الجزء الأول: الوجهان للعملة
(المشهد 1)المكان: قاعة احتفالات فندق "فور سيزونز" - القاهرة.الزمان: ليلاً - العاشرة مساءً.الوصف:أضواء الكريستال المتدلية من السقف تعكس بريق المجوهرات التي ترتديها سيدات المجتمع الراقي. موسيقى جاز خافتة تعزف في الخلفية، ورائحة العطور الباهظة تملأ الأجواء. في الزاوية، يقف "نوح الألفي" (32 عاماً)، ببدلة "تكسيدو" سوداء مفصلة خصيصاً في إيطاليا، وكأنها درع وليست مجرد قماش. ملامحه حادة، عيناه بلون العسل المحروق تخفي خلفها بحراً من الأسرار. يمسك كأساً من العصير ببرود، بينما يتحدث إليه رجل أعمال بدين يبدو عليه التوتر.
الحوار:رجل الأعمال (عزت): (وهو يمسح العرق عن جبينه بمنديل حريري)"يا نوح بيه، العرض اللي قدمتهولك ده محدش يرفضه.. دي صفقة العمر، إحنا بنتكلم في توريد أنظمة أمان للساحل الشمالي كله، وأنت عارف المنافسين.."
نوح: (يبتسم ابتسامة باهتة لا تصل لعينيه، ويرشف رشفة هادئة)"المنافسين؟ تقصد شركة 'البرج'؟.. دول لسه بيتعلموا يعني إيه كاميرا مراقبة يا عزت.. أنت جاي تبيع الماية في حارة السقايين؟"
عزت:"لا العفو يا باشا، بس أنا قصدي إن السوق نايم، والسيولة.."
نوح: (يقاطعه بنبرة هادئة ولكنها حاسمة كحد السيف)"السوق ينام لما أنا أقوله نام.. ويصحى لما أطق بصباعي.. (يقترب خطوة من عزت، فيتراجع الآخر تلقائياً) اسمع يا عزت.. شركتي مش مجرد شركة حراسات.. أنا ببيع 'راحة البال'.. والسلعة دي غالية.. غالية أوي.. عرضك مرفوض، ولو فكرت تقرب من منطقة نفوذي في الساحل، هتلاقي نفسك بتحرس رملة في الصحرا الغربية."
الوصف:يترك نوح الرجل متجمداً في مكانه، ويسير وسط القاعة بخطوات واثقة. النظرات تلاحقه؛ نظرات إعجاب من النساء، ونظرات حسد وخوف من الرجال. هو يعلم أنه الملك غير المتوج لهذا العالم.
(المشهد 2)المكان: التراس الخارجي للفندق (مطل على النيل).الزمان: مستمر.
الوصف:يخرج نوح من صخب القاعة إلى هدوء التراس. الهواء البارد يلفح وجهه. يقف عند السور الحجري ينظر للنيل المظلم. يخرج هاتفه الأسود المشفر، تصله رسالة قصيرة: "الهدف تحرك. الكود: أحمر."تتغير ملامح وجهه فوراً. يختفي قناع رجل الأعمال الساحر، ويحل محله جمود "الديجور".
فجأة، يشعر بحركة خلفه. رائحة عطر نسائي قوي ومثير (عنبر وفانيليا) تسبق صاحبتها. إنها "ليلى السيوفي" (28 عاماً)، ابنة عمه ومنافسة شرسة، فاتنة الجمال بشعر أسود كليل القاهرة وفستان أحمر ناري يكشف عن ساقها بجرأة، وعينين تلمعان بمكر.
الحوار:ليلى: (بصوت مبحوح، تقف بجانبه وتنظر للنيل)"زهقت من النفاق اللي جوه ولا إيه؟.. غريبة على 'نوح الألفي' اللي بيعشق الأضواء."
نوح: (دون أن ينظر إليها)"الأضواء بتعمي العيون يا ليلى.. وأنا بحب أشوف كل حاجة بوضوح.. إيه اللي جابك؟ مش كان عندك عرض أزياء في باريس؟"
ليلى: (تضحك بخفة، وتقترب منه حتى يلامس كتفها كتفه)"كنت.. بس سمعت إن ابن عمي بيكبر، وبياكل السوق كله.. قلت أجي أبارك.. (تمرر أصبعها برقة وجرأة على ياقة سترته) وكمان.. وحشتني."
نوح: (يمسك يدها ببطء ولكن بقوة، ويبعدها عنه وهو ينظر في عينيها مباشرة)"وفري حركاتك دي لواحد يشتريها يا ليلى.. إحنا دافنينه سوا.. عايزة إيه؟"
ليلى: (تتغير نبرتها للجدية، وتقترب أكثر بحيث تصبح أنفاسها قريبة من وجهه)"عايزة حصتي في شحنة الألماظ اللي دخلت المينا امبارح.. متعملش عبيط، أنا عارفة إن شركتك هي اللي مأمنة النقل.. ولينا نصيب قديم."
نوح: (يقترب منها ببطء، محاصراً إياها بنظراته، يهمس أمام شفتيها)"النصيب القديم مات مع أبوكي.. والشحنة دي.. (يبتسم بخبث) لو عرفتي توصليلها، حلال عليكي.. بس خلي بالك، اللعب مع الكبار بيعور.. والتعويرة في وشك الجميل ده هتبقى خسارة."
الوصف:يسري تيار كهربائي من التوتر بينهما. مزيج من العداء القديم ورغبة مكتومة ومحرمة. ليلى تنظر لشفتيه للحظة وكأنها تود التهامها، ثم تبتعد خطوة للخلف، تستعيد توازنها.
ليلى: (تبتسم بتحدي)"هنشوف يا نوح.. هنشوف مين اللي هيتعور في الآخر."
الوصف:تتركه وتغادر، كعب حذائها يطرق الأرض بإيقاع مستفز. نوح يتابعها بنظرة باردة، ثم ينظر لساعته. حان وقت العمل الحقيقي.
(المشهد 3)المكان: سيارة ليموزين مصفحة - تسير في شوارع القاهرة.الزمان: 11:00 مساءً.
الوصف:داخل السيارة، الجو هادئ تماماً. الزجاج عازل للصوت والرصاص. نوح يفك رابطة عنقه ويرميها جانباً. يضغط زرًا سرياً في مسند اليد، فينفتح درج سري يخرج منه مسدساً أسود من طراز "جلوك" معدلاً، وقطعة ملابس سوداء (قناع رقيق).السائق، "مروان" (رجل ضخم، صامت، ومخلص حد الموت)، ينظر في المرآة.
الحوار:مروان:"على المقر القديم يا باشا؟"
نوح: (وهو يفحص مخزن المسدس بحرفية عالية)"لأ.. اطلع على المدابغ.. 'الضبع' فاكر إنه يقدر يبيع معلومات عن تحركات الرئيس لجهات أجنبية من غير ما أدفعُه التمن.. الليلة لازم يعرف مين اللي بيحكم البلد دي من تحت الأرض."
مروان:"أوامرك.. بس المنطقة هناك متلغمة رجالة تبعُه."
نوح: (يرتدي قفازات جلدية سوداء ببطء)"عارف.. وعشان كده أنا رايح لوحدي.. (ينظر لانعكاس وجهه في الزجاج، عيناه تلمعان بظلام دامس) الظل مبيخافش من الزحمة يا مروان.. الظل بيبلع أي حاجة."
(المشهد 4)المكان: منطقة المدابغ (سور مجرى العيون) - منطقة مهجورة وشبه مظلمة.الزمان: 11:45 مساءً.
الوصف:السيارة تتوقف بعيداً. ينزل نوح. لم يعد هو رجل الأعمال الأنيق. لقد خلع السترة، وارتدى معطفاً طويلاً أسود بياقة عالية. تحركاته أصبحت خفيفة، لا صوت لخطواته. يندمج مع الظلام بين المباني القديمة المتهالكة ورائحة الجلود الكريهة.يصل لمبنى قديم، يسمع أصوات ضحك خشنة من الداخل. يغمض عينيه للحظة، يركز حواسه. قدرته الخاصة تبدأ في العمل.الظلال تتحدث إليه. يرى من خلال الظل الممتد تحت الباب عدد الأشخاص في الداخل.. سبعة رجال مسلحين. يرى أحدهم يجلس على مكتب، "الضبع".
نوح (يحدث نفسه داخلياً):"سبعة.. تلاتة يمين، اتنين شمال، والضبع في الوش.. عشر ثواني كفاية."
الوصف:دون سابق إنذار، يذوب نوح في الظل بجانب الباب. وفجأة، ينطفئ النور الوحيد في الغرفة بالداخل (بقدرة خفية منه). تتعالى صرخات الفزع."إيه ده؟ النور قطع ليه؟""مين هناك؟!"
صوت إطلاق نار عشوائي. في وسط الظلام، نرى ومضات سريعة.. ليس ومضات رصاص، بل ومضات حركة. نوح يتحرك بينهم كشبح. ضربات دقيقة، صامتة، ومميتة. صوت عظام تكسر، وأجساد تسقط بوزن ثقيل.يعود النور للعمل (بشعلة ولاعة يقدحها نوح).المشهد مرعب. الستة رجال ملقون على الأرض فاقدي الوعي (أو أسوأ)، و"الضبع" يرتجف في كرسيه، وفوهة مسدس نوح تلامس جبهته المتعرقة.
الحوار:نوح: (بصوت هادئ مخيف، وهو يشعل سيجارة بيده الأخرى)"مساء الخير يا ضبع.. سمعت إنك صوتك عالي اليومين دول.. وبتبيع بضاعة مش بتاعتك."
الضبع: (صوته يخرج مبحوحاً من الرعب)"الديجور!.. أنا.. أنا مكنتش أعرف إنهم تبعك.. و**** يا باشا غلطة.. السماح."
نوح: (ينفث الدخان في وجه الضبع)"الغلطة في قاموسي بتمسح صاحبها.. بس أنا كريم النهاردة.. هسيبك عايش، بس بشرط."
الضبع:"أي حاجة.. أؤمرني.."
نوح:"اسم العميل اللي اشترى المعلومات.. ومكان التسليم.. دلوقتي."
الضبع:"اسمه 'الجنرال'.. تسليم في فيلا في التجمع.. بكرة بالليل."
نوح: (تلمع عيناه باهتمام.. 'الجنرال' اسم مألوف)"شاطر.. (يضربه بمقبض المسدس ضربة قوية تفقده الوعي) نام دلوقتي واحلم بكوابيس سعيدة."
(المشهد 5)المكان: شقة "بنتهاوس" خاصة بنوح - تطل على النيل من زاوية أخرى.الزمان: 02:00 صباحاً.
الوصف:يعود نوح لشقته السرية، ليست القصر العائلي، بل ملاذه الخاص. المكان غارق في الظلام إلا من إضاءة خافتة جداً. يخلع معطفه ويرميه بإهمال، جسده الرياضي المليء بالندوب يظهر تحت القميص المفتوح.يصب لنفسه كأساً، ويتجه لغرفة النوم.يفتح الباب، ليتفاجأ بوجود شخص في انتظاره. ليست ليلى هذه المرة.إنها "كامليا" (26 عاماً). طبيبة جراحة، ولكنها تعمل "طبيبة للعالم السفلي"، تعالج من لا يستطيعون الذهاب للمستشفيات. جميلة بملامح بريئة تخفي قسوة اكتسبتها من رؤية الدماء يومياً. ترتدي قميص نوم حريري أسود قصير جداً، وتجلس على طرف سريره، تدخن سيجارة رفيعة.
الحوار:نوح: (يتوقف عند الباب، لا يبدو متفاجئاً تماماً)"كامليا؟.. إيه اللي جابك هنا في وقت زي ده؟ حد مصاب؟"
كامليا: (تطفئ السيجارة ببطء، وتقف وتتجه نحوه بخطوات واثقة)"مفيش مصابين الليلة يا ديجور.. بس أنا اللي محتاجة علاج.. (تقف أمامه مباشرة، تضع يدها على صدره العاري، تشعر بنبض قلبه الهادئ بشكل مستفز) سمعت إن كان عندك حفلة تكسير عضم في المدابغ.. قلت أجي أطمن عليك.. ولا الدكتور ملوش حق يكشف؟"
نوح: (يمسك يدها، يضغط عليها برفق، وينظر لجسدها بنظرة فاحصة جريئة)"الدكتور مكانه في العيادة يا دكتورة.. سريري مش مكان للكشف.. (يقربها منه بحركة خاطفة حتى تلتصق به) إلا لو كان الكشف نوع تاني."
كامليا: (تبتسم بإغراء، وتلف ذراعيها حول عنقه)"أنت عارف أنا عايزة إيه يا نوح.. بقالنا شهر بنلعب لعبة القط والفار دي.. أنا مش زي ليلى، مش عايزة فلوسك ولا نفوذك.. أنا عايزة النار اللي جواك دي.. (تهمس في أذنه) احرقني بيها."
الوصف:يستسلم نوح للحظة لغريزته، يدفن وجهه في عنقها يستنشق عبيرها، يده تنزلق على ظهرها العاري بقوة وتملك. يرفعها بين ذراعيه بسهولة وكأنها ريشة، وتتجه القبلات لتصبح أكثر عنفاً وشغفاً، لغة الجسد تحل محل الكلام، وصراع السيطرة يبدأ بين "الإمبراطور" و"طبيبته" في ليلة طويلة لا تعرف النوم.
(المشهد 6)المكان: غرفة نوم نوح (البنتهاوس).الزمان: 06:00 صباحاً (فجر اليوم التالي).
الوصف:ضوء الفجر الأزرق يتسلل بوهن من الستائر الثقيلة. الغرفة في حالة فوضى هادئة تعكس صخب الليلة الماضية. نوح مستيقظ، يجلس على حافة السرير عاري الصدر، عضلات ظهره مشدودة، ينظر إلى الفراغ بشرود. بجانبه، "كامليا" تغط في نوم عميق، شعرها منسدل على الوسادة، وتبدو بريئة وهادئة تماماً عكس طبيعتها النارية.نوح ينهض بهدوء شديد كي لا يوقظها. يتجه نحو الحمام، يغسل وجهه بماء بارد، وينظر للمرآة. للحظة.. فقط للحظة، يرى ظله في المرآة يتحرك بشكل مختلف عن حركته. يغمض عينيه ويهز رأسه.
نوح (يحدث نفسه):"قلة نوم.. ولا دي ضريبة الدم؟.. ركز يا نوح، 'الجنرال'.. الاسم ده مش غريب."
الوصف:يخرج من الغرفة، يرتدي ملابس رياضية سوداء. يترك ورقة نقدية كبيرة وملاحظة قصيرة لكامليا بجانب سريره: "قهوتك في المطبخ. اقفلي الباب وراكي." رسالة جافة وعملية، تماماً كطبيعته التي ترفض التعلق.
(المشهد 7)المكان: مقر شركة "الألفي جروب" - القرية الذكية.الزمان: 09:00 صباحاً.
الوصف:المقر عبارة عن قلعة زجاجية حديثة. التكنولوجيا في كل مكان. نوح يدخل بهيبته المعتادة كرئيس مجلس الإدارة. الموظفون يقفون احتراماً (وخوفاً) أثناء مروره.يدخل مكتبه الواسع في الطابق الأخير. "هند"، سكرتيرته (أربعينية، محترفة، وتعرف كيف تحفظ الأسرار)، تلحقه بالآيباد.
الحوار:هند:"صباح الخير يا فندم. الاجتماع مع الوفد الألماني الساعة عشرة. وفيه مكالمة مستعجلة من اللواء 'رفعت' من المخابرات.. اتصل مرتين."
نوح: (يجلس خلف مكتبه الضخم، ويفتح جهاز الكمبيوتر ببصمة العين)"أجلي الألمان ساعة.. وهاتيلي اللواء رفعت على الخط المشفر حالاً."
الوصف:بعد ثوانٍ، يرن الهاتف الأرضي الأحمر.
نوح:"صباح الخير سيادة اللواء.. خير؟ الدنيا مقلوبة من بدري."
اللواء رفعت (صوت خشن عبر الهاتف):"مش وقت مجاملات يا نوح. فيه حاجة حصلت امبارح بالليل في المدابغ.. ورجالتنا لقوا 'الضبع' مرمي ومخيخ. بصماتك مش موجودة طبعاً، بس ريحتك في المكان."
نوح: (يبتسم ببرود)"الضبع كان عنده عسر هضم.. حبيت أريحه. المهم، أنت متصل عشان تعاتبني على حتة بلطجي؟"
اللواء رفعت:"لا.. أنا متصل أحذرك. المعلومات اللي الضبع كان بيبيعها.. مش بس عن تحركات الرئيس. دي كانت عن 'المشروع الأسود'.. وأنت عارف مين اللي ماسك تأمين المشروع ده."
نوح: (تتغير ملامحه للجدية التامة)"أنا.. تقصد إن الخرق من عندي؟"
اللواء رفعت:"بالضبط. والاسم اللي بيتردد في التقارير هو 'الجنرال'.. لو المعلومات دي طلعت بره، رقبتي ورقبتك هيطيروا قبل ما الشمس تغيب. معاك 24 ساعة يا نوح.. صلح غلطتك."
الوصف:يغلق الخط. نوح يضرب بقبضته على المكتب بقوة جعلت الزجاج السميك يهتز. الخرق من الداخل.. هذا يعني خيانة.
(المشهد 8)المكان: غرفة السيرفرات الرئيسية (قبو الشركة).الزمان: 10:00 صباحاً.
الوصف:غرفة باردة جداً مليئة بالأضواء الزرقاء والخضراء. نوح يقف خلف "مازن" (شاب عبقري في الهاكينج، يرتدي نظارة طبية وسترة واسعة، وهو الذراع التقني لنوح).
الحوار:نوح:"قلبلي النظام يا مازن.. عايز أعرف مين دخل على ملفات 'المشروع الأسود' في آخر 48 ساعة. أي بصمة، أي لوج، حتى لو كان شبح."
مازن: (أصابعه تطير على الكيبورد بسرعة جنونية)"يا باشا النظام بتاعنا مقفول بسبع طبقات تشفير.. مستحيل حد يدخل من بره.. إلا لو.."
نوح:"إلا لو إيه؟ انطق!"
مازن: (يتوقف، يبلع ريقه بصعوبة، ويدير الشاشة لنوح)"إلا لو الدخول كان بـ 'كود ماستر'.. والكود ده مش مع حد غيرك أنت.. والست ليلى هانم."
الوصف:الصدمة تظهر على وجه نوح، لكنها سرعان ما تتحول لغضب بارد ومخيف. ليلى.. ابنة عمه وشريكته. هل وصلت جراءتها لبيع أسرار الدولة لكسره؟
نوح: (يهمس بصوت يشبه فحيح الأفعى)"ليلى.."
مازن:"أعمل إيه يا ريس؟ أقفل حسابها؟"
نوح:"لا.. سيبها تلعب. راقبلي تليفونها، وعربيتها، وحتى دقات قلبها لو تقدر. عايز أعرف هي هتقابل مين الليلة."
(المشهد 9)المكان: فيلا فخمة في التجمع الخامس (مكان التسليم الذي ذكره الضبع).الزمان: 11:30 مساءً.
الوصف:الفيلا محاطة بحراسة مشددة. كلاب حراسة، وكاميرات حرارية.نوح (بزي "الديجور" الكامل هذه المرة: بدلة تكتيكية سوداء، قناع يغطي نصف وجهه، وأسلحة خفيفة) يراقب من فوق شجرة عالية تطل على الحديقة.تصل سيارة رياضية حمراء. تنزل منها "ليلى". تبدو متوترة، تحمل حقيبة فضية صغيرة.يستقبلها رجل طويل القامة، يرتدي معطفاً عسكرياً قديماً، شعره رمادي، ووجهه مشوه بندبة طويلة. إنه "الجنرال".
الحوار (يسمعه نوح عبر أجهزة تنصت بعيدة المدى):
الجنرال: (صوت أجش، بلكنة أجنبية ثقيلة)"تأخرتي يا قطة.. كنت فاكر إن الألفي منضبطين في مواعيدهم."
ليلى: (تحاول أن تبدو قوية، لكن صوتها يرتجف قليلاً)"الطريق كان زحمة.. الفلاشة أهي.. فين بقية المبلغ؟ واتفاقنا إن نوح ميحصلوش حاجة.. أنا عايزاه يقع مالياً بس، مش يموت."
الجنرال: (يضحك بصوت عالي ومستفز)"يا ليكي من ساذجة.. نوح الألفي مش من النوع اللي بيقع ويقوم تاني.. ده لازم ينتهي.. (يأخذ الحقيبة منها بعنف) شكراً على الهدية.. ودلوقتي، دورك انتهى."
الوصف:يشير الجنرال لحراسه. يحيطون بليلى مشهرين أسلحتهم. ليلى تدرك الفخ، الرعب يملأ عينيها."أنت.. أنت خنت الاتفاق!""الاتفاقات بتتعمل بين الكبار.. وأنتِ مجرد **** بتلعب بالنار."
في تلك اللحظة.. الظلام في الحديقة يبدأ في "التموج". لم يكن مجرد ليل عادي. المصابيح الخارجية تنفجر واحداً تلو الآخر.صوت نوح يأتي من كل مكان ولا مكان، مضخماً ومخيفاً:"واللعب مع الأطفال.. بيعور الكبار يا جنرال."
الجنرال: (يصرخ في رجاله)"وضع قتالي! إنه هو!"
الوصف:ينزل نوح من الأعلى كالصاعقة السوداء. لا يستخدم الرصاص هذه المرة، بل سكاكين رمي (Kunai) معدلة. في ثوانٍ، ثلاثة حراس يسقطون وسكاكين مغروسة في أكتافهم بدقة جراحية لشل حركتهم فقط.يقفز نوح ويحط أمام ليلى مباشرة، ظهره لها، يحميها بجسده. ينظر للجنرال وعيناه تلمعان في الظلام.
نوح: (دون أن يلتفت لليلى)"حسابك معايا بعدين.. دلوقتي، خليكي ورا ضهري لو عايزة تعيشي."
ليلى: (مذهولة، تهمس)"نوح؟.."
الجنرال: (يخرج سيفاً غريباً من غمده، سيفاً يبدو قديماً جداً ومنقوشاً عليه رموز غريبة)"أخيراً.. الديجور.. كنت مستنيك. (يشير بالسيف) وريني.. هل أنت فعلاً تستحق 'الإرث'؟"
الوصف:الجنرال يندفع بسرعة لا تصدق نحو نوح. سرعة تتجاوز البشر العاديين. نوح يصد الضربة بخنجره التكتيكي، لكن قوة الضربة تدفعه للخلف أمتاراً. الشرارات تتطاير. نوح يدرك فوراً.. هذا الرجل ليس مجرد مرتزق.. هذا الرجل "يعرف" شيئاً عن القوى الخفية.
نوح (في نفسه):"قوته مش طبيعية.. والسيف ده.. أنا شفت الرموز دي فين؟.. (يتذكر الرمز الذي رآه في المدابغ).. ده نفس الرمز!"
المعركة:الجنرال يهاجم بوحشية. نوح يعتمد على خفته ومناوراته. يحاول استخدام "الظلال" لإعاقة رؤية الجنرال، لكن المفاجأة أن الجنرال يقطع الظل بسيفه وكأنه مادة صلبة!"سيفي ده داق ددمم جدودك يا وريث الظلال!" يصرخ الجنرال.
نوح يتلقى جرحاً سطحياً في ذراعه. الألم حاد وغير طبيعي (كأنه حرق). ليلى تصرخ.نوح يقرر استخدام ورقته الرابحة. يركز طاقته، وفجأة.. يختفي تماماً من أمام عين الجنرال، ويظهر خلفه بلمح البصر (Teleportation قصير المدى عبر الظل). يوجه ركلة قوية لظهر الجنرال تسقطه أرضاً، ويخطف الحقيبة (الفلاشة) من يده.
نوح:"انتهى الدرس."
يرمي قنبلة دخان كثيفة، ويمسك يد ليلى ويسحبها معه، يختفيان في ظلام الحديقة قبل أن يستعيد الجنرال توازنه.
صوت الجنرال (يأتي من خلف الدخان):"اهرب يا ديجور.. اهرب.. بس مش هتقدر تهرب من قدرك.. المجلس اجتمع.. والحكم صدر!"
(المشهد 10)المكان: سيارة نوح - منطلقة بسرعة جنونية على الطريق الدائري.الزمان: 12:30 بعد منتصف الليل.
الوصف:نوح يقود بيد واحدة، واليد الأخرى تضغط على جرح ذراعه الذي ينزف دماً أسود غريباً. ليلى بجانبه، ترتجف وتبكي بصمت، تنظر للجرح برعب.
الحوار:ليلى:"نوح.. دمك.. لونه.. لونه غريب."
نوح: (يتنفس بصعوبة، العرق يتصبب من جبينه)"اسكتي.. مش عايز أسمع صوتك."
ليلى:"أنا.. أنا آسفة.. هو قالي إنه هيدمرك مالياً بس.. مكنتش أعرف إنه.."
نوح: (يضغط فرامل فجأة، يوقف السيارة على جانب الطريق المظلم، يلتفت إليها بغضب، عيناه تحولت للحظة للون الأسود بالكامل)"غبية!.. أنتي كنتي بتبيعي رقبتي لواحد عايز يقتلني ويقتل سلالتنا كلها!.. (يمسك ذراعه بألم) السيف ده.. السيف ده ملعون."
ليلى: (تحاول لمس جرحه)"خلينا نروح المستشفى.."
نوح: (يبعد يدها)"مستشفى إيه!.. ده مش جرح عادي.. (ينظر لها بعمق، ولأول مرة يظهر ضعفاً في عينيه) لازم نروح لـ 'البيت الكبير'.. في الصعيد.. جدك.. هو الوحيد اللي هيفهم الرموز دي."
ليلى:"الصعيد؟ إحنا مرحناش هناك من واحنا *****!"
نوح:"عشان كده لازم نرجع.. الأصول بتنادينا يا بنت عمي.. اللعبة كبرت.. ومبقاش فيها رجوع."
يضغط على البنزين، السيارة تنطلق لتشق ظلام الطريق الصحراوي، متجهة نحو الجنوب.. نحو الجذور.. ونحو المجهول.
(المشهد 11)المكان: الطريق الصحراوي الغربي (طريق الصعيد) - داخل السيارة.الزمان: 03:00 صباحاً (ظلام دامس).
الوصف:السيارة تنهب الأسفلت. الصمت سيد الموقف، لا يقطعه سوى صوت المحرك القوي وأنفاس نوح المضطربة. الألم في ذراعه يتصاعد، والسم (أو اللعنة) التي في السيف بدأت تسبب له هلوسات وحمى.ليلى تنظر إليه بقلق حقيقي، تحاول مسح العرق عن جبينه بمنديلها.نوح يغلق عينيه للحظة بسبب الدوار، وفجأة.. الماضي يهاجمه.
(فلاش باك - الذاكرة)المكان: منطقة جبلية نائية في الصحراء الغربية (بالقرب من واحة سيوة).الزمان: قبل 20 عاماً (نوح عمره 12 عاماً).
الوصف:الشمس تغرب، والرمال تتحول للون الدم. طفلان يركضان نحو شق صخري غريب في الجبل.الأول: نوح (جريء، متهور، عيناه تلمعان بالفضول).الثاني: عاصم (صديق طفولته المقرب، هادئ، لكنه يتبع نوح في كل شيء).
حوار الذاكرة:عاصم: (يلهث)"بلاش يا نوح.. جدي بيقول المغارة دي مسكونة.. اللي بيدخلها مبيطلعش زي ما كان."
نوح: (يضحك ببراءة الأطفال)"أنت خواف ليه يا عاصم؟ دي مجرد حفرة.. بيقولوا فيها كنز.. تخيل لو لقينا دهب! هنبقى ملوك."
عاصم:"أنا خايف.."
نوح: (يمسك يد صديقه بقوة)"طول ما أنا معاك متخافش.. إحنا إخوات، صح؟.. يالا."
الوصف:يدخلان الشق الضيق. الظلام في الداخل ليس طبيعياً. إنه ظلام "حي"، كثيف لدرجة أنه يكتم الأصوات.فجأة، الأرض تهتز تحتهما. يسقطان في هوة عميقة.يستيقظ نوح (الطفل) في قاعة صخرية ضخمة تحت الأرض، جدرانها تنبض بضوء بنفسجي خافت. في المنتصف، توجد بحيرة سوداء صغيرة، سطحها أملس كالمرآة.
صوت همس يملأ المكان، لا مصدر له:"واحد للنور في الظلمة.. وواحد للظلمة في النور."
نوح يقترب من البحيرة، يمد يده بفضول ليلمس الماء الأسود. في نفس اللحظة، عاصم (الذي كان يرتجف في الزاوية) يصرخ ويركض ليدفعه بعيداً خوفاً عليه، لكنه يسقط هو في الماء بدلاً منه.عاصم يسقط في السواد.نوح يصرخ ويمسك يد عاصم ليحاول سحبه، لكن شيئاً ما يسحب عاصم لأسفل. الظل يزحف من ذراع عاصم وينتقل لجسد نوح.تحدث صدمة طاقة هائلة.عاصم يختفي في العمق وهو يصرخ: "نوح! ساعدني!"ونوح يُقذف بقوة خارج المغارة، وقد أصبح ظله.. أطول وأكثر سواداً من الليل.
(نهاية الفلاش باك)
(المشهد 12)المكان: العودة للواقع - داخل السيارة.الزمان: 03:15 صباحاً.
الوصف:نوح يشهق بقوة ويفتح عينيه، يجد السيارة تنحرف عن الطريق. يمسك المقود في اللحظة الأخيرة ويعيدها للمسار.صدره يعلو ويهبط. الذكرى كانت واضحة ومؤلمة وكأنها حدثت بالأمس.
نوح: (يهمس بصوت ضعيف)"عاصم.."
ليلى:"بتقول إيه؟ مين عاصم؟"
نوح: (يتجاهل سؤالها، وينظر للطريق بتركيز وحقد)"الجنرال.. الجنرال مكنش مرتزق.. الجنرال كان بيكمل اللي بدأه عاصم.. أو يمكن.."
يتوقف عن الكلام. فكرة مرعبة تلمع في رأسه. هل الجنرال هو "عاصم"؟ لا، عاصم اختفى، لكن ربما نسله؟ أو ربما عاد بشكل آخر؟السيف الذي ضربه به الجنرال.. كان عليه نفس النقش الذي كان على جدار تلك المغارة الملعونة.
نوح:"ليلى.. اسمعيني كويس. 'الجنرال' ده مش هدفه فلوس ولا معلومات.. ده تار بايت.. تار بقاله عشرين سنة مدفون في مغارة في الصحرا."
ليلى:"أنا مش فاهمة حاجة يا نوح! إيه اللي بيحصل؟ وإيه علاقة المغارة بشركتنا؟"
نوح:"شركتنا؟.. (يضحك بمرارة) 'الألفي جروب' اتبنت بفضل القوة اللي أخدتها من المغارة دي.. أنا بنيت الإمبراطورية دي بالخوف.. بالظلال اللي بتخدمي.. لكن التمن كان عاصم.. ودلوقتي، الظاهر إن الديانة جت عشان تاخد حقها."
(المشهد 13)المكان: قصر "الألفي" القديم - محافظة سوهاج (جزيرة شندويل).الزمان: 06:00 صباحاً (شروق الشمس).
الوصف:السيارة تصل لبوابة قصر قديم مهيب، مبني بالطراز المعماري الصعيدي الفخم لكنه يبدو مهجوراً جزئياً. حقول القصب تحيط به من كل جانب.البوابة الحديدية الضخمة تفتح بصرير مزعج بمجرد اقتراب السيارة (الحراس يعرفون سيارة نوح).ينزل نوح، شاحب الوجه، يتكئ على السيارة.يخرج من القصر رجل عجوز، طويل القامة، يرتدي جلباباً صوفياً وعمامة، وجهه محفور بتجاعيد الزمن لكن ظهره مستقيم. إنه "الجد: منصور الألفي".
الحوار:الجد منصور: (يقف على السلم، ينظر لحفيده بنظرة ثاقبة)"كنت عارف إنك هترجع يا ولد.. الدم عمره ما بيبقى ميه.. والظل عمره ما بيفارق صاحبه."
نوح: (يتقدم خطوات متعثرة)"جدي.. اللعنة.. رجعت."
الجد منصور: (ينظر لذراع نوح المصابة، ثم ينظر لليلى التي تقف خلفه بخوف)"مش اللعنة بس اللي رجعت.. (يشير لليلى) الخيانة كمان رجعت.. دمك مسموم يا نوح.. بس مش بسيف حد غريب.. ده سيف 'المنفيين'."
نوح:"المنفيين؟.. تقصد عاصم؟"
الجد منصور:"عاصم مات يوم ما دخل المغارة.. اللي طلع منها.. واللي نسله بيطاردك دلوقتي.. دول 'آكلي الظلال'.. (يقترب من نوح ويمسك كتفه) ادخل.. الزمن بيجري، ولو الشمس غابت وأنت لسه مسموم.. الظل اللي جواك هياكلك."
(المشهد 14)المكان: ساحة داخلية بالقصر - مفتوحة على السماء.الزمان: 07:00 صباحاً.
الوصف:نوح يجلس عاري الجذع وسط الساحة. الجد منصور يحضر وعاءً فخارياً قديماً به خلطة أعشاب وزيوت سوداء، ويتمتم بكلمات غير مفهومة.ليلى تراقب من الشرفة العلوية، تشعر بالذنب والخوف.الجد يضع الخليط على جرح نوح.صرخة ألم مكتومة تخرج من نوح. الدخان الأسود يتصاعد من الجرح وكأنه شيطان يخرج.
الحوار:الجد منصور: (وهو يضغط على الجرح)"اتحمل.. السم ده عايز يطفي نورك الداخلي.. العدو المرة دي مش عايز يقتلك وبس.. عايز ياخد 'الهبة' اللي أخدتها من المغارة."
نوح: (بين أنفاسه المتقطعة)"مين هو الجنرال يا جدي؟.. أنا حسيت بحاجة مألوفة فيه."
الجد منصور:"الجنرال ده يبقى 'ابن' عاصم.. الولد اللي اتولد في الظلام.. لما عاصم غرق، الكيان اللي في المغارة تلبسه.. ولما خرج بعد سنين، كان معاه ***.. الطفل ده كبر عشان يرجع ياخد اللي بيعتقده حقه.. قوتك."
نوح:"يعني أنا مش بحارب منظمة.. أنا بحارب شبحي."
الجد منصور:"بالضبط.. وعشان تهزمه.. لازم ترجع للمصدر.. لازم ترجع للمغارة تاني."
نوح:"أرجع للجحيم ده تاني؟"
الجد منصور:"يا ترجع وتاخد 'السر الكامل'.. يا تستنى لما هو يجيلك وياخد روحك.. ومعهوش رحمة."
(المشهد 15)المكان: مكان مجهول (مقر الجنرال).الزمان: في نفس التوقيت.
الوصف:غرفة مظلمة تماماً لا ينيرها سوى وهج سيف الجنرال الموضوع على طاولة حجرية.الجنرال يجلس، ويخلع قناعه لأول مرة. وجهه.. نسخة مشوهة من وجه نوح. نفس الملامح، لكن البشرة رمادية ميتة، والعينان سوداوان بالكامل بلا بياض.يمسك صورة قديمة ممزقة لنوح وعاصم وهما *****.
الجنرال (يهمس بصوت مزدوج مرعب):"هو أخد النور.. وأنا أخدت العتمة.. بس العتمة جعانة يا نوح.. جعانة أوي.. وقريب.. هنبقى واحد تاني."
ينظر لظله على الحائط.. الظل يتحرك ويشكل هيئة وحش يفتح فمه ليبتلع الغرفة.
نهايه الفصل الأول
لا تظن يا عزيزي انك تعلم الكثير مهما كان درجه معرفتك فهيا مجرد نقطه في بحر معرفه غيرك
الجزء الثاني:
كان الطريق الزراعي الممتد نحو أعماق محافظة سوهاج يبدو وكأنه نفق زمني يعود بالمسافرين إلى عصور غابرة، حيث الظلام ليس مجرد غياب للضوء، بل هو كيان ثقيل يطبق على الصدور، ورائحة الأرض الطينية المبللة بماء النيل تمتزج برائحة الدخان المنبعث من مواقد الفلاحين القديمة لتخلق مزيجاً يثير الحنين والرهبة في آن واحد. سيارة "نوح الألفي" الفارهة، التي كانت قبل ساعات قليلة تلمع تحت أضواء القاهرة الصاخبة، أصبحت الآن وحشاً معدنياً جريحاً، هيكلها مغطى بطبقة كثيفة من الغبار والطين، ودماء "الديجور" السوداء اللزجة تلطخ مقعد السائق الجلدي الفاخر، شاهدة على المعركة التي كادت تودي بحياته.
كان نوح يقود السيارة بيد واحدة، بينما يده الأخرى تضغط بقوة يائسة على كتفه الأيسر، حيث الجرح الذي سببه سيف "الجنرال" الغامض. لم يكن جرحاً عادياً؛ كان يشعر وكأن نيران الجحيم قد سُكبت داخل عروقه، ألم نابض يتحرك ببطء نحو قلبه، يرسل موجات من البرودة والسخونة في جسده المتعب. الظلال داخل السيارة كانت تتراقص بطريقة غير طبيعية، تتمدد وتنكمش مع كل أنفاسه، وكأن "الكيان" الذي يسكنه بدأ يخرج عن السيطرة، يتغذى على ألمه وضعفه. بجانبه، كانت "ليلى" تجلس في حالة من الصدمة والذهول، فستان السهرة الأحمر الأنيق الذي كانت ترتديه في الحفلة قد تمزق واتسخ، وشعرها الذي كان مصففاً بعناية أصبح شعثاً يغطي نصف وجهها الشاحب. كانت تنظر إلى الطريق المظلم بعينين متسعتين، ثم تختلس النظر إلى نوح بين الحينة والأخرى، وكأنها ترى شخصاً غريباً لا تعرفه، وحشاً يرتدي قناع ابن عمها.
"إحنا رايحين فين يا نوح؟" سألت ليلى بصوت مبحوح يرتجف من البرد والخوف، محاولة كسر الصمت الثقيل الذي خيم على السيارة لساعات. "أنت بتنزف ددمم لونه أسود.. ده مش طبيعي.. لازم نروح مستشفى، لازم دكتور يشوفك قبل ما تتصفى."
لم يلتفت إليها نوح، ظلت عيناه مثبتتين على الطريق الضيق المحاط بحقول قصب السكر الشاهقة التي بدت في الظلام كجيوش من الأشباح تتمايل مع الريح. أجابها بصوت خافت، أجش، وكأن الكلمات تخرج من قاع بئر عميق: "المستشفيات مبتعالجش اللعنات يا ليلى.. الدكاترة بيفهموا في الجروح، في الكسور، في الأمراض اللي ليها أسامي في الكتب.. لكن اللي عندي ده ملوش اسم في كتب الطب.. ده (تار) قديم.. وعلاجه مش في المدينة.. علاجه في الجذور."
زادت سرعة السيارة وهي تنحرف بحدة لتدخل طريقاً فرعياً غير ممهد، الحصى يتطاير تحت العجلات، وصوت المحرك يزمجر باعتراض. لاح في الأفق ظل ضخم، مبنى مهيب يقف وحيداً وسط الحقول، محاطاً بسور عالٍ من الطوب الأحمر والحجر الجيري القديم. إنه قصر عائلة "الألفي"، الحصن الذي هرب منه نوح منذ سنوات طويلة، وها هو يعود إليه الآن زاحفاً، مكسوراً، ومحتاجاً.
توقفت السيارة أمام البوابة الحديدية الضخمة التي علاها الصدأ، والتي تحمل شعار العائلة القديم: صقر يحمل سيفاً مكسوراً. خرج حراسان من غرفة الأمن الجانبية، يرتديان الجلاليب الصعيدية التقليدية، لكن الأسلحة الآلية الحديثة المعلقة على أكتافهم كانت تشير إلى أن هذا المكان ليس مجرد منزل ريفي، بل هو قلعة حربية متأهبة. وجه أحدهما كشافاً قوياً نحو وجه نوح، وصرخ بلهجة صعيدية حادة: "مين هناك؟ انزل وارفع يدك!"
فتح نوح الباب بجهد جهيد، وسقطت قدمه على التراب. وقف مترنحاً، يستند على باب السيارة، ورفع وجهه الشاحب نحو الضوء. عندما ميز الحارس ملامحه، تراجع خطوة للوراء، وخفض سلاحه ببطء، والدهشة تعقد لسانه: "سي نوح؟.. يا مرحب.. يا مرحب الغالي ولد الغالي.. افتح البوابة يا واد بسرعة! سي نوح رجع!"
انفتحت البوابة بصرير مزعج وكأنه أنين الزمن، ودخل نوح السيارة إلى الفناء الداخلي الواسع. القصر كان يبدو في حالة من العظمة المتداعية؛ الجدران العالية التي كانت يوماً رمزاً للنفوذ والسلطة، أصبحت الآن تحمل شقوقاً وتصدعات تخفيها الظلال. النوافذ الخشبية الكبيرة كانت مغلقة بإحكام، وكأن القصر يغلق عينيه عن العالم الخارجي.
نزل نوح، وتبعه ليلى التي كانت تتمسك بذراعه كطوق نجاة. في تلك اللحظة، انفتح الباب الرئيسي للقصر، وخرج منه رجل عجوز، طويل القامة بشكل ملحوظ، يرتدي جلباباً صوفياً أسود وعمامة كبيرة تزيد من هيبته. وجهه كان خريطة من التجاعيد التي حفرتها الشمس والزمن، لكن عينيه كانتا لا تزالان تلمعان بحدة الصقر الجارح، وعموده الفقري منتصب بكبرياء لم تكسره السنوات. إنه الجد "منصور الألفي"، كبير العائلة، وحارس أسرارها المظلمة.
وقف منصور على الدرجات الرخامية للمدخل، ينظر إلى حفيده العائد. لم يركض لاحتضانه، ولم تظهر على وجهه علامات الفرح أو الشوق. كانت نظرته مزيجاً من الحزن العميق، والغضب المكتوم، وشيء آخر أقرب إلى "خيبة الأمل" المتوقعة. نزل الدرجات ببطء، صوته العصا التي يتكأ عليها يضرب الأرض بإيقاع منتظم، (طرق.. طرق.. طرق)، حتى وصل أمام نوح مباشرة. نظر إلى الجرح الأسود الذي يلوث قميص نوح، وشم رائحة "الظلام" التي تفوح منه، فهز رأسه بأسف وقال بصوت عميق ورخيم يشبه صوت الرعد البعيد: "كنت عارف إنك راجع.. الدم بيحن لأصله يا ولدي، واللعنة بتحن لصاحبها.. مهما هربت، ومهما بعدت، ومهما لبست بدل وربيت دقن.. في الآخر، انت ابن (المغارة).. ورجعتلها زاحف."
سقط نوح على ركبتيه، لم يعد جسده قادراً على حمله. نظر لجده بعينين زائغتين، وهمس بألم: "ساعدني يا جدي.. السيف.. السيف كان مسموم بحاجة غريبة.. الظل بياكلني من جوه.. مش قادر أسيطر عليه.. الجنرال.. الجنرال ده مش بشر."
تغيرت ملامح الجد منصور عند سماع كلمة "الجنرال". ظهرت في عينيه نظرة رعب قديم، رعب ظن أنه دفنه منذ زمن. أشار فوراً للحراس الذين تجمعوا حولهم: "شيلوه.. دخلوه المضيفة الجوانية.. وقفلوا الأبواب والشبابيك كلها.. ومش عايز نملة تدخل أو تخرج من القصر الليلة.. اللي جاي ورانا مش حكومة ولا بوليس.. اللي جاي ورانا (تار) من عالم تاني."
حمل الرجال نوح، الذي فقد وعيه جزئياً، وساروا به عبر ممرات القصر الطويلة والمظلمة، بينما كانت ليلى تهرول خلفهم، تبكي بصمت، وتشعر أنها دخلت في كابوس لا تستطيع الاستيقاظ منه.
أدخلوا نوح إلى "المضيفة الداخلية"، وهي غرفة واسعة جداً تقع في قلب القصر، جدرانها مبنية من الحجر الصخري السميك، ومزينة بأسلحة قديمة؛ سيوف، بنادق عثمانية، ورماح صدئة. لم تكن هناك كهرباء في الغرفة، فقط مصابيح زيتية قديمة معلقة على الجدران تنشر ضوءاً أصفر راقصاً يزيد المكان غموضاً ووحشة.
وضعوا نوح على "دكة" خشبية كبيرة في وسط الغرفة. أمر منصور الجميع بالخروج ما عدا ليلى واثنين من كبار مساعديه الموثوقين. اقترب الجد من موقد نار مشتعل في زاوية الغرفة، وأخرج من جيبه قطعة معدنية غريبة الشكل، سوداء اللون ولها وميض أزرق خافت، تبدو وكأنها جزء من نيزك أو معدن غير أرضي. وضع القطعة في النار حتى احمرت وتوهجت.
اقترب من نوح، ومزق قميصه ليكشف عن الجرح. كان المنظر مرعباً؛ الجرح لم يكن ينزف دماً أحمر، بل مادة سوداء لزجة تتحرك وكأنها حية، وتحاول التوغل في الجلد السليم، ترسم خطوطاً سوداء تشبه العروق العنكبوتية حول منطقة الإصابة.
نظرت ليلى للجرح وشهقت، وضعت يدها على فمها لتمنع نفسها من التقيؤ. "إيه ده يا جدي؟.. ده غرغرينا؟"
"ده مش مرض يا بنتي.." قال منصور وهو يمسك القطعة المعدنية المتوهجة بملقط حديدي طويل: "ده (ختم).. ختم المنفيين. السيف اللي ضربه مصنوع من حديد (المغارة).. نفس الحديد اللي اتصنعت منه السلاسل اللي كانت حابسة الكيانات زمان.. الحديد ده لما بيلمس لحم البشر، بيفتح بوابة صغيرة للظلام يدخل منها ويسمم الروح قبل الجسم.. الطريقة الوحيدة عشان نوقف الزحف ده.. هي النار."
دون مقدمات، ودون تخدير، ضغط منصور بالقطعة المعدنية الملتهبة على جرح نوح مباشرة. ارتفع صوت "طشششش" مرعب، وتصاعد دخان أسود كثيف ذو رائحة كريهة تشبه رائحة الكبريت والشعر المحترق. انتفض جسد نوح بعنف، وصرخ صرخة مدوية هزت جدران القصر، صرخة ألم مخلوط بغضب وحشي، وعيناه انقلبتا لتصبحا بيضاوان تماماً للحظة، بينما ظله على الحائط تضخم وتحول لوحش يحاول الانفلات من جسده.
أمسك المساعدان بجسد نوح بقوة لتثبيته، بينما استمر الجد في الكي بقلب جامد لا يعرف الرحمة، يتمتم بكلمات غير مفهومة، ربما تعاويذ قديمة أو أدعية لرد الشر. بعد دقيقة بدت كأنها دهر، رفع منصور المعدن، وألقاه في وعاء ماء بارد، فصدر صوت غليان حاد.
سكن جسد نوح، وبدأ يلهث بصوت عالٍ، العرق يغطي وجهه وجسده بالكامل. عاد لون عينيه لطبيعته العسلية، لكن الإرهاق كان بادياً عليه بوضوح. نظر لجده بعينين زائغتين، وقال بصوت ضعيف: "أنا شفت الموت يا جدي.. شفت سواد ملوش قرار.. وشفت وشه.. الجنرال.. لما القناع وقع.. شفت.."
توقف نوح عن الكلام، وكأنه يخشى نطق الحقيقة. جلس منصور بجواره على كرسي خشبي، وأخرج كيس تبغ وبدأ يملأ غليونه ببطء، وكأنه يمنح نوح وقتاً ليستجمع شتات نفسه. أشعل الغليون، ونفث الدخان في الهواء، ثم نظر لنوح نظرة ثاقبة وقال: "شفت مين يا ولدي؟.. انطق.. متخافش من الحقيقة، الخوف هو اللي بيغذي الظل."
بلع نوح ريقه، وقال بصوت يرتجف: "شفت عاصم.. شفت عاصم صاحبي.. اللي مات من عشرين سنة.. اللي غرق قدام عيني في المغارة.. بس مكنش هو.. كان جسمه، وشه، صوته.. بس عينيه كانت فاضية.. كانت ميتة.. زي ما يكون (وعاء) فاضي وحد تاني سكنه."
سقط الغليون من يد منصور، وارتطم بالأرض وتناثر التبغ المشتعل. الملامح الصخرية للجد تشققت لتكشف عن فزع حقيقي. نظر لنوح، ثم لليلى التي كانت تستمع بذهول، ثم نهض ووقف أمام النافذة المغلقة، ينظر من خلال الشقوق للخارج، وكأنه يتوقع هجوماً في أي لحظة.
"عاصم.." همس منصور وكأنه يكلم نفسه: "كنت خايف من اليوم ده.. كنت بدعي **** إنه ما يجيش.. بس القدر مبيغلطش.. والديون القديمة لازم تتسدد."
التفت إليهم، ووجهه يحمل ثقل السنين والأسرار: "عيلة الألفي يا ولدي مكنتش مجرد أعيان عندهم أراضي وفلوس.. إحنا كنا (حراس).. حراس البوابة. من 300 سنة، جدك الأكبر (الشيخ همام) اكتشف (المغارة) في الجبل الغربي وهو بيطارد ديابة. لقى بحيرة سودة، مادة خام بتغير طبيعة البشر، بتديهم قدرات، بس بتاخد منهم روحهم. جدك فهم الخطر، وعمل عهد مع (حارس) المغارة القديم إنه يردم المدخل ويحمي السر، ومحدش من نسله يقرب هناك."
صمت منصور للحظة، ثم نظر لنوح بعتاب وحب في آن واحد: "لحد ما أنت وعاصم لعبتوا هناك وأنتو عيال.. الفضول قتلكم. كسرتوا العهد. أنت مديت إيدك في البحيرة.. فالظل سكنك، واختارك تكون (حامل) ليه.. لكن عاصم.. عاصم وقع فيها.. فالظل بلعه."
"بس أنا شفته بيموت!" صرخ نوح وهو يحاول النهوض: "أنا فضلت أصرخ وأنادي عليه، والمية بلعته! إزاي يطلع عايش؟ وإزاي يتحول للجنرال ده؟"
عاد منصور ليجلس أمامه، وأمسك بكتفه السليم بقوة: "اللي بيقع في بحيرة الظل مبيتمتش الموتة الطبيعية يا نوح.. بيتحول. جسمه بيفضل محفوظ، لكن روحه بتتاكل وتدوب في السواد. زمان، كنا بنقول إن اللي بيقع بيروح لعالم الجن.. لكن دلوقتي عرفت الحقيقة.. فيه حد طلع عاصم.. حد بيعرف في (العلم الأسود).. حد كان بيراقب المغارة ومستني اللحظة دي.. سحب جسم عاصم، ولعب في جيناته، وحقنه بمصلات شيطانية، وحوله لمسخ.. وعاء فاضي، عباه بكيان ظل صناعي.. عشان يصنع منه (الجندي المثالي).. الجندي اللي مبيحسش، مبيخافش، ومبيعرفش الرحمة."
شهقت ليلى وهي تضع يدها على قلبها: "عاصم؟ يعني هو ده الوحش اللي كان عايز يقتلنا؟ يا جدي ده مستحيل! ده كان أطيب قلب في الدنيا!"
نظر لها منصور بحدة وحزن: "صاحبكم الصغير مات زمان يا بنتي.. اللي جاي ورانا ده.. ده (مسخ) لابس وش عاصم.. ده سلاح في إيد اللي بيحركه.. وعشان نوقفه، لازم نقتله.. تاني."
"ومين اللي بيحركه؟" سأل نوح، وعيناه تشتعلان برغبة الانتقام: "مين اللي عمل فيه كده؟"
"واحد اسمه (البارون).." قال منصور الاسم وكأنه لعنة: "سمعت عنه من زمان، عالم مجنون، عضو في مجلس خفي بيحكم العالم من تحت لتحت، مهووس بفكرة الخلود ودمج البشر بالكيانات. هو اللي كان بيدور على المغارة بقاله سنين، وهو اللي لقى عاصم.. ودلوقتي، هو بعت الجنرال وراك عشان حاجة واحدة.. عشان دمك."
"دمي؟"
"أيوه.. دمك يا نوح.. أنت (النموذج الناجح). أنت الوحيد اللي قدرت تسيطر على الظل من غير ما تفقد عقلك، من غير ما تتحول لمسخ. دمك فيه (الشفرة) اللي البارون عايزها عشان يكمل تجاربه.. وعشان كده مش هيبطلوا يطاردوك."
فجأة، انقطع التيار الكهربائي عن القصر بالكامل، وانطفأت حتى المصابيح الزيتية بفعل تيار هواء قوي ومفاجئ هب في الغرفة المغلقة. حل ظلام دامس وثقيل، وساد صمت مرعب للحظات، قبل أن يسمعوا صوتاً في الخارج. ليس صوت سيارات، ولا صوت بشر يصرخون.كان صوتاً يشبه "العواء"، لكنه عواء مكتوم، ميكانيكي، يخرج من حناجر لا تعرف الألم. وتلاه صوت "زحف" آلاف الأقدام وسط حقول القصب الجافة، صوت (خشخشة) منتظمة تقترب من الأسوار كطوفان من الجراد.
وقف منصور بسرعة مذهلة بالنسبة لعمره، وتحرك في الظلام بذاكرة المكان، سحب بندقية قديمة (بندقية فيل) من على الحائط، وعمرها بصوت (كليك - كلاك) مسموع."وصلوا.." قال منصور بصوت يقطر غضباً وتحدياً: "المرتزقة اللي معاه.. دول (المعدلين). مبيحسوش بالألم، ومبيموتوش بسهولة. نوح.. قوم.. جهز ضلك.. الليلة دي مش ليلة عتاب ولا حكي.. الليلة دي يا قاتل يا مقتول.. الليلة دي هنحمي البيت بدمنا، ولو القصر وقع.. يبقى كلنا هنقع معاه."
تحامل نوح على نفسه، ووقف على قدميه المرتعشتين. شعر بالظل داخله يتململ، يستشعر الخطر، ويستعد للقتال. نظر ليده في الظلام، فرأى أصابعه تتحول لمخالب دخانية سوداء. الألم في كتفه تحول لغضب بارد."أنا جاهز يا جدي.." قال نوح بصوت الديجور المزدوج: "خليهم ييجوا.. القصب النهاردة هيشرب ددمم."
خرج الجد والحفيد من الغرفة، تاركين ليلى ترتعد في الزاوية، متجهين نحو الفناء الخارجي، حيث بدأ جيش "الجنرال" في اقتحام الأسوار، وحيث ستبدأ المعركة التي ستحدد مصير سلالة الألفي للأبد.
لم يكن الصمت الذي خيم على قصر الألفي بعد انقطاع الكهرباء صمتاً طبيعياً، بل كان الهدوء الذي يسبق العاصفة، ثقيلاً ومحملًا برائحة البارود والترقب. وقف الجد "منصور" في منتصف الفناء الخارجي، كجبل لا يهزه ريح، قابضاً على بندقيته القديمة ذات الماسورتين، بينما انتشر رجاله المخلصون -الذين تربوا على حماية هذا البيت- فوق الأسوار وخلف الأعمدة، عيونهم تحدق في بحر الظلام المتموج الذي يحيط بهم. حقول قصب السكر، التي كانت يوماً مصدر رزق وخير، تحولت الليلة إلى غابة من الرماح تخفي بداخلها الموت الزاحف.
"يا رجالة!" صاح منصور بصوت جهوري قوي، كأنه قائد جيش قديم: "اللي جايين علينا دول مش بشر زينا.. دول (مسوخ) لا بيحسوا بوجع ولا بيعرفوا رحمة.. اضربوا في الراس.. واضربوا عشان تموتوا، مش عشان تعوروا.. الليلة دي دفاع عن العرض والدم!"
ما كاد صوته يخفت حتى انطلقت الإشارة. لم تكن صرخة حرب، بل صوت صفير ميكانيكي حاد ومزعج اخترق سكون الليل، تلاه وابل من قذائف الغاز المسيل للدموع وقنابل الدخان التي سقطت داخل فناء القصر، محولة إياه إلى سحابة بيضاء خانقة. سعل الحراس، واختلت رؤيتهم، وفي تلك اللحظة بالذات، انقض "الجيش الميت".
خرجوا من وسط القصب كالشياطين، يرتدون بدلات تكتيكية سوداء وأقنعة غاز تغطي وجوههم بالكامل، عيونهم تلمع بضوء أخضر صناعي. قفزوا فوق الأسوار العالية بخفة ومرونة تتنافى مع الطبيعة البشرية، وكأن جاذبية الأرض لا تؤثر فيهم. التحموا مع حراس القصر في قتال قريب وحشي.
"نوح" كان يقف عند مدخل القصر الداخلي، يشاهد المذبحة بعينين تشتعلان غضباً. رأى أحد حراس جده يطلق النار من مسافة صفر على صدر أحد المرتزقة، رصاصتين في القلب مباشرة. المرتزق لم يسقط، لم يتأوه، بل استمر في التقدم بنفس السرعة، وأمسك برقبة الحارس وكسرها بحركة واحدة باردة وميكانيكية، ثم ألقى جثته جانباً وأكمل طريقه. هؤلاء ليسوا جنوداً؛ هؤلاء دمى لحمية محشوة بمصلات "البارون" الشيطانية.
"الظل.." همس نوح، وهو يغمض عينيه ويركز على الألم الذي ينهش كتفه. قرر أن يطلق العنان للوحش الذي يسكنه. لم يعد هناك مجال لإخفاء طبيعته. مد يده اليمنى، وبدأت أصابعه تستطيل وتتحول إلى مخالب من الدخان الأسود الكثيف. ظله الملقى على الأرض خلفه انفصل عنه، وتضخم، وأصبح كيانًا مستقلاً له عينان بيضاوان.
اندفع نوح إلى ساحة المعركة. لم يكن يركض، بل كان "ينزلق" بين الظلال. يختفي في بقعة مظلمة ليظهر خلف المرتزق، ويمرر مخالبه الدخانية عبر جسد العدو. لم يكن يقطع اللحم، بل كان "يسمم" الدم. بمجرد أن يلمس نوح أحدهم، تتيبس عروق المرتزق وتتحول للأسود، ويسقط يتشنج وهو يخرج رغوة سوداء من فمه. كانت قدرة نوح هي السلاح الوحيد الفعال ضد هؤلاء المعدلين جينياً، لأنه يهاجم الحياة نفسها فيهم، لا الجسد.
"يا ساتر يا رب!" صرخ أحد الحراس القدامى وهو يرى نوح يتحرك كالعفريت، يقطف الأرواح يميناً ويساراً، لكن الجد منصور صرخ فيه: "ركز في اللي قدامك يا واد! ده ولدنا.. وده سره اللي خبيناه سنين!"
في تلك الأثناء، ومن وسط الدخان والفوضى، ظهر "الجنرال". مشى ببطء وثقة وسط الجثث، يمسك سيفه الغريب المنقوش برموز "المنفيين". كان يرتدي درعاً خفيفاً، وقناعاً يغطي نصف وجهه السفلي، لكن عينيه.. تلك العيون الميتة التي عرفها نوح جيداً، كانت مثبتة عليه.
توقف القتال حولهما تدريجياً، وكأن ساحة المعركة نفسها تريد أن تشهد هذا اللقاء. وقف نوح، يلهث، والظل يلتف حوله كرداء ملكي ممزق، بينما وقف الجنرال أمامه، يمسح دماء أحد الحراس عن نصله.
"أخيراً.." نطق الجنرال، وصوته كان صدمة أخرى. لم يكن صوت "عاصم" الذي يتذكره نوح، ذلك الصوت الطفولي المرح. كان صوتاً مزدوجاً، طبقة بشرية مبحوحة ممتزجة بطبقة معدنية آلية، وكأن هناك آلة تتحدث من حنجرته: "أهلاً يا صديق الطفولة.. أهلاً يا شريك الجريمة."
"عاصم.." قال نوح بصوت يختنق بالعبرات، وهو ينظر لوجه صديقه وابن عمه الذي مات غرقاً أمامه منذ عشرين عاماً. نفس الملامح، لكنها خالية من الروح، جامدة كتمثال شمعي. "أنت عايش إزاي؟ أنا شفتك بتموت.. شفتك بتغرق في البحيرة!"
ضحك الجنرال ضحكة خالية من المرح، ضحكة تشبه صوت تكسر العظام: "عاصم مات يا نوح.. عاصم الضعيف، اللي كان بيخاف من الضلمة، غرق ومات. (البارون) هو اللي انتشلني.. هو اللي عاد تصنيعي. شال الخوف، شال الألم، وشال الضعف.. وحط مكانه (القوة).. أنا النسخة اللي كان المفروض أنت تكونها.. بس أنت هربت."
"أنت مش عاصم.." صرخ نوح، والظل حوله يثور: "أنت مسخ! البارون ده شيطان لعب في جسمك وعقلك! فوق يا عاصم! أنا نوح! نوح اللي كان بيسرق معاك التوت من الجنينة! نوح اللي حلف يحميك!"
"تحميني؟" صرخ الجنرال فجأة، وانفجر غضباً وحشياً: "أنت سبتني! أنت مديت إيدك وأخدت القوة لنفسك وسبتني أغرق! أنت الخاين! ودلوقتي.. أنا هاخد اللي يخصني.. هاخد دمك عشان أكمل التحول!"
اندفع الجنرال بسرعة جنونية، سيفه يلمع في الظلام قاصداً عنق نوح. رفع نوح ذراعه المغطاة بالظل لصد الضربة. (تشانج!). اصطدم السيف المعدني بالظل المتصلب، وتطاير شرر أسود وأزرق. كانت قوة الجنرال هائلة، تفوق قوة البشر بمراحل. ضغط بالسيف لأسفل، مجبراً نوح على الانحناء.
"أنت ضعيف يا نوح.." همس الجنرال في وجهه: "لسه متمسك بإنسانيتك.. وده اللي هيقتلك."
ركل الجنرال نوح في بطنه، فقذفه للخلف عدة أمتار ليرتطم بجدار القصر. سقط نوح، والسيف ترك جرحاً جديداً في ذراعه. الألم كان لا يطاق. حاول نوح النهوض، لكن الجنرال كان فوقه، يرفع السيف للضربة القاضية.
"ليلى!" صرخت ليلى من شرفة الدور الأول، وهي تحمل مسدساً صغيراً وتطلق النار بيديها المرتعشتين على الجنرال. الرصاصات أصابت درعه ولم تؤثر فيه، لكنها شتتت انتباهه لثانية واحدة. ثانية كانت كافية.
استغل نوح اللحظة. لم يحاول صد السيف، بل استخدم قدرته على "الانتقال الآني القصير". ذاب جسده في الظل الموجود تحت قدمي الجنرال، وظهر فجأة خلفه."عاصم.. سامحني!" همس نوح، وغرز "خنجر ظل" في ظهر الجنرال، في المكان الذي يفترض أن يكون فيه العمود الفقري.
توقع نوح أن يسقط الجنرال مشلولاً. لكن الجنرال استدار ببطء، ونظر للخنجر المغروز في ظهره، ثم ضحك. أمسك بيد نوح، ولوى ذراعه بقوة كسرت العظم."أنا قلتلك.. أنا مبيحسش.. وعمودي الفقري مش عضم.. ده تيتانيوم."
أمسك الجنرال برأس نوح، ورفعه عن الأرض، وبدأ يضغط. نوح شعر بجمجمته تكاد تتهشم. الرؤية بدأت تغبش. كان الموت قريباً جداً.وفي تلك اللحظة الحرجة، دوى صوت انفجار هائل، ليس رصاصاً، بل انفجار قذيفة مدفعية قديمة. بوابة القصر انهارت تماماً، ودخلت سيارة نصف نقل قديمة تحمل مدفعاً رشاشاً ثقيلاً مثبتاً في الخلف، يطلق النار بكثافة مرعبة على المرتزقة.
كان الجد "منصور" يقف فوق السيارة، يطلق النار بمدفعه الشخصي القديم (بندقية الفيل)، وبجانبه رجال من عائلات الصعيد المجاورة الذين هبوا لنجدة "البيت الكبير" عندما رأوا النيران."يا أهل النخوة! الأرض والعرض!" صرخ منصور.
ارتبك المرتزقة. الهجوم المفاجئ من الخلف، والأعداد الكبيرة للصعايدة المسلحين الذين لا يهابون الموت، قلب الموازين.نظر الجنرال حوله. أدرك أن المعركة التكتيكية قد خُسرت، وأن الاستمرار يعني إبادة قواته الثمينة التي لا يمكن تعويضها بسهولة.رمى نوح على الأرض بقسوة."النهاردة.. حظك حلو يا ابن عمي.." قال الجنرال وهو يتراجع للخلف بمهارة، ويطلق قنبلة دخان كثيفة: "بس دمك هيفضل يناديني.. والسم اللي في جسمك هيجيبك ليا زاحف."
اختفى الجنرال وسط الدخان، وتبعه ما تبقى من المرتزقة، منسحبين بسرعة ونظام عسكري دقيق، تاركين خلفهم دماراً وجثثاً، وتساؤلات لا تنتهي.
سعل نوح، وحاول الزحف، لكن قواه خارت تماماً. شعر ببرودة الأرض تتسرب إلى عظامه، والظلام في عينيه لم يكن ظلاً، بل كان إغماءة الألم. آخر ما رآه كان وجه جده منصور وهو ينحني فوقه، ووجه ليلى الباكي، قبل أن يبتلعه السواد.
(بعد ساعات - الفجر)استيقظ نوح في المضيفة مرة أخرى. الجرح في كتفه كان قد تم تضميده بأعشاب غريبة ذات رائحة نفاذة، وذراعه المكسورة مجبرة بجبائر خشبية.جلس بصعوبة، ليجد الجد منصور يجلس أمامه، ينظف بندقيته، وليلى نائمة على كرسي في الزاوية من شدة الإرهاق.
"مشيوا؟" سأل نوح بصوت ضعيف."مشيوا.." رد منصور دون أن يرفع عينيه عن السلاح: "بس سايبين وراهم رسالة. الموت لسة بيحوم حوالينا يا ولدي. السم اللي في جسمك.. بينتشر أسرع مما كنت فاكر."
نظر نوح ليده. العروق السوداء تجاوزت الكتف ووصلت للرقبة."فاضلي قد إيه؟""يومين.. بالكتير تلاتة." قال الجد بصدق قاسٍ: "وبعدها.. يا تموت.. يا تتحول لمسخ زيه."
صمت نوح قليلاً، يسترجع صورة عاصم المشوهة. تذكر الطفولة، اللعب في الحقول، واليوم المشؤوم في المغارة."أنا مش هتحول.." قال نوح بإصرار: "أنا لازم أروح المغارة. أنت قلت إن العلاج هناك."
"المغارة هي الحل الوحيد." وافقه الجد: "بس الوصول ليها مش سهل. الجبل الغربي بقى منطقة محرمة. وفيه كلام.. كلام عن (حارس) جديد ظهر هناك. راجل غريب، درويش، عايش وسط الديابة، وبيمنع أي حد يقرب من المدخل."
"حارس؟""أيوه. البدو بيقولوا عليه (الولي).. وبيقولوا إنه بيعرف أسرار الدنيا. لو حد يقدر يساعدك تدخل وتغتسل في البحيرة من غير ما تموت.. يبقى هو."
نهض نوح، متجاهلاً الألم الذي يمزق جسده."أنا رايحله. دلوقتي.""استنى الصبح..""مفيش وقت للصبح يا جدي. كل دقيقة بتعدي.. عاصم بيقرب مني أكتر.. والبارون بيكسب."
استيقظت ليلى على صوتهم. نظرت لنوح، ورأت التصميم في عينيه، ورأت أيضاً اليأس."أنا جاية معاك." قالت ليلى وهي تقف وتعدل ملابسها الممزقة: "أنا شفت عاصم.. شفت اللي عملوه فيه. أنا مش هسيبك تروح لوحدك وتواجه المصير ده."
نظر نوح إليها. كانت تبدو قوية لأول مرة. لم تعد ليلى الفتاة المدللة، ولا المنافسة الطامعة. صدمة رؤية حبيب طفولتها يتحول لوحش غيرت شيئاً بداخلها."الطريق وعر يا ليلى.. وممكن منرجعش.""مبقتش فارقة." ردت بتحدٍ: "أنا عايزة أفهم.. عايزة أعرف ليه."
أومأ نوح برأسه. التفت لجده، وقبل يده الخشنة."ادعيلي يا جدي.""دعيالك الأرض يا ولدي.. ودعيالك مظالم الناس اللي ناوي تجيب حقهم. خد العربية الجيب القديمة.. وسلاحك.. وتوكل على ****."
خرج نوح وليلى من القصر، تاركين خلفهم رائحة الموت والدخان، متجهين نحو الغرب، نحو الجبال الشاهقة التي تخفي في بطنها "المغارة"، وحيث يجلس رجل غامض يدعى "آدم"، ينتظر وصول "الكيميائي" ليبدأ الفصل الجديد من الحكاية.
نهايه الجزء الثاني
وبعتزر جدا عن التاخير واوعدكم الروايه هتخلص في أسرع وقت ممكن