


وفي تلك اللحظة لم يعد يزيد يدري حقًا
هل قصي وحده من كان ثملًا؟
أم أنه كذلك، لكن بسُكرٍ من نوعٍ آخر؟
ربما كان سُكر الحنين.
أو مجرد فكرة أن قصي.. أخيرًا، بين ذراعيه.


"أهون عليك ؟"


"الدنيا تهون وعيونك لأ "
4

ثم اندسّ بثقله كله في حضن يزيد، دافنًا وجهه من جديد عند موضع الرقبة؛ تلك البقعة الدافئة التي طالما شعر فيها بالأمان.


وما إن لامس أنف قصي عُنق يزيد، حتى إجتاحت الأخير رعشة خفيفة، أشبه بوخزٍ ناعم من الدغدغة،
فذاك الفعل يُذيب قلبهُ.
1

أغمض يزيد عينيه للحظة، يحاول أن يثبّت نفسه داخل هذا الاحتضان،
وكأن فؤاده إتخذ قرارًا
أن لا يتخلّى عن هذا الرجل المُنهك الذي يختبئ في صدره


مهما كلّفه الأمر.


"تعرف إني بحبك ؟"




"وهتصحى الصبح تُقولي إبعد عني"


قالها الأكبر بصوتٍ خافت وهو يتثاءب، تثاؤب ثقيل يُخفي خلفه إرهاقًا واضحًا ،جفناه انسدلا ببطء، ووجهه انطبع على رقبة يزيد كمن وجد مهربًا أخيرًا من كل شيء.


لكن يزيد لم يرد.
صمت، كأن الكلمات خنقته، أو كأن الذنب الأكبر ظلّ جاثمًا على صدره يمنعه حتى من الاعتذار.


ربما قصي ثمل، لكن في تلك اللحظة لم يكن يكذب.
في تلك اللحظة، كان أصدق ما يكون.


"لأ مش هبعد تاني و****"


همس بكلماتٍه قُرب أذن قصي الذي قد إستسلم كُلياً عيناه مغمضتان، ووجهه مُنطفئ تحت وطأة الخدر، كأنما أُغشي عليه من تعبٍ قديم.


تأمل يزيد قسماته الطويلة، وشعره المبتلّ، وارتعاشة أنفاسه المتباعدة، ثم انحنى في خفةٍ لا تُقاس، وقبّل شفتيه قبلة لا رجاء فيها، ولا رغبة، بل فقط، حاجة مخلصة لأن يُبقيه هنا.


قبّله كما يُقبّل الخائف من الفقد
شيئًا يعرف أنه لن يبقى.


ثم أغلق عينيه، تاركًا قلبه يبيت بين ضلوع قصي، دون تعهُّد، دون وعد، فقط رغبة صامتة أن يبقى هذا الليل كما هو، بلا نهاية.


-


إنتهى الحفل، وتوارى ضجيج الضحكات خلف الأبواب المغلقة، وتبدّل الصخب بسكونٍ مهيب لا يقطعه سوى همسات الرياح وهي تُداعب صفحة البحر في دلالٍ بالغ، كأنها تؤنس وحدته.


كان جالسًا على المقعد الخشبي المقابل للموج، واضعًا نظّارته الطبية على وجهه، وشاشة الهاتف تتوهّج بخفوتٍ بين يديه.


لم يكن يطالع شيئًا مسليًا، بل صفحاتٍ من مادة ثقيلة تخصّ منهجه الدراسي، فالموعد المزعج للاختبارات يزحف نحوه بلا هوادة.
1

لم يكن راغبًا في الحضور منذ البداية، راوده شعور ثقيل باللاجدوي لكنه جاء في نهايةِ الأمر.


"لسه صاحي ؟"


إنساب صوت حذيفة كنسمةٍ ليلية، واهنًا رخيمًا، وهو يخطو حافي القدمين على الرمال الذي بدت وكأنها تحتضن خطواته.
1

أما آسر، فلم يتحرك. ظل جالسًا، عينيه مثبتة على شاشة هاتفه، وإبهامه يُقلّب الصفحات ببطء.


لم ينبس ببنت شفة، لكن ابتسامة هادئة شقّت طريقها إلى ملامحه، كأن وجود حذيفة بجواره كان أمرًا معتادًا


"هعمل نفسي مش واخد بالي إنك
واقف بعيد بقالك حوالي نص ساعه"
5

"كنت بسمع أغاني علفكره !"




إرتفع حاجباه بخفة وهو يدافع عن نفسه بعفوية، ثم سرعان ما استعاد رباطة جأشه، وعاد يُحدق في شاشة هاتفه كأن شيئًا لم يحدث.


لكن داخله كان يعج بالفوضى.


لوهلة شعر حذيفة بذلك الارتباك الخافت الذي لا يُفارق حضوره كلما كان في مُحيط آسر. لم يكن يدري لماذا، ولا كيف يتملك منه هذا الشعور بالضبط.


وحقيقةً؟
كان ثمة شيء يتغلغل داخله كالشوكة.
شيءٌ لم يكن سهلاً تجاهله.


ذلك اللقاء الأخير الذي إنجرف فيه مع آسر، حيث تقاطعت الرغبة بالعُري، والاحتياج بالحُمى..


لم يندم تمامًا، لأنه كان يريده، يرغب فيه بصدق
لكنه أيضًا لم يكن فخورًا.


كان جزء منه يتوق لعلاقة أكثر اتزانًا، أكثر دفئًا، لا تقتصر فقط على لمسات مُشتعلة بل على اتصالات روحية، على حوار، على يقين.


ولعلّ الذنب لم ينبع من الفعل ذاته، بل من غياب ما بعده.


من الفراغ الذي يتركه آسر خلفه، ومن الأسئلة التي لم تُطرح قط، والمشاعر التي بقيت مُعلّقة في الهواء، بلا تفسير بلا عنوان.


"بتسمع إيه ؟"


سأل آسر وهو يُغلق هاتفه بحركة بطيئة، ثم وجه نظره نحو حذيفة الذي مدّ يده إلى مؤخرة عنقه، يحكّها بتوترٍ مكشوف، كأنما يحاول صرف التوتر بإيماءة جسدية لا واعية.


"لأ عادي عشوائيات."


همهم آسر بنبرة خافتة وعيناه لا تزالا مُعلقة على حذيفه، الذي بدوره بدا وكأنه على وشك أن يفقد توازنهُ من فرط التوتر


ذلك الارتباك الدائم، وتلك الحركات الصغيرة التي لا تُفارق جسده حين يكون في حضوره- كـحكّ مؤخرة رقبته، أو تشبيك أصابعه في بعضها، أو النظر للأسفل كلما اصطدمت نظراتهما كلها كانت، بطريقةٍ ما، أكثر الأمور جاذبيةً في نظر آسر.


نهض آسر واقفًا في حركةٍ هادئة ليُواجه حذيفة وجهاً لوجه، في حين تراجع الأخير بخطوة غريزية إلى الوراء، كأن جسده يأبى تلك القُربى المُفاجئة دون استعداد.


لم يتكلم آسر.
بل مدّ يده ببساطةٍ وانتزع الهاتف من قبضتهِ بانسيابيةٍ خالية من الاستئذان، كأن له حقًا في ذلك.


عيناهُ انزلقَتا على شاشة الهاتف، تقرأان ما لا يُكتب.
أُغنيةٌ تدور في الخلفية


BABYDOLL BY ARI ABDUL
حضورها الصوتيّ كان يعبق بالاعترافات التي لا تُقال.
1

انعطفت شفتا آسر في ابتسامةٍ جانبية، مُجرّدة من البراءة، تختلطُ فيها النية بالسُخرية، أو لعلّها تلميحٌ بتواطؤٍ صامت.




وبلا تصريحٍ ولا تردّد، التقط إحدى السماعتين، أدخلها في أُذنهِ، وبقي إلى جوار حذيفة، يقتسم معهُ الإيقاع.


أمّا الأقصر، فكان كمن ضُبط متلبّسًا، لا بالكلمات، بل بما وراءها.


أدار وجهه سريعًا نحو البحر، وكأن صمت الموج فيه خلاص، أو على الأقل، مساحة لا تخذلهُ فيها تعبيراته.


وفي تلك اللحظة، انسابت الكلمات من السماعتين نحو أذنيهما، كما لو أنها وُلدت لتُقال في هذا التوقيت بالذات


Oh Father, Forgive me for all my sins


ووقفا كلاهما، بلا حراك، أمام البحر الشاسع، يتشاركان الأغنية، الصمت، والمسافة غير المُعترف بها بينهم.


الرياح الباردة تنسلّ بين أزرار القمصان، وصوتها يتردد كوشايةٍ ناعمة في أُذنهما، يُ*** شيئًا داخلهما دون اسم، دون عنوان.


When I meet ur eyes
The devil..He Wins.



كانت الكلمات بمثابة اعتراف خفي يُقال نيابةً عن حذيفة.


رفع بصره في بطءٍ مُرهَق، فتقابلت عيناه بعيني آسـر - تلك العيون التي لم تعد مألوفة، بل أصبحت لوحة متضادة الألوان؛نصفها يُغري بالدفء، ونصفها يُنذر بالخطر.


كانت كأنها تقول كل شيء دون أن تنطق بحرف.
مزيج غريب من الهيمنة، والسكون، والجموح غير المُفَسَّر.


المُباغتة لم تكن في رؤيته لآسر، بل في أنّ آسر أيضًا كان ينظر إليه
بتلك النظرة التي لا تُفلتك، التي لا تسمح لك بالهرب.


وفي اللحظة التي تلاقى فيها النظر، تسلّل ارتعاشٌ دقيق إلى أوصال حذيفة،
كأن الهواء نفسه صار أكثر ثُقلاً، وكأن صدره لا يتسع لأنفاسه.


لسببٍ لا يفهمه، حين ينظر في عيني آسر المُتناقضة
؛ الشيطان بالفعل ينتصر.
ينتصر بـشهوتهِ التي تُحاصر أطرافه،
بخُطاه التي تتعثّر بين الرغبة والخوف،
بكل ما في دواخله من مقاومةٍ تنهار بلا ضجيج.


ولوهلةِ
اقترب آسر بهدوء
كأن الهواء من حوله صار أبطأ
عينيه لم تكن تترك شيئًا، بل كانت تلتصق بنقطةٍ واحدة فقط


شفاههُ.


و حذيفة بكل ما فيه من توترٍ خفي، شعر بالشرارة قبل أن تمسّه.
ابتلع ريقه كمن يبتلع ذنبه.
فهو أدرك، دون أن يُقال، ما ينويه الرجُل هنا.


الخُطى تقلّصت، والفاصل تلاشى،
وكانت لحظة واحدة فقط تفصل بين القُرب والذوبان.


لكن حذيفة
بكل ارتباكهِ الذي يُغري أكثر مما ينفّر -
تراجع فجأة، كمن هرب من نداءٍ لا يجرؤ على تلبيته.
3

إرتسمت على وجهه ابتسامة مُرتبكة، مهزوزة الأطراف،فيها من الخجل ما يُفسد التماسك،
وفيها من اللُطف ما يُثير الرغبة في القُرب أكثر.


"ت.تصبح علي خـير ؟"


همس حُذيفة بصوتٍ واهنٍ مرتعش، كأن الحروف تتدافع من بين شفتين أثقلتهما الحيرة، وهو يمدّ يده المرتجفة ليلتقط هاتفه من كف آسر بهدوءٍ متوتر
1

لم يرفع نظره، لم يترك أثراً، لم يأخذ سوى جهازه ورحل.


تراجع بخطواتٍ متعثّرة، تسابق فيها خفق قلبه مع خطواته، حتى كاد الهواء يعجز عن اللحاق به.


ورغم اختفاء حذيفة من مدى البصر،
لم تختفِ الأغنية،
ولا اختفى أثر خطواته المرتبكة التي بقيت تتردّد كصدى بعيدٍ في أذن آسر،


ثم وبهدوءٍ
حلّ الصمت.


و كان إدراكًا هادئًا، تسلّل إلى عقل آسر كنسمة بحرٍ ليليّة، خفيفة ومُنعشة
حُذيفة يخجل منه.
ويا لها من فكرة مُمتعة.


لم يكن الخجل ضعفًا في نظره، بل تميُّز. وفي خجل حذيفة تحديدًا، وجد آسر شيئًا نادرًا، شيئًا يشتهيه ولا يصادفه كثيرًا.


شيئًا يكسر جمود الوقاحة المألوفة، ويوقظ فيه لذة الترقب.


أعاد السماعة التي تُركت في أذنه إلى جيبه بهدوء، ثم همس بكلمات الأغنية التي لا تزال تتردد داخله،


إبتسم ابتسامة مائلة، غريبه.
لو كان شخصًا آخر، لربما انفعل أو غضب أو شعر بالرفض، لكن آسر لا.


يكفيهِ إدراك
أن حذيفه الوقح ذو اللسان البذيء يكون في حضرتهِ أليف خجول.


تسرَّب النهار بخُيَلائه من بين شقوق العتمة، مُعلنًا إنسحاب الليل الذي طال مكوثه،شقت أشعة الشمس طريقها بنزقٍ متوهّجٍ عبر النافذة، فارتطمت بوجه النائم لتوقظه من سُباته على مهلٍ قاسٍ.

1


تقبضت ملامحه بانزعاج، وانكمش جفناه اتقاءً لذلك النور الغاشم، ثم أدار جسده للجهة الأخرى، هاربًا من سطوة الضياء، باحثًا عن ظلٍ مؤقت.

1


لكن الراحة لم تطل.




فما هي إلا لحظات حتى سمع صوت النافذة الأخرى تُفتح ببطء، تبعها اندفاع ضوءٍ آخر، أشد سطوعًا، كأن الفجر كله قرر أن يُحاصره من كل الجهات.




أطبق أجفانه بإعياءٍ واضح، وتلوّت شفتاه بتنهيدةٍ خانقة




"ياصباح الفل.اللبن برد !"

5


تسلَّل ذاك الصوت ضاحكًا بخفوتٍ كأنّه طيفُ حلمٍ متأخر، فتشققت سباتُ قصي على وقع نبراته.




فتح عيناهُ سريعًا كمن انتُزع من عالمٍ باطنيٍّ دفعةً واحدة، ثم أغمضهما مجددًا بإلحاح، ظنًّا منه أن الصوت محضُ خيالٍ نسجهُ ذهنه المُنهك.




ربما كان وهماً.

3


إقترب يزيد بخطًى متئدة، في يده اليمنى كوب ماء، وفي اليسرى أقراص دوائية مُعدَّة بعناية لاحتواء آثار الثمالة التي لا بد أنها تناثرت في رأس قصي كشظايا زجاجٍ مُهشَّم.

1


ملامحهُ الوادعة تعكس مزيجاً من الحنوّ والامتنان، وهو يُراقب جسد الحبيب المستكين في فراشه، يتقلب كمن يطارد وهماً دافئاً في غياهب الحلم.

2


كان المشهد ساكناً، الضوء ينفذ من الشُرفة كخيوط ذهبٍ تنسج الصباح على الأغطية، ويزيد يقترب أكثر، حتى صار بمحاذاة السرير.

لكن القدر - كعادته يهوى المفارقات.


قدمهُ ارتطمت بحذاءٍ وُضع عشوائياً عند أسفل السرير، فانزلقت بلا إنذار، وسقط جسده في مشهدٍ عبثيّ، وانسكب الماء دفعةً واحدة فوق صدر قصي، لتخترق البرودة نسيج نعاسه وتُوقظه.
7

إرتطم نصف جسد يزيد بالأرض، بينما ظلّ نصفه الآخر فوق السرير، والضحك انفجر من فمه كقنبلةٍ مُباغتة، يهتز لها كيانه كله.



قد يعجبك أيضاً​

قبلة وردية بقلم jilaneDeniz
قبلة وردية
39.8K990
_______حصريـــــاً على مختلف اللهجات الأصلي________ 🚫لا أحلل النشر نهااااااااااائياً🚫 قُــــــــــــــبلَة وَرديــــــــــــــــة...

في قبضه مُجرم بقلم user917219489247
في قبضه مُجرم
48.1K806
اول روايه حقيقيه وذا انشهرت انزل قصه حقيقيه ثانيه.... الاسم ال مهره:

 #في_قبضه_فهد✊️🐆 بقلم HalaZein1
#في_قبضه_فهد✊️🐆
48.7K2.1K
بت العماريه 👱‍♀️، بيت أبوها إهنه يبقي مكانها إهنه بينا وهتتجوز ولدك غصب عنيها ودخلتها هتكون بلدي علشان النجع كلياته يشهد علي طهارتها ويتخرسوا ويحطوا لسانتهم جوا خشمهم...

أيقونة المستحيل  بقلم marisol_333
أيقونة المستحيل
15.2K1.8K
" هي فتاة عربية ***** تعمل مترجمة " " و هو قاتل ***** بريطاني يُكلّف بقتلها لكنه.... يقع في شباك حبها و يصير حارسها بدل قاتلها .

غريبٌ يشبهني  بقلم G___09
غريبٌ يشبهني
16.3K1.1K
القصة بالعامية السعودية لايوجد رومنسية ولا علاقات محرمة الرواية برومانس

أجبرته على حُبي  بقلم Koka514
أجبرته على حُبي
11.1K366
بنت حبت ولد خالتها أجبرته على حبها بطريقتها

بدله رسميه وجثه مشاعر (٢٥ بارت) بقلم user584972134905
بدله رسميه وجثه مشاعر (٢٥ بارت)
27.5K726
بنت تبلع من العمر ١٤ سنه جانت عائشه حيا عاديه مثل أي بنت وفجئة صارت مشاكل عائليه وطلبو دو نوب تفاهم وقبلو بالفصليه لان البطله ما قبلت ينكتل شخص من أهلها و ...... والبطل...



أما الأخـر، ففتح عينيه بذهولٍ مطلق، وقد التصق قميصه المُبلل بجلده، لا يدرى أيفزع من الماء، أم من الضحك الهستيري الذي صدر عن يزيد، أم من وجود يزيد نفسه ؟.
1

"أحا ؟"
4

همس قصي بصوتٍ مبحوحٍ مشوبٍ بثقل النوم، كأن حنجرتهُ لم تُغادر بعد ضباب السُبات، يفرك عينيه بإعياءٍ بالغ، فيما النظرة الأولى التي التقطها بحدقتيه كانت مشوّشة، شبه حلمٍ مُضطرب.. لكنها ازدادت وضوحًا شيئًا فشيئًا، حتى ارتسم المشهد أمامه كاملًا.


يزيد، منكفئ على ضحكٍ صادق، غمازتهُ اليسرى غائرة بوضوح، لا تخفيها خصلات الشعر المتبعثرة بفوضى، ضوء الصباح المسكوب من النافذة ارتطم بملامحهِ فجعل من وجهه لوحةً تُشبه الخرافات.


كان يتوهّج.
نعم، يتوهّج بألفةٍ نادرة.
عيناهُ العسليّتان لمعتا تحت الوميض الطبيعي ككهرمانٍ بداخل زجاجٍ دافئ، وشفتاهُ لا تزال تُنشد الضحكة، ضحكة مشبعة بالحياة.
2

قصي ظلّ يحدّق فيه، لا يفقه شيئًا مما يجري، كل ما أدركهُ أن ضلوعهُ ضاقت فجأة، لا لأن شيئًا يؤلمه، بل لأن هذا الكائن الماثل أمامه، المبتسم بنقاء، بدا له كأنه حقيقي.
1

"و**** أسف.إتكعبلت بس في الشوز بتاعك"


نبس وهو لازال يضحك ثم اعتدل ببطء في جلستهِ حتى استقر كامل جسده على الفراش بجوار قصي.


أما قصي، فكان يُحدّق فيه بعينين ناعستين ومليئتين بالذهول، وكأنه لم يستوعب بعد ما حدث، أو كأن العالم يدور بوتيرة أبطأ في ذهنه.
2

"نِمت كويس ؟"


تسائل يزيد وهو يعتلي جسد قصي، مستقرًّا على معدته في سكونٍ مريح، وقد أسند كفّيه أمامه على صدره كمن يلوذ بالطمأنينة.
2

أما قصي، فقد رفع راحتيه إلى فخذي يزيد، يُحرّكهما ببطءٍ خافت، تائهًا في إحساسٍ لم يدرِ كنهه، كأن الوقت توقف.


"هو إيه اللِ حصل إمبارح ؟"


"إتصالحنا "


همس بصوتٍ واهن، ثم أزاح يده برفقٍ بالغ، ومدّد جسده فوق صدر قصي بلطف ،فأرتسمت علي شفتيٌ الأكبر إبتسامة وادعة.
2

"إتصالحنا إزاي ؟!!"


"يعني قعدنا نتكلم سوا وإكتشفنا إن ملناش غير بعض. ولا ليك رأي تاني؟"
3

همس الأصغر ثم أسند ذقنه فوق ذراعه المسترخية أعلى صدر قصي، متخذاً من دفء الجسد وسادة مؤقتة، كان كل شيء ساكناً، إلا من إيقاع أنفاسٍ تتقاطع بخفة.
1



وبلا وعيٍ منه، رفع قصي كفّه ووضعه على ظهر يزيد، بحركة بطيئة مترددة، لكنها شديدة الرقّة، كأنّه يحاول أن يطمئن أحدهما الآخر بكفّه الهش.


ثم، محاولة بائسة للابتسام انفلَتت من بين شفتيه، كأنّه يُجرب كيف يبدو الفرح بعد الخواء.


"يزيد"


"عيونه ؟"


تبسّمت شفتا قصي بخفوتٍ لا يكاد يُرى، كأنّما استُدرِجَت من بين سُكون ملامحه رغماً عنه.
1

رفع كفّه بتؤدة، وانسابت أصابعه بتأنٍ نحو خصلات شعر يزيد التي أخذت تطول شيئًا فشيئًا، متمرّدة على النظام، متدلّية على جبينه.
1

وبهدوءٍ حميم، راح قصي يُعيد تلك الخصلات إلى الخلف، يسرّحها بأطراف أنامله.
1

و نظر إليه بتلك السوداوية الساكنة في عينيه،
كانت عيناه كغيمٍ ثقيل لا يمطر، لكنّه يُظلّل.


"لو راجع عشان حاسس بـشفقة عليا أو حد قالك إرجعلهُ دا هو مش وحش وبتاع..فـَمن الأحسن
إننا منعرفش بعض تاني لأني عمري ماهغفرلك لو بصيتلي البصه دي"
3

كانت كلمات قصي أثقل من أن تُقال، لكنها قيلت. مرّت على قلبه كالماء المُرّ، لا يُطفئ ظمأ، بل يورث غُصّة.


ويزيد، الذي لم ينبس بكلمة، رقّت عسليتاه فجأة، كأنّ بريقها انطفأ بحزنٍ ناعم.


قصي
من ظنّ أن عودة يزيد لم تكن عن حبٍّ نقيّ، بل عن شفقةٍ رقيقة، تُشبه ذراعًا تُمدّ لمن يغرق، لا لأنها لا تحتمل فُقدانه، بل لأنها لا تُطيق رؤية أحدٍ يغرق.


وهذا ما كَسَر شيئًا في الداخل.


ظنّ قصي أن مكانه في قلب يزيد صار مُجرّد مساحة لحنانٍ مُلتبس، لا عشقٍ حقيقي. وأن يزيد عاد، لا لأنه ما زال يحبه، بل لأنه رأى فيه شخصًا منكسرًا يستحق المواساة.
1

ذلك الظن وحده كان كفيلًا بأن يلوّث كلّ مشاعر الطمأنينة التي بدأت تنمو بينهما.


"طول الفتره اللِ إحنا مع بعض فيها؛ أنا عمري بصيتلك البصه دي أو إني بعمل حاجه بدافع إني مُشفق عليك؟! وحياتك عندي ما في لحظة بصّيتلك فيها على إنك محتاج شفقة،أنا اللِ كُنت محتاجك ياقصي، وأنا اللِ خُفت."
1

نبس يزيد بصوتٍ خفيض، كأنما ينتشل كلماته من قاع صدره، وهو يحاول تعديل وضعيته فوق السرير، متكئًا على كفيه ثم مستويًا بجسده ليجلس إلى جانب قصي.


تحرك الأخر بهدوء، ورفع جذعه مستندًا إلى ظهر السرير المُنجّد، مُتكئًا على الوسائد، دون أن ينبس ببنت شفة.




كانت عيناه ساكنتين
هادئتين إلى حدّ مُ***
لا غضب
لا حزن
ولا حتى خيبة.


"ومشيت ليه ؟"


"كنت خايف معرفش أتعامل صح "


همس يزيد بنبرة خافتة خرجت من حنجرته وكأنها تتكسّر،كان يجلس مُنحني الكتفين، منكسر الروح، وقد أسند يده المرتجفة إلى حجره، يُحدّق في أصابعه بصمتٍ موارب، كأنما يبحث عن شجاعة مفقودة بين تلافيف كفّه.


لم يجرؤ على رفع عينيه نحو قصي.
فـعينيه الآن صارتا مرآةً لما يُخجل
مرآةً تعكس الذنب،
وتفضح الضعف.


"وليه ماقعدتش نتكلم سوا ؟!ليه مِشيت؟"
4

اتسعت سوداويّتا عينيه وهو يُشير علي ذاتهِ.


بدا قصي كمن يُحاول أن يجد تفسيرًا لما لا يُفسّر، يتلمّس في الهواء خيطًا للمنطق، خيطًا يُنقذه من السقوط في هاوية الفقد.


"قصي إنت بردو مبتتكلمش!!
مش بَرُدهالك واحده بواحده لأ،بس أنا حرفياً معرفش عنك أي حاجه!و مش بقولك تعالا إحكيلي من أول ما إتولدت بس إحنا مع بعض وسوىٰ ياحبيبي المفروض علي الأقل أكون عارف عنك حاجه،أنا مُدرك إنك شخصيه كتومه بس واحده واحده تِتعود تحكيلي ،وأنا مش متسربع علي حاجه و**** براحتك خالص ؛إحنا مع بعض والعمر طويل"
6

كان صوته مُنسابًا بهدوءٍ مطلق، اقترب يزيد ثم مدّ يده في رفقٍ بالغ، لتستقر على كتف الأخير باستحياء، وبدأ يُحركها ببطءٍ مائل إلى التربيت، لا ليُهدّئه فحسب، بل كأنه يُهدّئ قلبه هو.


لم يكن الأمر مجرد لمسة، بل اعترافًا صامتًا بالندم، وبالرغبة في البقاء.


وفي تلك اللحظة، حين التقت نظراته بعينَي قصي، ارتجفت عسليتاهُ بنورٍ لا صلة له بالضوء - بل بالوجود.


وجود قصي القريب،كان لمعانهما وليد حضوره، كما لو أن البريق ينبثق فقط حين يكون هذا الرجل بقربه.


"آسف"


بهمسةٍ خافتة، عاد يزيد ليجلس فوق حضن قصي مجدداً، وكأنه يعود إلى موطنه الأول، مكانهُ الأزليّ الذي لا ينتمي لغيره.


أما قصي، فكان مرسوم الملامح، جادُّ النظرات، ثابت القسمات، لكن داخلهُ
داخلهُ كان يضجُّ بفرحٍ طفوليٍ خافت، لم يقوَ على كبح ابتسامته، خرجت من بين شفتيه كما يخرج السر من فم مُحب، عفويّة، صادقة، تقفز خارج الحراسة الصارمة لوجهٍ ظاهريّ جامد.


ويزيد؟ لم يفت عليه ذلك.
رأى الابتسامة، قرأها، سمعها رغم صمتها، فارتفعت زوايا شفتيه بسعادة خالصة




"لأ كدا نموت أوڤر دوز جمال وحلاوه"
2

إرتفع حاجبا قصي سريعًا، كأنما صُفع بلُطف من وقع كلمات يزيد عليه، لم يكن مستعدًا لذلك الغزل الذي خرج من فمٍ لطالما اعتاد الارتباك، والتلعثم، والهرب من التصريح.


"إلعب غيرها يمعلم.وغيرها أوي كمان عشان لسه متصالحتش"


حاول قصي إبعادهُ ودفعهُ بعيداً عن حضنهِ ألا أن يزيد تشبث بعنق الأكبر بقوةِ،ضاحكًا بصوتٍ مرتفعٍ عبثي، يُشبه ضحكات الأطفال حين ينتصرون في معركة عناق صغيرة لا يُريدون لها نهاية.
1

كان جسده خفيفًا، وروحه أكثر خفة، وكأنما اختبأ فيها كل الشوق المؤجل، وكل الحنين الذي لم يُقال.


"بس إنت قولتلي إمبارح إنك مش زعلان !"


"كنت غير واعي يأخي،هتحاسبني علي اللاوعي بتاعي؟"


ضحك قصي وهو يحاول بيديه دفع جثمان يزيد الملتصق به كأنما التصق بالروح لا الجسد.


كان يزيد ممددًا فوقه بثقلٍ محبب، يرفض التحرك كأن الأرض لن تطمئن إلا وهو بهذا القرب،ومع كل محاولة من قصي لإبعاده،كان يزيد يُزيد من التصاقه به بضحكةٍ خافتة خبيثة وهو يصـرخ.


"وهل يبحث الأنسان عن مُبرر لأفعاله بحجة اللاوعي"
4

عقد قصي حاجبيه سريعاً جراء ذلك الحديث العبثي الناتج من محبوبهِ الصغير.


"يعني إيه ؟"


"يعني هات بوسه"
طلب يزيد بشفتيه المُمتدتين للأمام ناحية قصي.
5

وهُـنا، ضحك قصي بصدقٍ وبقوة، ضحكة خرجت من صدره لا شفتيه فقط، وهو يرى يزيد يقترب منه بتلك الجرأة، وتمدّد شفتيه الناعمتين صوبه في محاولة مكشوفة للحصول على قبلة.
1

"أوف دا إحنا إتطورنا وبقينا نطلب بوسه!"


"وهنطلب حاجات تانيه بس صبراً"
نبس يزيد بخفة ولهفة، ثم انقضّ على شفتي قصي كطفلٍ اختلس قطعة سُكّر، قبلةُ سريعاً جداً
5

ضحك وهو يبتعد، كأن قلبه فاز بلعبة، وعيونه العسلية تتلألأ بلـون ناعم.


"شوقنا أكتر شوقنا"


استجمع قصي ما تبقى من وعيه المتقد تحت سطوة اللحظة، ثم أزاح جثمان يزيد عن صدره برفقٍ مُعتدلاً في جلسته بخفّة لم تُنقِص من وقاره شيئاً.


التقط جسد يزيد كمن يلتقط قلبه من السقوط، وأجلسه فوق فخذيه بحنوٍ بالغ، حتى استقر الأصغر عليه.




سكنت العينان السوداوان وجههُ الصارم، إلا أن تلك الحدقات كانت تبتهل في صمتٍ لرؤية يزيد، تلمع بوميض خافت أقرب للنجوى منه للضوء، وكأن بها قُدسية خاصة.


قصي بدا وكأنه تحرّر من ثِقله القديم، كأن قلبه نفض عنه رماد الأيام السابقة، واستحال صبّاحاً جديداً، فيه من الصفاء ما يُبكِت العاصفة.


يزيد، التفّ بذراعيه حول عنق قصي، وتدلّى منه كعِقدٍ خفيفٍ من لهفة،اقترب من وجهه في صمت، حتى كاد بأنفاسه الحاره أن يُقبلهُ مجدداً ثم تراجع، يتردد، يبتسم بعبثٍ يشبه المراوغة.


عيناه كانتا تغزلان الرغبة في صمت، تشعلان وتُطفئان، ثم تعيدان إشعال اللهفة ذاتها، كأنه يختبر جُمر الانتظار.


لكن قصي لم يُمهله،
جذبه من مؤخرة عنقه بحزمٍ لا يخلو من حنان،
وثبّته إليه كمن يخشى الفقد ولو للحظة،
ثم أطبق على شفتيه قُبلةً.


قبلة ضارية، نَهمة، تفيض بالشوق المكبوت،
قبلة لم تكن مجرّد لحظة، بل إعلان بقاء ؟.


-


"عارف بجد إيه أكتر حاجه بضان في الحياة؟ "
6

صاح مالك ببهجةٍ عفوية وهو يهبط على الكرسي الخشبي المجاور لطاولة الفِناء، كانت الطاولة تطل على مدخل الفيلا وتغمرها شمس الصباح الذهبية، وعلى سطحها تكدست فناجين القهوة وأعقاب السجائر ومزاجٌ دافئ لا تخطئه العين.
3

جلس إلى جانب كريم، وآسر، وحذيفة الذي أسند رأسه على كفه في صمتٍ خجول، مستمعاً بصبرٍ لثرثرة مالك وحواراته الصاخبة.
2

والأغرب من كل شيء أن مالك كان يتحدث إلى آسر بعفوية مُطلقة، كأن بينهما ألف حكاية، يتكلمان بلا ارتباك ولا تردد.


بينما حذيفة، ذلك الكائن الحذر، كان بالكاد يرفع عينيه، وكأن وجود آسر بجواره يُ*** نبضه ويُ*** الهواء من حوله.
5

"حوار الصباحية دا "


تفوه مالك بنبرة مشوبة بالاشمئزاز، مما دفع كريم للقهقهة بخفة وهو يرفع فنجانه ويرتشف رشفة هادئة من قهوته، متكئًا إلى الوراء باسترخاء.


أما آسر، فقد اكتفى بهمهمة خافتة، ثم ما لبث أن اعتدل في جلسته قليلًا مُضيفاً


"لأ وفي بعض الأماكن لازم اللاڤ-بايت تكون واضحه علي رقبة العروسه"


"دليل إنهُ ناك "
2

صاح كريم بهزليةِ ثم انحنى قليلاً للأمام، وبدون سابق إنذار، التهم قضمة سريعة من فطيرة التفاح التي كان مالك يرفعها نحو فمه.




في تلك اللحظة، انفلتت ضحكة خافتة من حذيفة، لم تكن عالية لكنها حملت نبرة خبيثة واضحة،وقف من مكانه ببطء، عاقدًا ذراعيه فوق صدره


"يعني زمان أختك إتـ- خلاص و**** بهزر !!"
3

استدار حذيفة على عقبيه بسرعة، والضحكة ما زالت تتراقص على شفتيه، لكن ما لبثت أن تحولت إلى صرخة قصيرة مفزعة وهو يرى كريم ينهض من مكانه فجأة، وقد أمسك بفنجان القهوة الفارغ ليُقذفه نحوه.
1

الفنجان تطاير في الهواء بثوانٍ خاطفة، لكنه لم يُصب حذيفة، بل ارتطم بالأرض وارتدّ بشظايا من القطرات الساخنة، ومع ذلك لم يكن هذا كافيًا لكريم.


"هجيبك ياكسمك"


بل نهض بكامل جسده، وركض خلف حذيفة الذي انطلق فارًا كالأرنب وسط أصوات ضحك عالية من مالك.


تبسّم آسر بسخرية خافتة وهو يُتابع عبث الثنائي المُتنابز أمامه، قبل أن يرفع كوب العصير إلى شفتيه بتراخٍ ،لكن قبل أن يمس السائل شفاهه، التقط بصره مشهدًا..


قصي
صاحب السُمعة المُثقلة، الذي تدور حوله الأقاويل كأنها غيوم لا تنقشع - وقيل عنه ما قيل، قاتل، مضطرب، مريب كان يقترب بخطى هادئة، بجانبه يزيد، الطالب اللامع الحائز على المنحة، ذاك الذي تتسابق الأساتذة لمدحه والطلاب لتقليده.
2

كانا يتحدثان سويًا
ويتجهان نحوهم.


آسر لم يُفكّر يومًا في الاقتراب من أيٍّ منهما، لا سيّما قصي، لكن الآن
الآن وهو ينظر إليهما معًا، تتجسد المفارقة
عيون حالكة وأخرى عسلية
شعر داكن كثيف وشعر بني ناعم
جسد موشوم وآخر خالٍ كصفحةٍ بيضاء


كأن القدر أراد أن يجمع الليل والفجر في لوحة واحدة.
5

رغم التباين الصارخ
رغم الاختلاف في الهيئة والسُمعة، بل وحتى الطاقة! هناك شيء ما لا يُقال، ولا يُفسَّر، شيء أشبه بخيطٍ خفيّ، يشدّ أحدهما نحو الآخر بإلحاحٍ لا يرحم.
2

ابتسم آسر من طرف فمه، ووضع الكوب دون أن يشرب.
1

في داخله، كان على يقينٍ راسخ
أن بين قصي ويزيد، رباطًا لا تراه الأعين، لكنه موجود وعميق.
2

"**** يعينك علي الشخاخ اللِ في دماغك
يـقلبي!"


نبس مالك بصوتٍ عالٍ، يكسوه طابع التهكّم المألوف، مازحاً من تقلّب يزيد الدائم، وكأن آراءه تنبع من قلب عاصفة لا تهدأ، فكل ساعة له موقفٌ جديد يخص قُصي لا يمت لسابقه بصلة.


ضحك يزيد، ضحكة خفيفة خالية من الضيق، وجلس إلى جوار مالك بلا اكتراث، ثم أشار بيده تجاه آسر في تحيّة عفوية، على الرغم من أنه لا يعرفه شخصيًا، لكنّه حياه ببساطة.




"دا أنا اللِ هشخخك اللوقتي !"
صاح قصي بصوتٍ جهوري وهو يتخذ مجلسه بمحاذاة يزيد.


"زيرو كام يدكري مش قادر أتنفس"
سخر مالك باندفاع، ثم هوى بكفّه على وجهه يُحركها ذهاباً وإياباً كمن يحاول تبريد جمرٍ التهم وجنتيه مازحاً.
2

"إبلع ريقك بقىَ.منامش كويس"


همس يزيد بنبرة يغمرها الضحك نحو مالك، بينما راحت أنامله تدلّك الموضع ما بين حاجبيهِ بتلقائيةِ.


وفي اللحظة ذاتها، أومأ قصي بصمتٍ خافت، مُصدقًا على اعتراف الأصغر بأنه لم ينم جيدًا، لم يتكلم، بل ترك جسده يتكلم عنه، إذ مدّ يده بثقلٍ وسند بها رأسه على سطح الطاولة.


وفي حركة عفوية ناعمة، إمتدت يد يزيد ببطء نحو رأس قصي، تُلامس شعره القصير بخشوعٍ حميم، وتُربّت عليه بملامسة تنبض بالألفة.


"عيونك جميله ماشاء ****"
1

إمتدح يزيد تغاير لون عيني آسر بنبرةٍ عفوية لكنها صادقة، كان آسر غارقًا في متابعة شيءٍ ما على شاشة هاتفه، إلا أن وقع الكلمات على مسامعه جعله يُنهي ما بيده بهدوء.


رافعاً رأسه نحو يزيد، وعيناه المختلفتان تلتقيان بعينَي من إمتدحهما "تِسلم يابا"


و جراء هذا؟
رفع قصي رأسه سريعًا، كأن غريزةً دفعت عينيه لتستقر على آسر، وتحديدًا على تلك العيون التي إمتدحها حبيبهُ،عيناهُ كانت بالفعل غريبة، ثنائية اللون؛ إحداهما تَسكنها ظلال العسلي الدافئة، والثانية تلمع بزرقةٍ باردة كزرقة البحر في عزّ الشتاء.
1

"أومال فين الراجل بتاعك ؟"


حوّل قصي نظره صوب مالك، وقد بدت ملامحه متسائلة، فما كان من مالك إلا أن أشار بيده نحو جهةٍ ما في الحديقة
"تلاقيه في كُورنر هناك بيفشخ حذيفه"


"ظَبطُوها ثريـسوم؟"


سخر الأكبر بنبرةٍ خفيفة، لكن سرعان ما نكزه يزيد بكوعه في ذراعه، لأنها المرة الأُولىَ التي يجلسان برفقة آسر، ولا أحد يعرف بعد إن كان سيقبل دعابات قصي الصاخبة أو سيتحفّظ عليها.
1

أما مالك، كعادته في الردّ، لم يتردد لحظة، واكتفى برفع إصبعه الأوسط باتجاه قصي في حركة خالية من الدبلوماسية.


"لامُؤاخذه يعم"


ضحك قصي بصوتٍ خافت بعدما استوعب المشهد بأكمله؛ نظرته إنزلقت نحو آسر، الذي لم يكن يُظهر عادةً كثيرًا من التفاعل، ليُفاجىء بتلك الابتسامة ترتسم على وجهه متابعاً




"عيش حياتك"


وما هي إلا ثوانٍ حتى انشقّ صفّ الشجيرات القصيرة التي تُحيط بجانب الحديقة، وظهر كريم وحذيفة سويًا.


كان حذيفة قد أسند ذراعه حول عنق كريم، بينما أحاط كريم خصره كأنهما ثُنائي مـا ،مما دفع مالك يصرخ "يا خطافة الرجاله"
2

"خطافة رجاله إيه يعم.أنا رايح أخطف نسوان"
1

دافع حذيفة عن نفسه سريعاً وهو يقترب بخطى واثقة نحو الطاولة، يربت على كتف قصي بلمسة خفيفة ذات نبرة ودّ خفي، ثم التفت ليزيد، وكرر الفعل ذاته بذات الرهافةِ.
1

أما كريم، وبابتسامة جانبيةِ فقد ألقى قُبلة في الهواء نحو مالك وهو يرفع حاجبيه.
1

"مين يجي معايا"


تلفّظ حُذيفة بنبرةٍ خبيثةٍ مستترة، نغمةٌ يختبئ خلفها إدراكٌ دفين أن قصي وكريم لن يعودا كما كانا معهُ في عبثِ المغازلات الرخيصه.
1

فما عاد كريم يُفارق ظلّ مالك، ولا قصي يُنكر التعلّق اليقيني بيزيد.


قصي، وقد رفع ناظريه نحو السماء ببلاهةِ ،أما كريم فالتفت نحو آسر بهدوءٍ
"بتقرأ إيه وريني "


"بس ممكن كيمو يجي معاك علفكره"
أردف ذو الوشوم بصوتٍ عاليِ ليلتفت إليه
كريم بسرعه.


"أحا ياكريم إنت كنت بتروح تشقط نسوان من
علي البحر ؟"
1

وما إن ارتفع صوت مالك على نحوٍ مباغت، حتى وضع كأسه جانبًا ونهض بخفةٍ ملحوظة متوجهًا نحو من يهواه.


"عليا الطلاق عِلق"
سب كريم قُصي مُحاولاً التبرير لذاتهُ.
"أهو إنت قولت بنفسك ياحبيب القلب- كُنت-
يعني دا ماضي. سيبك إنت بس من شوية الخولات دول"


"أحا بياكُل بعقلك حلاوة"
انضمّ إليهم يزيد، ضحكته تتسرب بخفة من بين شفتيه، ويده تهوي على كتف مالك في ضربة ودّية لطيفة، فيما التفت آسر إليهما بدوره


"حلاوة إيه. دي مُربىَ "


"ماهو ملقناش في الورد عيب نقوله يا أحمر الخدين ياعرص مِنك لِيه !"


نظر يزيد سريعاً نحو قُصى مُشيراً علي ذاتهِ بـدلالِ "بيشتمني "
3

"قلبك جايبك تِتهلفت ياض "
نهض قصي سريعاً من مكانه نحو كريم بخطوات مسرعة يستعرض جثمانه وعضلاته.


"ماخلاص بقىَ يابن *** الحب يابن المرا العاشقة خلاص"
2

صاح حذيفه و إرتسمت على محياهُ ابتسامة تلامس شفتَيه كما النسيم، وهو يُمعن النظر في تفاعلات قصي ويزيد، كان المزاح الدائر بينهما ظاهريًا عابرًا، يعلوه الضحك وتُكلله النُكات، لكن العيون - كما دائمًا لم تُحسن التخفِّي.
1



كان بوسع حذيفة أن يُبصر في مقلتي قصي ذاك البريق المُتوهِّج الخافت، الذي لا يصطنعه عاشق، بل يفلت منه قسرًا.
2

نظرة واحدة من قصي تكفي لتشي بكل شيء؛ بالامتنان، بالوجد، وبالارتباك الجميل الذي لا يُفتعل.


"يابن الشرموطه"


شهق يزيد سريعًا ثم مدّ كفه على عجل ليغطي فم قصي، في محاولةٍ فطريّة منه لكتم تلك الألفاظ النابية التي أفلتت بلا وعي.
1

ضحك قصي بخفةِ ثم أزاح كف يزيد عن فمه بلطفٍ ظاهر، دون أن يتركها تُفلت تمامًا -بقيَ ممسكًا بها براحة يده، كأنها شيء لا يريد له أن يغيب.
1

أصابعه انعقدت حول يد يزيد برفقٍ فطري، ثم التفت نحو حذيفة، وعلى وجهه تلك النظرة العابثة التي لا تُخطئ.


"خُد آسر معاك.ولا ملكش في الجو دا ؟"


"أ.كيد ملوش في الجو دا"
تكلم حذيفة بنبرة سريعة، مرتبكة قليلاً، وهو يفرك مؤخرة عنقه بحركة لا إرادية تنم عن قلق دفين.
3

كان يحاول الظهور بمظهر الواثق، لكن ارتباكه كان يفضح نواياه، هو يعلم جيداً أن فكرة الخروج مع آسر لمحادثةِ الفتيات، كما اقترح الآخرون، ليست فكرة مناسبة إطلاقاً
ليس لأنه لا يُجيد ذلك، بل لأن الوضع كله مُ***.


كيف يفعل هذا وهو بالكاد يستطيع التحدث بطلاقة أمام آسر دون أن يتلعثم؟! كيف يُسايره في حديثٍ عابر، بينما كل ذرة فيه تصرخ بالانجذاب نحوه؟.
3

أضِف إلى ذلك تلك الليلة- تلك الليلة التي لا تُنسى، والتي تركت أثاراً مُحببه علي جثمانه.


. هم لم يخططوا لها، لم يتحدثوا عنها بعدها، لكنها حدثت.. وها هو الآن، في صُحبته مجدداً، يُصارع ذاته.


الوضع ببساطة كان
مُتوترًا. مُرتبكًا. وفوضويًا أكثر مما يحتمل قلبه.


"ليه مبتعرفش تنيك ؟"
سخر كريم وهو يُعانق مالك من الخلف مُحاوطاً خصره إليهِ.


"إسألهُ "
5

نبسَ آسر بإبتسامةٍ مستكينة فيما كان يُلقي بطرف ناظريه إيماءةً خفيّة نحو حذيفة، ذاك الذي فاجأه المشهد، فانعكس في محيّاه حُمرة خجلٍ حادّة، تسرّبت إلى وجنتيه كمن ضُبِطَ متلبسًا بعاطفةٍ لم يفلح في تمويهها.
1

كانت إشارة آسر أقرب إلى وميضٍ خفيّ، لكنها بلغت صميم اللحظة؛ جعلت الرفاق يبادلون النظرات وكأنهم اكتشفوا سرًا لم يُبح به أحد.
3

آسر لم يُطِل الوقوف، بل اكتفى بهدوءٍ ثقيل أن يمرر كفّه فوق قميصه ليُصلح انثناءه، ثم التقط مفاتيحه وهاتفه بخفةِ.




تقدّم بخطى رزينة حتى استقر إلى جانب حذيفة الذي تَيبَّس موضعه، وقد صارت أنفاسه متثاقلة تحت وطأة النظرات.
2

"يازبي "


همسَ قُصي بصوتٍ بالكاد سُمِع خوفاً من توبيخ حبيبه الصغير، وقد عَلق بصرهُ بمشهدٍ بدا أكثر من عابر، وهم الأربعة يُتابعون خُطى حُذيفة وآسر المتناغمة، وهما يبتعدان بتؤدةٍ نحو زرقة البحر الساكن، كان النسيم يُداعب ثيابهما، ووهج الشمس قد بدأ يخفّ حدته.


"أهو اللِ عامل فيها طرزان طِلع بيتاخد "


أدار يزيد رأسه صوب قُصَيٍّ في عَجَلة، رافعًا حاجبيه في استفهامٍ خفيٍّ كمن يترقّب توضيحًا مُضمَرًا.


"وهما مالهم اللِ بيتاخدو ياحبيبي ؟"
1

"قصدهُ إنهم ناس مش ولابُد يا زوز "


نبس كريم بسرعة، ناظرًا إلى قصي بنظرة خاطفة وكأنه يعيد له الصاع بصاعين عمّا حدث قبل لحظات،لم يمهله كثيرًا، بل تابع بحركة خفيفة من كتفيه وضحكة قصيرة خرجت منه بلا اهتمام.


"مش بيحبك.اللِ بيحب مبيقولش كدا،أصل هتتناكوا إزاي ؛لاسلكي يعني !"


"ماتِلم التِحش بتاعك دا ولا إنت مبتبقاش مرا قادره إلا عليا ؟"


انطلق قُصي بخُطى مستعجلة، تكاد تلامس الأرض خفةً، صوب مالك الذي انفرجت شفتاه عن ضحكةٍ، فيما كانت يداه تعبثان بجثمان كريم، يجرّه خلفهُ بلامبالاةٍ


وعلى مقربة، استقرّ يزيد في جلسته، متربّع الذراعين ، عيناهُ مسمّرتان في وجه قُصي الذي إلتفت لهُ
"تِيجي نطلع وتنيمني في حُضنك ؟"


همس قُصي بنبرةٍ خفيضة تكاد تتلاشى في فراغ الهواء، وقد أمال رأسه على كتف يزيد، كمن يسند ثقل العالم لا رأسه.
1

أما الأصغر فرفع كفّه ببطءٍ وأسبل أنامله على وجه قُصي بملاطفةٍ شديدة الرهافة، كأنّه يُجسّد السكينة ذاتها، وعيناهما مُعلّقتان بذلك المشهد المُضطرب على الضفة المقابلة؛ مالك، يتململ بضيقٍ مكتوم، تواقًا للارتماء في غرفته، وكريم، مُتشبثًا بلحظةٍ عابرة عند حافة البحر لا يريد الصعود الي الغرفة.


حينها يزيد إستوعب شيئاً سريعاً
" هو مش المفروض نِرجع إنهارده ؟"
1

همهم قُصي بنبرةٍ مُتهدّجة، ثم أجهد صوته رافعاً نبرتهُ علّه يبلغ مسامع كريم الذي ابتعد مسافةً يسيرة


"هنمشى إنهارده ياكيمو ولا إيه ؟"


ليِحصل علي إيماءة من الأخـر
"كل الناس اللِ هنا ماشيين عشان يلحقوا الطيارات بتاعتهم،بس لو عايز تِفضل سمعاً وطاعة ياكِبير "




قلّب يزيد حدقتيهِ في ملل جراء حديث كريم المُفَخم
مُشيراً نحو حبيبهِ
"يِفضل إيه. عنده فاينل بعد بُكره "
1

"يـاهه! إحنا فين وبعد بُكره فين"
4

"قُوله !"


رمق يزيد كلاً من كريم وقُصي بنظرةٍ مثقلةٍ بازدراءٍ متعمَّد، وقد اصطنع الاشمئزاز في قسمات وجهه
"عيال فاشله "
2

"إنت اللِ نِيرد ياقلبي"


قهقة مالك في ضحكةٍ خافتةٍ وهو يُفصح ليزيد عن حقيقةِ يدركها تمام الإدراك.


نعم، يزيد مواظبٌ على دراسته ينهل العلم بنهمٍ ويُمعن في التحصيل بتأنٍّ وصرامة، فيما يقف قُصي على النقيض تمامًا، يتخبّط في دروبه بلا بوصلة، كأنّ النجاح بالنسبة إليه مفردة غريبة، لم تُدرج قط في معجمه العقلي، ولا عرف لها سبيلًا.
1

وبعد برهةٍ لم تطُل..


كان يزيد قد ارتمى فوق السرير مُستسلمًا لسكينةٍ وادعة، وقد ضبط جهاز التكييف على درجة حرارة دافئة تُلاطف صقيع الشتاء الذي يتسلّل عبر الجدران بصمتٍ ثقيل.


ارتدى حُللًا مريحة، كأنّه اعتزل صخب اليوم، وأمسك بجهاز التحكّم يُقلّب القنوات بإيقاعٍ كسول، يُنقّب في زخم العروض عن فيلمٍ يُجاري مزاجه المتطلّب، فيما الشاشة الكبيرة تُلقي بوميضها الواهن على ملامحه المُسترخية.


هما الآن في الغرفة فقط لأن قصي أراد النوم في أحضان يزيد.


كلماتٌ نُطقت دون تكلّف، لكنها ألزمت القلب قبل السمع، إذ لم يكن يزيد ليقوى على ردّ طلبٍ يقطر حنوًا ممن ملك فؤاده.
2

وبعد لحظات، انفتح باب الحمّام بهدوء، وخرج منه قُصي، وقد لُفّت منشفة حول رأسه، تنسلّ منها قطرات الماء على صدرٍ مكشوفٍ توهّج بنضارةٍ رطبة، فيما يستر جسده السفلي بنطالٍ أبيض واسع


كان يتثاءب بعنفٍ، كمن يُقاوم النُعاس بشيءٍ من اللامبالاة، وأحداقه تنزلق ببطء نحو يزيد الممدّد، تُمعن النظر فيه بصمتٍ مُثقَل بالحميمية.


كان هادئاً وجميلاً.


"هموت وأعرف إنت ليه مش بتنشف شعرك
وسبحان **** عمرك ماجالك برد برضو !"
2

"بتحسدني ؟"


"لأ. بَدور علي حِجة عشان أنشفلك شعرك،
قَرب ياحبيبي "
2

قهقه قُصي بخفةٍ عذبة، ثم اندفع نحو يزيد.


غير أنه لم يجلس إلى جواره علي السرير، بل إعتلى جثمانهُ ، واستقر فوقه كما تستقر الروح في موضعها الأثير، دون تحفّظٍ أو تكلّف، وكأنّ قربه حقّ لا يُطلب، بل يُمارَس.




ارتسمت على شفتي يزيد ابتسامة وادعة مُضمّخة بالمحبّة، ثم مدّ يده إلى منشفة قُصي، نزعها برفقٍ وتأنٍّ، وراح يُجفّف خصلاته المبتلّة بحنوٍّ بالغ.


وقُصي يضحك من فرط بساطته، إذ كانت قطرات الماء تتساقط من شعره، تنساب على ملامح يزيد، تدخل عينيه أحيانًا، وتُبلل فمه.


لكن الأخر لم يتأفف، لم يحرّك ساكنًا يُبعده أو يُقاوم هذا القرب الطاغي؛ إذ إنّ ملامسة جسد قُصي له، بهذا الشكل المُفرط، قد أذابت في داخله شيئًا عميقًا، كأنّ فؤاده قد لان في حضرته، وانقبض صدره لا نفورًا، بل من فرط المحبّة التي ضاقت بها أضلعه.


"عايز أقولك حاجه "


همهم يزيد بهمسةٍ دافئة يحثهُ علي الحديث ، وبابتسامةٍ عريضةٍ لم تفارق قسماته.


أزاح المنشفة جانبًا في حركةٍ بطيئة ثم مدّ يده في تؤدةٍ، وراح يُمرّر أنامله فوق الوشوم المُنسدلة على جسد قُصي.


يتتبّعها كما يتتبّع العابدُ طُغراءً محفورةً على جدار معبدٍ قديم.


كان لتلك العلامات المُرسومة على جلده سُلطانٌ خفيّ عليه؛ افتتانٌ لا تشفيه النظرات، وشغفٌ يتجاوز حدود البصر.


باتت وشوم قُصي طقسًا شخصيًّا ليزيد، نُقشت على الجسد لا للزينة، بل لتُغريه بالتمعّن، ولتُثبّته في مقامٍ لا يقوى على مغادرته.


"أنا هتبنىَ *** "
10

"كلب يِوَنس موسكو يعني ؟"
1

ضحك قُصي ضحكةً رخيمة تنبض بالصفاء، ثم أرخى جسده مُسنداً رأسه على صدر يزيد، كأنّما يسكن إلى إيقاع نبضه.


"لأ.*** بني آدم عادي "


عقد يزيد حاجبَيه برهةً وجيزة، في إيماءةٍ خفيّة تشي بترددٍ باهت، لكن ملامحه لم تنطق برفض.


"حبيبي دا سن التبنيِ أصلاً ٢١ وإنت لسه ٢٠ ،
وبعدين إيه اللِ جاب الفكرة في دماغك ؟"


"وِحشه؟"


"لأ ياعيوني دي جميله و أوي كمان ،بس لازم نعرف إن دي مسؤوليه ودي روح إنت هتكون مُلِم بكل حياتهُ"
1

"إحنا "
4

صحّح له قُصي حديثه -أنهم وليس هو بمفردهُ - بصوتٍ وادعٍ يكتنفه الهدوء، غير أنّ في نبرته ما يُشيع ثقل المعنى وصدق النيّة، كأنّه لا يُفصح عن رغبةٍ آنية، بل عن قرارٍ تشكّل في أعماقه منذ زمنٍ كامن.


لم تكن الكلمات مُجرّد أمنية تُقال على عجل، بل إعلانًا مُبطّنًا لحلمٍ ناضج، حلمٍ يريد أن يُشرك فيه يزيد وعُمر، لا على سبيل العطف، بل على سبيل التكوين.
2



أراد حقًا أن يحتضن عُمر، أن يتبنّاه لا كطفلٍ مُلقى في طريق المصادفة، بل كجزءٍ أصيل من كينونتهم، نواةً لأسرةٍ صغيرة يُشيّدونها معًا، هو ويزيد، تجمعهم تحت سقفٍ واحد، وتربطهم بروابط ليست من لحمٍ ودم، بل من محبّةٍ تُفوق النسب وألفةٍ تُضاهي الدماء.
2

كان قُصي يتوق إلى بيتٍ حقيقي، لا مجرّد جدران؛ إلى حنانٍ لم يُكتب له أن ينهل منه في طفولته، إلى أمانٍ ظلّ غائبًا كطيفٍ مستحيل.
1

أراد أن يمنح لعُمر ما حُرِم منه صبيًا: دفء الحضور، وطمأنينة الانتماء، وصوتًا يُناديه باسمه لا ليأمره، بل ليحتضنه.


أراد، أخيرًا، أن يُعيد صياغة العالم كما يشتهي قلبه لا كمن ينتقم من ماضيه، بل كمن يُعيد ترميمه، لبنةً فوق لبنة، بالحبّ.


"إحنا طبعاً ،هو أنا هسيبك تِربيه لوحدك ولا إيه؟"


"هو فيه مامي بالحلاوة والدلع دا كله ؟"


ثم داعبهُ قُصي بأناملٍ خفيفةٍ مُتعمّدة، يُمرّرها على مواضع بعينها في جسده، بدغدغةٍ لطيفة ؛ فانفجرت من يزيد ضحكةٌ عالية، تنبع من أعماق صدره.
ثم أردف بصوت مختنق.


"هبقىَ مامي لإتنين ؛ ليك ولإبنك "
4

همسَ يزيد بصوتٍ متهدِّجٍ فيه من الحياءِ ما يفضح،
ثمّ جَذب قصيّ إليه فجائيًا، كأنّ اشتياقه ضاقَ بطولِ الكتمان.


اقترب منهُ حتى لامست أنفاسه شحوبَ وجهه، ثم طبعَ على فمه قُبلةً ليست من هَزَلِ الغواية، بل من جِدِّ المُحبِّ الذي أنهكَهُ الكبت.


كانت قُبلةً عاريةً من الخوف، نابضةً بحقيقةٍ لا تحتمل تأويلاً، كأنها قسمٌ أُديَ في صمت، لا على مِنبَر، بل على فِمٍ شهِقَ بالذهول وسَكِرَ بالتسليم.


أحكمَ قصيٌّ قبضتَهُ على خصرِ يزيد، كأنّما يستوثقُ من أمرٍ يوشكُ أن ينفلت، تعمّق في القُبلةِ حتى انسلَّ من بين شِفاهِ يزيد تأوه ناعم خافتٌ وهو يفصل شفاههُ عن الذي يعتليهِ بجوع ،هامساً بشهوةِ.


"عايزك "
3

-


كان يتهادى بين أروقة الفيلا الفسيحة، التي آوت معظم المدعوّين إلى حفل الزفاف، ممن آثروا المبيت فيها قبل أن يغادروها في الصباح نحو بيوتهم، أما العروسان، فقد انسلّا إلى المطار حال انفضاض الحفل، في مستهلّ رحلتهما إلى شهر العسل.


كان يمشي بخطى متثاقلة خالية من الاكتراث، كأنّ العالم كله قد انكمش في عينيه إلى حفنة من العدم، سيجارة مشتعلة تستقرّ بين أصابعه، ينفث دخانها على مهل، فيلوِّن الهواء بغمام رمادي كئيب.




"تعالي بس أُقعدي في حضني "


عقدَ أيان حاجبيه بامتعاضٍ جلي، وقد استدار بحدةٍ نحو مصدر الصوت، فإذا برجلٍ عجوز يغصبُ ****ً بالجلوس في حجره، بينما الخوفُ مرتسمٌ على قسماتها الصغيره ارتسام الظل على الجدار.
12

استحالت ملامح أيان إلى قناعٍ من السخط المُكفهر، وانقبض وجههُ مُشمئزاً.


أطفأَ لفافة تبغه بظهر كفّه كما لو كان يُخمد قذارةً لا تستحق أن تُمَسّ بالأصابع، ثم ألقاها أرضًا بازدراءٍ صامت، ومضى بخطًى ثقيلةٍ نحو الكهل.


"هىَ حفيدتك ؟"


رفع الرجل رأسه ببطءٍ وسبلَ بصره الكليل نحو أيان شاحبَ المحيا، غائرَ المقلتين، تكادُ التجاعيد في وجهه تروي وحدها ألف فاجعة.


غير أنّ الطفلة إنفجرت باكية بدون سابق إنذار.


"أحا ياكسمك.بتتحرش بطفلة قد أحفاد أحفادك !!"


صاح أيّان بصوتٍ جهوريٍّ أجشّ،ثم دفع كتف الكهل دفعًا خشنًا مفاجئًا، ارتدّ العجوز قليلًا إلى الوراء، والتوى حاجباه بدهشةٍ ثقيلةٍ لم يفهم لها سببًا، وعيناه الغائرتان تفرّستا في ملامح الشاب المشتعلة، كأنّما يحاول أن يلتقط من خلالها شظايا المعنى المخبّأة خلف انفعاله المفاجئ.


"إنت مش عارف بتتكلم مع مين يازبالة إنت!"
2

"هيكون مين يا أحا.سألوا الحمار مين أبوك قال البغل خالي! يالا ياوسخ"
علا صوت أيان شيئًا فشيئًا، حتى بلغ حَدّ الفُجاءة، واحمرّ وجهه احمرارًا حادًّا فاق التورّد المعتاد.
2

ارتعدت الطفلة من هول المشهد، ثم أسرعت تلتمس المأمن، فاتخذت من الرجل الوقور ساترًا، واختبأت خلف جسده.


ولبرهةٍ خاطفة..
بدا كأنّ ظلًا طويلًا قد انبثق من العدم، قبل أن يتجسّد في هيئة رجل فارع القامة، قد خطا ليصير إلى جوار أيان، مُقوِّمًا قامته بوقار لا تنقصه الهيبة، ثم بسط كفّه المُثقَلة بالخواتم المرصّعة، ووضعها برفق على كتف الشيخ.


"معلش يادكتور هو أكيد فَكر إن حضرتك شخص مش كويس أو بتضايق البنوته الصغيره "
2

نظرَ أيّانُ إلى مروان بنظرةٍ سريعه، وقد خرجَ هذا الأخر من العدمِ كأنّ الأرضَ لفظته فجأة،كانت عيناهُ مُثبتةً على العجوز، بنظرةٍ لا تخلو من استنكارٍ مكتوم.


وفي لحظةٍ خاطفة، تسلّل إلى عقل أيّان شيءٌ مربك أكان مخطئًا؟ أيمكن أنه أساء الفهم؟.


"هىَ..بنت حضرتك ؟؟!"


تبسَّم الرَجُل في هدوءٍ حكيم، وهو يومئ برأسهِ بانحناءةٍ خفيفة، ثمّ انثنى بجسدهِ المُتهالك ليضمّ الصغيرة إلى صدره، فبدأت دموعها تنحسر رويدًا رويدًا، كأنما هدأت روحها حينما احتضنت أباها.




"بِنتي بس جايه بعد تعب وعُمر طويل،
وبالمناسبة هىَ كانت زعلانه عشان عايزه تِفطر نوتيلا وكُتر السُكريات غلط عليها"
8

تبسم الرجل بهدوء وهو يبرر له أن الصغيرة كانت غاضبة ولم تكن تريد أن تأتي إلىَ أحضانهِ.
1

"آسف بجد. أعتذر و**** حضرتك علي دماغي،
أنا بس فكرتك بتأذيها عشان كدا إنفعلت وقُلت كلام مش ألطف حاجه"


أسرعَ أيان يعتذر ويُسوّغُ موقفَهُ بلباقةٍ نادرةٍ، إذ خاله -بادئَ الأمرِ ـ رجلاً شاذًّا يعبثُ بالصغيرة، فإذا بهِ أبوها الشرعيّ، لا شبهةَ عليه.


و طوالَ ذلك، ظلّ مروانُ واقفًا، يتفرّسُ المشهد بابتسامة ، يُقدّرُ رشاقةَ أيان في تداركِ زلّتهِ وانسيابِ لسانهِ تحتَ وطأةِ الحرج.


"لأ يا إبني موقفك كان صح الصح ودا دليل إنك خايف عليها زي أخواتك، بس لو كان حد غيري كان لَبسك محضر سب وقذف فعشان كدا إتأكد الأول ومتعتمدش علي اللِ إنت شايفه بعينك بس "
2

أومىء له أيان باحترام، ثم ابتسم بلطف وهو يشير إلى الطفلة الصغيرة التي كانت تلوّح له بيدها الصغيرة وهي معلّقة على ذراع والدها الذي أردف
"**** يحمي شباب مصر ويجعلها سالمه"


ثم ابتعد الرجل قليلاً حاملاً طفلته، بينما بقيت نظرات أيان معلّقة بها.


"دا دكتور في عِلم المصريات،قعد حوالي ٣٠ سنه مَيخلفش ولما **** رزقهُ بالطفله دي مراتهُ إتوفت وهي بتولدها "


نبس مروان، وقد دسّ يديه في جيبي بنطاله، بصوته الرخيم الموحِي بالتماسك البارد، لم يكن في ملامحه ما يُثير الريبة.


أما أيان، فلم يُبدِ اكتراثًا يُذكَر لما نطق به مروان، إذ كان صوته فحسب كافيًا لأن يُشعل في رأسه خيالًا فاحشًا.


بمجرّد أن تسلّل صوته إلى أذنه، ارتسمت في ذهنه علاقةٌ مُتوقدة، خاضعة لقانون الرغبة وحده؛ تخيّل خاتمًا للعُشاق يُشرعن الغواية، وسبع وضعياتٍ جنسية مُختلفه في أرجاء المنزل، تتبعثر بين أروقة البيت، وتُلقي بأجسادهم على كل سطحٍ يصلح لارتكاب اللذة.
2

"وإنت علىَ كدا بتشتغل إيه ؟"


كاذب.
أيّان يُحيط علمًا بتفاصيل عمل مروان، يعلم موقعه الأكاديمي، طبيعته المهنية، بل ويشهد محاضراته بين الفينة والأخرى في رحاب كليّة العلوم السياسية والاقتصاد في الجامعةِ حيث يعتلي مروان منصة التدريس كمُحاضرٍ مُتمرّس، يُلقي فصوله بثقة العالم وحنكة المجرّب.


"دكتور علوم سياسيه وإقتصاد. وإنتَ ؟"


"بيزنس مان.عندي شركة صغننه علىَ قدي كدا "
إبتسم
وهو كاذب للمرةِ الثانيه علي التواليِ.
4



"مش باين عليك.شكلك لسه صُغير "


"إنت برضو شكلك ميقولش إنك تلاتيني "


وعقب جُملتهِ ،حدّق أيّان في مروان من مفرق شعره حتى أخمص قدميه، نظرة لم تخلُ من سبرٍ وتفحّص.


كأنّه يتأمّل تمثالًا نُحت بإزميل الصرامة والوقار، كان مروان متجسّدًا في هيئة رجوليةٍ صلدة، بدت هيبته وكأنها تستدرج أيّان -لا دعوةً بل استدعاءً
في إمتطاء مايخصهُ قوياً إلىَ أن يجعل الأصغر في قادراً علي الحراك.


وقد بدت لأيان تلك الفكرة لطيفة إلىَ أبعد حَدِ كان.
1

"أيان"


نبسَ فجأة، كأنّ الكلمات قد اندفعت من فمه دون روية، وقد مدّ يده نحو مروان في حركة عفوية بدت وكأنها محاولة لدرء حرجٍ مُباغت.


كان قد أكثر النظر إليه، حتى أوشك أن يُفتضح أمره، فسارع يُقحم اسمه في الحديث كمن يتدارك زلةَ عينٍ أفصحت عن أكثر مما ينبغي.


"مَـروان.
فرصة سعيده"


أردف الأكبر بابتسامةٍ وئيدة وهو يُمدّ كفّه ليصافح أيان، وقد بدا التفاوت بينهما صارخًا كضوء النهار، لا يُخفى ولا يُتجاوز.


كان الأخـر على وشك أن يتحدث، لكن صوتًا صغيرًا شقّ الصمت فجأةً بينهما، صوتٌ واهن، طفولي، كأنّه خرج من فُوّهة حلم


"بابي يلّا نِرَوح"
10

استدار مروان فجأةً، وقد ارتسمت على محياة إبتسامةَ واسعه لِـتلك الصغيرة التي اندفعت نحوه بثوبٍ قُدَّ من البياض المشوب بحمرةٍ ورديّة خافتة، تُشبهه إلى حدٍّ يُثير الحيرة؛ حتى لتخالها صورةً مصغّرة منه أُعيد تشكيلها بريشة الخالق.


انحنى بثقله نحوها، حَملها بذراعيه كأنّما يخشى عليها من الهواء، وطوّقها بعناقٍ صامتٍ، ثم همس لها بصوتٍ رخيمٍ دافئ
"حاضر ياحبيب بابي"


في تلك اللحظة، توقّف أيّان، كأنّ الزمان التفت من حوله.


مروان.. أب؟
له ****؟
إذًا هو متزوّج
6

لم يكن بحاجةٍ إلى دليلٍ أبعد من هذا المشهد.
انهارت الخُطة قبل أن تُولد.
تهاوى البناءُ الذي رسمهُ في ظنونه، وتشقّقت الأرضُ تحت قدميه.
ببساطةٍ، هُزم
دون أن يخوض المعركة.


"فرصة سعيده يا أيـان وأتمنىَ نتقابل تاني "


"أكيد يادوك.
مع السلامه وخلي بالك من الكتكوته الصُغننه "


"إِعملي لأيان بـاي "
3

حثّ مروان صغيرته بلُطفٍ على الإيماء بوداعٍ رقيق، فرفعت كفّها الصغير بخجلٍ متردّد نحو أيّان، ثم ما لبثت أن احتمت في حضن والدها كقط يلوذ بجناح الأمان.


تبسّم أيّان ابتسامة وادعة، قابَل بها تلك التحية الطفولية، ثم أدار ظهره ومضى بخُطى متّزنة في الاتجاه المُعاكس.


صعد سلّم الفيلا بخطواتٍ واهنة،هو لا ينوي الكذب على نفسه.. مروان يُعجبه، بل يعجبه كثيرًا، وربّما أكثر مما يليق.
2

لكنّ أيّان، رغم كلّ شيء، لم يكن على هذه الدرجة من الخواء الأخلاقي لينهش رجلاً من جوف أسرته.
3

هو لا ينوي أن يهدم بيتًا مستقرًا، ولا أن يخلخل أعمدة حياة قائمة على الطفولة والرباط والطمأنينة.


ثمّ..
من قال إن مروان يُبدي انجذابًا للرجال أصلًا؟
2

كلّ ما يملكه الآن، ظنونٌ عابرة، ونظراتٌ قد تكون مُتوهّمة.


وهىَ بالفعل كذلك.


"عايزك "

9


همس يزيد في أذنِ قصي، ونفَثَ فيها أنفاسًا مثقلةً، كأنّها تئنّ من وطأةِ مكنونٍ دفين.

4


عندها، تراجعَ قصي ببطء، ليرى وجهَ يزيد وقد تورّد بالخجل، أو بشيءٍ أعظم من الخجل.




وجنتاه موشومتان بحمرةٍ مواربة، وصدرهُ يعلو ويهبط بنَفَسٍ واهجٍ، يكاد يُسمع له خرير،
فأطرق قصي رأسه قليلًا، ثم ارتسمت على فمه ابتسامةٌ هادئة.




"عايز إيه ؟"

17


اتسعت عَسَلِيَّتا يزيد، وقد بدا الخجل مرسوماً على ملامحه،ورغم ارتباكه الواضح، لم يُمهله قصي، بل راح يَزيد الطين بلّة، يُمعن في إحراجه بكلماتٍ مُتعمدة، ونظراتٍ ماكرة تُوقِد في وجهه توهجًا أشبه بلهيبٍ وديع، كأنما يستمتع برؤيته يغرق أكثر في خجله.




"قصـيي !"

10


"قلبهُ"

2


"قوم بقىَ.مش عايز عايز حاجه أصلاً"

11


نبس يزيد بكلماتٍ مرتعشة، متعجّلة، وهو يحاول إبعاد قصيّ الذي كان يضحك في خفوت، وفي لحظةٍ خاطفة، ثبت الأكبر كفّي يزيد فوق الوسادة، بيسراه، بينما انسلّت يُمناهُ في رويّةٍ لتمسح برفقٍ على شفتي يزيد الوردية.

1


"عايزني ألمسك ؟"

8


دنا قصى من شفتيه، يهمس بأنفاس ثقيلة، فيما إنزلقت يده الموشومة ببطء على جسده، تتلمّس دفء جلده حتى بلغت أسفل خصره، حيث إستقرت بثقلٍ أعلىَ قضيب يزيد. حينها ارتجف الأصغر خجلًا، وحاول أن يحرّر يده المثبّتة فوق رأسه، إلا أن قبضة قصي كانت أقوى من مقاومتهِ.

6


إرتسمت بسمةً خافتة على شفتي قصي، بينما أخذت يده تتحرّك برفق فوق قضيب يزيد من فوق الثياب، وكأنّه يتلذّذ بكل ارتجافة خفية.

1


عيناه التقتا بنظرات يزيد الناعسه، المتسربة منها لمعة ارتباك لا تخفى، فيما حمرة خفيفة بدأت تتسلل إلى بشرته، وحرارة جسده أخذت ترتفع، كأن النبض تسارع في عروقه بلا إذن.




"قصي"

4


همس يزيد بإسم حبيبهِ بصوت مبحوح، بينما كان يشعر بكفّه يتحرّك ببطء على موضع ذكورته التي بدأت تتصلّب حتى أصبح الألم يتسلّل منها.

1


كانت عيناه معلّقتين بجسد قصي عاري الصدر، وقد انبسطت على جلدهِ وشومٌ سوداء، حفرت فوق العضلاتِ ،وحول عنقه، كان يتدلّى سِلْسِالٌ فضيٌّ، يشبه أطياف المطر حين تحتبس في ضوءٍ خافت.


كان قصي في تلك اللحظة، تجسيدًا فجًّا للشهوة، كان كمن خُلِقَ ليعصى، لا ليُحبّ.

3


إلي حدً لم يستطع يزيد كبح تأوةِ خرج من شفتيه دون إدراك منه.

1


وهنا..


عضّ يزيد شفتيه بنفَسٍ متقطع، وألمٌ خافت في عينيه، وحين شعر بانفراج قبضة قصي شيئًا فشيئًا، انتزع كفّه من أسرها بخفة، ثم أمسك بكتفيه ودفعه برفق حتى أرغمه على الاضطجاع فوق السرير.


إعتلى جسد الأكبر بخجلٍ ظاهر، وجلس فوقه بملامحٍ يغمرها النعاس، خدّاه مورَّدان، وشفته السفلى ما زالت حبيسة بين أنيابه، يعضّها في ارتباكٍ صامتٍ أبلغ من الكلام.
1

"أحا.إنت قاعد عليه"
13

همس قصي ببحةِ وهو يشدُّ جسد يزيد نحوه بعنفٍ خفيف، لتلتصق مؤخرته بانتصابٍه الذي بدأ يتشكّل تحت وطأة الرغبة، وقد اشتعل داخله من مشهد يزيد
1

كان مظهر ذاك الفتى، بخجلِه المرتبك وعينيه المطفأتين بالشوق، يصرخ بصمتٍ بأنّه في حاجة جنسيه إلي الأكبر..
1

"فاكر لما قولتك آخرتك علىَ زبي آهخ !"
8

أومىء يزيد برأسه بعنفٍ صامت، وقد استسلم لجمر الرغبة المتقدة في صدره، ثم ألصق جسده أكثر بجسد قصي، حتى التقت مؤخرته بانتصاب الأخير من فوق طبقات الثياب.


و بدأ يتحرك بخفةٍ متسارعة، يحتك به أكثر فـَأكثر.
5

"آهه ياقصي "
4

إعتدل بجسده المتّقد، كمن ينهض من لهبٍ لا يطفئه سوى الاشتهاء، وراح يخلع عن يزيد ثيابه العلوية على عجل، حتى بان له صدره، فحدّق فيه برهة كأنما يلتهمه بعينيه، ثم أخرج لسانه الدافئ وراح يمرّره ببطءٍ متعمَّد فوق إحدى حلمتيه.
8

ارتجف جسد يزيد في الحال، وقشعرّ جلده تحت لمسةٍ لم تكن بريئة.
1

بهدوءٍ خافت، مدّ قصي ذراعيه ورفع جسد الصغير وبدأ يُنزل عنه بنطاله شيئًا فشيئًا، ولمّا لم يجد في ملامحه أثرًا للخوف أو التردّد، مضى في تعريته بلا تراجع.. حتى بات يزيد أمامه عاريًا تمامًا، بوجهٍ محمّرٍ من الخجل وصدرٍ يعلو ويهبط تحت وطأة أنفاس متلاحقة.
1

"بطاية بلدي"
11

ضحك يزيد بخفّةٍ خجلة، ثم تمدّد فوق صدر قصي العاري، دافنًا وجهه بين ضلوعه كمن يلوذ بمأوى آمن.
2

لم يكن يستوعب تمامًا ما يحدث.. لكنه كان يرغب بقصي بشدّة، يتوق إلى قربه، إلى أن يشعر به داخلهُ.


انحنى قصي بلطفٍ وطبع قبلة هادئة على رأسه، قبلة حملت في طياتها حنانًا غريبًا، لكن يده كانت تتحرّك في اتجاه مختلف، تقبض على مؤخرته وتضغط عليها بخشونةٍ جريئة، لا تخلو من وقاحةٍ متعمّدة.
4



"ت.تعرف أنا عملت سِيرش!"
5

"إيه دا إتفرجت على سكس من غير الراجل بتاعك ؟"
10

مازحهُ قصي بنبرةٍ دافئة، يحاول كسر التوتّر الذي بدأ يتسلّل إلى ملامح يزيد، وقبل أن يستقر الصمت بينهما، اقترب منه بعينين لامعتين، وراح يلتهم شفتيه في قبلةٍ هادئةٍ طويلة، ثم همس قرب فمه


"بحبك"
1

وبينما الكلمة ما زالت تتردّد في أذني يزيد، تسلّل إصبع قصي في خفّةٍ إلى فتحته، فتشنّج جسده برهة، وارتسم الألم على قسماته الوردية لكنّه لم يتراجع، بل أغمض عينيه واستسلم لذلك الشعور المختلط بين الوجع والرغبة.
2

"براحه ياقصي"
4

همس بأنفاسٍ ثقيلةٍ متقطّعة، وقد أسند رأسه على صدر قصي، جسده يرتجف تحت وطأة ما يشعر به، وحرارة تتصاعد من جلده إلى أنفاسه.


كانت أصابع قصي تتابع حركتها في مؤخرته ،تقتحم حواسه بجرأةٍ لا رحمة فيها، حيثُ إقترب الأكبر وهمس بصوتٍ خفيضٍ.
1

"لسه بنقول ياهادي"
2

وما إن همس بها ؤحتى تتابعت أفعاله دون إنذار، فأحسّ يزيد بوغزٍ مفاجئ، إذ تسلّل إصبعان عُمق مؤخرته ليصرخ بصوت مرتفع جراء الألم الذي باغته بحدةٍ.
2

"أحا ياقصي لأ إبعدد!! أحا "
7

"إهدىَ يابابا.بيدخل براحه خالص أهو"
1

أعاد إدخال أصابعه، لكن هذه المرة بخفةٍ ورويّة،
كانت الحركة أعمق، وألطف، حتى تلاشى الألم شيئًا فشيئًا، وحلّ محله شعورٌ غريب لذيذ، متسلل، أربك يزيد وجعله يتأوّه بنعومة قرب أذن قصي الذي فقد صبره تماماً..


وللمرة الثانية، صعد فوق جسد من أحبّه، بانفعالٍ مكتوم، وراح يفكّ رباط بنطاله بأنفاس متسارعة.


كان يزيد مستلقيًا فوق السرير، بعينين ناعستين، شبه مغيّبتين عن الواقع، يرمق قصي وهو يخلع ما تبقى من ثيابه، حتى بات عاريًا تمامًا أمام عينيه.
1

"إِفتحلي رجليك"
9

أمرهُ بصوتٍ منخفضٍ عميق فامتثل يزيد للأمر بصمتٍ خجول، وحرّك ساقيه ببطء، مفسحًا المجال، فيما عيناه تتابعان قصي بانفعالٍ مضطرب.
1

رأى جسده ينحني نحوه، يقترب شيئًا فشيئًا حتى بات قرب ذكوريته ،أحسّ بأنفاسه أولاً، ثم بملمسٍ لسانه الدافئٍ حول فتحته الساخنه.
2

كان الإحساس جديدًا، غريبًا، أقرب إلى رجفةٍ ممتدةٍ من أسفل ظهره إلى أطرافه، شعورٌ لم يعهده من قبل.
1



"سمعني صوتك ياحبيبي"
1

"ح.حلو أويي يا قصي"
9

همس يزيد بصوتٍ متقطع، كأنّ الكلمات تتعثّر بين صدره وشفتيه، تتنازعها مشاعر لم يعرف لها اسمًا من قبل رغبة، خجل، خوف، وحنين دفين.


أراد أن يمدّ ذراعيه ويحتضن قصي، أن يلتصق به ويطفئ شيئًا من تلك الفوضى داخله، لكنه بدلًا من ذلك، قبض على الملاءة بيدٍ متشنّجة.
1

حيث كان دفء لعاب قصي ينساب على قضيبه المُنتصب جعله يرتجف في صمت، بينما قلبه يطرق صدره بشدّة.
1

وللحظةٍ خاطفة
تراجع قصي ببطءٍ ثم مدّ يديه بثبات، ورفع ساقي يزيد ليضعهما فوق كتفيه، في مشهدٍ يفيض سيطرةً ورغبةً مكبوتة.
1

عيناه انخفضتا نحو ما لا يُباح، نحو ذلك الموضع المحرَّم الذي اشتهاه طويلاً في صمت، فها هو الآن مكشوفٌ أمامه، منقاد، طيّع، لا يملك إلا أن يستجيب.


أما يزيد، فقد انفلتت أعصابه من بين قبضته، كأن لا شيء فيه ما زال ممسوكًا..جسده مستسلم، قلبه يرتجف كزهرةٍ تُقطف للمرة الأولى.


"هتوجعني ؟"
همس بدلال واضح.
"عايز أحس بيك جوايا"
6

ارتسمت بسمةٌ خفيفة على شفتي قصي، بسمة حملت مزيجًا من الدهشة والرضا، حين سمع نبرة يزيد الجريئة لأول مرة.


ومع تلك البسمة قرب جثمانه أكثر من خاصة حبيبه
وهو يمدّ كفّه نحو شفتيه، يقربها ببطءٍ مهيب، حتى كادت أطراف أصابعه تلامس فمه المرتجف.


"مُصهم"
3

وبكل خضوعٍ صامت، انصاع يزيد للأمر، وأخذ إصبعي قصي بين شفتيه، يُحيطهما بشفاهٍ ناعمة فيما عيناه لا تغادران وجه من يعشقه كانت نظراته راغبه شهوانية.


كان قصي لا يزال ممسكًا بساقيه، يثبّته في موضعه، فيما المشهد أمامه يلهب حواسه يزيد بين يديه، مستسلمٌ، متورّد، يُرضخ فمه لإصابعه بـعُهر ظاهر وتلك الحركات البطيئة، الجريئة، التي ارتسمت على وجهه، لم تترك لقصي مجالًا للصبر.


فسحب إصبعيه من بين شفتيه ببطء، يتأمّل خيط البلل الرفيع الذي تبعهما، ثم مرّ بهما فوق موضع ذكورته، كمن يتهيّأ لعبور لا رجعة فيه، قبل أن ينحني قليلًا، ينفث أنفاسه فوق طوله يغمرهُ بلـلاً.


"دي الحاجه الوحيده اللِ مسموحلي أفشخك فيها"
6

قرّب قصي جسده أكثر، حتى لامست مقدمة قضيبه
فتحة يزيد، تلك البقعة التي كانت تتوهّج تحت وطأة الانتظار واللهفة.




وببطءٍ شديد بدأ يضغط برفق، يختبر استجابة الجسد المرتجف أمامه، يتريّث وكأنه يخشى أن يبدّد اللحظة.


وفور أن شعر يزيد بهذا الاتصال الأول، شهق شهقةً عالية، تكسّرت معها أنفاسه، وامتدت يداه سريعًا إلى قصي، يجذبه إليه في حضنٍ مشحون، كأنه يبحث عن الاتّحاد لا الاتّكاء.


"آهه ح.حاسس بيه جواياا !"
1

نفث قصي أنفاسه بعُمق، كأنّه يطلق من صدره شوقًا كان حبيسًا لسنوات، ثم انقضّ على شفاه يزيد بقبلةٍ مشتعلة.


وفي اللحظة ذاتها، دفع بقضيبهِ عُمق تلك المؤخرةِ التي إبتلعتهُ لم تكن مجرّد حركة، بل اندفاعًا كاملًا نحو الالتحام، فشهق يزيد داخل القبلة، تأوّه لم يكتمه، بل خرج من بين شفتيه كأنّه لا يملك زمام جسده ولا قلبه.


كانت عيناه نصف مغمضتين، ثم انقلبت للبياض من شدّة الشعور، كأن جسده يغرق في موجة لم يعهدها من قبل
ارتباك، لذّة، ارتجاف، وشيء خفيّ أقرب إلى الذوبان.


وعلى مقربةٍ من أذنه، همس قصي بصوتٍ أجش، غائرٍ في العُمق


"واقف على أخره ليك"
1

"نكني جاأهه! جامد ياحبيبي"
13

تأوّه بأنفاسٍ مختنقة وهو يغرس أنامله في ظهر قصي، يخدشه بلهفةٍ شهوانية فوضوية، كأنما يحاول تثبيته بداخله.


وفي تلك اللحظة، تسارعت حركات قصي بعنفٍ مُفاجئ، يضرب عمق يزيد بدفعاتٍ متتاليةٍ هادرة، جعلت التأوّهات تتفجّر من فمه دون وعي، تملأ الغرفة برجفةٍ خامٍ من اللذّة الصافية.


"عاجبك حبيبك جواك وبينيكك همم؟"
2

تأوّه يزيد بأنفاسٍ متقطّعة يؤكّد بصوته المنكسر ما نطقه قصي قبل لحظات، كان جسده يرتجف بين يديه، وأظافره تُخلف على ظهر قصي خربشاتٍ عشوائيّة، كأنما يطلب المزيد دون أن ينطق.


"كُل ماتخربشني كل ماهدق فيك أكتر"
1

"آهـهه.كمان يروحي كمانن"
1

انقلبت عيناه إلى بياضها وهو يصرخ بنشوةٍ تسرّبت من روحه، لا من جسده فحسب. وكلما ارتفع أنينه الناعم إزداد قصي من دفعهِ عميقاً كأن الصراخ كان وقودًا، لا رجاءً.


وفي لحظة، تلاشى الوعي من رأس يزيد وكأن المتعة قد نزعت عنه إدراكه، فلم يبقَ منه إلا أنفاس متقطعة، وأظافر تُغرس بعنف في ظهر قصي، تاركة خُدوشًا شاهدة على الجنون.


"أهه أوفف قصي هجبهم..يا قصيييي"
1

ارتجف جسده لوهلة، إذ باغته سائله الحار مُلطخاً جزئه السُفلي ،فتشنّج صدره بأنفاسٍ مرتعشة، وانفلتت من بين شفتيه صرخة قصيره.




أما قصي، فابتسم ابتسامة المتلذّذ بالنصر، وانحنى على شفتي يزيد المُتورّدة، يعضّها بلذعةٍ خفيفة


"إيه الشطارة دي؟ همم؟"
1

همهمةٌ خافتة انزلقت من بين شفتيه، مُثقلةٌ بالشهوة والضياع، وهو ينظر إليه بعينين يكسوهما ظلامٌ كثيف، وكأن الليل اختبأ فيهما، أما العسليّتان، عينا يزيد، فكانتا تبرقان بدموعٍ.


ثمّ اندفع قصي بقوّةٍ جعلت تأوة رخيم يهرب من فاههِ.


"آهه أحـاا أحاا"


ولم تمضِ لحظات حتى أحسّ يزيد بدفءٍ متفجّرٍ يسري في أعماقه، كسيلٍ هادرٍ اجتاح جسده المرتجف، سائلٌ دافئٌ، منبعث من حبيبه، اخترق أعماقه كأنما يختمهُ به للأبد.


واتسعت عيناه بدهشةٍ ممتزجةٍ بلذّةٍ قاتلة
لم يكن الأمر فقط جسدًا
بل احتراقٌ كامل.


"بحبك"


همس يزيد بأنفاسٍ متقطعة، صوتُه كان أقرب للارتجاف، ونظراتهُ نصف المُغلقة تائهة في ملامح قصي، الذي إنحنى بثقله فوقه، وابتسامة هائنه ترتسم على شفتيه.


أنفاسهما تداخلت، ودفء اللحظة كان يعلو كل صوت.


لم يتحرك قصي ولم يُخرج ذكوريته من دواخل الصغير، كأنهما تجذّرا معًا في تلك اللحظة، كأن كل شيء خارجهما قد تجمّد، إلا قلبيهما اللذين خفقا كطبول حربٍ، ثم هدوءٍ، ثم سلام.


"قُولي شطور.عشان إستحملت البتاع اللِ تحت دا"
5

أردف يزيد بدلالٍ واضـح لكنّ الآخر لم يُجبه، إكتفى بابتسامة جانبية، قبل أن يثبّت نظراته عليه هامساً


"تُقصد دا"
ثم دفع عميقاً داخل يزيد الذي شهق من المباغتة.


"آهه ياقليل الأدببب "
6

"بس بجد النونه كان جود بوي نيك.شطور"
1

أردفَ قصي وهو يدفعُ ببطءٍ داخل جسدِ يزيد، الذي لم يُقاوم سوى بأن احتضنَ عنقهُ بحُب وبصوت ناعم
أفصح


"شكلك حلو أوي"


بتأنٍ وطمأنينة، ارتسمت بسمة على محيا قصي، يفيض منها سكون العاشقين وسُهاد المتيّمين، وما إن اقترب حتى انحنى قليلًا، يطبع قُبلةً خافتةً على شفاه حبيبه.


"متعاكسنيش يعم.أنا مُرتبط"
2

"يابختهُ بجد"
1

ضحك يزيد بدماثةٍ رقيقة، كأنما انفرجت أنسام الربيع عن ضحكة، ثم مدّ كفّه بخفّةٍ دافئة، يجذب عنق قصي نحوه أكثر حتى لامس السلسالُ الفضي المُتدلّي من عنقه شِفاهَ يزيد، فارتعشت أنفاسه
من دفع قصي الذي بدأ يُسرع مجدداً.




"أهه كماان بسرعه.عايزه بسرعه ياحبيبي"
14

كان وقعُ كلماتهِ كوقودٍ يُضرمُ النار في صدرِ الآخر، فأسرع قصي في دفعهِ عمق الفتحة الساخنة، وابتسامةٌ خفيفة تلوحُ على شفتية.


وما بين كل اندفاعةٍ وأخرى، كان ينحني برفقٍ مروّع، يغرس قبلةً مُتقنةً على فم يزيد المُرتجف، شفاهٌ ضيّقة تئنُّ تحت وطأةِ التقبيل، تستسلمُ لهُ كأنّها لا تُجيد الفكاكَ من قبضتهِ ولا تبتغي النجاة.


كانت الغرفةُ آنذاك ساكنةً، إلا من أنفاسٍ تتلاحقُ كاللهيب، وأصواتٍ مضمّخةٍ بالخطيئة، تُعلنُ عن نفسها كاعترافٍ بدائيٍّ صارخ.


أفعالُهما لم تكن محض رغبة، بل جريمةٌ تلتهمها اللذّةُ ويُغلفها الحب.حبٌ مُفترس، خفيّ، لا يعلو صوتهُ إلا حين تخبو الأصوات كلّها.


فعلٍ مُحرّم، لذيذ، لا يُباح ذكره.


-


كان جاثمًا في زاوية الغرفة، جسده يرتعش بقوةٍ ، وعيناه دامعتان بلون الدم، متورمتان كأن السهر قد جثا عليهما شهورًا.
7

إرتدىَ أكثر من معطفٍ ثقيل، كمن يحاول عبثًا أن يدرأ عن جسده المثلوج بردًا لا يسكن العظام فقط، بل يسكن الروح، قلبه كان يخبط في صدره بعنفٍ مروع، كطبولٍ بدائية تُعلن مجيء كارثةٍ وشيكة.


كان منطويًا على ذاته، قابضًا على ركبتيه، كما لو أن الدنيا بأكملها تضيق عليه،الخوف كان ينهش أطرافه، والرهبة تكاد تشلّ حركته.


يُقلّب بصره في أرجاء المنزل بعينٍ متوجسة، كمن يخشى أن ينبثق من الجدران ماضٍ لا يرحم.


هو لا يريد العودة.
لا يريد أن يسقط مجددًا في مستنقع الهيروين أو الكوكايين أو تلك السموم التي نهشت أعوامه، ونزعت إنسانيته خيطًا خيطًا.
3

لقد أقسم لنفسه عهدًا
لن يعود إلى الإدمان.
لن يُطأطئ ذراعه مرةً أخرى لحقنةٍ تسرق روحه قطرةً قطرة.


لكنّه نهض قسرًا، وجسده يرتعد كمن أصابه البردُ في قيظِ تمّوز، وراح يخطو نحو الغرفة كمن يساق إلى قدرٍ محتوم.


تقدّم بخطًى متعثّرة، وعيناه تدوران في زوايا المكان،كان يعلم يقينًا أن هناك شيئًا باقٍ شيئًا لم يتخلّص منه بعد، شيئًا دسّه دون أن يُشعر به موريس.
6

ركع عند الدُرْج السفلي، وفتح الغطاء بخشيةِ
وها هو ذا..الكيس الأبيض يتربّع في قلب العتمة كعاهةٍ قديمةٍ لم تُقلَع.


تطلّع إليه برهبةٍ صامتة، ويده المرتجفة تهمّ بأن تمتد، ثم تجفل.


وفجأةً، توقّف الزمن في عينيه.
جثا على الأرض كمن خارت قواه، وانهار صدره بزفراتٍ مكتومةٍ من الذعر.




خوفٌ مروّع اجتاحه من رأسه حتى أخمص قدميه
هو لا يريد أن يعود، لا يريد أن يغرق مجددًا، لا يريد أن يُمحى.


إنه يخاف ذاته القديمة
يخاف أن يُهزم من جديد.


وفجأةً، انبعث رنين هاتفه كصفعةٍ باغتت سكون الغرفة، فالتقطه بجزعٍ وارتباك، وما إن أبصر اسم حبيبهِ يتوهّج على الشاشة حتى أسرع بالإجابة، ليخترق سمعه صوت موريس المتململ
1

"بيب أنا ملقتش فراخ ممكن ناكل سمك أو - "


"أ.نا كنت مخبي كوك في الأوضه.إلحقني والنبي
مش عايز،مش عايز أرجع تاني تعالا عشان خاطري"


همس سيف بصوتٍ متهدِّج، تكاد أنفاسه المتقطّعة تُفصح عن الهلع المُفتعل في صدره.
21

ولم يتوانَ موريس، إذ ألقى ما بيديه كأنما أحرَقته النار، وغادر ردهة المول بخطًى مسرّعة، قاصدًا سيارته، وقد تهاوت على ملامحه ظلال التوجُّس.
1

ركب سيارته على عجل، وأدار المحرّك بيدٍ ثابتة المظهر، بينما أوردُه تحت الجلد تضجُّ برجفٍ صامت. وبنبرةٍ رصينة خالية من الانفعال.
1

"إهدىَ ياحبيبي.أُخرج بس من الأوضه وإقفل الباب بالمفتاح وإرمي المُفتاح ،تعرف تعمل كدا ياعيوني؟"


صوته جاء هادئًا، مُسالمًا، لا يشبه الضجيج المروّع الذي تكدّس في صدره، ولا عاصفة الأفكار السوداء التي عصفت بطمأنينته، قلبه استُبدّ برعبٍ خفي، لا يُرى، لكنه كان يعتصره بنهمٍ مميت.


"خليك معايا على الخط ياسيف.متقفلش ياحبيبي"


همهم سيف بصوتٍ خفيضٍ، مشوبٍ بالوهن، وهو ينسحب من الغرفة في صمتٍ مشوّش، أدار المفتاح في القفل بإصرارٍ مذعور، حتى سمع طقطقة المعدن تُعلن انغلاق الباب تمامًا.


خطا نحو الحمّام بخُطا متعثّرة، مُنهَكًا، ثم رفع الغطاء الحديدي عن فتحة الصرف، وألقى المفتاح في جوفها العتم، متأمّلاً لحظة سقوطه، وكأنّه يُسقط آخر خيوط الرجوع.


ارتكن بعدها إلى الحائط، وجثا على الأرض، ضامًّا جسده إليه بذراعيه المرتجفتين، يعتصر ذاته كأنّه يحتمي بنفسه من شيء لا يُرى،بينما أنفاسه اللاهثة تتقطّع، متتابعة، تُشبه شهقات غريقٍ لا يجد برًّا ولا خلاصًا.


و ما هي إلا ثوانٍ معدودات حتى سمع صوت انفتاح باب المنزل، تتبعه هرولة متعجلة، ونداء متهدّج صادر من حنجرة موريس، تختلط فيه الفزعة بالرجاء.


لكن ما لبث أن خفتت حدّة قلقه حين أبصر سيف جاثياً في ركن الحمّام، منكمش الجسد، شاحب المحيّا، لا أثر للإبر، ولا عبث لمخدّر، بل سكونٌ مخيف ينضح به جسده.
1



وبلا تروٍّ أو وعيٍ تام، انكبّ موريس على سيف يحتضنه كمن يحتضن الحياة ذاتها، يطوّقه بذراعيه بشراسة يائسة، بينما كان سيف يتشبث به بكل ما أوتي من عزم، مرتعش الجسد كأنما جُرّد من دفء الحياة.
2

"معلش ياعيوني ،عارف إنه صعب عليك أنا آسف ياحبيبي،بس إستحمل وكل حاجه هتبقىَ كويسه وبخير "


همسَ موريس بصوتٍ متقطّع، والنَفَسُ يعلو ويهبط في صدره، بينما كان يراقب جَسدَ سيف العريض وهو يَخور ضعفاً ويرتجفُ كمَنْ داهمته رجفةُ الحُمّى.
1

وبحركةٍ حانية، أسند موريس كتفَ سيفٍ براحةِ كفِّه، ثم نهض به بتؤدةٍ،ومع خطاهُ بلغ صنبورَ الماء، فأدار الدُشّ بهدوء، لتنهمر المياهُ الباردةُ كغيثٍ فجائيّ على جسديهما، تبعثُ في الهواء رائحةَ الصحو والانبعاث.


اقترب موريس بهدوءٍ مشوبٍ بالحنان، ثم طبع على شفاهِ سيف قبلةً لطيفه أشبه بهمسةِ رجاء، لكنّ الأكبر باغته بجذبٍ عنيفٍ، شدّ به جسد موريس إلى صدره المُرتجف، كأنما يخشاه أن يتبخّر.


"متسبنيش تاني"


"عُمري هقضيه جمبك ياحبيبي"
10

ابتسم سيف ابتسامةً واهنة، بالكاد تنبض بالحياة، كأنّها ظلّ خافت لأملٍ منطفئ، اقترب موريس منه بهدوءٍ حانٍ، وطبع قبلةً ثانيةً على شفتيه، قبلةً وديعةً.


مدّ يده نحو ثياب سيف، وأخذ ينزعها برفقٍ بالغ، أراد له أن يغتسل، أن ينهض من رماد لحظته، أن يستعيد شيئًا من دفء الحياة، ولو بماءٍ بارد يُنعش خلاياه ويغسل عنه ما لا يُقال.


"هخرج أعمل شوربه دافيه جميله من اللِ إنت بتحبها وتاخد الدوا بتاعك ونتفرج علي فيلم من إختيارك وهتنازل عن الأفنجرز يعم"
1

"عيل لسه بيتفرج علي سوبرمان ومتناك مان"
4

همس سيف بصوتٍ خفيضٍ مازحاً، وقد جلس في حوض الاستحمام بثباتٍ، يلفّه الهدوءُ من كل جانب، وقد هدأت الرجفة المُزمنة التي كانت تعصف بجسده قبل دقائق، كما لو أنّ العاصفة قد عبرت وخلّفت وراءها هدنةً هشّة.


تأمّله موريس بصمت، وابتسامة صغيرة ارتسمت على محيّاه، فيها مزيج من الدهشة والسخرية الرقيقة، إذ لم يزل يَجد في كُره سيف غير المُبرَّر لسلسلة أفلام -المُنتقمون أمرًا طريفًا، حتى في ذروة انهياره.
1

ورغم تلك التفصيلة العابرة، كان في عيني موريس يقين ساكن؛ لقد نجح -ولو مؤقتًا- في تطويق نوبة الهلع، في احتواء الانهيار، في انتشال سيف من قاعه المُظلم.


يعلم تمامًا أن سيف لا يزال يُراوغ الألم، ولا يزال يُقاوم العلاج الخارجي بعنادٍ شرس، مُصمِّمًا على أن يُعيد بناء نفسه من رماده، وحده، وبلا مساندة مؤسسية أو مصحة مغلقة.




وقد قَبِل موريس، بصبرٍ نادر، أن يكون هو السند الوحيد في تلك المعركة التي يُخوضها حبيبه ضد ذاته، وضد ذاكرة لا ترحم.


"مش أحسن من واحد إخترع بدلة خفيه وقاعد يقتل في الناس؟كسم دي حبكة يعم !"
-The invisible man -
4

"إنت بتتمنيك علي أفلامي المُفضله ؟"


نبس سيف وكأنه غير مُصدق، ليومئ له موريس بتأكيد، يعترف فيه صامتًا أنه بالفعل يسخر من فيلمه المفضل، فبادره سيف برشة مياه مفاجئة
علىَ وجههِ


"طب شخ بعيد بقىَ"


"طيزي.عارف طيزي !!"
ضحك موريس وهو يمسح وجهه رفقةِ أنفه ليسمع إجابة الآخر الهادئة.


"هتعرفنا علىَ بعض ياخول.مانا بنيكها كل يوم"
1

"وأديِ دقني أهي إن خليتك تلمسني إنهاردة"


أردف موريس بصوتٍ عالٍ، لكنه صرخ فجأة وأغلق باب الحمّام بقوة حين لمح سيف ينهض من البانيو ويتّجه نحوه بخطوات هادئة،مبلّل الجسد، يقطر الماء من جلده.
2

إذ ارتفعت ضحكةٌ مكتومة من خلف باب الحمّام، أدرك موريس أن سيف ما زال يحتفظ بقدرٍ من خفة الظل، رغم ما عاناه


تبسّمت شفتاه بلا شعور، ثم تنحّى عن الباب في هدوءٍ مترفّق، ومضى لـكي يُبدّل ثيابه،وقف برهةً عند عتبة الغرفة الرئيسة، المُوصدة بإحكام تنفّس بهدوء ثم غادر المكان.


إلى المطبخ انحدرت خُطاه، يُعدّ الحساء الذي يُفضّله سيف؛ حساء الخضار، غاص في طقوس الإعداد بصمتٍ فيه عزلةٌ ورفق، كأنّه يُشيد طقساً جنائزيّاً بسيطاً للطمأنينة التي غادرت هذا البيت ذات فزع.


وحِينها..


إنسلّ موريس من خضمّ شروده وذِكراه كمن يُنتزع من غياهب رؤى قديمة، نفض عنها الزمن غباره، لكنها ما زالت تئنّ تحت جلده.


كان واقفًا قبالة قِدرٍ يغلي، يضجُّ ببخار الحساء الذي أعدّه لنفسه بإعياءٍ ظاهر، إذ أنهكته نوبةُ زكامٍ حادّة، تركت جسده موهونًا.


رغم ذلك، ارتسم على شفتيه ارتسامٌ خافت، كأنّه ابتسامُ طيفٍ لا يزال يزور أطلال ذاكرته؛ فقد باغتته ذكرياته مع سيف.


سيف.
الاسم الذي ما زال يهدر في داخله بصدى لا يَخفت. لم ينجُ موريس منه يومًا، ولم يتخطَّ قطّ سنين العمر التي تقاسماها كأنفاسٍ مشتركة، كقلبٍ واحد ينبض في جسدين.
11

مرّت السنوات، توالت العواصف، وتبدّلت تضاريس الحياة، لكن سيف ظلّ ماثلًا في وجدانه، كجُرحٍ لم يُخَطّ، كغُصةٍ لا تبتلع.




وها هو الآن، في شيخوخةٍ مضمخة بالوحدة، يعدّ حساءه كما لو كان يعدّ صلاةً باردة، بينما في داخله، تتأرجح روحه بين أطلال ماضٍ لم ينتهِ، ورجلٍ غادر الجسد، لكنه لم يبرح القلب.


جلسَ موريس إلى مائدة المطبخ، ينفث في المنديل بأنفاسٍ متقطّعة، ثم ألقاه بلامبالاة إلى جواره، قبل أن يُلقي ببصره الفارغ نحو صحن الحساء الموضوع أمامه.
1

كان حساء الخضار لا يُثير في نفسه أدنى رغبة، تمامًا كما لم يعد في جوفه شيءٌ يطلب الطعام، أو في روحه ومضٌ من شهيةٍ لأي شيء.


خلاياه مضمحلة، وحواسه كأنما قد بهتت ،جلس يحدّق إلى جدران المطبخ بنظرةٍ جامدة، لكنّ عُرْوةً مباغتة اجتاحته، فهبّ واقفًا بجسده المرتبك كأنما اندفع به شيءٌ من الداخل، وتوجّه مُسرعًا إلى الحوض.


وهناك، انحنى عليه واستفرغ كل مافي جوفه عميقاً.
3

و ما إن فرغ موريس من موجة القيء، حتى مدّ يده ببطء لفتح صنبور الماء، وغسل وجهه المُرهَق بماءٍ باردٍ علّهُ يُطفئ شيئًا من وهج الحمى المُستعرة في جسده.


ثم تمضمض بشيءٍ من الماء، كأنما يريد أن يمحو طعم المرض العالق في فمه ،بعدها، انسحب بخُطى واهنة نحو غرفته، يسير كما لو كان يجرّ أثقالًا على كتفيه.


بمجرد أن بلغ فراشه، هوى عليه كجسدٍ مُلقى، لا حياة فيه ،استلقى على ظهره، عيناه نصف مغمضتين، وجسده كله يُكابد وطأة البرد والسُخونة التي تنهش خلاياه ببطء. ثم أغمض عينيه تمامًا، مُستسلمًا لثقل الحمى ونُعاسٍ ثقيلٍ كالرصاص.
2

-


"آهه"


كان يمتطى أودين قضيب سيف الجالس أسفلَهُ بثبات، كأنما استقرَّ فوق العرش،يعلو ثم يهبط عليه بشهوةِ غزيرة.
20

عيناه نصفُ مغمضتين، ونَفَسُه متقطِّع، تتداخل فيه الأنّات بالهمسات، كل حركة منه كانت تصدر رجعًا عميقًا.


"جمالك وإنت بتنيك نفسك"


همس سيف بصوتٍ متهدّج، وهو يُحكم قبضته على خصر أُودين، يثبّته فوقه بثبات المتعطش، حتى إذا تهاوى جسد أودين بتنهيدةٍ دافئة، واهتزّت أنفاسه مع الانفجار الدافق، لطّخت قطراته المتوهجة صدر سيف وبطنه


فارتجف الآخر بحمرةٍ دَلت علىَ نشوته، ثم مالت شفتاه على أذن سيف، يهمس بـدلال


"دفيني بيهم"


ثم أخذ يقفز فوقه بـعُهر واضح وملامحه غارقة
في شهوةٍ لا تعرف الخجل ،حتىَ غمرهُ شعور ثقيل
بـتصلب قضيب سيف داخلهُ بثبات موجه ومُحبب.




وفي لحظةٍ خاطفة، باغتته كفٌّ سيف يصفع فخذه الأبيض حينما شعر أنه علي وشك إطلاق سائلة
،فإرتعش أودين من اللذّة وقد شعر بدفىء عارم ينفجر داخله كنبـع مكبوت إنفجر في أحشائه العميقه.


تأوه الصغير وهو يرفع نفسه ببطء عن قضيب سيف الساخن ناظراً أسفله بـكيف يخرج من مؤخرته ،ثم مالبث أن سقط علىَ صدر سيف بإنهاك فَـتلك جولتهم الثالثة.
4

يلقي بنفسه في حضنه بتسليمٍ خافت، كأنّه لا يجد مأوىً غير دفء ذراعيه، تباعدت ساقاه لا إراديًا،
وهو يشعر بتنقيط هادئ بين وجنتيٌ مُؤخرته
جراء سائل الرجُل الذي يُشعل لفافة تبغ أمامهُ.


"إتبسطت ؟"


تلفّظ سيف بكلماتٍ نُطِقَت بهدوءٍ مُترفِّق وأعصابٍ نُزِعَ منها التوتر، فيما كانت يداه تُشعل السيجارة بإيقاعٍ رتيبٍ لا استعجال فيه.


وما إن انبعث أولُ خيطٍ من الدخان، حتى أمال وجهه جانبًا، نافثًا إياه بعيدًا عن محيّا أودين، الذي لم يتخلَّ عن تلك الابتسامة الضئيلة المرتسمة على فمه، وهو يُومئ رأسه بشكل أليف.


"بتبقىَ لطيف نيك لما تتناك"


تمتم سيف بنبرة خافتة، وقد راح يبعثر أناملَه بين خُصَلِ أودين المُتناثرة، بينما ارتسمت على ملامح الأخير بسمة عفوية، انفجرت ضحكًا إثر تعليق سيف.


"مودي بيتحسن فشخ وبحس إني عسول كدا"
1

"ما دا عشان الهرمونات اللِ بتتفرز بعد السكس زي السيروتونين كدا.بيخلي الجسم هادي نيك "
2

أوضح سيف حديثه وقد أطلق زفير الدخان إلى العلو، كأنّه يحرّر ما في صدره، أما أودين، فأنكر ما قاله سيف بوميضٍ من الرأس، نفيًا وديعًا لا يخلو من خفوت، فيما انعقدت على فمه ابتسامة شاحبة ذات مكرٍ خفي، وقد أسند بصره إلى عيني سيفٍ الزمرديتين، يتأملهما برهةً.


"تؤ.دا عشان معاك إنتَ
ما أنا جربت أسكس مع ناس تانيه بس بعدها بقرف من نفسي، معاك مش بقرف من نفسي، بالعكس بحبني لما أكون رايق وهادي كدا بعد السكس "
2

نبس أودين كلماته بصوتٍ خافت، ونظره لا يزال مشدودًا إلى خضرة عيني سيف الغامقة، تلك العتمة المُخضلة التي تتوهج كجمرٍ خافت في عمق الليل.


كان قلبه يخفق باضطرابٍ مفضوح، يدق بعنفٍ لا يليق بهدوئه الظاهري، فقط لأن سيف ينظر إليه هكذا..بهدوءٍ قاتل، بثقلٍ مُ***، بسُكونٍ يُخرس كل ما عداه.


لكن.
كما يحدث دومًا.
وكما اعتاد أودين.


لم يزد سيف عن بسمةٍ وادعةٍ استقرت على زاوية فمه، تلك البسمة التي لا تُفسَّر، لا تُقرأ، لا تُقابل برد.




ثم مد كفه الفارغة يُداعب بها وجنة أودين بخفةٍ تكاد لا تُحس، بينما يده الأخرى طرقت السيجارة بأطراف أصابعه ليسقط رمادها المُحترق.


كان هذا كل ما يمنحه سيف حين يتعلق الأمر بالمشاعر.
لا وعود، لا كلمات، لا ردّ.
2

فقط حضوره الثقيل، وملامسته الهامسة، وصمته الصلد.
1

كأنهُ يخاف.


"عايز أرجع إيطاليا"


أردف أودين بعد صمتِ، وهو ينسلُّ من حضنِ سيف ببطءٍ ووجل، ثمّ مال بجسدهِ ليستندَ بظهرهِ إلى السريرِ الوثير، كأنّهُ يلوذُ بشيءٍ مألوفٍ بعد اضطراب.
ولم يكن في الغرفةِ من حركةٍ سوى نظرةٍ استغراب أرسلها سيف إليه.


"ليه ؟متضايق من حاجه ؟"
1

"زِهقت.مبحبش أقعد في مصر وقت طويل"
3

"وقضية قصي ؟"
7

حدّق أودين في سيفٍ بغتةً، بعينٍ زائغةٍ يشوبها الاستغراب، فيما كان سيفٌ يتهادى في نفث دخانهِ بتؤدةٍ مريبة، يراقب تصاعده كمن يُجالس فكرةً خفيّة، أو يختبئ خلف سحابةٍ من لامبالاة مُصطنعه.


"يعني عادي أغور في ستين داهيه؟ اللِ مضايقك بس هو قضية قصى؟"
3

"مقولتش كدا"
انبعث صوتُ سيفٍ هادئاً جداً لا تشوبهُ حدّةٌ.
1

وفي المقابل، كان أودين قد نهضَ عن السرير على عجل، كمن انتُزع من موضعه انتزاعًا، مُتقلّب الخاطر، مضطرب الأنفاس.
2

"بس تُقصد كدا"


همس ثمّ ارتدّ نحو الباب وصفَعهُ خلفه بحدّةٍ تردّد صداها في جنبات الغرفة كاحتجاجٍ مكبوت، ومضى نحو الحمّام كمن يسعى لاجتثاث ما علق بروحه من فوضى.
3

أمّا سيف، فظلّ جاثمًا في موضعه، يُحدّق في الباب المُوصَد بصمتٍ مُطبق، وقد أطفأ السيجارةَ التي نُهشت حتّى منتهاها، وألقى بها جانبًا.
6

-


كانا يتّخذان مجلسهما عند طاولةٍ قصيّةٍ في أقصى ركنٍ من المطعم، تطلّ على البحرِ المترامي وقد خيّم عليه سكونٌ مائيّ تام، لا يكسرهُ إلا تموّج ضئيل تتداعى أطرافه بإنسيابيه.


الأضواء المُنبثقة من المصابيح المثبّتة في السقف كانت واهنة، تنسكب بنعومةٍ متناهية كضوءٍ تائبٍ من جُلبة النهار، فتمنح المكان مسحةً أقرب إلى الحُلم منها إلى اليقظة.
1

بدا يوسف على هيئته المعهودة نظّارتهُ ذات الإطار المعدني تستقرّ بثباتٍ على أرنبة أنفه، وملابسهُ تنسجُ تناغمًا هادئًا بين زرقةٍ سماويّة باهتة ودرجاتٍ فاتحة من البيج، كأنّه استوحى زيه من أفق البحر ذاته.
1



إلى جواره، جلس ماريوس بملبسٍ بسيطٍ مريح، اختار له البيج الغامق ليُشابه محبوبـه.


المُريب أن الفراغ من حولهما كان طاغيًا..
المطعم، برغم شهرته وأناقةِ هندسته، خالٍ تمامًا من الروّاد.


لا نادل يمرّ، لا صوت أدوات، لا همسات عابرة ولا خُطى متخبّطة، الصمتُ ذاته اكتسب كثافةً غريبة.


"ماريو"


"عيونه "
1

تبسّم يوسف في خفوت، تلك الابتسامة التي لا تنفرج إلا عند انقباض الشعور، وقد تسلّلت إلى شفتيه وهو يُمعن النظر في ماريوس، كأنّ سرعة استجابته لم تدهشه فحسب، بل راقت له على نحوٍ دفين.


"هو عادي المطعم يكون فاضي كدا ؟
دا أحا مفيش إلا أحنا"
3

"بركاتك ياسيد يا بدوي"
1

ضحك يوسف بخفوتِ واضعاً كِلتا يداه ضد فاههِ ثم أشار نحو ماريوس "وبعدين إنت لابس زييٌ ليه ؟"
2

"الناس بتقول يلا نـِماتش سوىَ ودا يقولي لابس زيي ليه" ضرب الطاولة بإنفعال مُصطنع مُكملاً ذاك الصوت الشهير
"إنتِ فلاحة ياست سلوىَ ولا من الزقازيق نفسها ؟"
5

"فلاحة ياعم سعيد"
1

ثم انفجر يوسف ضاحكًا، مُلقياً بعُلبة المناديل التي كانت بين يديه نحو ماريوس في حركةٍ عفويّة، تلقّفها ماريوس بيدٍ خفيفة وابتسامةٍ عريضة ارتسمت على ملامحه دون تكلّف، وعيناه تتابعان يوسف بنظرةٍ مفعمة بالطمأنينة، كأنّه يُطالع مشهدًا كان يشتاق إليه طويلًا.


كان يوسف يبدو مُسترخيًا على نحوٍ نادر، وحينئذٍ بدا ماريوس في عيني نفسه لطيفًا على نحوٍ لا يدركه الآخرون - وجهه وادع، وعيناه تضيئان بهدوءٍ راضٍ، لا يُقلّل من عمق شعوره أنّه الأصغر سنًّا، فبينه وبين يوسف فارقٌ لا يُستهان به، ومع ذلك لم يتوانَ يومًا عن الشعور بأنّه مسؤول عنه، مسؤول بكلّ ما فيه من صبرٍ وعنايةٍ وصمت.


كان قلبه مغمورًا بسكينةٍ دافئة، يشعر أن شيئًا هشًّا وقيّمًا قد عاد إلى موضعه بعد طول اختلال علاقتهم، التي هدأ تموّجها أخيرًا، عادت لِتسكن على ضفّة الألفة من جديد، هادئة، لطيفة، مُشبعة بما يكفي دون أن تُقال.


وثوانٍ فقط.


حتىَ خمدَ النور.
3

انطفأت جميع الأضواء في المطعم دفعةً واحدة، دون سابق إنذار، كما لو أنّ المكان قد انسلخ عن الزمن، وأُلقي في جوف عتمةٍ حالكة.


حلّ الظلام حادًا، مُباغتًا، فتجمّدت ملامح يوسف لحظةً، قبل أن ينتفض فجأة "أحاا إيه داا ؟!!"
1



"إهدىَ يابا.تلاقي حاجه عطلت وبيصلحوها "


"حبكت يصلحوها دلوقتي!!"
أردف يوسف بنفاذ صبر واضح لأن الظلام بالنسبة له فراغاً مُزعجاً.


وفيما تصاعدت نبرته بتوترٍ مكتوم، انطلقت ضحكة ماريوس من الجهة المقابلة، خفيفة، مسترخية، تحمل من العبث ما يكفي لإغاظة يوسف أكثر.


"إنت بتضحك علي إيه يا شوبير ؟!"
6

شقّ صوت يوسف الظلام، مُجسّدًا نبرة المذيع الشهير بإتقانٍ ساخر قاصداً ضحك ماريوس، نطقها بعنفوانٍ متهكّم وضحكةٍ مكتومة تتسلل من بين أسنانه.


وهناك، في الجهة المقابلة، سُمع ارتطام ماريوس بمسند الكرسي، وقد انهار ضاحكًا وهو يمسك بطنه، تتعالى ضحكاته غير المُهذبة في الفضاء المظلم.


"بتضحك على إيه ياشُوبير !!"


ظلّ يوسف يواصل تقليده بنغمةٍ مُتعمدة التهويل، ضاحكًا بين كل جملة وأخرى، ونبرة صوته تزداد عبثًا كلما سمع انكسار ضحكة ماريوس في صمت المطعم الغارق في الظلام.


اعتدل ماريوس أخيرًا في وقفته، يلتقط أنفاسه بعد نوبة الضحك التي أنهكته، وهو يُسدّد ثنيتي سترته ويُعدل من وضع قميصه الذي اضطرب بفعل حركته العفوية.
1

ما زالت ابتسامة عريضة تُزيّن محيّاه، ابتسامة لم تُمحَ بل ترسّخت، كأنّ أثر الضحك بقي ساكنًا في قسماته.


توجّه بعينيه نحو يوسف، وفيهما نبرة دفء لا صوت لها "هروح أشوف إيه السبب في القفلة دي.خليك بس قاعد مكانك متتحركش "
1

"أوعىَ تتقلب علي وشك"


أومىء ماريوس في الظلمة إيماءة بالكاد تُلمَح، لكنها كانت كافية لتُفصح عن عزمه،ثم انسلّ بخُطى موزونة نحو الداخل.


و في الخارج، ظلّ يوسف قابعًا في موضعه، لا يُحرّك ساكنًا، وقد توزّعت قسمات وجهه في ابتسامةٍ خافتةٍ، ليست ضاحكة بل مُستريحة، كمن استقرّ أخيرًا في قلب سكينةٍ نادرة.


وهو ينظر عبر الزجاج السميك، كانت أنوار الطُرُق تتناثر في البعيد كجمرٍ واهنٍ في رماد المدينة، ضوءٌ لا يبدّد الظلمة، لكنّهُ يُشي بأن ثمة حياة ما زالت تتنفّس هناك، وأنّ العزلة، وإن عظُمت، ليست كاملة.


وفجأةً.


انقبض فؤادهُ انقباضًا عنيفًا ما إن تسلّل إلى مسامعه صوتُ ماريوس الوادع، مترافقًا مع انبعاثٍ مفاجئٍ لأنوارٍ المطعم الخافتةٍ.


"Happy 3rd anniversary to us"
15

قالها ماريوس بهمسةٍ مترعةٍ بالمودّة، وقد تهادى نحوهُ بكعكةِ شوكولاتةٍ ضئيلةِ الحجم، رقيقةِ الهيئة، باسمةِ الملامح، يُمسكها بكفٍّ ثابتٍ وقلبٍ غارقٍ في الولَه.




حدّق به يوسف، والعالم من حوله بدا وكأنّه ذاب..
ذاب في تلك الهمسة، وفي انعكاس ضوء المصباح على عينيه، وفي دفء اللحظة.


ثلاثُ سنواتٍ..
ثلاثُ سنينٍ مرّت كلمحِ البصر، وهو في هذا الرباط معه، رباطٌ لم يُشبِه أيّ شيءٍ سواه.


ارتجّ صدره ارتجافًا داخليًا، وكأن قلبه توثّب ليشقَّ أضلاعه فرارًا من شدّة الخفق.


كان قلبه ينبض لا بالحب وحده، بل بالفرح ذلك الفرح الخالص النادر، الذي لا يزوره المرء إلا لِمامًا، والذي إن زاره نزل عليه دفعةً واحدة، كغيثٍ في عزّ الجفاف.


"بتهزر؟"
2

همسَ يوسفُ بصوتٍ متهدّجٍ يكادُ يختنقُ بين جنباتِ صدره، حيث نهضَ مُترنّحًا من مجلسه، وقلبهُ يضربُ ضلوعهُ كطبلٍ أخرس، واقتربَ بخطًى مُتردّدةٍ من حبيبه، الذي كان يرمقهُ ببسمةٍ هادئةٍ، كأنّهُ يَذْخرُ لهُ طمأنينةَ العالمِ بأسره.


وضعَ ماريوس الكعكةَ الصغيرةَ على الطاولةِ الخشبيّةِ المستديرةِ دون أن ينطقَ بحرف.


كان يوسفُ يعلم، يعلمُ في قرارتهِ أنّ ماريوس لا يدعُ هذا اليومَ يمرُّ دون احتفاء، دون تذكارٍ يُحيي مرورَ عامٍ آخر على اقترانِ أرواحهِما.


لكنّهُ هذا العام.. شكَّ.
راودهُ الظنُّ القاتلُ بأنّ ماريوس قد تخلّى عن الطقوس، أو لعلَّ الحبَّ قد بهتَ وتآكلَ تحتَ ثقلِ الأيامِ المعتادة.


غير أنّ ماريوس
قد تذكّر.


لم ينسَ قط.


احتفلَ به، كعادته، وبنفسِ الحنوِّ الذي لم تُنقصْهُ السنينُ ذرة.
نفسُ المحبّةِ، نفسُ الوفاءِ.
كأنَّ الزمنَ لم يَجرِ، وكأنَّ القلبَ لم يتبدّل.
1

"حجزتلك المطعم إنهارده عشان تكون لِيلة لطيفه زي كُل مره ،المفروض أقول كلام كتير حلو بس إنت عارف إني مليش أنا في جو الممحونين دا ، فَـبقولك
تِقبل نتجوز عرفي ؟"
6

ضحك يوسف، وفي عينيهِ دفءٌ موارٌ، كأن شيئًا حارًّا يوشك أن يُسفح على وجنتيه،لم يكن يصدق ما رأى، ولم يستوعب بعد أن ماريوس قد أستأجـر المطعم كاملاً لأجل لحظتهما وحدهما
لأجل الذكرى.


لأجله هو.


"ومتخافش لو حصل حمل كدا ولا كدا هعترف بالعيال"
2

فضربه يوسفُ على كتفِه ضربةً وديعة، كمن يُغالِب في داخلهِ انهمارًا وشيكًا، إذ كانت عيناه تتقدان بحرارةٍ لم يُفلح في مواراتها.




لقد كان يقاوم دموعًا ثقيلة وماريوس، بسذاجةٍ محبّبة، يواصل العبث معه، كأنّه لا يشعر بما يُفتعل في صدره.


وفجأة، دون استئذانٍ أو تمهيد، ارتطم يوسف بصدر ماريوس، كمن يفرّ من غرقٍ داخليّ إلى شاطئٍ آمن، وعانقه عناقاً وُلد من عمق الحاجة


ضمّه إليه بقوة،كأنّه يتشبّث بآخر يقينٍ تبقّى له في هذا العالم.


ثم، بصوتٍ مبحوحٍ أقرب إلى الهمس، خرجت منه كلمة وحيدة ناعمة


"بحبك"


ضمَّه ماريوس إلى صدره بصلابةٍ خافتة، كأنما يُحاول لملمة شتات روحه، وجذب خصره إليه في بطءٍ متأنٍّ، مستندًا بطمأنينةٍ بالغةٍ إلى كتفهِ.


فيما كانت يد يوسف تربتُ على ظهره برفقٍ بالغ، كانت اللحظة وادعةً كأنها صمتت الزمن، رخيةً، شفافةً، تنبضُ بعذوبةٍ لا تُقال.


"تيجي نِعمل بيبي؟"
1

"هنا في المطعم!!!"
همس بغير تصديق.


"نِفسك تجرب الـ Public Sex ولا إيـه ؟"
1

"Public ??"


أومئ ماريوس مُبتسماً
"أصل في كاميرات"


"أحـاا؟"


إبتعد يوسف من بين ذراعي ماريوس بسرعةٍ مرتجفة، كمن أفلت من لذعةٍ دافئة باغتت يقظته، بينما انفجر ماريوس بضحكةٍ خافته.


حينها حمد يوسف قلبهُ أنه لم ينصاع لوخزة اندفاعٍ كاد يقوده إلى قُبلةٍ عميقة بينه وبين حبيبهِ كانت سَتُسجل للٱبد ،في المكان الخاطئ.


"مشوفتش أتنح منك،هسميك ماريوس تناحه"


"طب علفكرة أنا حاجز في فندق جامد نيك بس إنت اللِ دماغك وسخة"
1

ضحك ماريوس وهو يُحيط خصر يوسف بكفّه، يجرّه برفقٍ ظاهرٍ وخُبثٍ باطنٍ نحو الخارج، أما يوسف، فكان يتصنّع الضيق، يتلكّأ في خطواته كمن يُبدِي التمنّع وهو يضمر التواطؤ، يبتعد عنه بنزقٍ مصطنع، حاجباه معقودان، ونظراته تُشيح بتبرّمٍ خافت.
3

تمكّن ماريوس أخيرًا من انتزاعه من هدوء المطعم، وسار أمامه بخطوٍ واثق، ثم فتح له باب السيارة بإيماءةٍ مهذبة، أنيقة، كأنّه يفتحهُ لظلّ مَلِك.


يوسف لم يتحرّك، بل استدار برأسه نحو المطعم، وألقى عليه نظرةً غاضبةً مُكتنفة بالحسرة
"ملحقتش أكل الكيك "
3

"هأكلك حاجه أحلىَ"
4

قال ماريوس وهو يُشغِّل محرِّك السيارة، تنسلُّ من صوته نبرةٌ خافتةٌ تحمل تلميحًا ماجنًا.




فانفلت ضحكٌ خافتٌ من يوسف، ضحكٌ بدا كأنّه يفرُّ منه رغم امتعاضه، وهو يجلس جوار حبيبهِ ثمّ أرخى ظهرهُ إلى المقعد.


ويده اليُسرىَ تسللت إلىَ مابين فخذي ماريوس يُمسده تمسيداً خفيفاً من فوق الملابـس
هامساً بـتغنج ماجن "وَحشني"
1

تَبسم ماريوس بخفةٍ، ثم انقضّت أنامله على حلمة يوسف في قرصةٍ خاطفة، فشهق الآخر متألماً وهو يصفع يده بحركة عفوية.
1

ثم عاد ثانيةً مُقترباً من مسامع الآخر هامساً بنبرةٍ شهوانية مترعةٍ بالفتنة.


"****!بشويش عليا"


"دا أنت هتتناك"


"حرفياً بقىَ"
2

ضحك يوسف ورافقه ماريوس في الضحك بلطف، بينما كان يُدير مقود السيارة بانسيابية، ينعطف في الطريق المؤدي إلى الفندق الذي حجزه مسبقًا.


كانت نوايا تلك الليلة واضحة، مرسومة بألوان الرغبة واللهفة، ليله ماجنة، مشبعة بالأفعال المتقدة، والأصوات المكتومة حينًا، والعالية حينًا آخر، ليله تنبض بالمشاعر الجياشة.


كلاهما كان يأمل أن تسير الليلة بسلاسة
بلا خلافات، بلا نقاشات حادة.


فقط رغبة طاغية في أن ينتمي كل منهما للآخر لعدة ساعات، أن ينسى كل شيء عدا حرارة الأجساد ولهيب القرب.


كانوا يعرفون أن لحظات مثل هذه لا تُكرر كثيرًا، فآملا أن تكون تلك الليلة نجاة من كل ما يؤلم، وهدنة مؤقتة من كل ما هو سيء.


-


كانت تنتصب أمام الباب، بفستانٍ قانٍ يشدُّ خصرها كقيدٍ ناعمٍ، منسوجٍ على تضاريسها كأنه جلدٌ ثانٍ، يتدلّى صدره بانفراجٍ جريءٍ، يُفصح عن نصف نهديها كوشمين خفيين على غوايةٍ خرساء.
5

جفَّ ريقُها، وارتعشت حدقتاها، إذ بغتةً، طرقت باب غرفتهُ طرقاً قوياً أفزع سكون الڤيلا الصامتة.


في الداخل نهض من فراشه بخمولٍ يتثاءب، ووجهه يكتسي ملامحَ ناعسةٍ شاردة وهو ينظر نحو الجانب الآخر من السرير الذي ينام عليه حبيبهُ الصغير لكنه لم يجدهُ ،لذا خمن أنه في الحمام.


و يتساءل بينه وبين نفسه من المُغفل الذي يطرق بابه في عُمق هذا الليل الصامت.


وما إن أدار المقبض وفتح الغُرفة، حتى تلاشت آثار النعاس من قسماته دفعةً واحدة، وارتسم على وجهه انقباضٌ حادٌّ مباغت، إذ وقعت عيناه على تلك الفتاة الواقفة أمامه.




"كريم "
4

همست باسمه بصوت خافتٍ يكاد لا يُسمع، أشبه بِفزع باغت سكونَ المساء، فانعقدت ملامح كريم أمامها بين الدهشة والتوجُّس، لم يكن يعلم أنها حضرت زفاف شقيقته، ولا خطر بباله أنها قضت ليلتها في ذات الفيلا حيث يقيمون.


لم يرها بين المدعوين، لم تلمحها عيناه، وكأنها انبثقت من فراغ، من ظلٍّ لا يسكنه أحد.


"عامل إيه ؟"


"كويس الحمد *** "


همس، كأنّ صوته خرج من كهفٍ سحيقٍ في صدره، وهو لا يزال يلتقط أنفاس الإدراك الأولى لوقوفها أمامه؛ لا صورةً متخيَّلة، ولا طيفًا محضًا بل كيانٌ نابض، متجسّد بلحمٍ ودم، بكامل هدوئها المريب.


كانت ساكنة كجنازةٍ لم تُعلن موتها، واقفة كحلمٍ تمادى في صموده، تحدّق إليه بجمودٍ لا يخلو من العتاب.


"ممكن أدخل عشان بـردانه أوي"
2

"إتفضلي"
1

تنحّى جانبًا، مُفسحًا لها ممرًّا ضيّقًا نحو الغرفة، دون أن ينبس ببنت شفة،كانت تعانق ذراعيها كمن يستعيذ بهما من بردٍ داخليّ، تُمرّر أصابعها المرتجفة على جسدها.


وقف كريم غير بعيد، يُحدّق في الرواق الخالي ينتظر عودةً مالك.
1

لكنّه، التفت إليها أخيرًا في هدوءٍ مهيب، بعينٍ خالية من أي شيء،و نزع عن كتفيه سترته الثقيلة يمدّها نحوها وهىَ أخذتها بهدوء تام.


"جِيجي كانت قمر بجد"
مدحتها بمسرى لُطفٍ خَفيّ
2

وَهي لا تزال تُحرك كفها على سُترةِ كريم برقةٍ مُبعثره كمن يستجدى دفئاً قد تبقى في نسيجها،
والآخر لم يُجيب فقط إكتفىَ بـهمهمة قبل أن يتخذ خُطاه بعيداً عن الباب وتمجلس بـقُربها ،لا مُلتصقاً ولا مُبتعداً.


"ممكن نتكلم ؟"
1

"ملوش لازمه"


همس بصوتٍ خافتِ، بينما راحت قدمه اليسرى تهتز بحركة عصبية متسارعة، وقد لاح شجنٌ خافت على ملامحها الهادئة ،إذ غزاها الأسى من جفائه البارد.
1

وما إن انقضت لحظاتٌ معدودات.


حتى انفرج باب الغرفة على مِصراعَيه، وبرز من خلفه جسدٌ قصير القامة، يتثاءب في وداعةٍ، وشَعرُهُ مُشعثٌ.
6

لكن لم تلبث ملامح مالك أن إنتفضت، وجسده أن استقام دفعةً واحدة، حين وقعت عيناه على تلك الفتاة في غرفتهُ هو و كريم، متلفّعةً بمعطفه، وحدها.




عادت.
رغم كل شيء، عادت.


تجمّدت لحظةُ الذهول في محجر عينيه، ثم تراجع بارتباكٍ شديد، وانسحب بخُطى سريعة، كأن الأرض تضيق به، ويده جذبت الباب في عنفٍ، فارتطم بحدّتهِ الخشبية ارتطامًا هادرًا كأنّه صفعةٌ على وجه الصمت.
3

ارتجف جسد الفتاة من هول الصوت، في حين أطرق كريم برأسه قليلًا، وزفر تنهيدةً خافتة، يعلم تمامًا أن هذا ما سيحدث.


"صاحبك إتضايق ؟"
1

لم يُجِب كريم، بل ظلّ غارقًا في سكونٍ ثقيلٍ كجدارٍ أصم، لا يشي بشيء.


وفي الخارج، كانت دقّات قلب مالك تضرب صدره بعنفٍ كطبولٍ في ليلةِ حرب، تتسابق مع أنفاسه المضطربة وهو يشقُّ ممرّ الردهة الطويلة.


عيناه كانت تائهتين، لا يدري لأيّ روحٍ يلجأ، لأيّ يدٍ يمدّ خوفه، لكن قدماه خانتاه نحو باب غرفة قُصي و يزيد.


وقف أمامه كغريقٍ يبحث عن خشبة نجاة، ثمّ رفع يده الثقيلة وطرق الباب طرقًا مدوّيًا، عنيفًا.


وفي الوقت ذاته، كانت يداه تعبث بأظافرهِ بنفادِ صبرٍ مُ***، قلقهُ يتكاثرُ في صدره كالسُّم المُقطّر.


انتفض جسد قُصي من سُباتٍ عميق، إثر طرقٍ مالك العنيفٍ، فنهض متوجِّسًا وقد ارتسمت على ملامحهِ مسحةُ حيرةٍ ناعسة.


جال ببصرهِ في أرجاء الغرفة بعينٍ نصف مغمضة، قبل أن يستقرّ نظره على جسدِ يزيد، المُلقى على بطنه باستكانةٍ فاتنة، عارٍ إلا من غلالةٍ بيضاء تغطي نصفهُ السفلي، كأنّه لوحة خُلقت لتُعْبَد.


تسللت إلى ثغره ابتسامةٌ هائمة، وهو يسترجع ما تبقّى من آثار ليلتهما الماضية؛ تلك التي ظلّت تحترق في عظامه كجمرةٍ لا تنطفئ.
2

نهض مترنحًا، كأنّ قدميه لم تفطما بعد عن نعومة الفراش ودفء جسد الحبيب ،مُلتقطاً بعض الثياب على عجلٍ وارتداها بإهمال.


قبض على هاتفه، وحدّق في ساعته بعينٍ شبه مغمضة؛ كانت عقاربها تشير إلى الثالثة بعد منتصف الليل.


تنهد، ثم زفر ببطء وهو يرمق الباب بنظرةٍ يغلفها الغيظ.


فتحَ قصي الباب سريعاً، وشفتيه على وشك التلفظ
بأقذر الشتائم، لكنّه تجمَّد في مكانه حين التقت عيناه بوجه مالك.


كان شاحبًا، وملامحه غارقة في البكاء. عيناه متورمتان، وجبهته تقطر عرقًا رغم برودة الليل.


"أحا ؟إيه اللِ حصل؟ فيه إيـه؟؟"


"مر.مريم يا قصي"




عقدَ الأكبر حاجبيهِ بقوة، لم يفهم من كلماتِ مالك شيئًا، لكن دموعَه كانت حقيقية، وانهيارهُ بدا واضحًا في نبرةِ صوته المرتجفة.


كان يبكي حقًا، بصوتٍ عالٍ جعل يزيد، الذي كان
نائماً بسلام، يفتح عينيه بتوجس لم يفهم في البداية ما يحدث، لكن أنين البكاء الذي تسلل إلى أذنيه دفعهُ للاعتدال في جلسته ببطء، يتأوه بخفوتٍ من أثر الألم الذي يجتاح جسده.


"تُقصد مريم جمال ؟"


أومىء مالك سريعًا، وفي الخلف كان يزيد قد ارتدى قميص قُصيّ وسرواله القطني، ثم خرج إليهما بخطى متباطئة وملامح تغمرها التعجب.


"كريم حصلهُ حاجه! ؟؟"


هزَّ قُصيّ رأسه نافيًا، وقد انحدرت كفُّه برفقٍ على ظهرِ يزيد، يُربّت عليه بحنوٍّ خافتٍ لا تُدركه العين إلا لِمَن تأمّل.


ثم مال بجسده قليلًا، مُفسحًا لمالك الممرّ لكي يدخل الغرفة ،ولازال يزيد في مكانه، مُتسمّرًا، لا يُحسن التكهّن بما يدور، قد أضلَّهُ المشهد بين الريبة والانشداه.


وفي لمحٍ خاطفٍ، اندفع مالك نحو قُصيّ


"مش كانت مِشت ؟ر.جعت تاني ليه؟"


وأناملُ يزيد لامست ظهرَ مالكٍ برفقٍ حانٍ، إذ جلس إلى جواره هامساً بصوتٍ خفيض
"إيه اللِ حصل بس؟"


"مريم دي أول ريليشن في حياة كريم.جت فترة كدا وإختفت فجأة ،إختفت حرفياً كأنها مكنتش موجوده من غير لا كلام ولا سلام" أوضح قُصي بنبرةِ هادئه نحو يزيد المُنصت.
4

"وحالياً في أوضته ناقص يقوم ينيكها "
1

أضاف مالك على عجلٍ، يمسحُ دموعَه بكفٍّ متماسكٍ، ثم ارتمى على الأريكةِ مُستكينًا، بملامحٍ وادعةٍ تُكذِّبُ انهيارَه مُنذ ثواني.


"طب وهىَ راجعه ليه أصلاً؟"


تدفقت التساؤلات في رأس يزيد كالسيل، بينما عيناه تابعتا شرود مالك، لم يكن السؤال مجرّد همس خرج من بين شفتيه، بل كان رجع صدى لحيرةٍ قديمة استيقظت من سباتها.


هي
تلك التي اختفت دون أثر، دون وداع، دون حتى بصيص تفسير، سنون مرّت، فلماذا الآن؟ لماذا اختارت لحظة الوضوح تلك لتعود؟ أكان الغياب عبثًا أم أن العَودة تحمل خلفها نوايا أكثر غموضًا من الرحيل ذاته؟


"معرفش يا يزيد.معرفش"
ثم نظر مالك نحو قُصي الهادئ مُكملاً
"صاحبك عندك أهو إتعامل معاه ،وأُقسم ب**** مانا
معَبرهُ طول ماهي موجوده ،أصل يا أنـا يا هىَ
وعِند بـعِند"




"عندهُ حق "


أردف يزيد، صوته هادئ لكنه يحمل نبرة اقتناع، مؤيدًا حديث مالك دون تردد، وحينها نظر إليه قصي بعدم تصديق "يا جدع"


ثم وجهّ سوداوتيـه نحو مالك المُحتقن
"وإنت بكسم دماغك دي فاكر إن كريم هيسيبك يعني ولا إيه في كسم الليله الغبره دي ؟"


"بقولك قاعده علي سريرنا في الأوضة بتاعتنا!!!.
أه تصدق إني قموص فشخ؟ كان المفروض أستنىَ لما تقوم تعملهُ بلوجوب "


"ياحول **** مقصدش كدا يا مالك. وإنت عارف إني أول واحد أقطعله زبه لو حاجه من دي حصلت"


"تعرف إني بكرهكم؟بأمانةً **** يعني"
ببساطةٍ جَليّة، ألقى مالك عبارته نحو قصي الذي أومئ بسلام.


عكس يزيد الذي إنقض علي مالك بإندفاعةِ خاطفة
فأطبق أصابعه على حاشيةَ ثوبهِ ،فتراجع مالك في قولهِ سريعاً "إلا طبعاً الـزوز حبيب القلب"


"أيوه كدا أُظبط ياض"


"بقيت عنيف زيه خلي بالك"


أشار مالك بإبتسامة خافتة نحو قصي، لكن الآخر نظر إليَ حبيبهُ بهيام واضح ومُبالغ بـه وهو يُسند رأسه علي كف يده وعينيهُ تُخرج قلوباً


"أنا أنول الشرف إني أكون شبه الفرعون
الكبير الصغير"
3

"تاج راسي وأم عيالي"
أردفَ قُصي بذاتِ المُبالغة والطاقة خاصة يزيد.
7

إلا أنّ طيفها فوق ملامحِ يزيد استحال باعثًا على قهقهةٍ عاتيةٍ لم يُجِد كتمها، فيما مالك قد اعتدلَ في مجلسه على عجل


"يعني إنت فرعونه وهو تاج راسك، مقعديني هنا ليه ؟هخدم في القصر الملكي"


تضوّع ضحك ثلاثتهم في الأرجاء كالعطر المعتّق، وقصي يشير بكفّه نحو الباب طارداً مالك من الغرفة.


غير أن يزيد،جذب مالك إلى صدره كأنما يحتضن **** المدلل، بذراعيه الملتفتتين عليه كدرعٍ أبويٍ دافئ


"ملوكه هيبات معانا"


"ماشي وسايبهَالكوا مخضرة يعم"


نهضَ قصي في تؤدة، تناول هاتفه المحمول وعلبة سجائره، ثم ارتدى معطفًا داكنًا ثقيلاً فوق ثيابه المنزلية، دون أن يُبدّل سكون ملامحه، تطلّع إليه يزيد بنظرة خاطفة، تُومضُ فيها تساؤلات غير منطوقة.


فما كان من قصي إلا أن قال بصوت خفيضٍ
"هروح أشوف اللِ بيتعولق دا إيه حواره"
2

أومىء له يزيد برقة، أما مالك، فلوّح له بإشارة باردة تنطوي على لا مبالاة مُصطنعة، تخفي وراءها غلياناً داخليًا كاد يفتك به،كان قلبه يشتعل رغبةً في اللحاق به، ليرى هو الآخر ما يصنعه كريم، لكنه اكتفى بالصمت، وأخفى إضطرامه خلف قناعٍ من الفتور.


غادرَ قُصي الغرفة، وقد دسَّ هاتفه في جيب المعطف مُخرجاً سيجارة، وأشعلها بهدوءٍ مريب، فيما ارتسمت على محياه ابتسامةٌ خافتة، كأنها بقايا لذَّةٍ تأبى التبخّر.


كلّما مرت تفاصيلُ تلك الليلة على ذهنه، ازدادت نبرة الابتسام خضوعًا..
1

كأنّ يزيد قد حفر في صدره ندبةً لا تندمل.
لقد ابتُلي به
والهُيامُ حينما يستحكمُ، يُصبح ضربًا من الخطر.
1

إستنشق نفَسًا طويلًا من لفافته، ونفثه ببطءٍ كمن يُطلق في الهواء حيرته، ثم وقف قبالة باب غرفة كريم، وهمّ أن يطرق لكن يده توقفت فجأةً


وبكل وقاحةِ هو أدار المقبض فاتحاً باب الغرفة علي مصراعيهِ ،


وما إن انفرج الباب أمامهُ حتى أبصر ما في جوف الغرفة، فظلّ شاخصًا في عتبتها، لا يتقدّم ولا يتراجع.


انسلّ دخان سيجارته من بين شفتيه ببطءٍ مترف، كضبابٍ خجولٍ ينسحب من فم ليلٍ ساكن، ثم تناثر في الهواء كأنّه أنفاسُ صبرٍ توشك أن تنقضي.


ظلّ واقفًا هناك، مُسنَدًا إلى خشب الباب، يحدّق في الداخل بعينين لا توحيان بشيءٍ سوى البرود..
ذلك البرود الغريب الذي لا يشي بالجمود، بل يضمر وراءه عاصفةً مكتومة.


ظلّ قُصي جامدًا في موضعه، لا يتحرّك سوى لهاث أنفاسه التي تحمل دخان السيجارة كأنّه شبحٌ يتلاشى في فضاء الغرفة المتوتر،عيناه تراقبان بصمتٍ غارقٍ في المعنى مشهد مريم التي كانت تنشج بصوتٍ مكبوت.

10


وجفونها المرتجفة تغصّ بالدمع، بينما كريم يجلس إلى جانبها، يُربّت على كتفها بهدوء.

6


تقدّم قُصي بخطى وئيدة، يجلس إلى جوارهم دون أن ينطق،حيثُ رفعت مريم عينيها نحوه، مترددة بين الخجل والارتياح، وبمحاولة مرتجفة مسحت دموعها، ثمّ أهدته ابتسامةً واهنة.




"عامل إيه ؟"




"مِية فُل وعشرة.إيه اللِ جابك ؟"

10


عقدت حاجبيها بضيقٍ صامت، ورفعت بصرها نحوهُ ،
جالساً بثبات "أكيد مش راجعه عشان سواد عيونك أنا راجعة أكمل دراستي وأتأسف من كريم"

9


"معتقدش اللِ بيتأسف لازم يكون قاعد على الحجر كدا.ممكن تتأسفي من بعيد عادي"

4


تنهدت مريم في صمتٍ ثقيل، تطلّعت إلى كريم بعينين تفيض بالخذلان، لكنها لم تنبس ببنت شفة..ماذا عساها أن تقول؟




ذلك قصي، ببربريّتهِ المعتادة، بجلافتهِ التي التصقت به كما يلتصق الظلّ بصاحبه.

2


هي أعلمهم به، وأكثرهم درايةً بتقلباته، فقد عاشت
معاهم جميعاً زمناً طويلاً صقل حواسها علىَ طباعهم المُريبه،الغريبة.




"غيران ولا إيه ؟"




حاولت أن تُنسِج من ابتسامتها مخرجًا يُخفف وطأة الصمت، فارتسمت على محياها بسمةٌ مترددة، كأنها تستجدي الأُلفة من جديد.




غير أن كريم أدار عينيه سريعًا في ضيقٍ ظاهر،أما قصي، فقد إستبقَ الرد

1


"غيران إيه ؟دا أنا ماسك حد عنكم بالعافية عشان
لو لمحك هينتفلِك شعرك وهيقطعلهُ زبه "

9


ارتسمت على شفتَي كريم ابتسامة لطيفة، وكأنّهُ يعلم يقينًا أنّه لو إقترب من مالك لَأطلقَ نصل يغرزه سلفاً في موضع القلب.

2


وفي الجانب المقابل، أطلقت مريم زفرةً خفيضةً
"لاحظ إني بنت وبَطل ألفاظك الزفت دي"

6


"بس إنتِ مش بنت"

ردّ قصي بوقاحةٍ لاذعة، كأنّ لسانه شُحِذ للتوّ على نصلِ سكين، ما جعل مريم تتوقّف في موضعها لحظة، ثمّ امتدت يدها بخفّةٍ مشوبةٍ بالحدّة، انتزعت السيجارة من بين أنامله وأخمدتها تحت عقبِ كعبها على البلاط، بينما أنفاسها تُدوي بثِقلٍ كأنّها تُطفئ شيئاً أعمق من دخانٍ متصاعد.


ضحك كريم ضحكة خافتة، مشوّشة بدهشة، وكأنّه لم يصدق المشهد أمامه.
3

فالمرأة التي أمامهم الآن، تلك التي تحمل في نظرتها صرامة العاصفة، ليست مريم التي عرفوها قديماً
مريم القديمة كانت لتأخذ السيجارة من قصي وتكملها.


"الإنسان بيتغير تمام ؟مفيش داعي إنك تفكرني بالقرف اللِ كُنت بعملهُ زمان"
10

إنقبض وجهها وهي تشير نحو قصي بيد مرتجفة، وعيناها تلمعان بدموع مكبوتة، وكأنها على شفا الانهيار.


"مِش غلط إني أبعد عشان عايزه أتحسن وأكون نسخة أفضل مني ،أنا كنت بضيع ياقُصي."
صدرها يعلو ويهبط بسرعة، بأنفاس غير منتظمة توشك أن تتحول لنوبة بكاء.
6

غير أن قصي إعتدل في مجلسه رويدًا، وانسدل جفناه فوق نظرةٍ توارت خلفها عواصف لم تُفصح عن ذاتها بعد.


ألقى بجسده إلى الوراء قليلًا، متكئًا بكفٍ واهن على حافة الأريكة وهو ينصت لها.


أما كريم، فظلّ قائمًا إلى جوارها مُحدثاً إياها


"مش بنقولك إن دا غلط يا مريم، الغلط هيَ الطريقة نفسها،إنك إختفيتي وقلقتينا عليكي مش أكتر،إحنا كُنا عيلة لـبعض من قبل ما أكون أنا وإنتِ في ريليشن."


أومىء قصي برأسهِ إيماءةً صامتة، مُقِرًّا بكلمات كريم تأكيداً، في حين امتدت أنامل مريم المرتجفة تمسح دمعةً مترقرقة انسابت بِوُداعةٍ على وجنتيها، قبل أن ترتسم على شفتَيها ابتسامةٌ واهنة، كأنها تنبثق من بين أنقاض الحزن كزهرةٍ تنبت في رماد.


"كنت مفكرة هتبضنو وتقولوا بتستشيخي علينا والكلام البطّال دا "
6

قهقه قصي بخفة، وهو يُشير بإيماءةٍ إلى فستانها القصير حدَّ الجرأة
"هو أولاً مفيش حد بيستشيخ باللبس دا"
11

"دا حقيقي"


شاركهُ كريم ضحكته الساخرة، بنبرةٍ مازحةٍ لا تخلو من خبثٍ لطيف، موجّهاً نظراتٍ عابثة نحو مريم، التي لم تُجبهما إلا بتنهيدةٍ مُتدلِّيةٍ من طرف عينيها، قبل أن تقلبهما بضيقٍ مُصطنع وتدير ظهرها مبتعدة.


"دا من طُبع على شيء جُبل عليه فعلاً مش هزار."
3

أردفت مريم على عجلٍ، بنبرةٍ مرتفعة وقد ارتسم في عينيها عِلم بأنهم مهما إمتدّ بهم العُمر وإتسعت في وجوههم دروب التجربة سيظلون هؤلاء المتنمريـن الساخرين.


"سَب بما يرضي ****."
2

"توبنا إلىَ **** يا كيمو"
2



ضحكت مريم، ضحكة اختلط بها دفء الألفة وحنين الذكرى، ثم انسابت بجسدها لتجالس قصي من جديد، فغمرها بنظرةٍ صامتة رِفقةَ بسمة، بينما راحت تُربّت على كتفهِ بكفٍّ رقيقة.
5

"شكلك بقىَ مُبهج كدا ماشاء **** إيه السر يافنان ؟"
3

"الدموية ضاربة في خِلقته من كتر الحُب والنحنحه"
3

رد كريم سريعاً وهو يأخذ من عُلبة السجائر الخاصة بـقُصي مُخرجاً واحده ،


ارتسمت على ثغر الأخرىَ ابتسامة، ناعمة الملامح، تحمل في طيّاتها دهشةً متأملة، وقد لمحت في وجه قصي ما يشبه السكون العميق، لا ذاك السكون الخاوي الذي كان يكسوه في سالف الأيام، بل سكون الرضا، وسكينة الساعي الذي بلغ ضفاف الطمأنينة بعد طول تيه.
3

لم يكن الهدوء الذي يجلله هذه المرة مُواربةً لما ينخر الداخل، بل كان نابعًا من استقرار الجوارح، وسلام القلب بعد جلبة الحروب.
1

فقد مَيزتهُ بين الهدوء المزيف الذي كان يرتديه زمن الضياع، وهذا الذي يُعانقه الآن كوشاح من النور، كأن ذاته أبرأت جراحها، واستكانت.


"مابلاش إنت ياعرص. دا لو صابع رِجلهُ وجعهُ بتبقىَ شبه المرا اللِ ميتلها ميت"
5

"صالحني عليه والنبي"
6

نبس كريم نحو قصي باندفاع فطريّ،وكانت يداه توشك أن تستقرّا على موقد النار وهو يضرم سيجارته بنفَس مُكتَظّ، وحين تناهى إلى سمع مريم وقع استجابته المفرطة، تسرّبت إلى محياها ضحكة رائقة لم تستطع كبحها.


"العوض دا ولا إيه ياخواتي"
2

"متزعلش على الراجل لو مات.إزعل عليه لو خاب"
ضحك قُصي مومئاً بإتجاة كريم.


"مش رجولة منك خلي بالك"


"طب هفضل زي الأطرش في الزفة كدا كتير؟"
4

نبست مريمُ نحو كُلٍ من قصيٍّ وكريم، وهي تُمعن النظر في ملامحِ حديثِهما الهزلي؛ حيث كان كريمُ يترجّى قصيَّ برجاءٍ خفيضٍ أن يُصلح بينه وبين شخص مجهول الهوية بالنسبة لها.


"إللِ إنتِ شوفتيه دا ؛كان مالك الحِتة بتاعتي"
1

"وتلاقية بيضرب أخماس في أسداس وإِنك قد إيه واحدة شرموطة بِتحكيها مع الراجل بتاعهُ"
7

أردف قصي على عجلٍ، معتدلاً في وقفتهِ، يخطو نحو باب الغرفة، دون أن ينظر خلفه،فاكتفى كريم بالإيماء تأكيدًا، بينما كانت مريم الوحيدة التي لحقت به، تقترب منه بخفّة حتى صارت خلفه تمامًا، ثم رفعت كفَّها وصفعتهُ على عَرضِ ظهره ضربةً فَكّهَا الهواء.




"أبو أم ألفاظك الهِباب دي هتبطلها إمتىَ"
4

"كلامك يسطا عامل أزمة كونيه لِلكُل"
3

"عشان كدا بقول شكلك أجمل وأنت ساكت"
1

شاركتهُ مريم المُزاح، يعلوها ضحكٌ خافت، فيما كانت تحاول أن تستوعب أنّ كريم محبوبًا من بني جنسه، وأنّه يجنحُ للذكر كما يجنح للأنثى، غير أنّها لم تُبدِ امتعاضًا، إذ ظلّ في ناظرها هو كريم، صديقها المقرّب، لا تغيّرهُ ميوله ولا تنقص من وُدّها له.
1

"هتطلعوني مسرح يولاد القرعة"


استهزأ ذو الوشومِ بنبرةٍ لاذعة، وهو يسبقهم خُطىً في الرواق الصامت للفيلا الخاوية، وقد غمر ضوءُ القمرِ المكان بهالةٍ فضيّةٍ خافتة، تعانقت مع أضواءٍ كأنها تحتضر.


أما كريم، فقد تشبث في ذراع قُصي بدراميةِ فجّة مُصراً علي مُصالحتهِ هو وحبيبهُ الصغير.
3

في الخلف، كانت مريم واقفةً كأنها ظلٌّ هادئ، تتهادى على ملامحها بسمةٌ شاحبة، تُخفي بها ارتجاف قلبٍ غريبِ الطَرقات. لم تُصرّح بشيء، لكنّ ابتسامتها كانت تعترف - بامتنانٍ دفين أنها عادت إليهم أخيرًا.
3

هي التي ابتعدت طويلاً..
أكثر مما يحتمله قلبٌ بسيط. لكنها حين عادت، لم تجد قسوة، بل حضنًا مفتوحًا.
هؤلاء ليسوا أصدقاءَ عابرين، بل هم الوطن حين يُضيعك الطريق.


-


كان صباحًا تتراقص فيه الأضواء فوق وجه البحر، إذ تجلّى قرص الشمس من خلف الغمام المُتلألئ، مُرسلًا خيوطه الذهبية على الموج المتكسر عند ضفاف الفيلا، الهواء باردٌ، ندِيٌّ، يعجّ بعطر المِلْح والرذاذ.


تأهّب الجميع للرحيل، فتناهى صدى المحرّكات وهي تُدَثَّر بالدفء استعدادًا للعودة إلى القاهرة، بعد أن انقضى حفل الزفاف الذي انعقد على ضفاف الساحل الشمالي.


كان حذيفة منتصبًا قرب إحدى السيارات، ينفث دخان سيجارته بكسلٍ متأنٍ، متبادلًا حديثًا خفيفًا مع مريم، وعيناه تضحكان كأنها تشي بارتياح دفين لعودتها. عودةٌ لم تكن متوقّعة، لكنها مرغوبة.
1

أما آسر، فظلّ متسمّرًا على طرف الطريق، يُمسك بهاتفه المحمول كما اعتاد، إلا أنّه لم يكن يقرأ هذه المرة. كان يُراقب حذيفة من طرفٍ خفي، متظاهرًا بالشرود، بينما عيناه لم تفارقا تلك الزاوية.
3

في الجهة الأخرى، وقف يزيد بملامح متجهمة، عبوسة، إذ راح يُجادل قصي رافضًا تمامًا أن يعتلي خلفه دراجته النارية، مدّعيًا خوفًا من قيادته الطائشة.
6



لكن قصي، بطبعه اللاهي، لم يُبدِ انزعاجًا؛ ظلّ يُراوغه بابتساماتٍ ساخرة ووعودٍ زائفة بأنه لن يسرع هذه المرّة.


وأخيرًا، كان كريم واقفًا قُرب مالك، يُقرب جسده منه في حركةٍ طفولية متعمّدة، يتدلّل عليه بإصرارٍ هزلي، محاولًا استرضاءه بعد سوء فهم أمس.
1

"خلاص بقىَ ياملوكتي"
همس كريم وهو يداعب وجنة مالك الذي صفع يدهُ بعيداً عن وجهه.
3

"مخلصناش عشان أنا بجد مش مرتاح بوجودها"
6

همس الأصغر، وصوته ينسلُّ كخيطٍ من سراب، فيما قبضت أصابعه على الهاتف كمن يُحكم وثاق جُرحٍ قديم.


"بلاش شُغل العيال دا ،ما يزيد إتعرف عليها والدنيا حلوه بينهم عادي"
1

"ماهى عشان مكانتش بتحب قصي يا كريم.
كانت بتحبك إنتَ"
صمت مالك قليلاً مُحدقاً في عيون الأكبر بشراسةِ واضحة ثم نطق سريعاً وهو يخطو نحو السيارة الأخرىَ
1

"وبما إن دا شغل عيال فأنا مش راجع معاك.
غور يأخي في سِتين داهية تاخدك"
13

حيثُ كانت تقاسيم وجه مالك كالصَّخر، لا تلين،و لا تنفرج، انسلَّ من جوار كريم دون أن يلتفت، كأن الهواء بينهما قد انقطع، واتجه صوب السيارة التي سيتشاركها مع آسر وحُذيفة.
1

فتح الباب الخلفيّ وجلس مُتّكئًا في المقعد كأنّه على عرش ضيق، طوى ذراعيه فوق صدره في حركةٍ منغلقة، عيونه شاخصة إلى الأمام، لا تغفل، لا تحيد، كأنّه يُلاحق شيئًا لا يراه سواه.
1

رمقه حُذيفة بنظرةٍ خفيّة قبل أن يميل نحو كريم متسائلًا بإشارةٍ صامتة عمّا به، فأجابه كريم بإيماءةٍ هادئة، فيها تسليم- دعهُ ،لا بأس.


"شكلهم إتخانقوا"


دسّ يزيد رأسه بهدوءٍ ورفقٍ في أذنِ قُصي، بعدما ارتقى خلفه على الدراجة النارية،كان المشهد صامتًا، إلا من رفيفٍ خافتٍ للهواء، وصوت المعدن وهو يئن تحت ثقل العاطفة المكتومة.
1

كان قُصي قد راوغَه بالكلمات، واستدرجه ببراعةٍ تُحسد، حتى رضخ يزيد لفكرة الركوب خلفه، وقبل أن يُشعل قُصي المحرك، قبض على ذراعيه، وجذبهما حول خصره بإصرار، كما لو أنّه يحتمي بقوسٍ من لهفةٍ قديمة.
1

ثم همس، وابتسامةٌ لئيمةٌ تتراقص على فمه
"هيتصالحوا.أصل ملهُومش ألا بعض"


"بصراحة مالك عنده حق.أنا لو مكانهُ كنت كسرتلك البايك اللِ إنت فرحان بيها دي"
5

قهقهَ قُصي بخفةٍ وهو يُدير محرّك دراجته النارية، فزمجر صوتها كوحشٍ فُكّ قيدهُ.
"بس هىَ راجعة ومفيش في نِيتها حاجه وحشة
يا حبيبي"
5



ثم اندفعَ بها يُمزّق سكون الصفّ، يتقدّمهم كالسهم الطليق، تتبعه سيارة كريم، الذي جلس فيها بمفرده، يعتلي مقعد السائق صامتًا.
3

أما السيارة الثالثة، فكانت لآسر، وقد تبوّأ مقعد القيادة بعينين ساهمتين، يجاوره حذيفة الذي يعبث في هاتفةِ.


وفي المقعد الخلفي، تَكدَّس مالك إلى جوار النافذة، يئنُّ في صدره أنفاسًا ساخنة، كأنّها تتصاعد من رمادِ أعصابه المحترقة. كلُّ ذرّةٍ فيه كانت تضجّ بالضيق، بالضجر، بعدم التصالح مع نفسهِ ولا مع العالم.


ولسخرية الأقدار
كانت مريم تجلس إلى جواره، تتقاسم معه المسافة، والهواء، والسكون المشحون، دون أن ينبس أحدهما بكلمة.
15

"بتدرس إيه؟"
5

همّت أن تستهلّ معه حديثًا بنبرةٍ مترفقة، فما كان من مالك إلا أن أجابها دون أن يزيح ناظريه عن النافذة "طِب"


"بشري؟"


همهم مالك بجفاءٍ بارد، كأن صوته خرج من غياهب جليدٍ، فتنهدت مريم تنهيدة طويلةً، قبل أن تحول نظرها بهدوء نحو المرأة، حيث انعكست صورة حذيفة على الزجاج، جالسًا بصمتٍ متأمل، موسيقاه تسري في أرجاء السيارة.


اعتدلت في جلستها، بأناةٍ وكأنها تحاول أن تُعيد اتزان كيانها، بينما ظل الصمت يخيّم على المكان، لا يقطعه سوى خرير الألحان المُنسابة من هاتف حذيفة.


"راجعين حُورس ؟"
1

أردف يزيد بصوتٍ مجلوٍّ بعض الشيء، موجِّهًا حديثه لقصي، إذ كان الأخير يسير بسرعة عالية تُسابق الريح المنطلقة من السماء المفتوحة؛ فما كان من قصي إلا أن نفى بصوتٍ أعلى، كأنما يُغالِب الريح ليُسمِع.


"لأ.بِيتنـا"
10

وما إن فرغ قصي من كلماته، حتى مال بدراجته منعطفًا عن الطريق، تاركًا خلفه حيرةً على وجه كريم، الذي كان يقود السيارة التي خلفهُ.


انعقد حاجباه بقلقٍ فطري، إذ كان من المفترض أن يعودوا جميعًا إلى الجامعة معًا، فما كان منه إلا أن تناول هاتفه، وضغط زر الاتصال على إسم قصي.


رنّ هاتفهُ فجأةً، فمالَ قصي برأسه نحو يزيد.
"هتلاقية في الجيب الشمال"


فمدّ يزيد كفّه في تؤدةٍ وانساب بأنامله إلى داخل جيب معطفه، ثم أخرج الهاتف بحذر ما إن وقعت عيناه على الاسم المُضيء في الشاشة حتى نظر لقصي "كريم."
1

ثم أجاب سريعاً.


"إيه يا كيمو"




"لأ.رايحين مشوار الأول كدا"


"إشطا.خلي بالك من نفسك"


وما كاد يُغلق الهاتف صمتَه حتى ارتدّت أنظار يزيد إلى شاشةٍ انطفأت لتوِّها، فإذا بخلفية الشاشة تومض للحظةٍ، كانت صورةً التُقطَت عفوًا، جمعتْه وموسكو، حينما كان الأخير يلهو بعفويّته المُشاكسة، فأسقطه أرضًا وسط ضحكاتٍ خافتة، وصخبٍ منزليّ دافئ.
6

التُقطت الصورة بكاميرا قصيّ، دون تكلّف، دون ترتيب.


غير أن ما أثقل قلبه لحظتَها، لم يكن في ضحكة موسكو، ولا في فوضى السقوط، بل في اليد التي التقطت الصورة، في العين التي رأت هذا المشهد جميلًا بما يكفي لأن يُخلّد. كانت الصورة بسيطة، نعم، لكنها تحمل أثرًا، أثر شخصٍ أحبّ، واحتفظ..


" عايز إيه ؟"


"كان بيسأل بس إحنا رايحين فين "


همهمَ قصي بتمتمةٍ خفيّة، وزادَ من عزم دراجته حتى ابتلعت الطريق تحت عجلاتها كأنها تتلهف للركض نحو المجهول.


ضحكَ يزيدُ ضحكةً صافية، خفيفة، ثم أحاط حبيبه بذراعيه بإطباقٍ لا يخلو من رجفة.


كان يحتضنهُ بقلبٍ يضجُّ، بمحبّةٍ تتفاقمُ في صدره كالنار تحت الرماد؛ تتأجّج بصمت، تتسعُ دون أن يجد لها كبحًا، حتى كاد يخشى أن يُغرقه فيضانُها.
1

حبٌّ لم يعُدْ وديعًا..
بل جامح، يطرقُ أبواب الخوف بيدٍ من حرير وحديد.


توقّف قُصيّ عند تخوم منزله القابع في عزلة، كأنّه قُدّ من صمتٍ قديم، كانت الريح تعبث بأغصان الشجر المُتهامسة حوله، بينما يُهمهِم البحر بأمواجه كما لو يُسرّ لليقظة الأولى لذاكرةٍ لا تنطفئ.


ترجّل يزيد عن المقعد الخلفي للدراجة، يفرد جثمانة في تململٍ كسول، ثم بسط ذراعيه تلقائيًا كمن يعانق الهواء.


بيد أن قُصيّ لم يُمهله لحظة، إذ خطا نحوه بخطى وئيدة واحتواه بين ذراعيه دفعةً واحدة، في عناقٍ خافت اللهفة.
1

ضحك يزيد بخفوت، ضحكة فيها من الدفء ما يكفي ليذيب صقيع المسافة، ثم ربّت على ظهره برفق، بحنوٍ كاد يقطر، كأنّه يحتضن قلبًا، لا جسدًا.


"موسكو لو شافك هيضرب شقلبظات لرِب السما"
2

حينها قهقةّ الأصغر وهو يطبع قُبلة علي وجنة قصي
"عايزين نِجبلهُ نيمو يحببهُ في أم الحياة شوية"
1

حيثُ كان نيمو- قطًّا مُترفًا، يمضي جلّ وقته بين النوم والأكل، كأنه كائن مُنهك من عالمٍ سريّ لا يراه أحد، وكأنّه هو مَن يكدّ ويعول يزيد، لا العكس.
4



وعلى النقيض، جاء موسكو كلب قصي كأنه شعاعٌ حيّ، مفعمٌ بالحيوية، لعوبٌ لا يعرف الغربة عن أحد. ودودٌ، يقترب من الجميع بذات الطهارة. فيه من البهجة ما يفيض، ومن التلقائية ما يبعث الدفء.


كانت تعاكس الحيوات سمات أصحابها.


"قط إبنمتناكة ياديني"
6

سبّ قصي بضحكة مكتومة وهو يخطو نحو الباب بخطى متثاقلة، بينما يزيد يسير خلفه متثائبًا، يغالب النعاس الذي ما زال يغزل خيوطه في أطراف جسده.


"ألفاظك يا حبيبي"


"آسف يا ماما"
2

ضحك الأصغر وهو يتربّع على الأريكة العريضة، يُرخي جسده بتكاسلٍ مُحبّب، وعيناه تتسكعان بين تفاصيل المكان، حتى شقّ صمت البيت صوتُ نباحٍ جهير، أعقبه ظهور موسكو يهرول بعنفوانه المُعتاد، ومن خلفه امرأة خمسينية الطلعة، يغلب على هيئتها الوداعة، وقد بدا أنها كانت تهتم بنظافة المنزل قبيل عودتهم.


استقبلها قصي بخُطى وئيدة ثم بادرها بكلماتٍ مقتضبة تحمل في طيّاتها احترامًا غير مُتكلف، وسلّمها ظرفًا صغيرًا مُغلقًا، يشي بحُسن المقابل، فشكرت بصوتٍ خفيضٍ لا يخلو من الامتنان، ثم انسحبت من المكان كأنها لم تكن.
2

أما يزيد، فكان يُراقب بصمتٍ وابتسامةٍ شاحبة تعلو ثغره، يقتفي ملامح ذاك التناقض الجميل في حبيبه رجل يُرعب من يجهله، ويُدهش من يقترب منه بلُطفه المُخبّأ، ذلك اللُطف الذي لا يظهر إلا في لحظاتٍ نادرة، فتُصبح لها في قلب يزيد وَقع الطمأنينة
والوَله.
1

"حبيب قلبي إنتَ.وحشتني يا بطوطة"
2

جثا يزيد على ركبتيه قرب الأرضية المُبلّطة بالسكينة، ومدّ راحتهُ ليُلامس فراء موسكو الذي اندفع إلى حضنه بلهفةٍ خالصة.
1

"يختي حلوة يولاد وجميله"
2

انزلق صوته هامسًا، ناعمًا كنسيم الفجر، وهو يُداعب رأس الكلب برفقِ وكانت أنامله تمرّ على جسد موسكو بحنوٍّ مدهش.


غير أن قصي وقف علىَ مقربةٍ ،مُتكئًا على صمته تُزيّنه ابتسامة شحيحة لكنها صادقة


"من لقىَ أحبابهُ نِسىَ اصحابهُ "
3

أردف قصي بصوتٍ جهوريٍّ رخيم، فانتبَه موسكو على الفور، وكأنّ نداءه قد اخترق سُبات إدراكه، فهزّ ذيله بقوّةٍ بالغة، ثمّ انطلق يركض نحوه، يُطلق نباحًا حادًّا عذبًا، كأنّه يُعلن به شوقًا لا يُخفى.


وما إن بلغ عتبة صاحبِه، حتى انكبّ عليه بمحبةٍ غامرة، يتدلّى من جانبيه الحنين، وتتشبّث بجسده رغبةُ التقرّب، وكأنّه يفتّش في وجه قصي عن وطنٍ لا يُطرد منه.




كان الكلب يلامس صدره، يتدلّى على ركبتيه، يغمغم بأنفاسه اللاهثة، يُلقي عليه جسده بثقة من يعرف أنه مُحبوب، بينما قصي يُنزل يده على رأسه، يُمررها بخفةٍ أقرب للرفق العميق، وابتسامة صافية تتسلل لوجهه دون استئذان.
1

ضحك يزيد بخفّة، وهو يدور بناظريه في أرجاء المنزل بعينين مليئتين بألفةٍ وطمأنينة. كم يُحب هذا المكان، كم تسكنه فيه راحةٌ لا يقدر على شرحها، وكم تلامس قلبه تلك الكلمة التي يُصرّ قصي دومًا على قولها- بِيتنا.
1

توقّف لحظة، حاجباه ينعقدان بفضولٍ خافت حين وقعت عيناه على المكتبة الزجاجية الصغيرة المستقرّة في ركنٍ هادئ من الصالة. كانت عامرةً بالكتب، مرتّبة بعناية، تغلب عليها الألوان الداكنة والعناوين التي تُنذر بثقل مضامينها.
1

يزيد عقد حاجبيه أكثر وهو يقترب، يتفحّص، بابتسامة نصف مدهوشة.


قصي الذي كان يُصارع الملل من مجرد رؤية صفحة مكتوبة! كيف تراكم هذا العدد في زاويةٍ لا يُفترض بها أن تكون موجودة أصلًا في عالم قصي؟
2

المفارقة لم تكن في وجود الكتب فقط، بل في انتقائِها..حيث كان معظمها كُتب سيرة و أُخرىَ تاريخية.


"بتقرأ لـخالد إبن الوليد ؟؟"
سأل بتعجب صادق وعيناه لا تزالان معلّقتين بعناوين الكتب المتراصّة بعناية.
2

قصي الذي لا يصبر على القراءة أكثر من سطرين، والآن يقتني كتابًا عن سيف **** المسلول؟


ابتسم قصي بهدوء، ولم يُجب بالكلمات، بل تقدّم بخطى وئيدة حتى وقف خلف يزيد، ثم مدّ ذراعيه ليطوّق خصره، وجسده يلامس ظهره في عناقٍ لطيف.


قال بصوتٍ خفيض، أنفاسه تلامس رقبة يزيد
"عندي فضول أعرف إزاي متهزمش في ولا معركة في حياتة"
3

"مخسرش ولا واحده ؟؟"


ازدادت دهشة يزيد وهو يُقلب الفكرة في رأسه، إذ لطالما علم أن خالد بن الوليد من أعظم القادة العسكريين في التاريخ، رجلٌ لم يُهزم في معركةٍ قط.


لكن ما أذهله حقًا هي عيون قصي وهي تتحدث عنه.


قصي، كان يتناول سيرة سيف **** المسلول بشغفٍ حقيقي، لا يلوّنه تصنّع، ولا يشوبه ادعاء. لم يكن يستعرض معلومات، ولم يكن يُظهر ثقافةً لحاجةٍ فيها... بل كان شغوفاً من جديد.
2

"بتقرأ لمين كمان ؟"


"رُومل"
2

"حاسس إني مش شطور كفاية"
1

قال يزيد بدلالٍ بالغ، ونبرته تتلوّى بنعومةٍ متقنة، بينما كان يُعيد الكتاب إلى موضعه على الرف الزجاجي بكل عناية، يتجنّب أن يُسقط كتاباً أو يُخلّ بنظامٍ وضعه قصي.




ضحك الأكبر من خلفه، ضحكة خافتة لكنها دافئة، قبل أن يشد الوثاق حول خصر يزيد في عناقٍ تملؤه التنهيدات المُحببة، ثم انحنى برأسه قليلاً، يُقابل أذنه بقبلة هادئة
1

"مش شطور وداخل بشري؟أُومال لو كنت شطور شوية كنت هجيبك من على كرسي الرياسه؟"
3

"خليك بتنفخ فيا كدا لحد ماهبقىَ مش شايف حد"


"ودا المطلوب صدقني"
5

تبسّم يزيد برقةٍ ثم التفت ببطءٍ هادئ ليُواجه وجه قصي، كأنه يُقابل الحياة في أجمل تجلٍّ لها، رفع كفّيه برفق، ومرّرهما حول عنقهُ، يحتضنه كما يُحتضن الرجاء الأخير في زمنٍ يموج بالخذلان.


في الخلفية، تردّد نباح موسكو بحيويةٍ عالية.


"إنتَ أصلاً كان نفسك تطلع إيه غير هندسة السيارات ؟ يعني شغفك كان إيه ؟"


"مش عارف.مكانش عندي شغف ساعتها لحاجه"
3

صمت قصي قليلاً، ينظر إلى وجه يزيد المتورد، ثم حمل جسده بخفة بين ذراعيه، بينما لا تزال ضحكاته تتراقص في الهوا.


خطا به نحو غرفة نومهم بخطوات واثقة، وألقاه برفق على السرير كأنما يضع كنزًا ثمينًا في مكانه. موسكو، الذي لم يكن ليتأخر عن صاحبه لحظة، جرى سريعًا ليصعد على السرير، وجلس بمحاذاة يزيد، يراقب بعينين لامعتين كل حركة تصدر عنه.
2

يزيد مدّ يده وسحب موسكو لحضنه، خدّه الدافئ التصق برأسه، بينما عيناه لا تبارحان قصي، الذي كان يتحدث بهدوء وهو يخلع معطفهُ، نبرته دافئة كأنها استمرار لحالة الحنان التي تغلف الغرفة.


"كنت ناوي أسافر وأدخل أي جامعة تانيه،بس سيف أصر إني أكون في حورس خوف وبتاع يعني ،مع إني كاره أفضل مع عميد طول الوقت"


همس يزيد بأنفاسٍ هادئة وهو يُنصت لكلمات قصي التي خرجت بنغمةٍ رخيمة، تمدد الأكبر بجانبه في إستسلام تام واضعاً رأسه في حضنه فيما كانت أنامل يزيد تعبث ببطء في شعره.


بينما موسكو جلس هادئًا على الجانب الآخر، متكئًا على جسدهما، وكأنّه جزء من هذا الدفء الحميمي.
2

"تعرف إن باباك أصلاً هو اللِ عاطيني المنحة ؟"


"ما دي الحاجة الوحيده الصح في كسم حياتهُ"
3

"أول ما جه الدار كان لطيف فشخ يا قصي!لدرجة إننا كنا بنقول يابخت عيالهُ "
3

حينها أخرج قصي صوت من أنفه،يشخر معترضاً مما جعل يزيد يضحك ضارباً إياهُ علي ظهرهِ.
"مانا مكنتش أعرف اللِ فيها بقىَ "
2



همهم قصي بصوتٍ خافتٍ مبحوح، يلامس بأنامله فراء موسكو برفقٍ مترف، بينما كانت كفّ يزيد تنساب في شعره بحنوٍّ مهيب وصمتٍ مكلّل بالطمأنينة.
1

تسلّلت الشمس عبر نوافذ الغرفة المواربة، فغمر ضوءها الذهبي الدافئ المكان، كأنّه حنوّ إلهيّ يسكن الأركان.


"هو مكانش وحش أوي كدا بس بعد موتها بقىَ أوحش ،يعني علاقتنا في الأول مكانتش لطيفة بس كانت ماشيه عادي شغال يعني ،أما حالياً معدتش نافعة بِـنكله"
2

" ماهو أكيد علاقتهُ بـسيف مش أحلىَ حاجه برضو صح ؟"


"تقصد إيه؟"
همس قصي ويُمناه الموشومة توقفت عن مداعبة موسكو للحظة.


"أقصد إنه تقريباً معندوش أحسن من كدا ،يعني هو مش بيعاملك وحش وبيعامل سيف حلو ،فاهمني؟"


"مبتتحسبش كدا يا يزيد لأن الوقت اللِ قضيتهُ مع عميد مكانش زي وقت سيف معاه ،مش بقول إني غيران لأ و**** بس طفولتهُ كانت ألطف بكتير "
1

همهم يزيدُ بصوتٍ خفيضٍ، وهو يُمرِّر كفَّهُ على ظهرِ قُصيٍّ برفقٍ،ولم يُقاطع حديثهُ، بل ترك لهُ سعة البوح، إذ إنها المرة الأولى التي يَفلِتُ فيها لسانُ قُصيٍّ من أسْرِ الصمتِ.


"يعني سبب كُره سيف لـعميد إن عميد بيعاملني وِحش ،هو مش بيكرههُ كـشخصهُ أو أنه عمل حاجه تخليه يكرههُ"


صمت قصي قليلاً ثم تابع بهدوء
"يعني سيف الإبن الكبير من مراته الأولىَ ،مامتهُ كانت سفيره إيطاليا في مصر ناجحه في شغلها جداً وبرضو كانت ناجحه في بيتها ،يعني جابت سيف و ربتهُ في بيئه كويسه وبجد كانت بتموت في دباديب عميد ،كان عندهُ كل حاجه ،فلوس و زوجه بتحبهُ وإبن كويس بس هو طماع "
3

"عشان كدا هىَ مسجلتش سيف مصري؟"


"كان عندها سيكا غرور كدا إن مش مهم يتسجل مصري هو كفاية إنه إيطالي ومن عيله دبلوماسية والغريب إن عميد قالها سمعاً وطاعةً مولاتي "
1

قهقه يزيد بخفوتٍ أجشّ، ثمّ أمال جسده قليلًا، ومدّ يده برفقٍ يُمرّر أنامله في شعر قصي ببطءٍ يدلّك الفوضى الساكنة في رأسه.


"حاسس عندها حق بصراحة"


وحينها أومئ قصي تأكيداً "عندها حق نيك يعني، ليه إمتيازات كتير هنا"
2

كانت يداهُ تتهادى على ظهر قصي بحنوٍ بالغ، كأنما يربّت على جُرحٍ لا يُرى، يحثّه بصمتٍه على المضي في البوح، دونما عجلة أو ضغط، فقط إنصات نادر وثابت.
1

كانت تلك اللحظة من اللحظات اليتيمة التي يُزيح فيها قصي الستار عن ذاكرته، يُفكّ فيها عقدة لسانه أمام ماضيه، فيتكشف ليزيد وجهٌ آخر منه، عارٍ من الصمت المُعتاد، ومن الجفاء المُصطنع.
1



"بعدين بقىَ ياسيدي ؛عميد شاف أمي في مطعم صُغير كدا كانت لسه مُفتَتِحاه ،كانت شغوفه بكل أنواع الطبخ ،عارف الناس اللِ بتطبخ من قلبها بجد؟"
3

"صُنع بكل حُب" أضاف يزيد بلطف ليومئ له حبيبهُ "بجد كانت كدا"


"المهم إنها كانت لسه في بدايتها و عشان المطعم كان لسه جديد فَمكنش حد يعرفهُ ،فتقدر تقول إنها أُحبَطت شويه وكانت هتقفلهُ عشان مفيش إقبال خالص ،يروح المعلم بتاعنا يعمل إيه ؟ يقولها و**** أنا هعملك إعلانات عنه في كل مكان وهموّلك كل حاجه لحد ما المطعم يقف علي رجليه وبدون مُقابل ،أخلاقهُ أحرجت ميتين أهلي"
4

"وطبعاً مامتك وافقت"


"شافتهُ بقىَ جنتل مان وشخص كويس وبالفعل المطعم نجح فشخ وعلاقتهم إتطورت وبعد كل دا نسىَ يقولها حاجه بسيطه يعني مش مهمه أوي..
أنه متجوز وعنده ***"
11

"حاجات فرعية يعني وارد إنها تتنسىَ عادي"
4

داعبه يزيد مازحًا، محاولًا أن يُخفف عن كاهله وطأة الحديث عن والدتهِ الراحلة، تلك المرأة الحنون التي ارتحلت باكرًا، لتعلو وجه قصي ابتسامة خافتة وهو يومئ برأسه، مستسلمًا لذلك الشعور الغريب من الراحة.


لم يكن الأمر في الكلمات، بل في يد يزيد التي كانت تتحرك برفق في شعره، تُربّت عليه بخفة، تُمرر له طمأنينةً خاملة تُغريه بالسكينة، وتغرقه في حالة من الاسترخاء العميق لم يعتدها من قبل.
1

"بعدين بقىَ إتجوزوا والدنيا ورد وفُل وياسمين وهو لسه مقالهاش إنه متجوز برضو ،كانوا ساعتها قاعدين في إيطاليا فَكان بيقولها دي مِيتينجز تبع الشغل وأفشخانات فارغة لحد ما أنا جيت وقرر إن هو يصارحهم ويعرفهم علي بعض"
2

"ساعتها ليندا والدة سيف رفضت دا وقفلت على نفسها وأصرت إن هو يطلق أمي وكانت هيصه يعني لدرجة إنها مشت وسابت سيف لوحدهُ فـ ماما أخدتهُ وقعدت تفهمنا إننا أخوات ولازم نِحب بعض"
4

"طب وهو فين من كل دا ؟"


"لأ هو متعود يجي يرمي البلاوي ويختفي "


صمت الأكبر لوهلةِ مُتابعاً


"كنت قعدت مع سيف فترة طويله لدرجة إني علمتهُ شوية عربي مكسر وهو بقىَ يعلمني إيطالي وماما كانت بتاخُدنا معاها المطعم نقعد نجرب حاجات وآكلات جديده لحد ما ليندا رجعت من سَفرها تاني وأخدت سيف وقعدوا في مصر ومكنتش بتخلينا نشوف بعض نهائي ولا بيحصل أي إحتكاك بينا"
1

"وعدت الأيام والشهور وحرفياً معتش بشوف وشهُ لدرجة إن ماما قِلقت وقالت أكيد فيه حاجه والعرص الكبير كان مسافر تبع الشغل ولا إحنا ولا هما في كسم دماغه أساساً ،فَـرُوحنا يسيدي ونخبط علي الباب مفيش صريخ إبن يومين في البيت"
3



"أخدتهُ وسافرت تاني ؟"


نفىَ قصي نابساً بهدوء شديد
"إنتحرت وحابسة إبنها معاها في البيت"
16

"أحـااا لأ!!"
اهتزّ جسدُ يزيد فجأةً تحت وَقع الصدمة، فاستقام جالسًا في موضعهِ.
3

لم تمرّ حركته المفاجئة دون أثر، إذ التفتت إليه موسكو بعينين متوجستين.
1

"بجد و**** ؟؟!"


"و**** بجد ،سيف قعد مع جثة أمه يومين كاملين والتاني جه ينحنح ويعيط بس إمتىَ؟ بعد خراب مالطا ؟"
8

كانت نبرة قصي هادئة حدّ الغرابة، ساكنة كهدوء ما قبل العاصفة، بينما ظلّ يزيد صامتاً، عاجزًا عن النطق.


"طبعاً في الأول مكنش مستوعب اللِ حصل.بعدها ماما أصرت إنها تربينا سوا عشان نكون جمبه ومتسيبوش لوحدهُ ،بس يوم بعد يوم بقىَ أهدىَ كتير لدرجة إن الفضول خدني وفتشت في الأوضة بتاعتهُ وشوفت اللِ كُنت متوقع أشوفه ،كان بيشم بودره"
8

"وصارحتهُ ؟"


"لأ"


تمتم قصي بهدوء، وصوته بالكاد يُسمع، بينما كانت أنامله تنزلق ببطء على خصر يزيد من تحت الملابس،
ولم ينبس بكلمة بعدها، فقط الصمت الذي تمدّد بينهما بثقلٍ مبهم، ما دفع يزيد إلى التنفس بهدوء.


"تيجي ناخد شاور سوىٰ ؟"


"شاور و نِيكه علي السريع"
4

"إلعب غيرها،مؤخرتي لسه بتوجعني فشخ"
15

"هَنيكك براحه في مؤخرتك"
2

"يـاربنا لأ!!"


انطلقت من حنجرة يزيد صرخةٌ مُعترضة مازحة، لم يُمهله قصي فرصة للثبات، إذ انقضّ عليه بخفةٍ درامية يجذب جسده المتراخي من حواف السرير وكأنه ينتشله من سباتٍ وديع، ثم حمله بين ذراعيه.


ضحكات يزيد كانت تتقافز من بين شفتيه كحبات مطرٍ تسقط على نافذةٍ مغلقة، بينما قصي يسير به نحو الحمّام بخطواتٍ واثقة.


وخلفهما، هرول موسكو بنباحه الحائر، يطارد الأثر برغبةٍ في الانتماء، لكن قصي أوقفهُ بنبرةِ لطيفة.


"آسف يا حبيب بابا،هتقعد بس هنا تستنانىٰ شويه ولما نخلص هنلعب معاك"
2

"إلحقنىِ يا موسكو يا حبيبي قرب عضه في طيزه عشان يسيبني "
5

انفرجت شفتا يزيد عن ضحكةٍ دافئةٍ تشي بسعادتهِ، فيما كان قصي يُوصد باب الحمّام خلفهما بإحكام، ليُقصي به عن العالم صخبهُ ولهاثه.




عند العتبة، بقي موسكو جاثيًا على الأرض بطاعةِ.


اقترب يزيد في هدوءٍ كأنّما يسير فوق نياط قلبه، عيونه تمورُ بموجات من الحُبِّ المكنون، وكلّ ذرةٍ فيه تنزع إلى قصي.


ثم برفقٍ، غرس قبلةً شهيةً على شفتَيه، قبلةً تحمل حرارة قلبه وإشتياقهِ.
1

فلم يتأخّر قصي في الرد، بل بادلهُ الشغف بمثله، مُحمّلاً قُبلته بمشاعرٍ جياشةٍ لا تنطقها لغة، كأنّها صلاةٌ خرساء تتسلل من بين الأنفاس، فتُزهر في كُلّ ما حولهما سكينةً ودفئاً.


-
1

واقفاً في المطبخ أمام النار الساخنة يود تناول فطوره قبل أن يُبتلع في دوامة عملهِ وضجيج المخفر ، أنامل الصباح الباردة تزحف عبر النافذة نصف المفتوحة،فيما خيوط الشمس الخافتة تنسلّ من بين الستائر، تُنير المطبخ بألقٍ ذهبيٍّ مستتر.
1

المقلاة تهمس بأزيزٍ خفيف، والبيض يُقلى ببطء تام حيثُ كانت معزوفةّ
Kill For You By Skylar Grey -
تنبعث من المذياع العتيق بصوتٍ واهن، لا يُزاحم السكون، بل يتخلّله كضوءٍ خفيف في ضباب. كلّ شيء كان موزونًا بإتقان مريب.


ثمّ


دوّى في الأفق القريب صوت خافت.
خشخشة قفلٍ يُدار في الباب.
ضجيجٌ طفيف، لكنه يحمل في طيّاته ارتيابًا عظيمًا.


جمدت نظرات موريس، تكلّس الهواء في صدره. هو وحده من يملك مفتاح بيته، وحده من يعرف إيقاع هذا الباب.


تلفّت ببطء، بثقلٍ مشوب بالحذر. نظر صوب الطاولة، حيث كان مسدسه القديم مُلقى بجانب المملحة.
1

خالٍ من الرصاص، لكن قبضته لا تزال تُشعره بالسيطرة. مدّ يده إليه لِيحتمي به.


خطواته كانت مُتحفّظة، متقشّفة في وقعها، تتسلّل بصمتٍ محموم وهو ينسلّ من المطبخ بخفة ،قبضته تنكمش على فوهة المسدّس.


وحين اجتاز العتبة..
سقط قلبه سقوطًا عظيمًا، كما لو أن جدارًا داخليًا تهشّم دفعة واحدة.


كان سيف يقف هناك، بلا حراك، كأنّه نُحِت من ثباتٍ أزلي. قامته منتصبة، وبذلته بلون البُنّ الداكن مُحكمة التفصيل، شعره الأشقر مُسرّح بعناية بالغة، وعيناه -بلون العشب الرطب بعد المطر تتفرّسان فيه بسكون عارٍ من الاتهام، من الكلام، من الزمن ذاته.
3

الذهول أزاح قبضته عن الزناد، وسقط المسدّس من يده كما تسقط الذكريات الثقيلة من قلب مُنهك.


خبط الحديد على الأرض، لكن لم ينبعث صوت؛ لأن دقّات قلب موريس كانت تُغطي على كلّ شيء.




سيف
سيف، بجسده، بعينيه، بشكله الذي لم يتبدّل.


سيف، لا يزال يحتفظ بنسخة المفتاح القديمة، تلك التي لم يُعدها يومًا بعد الفُرقة.
سيف، الذي كان يسكن هذا المكان، قبل أن يسكنه الغياب.
2

"ميتخافش عليك"
3

سخر سيف بضحكةٍ خافتةٍ، مُقتضبة، ثم خطا إلى المطبخ بخُطى واثقة مترفعة، يداه غارقتان في جيبي معطفه، وجسده يميل قليلًا بكسلِ.


كان يمشي كأن العالم لا يُطال قامته، وكأن البيت ما زال بيته، والمكان لم يتغيّر.


أمّا موريس، فابتسم.
لكن الابتسامة لم تكن إلا قناعًا هشًّا فوق بحرٍ من الارتباك المتلاطم.
توتره فاض عن ملامحه رغم محاولته التماسك.
اتّبع سيف إلى المطبخ بـتوتر فجّ.
2

"إ.يه بقىَ سبب الزيارة دي"


"مش عايزني أزورك ؟"
1

"زيارة بعد ٣ سنين غياب؛ غريبة شويه"


"مش أنا اللِ سيبت البلد وسافرت "
8

أردف سيف ببرودٍ مَحضٍ، بوجه لا تَرتجف فيه عضلة، وهو يتقدّم نحو الموقد، يمدّ يده اليُسرىَ ببطء ليُغلق النار تحت المقلاة التي احترق فيها البيض تمامًا، حتى اسودّ لونهُ وذاب في قعرها كأنما تلاشى كل صباحٍ ممكن.
1

ثم جلس بهدوءٍ مُتناهٍ على الكرسي المقابل للطاولة، وكأن لا شيء على الإطلاق يستحقّ انفعالًا.


موريس وقف مُتسمّرًا..
لا يحار جوابًا لتلك الهيئة الجديدة التي اتّخذها سيف.


كان أمامه رجلٌ يعرفه، ولا يعرفه، مألوف الملامح
غريب الروح.
1

سيف، الذي عَرَفَه في أشدّ أوقاته هشاشة، حينما كان مُثقلًا بإدمانٍ قاتلٍ يأكل من جسدهِ كل يوم، سيف الذي تكسّر في حضوره عشرات المرات دون خجل، وبكى دون أن ينتظر مواساة، سيف الذي خاض معه فوضى فقدان العدالة في قضية موت أم قصي، حين تحوّل العالم حولهم إلى لون داكن.
1

كان مُحبًّا، ضعيفًا أحيانًا، بشريًا في فوضاه.
أما هذا الذي أمامهُ الآن، فهو كأنما أعاد تشكيل ذاته فخرج صلبًا لا يُكسر ولا يُفكك.
1

وموريس؟
يعلم تمامًا أن الذي جمعهُ بسيف لم يكن يومًا حبًا نقيًّا..
كان دائمًا حُبًا مَشوبًا بالاحتياج، بالضعف، بالارتباك، بالصراع.
حبًا تآكل من الداخل، لكنه لم يمت
وربما هذا هو الأسوأ.
3

حبًا لم يُشفَ منه
بل استقر كندبةٍ لا تؤلم، لكنها لا تُنسى.


"لسه بتستعمل إيدك الشمال في كل حاجة ؟"




"صعب تِغير حاجه إتولدت بيها"


"مقصدش بس كان نفسك دايماً تستعمل الإتنين.مش الشمال بس"
أردف موريس بصوتٍ خفيض.
3

كان يعلم ولا ينسى- أن سيف أعسر، وُلِد ميّالًا ليسارِ الأشياء؛ يكتب، يأكل، يفتح الأبواب، يُغلق العالم بيده اليسرى فقط.


يده اليمنى، على رغم اكتمالها الجسدي، بقيت دومًا خاملة كأنّها ظلّ زائد في جسده، لا تُجيد سوى التفرّج.
3

كانت مسألة بسيطة.. تافهة في ظاهرها؛
لكنها استقرت في ذهن موريس كثابتٍ لا يُمحى، كندبة صغيرة خلف أذن الذاكرة.


همهم سيف بهدوء و نظرتهُ معلّقة على جدار المطبخ الذي عُلِّقت عليه ملصقات لمدينة -طوكيو العاصمة المتلألئة كأنّها مدينةٌ من نيون وأحلام.


تناهى لعينيه مشهد الأبراج المتلاصقة، الأزقّة المتوهجة، والكتابات اليابانية المُنسابة بأناقةٍ على زجاج ناطحات السحاب..


تسلّلت إلى محياه ابتسامة جانبية
"لسه نفسك تعيش في طوكيو ؟"


حينها أومئ موريس بإبتسامة واسعة ونَطق كِلاهما بذات الحماس "عشان مفيهاش تسليم مجرمين"
1

"أغرب سبب سمعتهُ في حياتي"


ضحك سيف بخفوتٍ مائلٍ للعبث، بينما اكتفى موريس بالإيماءة وهو يجرّ الكرسي ليجلس قبالته.


كان مُبتسمًا ابتسامةً عريضة تملأ وجهه، لكنها مُرتبكة، تحمل في طيّاتها دهشة دفينة كأنّه يخشى أن يرمش فتتبخّر هذه اللحظة.


هو لا يُصدق،
سيف جالسٌ أمامه،
هنا، في بيتهما القديم،
كأنّ الزمن طوى صفحاته إلى الوراء فجأة، وأعادهما لحظةً إلى ما كان.
1

الهواء من حولهما لا يزال مُشبَعًا بنفس الرائحة القديمة،
والأثاث لم يتغيّر،
لكن الأكثر غرابة
أن القلب نفسهُ لم يتغيّر.


"مين اللِ ماسك قضية قصي بقىَ المرادي؟"


"أُودين"
2

"إللِ باسك وأنا كنت موجود ؟قال إيه بيطرُدني بالحَداقة يعني"
7

ضحك موريس ساخراً وهو يُنقِر بأنامله فوق سطح الطاولة التي تتوسط كلاهما، طرقات متقطّعة، غير منتظمة.


كانت أشبه بارتباك داخلي يحاول أن يُموّهه بالصوت، بإشغال اليد عن التورّط في الذاكرة.


رفع سيف بصره نحوه وإذ بِه يستعمل كلمات الآخر ضِده "غيرة بعد ٣ سنين غياب ؛غريبة شويه"




"أتمنىَ يعرف يحلها ويطلعهُ برائه بِـأقل الخساير المُمكنه"
2

حوّل موريس دفّة الحديث فجأة، كمن يحاول النجاة من الغرق في سيلٍ داخليٍّ متلاطم، فتشبث بثباتٍ مُزيَّف، غير أن صوته خانهُ، واهتزت نبرته كوترٍ مشدودٍ على وشك الانقطاع.


لم يُحسن التنكّر، ولم يُجِد تمويه غيرته التي كانت تسيل من عينيه، لن يكذب لكنه يشعر بالغيرة من أودين.
1

لم يكن السؤال حقًا عمّا إن كان قد غار، بل عن الكيفية التي احتمَل بها سيف رؤيته مُلتصقًا بامرأةٍ أخرى، عابثًا بحياةٍ لا تحمل اسمه، متوغلًا في زواجٍ لا يشبهه.


كيف لم يرتجف حين سمع؟
كيف لم تُخلخل الحقيقة أركان سكينته؟
أم أنه تجلّد، وتجمّد، كعادته، حتى أمام خيباتٍ بحجم الانهيار؟


موريس كان يعلم يقينًا، أن ما جمعه بسيف لم يكن حبًا نقيًّا، بل حبًّا له مذاق الرماد ولهيبٌ بلا دخان.


لكن، حتى بعد هذا الزمن، وبعد هذا الانفصال الذي تآكل على أطرافه كالصَدأ، ما زال قلبه يعجّ بمشاعر تُربكه، تؤرّقه، تُخيفه.


لأنه يعرف
أن ما تبقّى بينهما ليس اشتياقًا عابرًا، بل حبٌّ مكسور الحواف، مُشوّه الأطراف،
ونهايتهُ يخشاها.


"تِفتكر هيعرف ؟"


"يِحلها؟"


همهم الأشقر له كَإجابةِ لينفي موريس سريعاً
"لأ. بس يطلع قصي براءه أه"


"شكلها هتبقىَ بالكاش"
أردف سيف بهمسة خافتة.
2

لأنهم ومنذ اللحظة الأولى لانبثاق القضيّة للـعلن، دُفِنت العدالة تحت أكوام من الأوراق الملوّثة، بعد أن دُفعت الرشاوى بسخاءٍ فاحش إلى القاضي، وإلى الصحافة لكي يلتزموا الصمت.


لكن هذة المره لا تبدو مثل سابقتها.


"لسه متعرفش مين اللِ فتحها تاني ؟"
سأله موريس بنبرة واهنة، وفي أُذنه كلمات الأُغنية رخية تُداعب أُذنه وقلبهُ .
1

"ما أنا جايلك عشان أعرف "
2

أردف سيف بثباتٍ وعيناه مغروستان في عيني موريس، تلك العيون التي لم تكفّ يومًا عن اللمعان كلما رأتهُ، كأنها تراه للمرة الأولى، وكأنها لا تشبع من حضوره.


كان في صدر سيف ارتجافٌ مكبوت، رغبة خفية في أن يسحب موريس إلى صدره، أن يطوّقه بذراعيه كمن يختبئ داخل مَن يحب.
ثم يختفي.
3

يذوب، ينمحي، يتلاشى بعيدًا عن هذا العالم المُثقل بالقضايا العالقة والذكريات المسمومة
أن يترك كل شيء خلفه.
1



"بس كدا ؟"
1

"بس كدا"
5

أعاد سيف ذات العبارة التي تفوَّه بها موريس، كمن يُثبّت الحقيقة في صدر صاحبه دون نقاش، ثم وقف يُعدّل زرّ بدلته بهدوءٍ، وسار بخطى متزنة نحو الباب،


وخرج من المنزل كما لو أنه لم يأتِ قط
كما لو أن حضوره لم يكن سوى عابرًا مؤقتًا.
1

ترك خلفه موريس جالسًا في مكانه، متخشبًا، وكأن النَفَس غادر رئتيه، كان يظن -أو يتمنى أن عودة سيف تحمل ما يشبه العودة له ؟.


لكن الحقيقة كانت أن سيف عائدًا ليطلب خدمةً لا أكثر.
1

وموريس؟
موريس لم يكن يومًا يرفض شيئًا يطلبه سيف.
وسيف يعلم ذلك تمامًا
يعلمه جيدًا، حد القسوة.
4

تنهد موريس تنهيدة عميقة، خرجت من صدره كما لو أنها كانت مختبئة لسنوات، ثم تحرك مغادرًا المطبخ، لكن ما أوقفه فجأة كانت تلك الحقيبة الموضوعة جانبًا، تحمل رسمة وجه ضاحك وكُتب عليها -فطورك الصحي بخط بسيط.
1

حدّق بها موريس بصمت.


هل سيف أحضر لهُ فطورًا وهو في طريقه إليه؟
أيُعقل أن يمرّ ويترك له هذا الأثر الصغير، ثم يرحل كأنه لم يكن.
4

-


كان يمضي في ممر الجامعة بخطى وئيدة، تنوء بثقل يومٍ اكفهرت فيه قاعات المحاضرات بالأسئلة المُركّبة والمفاهيم المتداخلة، وقد خرج للتو من قسم العلوم السياسية والاقتصاد، حاملاً بين أصابعه أوراقًا مهترئة الأطراف، مشحونة بالحبر والاحتمالات.


كان يُقلبها بفتور، بينما تتلألأ على أنامله خواتم فضيّة، نقوشها ضاربة في الغموض، كأنها أطياف من ذاكرة قديمة تجلّت في معدنٍ باردٍ يحتضن جلده.


غير أن ناظرهُ الذي كان غارقًا في تأملاته، انسلَّ فجأة إلى طرف الممر، حين تناهت إليه هيئة..مألوفة ؟


توقّف مروان فجأة، وحدّق صوب نهاية الرصيف حيث وقف أيان، متكئًا بلا اكتراث على عمود الإنارة، سيجارة تتراقص بين أصابعه، وضحكته تتعالى بصفاقةٍ عجيبة وهو يدسها في حديثٍ خفيف مع فتاةٍ غريبة.
1

انعقد حاجباه بشدة، وابتلعت تعابير وجهه دهشته شيئًا فشيئًا.
ذلك المشهد..ما كان ينبغي أن يُرى.
ذاك الفتىَ ألم يُخبره يوم التقيا لأول مرة أنه رَجلُ أعمال؟ بل قالها بثقة وهدوء يشبهان الكذب المتقن.
1

اقترب مروان بخُطى ثابتة، تحمل في سكونها ثِقلاً من الأسئلة التي لم يُنطق بها بعد، وعيناه لا تغادران ملامح الفتىَ كأنّه يُقلّبها في ذهنه بحثًا عن تشققات تُفصح عن خديعة ما.




وما إن وقعت عينىَ أيان عليه، حتى اعتدل في وقفته سريعًا، وكأن وجود مروان باغته على حين غِرّة،رمق الفتاة نظرة مقتضبة، فابتسمت واستأذنت برقة، وغادرت كأنها لم تكن.
2

"بيزنس-مان؟"


"كنت عامل حسابي إني مش هشوفك تاني
في حياتي"
4

راوغ أيان الحقيقة بإرتباكٍ جليل،يحكّ مؤخرة عنقه براحه مُتوترة، وعيناه تأبيان الالتقاء بنظرات مروان،تفرّ منهما.


أما مروان،
فابتسم ابتسامة هادئة، واهنة
"طِلعت عيل بشخة يعني"
1

"أحا كنت مُنتظر إيه ؟"


"إنك تِطلع راجل"
2

"هو إيه التصعيد الغير مُبرر دا؟كنت واعدك بحاجه وخَلفت أنا ؟"
3

إنبرى أيان يدافع عن نفسهِ بنبرةٍ مشحونة،
وصوتهُ يعلو ثم ألقى سيجارته على الأرض بحركة عصبية مُنفلتة- أو ربما خجلاً ؟.


وهنا فقط،
أدرك مروان ما لم يكن قد اتّضح من قبل،
أن الذي أمامهُ هشّ،
سهل الاستفزاز، سريع الانفعال،
***ٌ في جسد رجل،
تحكمه تقلبات لحظية لا اتزان فيها.
1

فمال برأسه قليلًا، وارتسمت على وجهه ضحكة صغيرة "إنت أيان الراوّي مش كدا ؟"


"يِهمك في إيه؟"


"عندي فضول بس عن العِيلة دي"


"مش عايز أقولك تُحطه فين"
5

حينها انفلتت من مروان ضحكة هادئة، مفعمة بالاستمتاع،ضحكة من أدرك فجأة نمطًا يتكرر أمامه بإتقان شبه غريزي،


فربما، وربما فقط
تلك العائلة بأكملها لا تُجيد السير إلا في وضعية الهجوم،كأن الحذر مغروس في نخاعهم،
وكأن المواجهة هي اللغة الأم.


ولم يُنكر مروان على نفسه ما شعر به،
فضولٌ طاغٍ، بِتلك العائلة -الراوي.
التي لا يُرى منها إلا قشورٌ لامعة ووجوه مُصقولة،
لكن خلفها حتمًا
كهوفٌ من القصص المدفونة، والموتى الذين لم يُدفنوا تمامًا بعد.
1

"أنا طلعت عيل بشخة وإنت طلعت سنجل داد ياحرام. أدورلك علىَ عروسه؟"
4

سرت سُخرية لاذعة على لسان أيان يعقد ذراعيه أمام صدره، واستند بجسده قليلاً للوراء، كأنه يتّخذ موضعًا دفاعيًا.


الدهشة تسلّلت لعينيه قبل أن يملك الوقت لإخفائها؛
أي جرأة هذه التي انبثقت فيه فجأة؟هو نفسه أيان، الذي قضى الليالي الماضية يتأمل ذاك الرجل من بعيد، يُقلّب إعجابه به كمن يتلمّس جمرة ساخنة دون أن يُحرق نفسه.




لكن الآن
الجمرة أصبحت كلمة ساخرة،
تُرمى، لا تُكتم.


وهو بالكاد يُصدق نفسه؛
كيف تحوّل من مُعجبٍ صامت إلى ساخرٍ علني؟
هل هو الذعر؟
أم الرغبة في ألا يُفضَح ضعفه؟
ربما كلاهما.


"ياريت وياحَبَّذا
لو كانت شَبهك"
6

إنعقد حاجبا أيان في صمتٍ متوجّس، وارتبكت قسمات وجهه للحظة خاطفة حين تسلّلت كلمات مروان المبطّنة إلى سمعه كوميضٍ مفاجئ وسط نهار رائق.


لم يكن مستعدًا لوقع الجملة التي قيلت بخفّة الظل، لكنها حملت بين طيّاتها شيئًا أكثر دفئًا، أكثر خصوصية.


لم يكن يعرف كيف يتلقّى هذا النوع من المجاملة، خاصةً من شخص شغل حيزًا واسعًا من أفكاره مؤخرًا.


"طب ما تخليك في الأُوريجينال وبلاش الهاي-كوبي"
7

نبس أيان بكلماتٍ خافتة وهو يعبث بخصلات شعره بخفةٍ أقرب إلى اللامبالاة، لكنه لم يكن عابرًا كما يبدو،كانت يداه تتظاهر بالعشوائية، فيما ذهنه يشتعل بألف فكرة وفكرة.


ثم، وبخفة مدهشة، ارتسمت على وجهه ابتسامة بريئة تمامًا، نظيفة من كل إيحاء، كأن شيئًا لم يُقال، وكأن شيئًا لم يُقصَد.
1

استدار أيان وسار مبتعدًا بخطى غير مستعجلة، متقنة الصمت، تاركًا خلفه الهواء مشبعًا بوقع ما حدث، وما لم يُقال.
1

أما مروان، فظل في مكانه، جامد النظرات، يتلقف أثر الخطوة والكلمة والابتسامة.
1

الغريب أن أيان لم يرتبك كما توقع، بل ردّ عليه بنفس الطاقة المواربة، بنفس العبث المُغلف بابتسامة، فبدا وكأن بينهما اتفاقًا صامتًا على ألاّ يأخذ أي منهما الأمور على محمل البراءة تمامًا..
ولا على محمل الجد الكامل.
1

-


"آهه كماان "
1

همست الفتاة بتأوّهٍ ناعمٍ للغاية، وقد أحسّت بـقضيبه يصطدم بأماكن لذّتها الخفيّة، فخرج أنينها شهوانيًّا إلى أقصى حدّ.
1

تنهد بعمق وهو يمدّ كفّيه ليعتصر ثديها بقوّة جعلتها تصرخ بلذّةٍ عالية، فيما تأوّه هو بحرارة إذ أفرغ سائل رجولته بالكامل.
1

أخرج قضيبة من مهبلها الساخن ليخرج أنيناً خافتاً منها وهو يُزيح عنه الواقي الذكري ويُلقي به في سلة المُهملاتِ بجوار السرير.


"من زمان منمتش مع راجل "


ضحك ماجد بارتياحٍ خافت وهو يُشعل سيجارته، سحب أول نفسٍ منها ببطء، وعيناه تراقبان الدخان وهو يتسلل للهواء.
4



ثم مدّ السيجارة نحو فريدة، التي التقطتها منه بإبتسامة خفيفة،فيما كان ماجد يُشعل سيجارة ثانيةً لنفسه.
1

"مش إنتِ أصلاً لزبيان ولا غيرتي النشاط ؟"


"كل فترة بجدد كدا عشان مازهقش "
6

ضحكت فريدة ضحكة ناعسة،بينما كانت تسحب نَفَسًا هادئًا من سيجارتها، ثم تُنفثه ببطءٍ في الأرجاء، فتتماوج خيوط الدخان في الهواء.


ببنما ماجد مستلقيًا على ظهره، نصف عينيه مغمضتان، ونصف ابتسامة ساكنة تلوّن وجهه، والسيجارة بين أصابعه تتوهّج بنور خافت كلما استنشق منها.


بدا مسترخيًا حتى النخاع، كأن جسده مفرغ من التوتر، وكأن كل شيء آخر - كلّ شيء خارج هذه اللحظة لا يستحق الذكر.


"ناوي تعمل إيه بعد التخرج ؟"


"و**** الحج عايز يحدفني علي السعودية؛ مستثمر في كام شركة لتصنيع السيارات وحاجات بنتأحبه كدا"
1

"MONEY TALKS!"
1

قهقهت فريدة بخفة وهي تُغني ذاك المقطع الشهير ارتفع صوتها قليلًا وهي تلوّح بيدها في الهواء، تحاكي رقص المال المتطاير.


والآخـر فقط مال بجسده قليلًا ونفث سحابة من الدخان في وجهها، متعمدًا ،لِـتُلَوح بيدها نيةّ تبديد تلك السُحب الضبابية.


"البت ياعيني من عزبة أبو كلبه ومش لاقيه تطفح"
1

سخر ماجد بنبرة تنضح بالفتور،إذ أنَ جميع من فيّ تلك الجامعة..أبناء الطبقة المخملية التي لا تعرف
شظف العيش ولا مرارة الحاجة. ينتمون جميعًا إلى ذات السلالة الخفية التي توارثت الامتيازات كما تُورّث المجوهرات والعقارات.


"عارف بجد ياميجو إيه اللِ بيضايقني في ولاد الوسخة دول ؟"


"إشجيني"


"إنهم مش مستوعبين الرفاهية اللِ هما فيها ،يعني واحده تقولك أنا زعلانه من بابي أوي إني معملتش الشوبينج بتاعي في باريس ولا التاني اللِ بيقعد يعدلك عندهُ كام يخت في مُوناكو..الفكرة إن بقىَ فيه فجوة طبقية قذره"
2

همهم ماجد بصوتٍ خفيض، وهو ينفث سحابة دخان رمادية استقرت أمام وجهه لثوانٍ، ثم اعتدل في جلسته ببطء


"الفِكرة إن فيه ناس فاتحة بيوت بألفين وتلاته"
3

"لأ يا ماجد الفكرة في الرضا ذات نفسهُ،اللِ هو بص تحتك يابن الهبله هتلاقي ناس متكحرته وطالع عين أبوها عشان يوفروا القِرش"




ارتفعت نبرة صوت فريدة بانفعالٍ واضح، وهي تضع الغطاء الأبيض على جسدها العاري.


"خلينا واقعيين.أصل إنتِ مش هتروحي تقولي لواحد بيفطر كاڤيار حس بالغلابه ،ماهيقولك كسمك علي كسم الغلابه "
3

همهمت فريدة بصوتٍ خفيض، أشبه بِتنهيدةٍ متواطئة، وهي تُزاحم المسافة بين جسدها العاري وبين ماجد، أسندت رأسها إلى كتفهِ.


"الناس مِفكرة إن كل واحد عنده فرصه إنه يتطور
ويبني طموحهُ وأحلامه بس المُرعب إن فيه ناس معندهاش رفاهية إنها تتعب أو تزعل أصلاً مش إنهُ يحقق أحلامهُ! أصل لو زِعل وإكتئبلهُ يومين مين يشتغل ويعمل مكانهُ ؟الأفكار دي بتجيلي علطول وبحس لأ ،الواقع يا جماعة مرعب "
3

رفع ماجد يده في حذر مُتأنٍ، وأمال السيجارة في انحناءة بطيئة، ينفض رمادها في المنفضة الموضوعة على الطاولة القريبة، دون أن يُزعج ذلك التلاصق الهادئ بينهما.


"بس حلوه الدماغ الفلسفية دي بعد السكس"
2

"مبهزرش.بتكلم بجد و****"


"يـستي **** يعين كُل حيٌ علي حالهُ"


"علىَ رأيك"


"شوف جابت ورا إزاي"


ضحكت فريدة ضحكة ناعسة، مُترنّحة كأنها جاءت من آخر التعب، ثم رفعت خُصَل شعرها الطويل إلى أعلى بكسلٍ قبل أن تنزلق برأسها إلىَ صدر ماجد العاري.


كان صدرهُ صلبًا ومُريحًا في آنٍ واحد.


تحرّكت يد ماجد ببطءٍ بالغ، يمرر أصابعه بين خصلات شعرها،و مع كل لمسة من يده، كانت أنفاسها تخفت، تنتظم، وتتهادى في نعاسٍ عميقٍ.
4

-


كان حُذيفة جاثيًا فوق عُشب الحديقة الجامعية، وقد انفرشت حولهُ كُتبهُ كأنها أطلالٌ منسية لمعركةٍ ذهنيةٍ طاحنة، تترامى بين دفّتيها نصوصٌ صلدة، ومفاهيم مواربة، وألفاظٌ كأنها من سِفرٍ غابر.


إلى جانبه، ارتكنَ كأسٌ زجاجي، قد خضّبتهُ قطراتُ ندىٍ باردة، يطفو على سطحه ليمونٌ مصفّى،و شعاع الشمس قد تسلّل بخفرٍ من بين الأغصان، لينسكب على كتفهِ دافئٌ دون لذع.


كان الغموض يتربّص بعينيه، وهو يُحدّق في أسطرٍ شاحبة، يُقلّب الصفحات بنَهَمٍ يائس، كأنّه يُفتّش عن بصيصِ فهمٍ وسط كثافةِ الضباب. تتكاثر الأسئلة في رأسه كالعصافير، تتناقر وتتداخل، ولا تهدأ.


"الربح الصافي 400,000 "
5

انبثق صوتٌ آسـر رخيمٌ، مائلٌ إلى الخفوت، وقد إقترب بجسده على نحوٍ مائلٍ يتصفّح دفتر حذيفة بعينين فضولية.




لم يكن حذيفة قد توقّع وجود أحد خلفه، فجاءهُ الحضور فجائيًّا،فارتجف قلبه للحظة، وانعكس الفزع على ملامحه قبل أن يستدرك.


"إيه اللِ حصل لـ هاي؟عامل إيه؟إيه الأخبار؟"
1

"الحق عليا شوفتك غبي مش فاهم حاجه"
2

رفع حذيفة حاجبيه في إيماءةٍ بطيئة،وامتدّت يده نحو الكوب الزجاجي، فقبض عليه بأصابعٍ متراخية، ورفعَه إلى شفتيه، يجرع من عصير الليمون رشفةً باردة انزلقت في حلقه كخيطٍ من نهارٍ صيفيٍّ هادئ.


في تلك اللحظة، تقدّم آسر بخطًى متّزنة حتى بلغ
جوار حذيفة ثم تمجلس بهدوء.


كان الهواء ساكناً إلا من خفق أوراق الأشجار، والشمس تتسلّل عبر الفروع لتطبع على ملامحهما ومضاتٍ متقطّعة، كأن المشهد لوحةٌ يتعمّد الرسّام أن يترك فيها بعض الظلال بلا تفسير.
1

"بُص كدا.أنا برضو مش فاهم الربح جه 400 منين"
مال حذيفة برأسه قليلًا، وصوته خرج كنسمةٍ متردّدة، يخالطها خجلٌ خفيّ.


لأنهُ ببساطة يسأل آسر عن تَخصصهُ هوَ في الأعمال والأموال والمُفارقة أن آسـر يدرس علم النفس ،ألا أنهُ إقترب بنبرةِ هادئه مُمسكاً الدفتر الخاص بـحُذيفة.


"إنتَ طلعت الربح بكام ؟"


"متضحكش عليا"


"طلعتهُ بالسالب ولا إيه ؟"


"لأ.مليون "
3

كبح آسر ابتسامةً كانت تتوثب على شفتيه، ومال بجسده قليلًا نحو حذيفة،رفع يده بإيماءةٍ مقتصدة، وأشار بأصبعه إلى أعلى صفحة الدفتر حيث الرقم المدوَّن بوضوح، كانت تلك القيمة تمثّل التكلفة التي يدور حولها الجدال الصامت بينهما.
1

"المفروض تِطرح المليون من التكلفة دي الأول وبـكدا هيطلعلك الربح الصافي بتاعك اللِ هو كام ياحذيفة ؟"
1

"ثواني يعني هنطرح مليون من 600,000 هيلطعلنا 400,000 ودا الربح الأصلي بتاعنا ؟"
2

"بالظبط"


"ماتيجي تذاكرلي علطـول"


"لو جيت مش هنذاكـر"
5

أدار حذيفة عينيه ببطء، من التعليق المراوغ الذي انساب من شفتي آسر، مُثقَّلًا بإيحاءٍ خفي لا يخطئه السمع.


كان يعلم أن الكلمات جاءت عمدًا بتلك النبرة الملتوية، لتُربكه أكثر مما تُفسّر.


"طب قُوم شوف إنت رايح فين يالا **** يسهلك "


"متزُقش يعم"




تسلّلت إلى محيّا آسر ابتسامة ذات مغزى، لا ضحكة عابرة ولا إيماءة مصطنعة، بل بريق دفين يشي بنيّة مُختبئة بين طيّات الصمت.


"تيجي معايا مكان علىَ ٩ بليل ؟"


"هو إيه أصلهُ دا ؟"


"تِيجـي ؟"
أطال آسر في مدّ نبرته، بينما كانت أنامله تعبث بالعشب أمامهُ.


ارتفعت عيناه لحظةً يترقّب الجواب، فوافاه من حذيفة نفيٌ مقتضب، هادئ النبرة "تؤ مش عايـز"
2

"إشطا.هجيلك علىَ ٨ إلا عشره"
2

رمقه حذيفة بنظرة يختلط فيها العجب بالابتسام، كأنّ الضحكة التي ارتسمت على شفتيه خرجت بلا استدعاء كـمحاولة استيعاب مغزى ما قاله آسر.


لكن الآخـر مدّ يده ببطء إلى جيب سترته، فأخرج علبة مصقولة الحواف، أنيقة المظهر، تحاكي في شكلها عُلب السجائر الفاخرة، غير أنّ جوفها كان يحتضن شرائط مطاطية الطعم- عِلكة، تتدرّج نكهاتها كما تتدرّج ألوان الغسق على صفحة الأفق.


اقتنى تلك العلبة على غير عادته، لا انجذابًا إلى حلاوة مذاقها، بل إذعانًا لذكرى بصرية لا تخطئها عيناه؛ فقد اعتاد أن يرى حقيبة حذيفة لا تخلو من مثلها.
3

"إِمسك"


ألقى آسر بالعلبة في حضن حذيفة إلقاءً عفويًّا، غير أن الآخر انطلقت منهُ ضحكة عالية صافية، ضحكة من يعرف تمام المعرفة أنّ ما بين يديه ليس شيئًا عابرًا؛ فذلك النوع من العلكة نادر الوجود، باهظ الثمن، يكاد لا يقع عليه إلا بمحض الصدفة.


قبض على العلبة كأنّها كنز صغير، وفضّ غلافها بإيقاعٍ هادئ.


والمُفاجأةً..
أن كل قطعةٍ منها قد زُيِّنت بخطّ يدوي يحمل اسم أغنية ما.
3

إذ جمع آسـر في هدية واحدة بين متعة حذيفة المُحببة في مضغ العلكة، وولعه الغائر بسماع الموسيقى..


كانت كل قطعة أشبه بجرعة صغيرة من البهجة، مغلّفة بطعم السكر، ومُوشّحة بنبض اللحن، كأنها رسائل فرحٍ تُودَع في فم القلب قبل الفم ذاته.


"زوقك زي الخرا ،مفيش حد بيجيب لحد لبان"
3

انفرجت أسارير حذيفة بضحكة عالية عكس كلماتهِ
وقد التقط أولى قُطع العلكة، متوشحةً بألوان البطيخ القاني، تتلألأ حروف اسم الأغنية
- Sing It Back -
2

فوق غلافها كوشمٍ سريّ ،أدارها بين أنامله برهةً، ثم أخرج هاتفه على عَجَل، وبحماسةٍ دافقة أخذ يُفتّش عن اللحن بين تضاعيف الشبكة، حتى أسعفه الضوء الأزرق بشهقة المقطع الأول.


حيثُ تدفقت الأنغام، مُترفّةً، تتسلل في الهواء كما يتسلل عبير الياسمين في قلب الليل.


وبينما هو غارق في الإصغاء، كان آسر يُحدّق فيه بعينين تُشعّان بوميضٍ وديع، وعلى فمه ابتسامة حمقاء الملامح، لكنها مُثقلة برضا صامت، كمن يكتفي بأن يرى صنيعه.


When you are ready
I will surrender
Take me and do as you wish



تسللت الكلمات الأولى إلى الهواء كنسمة دافئة محمَّلة بإيحاءٍ غامض، تتغلغل في المسافة الضيّقة بينهما ببطءٍ مُغوٍ.
1

كان أحدهما غارقًا في استسلامٍ طوعيّ، أشبه ببابٍ فُتح عن آخره دون مقاومة، والآخر واقف على العتبة، متهيّئًا لخطوةٍ تحمل في طيّاتها الأخذ والتشكيل والفعل على هواه.


تراقص المعنى بين الحروف والأنفاس، وكأن الموسيقى لم تعد مجرّد خلفيّة، بل صارت مرآةً لما يختلج في صدريهما؛ وعدٌ بالاستسلام، وإغراءٌ بالسيطرة، وكلاهما في حالة انتظار متأهّب لما سيحدث حين تنكسر لحظة الترقّب تلك.
1

-
 

༒سليم༒

😎صانع السعاده😎
العضو الملكي
ميلفاوي صاروخ نشر
برنس الأفلام
ميلفاوي VIP
مستر ميلفاوي
ميلفاوي أكسلانس
ميلفاوي واكل الجو
ميلفاوي كاريزما
عضو
ناشر أفلام
صقر العام
ميلفاوي حريف سكس
ميلفاوي كوميدي
شاعر ميلفات
ميلفاوي سينماوي
ميلفاوي نشيط
ناشر محتوي
نجم ميلفات
ميلفاوي علي قديمو
ميلفاوي ساحر
ميلفاوي متفاعل
ميلفاوي فنان
الذئب الأسود
إنضم
15 ديسمبر 2023
المشاركات
5,583
مستوى التفاعل
1,471
نقاط
37,113
ميلفاوي أكسلانس
ميلفاوي كاريزما
العضو الملكي
ميلفاوي صاروخ نشر
النوع
ذكر
الميول
طبيعي
تسلم ايدك مشاركه روعه
 

المستخدمون الذين يشاهدون هذا الموضوع

أعلى أسفل