• سجل عضوية للتمتع بالمنتدى واكتساب مميزات حصريه منها عدم ظهور الإعلانات

متسلسلة ظل العائلة _ حتى الجزء الثاني 24/1/2026 (2 عدد المشاهدين)

ابو دومة

ميلفاوي أبلودر
عضو
ناشر قصص
إنضم
11 يوليو 2024
المشاركات
633
مستوى التفاعل
505
نقاط
1,264
النوع
ذكر
الميول
طبيعي
رواية: ظلّ العائلة

الفصل الأول: الهدوء الذي يسبق المدينة

كان الحيّ ينام بعينٍ واحدة.
لا ينام حقًا، بل يخفّف ضجيجه مثل وحشٍ تعوّد أن يترك باب القفص مواربًا، حتى لا ينسى الناس أنه موجود.

في تلك الليلة كانت الأنوار الصفراء تتدلّى من أعمدة قديمة، والهواء يجرّ خلفه رائحة شايٍ مغليّ ودخانٍ ثقيل، وأصوات بعيدة تتلاقى وتبتعد: ضحكة في زاوية، شتيمة مكتومة، صوت موتور توك توك يشقّ سكونًا متقطّعًا. أما الشارع الرئيسي فكان يبدّل ملامحه كل دقيقة: نفس المحلات، لكن الوجوه تتغيّر؛ نفس الأرصفة، لكن الخطوات لها إيقاعٌ مختلف عندما تمرّ بجانب رجالٍ يعرفون أن القانون هنا ليس ورقًا يُختَم، بل رجالًا يُحسَب لهم ألف حساب.

كانوا يسمّونها منطقة “الركن”… ليس لأنّها طرف المدينة، بل لأنّها ركن في القلب: إذا انهار، سقطت البقية.
وكان للركن أهلٌ لا يحتاجون أن يرفعوا صوتهم كي يتقدّم الجميع خطوة إلى الوراء.

العائلة التي حكمت الركن لم تحمل اسمها على اللافتات ولا على المكاتب الحكومية، لكنّها كانت مذكورة على الألسنة بطريقةٍ واحدة: هم “بيت السِتر”.
لقبٌ لم يأتِ من صدفة. عندما تغضب الأحياء يُخفونها، وعندما تتصارع البيوت يُصلحونها، وعندما تضيع الحقوق يُعيدونها… بثمن، أو من غير ثمن—بحسب من أنت، وبحسب مقدار الخوف الذي في عينك.

في ظاهر الأمر، كان “بيت السِتر” مجرد عائلة أعمالٍ محترمة. مكاتبهم في المدينة أنيقة، أوراقهم منظمة، مشاريعهم تُعلَّق صورها على الجدران: عمارات، طرق، مخازن، سلاسل توريد. وفي باطن الأمر كانوا يملكون شيئًا أكبر من المال: كانوا يملكون الإيقاع الذي تمشي عليه المنطقة. لا أحد يفتح محلّه قبل أن يتأكد أن الركن “هادئ”. لا أحد يقرر حربًا قبل أن يعرف إن كانت العائلة ستسمح أو تمنع. حتى الخلافات الصغيرة كانت تنتهي عندهم، لأن نهاية الخلاف عند بيت السِتر ليست مجرد صلح؛ بل إعادة ترتيب للمكانة والهيبة، مثلما يُعاد ترتيب الأثاث بعد عاصفة.

وكان على رأس بيت السِتر رجلٌ يكره الضجيج… لكنه يصنع الصمت الذي يخيف.
الحاج سليم الستراوي—هكذا يسمّيه الناس.
كان يجلس وكأنه يعرف أن الكرسي لا يرفع الرجل، بل الرجل هو الذي يرفع الكرسي. عيناه لا تتعجلان، وصوته لا يصعد إلا نادرًا. وفي كل مرةٍ يرفع فيها حاجبه كان الحيّ يتنفس بحذر، كأنّ أحدًا فتح نافذة على نارٍ مخبأة في الحائط.

لم يكن وحده، بالطبع.
لكل بيتٍ كبير أبناء، ولكل أبناء رغبات لا تتفق عادةً على طريقٍ واحد.

فارس… الابن الأكبر.
فارس كان سكينًا: حادًا، سريع الغضب، يحب أن يرى الأمور مباشرة، ويرى نفسه ظلًا لوالده لكن بقبضة أقوى. كان يعتقد أن الهيبة تُصنع بالضربة الأولى، وأن الخوف يسبق الاحترام. صوته يسبق خطواته، وحين يدخل غرفةً يملأها كأنه لا يؤمن بفكرة “المساحة للآخرين”. هو رجلُ المواجهات، وسيد القرارات العاجلة، ومحبّ النهايات السريعة—حتى إن كانت نهايات خاطئة.

مروان… الابن الأوسط.
مروان لم يكن ضعيفًا، لكنه كان إنسانًا. وهذه وحدها كانت مشكلة في بيتٍ يُدار بمنطق الحديد. يرى الوجوه قبل الأرقام، ويسمع القلوب قبل الأصوات. يعرف أن كثيرًا مما تفعله العائلة ضروريٌ كي لا ينفلت الحيّ، لكنه لا يحب أن ينام وهو يشعر أن أحدًا داس على رقبة آخر. مروان يختنق من الداخل بصمت، ويبتسم من الخارج كي لا ينفجر كل شيء. كان عادلًا أكثر مما ينبغي في مكانٍ لا يربح فيه العدل وحده.

زياد… الأصغر.
زياد كان نارًا في ثوبٍ جديد. يكره أن يُؤمر، ويكره أن يُقارن، ويكره أن يُقال له “اصبر”. يريد أن يثبت نفسه بسرعة، وأن ينتقم من ظل فارس الطويل ومن مكانة مروان “الطيبة”. يعشق المخاطرة لأن المخاطرة تُشبهه: لا تقف في مكانٍ واحد. وفي كل مرةٍ يُحاول أن يلمع يحترق قليلًا… لكنه يضحك. كأنه يخاف من الاعتراف أن داخله هشّ.

ثم كان هناك آدم.
الاسم وحده لا يشي بشيء، لكنه يشي بكل شيء عندما يلتصق به الهدوء.

آدم لم يكن من النوع الذي يشتبك في الكلام. لم يكن يسعى إلى نظرة إعجاب، ولا يطلب تصفيقًا. كان يشبه بابًا مغلقًا بإحكام: لا تعرف ما وراءه، ولا تعرف حتى إن كان هناك شيء وراءه… وهذا ما يجعل الناس تتخيل الكثير.
أكثر ما يزعج البشر في آدم أنه يجعلهم يشعرون أنهم يتكلمون كثيرًا.
وأكثر ما يخيفهم أنه عندما يتكلم، لا يقول إلا ما يجب.

كان آدم قويًا؛ لكن ليس بالطريقة التي تتباهى بها الأفلام. قوته أشبه بسلكٍ مخفي داخل جدار: لا تراه، لكنك تعرف أنه يمسك البناء. جسده يتحرك كأنه تعلّم أن يوفّر طاقته للموقف الصحيح. لا يتأخر في الدفاع عن نفسه، لكنه لا يبحث عن معركة كي يثبت شيئًا. الفنون القتالية عنده ليست هواية، بل “ضرورة احتياطية”، مثل سلاحٍ لا يُخرَج إلا إذا كانت كل الأبواب مغلقة.

أما عقله… فكان سلاحه الحقيقي.
كان يحلل المواقف كما يحلل الجراح جرحًا: يبحث عن السبب لا عن الألم. يراقب التفاصيل الصغيرة التي يمر عليها الآخرون: ترتيب الجمل، توقيت اتصالٍ هاتفي، شخصٌ وقف عند الباب أكثر مما ينبغي، سيارةٌ زجاجها غامق في شارعٍ يعرف فيه الناس بعضهم من صوت الأقدام. كان يرى الخيوط قبل أن تتحول إلى عقدة، ويرى العقدة قبل أن تتحول إلى كارثة.
وفي داخله كانت هناك “خريطة” لا يراها أحد: خريطة للركن والمدينة وما حولهما. من يحكم من؟ من يخاف من؟ من يحتاج لمن؟ من يبيع؟ من يشتري؟ من يتظاهر بالولاء كي يطعن؟
آدم يعرف… ويصمت.

كل هذا لم يكن واضحًا للناس. لأن آدم تعمّد ألا يكون واضحًا.
في البيت كان قليل الكلام. في الشركة كان حاضرًا بلا ضجيج. وفي العائلة كان وجوده يُشبه “الشيء الذي لا يراه أحد لكن الجميع يحسب حسابه دون أن يعترف”.

حتى بين إخوته لم يكن أحد يعرفه حقًا. فارس كان يراه باردًا أكثر من اللازم، ويكره فيه أن الهدوء لا يُهزم بسهولة. مروان كان يثق فيه، لكنه يحس أحيانًا أن آدم يحمل في صدره غرفة مغلقة لا يدخلها أحد. زياد كان يغار منه؛ ليس لأن آدم يأخذ اهتمام الأب، بل لأن آدم لا يطلب اهتمامًا أصلًا—وهذا وحده يجعله خطرًا.

في صباح اليوم التالي، لم تبدأ الأزمة من داخل البيت ولا من الشركة، بل من السوق.
السوق في الركن ليس مكانًا للبيع فقط، بل مرآة للنفوذ: إذا اهتزّ السوق اهتزّ كل شيء.
حدث شيء بسيط ظاهريًا: باب مخزن كبير انخلع، بعض البضاعة بعثرت، وترك أحدهم علامة سوداء على حائط جانبي كأنها توقيع.

علامةٌ صغيرة… لكنها قالت للحيّ كل شيء: “هناك لاعب جديد”.

وصل فارس إلى السوق كما يصل العاصفة إلى ساحة ضيقة. غضبه كان يسبق خطواته، وتهديداته تتطاير كشررٍ يصيب كل من يقف قريبًا. الناس تراجعت، ليس احترامًا… بل خوفًا من أن يصبحوا جزءًا من المشكلة.

مروان حاول أن يمسك طرف الحكاية من دون أن يقطع أصابع الناس، فكان يطمئن هنا ويهدئ هناك. زياد لم يطق الهدوء فتشاجر مع رجلٍ اتهمه بالتقصير، وكادت شتيمته تتحول إلى يدٍ مرفوعة لولا أن أحد رجال البيت جذب زياد للخلف.

أما آدم فلم يرفع صوته ولم يلوّح بيده.
كان ينظر.

وقف عند العلامة السوداء على الحائط. لم يلمسها أولًا. اقترب فقط. شمّ رائحة المادة. لاحظ أنها ليست طلاءً عاديًا. نوعٌ سريع الجفاف، يُستخدم عادةً في الكتابة السريعة على الأسطح المعدنية… كأنه توقيعٌ يريد صاحبه أن يتركه ويهرب في اللحظة نفسها.

ثم التفت آدم إلى الأرض.
وجد آثار حذاء جديد فوق ترابٍ قديم، وآثار عجلة سيارة لم تظل طويلًا، وبقايا ورق سجائر من نوعٍ لا يشتريه أهل الركن عادةً. هذه الأشياء لا تعني شيئًا لمن يصرخ… لكنها تعني كل شيء لمن يصمت.

اقترب من بائع شاي كان يقف على مسافة كأن المكان لا يخصه.

سأله آدم بهدوء عن الليلة الماضية: هل مرّت سيارة؟ هل وقف أحد؟ هل اشترى أحدٌ شايًا؟
البائع تردد، كأن الكلمات لها ثمن. ثم قال إن سيارة سوداء بزجاجٍ غامق توقفت قليلًا، وأن واحدًا فقط نزل منها، لم يطل، ولم ينظر حوله كثيرًا—وهذا في الحيّ دليل على أنه يعرف أنه لن يُعرَف.

آدم لم يسأل أكثر.
لم يقل: “إذًا هم غرباء.”
لم يقل: “إذًا نحن في حرب.”
هو فقط سكت، لأن الاستنتاجات داخله كانت قد اكتملت.

في المساء، عاد بيت السِتر إلى سفرة كبيرة، ومشهد عائلي يبدو طبيعيًا لمن ينظر من الخارج. لكن المائدة كانت مثل سطح بحيرة: هدوءٌ يخفي تحته تيارًا شديدًا.
الأب كان صامتًا أكثر من المعتاد. فارس يتحدث كأنه يطرد خوفه بالكلام. زياد يضحك ضحكة فيها شيء من التحدي. مروان يراقب الوجوه كمن يحاول أن يمنع الانفجار بكفّيه.

آدم كان يأكل قليلًا. عيناه لا تُسافر بعيدًا، لكنها تلتقط كل حركة: سكين على طبق، كوب ماء يرجف عندما يمر اسم “السوق”، نفسٌ طويل يخرج من صدر الأب حين يصمت الجميع فجأة.

ثم قال الأب جملة واحدة جعلت الهواء أثقل:
“الليلة… حد هييجي يطلب قعدة.”

لم يشرح. لم يقل من. لم يقل لماذا.
الجملة وحدها كانت كافية لتُفهم: من يطلب قعدة عند بيت السِتر لا يأتي ليشرب الشاي فقط. يأتي وهو يحمل في جيبه ورقة أو تهديدًا أو عرضًا يجعل الكبار يصمتون.

لم يعلّق آدم.
لكنه رفع عينه للحظة نحو الأب.
وفي تلك النظرة كان اتفاقٌ غير مكتوب: “أنا فاهم”.

وجاء الرجل.

اسمه نادر، أو هكذا قال.
لم يدخل القهوة كمن يدخل معركة، بل دخل كمن يعرف أن المكان سيُفرغ له مساحة حتى لو لم يطلب. كان هادئًا، مبتسمًا ابتسامة صغيرة لا تحمل ودًا بل تحمل ثقة. ثيابه بسيطة لكنها من نوعٍ لا ينتمي للركن. عيناه لا تتوهان في الوجوه؛ كأنه يختار من ينظر إليه بعناية.

جلس وقال مساء الخير للحاج سليم كما لو كان يعرفه منذ سنوات.
ثم قال إنه جاء “ليشرك” لا “ليأخذ”، لكن الشراكة لها نسبة.

كلمة “نسبة” في الركن ليست كلمة اقتصادية؛ إنها كلمة سُلطة.
فارس تحرك مثل حيوانٍ أُطلق من قفصه، لكن الأب أوقفه بإشارة واحدة.
مروان شعر أن الدم نزل من وجهه.
زياد ابتسم ابتسامةٍ ضيقة كمن يحب رؤية النار.

آدم ظل كما هو.
لم يتحرك، ولم يبتسم، ولم يضيق عينيه. لكنه كان يسمع نبرة الرجل أكثر مما يسمع الكلمات. نادر لم يأتِ ليبيع عرضًا؛ جاء ليختبر الهيبة.

ثم قال نادر إن شحنة الحديد الخاصة بمشاريع بيت السِتر لن تصل بعد ثلاثة أيام.

هذه ليست تهديدًا فقط.
هذا إعلانٌ بأن أحدًا يملك القدرة على تعطيل شريان المال… وفي بيت السِتر تعطيل المال يعني إعلان حرب.

هنا، تكلم آدم.
قال ببساطة: “الشحنة هتوصل.”

كلمة واحدة قلبت زاوية الجلسة.
لأنها لم تكن تحديًا صاخبًا، بل كانت يقينًا.
ونادر—الذي اعتاد أن يرى الرجال يرفعون أصواتهم—توقف عند هذا اليقين كما يتوقف شخصٌ أمام بابٍ لم يفتح له.

سأل نادر: “إزاي؟”
وآدم لم يشرح.
قال فقط إن من يقطع الطريق ليس هو من يملك المخزن. وإن نادر يتكلم كأنه يملك الاثنين.
كانت جملة قصيرة… لكنها أصابت نقطة في قلب الخطة.

لأول مرة اهتزّت ابتسامة نادر.
ليس اهتزازًا كبيرًا، لا يراه إلا من يعرف قراءة الوجوه.
والغريب أن آدم رآه، والأب رآه أيضًا.

نهض نادر وقال: “بعد ثلاثة أيام… نشوف.”
ثم خرج.

خرجت القعدة من القهوة لكن القهوة لم تعُد كما كانت.
في الركن، الكلمة لا تموت عند باب القهوة، بل تمشي في الشوارع بسرعة الدخان.

وفي الطريق إلى البيت اشتعل فارس كما يشتعل البنزين: يريد أن ينهي الأمر الليلة.
مروان خاف من الحرب.
زياد أراد أن يثبت نفسه بأي طريقة.
أما آدم فقال شيئًا بدا بسيطًا لكنه كان خطًا فاصلاً:
“لو ضربناه دلوقتي… يبقى لعبنا لعبته.”

فارس نظر إليه بعينين تقولان: “ومن أنت لتُعلمني؟”
آدم لم يرد بعنف. قال فقط إنه ليس أذكى… بل “مش مستعجل”.

كانت هذه العبارة… واحدة من أخطر ما يمكن أن تسمعه في لعبة كبيرة.
لأن المستعجل يموت بسرعة.
والذي لا يستعجل… يعيش طويلًا، ويختار متى يقتل اللعبة كلها.

في ساعة متأخرة، خرج آدم وحده.
لم يقل أين يذهب.
لم يسأل أحد.
وهذا كان جزءًا من الغموض الذي صنعه: أن وجوده لا يفسَّر، وغيابه لا يُسأل عنه.

وصل إلى بابٍ حديدي في مكانٍ مهجور. لم يكن المكان مخيفًا من الخارج. بل كان عاديًا جدًا… وهذا ما يجعله مثاليًا.
فتح أكثر من قفل كما لو كان يدخل إلى طبقةٍ جديدة من نفسه.

في الداخل كانت غرفة ليست فخمة ولا مزينة. لكنها مرتبة بطريقةٍ دقيقة كأن كل شيء فيها محسوب بالملليمتر.
خريطة كبيرة للركن معلّقة على الجدار، وعلى الخريطة دبابيس صغيرة وأوراق مقصوصة وأسماء مكتوبة بخطٍ ثابت.
ملفاتٌ داخل أدراج مقفولة.
دفتر أسود موضوع على المكتب، كأنه قلبٌ مكتوب.

فتح آدم الدفتر على صفحةٍ تحمل اسم “نادر”.
الغريب أن الصفحة لم تكن جديدة. كانت هناك ملاحظات قديمة، وبعض السطور ممزقة أو مشطوبة، كأن آدم كان يعرف أن هذا الاسم سيأتي يومًا… لكنه كان يؤجل لحظة التقاطع.

أخرج من درجٍ مغلق صورة لنادر.
الصورة ليست واضحة كصور الصحافة؛ هي لقطة أقرب إلى صور المراقبة، أو صورة التقطت بعيدًا.
يعني أن آدم لم يلتقطها في القهوة… بل كانت عنده قبل اللقاء.

ثبت الصورة، ثم كتب سطرًا واحدًا:
“الهدف الحقيقي: كسر صورة الحاج سليم قدام الركن.”

ثم رفع سماعة هاتفٍ قديم—خطٍ لا يظهر على أي فاتورة.
قال بهدوء لا يحمل استعجالًا:
“عايز أعرف… نادر خرج منين… ومين اللي وراه.
وبلاش أي حركة تتربط بيا.”

جاءه الرد من طرفٍ غير واضح، صوتٌ لا يحمل دهشة، كأن هذا النوع من الطلبات طبيعي: “حاضر.”

أغلق آدم الهاتف، نظر إلى الخريطة طويلًا، ثم وضع دبوسًا جديدًا في منطقة صغيرة على طرف الركن، وألصق بجانبه ورقة مكتوب عليها كلمة واحدة:
“البداية.”

في الصباح التالي بدأت الضربة الأولى.
شاحنة صغيرة تابعة لمشاريع بيت السِتر خرجت في طريقها كالمعتاد، يرافقها رجال فارس. كانت الأمور تبدو طبيعية، لكن عين آدم—حتى وهو بعيد—كانت تشعر أن هناك خللًا في الهواء.

على سطحٍ بعيد، كان هناك من يراقب.
رجالٌ يختبئون في الظلال كما يختبئ الذئب خلف شجرة.
جهاز لاسلكي يهمس: “استنوا الإشارة.”

وفي لحظة… أُغلق الطريق.

لم يكن إغلاقًا رسميًا ولا كمينًا حكوميًا.
كان إغلاقًا “بأسلوب الحي”: عربيات توقفت بطريقةٍ مدروسة، رجال ظهروا من زوايا لم يكن أحد يلتفت لها، وجوه جديدة تحمل نفس النظرة: نظرة من يعتقد أنه جاء ليأخذ مكان أحد آخر.

صرخ فارس في اللاسلكي: “مين دول؟!”
كأن السؤال وحده سيُرجع الهيبة.

وفي نفس اللحظة، كان آدم في مكانه السري، يفتح درجًا آخر.
داخل الدرج ملفٌ مكتوب عليه بخطٍ واحد:
“الطريق البديل — جاهز.”

قرأ العنوان كمن يتأكد أن الخطة ما زالت في مكانها الصحيح.
ثم رفع رأسه، وعيناه هادئتان إلى حدٍّ يزعج.

لم يقل: “سننتصر.”
لم يقل: “أنا أعرف.”
قال في نفسه—كأنها حقيقة لا تحتاج إعلانًا:
“مش هتتاخد مني.”

وعندما انطفأت الصورة على الطريق المغلق، لم يكن هذا نهاية المشهد…
كان بداية لعبة طويلة، لعبة تُدار فيها الحروب بقدر ما تُدار فيها الأسرار.
والأخطر من الحرب… هو أن يكون هناك شخصٌ واحد في قلبها، يمسك الخيوط كلها… ولا يعرف أحدٌ كيف بدأ.

نهاية الفصل الأول.


الفصل الثاني​


لم يكن الطريق المقفول مجرّد حادثة في صباحٍ رمادي. كان سطرًا غليظًا في دفتر الركن، سطرًا يُكتب بالحبر الأسود: “اللي يقدر يوقف رزقك قدّام الناس… يقدر يكسرك.”
وفي الركن، الكسر لا يبدأ من العظم. يبدأ من الصورة.


خرجت شاحنة الحديد من مخزن بيت السِّتر قبل أن يصحو الحي بالكامل. الهواء كان باردًا خفيفًا كأنه لم يقرر بعد إن كان سيصير نهارًا أو سيبقى ليلًا. القهوة الكبيرة في أول الشارع لم تُفتح بعد، لكن رائحة القهوة كانت موجودة على أي حال؛ رائحة قديمة تسكن الحجر. على الرصيف رجل عجوز يكنس أمام محله وهو يرفع رأسه كل دقيقة كأنه يعدّ الشاحنات، أو يعدّ الهزائم.


كانت الشاحنة تحمل أكثر من الحديد. كانت تحمل موعدًا.
والموعد عند الحاج سليم الستراوي ليس تفصيلًا، بل عقيدة.


على مسافة خلف الشاحنة، سيارة مرافقة فيها أربعة من رجال فارس. الرجال لا يثرثرون. الكلام عندهم عادةً يأتي بعد الفعل. واحد منهم يدخن بصمت ويطقطق على ولاعة قديمة، الثاني يراقب المرايا أكثر مما يراقب الطريق، الثالث يضغط على سبابته كأنه يتأكد أن أعصابه ما زالت في مكانها، والرابع—الأصغر—كان يبتلع ريقه كل مرة يسمع كلمة “نادر”.


في البيت، فارس لم ينام.
كان يتقلّب في سريره كأنه يبحث عن معركة ينام داخلها. في عينه شيء يشبه الإهانة، لأن نادر قال جملة واحدة في القهوة وتركها تهزّ الركن: “بعد ثلاثة أيام… الشحنة مش هتوصل.”
فارس لا يحب التنبؤات. يحب الأوامر.
والتنبؤ الذي يخرج من فم رجل غريب يشبه إعلانًا بأن فارس ليس سيد اللعبة.


مروان كان في الممر، يسند كتفه للحائط، يسمع أنفاس البيت الثقيلة. لم يكن يخاف من الرجال في الشارع بقدر ما يخاف من الرجال في الداخل. فارس إذا تحرّك بعنف، سيتحوّل بيت السِّتر من “بيت السِّتر” إلى “بيت النار”، والناس في الركن ستقف بعيدًا حتى لو كانت تحبهم، لأن الناس تحب من يحميها لا من يحرقها.


أما زياد فكان يجلس في الصالة يضحك ضحكة قصيرة كلما رأى فارس يمشي ذهابًا وإيابًا. كان يضحك كي يغطي توتره، ويستفز كي لا يعترف بخوفه. في داخل زياد رغبة لاهثة: لو اشتعلت الحرب، قد يجد فرصة ليظهر… أو ليختفي للأبد.


وآدم… لم يكن في المشهد كله.
على الأقل هذا ما بدا.


في مكتب الشركة، كان آدم يقف قرب النافذة، يطالع المدينة كما لو كانت صفحة في كتاب. ليس في نظرته قلق على الحديد نفسه، بل قلق على المعنى. الشحنة ليست مجرد شحنة. الشحنة اختبار لهيبة بيت السِّتر، واختبار لاندفاع فارس، واختبار لصمت آدم.


أحيانًا، كان آدم يشعر أن المدينة تكلّمه بلغة لا يسمعها غيره.
المدينة تقول: “في عين بتراقب.”
والعين عند آدم تُشبه رائحة دخان في غرفة مغلقة: لا تراها، لكنك تعرف أنها موجودة.


في الطريق، عند المنعطف المعروف باسم “لسعة”، حدثت الحركة التي تُشبه حركة المسرح عندما ينزل الستار فجأة: سيارتان توقفتا، واحدة عرضية تسدّ المسار، والأخرى طولية كأنها تكتب “لا” على الإسفلت.
لا لوحات شرطة. لا سترة فسفورية.
فقط رجال خرجوا من زوايا ضيقة كأن الشارع نفسه أنجبهم.


الرجال لم يكونوا كثرةً فقط، بل كانوا موزعين بتخطيط: اثنان عند طرف المنعطف، اثنان خلف السيارة العرضية، ثلاثة يقفون بعيدًا كأنهم متفرجون، وواحد يقف في منتصف الطريق وحده، كأنه “المتحدث الرسمي” للكمين.


صرخ رجل فارس في اللاسلكي:
“الطريق مقفول! في ناس كتير! مش تبعنا!”


وصل الصوت إلى البيت مثل حجر.
فارس قفز كأنه كان ينتظر إشارة البدء. لبس جاكيت بسرعة لا تليق بمظهر الوريث، وخرج. مروان لحقه يحاول أن يمسكه بالكلمة قبل أن يمسكه الشارع بالعنف.


“فارس… اسمعني… هو عايزك تطلع.”
قالها مروان بلهجة رجل يحاول أن يمنع حادثة قبل أن تقع.


فارس لم يلتفت.
“عايزني أطلع؟ يبقى هطلع… وأدوس عليه.”
كان يتكلم كأن الحرب ستُنهي كل شيء في دقيقة. لم يفهم أن نادر لا يريد دقيقة. نادر يريد زمنًا.


في هذه اللحظة خرج الحاج سليم من غرفته.
خطواته بطيئة، لكنها تشبه وقع المطرقة على خشب قديم.
نظر إلى فارس، ولم يقل: “اقعد”. لم يقل: “متخرجش”.
قال فقط اسمه: “فارس”.


توقف فارس نصف ثانية.
والنصف ثانية عند فارس تُساوي فرصة.


“إنت هتطلع؟” سأل الأب.


“أيوه.” قال فارس.
كلمة قصيرة كأنها حجر يُرمى.


نظر الأب طويلًا، ثم قال:
“هتطلع… بس مش لوحدك.”
لم يسمِّ آدم، لكن الاسم كان حاضرًا في الهواء.


ثم سأل الأب فجأة:
“آدم فين؟”


لم يجب أحد.
السؤال نفسه كان صفعة: كيف يمكن أن يكون آدم غير موجود وهم لا يعرفون؟
في بيت السِّتر، الغياب ليس طبيعيًا إلا إذا كان مقصودًا.


تحركت سيارات العائلة. فارس في المقدمة، مروان بجواره يحاول أن يبقى عقلًا وسط نار، وزياد في سيارة ثانية يضحك ويشتم ويستفز رجاله كأنه يهيّئهم لبطولة وهمية.
الأب لم يخرج. بقي في البيت، لأن الأب يعرف: الرأس إذا خرج صار هدفًا، والهدف لا يُترك للصدفة.


عند وصولهم، كان المشهد قد صار ساحة فضول.
الناس على الشرفات، أبواب نصف مفتوحة، عيون تلمع بحيرة وخوف.
الكمين ليس فقط للحديد… بل للناس أيضًا. يريد أن يصنع “قصة” تنتشر أسرع من الدخان.


فارس نزل من السيارة بعنف، وتحرك نحو الرجل الواقف في منتصف الطريق.
الرجل ابتسم ابتسامة صغيرة كأنه ينتظر فارس تحديدًا.


قال الرجل بشيء من الاستفزاز:
“مين قالك إن ده طريقكم؟”


كانت الجملة صغيرة، لكنها كافية لتفتح باب الدم.
فارس رفع يده… ليس ليصافح.


وفي اللحظة التي كان الاشتباك على وشك أن يبدأ، حدث شيءٌ صغير غيّر زوايا المشهد: هاتف أحد رجال فارس رنّ رنّة واحدة ثم سكت.
نظر الرجل للشاشة، وابتلع ريقه. لم يكن اسمًا… كانت كلمة واحدة: “بدّل”.


لم يفهم فارس.
لكن الرجل فهم بما يكفي ليرتبك.


في نفس الوقت، ظهر شيء آخر: سيارة نقل صغيرة دخلت من شارع جانبي ووقفت خلف الشاحنة. لم تكن عليها أي علامة. نزل منها رجل يبدو عاديًا جدًا، عاديًا لدرجة تُثير الريبة.
فتح الباب الخلفي، وأخرج قطعة معدن وأداة صغيرة، ثم انحنى تحت الشاحنة كأنه يفحص شيئًا.


صرخ أحد رجال فارس:
“إنت بتعمل إيه؟”


الرجل لم يلتفت.
أنهى ما يفعله بسرعة، ثم رفع رأسه وقال بهدوء كأن ما يقوله أبسط شيء في الدنيا:
“الفرامل… اتلعب فيها. لو اتحركت الشاحنة بالطريقة دي… هتطير.”


سقطت الجملة في المكان كأنها حجر في مياه راكدة.
حتى رجال الخصم صمتوا لحظة، لأنهم فهموا أن اللعبة انكشفت جزئيًا.


مروان شعر بقشعريرة على ظهره.
كان يتخيل صورة الشاحنة وهي تطير ثم يسمع الناس تقول: “بيت السِّتر السبب.”
الدم—إذا خرج—سيُستخدم سلاحًا ضدهم. وهذا ما يريده نادر: أن يجعل العائلة تبدو كأنها خطر على الركن، فيفتح لنفسه باب “المنقذ”.


فارس صرخ:
“مين إنت؟!”


الرجل ابتسم ابتسامة لا تحمل فخرًا ولا خوفًا:
“ميكانيكي نقل… وبس.”


ثم ترك المكان بسرعة لا تليق برجل “وبس”.
ومروان فهم أكثر مما قال الرجل: هذا ليس ميكانيكيًا جاء صدفة. هذا “حلقة” في سلسلة.


قبل أن يستوعب فارس، جاء صوت موتور من بعيد.
سيارة بزجاج غامق مرّت ببطء، كأنها عين تتحرك.
لم تتوقف. لم تهدد. فقط مرّت.
والمرور هنا رسالة: “إحنا شايفين.”


لم يلاحظ فارس السيارة. كان مشغولًا برغبته في إعدام الكمين.
لكن آدم—الذي لم يكن ظاهرًا—لاحظها.


لأن آدم كان هناك.


لم يدخل من منتصف المشهد. دخل من جانبه.
ظهر في زاوية لا ينظر إليها أحد.
ملابسه بسيطة، شعره مرتب، وجهه هادئ كأنه جاء في زيارة عادية.
تقدم بخطوات ثابتة حتى وقف بين الفريقين، ليس كحائطٍ يوقف العنف فقط، بل كمرآة تجعل الجميع يرى نفسه.


صرخ فارس فور رؤيته:
“إنت كنت فين؟!”


آدم لم يرد.
نظر إلى الرجال، إلى زواياهم، إلى توزيعهم، ثم إلى الشرفات.
ثم قال بصوت منخفض لكنه وصل للجميع:
“ده مش مكان معركة… ده مكان تصوير.”


كلمة “تصوير” جعلت بعض الرجال يلتفتون لا إراديًا.
حتى الفضوليون على الشرفات تراجعوا نصف خطوة، لأن كلمة تصوير تعني دليلًا، تعني مصيبة.


أحد رجال الخصم حاول أن يضحك:
“تصوير إيه يا عم… ده شارع.”


آدم نظر إليه نظرة قصيرة وقال:
“إنت مش صاحب قرار.
إنت منفّذ… والمنفّذ ما يعرفش الخطة كاملة.”


الرجل سكت.
ليس لأنه اقتنع… بل لأنه شعر لثانية أن آدم يعرفه أكثر مما ينبغي.


ثم التفت آدم إلى فارس وقال كأنها جملة داخلية بينهما:
“لو ضربت… هتديهم اللي هما عايزينه.”


فارس قال بتحدٍ:
“وأنا هديهم اللي هما يستاهلوه.”


آدم اقترب خطوة، وخفّض صوته أكثر:
“الفرامل كانت متلعب فيها… عايزين ددمم.
لو الدم خرج… اسمك هيتقال في الركن.
وساعتها… محدش هيقف معاك.”


فارس ابتلع ريقه رغمًا عنه.
لم يحب أن يسمع الحقيقة من آدم.
لكن الحقيقة كانت مثل قيدٍ بارد.


بدأ آدم يتحرك.
لا أوامر صاخبة.
إشارة بعينه لرجل من رجال البيت كي يقف عند زاوية معينة—ليس للهجوم، بل لمنع انسحابٍ خلفي.
إشارة ثانية لرجل آخر كي يقترب من السيارة العرضية—لا ليكسرها، بل ليخرج سلكًا صغيرًا متصلًا ببطارية تحتها.


عندما خرج السلك، تغيّر وجه رجل من رجال الخصم.
السلك يعني أن السيارة ليست تعطّلًا، بل جزء من مصيدة.
المصيدة حين تُكشف، ينقلب السحر على الساحر.


لكن بعض الأعداء لا يقبلون انكشاف اللعبة.
واحد منهم رفع سلاحًا وأطلق رصاصة في الهواء.


انفجر الصوت فوق رؤوس الناس.
صرخت امرأة من شرفة، وجرّت ***ًا للداخل.
الشارع نفسه بدا كأنه ارتعش.


وهنا فقط… ظهر جانب آدم الآخر.
جانب “الضرورة”.


لم يندفع.
لم يصرخ.
تحرك بخطوة محسوبة كأن جسده يعرف النهاية قبل البداية.


الرجل الذي يحمل السلاح حاول أن يرفع يده ثانية.
آدم قطع المسافة في ثانيتين: أمسك الرسغ، لفّه بزاوية مؤلمة، دفع كتف الرجل بضغطٍ قصير، فسقط الرجل كما يسقط كرسي مكسور.
السلاح طار بعيدًا.


لم يضرب آدم بعد ذلك.
لم يركل الرجل وهو على الأرض.
لم يصرخ في وجهه.
عاد خطوة للخلف، واستعاد هدوءه فورًا، كأن القوة ليست سوى زرّ يضغطه ثم يتركه.


هذا هو أكثر ما يخيف الناس في آدم: أن يقدر على العنف… وأن يقدر أكثر على التوقف.


قال آدم بصوت واضح للجميع:
“إحنا مش جايين نحارب.
إحنا جايين ناخد شحنتنا… ونمشي.”


كانت الجملة فيها احتقار للكمين، وفيها ضبط للصورة:
بيت السِّتر لا ينجرّ للوحل، حتى لو كان قادرًا على الغرق فيه.


أشار آدم للشاحنة أن لا تتحرك قبل التأمين.
رجلان من رجاله ثبتوا قطعة معدنية للفرامل مؤقتًا كي تتحمل الطريق، ثم جاء رجل آخر—ليس من رجال فارس—يحمل مفكًا صغيرًا وكأنه يعرف الشاحنة أكثر مما يعرفها صاحبها.
وجود هذا الرجل وحده كان دليلًا أن آدم جهّز كل شيء قبل أن يبدأ اليوم.


انسحب رجال الخصم.
انسحبوا لأن استمرارهم سيحولهم هم إلى دليل.
والدليل—في زمن الركن—أقسى من السلاح.


تحركت الشاحنة، لكنها لم تسلك الطريق المعتاد.
توجهت إلى ممر جانبي ضيق لا يلتفت إليه أحد.
الطريق البديل.


على بعد شارع، كانت السيارة ذات الزجاج الغامق تراقب، ثم لحقت من بعيد.
هذه المرة رآها آدم.


لم يلتفت ليُظهر أنه رآها.
بل ابتسم ابتسامة صغيرة لا يراها إلا من يقف قريبًا جدًا.
ثم أخرج هاتفًا صغيرًا من جيبه—ليس هاتفه المعروف—وأرسل رسالة قصيرة بلا اسم:
“خليهم يلفّوا.”


بعد دقائق، عند أول تقاطع ضيق، ظهرت سيارة نقل قديمة خرجت فجأة ووقفت بطريقة تجعل السيارة الغامقة تُضطر للتوقف.
لم تكن حادثة، كانت “تأخيرًا”.
وفي التأخير مساحة كافية ليبتعد الهدف.


ثم حدثت حركة أخرى أدق:
شاب على موتوسيكل مرّ بجانب السيارة الغامقة، واصطدم بها اصطدامًا خفيفًا كأنه “غلط”، ثم اعتذر بسرعة وهرب.
لكن الاصطدام ترك على زجاج السيارة خطًا رفيعًا من مادة شفافة—مادة تتفاعل مع الضوء—فتكشف الزجاج الغامق إذا التقطته عين كاميرا في وقت لاحق.
آدم لا يريد أن يعرف من في السيارة الآن… يريد أن يسهل معرفة السيارة لاحقًا، في أي مكان، ومن أي زاوية.


هذا هو ذكاء آدم: لا يقاتل الحدث، يقاتل ما بعد الحدث.


وصلت الشاحنة إلى الطريق البديل الحقيقي، وهو طريق يعرفه العمال القدامى وسائقو النقل الذين عاشوا عمرهم بين المخازن.
هناك، تبدلت المرافقة.
رجال فارس لم يفهموا كيف ظهر فجأة رجلان جديدان وكأنهما كانا ينتظران عند زاوية مظلمة.
لم يسألوا.
في وجود آدم، الأسئلة تُبتلع.


عاد فارس إلى البيت وهو متوتر أكثر مما هو غاضب.
غضبه طبيعي.
أما توتره فكان جديدًا، كأنه اكتشف أن هناك حربًا أخرى غير حرب الشارع: حرب البيت.


في الصالة، كان الحاج سليم يجلس في مكانه المعتاد.
لم يسأل: “الشحنة وصلت؟”
لأنه كان يعرف قبل أن تُقال.


نظر إلى فارس وقال بهدوء:
“اتجرّيت؟”


فارس تردد.
الاعتراف بالانجرار يعني اعتراف بالهزيمة، حتى لو كانت الشحنة نجت.


“كنت هخلص عليهم.” قال فارس، كأنها بطولة مؤجلة.


الحاج سليم لم يوبخه.
قال فقط:
“كانوا عايزينك تخلص عليهم… عشان يخلصوا علينا.”


سكت البيت لحظة.
زياد حاول أن يضحك، لكنه ابتلع ضحكته حين رأى نظرة الأب.
مروان تنفس كأن صدره كان مربوطًا بحبل وفُك فجأة.


ثم قال الأب جملة مفاجئة:
“اللي خلّى الشحنة تتحرك… مش القوة.”


لم ينظر إلى آدم.
لأن آدم لم يكن هناك.


“فين آدم؟” سأل الأب ثانية.
السؤال صار عادةً.
وكأن الأب وحده يشعر أن آدم ليس ابنًا فقط… بل “أداة توازن” في البيت.


زياد قال بحنق:
“يمكن في شغله… أو في لعبه.”


نظرة الأب أسكته.
ثم قال الأب لمروان:
“إنت… عارف هو بيروح فين؟”


مروان هز رأسه.
والهزّة كانت صادقة ومؤلمة:
لا أحد يعرف آدم.


بعد ساعة، كانت القهوة الكبيرة في الركن قد امتلأت.
الخبر انتشر: “الشحنة ما اتوقفتش.”
ومع الخبر انتشر سؤال: “مين اللي عرف حكاية الفرامل؟”


وفي زاوية بعيدة من القهوة، كان نادر يجلس، لا يظهر كمن انهزم ولا كمن فاز.
كان يشرب قهوته ببطء، كأنه يستمتع بالوقت أكثر من النتيجة.
جاءه رجل من رجاله وهمس في أذنه.


نادر لم يتغير وجهه.
سأل بهدوء:
“مين وقف قدام فارس؟”


الرجل تردد.
“واحد… اسمه آدم.”


ابتسامة نادر ظهرت خفيفة.
ليست ابتسامة فرح… بل ابتسامة صياد رأى أثر قدمٍ مختلف.


قال نادر:
“كنت حاسس.”


ثم أضاف وهو يحدق في الفراغ:
“الركن… فيه حد بيلعبها صح.”


بعدها بدقائق، طلب نادر من صاحب القهوة أن ينادي شخصًا اسمه “فهمي التاجر” إن مرّ من هنا.
فهمي كان واحدًا من كبار السوق، رجل يبيع ويشتري في الصمت، ويعرف كيف يغيّر ولاءه دون أن يغير ملامحه.
في الركن، أمثال فهمي هم الذين يجعلون الحروب تطول… لأن الحرب عندهم ليست شرفًا، بل حسابًا.


وصل فهمي بعد قليل، جلس، وتبادل مع نادر كلامًا لا يسمعه أحد.
لكن الحركة وحدها كانت كافية لتخبر آدم—لو كان يراقب—أن نادر بدأ يفتح باب “الداخل”.


في نفس الليل، عاد آدم إلى غرفته 9.


أغلق الباب خلفه كما لو أنه يغلق العالم كله.
تقدم نحو المكتب، فتح درجًا، وأخرج ملفًا جديدًا وكتب عليه:
“كمين الفرامل.”


ثم كتب تحته ثلاث نقاط:


  1. “نادر يريد ددممًا لا تعطيلًا.”
  2. “هناك تصوير—احتمال مرتفع.”
  3. “فارس سهل الاستفزاز—خطر داخلي.”

توقف عند النقطة الثالثة، وأمسك القلم كأنه يفكر في طعنة لا يريد أن يوجهها.
ثم كتب بين قوسين:
“يتلجم… بدون ما يحس.”


رفع رأسه ناحية رف صغير في زاوية الغرفة.
أشياء لا تخص اللعبة: ساعة قديمة متوقفة، خاتم بسيط، وصورة ممزقة لوجهين لا يظهر منهما سوى نصف ابتسامة.
كانت الأشياء تقول إن آدم ليس آلة.
إن وراء هذا العقل شيء قديم… شيء لم يُحل.


رن الهاتف القديم مرة واحدة.
لم يكن واحدًا من أرقامه الثلاثة.
هذا الخط لا يرن إلا لو حدث شيء خارج النظام.


رفع السماعة.


جاءه صوت هادئ:
“في حد سأل عليك النهارده… في القهوة.”


آدم لم يتفاجأ.
قال:
“مين؟”


الصوت تردد ثم قال:
“نادر.”


آدم وضع القلم ببطء.
سأل:
“قال إيه؟”


الصوت:
“قال… إن عندكم حد بيلعبها صح.
وإنه عايز يقابله.”


صمت آدم لحظة.
الصمت عنده ليس فراغًا… بل ميزان.
ثم قال:
“خليه يدور.”


وأغلق الخط.


وقف أمام الخريطة.
أزال دبوس “الاختبار”، ووضع مكانه دبوسًا جديدًا بلون مختلف، وكتب كلمة واحدة:
“المواجهة.”


ثم كتب تحتها سطرًا صغيرًا كأنه يكتب لنفسه لا للملف:
“اللي جاي… مش على الشحنة.
اللي جاي… عليّا.”


قبل أن يطفئ النور، نظر آدم إلى باب الغرفة 9 كما لو كان يسمع شيئًا من الجهة الأخرى.
لم يكن هناك صوت.
لكن آدم يعرف:
عندما يبدأ الناس في السؤال عنك… أنت لم تعد في الظل بالكامل.
والظل هو المكان الوحيد الذي تحكم فيه بلا ثمن.
لم يحتج الركن أكثر من ساعات قليلة كي يعيد ترتيب الحكاية على طريقته.
الحكايات هنا لا تُروى كما حدثت، بل كما يريد الناس أن يتذكروا أنهم كانوا فيها. فصار الكمين “جرأة”، وصارت الشاحنة “هيبة لم تُكسر”، وصار السؤال الأكبر يلفّ القهوة والشوارع مثل دخان ثقيل: من الذي عرف حكاية الفرامل؟ ومن الذي قلب الصورة قبل أن تتحول إلى ددمم؟


في مساء نفس اليوم، جلس فهمي التاجر في القهوة الكبيرة كأنه جزء من الديكور. رجل في منتصف العمر، وجهه مطموس بالخبرة، وابتسامة صغيرة تُقفلها عيناه قبل أن يفتحها فمه. كان يفهم أن الزوايا تُشبه البنوك: تضع فيها ودائعك من الكلام، وتسحب منها وقت الحاجة.
فهمي لا يدخل حربًا، لكنه يعرف كيف يضع حجرًا صغيرًا تحت قدم خصمك، ثم يبتعد لكي يراقب سقوطك وحدك.


تقدم إليه نادر ببطء. لم يأتِ بجسد “زعيم عصابة” بل بجسد رجل أعمال يعرف أن الثقة تُصنع بالهدوء أكثر مما تُصنع بالعضلات. جلس أمام فهمي دون مقدمات. لم يكن يحتاج أن يعرفه. في الركن، الكبار يعرفون بعضهم قبل أن يتصافحوا.


قال نادر كلمة واحدة كأنها مفتاح: “السوق.”
ابتسم فهمي، لأن كلمة السوق تعني كل شيء: الحديد، البضاعة، الشحنات، الفواتير، والشرف الذي يُباع تحت الطاولة.


لم يَسأل فهمي “ماذا تريد؟” لأن السؤال هنا قد يُسقطك في فخ.
سأل بدلًا من ذلك: “ومين اللي مخليك متأكد إن السوق هيتغير؟”


نادر لم يذكر بيت السِّتر بالاسم. قال فقط: “الزمن.”
ثم أضاف: “بيت السِّتر قوي… بس قوته في راسه ولا في رجله؟”
وترك السؤال معلقًا، كأنه يرمي سنارة.


فهمي فهم الرسالة فورًا.
إذا أراد نادر كسر بيت السِّتر، فلا يكسره من الخارج. يكسره من الداخل.
والداخل عند بيت السِّتر له بابان: فارس—الاندفاع—ومروان—الضمير.
وبين البابين يقف آدم، كحائط لا يراه الناس لكنه يمنع انهيار السقف.


قال فهمي بنبرة رجل يدفع الكلام كعملة: “البيت ده… لو رجله اتكسرت، راسه تقع.”
ابتسم نادر.
“أنا مش عايز أكسر… أنا عايز أعلم.”
ثم نهض، كأنه أنهى حديثًا طويلًا رغم أنه لم يقل إلا قليلًا.


خرج نادر من القهوة وهو واثق أن فهمي سيفعل ما يجيده: سيحرك الكلام داخل بيت السِّتر مثل سمٍّ بطيء لا يُرى.


وفي نفس الوقت، داخل بيت السِّتر، كان فارس يعود إلى البيت وهو يحمل توترًا لا يشبهه.
كان يعرف أن الشحنة نجت، لكن قلبه لم يشعر بالنصر.
لأنه لأول مرة شعر أن معركته ليست معركة رجال، بل معركة “حساب” لا يجيده.


جلس الحاج سليم في الصالة كما يجلس القاضي في محكمته، دون مطرقة ودون أوراق.
جلس وترك فارس يقف.
ليس لأنه يريد إذلاله، بل لأن الوقوف يفضح الأعصاب.
من يقف طويلًا يبدأ في الكلام.


لم يقل الأب شيئًا.
الصمت عنده ليس فراغًا بل سلاح.
ترك فارس يتنفس، يتململ، يفتح فمه ثم يغلقه.


وفارس—الذي لا يحتمل الصمت—بدأ يتكلم.
بدأ يشرح الكمين، ويبالغ في وصف رجاله، ويُحاول أن يعيد كتابة الحدث بحيث يظهر فيه كبطل كان سيفعل… لولا أن الظروف.


الأب لم يقاطعه.
تركه يفيض حتى ينتهي.
ثم سأل سؤالًا واحدًا كأنه مسمار يدخل الخشب بلا صوت:
“إنت كنت هتعمل إيه… لو الفرامل ما اتكشفتش؟”


سكت فارس.
لأن السؤال كشف الحقيقة: كان الدم سيخرج.
وإذا خرج الدم سيتحول الركن كله ضدهم، أو على الأقل سيقف بعيدًا.


حاول فارس أن يهرب بكلمة.
“كنت هسيطر.”


ابتسم الأب ابتسامة لا تُرى إلا كظل على شفته.
“السيطرة مش إنك تضرب… السيطرة إنك تمنع الضربة لما تكون ضربة غلط.”
ثم قال جملة أثقل:
“أكتر حاجة بتفرح عدوك… إنك تكون واضح.”


كلمة “واضح” كانت طعنة لفارس.
لأن فارس يرى نفسه قويًا، لكنه لأول مرة يسمع أن وضوحه ضعف.


في الزاوية، كان مروان يسمع.
لم يتدخل.
كان يعرف أن الأب الآن يُربّي فارس بالطريقة التي ربّى بها الركن: بالكلمة الباردة التي تظل تحرق ساعات.


أما زياد… فلم يحتمل أن يظل متفرجًا.
عندما سمع عن السيارة ذات الزجاج الغامق، شعر برغبة في أن يكون “اللي يجيب الخيط”.
لا يريد أن يبقى دومًا في الخلف بينما آدم يلتقط الخيوط دون أن يمد يده.


خرج زياد من البيت بعد العشاء.
قال إن لديه مشوارًا.
لم يسأله أحد.
في بيت السِّتر، الأسئلة أحيانًا تُعتبر شتيمة.


ركب سيارته الصغيرة، ومشى في شوارع الركن كأنه يعرف كل حجر فيها، لكنه كان يعرف أيضًا أن هناك عيونًا تراقب.
الركن لا يمنح أحدًا حرية كاملة.
حتى أبناء بيت السِّتر لهم سقف من المسموح.


عند نهاية الشارع الرئيسي، لمح زياد السيارة الغامقة.
لم يكن متأكدًا أنها هي نفسها، لكنه رأى ما يكفي ليقتنع: الزجاج شديد السواد، والهدوء المصطنع في طريقة الوقوف، وكأن السائق لا يراقب الطريق بل يراقب الناس.


قلب زياد سيارته خلفها بهدوء.
قال لنفسه إن هذا ذكاء، لكنه كان اندفاعًا مقنعًا.
كلما اقترب، كلما شعر بإثارة تشبه المخدر: “أنا في قلب اللعبة.”


السيارة الغامقة تحركت.
وزياد خلفها.


كانت المطاردة في البداية بطيئة، كأنها لعبة أعصاب.
السيارة الغامقة تدخل شارعًا ضيقًا ثم تخرج منه، تقف قليلًا ثم تتحرك، كأنها تختبر إذا كان أحدٌ يتبعها.
وزياد—بحماس الأصغر—لم يفهم أن الاختبار قد يكون فخًا.


عند تقاطع صغير، توقفت السيارة الغامقة فجأة.
توقف زياد بعيدًا قليلًا.
لثانية شعر أن هناك شيئًا غلطًا في الهواء.
ليس خوفًا واضحًا، بل إحساس بأن الشارع صار أضيق.


ثم تحركت السيارة الغامقة بسرعة غير متوقعة.
وزياد ضغط البنزين.
هنا بدأت المطاردة الحقيقية.


المطاردة في الركن ليست مثل المطاردات في الطرق السريعة.
هي مطاردة بين حوائط، بين عربيات متوقفة، بين ***** قد يظهرون فجأة، وبين زوايا قد تبتلعك إذا أخطأت.


السيارة الغامقة دخلت شارعًا جانبيًا ثم انعطفت بسرعة.
وزياد انعطف خلفها، شعر بإطاراته تصرخ على الإسفلت.
في اللحظة التي ظن فيها أنه اقترب، ظهرت أمامه فجأة عربة كارو تقطع الطريق.
ضغط الفرامل بعنف.
كاد يصطدم.
قلبه قفز.
وعندما رفع رأسه وجد أن السيارة الغامقة اختفت.


لعن بصوتٍ مرتفع.
نظر يمينًا ويسارًا.
الشارع خالٍ إلا من رجل يسحب العربة وكأنه لم يرَ شيئًا.


شعر زياد أنه اتضحك عليه.
وهذا أسوأ ما يمكن أن يشعر به في بيت السِّتر: أنك أصبحت لعبة في يد غيرك.


اتصل بفارس.
لم يرد فارس.
اتصل بمروان.
رد مروان بصوتٍ منخفض: “إنت فين؟”
زياد لم يجرؤ أن يقول الحقيقة. قال فقط: “أنا تمام… بس شفت حاجة.”


في نفس اللحظة، كان آدم يعرف ما حدث.
ليس لأنه سمع المكالمة، بل لأنه كان يتوقعها.


عندما تحرك زياد من البيت، كان هناك من أخبر آدم من دون أن يعرف أنه يخبره.
في شبكة آدم، الأخبار تأتي في شكل “تفاصيل”:
شخص يرى زياد يخرج مسرعًا.
شخص يسمع موتور سيارته.
شخص يلاحظ أنه اتجه ناحية طرف الركن.


آدم لا يحتاج إلى أن يكون حاضرًا كي يعرف.
يكفي أن تلمس حدثًا في الركن، فيرتد صداه إلى الغرفة 9.


فتح آدم ملفًا جديدًا وكتب عنوانه: “تهوّر زياد.”
ثم كتب تحته: “مفيد… لو اتوظف صح.”
آدم لا يكره أخطاء إخوته.
هو فقط يكره أن تُستخدم ضد البيت.


بعد دقائق، جاءته رسالة قصيرة على الخط الخاص:
“الزجاج الغامق لفّ على شارع (…)، وفي آخره كاميرا قديمة شغالة.”


هذه هي النقطة التي أرادها آدم.
إذا كانت هناك كاميرا، فهناك صورة.
إذا كانت هناك صورة، فهناك خيط.


خرج آدم من الغرفة 9 للمرة الأولى هذا الليل، ليس إلى البيت… بل إلى طرف الشارع الذي تمر فيه الكاميرا.
لم يذهب بنفسه إلى الكاميرا، لأن وجوده هناك قد يُسجل.
أرسل بدلًا من ذلك “ظلًا” من ظلاله: شابًا بسيطًا يعمل في محل تصوير، يعرف كيف ينقل لقطة من كاميرا قديمة إلى جهاز دون أن يترك أثرًا.


بعد نصف ساعة، عاد الظل برسالة صغيرة:
لقطة واحدة للسيارة الغامقة.
ليست واضحة، لكن فيها شيء مهم: شريط لامع على طرف الزجاج، خط رفيع يلتقط الضوء.


ابتسم آدم.
الخط هو نفس الخط الذي صنعه “الاصطدام الخفيف” صباحًا.
يعني أن السيارة التي راقبت الشحنة هي نفسها التي لعبت مع زياد.
يعني أن العين واحدة… وأن العين أصبحت قريبة أكثر من اللازم.


كتب آدم في ملفه:
“نفس السيارة. نفس العين. نفس الرسالة: بنشوفك.”


ثم أضاف سطرًا آخر:
“الخط اللماع = دليل تعقّب بصري. هيتكرر.”


عاد آدم إلى الغرفة 9 قبل أن يشعر أحد أنه خرج.
هناك، في صمت المكان، بدأ يربط الخيوط.
فهمي التاجر جلس مع نادر اليوم.
الكمين كان متقنًا لدرجة “إخراج” وليس مجرد سرقة.
السيارة الغامقة تراقب في مرتين: عند الشحنة، وعند زياد.
وهذا يعني أن هناك حلقة أخرى لم تُكشف بعد: حلقة “من الداخل”.


آدم فتح درجًا آخر، أخرج ملفًا قديمًا عن فهمي.
قرأ سطورًا قصيرة:
“يتحرك بالعرض. لا يغامر إلا إذا ضمن. يحب أن يكون في المنتصف.”
ثم وضع الملف على المكتب وكتب فوقه:
“يُختبر.”


لكن آدم لم يكن يملك رفاهية التركيز على فهمي وحده.
لأن خطرًا آخر بدأ يقترب، خطرًا لا يأتي عبر الشوارع بل عبر الفضول.


في ساعة متأخرة جدًا، قبل الفجر بقليل، كان آدم يطفئ النور في الغرفة 9 حين سمع شيئًا.
ليس صوت خطوات واضحة.
بل صوت خفيف كأنه احتكاك معدن بمعدن.


وقف ثابتًا.
لم يتحرك.
لم يتنفس تقريبًا.
الهدوء عند آدم ليس هدوء خوف… بل هدوء صيد.


عاد ببطء إلى المكتب، فتح درجًا، وأخرج مصباحًا صغيرًا.
لم يسلطه على الباب مباشرة.
سلطه على الأرض قرب الإطار.


هناك، تحت حافة الباب الحديدي، لمعت نقطة صغيرة.
شيء كأن أحدهم حاول إدخال سلك رفيع.
محاولة فاشلة… لكنها محاولة.


آدم لم يغضب.
الغضب يضيع الحساب.
هو فقط شعر بأن اللعبة دخلت مرحلة جديدة: مرحلة الاقتراب من قلبه.


فتح دفتره الأسود وكتب جملة واحدة:
“في عين قريبة… بتدوّر على الغرفة 9.”


ثم كتب تحتها ثلاث كلمات:
“تغيير المسار.
تصفية الحلقات.
وهدنة مزيفة.”


كان يقصد بالهدنة المزيفة شيئًا واحدًا:
أن يُظهر للركن ولبيت السِّتر أن الأمور هادئة… بينما هو يضع فخًا يجعل من يقترب من سره يقع في الضوء دون أن يفهم.


قبل أن يغلق الدفتر، نظر إلى الصورة الممزقة على الرف.
لم تكن الصورة واضحة… لكنها تحمل نصف ابتسامة تشبه نصف الحقيقة.
وفي تلك الليلة، للمرة الأولى منذ زمن، لمس آدم حافة الصورة بإصبعه، كأنه يتأكد أنها ما زالت موجودة.
ثم تركها.


خرج من الغرفة 9 وأغلق الباب خلفه بثلاث طبقات.
ومشى في الظلام بلا صوت.
لكن في داخله، كان صوت واحد يتكرر:
اللي بيقرب من سري… مش بيقرب مني أنا بس… بيقرب من الحرب اللي هتولع.


وفي مكانٍ آخر من الركن، في غرفة لا تظهر في الروايات الرسمية، جلس نادر يبتسم وهو يسمع خبرًا صغيرًا من رجلٍ عنده:
“إحنا قرّبنا.”


سأل نادر بهدوء:
“قرّبتوا من إيه؟”


الرجل قال:
“من مكانه.”


ابتسامة نادر اتسعت قليلًا.
ليس فرحًا، بل شهوة صياد وجد أثر الدم.


قال نادر:
“اللي يملك مكان السر… يملك صاحبه.”


ثم أطفأ سيجارته ببطء، كأنه يطفئ نهارًا كاملًا.


وفي بيت السِّتر، كان فارس ينام وهو يظن أن المعركة انتهت.
وكان مروان يسهر وهو يظن أن المعركة بدأت.
وكان زياد يتقلب وهو يكره نفسه لأنه انخدع.
أما آدم… فلم يكن ينام أصلًا.


آدم كان يكتب.


نهاية الفصل
 

المستخدمون الذين يشاهدون هذا الموضوع

أعلى أسفل