الجزء الأول
المطر كان نازل تقيل على وسط البلد، والشارع تحت المكتب شبه فاضي إلا من صوت الميه وهي بتخبط في الأسفلت. العقرب كان واقف عند اتنين بعد نص الليل، والضلمة عاملة نفسها ستارة تقيلة على الشبابيك القديمة لمبنى المباحث.
المقدم ياسين عبد الهادي كان واقف عند الشباك، سيجارة مطفية بين صوابعه، وباصص لتحت كأنه مستني حد يطلع من العتمة.
قال من غير ما يلف:
"اتأخر قوي."
رد النقيب شريف وهو داخل الملف البني في درج المكتب:
"المخبر قال نص ساعة ويكون هنا."
ياسين نفخ نفس طويل، سحب الكرسي وقعد، فتح ملف قديم متغبر، الرقم على الغلاف كان باهت بس لسه واضح: 317.
ابتسم ابتسامة خفيفة مالهاش أي طعم.
"لسه فاكر الليلة دي؟"
شريف رفع عينه: "إزاي تتنسي."
الباب خبط خبطة خفيفة، وبعدها دخل أمين الشرطة حمدي، هدومه مبلولة، ووشه مشوش.
"يا فندم… الراجل اللي اتبلغ عنه… اختفى."
ياسين قفل الملف بهدوء.
"يعني إيه اختفى؟"
حمدي بلع ريقه:
"كان موجود من ساعة، ولما رجعنا بالعربية… الشقة فاضية، ولا كأن حد كان فيها."
سكت المكتب لحظة. صوت المطر بس هو اللي بيتكلم.
ياسين وقف، لبس الجاكت، ومد إيده بالملف 317.
"انزلوا العربية. شكلنا دخلنا على قضية مش سهلة."
الشارع كان عامل زي لوحة زيتية، أنوار صفره، ميه، وظلال بتتحرك. العربية سابت المبنى، والساعة كانت لسه ماشية.
ياسين كان ساكت، بس دماغه شغالة. الاسم اللي في البلاغ رجع يرن:
كمال رفعت.
اسم قديم… قوي زيادة عن اللزوم.
العربية وقفت قدام عمارة قديمة في شارع جانبي. السلم ريحته رطوبة وذكريات. الشقة في الدور التالت، الباب مكسور من غير آثار عنف.
شريف دخل الأول، بص حواليه:
"مفيش بعثرة… مفيش حاجة اتسرقت."
ياسين دخل ووقف في نص الصالة. عينه وقعت على حاجة صغيرة جنب الحيطة. انحنى، مسكها.
ولاعة معدنية، محفور عليها رقم: 317.
رفع راسه ببطء، وبص لشريف.
"القضية دي رجعت."
ومن اللحظة دي، الملف اللي كان مقفول من سنين… اتفتح من جديد.
المكان كان هادي زيادة عن اللزوم، الهدوء اللي يخلّي ودانك توجعك. ياسين كان لسه ماسك الولاعة، قلبها بين صوابعه، كأن المعدن سخن رغم إنه ساقع.
حطها في كيس الأدلة، وبص حواليه تاني.
"كمال رفعت عمره ما كان مهمل"، قالها بهدوء.
شريف قرب من الشباك وبص لتحت: "يعني إيه؟"
"يعني لو كان سايب الشقة بمزاجه، كان قفل وراه… ولو حد دخله غصب، كنا هنشوف."
حمدي دخل المطبخ، صوته جاي من جوه:
"يا فندم، في كباية قهوة لسه دافية."
ياسين دخل وراه. الكباية على الرخامة، نصها فاضي. جنبها طبق صغير، سيجارة مطفية نصها اتحرق.
"يبقى كان مستني حد"، قال ياسين.
شريف حك دماغه:
"أو حد كان مستنيه."
طلعوا من الشقة بعد ساعة تفريغ ومعاينة. العربية اتحركت ببطء، المطر كان خف شوية، بس الشوارع لسه مغرقة.
ياسين كان سرحان، الاسم بيرن في دماغه زي جرس قديم: كمال رفعت.
رجع بالذاكرة سنين.
ملف 317… حادثة اختفاء موظف بسيط، اتقيدت ضد مجهول، واتقفلت بأمر فوق.
كمال كان شاهد… وبعدين اختفى.
"هو إزاي الراجل ده ظهر دلوقتي؟" شريف قطع الصمت.
"لأن في حد حب يفكرنا"، رد ياسين.
المباحث كانت شبه فاضية لما رجعوا. ياسين فتح الملف من تاني، قلب الورق. صور قديمة، محاضر، توقيعات.
وقف عند صفحة متعلم عليها بقلم أحمر.
اسم ضابط سابق… متشال من الخدمة.
"فاكره؟"
شريف قرب وبص: "ده مات."
ياسين رفع حاجبه: "اللي ماتوا كتير، بس مش كلهم."
التليفون رن.
ياسين رد: "ياسين."
صوت ست مهزوز: "أنا… أنا مرات كمال."
سكت لحظة.
"هو فين؟"
ياسين غمض عينه ثانية واحدة.
"آخر مرة شفتيه إمتى؟"
"من أسبوع… قاللي لو جراله حاجة، أبلّغ عن ملف 317."
المكالمة قفلت.
ياسين بص لشريف:
"إحنا قدام سباق."
وفي نفس اللحظة، في حتة تانية من المدينة، رجل كان واقف قدام مراية مكسورة، ماسك نفس الولاعة، وبيبتسم.
الليل كان تقيل، تقيل لدرجة إن المدينة نفسها كانت باينة كأنها كاتمة النفس. ياسين خرج من المكتب، وقف لحظة في الممر، ساند ضهره على الحيطة، وغمض عينه ثانيتين بس. دماغه مليانة أصوات قديمة، محاضر اتقفلت بدري، وأسماء اتشالت من السجلات.
شريف قرب منه:
"تحب نبدأ منين؟ مرات كمال ولا الملف القديم؟"
ياسين فتح عينه وبص قدامه:
"الاتنين… بس كل واحد في سكة."
ركبوا العربية واتحركوا ناحية شبرا. الشقة اللي ساكنة فيها مرات كمال كانت في عمارة شعبية، نور السلم ضعيف، وأصوات تلفزيون طالعة من كل دور. الست كانت واقفة ورا الباب قبل ما يخبطوا، كأنها حاسة بيهم.
"اتفضلوا… أنا كنت مستنياكم."
صوتها كان واطي، بس ثابت.
قعدوا في الصالة الصغيرة. ياسين فتح النوتة، بس ما كتبش.
"احكيلي من الأول."
أخدت نفس عميق:
"كمال من شهرين اتغير… بقى ساكت، بيقفل التليفون كتير، ويمشي فجأة. من أسبوع رجع متأخر وقاللي لو اختفى… ملف 317 هو السبب."
شريف سأل:
"قالك الملف ده إيه؟"
هزت راسها:
"لا… بس قال إن في ناس ما بتحبش الحقيقة."
ياسين وقف:
"حد سأل عليه قبل ما يختفي؟"
"راجل… كان بيقف تحت العمارة. ما شفتش وشه كويس."
في نفس الوقت، في حتة بعيدة عن شبرا، شقة فاضية إلا من نور لمبة واحدة. الراجل اللي ماسك الولاعة فتح درج قديم، طلع منه صورة.
صورة جماعية… ضباط واقفين جنب بعض.
قلبها ورا، مكتوب بخط إيد:
317.
ضحك ضحكة قصيرة.
"لسه فاكرين."
العربية رجعت المباحث. ياسين قعد قدام الكمبيوتر، طلب الأرشيف.
"عايز كل اللي اتشال من ملف 317."
الموظف بصله باستغراب:
"يا فندم… الملف ده ناقص."
ياسين ابتسم ابتسامة مالهاش ود:
"عارف."
ظهر اسم جديد على الشاشة. اسم عمره ما كان في الملف قبل كده.
شريف قرب:
"ده مين؟"
ياسين قفل الشاشة:
"أول كدبة."
وفي اللحظة دي، التليفون رن تاني.
رسالة صوتية من رقم مجهول.
صوت راجل واطي:
"لو عايزوا كمال… اقفلوا الملف."
الصوت خلص، وساب وراه صمت تقيل في المكتب. ياسين ما تحركش، ساب الموبايل على الترابيزة، وبص في الفراغ قدامه كأن الرسالة كانت موجهة له لوحده مش للمكان كله.
شريف قال بهمس:
"نبلغ النيابة؟"
ياسين هز راسه ببطء:
"مش دلوقتي… اللي بعت الرسالة مستني رد تاني."
فتح الشباك، هوى الليل دخل شايل ريحة مطر وبنزين.
"اللي بيلعب اللعبة دي قديم… وعارفنا."
قعد على الكرسي، فتح كشكول قديم كان دايمًا سايبه في درج جانبي. كتب اسم واحد وبجنبه علامة استفهام كبيرة.
"ده الاسم اللي ظهر فجأة في الأرشيف."
شريف قراه:
"سامح الديب؟ عمره ما عدى علينا."
"علشان ما كانش مفروض يعدي"، رد ياسين.
"الراجل ده كان محامي… وظهر اسمه في تحقيق داخلي من سنين، واتشال في نفس الليلة."
شريف عقد حواجبه:
"يعني إيه؟"
"يعني حد لعب في الورق من زمان."
في نفس اللحظة، في مخزن قديم على أطراف المدينة، كمال رفعت كان قاعد على كرسي حديد، إيديه مربوطة بس مش معصوبة. عينه كانت مفتوحة، ثابتة، كأنه مستني اللحظة.
الراجل اللي قدامه كان واقف في الضل، صوته هادي:
"قلتلك متتكلمش."
كمال ابتسم ابتسامة صغيرة:
"وأنا قلتلك الحقيقة ما بتموتش."
الراجل قرب منه خطوة.
"ياسين لسه فاكر؟"
كمال رفع راسه:
"هو عمره ما نسي."
رجعنا للمباحث. الساعة قربت على الفجر.
ياسين قام فجأة:
"شريف، جهز العربية."
"رايحين فين؟"
"على المكان اللي ما حدش فكر فيه من الأول."
الطريق كان فاضي، السما لونها بدأ يفتح. وصلوا قدام مبنى مهجور، مصنع قديم مقفول من سنين.
ياسين نزل، بص حوالين المكان.
"ده آخر عنوان في ملف 317 قبل ما يتقفل."
دخلوا بحذر. المكان ريحته صدأ وغبار. في الأرض، آثار أقدام جديدة.
شريف همس:
"إحنا مش لوحدنا."
ياسين وقف، سمع صوت نفس بعيد.
صوت حد بيتكلم في التليفون:
"أيوه… قربوا."
وفي اللحظة دي، نور كشاف ضرب في وشهم.
المكان كله اتملأ بالضوء المفاجئ للكشاف، وظلالهم اتلخبطت على الحيطان المتهالكة. ياسين رفع إيده، وأشار لشريف وحمدي يقفوا ورايه.
"حد قدامنا… واضح إنه مستني"، قال بصوت واطي، وعيونه ماسكة كل زاوية.
صوت خطوات خفيفة جه من الدور التاني، متقافز على السلم الخشبي المتهالك. ياسين خطى خطوة واحدة للأمام:
"مين هناك؟!"
صمت.
بعد لحظة، طلعت صورة من العتمة: رجل، نص وشه في الظل، نصه في الضوء. ماسك حاجة صغيرة في إيده.
"مينك؟" سأل شريف، وراسه مرفوع.
الرجل ضحك ضحكة قصيرة، غير طبيعية:
"مين فاكر الملف 317؟ مين فاكر إن القصة خلصت؟"
ياسين بخفة:
"احنا اللي هنقرر النهاية."
الرجل حرك إيده، الكشاف كشف اللي ماسكه… كانت صورة قديمة لكمال رفعت مع ضباط المباحث من سنين. الرقم مكتوب عليها بخط أحمر: 317.
حمدي بلّغ نفسه:
"يا فندم… دي نفس الصورة اللي في الملف."
الرجل ضحك تاني:
"يعني فاكرينني؟ ده مجرد البداية."
ياسين تقدم شوية، صوته ثابت:
"كفاية لعب… احنا هنا نعرف الحقيقة."
الرجل اتوقف، وبص في عينيه:
"الحقيقة؟ الحقيقة أخدت سنين تتخبى… واللي قدامكوا مش كل حاجة هتتفهم دلوقتي."
وفجأة، من الدور التاني، صوت وقع جسم على الأرض… حد بيجري بسرعة.
ياسين صرخ:
"مسكوه!"
لكن لما وصلوا، الدور كان فاضي.
ولا أثر لأي حد… إلا ورقة مطوية على الأرض، مكتوب فيها بخط كبير:
"لو عايز تعرف الحقيقة… اتبع الملف 317."
أسئلة تشويقية:
مين كان الرجل الغامض اللي مستنيهم في المصنع؟
هل كمال رفعت متورط في ملف 317؟ أم مجرد ضحية؟
مين اللي جرى من الدور التاني؟ وهل ليه علاقة بالملف؟
هل كل الأدلة الحاضرة مجرد فخ لياسين وفريقه؟
نهاية الجزء الأول















الجزء الثاني















الصبح دخل على المصنع المهجور من شباك مكسور، نور باهت بيكشف التراب اللي راقص في الهوا. ياسين كان واقف مكانه، عينه على الورقة اللي وقعت، وإيده ماسكة الكيس اللي فيه الولاعة.
"اتبع الملف 317"، قراها بصوت منخفض، كأنه بيعيدها لنفسه مش لحد تاني.
شريف نزل من على السلم وهو متضايق:
"الدور التاني فاضي يا فندم… مفيش غير شباك مفتوح ورا المصنع."
ياسين لف ببطء:
"حد كان عايزنا نوصل لحد هنا… وحد تاني كان بيأمن خروجه."
حمدي سأل:
"يعني إيه؟"
"يعني اللي قابلناه تحت مش هو اللي جري فوق."
سكتوا لحظة. الفكرة تقيلة، بس منطقية.
ياسين قرب من الأرض، بص على آثار التراب.
"بص كويس… في جزمة تقيلة طلعت فوق… وجزمة خفيفة نزلت."
شريف ركز:
"واحدة مقاس كبير… والتانية أصغر."
ياسين وقف، مسح التراب من إيده:
"يعني فيه اتنين. واحد شغلنا بالكلام… والتاني كان بينفذ."
خرجوا برا المصنع، الشمس بدأت تعلى، لكن الجو لسه كئيب. ياسين وقف قدام العربية، باصص للمكان.
"المكان ده اتذكر في الملف قبل ما يتقفل"، قالها وكأنه بيفتكر جملة قديمة.
شريف سأله:
"كان فيه إيه هنا زمان؟"
"شهادة ما اتكتبتش."
ركبوا العربية ورجعوا المباحث. أول ما دخل، ياسين طلب الأرشيف الورقي، مش الإلكتروني.
الموظف الكبير في السن بص له:
"إنت ناوي تفتح وجع قديم يا فندم؟"
ياسين رد بهدوء:
"الوجع ده عمره ما اتقفل."
قعدوا على الترابيزة الكبيرة، والملفات قدامهم. ياسين قلب في ورق أصفر، لحد ما وقف عند محضر معاينة لمصنع مهجور… نفس العنوان.
قرأ بصوت مسموع:
"تم العثور على آثار اشتباك… وشاهد أفاد برؤية شخصين يغادران المكان."
شريف رفع عينه:
"شخصين برضه."
ياسين ابتسم ابتسامة خفيفة:
"التاريخ ما بيكدبش… بس بيتزوّر."
في نفس اللحظة، باب المكتب خبط.
أمين شرطة دخل وهو ماسك ظرف بني.
"يا فندم، الظرف ده اتساب على الاستقبال… باسم حضرتك."
ياسين أخده، قلبه، مفيش عنوان مرسل. فتحه بحذر.
جوه صورة حديثة… ليهم هما التلاتة قدام المصنع من ساعة.
حمدي اتوتر:
"إمتى دي؟!"
شريف قرب:
"دي من نص ساعة… بعد ما خرجنا."
ياسين قلب الصورة، لقى مكتوب وراها جملة قصيرة:
"لسه بدري."
رفع عينه بهدوء، وقال:
"واضح إننا تحت المراقبة."
سكت لحظة، وبعدين بص لشريف:
"هاتلي ملف سامح الديب كامل… حتى اللي اترفض يتسجل."
شريف سأله:
"فاكر إن هو المفتاح؟"
ياسين رد من غير تردد:
"فاكر إن محدش بيتحرك في القضية دي صدفة."
وفي نفس الوقت، في مكان تاني، كمال رفعت كان قاعد زي ما هو… بس المرة دي في وشه ددمم ناشف عند حاجبه.
الراجل اللي قدامه قال له بهدوء:
"هم قربوا."
كمال ابتسم بتعب:
"كنت عارف إنهم مش هيقفلوا الملف."
الراجل رد:
"المرة دي… اللي هيتفتح مش هيتقفل بسهولة."
قرب منه أكتر، ركع قدامه، وصوته بقى أوطى: "كنت فاكر إنك لما تختفي هتسكت. بس إنت رجعت تتكلم."
كمال رفع عينه فيه، التعب واضح في وشه، بس نظرته ثابتة: "أنا ما رجعتش… إنتوا اللي رجعتوا الماضي."
الراجل سكت لحظة، وبعدين قام، لف ضهره ومشي خطوتين. "الماضي لو اتساب، كان هيفضل مدفون."
كمال رد بهدوء: "اللي اتدفن غلط… بيطلع."
بره المخزن، صوت عربية عدّى بسرعة. الراجل وقف، بص من شباك مكسور، وبعدين رجع له.
"إنت فاكر ياسين هيوصلك؟"
كمال ابتسم ابتسامة خفيفة رغم الألم: "هو عمره ما بيسيب حاجة ناقصة."
المشهد قطع على مكتب ياسين.
ياسين كان واقف قدام لوحة بيضا، حاطط عليها صور وأسماء. في النص مكتوب 317 بخط عريض. حط صورة المصنع على الشمال، وصورة الظرف اللي اتبعت لهم على اليمين.
شريف قال: "حد مراقبنا يا فندم… وعايزنا نفضل ماشيين في اتجاه معين."
ياسين رد وهو بيثبت صورة سامح الديب على اللوحة: "أيوه… بس هو فاكر إنه اللي بيحدد الاتجاه."
حمدي دخل بسرعة: "يا فندم، جالنا تقرير من شركة الاتصالات."
ياسين لف له: "الرقم اللي بعت الرسالة؟"
"أيوه… اتفتح مرة واحدة بس، ومن منطقة صناعية قديمة."
ياسين سكت لحظة. "اسم المنطقة؟"
حمدي بلع ريقه: "المطرية… قريب من مخازن قديمة متسجلة باسم شركة مقفولة من عشر سنين."
شريف بص لياسين: "شركة إيه؟"
حمدي رد: "اسمها النور للاستيراد."
ياسين ابتسم ابتسامة قصيرة: "النور… دايمًا بيحبوا يسَمّوا الضلمة نور."
فتح درج مكتبه، طلع ورقة قديمة، حطها قدامهم. "شركة النور دي اتذكرت في تحقيق داخلي من سنين… مرتبط بملف 317."
شريف قرب، صوته واطي: "يعني القضية مش اختفاء واحد بس."
ياسين قال بهدوء: "القضية عمرها ما كانت شخص واحد."
في نفس اللحظة، في المخزن، الراجل سمع صوت رسالة على موبايله. قرأها بسرعة… ملامحه اتغيرت.
"تحركوا."
لف لكمال: "واضح إن أصحابك أسرع مما توقعت."
كمال بص له بثبات: "ولا إنت اللي اتأخرت."
الراجل قرب منه فجأة، مسكه من ياقة قميصه: "آخر مرة هسألك… فين بقية الورق؟"
كمال رد بهدوء متعب: "مش معايا."
سكت الراجل، بص في عينه شوية، وبعدين سابه فجأة. "طيب… نستنى."
رجعنا للمباحث.
ياسين كان واقف قدام الخريطة، حاطط دائرة على منطقة المطرية. "نقسم نفسنا."
شريف اعترض: "خطر."
ياسين رد من غير ما يبص له: "الخطر إننا نفضل واقفين."
بص لهم الاتنين: "اللي بيحصل ده مش مجرد تهديد… ده تحريك قطع."
حمدي سأل: "قطع إيه يا فندم؟"
ياسين رد بهدوء تقيل: "شطرنج."
وسكت لحظة، وبعدين قال: "بس الفرق إن في اللعبة دي… اللي بيغلط ما بيخرجش من الدور."
المكتب سكت معاه. شريف كان باصص له وملامحه مش مطمنة، وحمدي بلع ريقه كأنه حاسس إن الكلام مش مجرد تشبيه.
ياسين لف لهم أخيرًا: "شريف، إنت معايا على المطرية. حمدي تروح على عنوان شركة النور القديم، وتشوف أي حد من الجيران فاكر حاجة."
حمدي سأل بتردد: "ولو حد بيراقبنا؟"
ياسين رد: "أكيد بيراقبنا. خلّيه يشوفنا وإحنا بنتحرك."
خرجوا من المباحث، والشمس كانت عالية بس الجو تقيل. العربية اتحركت ناحية المطرية، والزحمة بدأت تصحى.
شريف قال وهو سايق: "حاسس إننا متسحبين لمكان هم عايزينه."
ياسين كان باصص قدامه: "مفيش حد بيشدني غير لما أكون عايز أروح."
وصلوا المنطقة الصناعية القديمة. مخازن متقفلة، شبابيك مكسورة، وكل حاجة عليها طبقة تراب سنين.
وقفوا قدام مخزن كبير، لافتته واقعة نصها، بس اسم "النور" لسه باين.
ياسين نزل ببطء، بص حوالين المكان. "لو أنا بخبي حاجة… هخبّيها في مكان الناس نسيته."
شريف فتح الباب الحديد بصعوبة، صريره عالي وسط السكون. دخلوا بحذر.
المكان فاضي تقريبًا، غير شوية مكاتب مكسورة وكراكيب. ياسين ماشي ببطء، عينه على الأرض.
فجأة وقف.
"استنى."
ركع، مسح التراب عن جزء من الأرض. "أثر كوتش جديد."
شريف بص: "يعني المكان مش مهجور قوي."
ياسين قام، مشي ورا الأثر لحد باب جانبي صغير ورا المخزن. الباب كان مقفول بقفل قديم… بس متغير.
"اتكسر قريب"، قال شريف.
ياسين هز راسه، ضرب القفل بكتفه لحد ما فتح. نزلوا سلم ضيق لتحت.
القبو كان أضيق، والهواء تقيل. في آخره مكتب حديد عليه جهاز كمبيوتر قديم… شغال.
الشاشة كانت منورة، عليها فولدر واحد مفتوح.
اسم الفولدر: 317.
شريف همس: "مش معقول."
ياسين قرب، لمس الماوس بحذر. جوه الفولدر ملفات كتير، تواريخ قديمة وحديثة.
فتح أول ملف… صور مستندات، محاضر، تحويلات فلوس، وأسماء.
أسماء ضباط… ورجال أعمال.
شريف قال بصوت مخنوق: "دي شبكة."
ياسين عينه اتحجرت لحظة، وبعدين قال: "دي مش شبكة… دي مؤسسة."
فجأة الشاشة اتقفلت لوحدها.
حمدي اتصل في اللحظة دي: "يا فندم!"
ياسين رد بسرعة: "قول."
صوت حمدي كان متوتر: "أنا قدام مقر الشركة القديم… في واحد مستنيني هنا."
ياسين شد صوته: "مين؟"
"بيقول إنه سامح الديب."
الثانية دي عدّت تقيلة.
ياسين قال بهدوء محسوب: "إوعى تقرّب منه. وصفه."
حمدي رد بسرعة: "في أواخر الأربعينات، بدلة رمادي، واقف لوحده… ومبتسم كأنه مستني حد معين."
شريف همس: "فخ."
ياسين أشار له يسكت، وبعدين قال في التليفون: "حمدي، خلي بينك وبينه مسافة. قوله يستنى. وإوعى تدخل أي مكان مقفول معاه."
سامح الديب… الاسم اللي كان لسه مثبت صورته من شوية على اللوحة.
ياسين لف لشريف: "اقفل الجهاز."
شريف ضغط زرار الباور، لكن الشاشة نورت لحظة قبل ما تطفي خالص. جملة واحدة ظهرت باللون الأبيض:
"متتأخروش."
وبعدين سواد.
ياسين شد نفس عميق. "هم عايزيننا ننقسم."
شريف قال: "نرجع لحمدي؟"
ياسين هز راسه: "لأ. هو مش هدف… هو طُعم."
في نفس اللحظة، حمدي كان واقف قدام المبنى القديم. سامح الديب اتحرك خطوة ناحيته.
"واضح إنك مستنيني"، قال سامح بصوت هادي.
حمدي حاول يبان ثابت: "حضرتك سامح الديب؟"
ابتسامة خفيفة ظهرت على وشه. "على حسب إنت جاي تدور على مين."
حمدي سمع صوت ياسين في السماعة: "خليه يتكلم."
حمدي سأل: "ملف 317… يخصك إيه؟"
سامح ضحك ضحكة قصيرة. "يخصني إني كنت غلطة صغيرة فيه."
"غلطة إيه؟"
سامح قرب أكتر، صوته بقى أوطى: "إني صدّقت إنهم هيسيبوني أخرج."
حمدي قلبه بدأ يدق أسرع. "مين هم؟"
سامح بص حواليه، وبعدين قال: "اللي فتحوا الباب… ومقفلوهوش."
الكلمة خبطت في ودن ياسين.
في المخزن، الراجل كان واقف قدام كمال، موبايله في إيده.
"اتحركوا؟"
صوت جاله من السماعة: "قابلناه."
الراجل ابتسم ببطء. "كويس… خلّيه يحس إنه اختار."
رجع بص لكمال: "صاحبك بيلعب دور البطل."
كمال رد بهدوء متعب: "إنت فاكر نفسك الملك… بس يمكن تكون مجرد حصان."
الراجل ضحك. "الحصان هو أخطر قطعة في اللعبة."
قطعنا تاني قدام حمدي.
سامح قال فجأة: "إنت مش المفروض تيجي لوحدك."
حمدي سأل: "تقصد إيه؟"
سامح رد: "اللي وراك عارف إنك هنا."
حمدي لف بسرعة… عربية سودا كانت واقفة بعيد، المحرك شغال.
صوت ياسين في السماعة بقى حاد: "حمدي… امشي. فورًا."
لكن سامح مد إيده، مسك دراعه بقوة مفاجئة.
"لو مشيت دلوقتي… هتضيع فرصة تسمع الحقيقة."
حمدي اتجمد لحظة.
وصوت العربية بدأ يقرب.
حمدي حاول يفك إيده، لكن قبضة سامح كانت أقوى مما توقع. سامح قال بسرعة، وصوته اتغيّر: "اسمعني كويس… لو ركبت العربية دي، مش هترجع."
صوت ياسين في السماعة بقى حاد: "حمدي! سيبه وامشي!"
العربية وقفت فجأة قدامهم. الباب الخلفي اتفتح ببطء.
نزل منها راجلين… نفس الهدوء، نفس النظرات الباردة.
أحدهم قال: "الأستاذ سامح… اتأخرت علينا."
سامح رد بابتسامة خفيفة: "كنت بسلّم على ضيف."
الراجل بص لحمدي: "ضيف؟ ولا رسالة؟"
في اللحظة دي، سامح قرب من ودن حمدي وهمس: "317 مش رقم قضية… ده تاريخ."
حمدي اتجمّد. "تاريخ إيه؟"
لكن سامح فجأة زقه بعيد خطوة، ورفع إيده كأنه بيسلّم نفسه.
"أنا اللي عايزينه."
الراجلين مسكوه بسرعة، لكن قبل ما يدخلوه العربية، لف وبص لحمدي نظرة مختلفة… مش خوف، مش استسلام.
تحذير.
العربية اتحركت بسرعة، وسامح جواها من غير مقاومة.
حمدي وقف مكانه مش فاهم.
صوت ياسين رجع هادي، لكن مش طبيعي: "قول لي كل كلمة قالها."
حمدي رد بسرعة: "قال إن 317 مش رقم قضية… ده تاريخ."
سكت ياسين لحظة.
شريف سأله: "تاريخ إيه؟"
ياسين عينه ثبتت قدامه فجأة، كأن حاجة ربطت في دماغه.
"17/3."
شريف قال: "إيه يعني؟"
ياسين رد ببطء: "اليوم اللي اتحفظ فيه التحقيق الأول… رسميًا."
شريف حس بالقشعريرة: "يعني الموضوع أقدم مما نعرف."
ياسين مسك الموبايل بإيده بقوة: "لأ… أقدم مما متخيلين."
في نفس اللحظة، في المخزن، الراجل كان بيتفرج على شاشة صغيرة… كاميرا نقل مباشر من الشارع.
شاف العربية وهي بتبعد.
ابتسم.
"اتحركت القطعة."
كمال رفع راسه بصعوبة: "إنت فاكر إنك مسيطر."
الراجل رد بهدوء: "مش لازم أسيطر… كفاية إني أعرف النهاية."
كمال قال: "النهاية لسه ما اتكتبتش."
الراجل قرب منه، عينه ثابتة: "اتكتبت… يوم 17/3."
وسكت.
وفي مكتب ياسين، التوتر كان بيتجمع.
ياسين قال فجأة: "نرجع للملف القديم… كله."
شريف سأله: "ولو لقينا إن حد من جوّه كان جزء منه؟"
ياسين رد من غير تردد: "يبقى اللعبة بدأت من زمان… وإحنا آخر اللي عرف."
وفي مكان بعيد… باب حديدي تقيل اتقفل بصوت مدوّي.
وسامح الديب جوّه… مش لوحده.
الضلمة كانت تقيلة، بس في نور خافت جاي من لمبة معلّقة في السقف. قدامه كرسي… وعلى الكرسي قاعد حد مكبّل إيديه.
صوت جاف قال من بعيد: "اتأخرت."
سامح ابتسم رغم القيود اللي اتحطت في إيده: "كان لازم أتأكد إن الرسالة وصلت."
الشخص اللي قاعد على الكرسي رفع راسه ببطء… كمال.
عينه اتسعت لحظة، مش خوف… دهشة.
"إنت؟"
سامح رد بهدوء: "افتكرتني خرجت من اللعبة؟"
كمال قال بصوت متعب: "إنت اللي بدأت كل ده."
سامح قرب منه، الكرسي المعدني بيصدر صوت خفيف مع كل خطوة. "أنا بدأت أحفر… بس اللي دفنونا هم اللي وسّعوا الحفرة."
الباب الحديدي اتفتح تاني. نفس الراجل دخل، هادي كالعادة.
بص لسامح، وبعدين لكمال. "كويس… الشهود كلهم بقوا في نفس المكان."
كمال رفع عينه: "شهود؟"
الراجل رد: "أيوه… لأن اللي جاي مش استجواب."
سامح قال بسخرية خفيفة: "محاكمة؟"
الراجل هز راسه: "تصحيح خطأ قديم."
في مكتب ياسين…
الأرشيف القديم كان مفتوح قدامهم. ملفات متربة، أختام قديمة، توقيعات.
شريف قال: "التحقيق اتحفظ يوم 17/3… بسبب نقص أدلة."
ياسين قلب الصفحة الأخيرة، وبص في التوقيع. سكت.
شريف لاحظ: "إيه؟"
ياسين قال بصوت منخفض: "التوقيع ده… مش غريب."
حمدي قرب: "توقيع مين؟"
ياسين رفع الورقة ببطء.
"رئيس اللجنة اللي حفظت القضية… كان نائب مدير المباحث وقتها."
شريف بلع ريقه: "وده معناه إيه؟"
ياسين رد: "معناه إن 317 ما اتدفنتش… اتحط عليها ختم رسمي."
وفجأة موبايل ياسين رن.
رقم مجهول.
رد بهدوء: "أيوه."
صوت جاله هادي… نفس النبرة الباردة اللي سمعها قبل كده.
"وصلتوا للأرشيف أسرع مما توقعت."
ياسين سأل: "مين؟"
الصوت ضحك بخفة: "إنت عارفني… بس لسه مش فاكر."
ياسين عينه ثبتت. "عايز إيه؟"
الصوت رد: "أرجّع اللعبة لوضعها الطبيعي."
"وهو إيه وضعها الطبيعي؟"
الصوت بقى أبطأ: "إن اللي يعرف زيادة… يختفي."
الخط اتقفل.
المكتب سكت.
شريف قال: "ده هو."
ياسين هز راسه ببطء. "أيوه… بس المرة دي غلط."
حمدي سأله: "غلط إزاي؟"
ياسين بص لهم، وعينه فيها قرار واضح: "لأنه فاكر إن الشهود عنده."
قطع المشهد…
في الغرفة الحديدية، الراجل قرب من سامح وكمال.
"آخر فرصة… فين النسخة؟"
سامح رد بهدوء غير متوقع: "مش معايا."
الراجل ابتسم: "ولا معاه."
كمال قال فجأة: "ولا في المكان اللي فاكره."
الراجل سكت لحظة… أول مرة ملامحه تتغير.
"أمال فين؟"
سامح رد: "في المكان الوحيد اللي عمرك ما هتدور فيه."
سكون.
ثم صوت صفارة إنذار بعيد… مش من جوه المكان.
من برّه.
الراجل رفع راسه فجأة. الصوت كان واضح… عربيات كتير.
قرب من الباب الحديدي، وقف لحظة كأنه بيحسبها.
كمال ابتسم لأول مرة ابتسامة حقيقية: "قلت لك… النهاية ما اتكتبتش."
الراجل لف له ببطء: "إنت فاكر دي نجدة؟"
سامح رد بهدوء: "مش مهم نجدة مين… المهم إنك اتكشفت."
الراجل سحب موبايله بسرعة، ضغط زرار. اللمبة في السقف طفت. المكان غرق في ظلام.
صوت أقفال بتتفك… باب جانبي بيتفتح.
كمال صرخ: "إوعى يهرب!"
لكن كان فات الأوان. خطوات سريعة ابتعدت، وباب تقيل اتقفل في مكان بعيد.
ثواني، والباب الرئيسي اتكسر من برّه.
صوت شريف: "شرطة!"
نور الكشافات ملأ المكان.
ياسين دخل أول واحد. عينه مسحت الغرفة بسرعة… لحد ما ثبتت على سامح وكمال.
"فكّوهم!"
حمدي جري عليهم، وهو بيقول: "فين هو؟"
كمال رد بصوت متقطع: "هرب… بس مش بعيد."
سامح كان ساكت، عينه بتفحص المكان.
ياسين قرب منه مباشرة: "النسخة فين؟"
سامح بص له نظرة طويلة، فيها اختبار. "كنت عارف إنك هتوصل."
"فين؟"
سامح قال بهدوء: "في المكان الوحيد اللي محدش يفتش فيه."
ياسين فهم… أو بدأ يفهم.
"الأرشيف المركزي."
سامح ابتسم ابتسامة خفيفة: "مش الأرشيف القديم… الجديد."
شريف قال: "تقصد اللي اتنقل السنة اللي فاتت؟"
سامح هز راسه. "اللي اتنقل بعد ما حد افتكر إن 317 انتهت."
ياسين لف لحمدي: "كلم القوة… نتحرك فورًا."
لكن في اللحظة دي، جهاز اللاسلكي بتاع شريف اشتغل فجأة بصوت مشوّش.
ثم صوت مألوف خرج منه… نفس الصوت البارد.
"متتعبوش نفسكم."
ياسين شد الجهاز بإيده: "إنت فين؟"
الصوت رد بهدوء: "قريب… أكتر مما تتخيل."
وسكت لحظة، وبعدين قال: "روحوا الأرشيف لو حابين… بس هتلاقوا مفاجأة."
التشويش زاد… وبعدين صمت.
حمدي سأل: "نصدق؟"
ياسين رد من غير تردد: "نروح."
قطع المشهد…
الأرشيف المركزي — مبنى ضخم، أضواءه شغالة، لكن غريب… مفيش حركة.
البوابة مفتوحة نص فتحة.
شريف همس: "ده مش طبيعي."
دخلوا بحذر.
الممر طويل، والهدوء تقيل.
وفجأة… ريحة حريق خفيفة.
ياسين جري.
وصلوا لقسم الملفات الرقمية.
الدخان كان طالع من جوه.
باب الغرفة مفتوح… والنار بدأت تمسك في الأجهزة.
شريف صرخ: "بيمسح كل حاجة!"
ياسين دخل من غير تردد، حاول يوصل للسيرفر الرئيسي.
على الشاشة… عدّ تنازلي.
00:01:47
حمدي قال بصدمة: "تفجير بيانات."
ياسين عينه اتجمدت. "لا… ده تطهير."
العدّ نزل لـ 00:01:12.
شريف سأل: "نلحق إيه؟"
ياسين قال بسرعة: "النسخة… لازم تكون هنا."
وفي زاوية الغرفة، وسط الدخان، خزنة معدنية صغيرة… مفتوحة.
جواها فلاشة واحدة.
سامح كان واقف عند الباب، صوته عالي وسط الفوضى: "دي هي."
ياسين مسك الفلاشة.
العدّ وصل لـ 00:00:25.
شريف شدّه: "نطلع!"
خرجوا في آخر ثانية تقريبًا.
انفجار داخلي صغير هزّ المبنى، والنار عليت.
واقفوا برّه، بيبصوا على الدخان الطالع.
حمدي سأل وهو بينهج: "خلصت؟"
ياسين كان ماسك الفلاشة بإيده، عينه ثابتة على المبنى.
"لا."
بص لسامح.
"دلوقتي بس… بدأت."
الهواء كله مليان ريحة دخان وحرق، والشمس بدأت تخفي ضوءها بين عمارات المدينة.
ياسين مسك الفلاشة بإيده، وبص لشريف وحمدي: "اللي معانا ده مش مجرد نسخة… ده قلب اللعبة كلها."
شريف سأل بدهشة: "يعني كل اللي حصل لغاية دلوقتي… كان جزء من خطة أكبر؟"
ياسين هز راسه: "أيوه… واللي لعبها عارف إننا هنوصل للنسخة في اللحظة المناسبة."
حمدي قال بتوتر: "طب… سامح الديب ده إيه دوره دلوقتي؟"
ياسين بص لنفسه قبل ما يرد: "مش مهم دلوقتي. المهم إن النسخة معانا، والباقي… هنعرفه خطوة خطوة."
فجأة، سامح الديب ظهر قدامهم، من وسط الدخان، عينيه مركزة فيهم: "فاكرين اللعبة؟ فاكرين 317؟"
كمال وقف جنب سامح، شكله تعب، لكنه نظر لياسين بصوت منخفض: "المرة دي… اللعب مش هيبقى زي زمان."
ياسين رد: "أنا عارف… واللي حصل لغاية دلوقتي مجرد افتتاحية."
سامح ابتسم ابتسامة قصيرة: "افتتاحية؟ ده مجرد تحريك القطع الأولى."
صمتت اللحظة حواليهم. المدينة حواليهم هادية، بس كل حاجة فيها بتحسسك إن خطر أكبر لسه جاي.
ياسين رفع عينه للشمس اللي بدأت تغيب: "الجزء ده خلص بالنسبة لنا… بس الحقيقة الكاملة لسه قدام."
شريف قال وهو يتنفس بصعوبة: "يعني إحنا هنتابع فين دلوقتي؟"
ياسين ابتسم ابتسامة خفيفة: "في اليوم اللي كل حاجة هتتكشف فيه… 17/3 مش مجرد تاريخ… ده موعد الحقيقة."
حمدي نظر حواليه، حس بالخوف والمغامرة مع بعض: "يعني… هنعرف مين اللي لعبنا من الأول؟"
ياسين مسك الفلاشة بإحكام: "أيوه… كل حاجة هتطلع للنور… بس في الجزء الجاي."
أسئلة تشويقية الجزء الثاني:
1. مين فعليًا اللي كان ورا كل لعبة 317؟
2. سامح الديب… هل هو ضحية أم جزء من المخطط؟
3. مين الراجل اللي ظهر فجأة عند المخزن واللي هرب؟
4. النسخة اللي في الفلاشة… هتكشف أسرار مين بالضبط؟
5. إيه علاقة يوم 17/3 بكل الأحداث السابقة؟
نهاية الجزء الثاني















المطر كان نازل تقيل على وسط البلد، والشارع تحت المكتب شبه فاضي إلا من صوت الميه وهي بتخبط في الأسفلت. العقرب كان واقف عند اتنين بعد نص الليل، والضلمة عاملة نفسها ستارة تقيلة على الشبابيك القديمة لمبنى المباحث.
المقدم ياسين عبد الهادي كان واقف عند الشباك، سيجارة مطفية بين صوابعه، وباصص لتحت كأنه مستني حد يطلع من العتمة.
قال من غير ما يلف:
"اتأخر قوي."
رد النقيب شريف وهو داخل الملف البني في درج المكتب:
"المخبر قال نص ساعة ويكون هنا."
ياسين نفخ نفس طويل، سحب الكرسي وقعد، فتح ملف قديم متغبر، الرقم على الغلاف كان باهت بس لسه واضح: 317.
ابتسم ابتسامة خفيفة مالهاش أي طعم.
"لسه فاكر الليلة دي؟"
شريف رفع عينه: "إزاي تتنسي."
الباب خبط خبطة خفيفة، وبعدها دخل أمين الشرطة حمدي، هدومه مبلولة، ووشه مشوش.
"يا فندم… الراجل اللي اتبلغ عنه… اختفى."
ياسين قفل الملف بهدوء.
"يعني إيه اختفى؟"
حمدي بلع ريقه:
"كان موجود من ساعة، ولما رجعنا بالعربية… الشقة فاضية، ولا كأن حد كان فيها."
سكت المكتب لحظة. صوت المطر بس هو اللي بيتكلم.
ياسين وقف، لبس الجاكت، ومد إيده بالملف 317.
"انزلوا العربية. شكلنا دخلنا على قضية مش سهلة."
الشارع كان عامل زي لوحة زيتية، أنوار صفره، ميه، وظلال بتتحرك. العربية سابت المبنى، والساعة كانت لسه ماشية.
ياسين كان ساكت، بس دماغه شغالة. الاسم اللي في البلاغ رجع يرن:
كمال رفعت.
اسم قديم… قوي زيادة عن اللزوم.
العربية وقفت قدام عمارة قديمة في شارع جانبي. السلم ريحته رطوبة وذكريات. الشقة في الدور التالت، الباب مكسور من غير آثار عنف.
شريف دخل الأول، بص حواليه:
"مفيش بعثرة… مفيش حاجة اتسرقت."
ياسين دخل ووقف في نص الصالة. عينه وقعت على حاجة صغيرة جنب الحيطة. انحنى، مسكها.
ولاعة معدنية، محفور عليها رقم: 317.
رفع راسه ببطء، وبص لشريف.
"القضية دي رجعت."
ومن اللحظة دي، الملف اللي كان مقفول من سنين… اتفتح من جديد.
المكان كان هادي زيادة عن اللزوم، الهدوء اللي يخلّي ودانك توجعك. ياسين كان لسه ماسك الولاعة، قلبها بين صوابعه، كأن المعدن سخن رغم إنه ساقع.
حطها في كيس الأدلة، وبص حواليه تاني.
"كمال رفعت عمره ما كان مهمل"، قالها بهدوء.
شريف قرب من الشباك وبص لتحت: "يعني إيه؟"
"يعني لو كان سايب الشقة بمزاجه، كان قفل وراه… ولو حد دخله غصب، كنا هنشوف."
حمدي دخل المطبخ، صوته جاي من جوه:
"يا فندم، في كباية قهوة لسه دافية."
ياسين دخل وراه. الكباية على الرخامة، نصها فاضي. جنبها طبق صغير، سيجارة مطفية نصها اتحرق.
"يبقى كان مستني حد"، قال ياسين.
شريف حك دماغه:
"أو حد كان مستنيه."
طلعوا من الشقة بعد ساعة تفريغ ومعاينة. العربية اتحركت ببطء، المطر كان خف شوية، بس الشوارع لسه مغرقة.
ياسين كان سرحان، الاسم بيرن في دماغه زي جرس قديم: كمال رفعت.
رجع بالذاكرة سنين.
ملف 317… حادثة اختفاء موظف بسيط، اتقيدت ضد مجهول، واتقفلت بأمر فوق.
كمال كان شاهد… وبعدين اختفى.
"هو إزاي الراجل ده ظهر دلوقتي؟" شريف قطع الصمت.
"لأن في حد حب يفكرنا"، رد ياسين.
المباحث كانت شبه فاضية لما رجعوا. ياسين فتح الملف من تاني، قلب الورق. صور قديمة، محاضر، توقيعات.
وقف عند صفحة متعلم عليها بقلم أحمر.
اسم ضابط سابق… متشال من الخدمة.
"فاكره؟"
شريف قرب وبص: "ده مات."
ياسين رفع حاجبه: "اللي ماتوا كتير، بس مش كلهم."
التليفون رن.
ياسين رد: "ياسين."
صوت ست مهزوز: "أنا… أنا مرات كمال."
سكت لحظة.
"هو فين؟"
ياسين غمض عينه ثانية واحدة.
"آخر مرة شفتيه إمتى؟"
"من أسبوع… قاللي لو جراله حاجة، أبلّغ عن ملف 317."
المكالمة قفلت.
ياسين بص لشريف:
"إحنا قدام سباق."
وفي نفس اللحظة، في حتة تانية من المدينة، رجل كان واقف قدام مراية مكسورة، ماسك نفس الولاعة، وبيبتسم.
الليل كان تقيل، تقيل لدرجة إن المدينة نفسها كانت باينة كأنها كاتمة النفس. ياسين خرج من المكتب، وقف لحظة في الممر، ساند ضهره على الحيطة، وغمض عينه ثانيتين بس. دماغه مليانة أصوات قديمة، محاضر اتقفلت بدري، وأسماء اتشالت من السجلات.
شريف قرب منه:
"تحب نبدأ منين؟ مرات كمال ولا الملف القديم؟"
ياسين فتح عينه وبص قدامه:
"الاتنين… بس كل واحد في سكة."
ركبوا العربية واتحركوا ناحية شبرا. الشقة اللي ساكنة فيها مرات كمال كانت في عمارة شعبية، نور السلم ضعيف، وأصوات تلفزيون طالعة من كل دور. الست كانت واقفة ورا الباب قبل ما يخبطوا، كأنها حاسة بيهم.
"اتفضلوا… أنا كنت مستنياكم."
صوتها كان واطي، بس ثابت.
قعدوا في الصالة الصغيرة. ياسين فتح النوتة، بس ما كتبش.
"احكيلي من الأول."
أخدت نفس عميق:
"كمال من شهرين اتغير… بقى ساكت، بيقفل التليفون كتير، ويمشي فجأة. من أسبوع رجع متأخر وقاللي لو اختفى… ملف 317 هو السبب."
شريف سأل:
"قالك الملف ده إيه؟"
هزت راسها:
"لا… بس قال إن في ناس ما بتحبش الحقيقة."
ياسين وقف:
"حد سأل عليه قبل ما يختفي؟"
"راجل… كان بيقف تحت العمارة. ما شفتش وشه كويس."
في نفس الوقت، في حتة بعيدة عن شبرا، شقة فاضية إلا من نور لمبة واحدة. الراجل اللي ماسك الولاعة فتح درج قديم، طلع منه صورة.
صورة جماعية… ضباط واقفين جنب بعض.
قلبها ورا، مكتوب بخط إيد:
317.
ضحك ضحكة قصيرة.
"لسه فاكرين."
العربية رجعت المباحث. ياسين قعد قدام الكمبيوتر، طلب الأرشيف.
"عايز كل اللي اتشال من ملف 317."
الموظف بصله باستغراب:
"يا فندم… الملف ده ناقص."
ياسين ابتسم ابتسامة مالهاش ود:
"عارف."
ظهر اسم جديد على الشاشة. اسم عمره ما كان في الملف قبل كده.
شريف قرب:
"ده مين؟"
ياسين قفل الشاشة:
"أول كدبة."
وفي اللحظة دي، التليفون رن تاني.
رسالة صوتية من رقم مجهول.
صوت راجل واطي:
"لو عايزوا كمال… اقفلوا الملف."
الصوت خلص، وساب وراه صمت تقيل في المكتب. ياسين ما تحركش، ساب الموبايل على الترابيزة، وبص في الفراغ قدامه كأن الرسالة كانت موجهة له لوحده مش للمكان كله.
شريف قال بهمس:
"نبلغ النيابة؟"
ياسين هز راسه ببطء:
"مش دلوقتي… اللي بعت الرسالة مستني رد تاني."
فتح الشباك، هوى الليل دخل شايل ريحة مطر وبنزين.
"اللي بيلعب اللعبة دي قديم… وعارفنا."
قعد على الكرسي، فتح كشكول قديم كان دايمًا سايبه في درج جانبي. كتب اسم واحد وبجنبه علامة استفهام كبيرة.
"ده الاسم اللي ظهر فجأة في الأرشيف."
شريف قراه:
"سامح الديب؟ عمره ما عدى علينا."
"علشان ما كانش مفروض يعدي"، رد ياسين.
"الراجل ده كان محامي… وظهر اسمه في تحقيق داخلي من سنين، واتشال في نفس الليلة."
شريف عقد حواجبه:
"يعني إيه؟"
"يعني حد لعب في الورق من زمان."
في نفس اللحظة، في مخزن قديم على أطراف المدينة، كمال رفعت كان قاعد على كرسي حديد، إيديه مربوطة بس مش معصوبة. عينه كانت مفتوحة، ثابتة، كأنه مستني اللحظة.
الراجل اللي قدامه كان واقف في الضل، صوته هادي:
"قلتلك متتكلمش."
كمال ابتسم ابتسامة صغيرة:
"وأنا قلتلك الحقيقة ما بتموتش."
الراجل قرب منه خطوة.
"ياسين لسه فاكر؟"
كمال رفع راسه:
"هو عمره ما نسي."
رجعنا للمباحث. الساعة قربت على الفجر.
ياسين قام فجأة:
"شريف، جهز العربية."
"رايحين فين؟"
"على المكان اللي ما حدش فكر فيه من الأول."
الطريق كان فاضي، السما لونها بدأ يفتح. وصلوا قدام مبنى مهجور، مصنع قديم مقفول من سنين.
ياسين نزل، بص حوالين المكان.
"ده آخر عنوان في ملف 317 قبل ما يتقفل."
دخلوا بحذر. المكان ريحته صدأ وغبار. في الأرض، آثار أقدام جديدة.
شريف همس:
"إحنا مش لوحدنا."
ياسين وقف، سمع صوت نفس بعيد.
صوت حد بيتكلم في التليفون:
"أيوه… قربوا."
وفي اللحظة دي، نور كشاف ضرب في وشهم.
المكان كله اتملأ بالضوء المفاجئ للكشاف، وظلالهم اتلخبطت على الحيطان المتهالكة. ياسين رفع إيده، وأشار لشريف وحمدي يقفوا ورايه.
"حد قدامنا… واضح إنه مستني"، قال بصوت واطي، وعيونه ماسكة كل زاوية.
صوت خطوات خفيفة جه من الدور التاني، متقافز على السلم الخشبي المتهالك. ياسين خطى خطوة واحدة للأمام:
"مين هناك؟!"
صمت.
بعد لحظة، طلعت صورة من العتمة: رجل، نص وشه في الظل، نصه في الضوء. ماسك حاجة صغيرة في إيده.
"مينك؟" سأل شريف، وراسه مرفوع.
الرجل ضحك ضحكة قصيرة، غير طبيعية:
"مين فاكر الملف 317؟ مين فاكر إن القصة خلصت؟"
ياسين بخفة:
"احنا اللي هنقرر النهاية."
الرجل حرك إيده، الكشاف كشف اللي ماسكه… كانت صورة قديمة لكمال رفعت مع ضباط المباحث من سنين. الرقم مكتوب عليها بخط أحمر: 317.
حمدي بلّغ نفسه:
"يا فندم… دي نفس الصورة اللي في الملف."
الرجل ضحك تاني:
"يعني فاكرينني؟ ده مجرد البداية."
ياسين تقدم شوية، صوته ثابت:
"كفاية لعب… احنا هنا نعرف الحقيقة."
الرجل اتوقف، وبص في عينيه:
"الحقيقة؟ الحقيقة أخدت سنين تتخبى… واللي قدامكوا مش كل حاجة هتتفهم دلوقتي."
وفجأة، من الدور التاني، صوت وقع جسم على الأرض… حد بيجري بسرعة.
ياسين صرخ:
"مسكوه!"
لكن لما وصلوا، الدور كان فاضي.
ولا أثر لأي حد… إلا ورقة مطوية على الأرض، مكتوب فيها بخط كبير:
"لو عايز تعرف الحقيقة… اتبع الملف 317."
أسئلة تشويقية:
مين كان الرجل الغامض اللي مستنيهم في المصنع؟
هل كمال رفعت متورط في ملف 317؟ أم مجرد ضحية؟
مين اللي جرى من الدور التاني؟ وهل ليه علاقة بالملف؟
هل كل الأدلة الحاضرة مجرد فخ لياسين وفريقه؟
نهاية الجزء الأول
الجزء الثاني
الصبح دخل على المصنع المهجور من شباك مكسور، نور باهت بيكشف التراب اللي راقص في الهوا. ياسين كان واقف مكانه، عينه على الورقة اللي وقعت، وإيده ماسكة الكيس اللي فيه الولاعة.
"اتبع الملف 317"، قراها بصوت منخفض، كأنه بيعيدها لنفسه مش لحد تاني.
شريف نزل من على السلم وهو متضايق:
"الدور التاني فاضي يا فندم… مفيش غير شباك مفتوح ورا المصنع."
ياسين لف ببطء:
"حد كان عايزنا نوصل لحد هنا… وحد تاني كان بيأمن خروجه."
حمدي سأل:
"يعني إيه؟"
"يعني اللي قابلناه تحت مش هو اللي جري فوق."
سكتوا لحظة. الفكرة تقيلة، بس منطقية.
ياسين قرب من الأرض، بص على آثار التراب.
"بص كويس… في جزمة تقيلة طلعت فوق… وجزمة خفيفة نزلت."
شريف ركز:
"واحدة مقاس كبير… والتانية أصغر."
ياسين وقف، مسح التراب من إيده:
"يعني فيه اتنين. واحد شغلنا بالكلام… والتاني كان بينفذ."
خرجوا برا المصنع، الشمس بدأت تعلى، لكن الجو لسه كئيب. ياسين وقف قدام العربية، باصص للمكان.
"المكان ده اتذكر في الملف قبل ما يتقفل"، قالها وكأنه بيفتكر جملة قديمة.
شريف سأله:
"كان فيه إيه هنا زمان؟"
"شهادة ما اتكتبتش."
ركبوا العربية ورجعوا المباحث. أول ما دخل، ياسين طلب الأرشيف الورقي، مش الإلكتروني.
الموظف الكبير في السن بص له:
"إنت ناوي تفتح وجع قديم يا فندم؟"
ياسين رد بهدوء:
"الوجع ده عمره ما اتقفل."
قعدوا على الترابيزة الكبيرة، والملفات قدامهم. ياسين قلب في ورق أصفر، لحد ما وقف عند محضر معاينة لمصنع مهجور… نفس العنوان.
قرأ بصوت مسموع:
"تم العثور على آثار اشتباك… وشاهد أفاد برؤية شخصين يغادران المكان."
شريف رفع عينه:
"شخصين برضه."
ياسين ابتسم ابتسامة خفيفة:
"التاريخ ما بيكدبش… بس بيتزوّر."
في نفس اللحظة، باب المكتب خبط.
أمين شرطة دخل وهو ماسك ظرف بني.
"يا فندم، الظرف ده اتساب على الاستقبال… باسم حضرتك."
ياسين أخده، قلبه، مفيش عنوان مرسل. فتحه بحذر.
جوه صورة حديثة… ليهم هما التلاتة قدام المصنع من ساعة.
حمدي اتوتر:
"إمتى دي؟!"
شريف قرب:
"دي من نص ساعة… بعد ما خرجنا."
ياسين قلب الصورة، لقى مكتوب وراها جملة قصيرة:
"لسه بدري."
رفع عينه بهدوء، وقال:
"واضح إننا تحت المراقبة."
سكت لحظة، وبعدين بص لشريف:
"هاتلي ملف سامح الديب كامل… حتى اللي اترفض يتسجل."
شريف سأله:
"فاكر إن هو المفتاح؟"
ياسين رد من غير تردد:
"فاكر إن محدش بيتحرك في القضية دي صدفة."
وفي نفس الوقت، في مكان تاني، كمال رفعت كان قاعد زي ما هو… بس المرة دي في وشه ددمم ناشف عند حاجبه.
الراجل اللي قدامه قال له بهدوء:
"هم قربوا."
كمال ابتسم بتعب:
"كنت عارف إنهم مش هيقفلوا الملف."
الراجل رد:
"المرة دي… اللي هيتفتح مش هيتقفل بسهولة."
قرب منه أكتر، ركع قدامه، وصوته بقى أوطى: "كنت فاكر إنك لما تختفي هتسكت. بس إنت رجعت تتكلم."
كمال رفع عينه فيه، التعب واضح في وشه، بس نظرته ثابتة: "أنا ما رجعتش… إنتوا اللي رجعتوا الماضي."
الراجل سكت لحظة، وبعدين قام، لف ضهره ومشي خطوتين. "الماضي لو اتساب، كان هيفضل مدفون."
كمال رد بهدوء: "اللي اتدفن غلط… بيطلع."
بره المخزن، صوت عربية عدّى بسرعة. الراجل وقف، بص من شباك مكسور، وبعدين رجع له.
"إنت فاكر ياسين هيوصلك؟"
كمال ابتسم ابتسامة خفيفة رغم الألم: "هو عمره ما بيسيب حاجة ناقصة."
المشهد قطع على مكتب ياسين.
ياسين كان واقف قدام لوحة بيضا، حاطط عليها صور وأسماء. في النص مكتوب 317 بخط عريض. حط صورة المصنع على الشمال، وصورة الظرف اللي اتبعت لهم على اليمين.
شريف قال: "حد مراقبنا يا فندم… وعايزنا نفضل ماشيين في اتجاه معين."
ياسين رد وهو بيثبت صورة سامح الديب على اللوحة: "أيوه… بس هو فاكر إنه اللي بيحدد الاتجاه."
حمدي دخل بسرعة: "يا فندم، جالنا تقرير من شركة الاتصالات."
ياسين لف له: "الرقم اللي بعت الرسالة؟"
"أيوه… اتفتح مرة واحدة بس، ومن منطقة صناعية قديمة."
ياسين سكت لحظة. "اسم المنطقة؟"
حمدي بلع ريقه: "المطرية… قريب من مخازن قديمة متسجلة باسم شركة مقفولة من عشر سنين."
شريف بص لياسين: "شركة إيه؟"
حمدي رد: "اسمها النور للاستيراد."
ياسين ابتسم ابتسامة قصيرة: "النور… دايمًا بيحبوا يسَمّوا الضلمة نور."
فتح درج مكتبه، طلع ورقة قديمة، حطها قدامهم. "شركة النور دي اتذكرت في تحقيق داخلي من سنين… مرتبط بملف 317."
شريف قرب، صوته واطي: "يعني القضية مش اختفاء واحد بس."
ياسين قال بهدوء: "القضية عمرها ما كانت شخص واحد."
في نفس اللحظة، في المخزن، الراجل سمع صوت رسالة على موبايله. قرأها بسرعة… ملامحه اتغيرت.
"تحركوا."
لف لكمال: "واضح إن أصحابك أسرع مما توقعت."
كمال بص له بثبات: "ولا إنت اللي اتأخرت."
الراجل قرب منه فجأة، مسكه من ياقة قميصه: "آخر مرة هسألك… فين بقية الورق؟"
كمال رد بهدوء متعب: "مش معايا."
سكت الراجل، بص في عينه شوية، وبعدين سابه فجأة. "طيب… نستنى."
رجعنا للمباحث.
ياسين كان واقف قدام الخريطة، حاطط دائرة على منطقة المطرية. "نقسم نفسنا."
شريف اعترض: "خطر."
ياسين رد من غير ما يبص له: "الخطر إننا نفضل واقفين."
بص لهم الاتنين: "اللي بيحصل ده مش مجرد تهديد… ده تحريك قطع."
حمدي سأل: "قطع إيه يا فندم؟"
ياسين رد بهدوء تقيل: "شطرنج."
وسكت لحظة، وبعدين قال: "بس الفرق إن في اللعبة دي… اللي بيغلط ما بيخرجش من الدور."
المكتب سكت معاه. شريف كان باصص له وملامحه مش مطمنة، وحمدي بلع ريقه كأنه حاسس إن الكلام مش مجرد تشبيه.
ياسين لف لهم أخيرًا: "شريف، إنت معايا على المطرية. حمدي تروح على عنوان شركة النور القديم، وتشوف أي حد من الجيران فاكر حاجة."
حمدي سأل بتردد: "ولو حد بيراقبنا؟"
ياسين رد: "أكيد بيراقبنا. خلّيه يشوفنا وإحنا بنتحرك."
خرجوا من المباحث، والشمس كانت عالية بس الجو تقيل. العربية اتحركت ناحية المطرية، والزحمة بدأت تصحى.
شريف قال وهو سايق: "حاسس إننا متسحبين لمكان هم عايزينه."
ياسين كان باصص قدامه: "مفيش حد بيشدني غير لما أكون عايز أروح."
وصلوا المنطقة الصناعية القديمة. مخازن متقفلة، شبابيك مكسورة، وكل حاجة عليها طبقة تراب سنين.
وقفوا قدام مخزن كبير، لافتته واقعة نصها، بس اسم "النور" لسه باين.
ياسين نزل ببطء، بص حوالين المكان. "لو أنا بخبي حاجة… هخبّيها في مكان الناس نسيته."
شريف فتح الباب الحديد بصعوبة، صريره عالي وسط السكون. دخلوا بحذر.
المكان فاضي تقريبًا، غير شوية مكاتب مكسورة وكراكيب. ياسين ماشي ببطء، عينه على الأرض.
فجأة وقف.
"استنى."
ركع، مسح التراب عن جزء من الأرض. "أثر كوتش جديد."
شريف بص: "يعني المكان مش مهجور قوي."
ياسين قام، مشي ورا الأثر لحد باب جانبي صغير ورا المخزن. الباب كان مقفول بقفل قديم… بس متغير.
"اتكسر قريب"، قال شريف.
ياسين هز راسه، ضرب القفل بكتفه لحد ما فتح. نزلوا سلم ضيق لتحت.
القبو كان أضيق، والهواء تقيل. في آخره مكتب حديد عليه جهاز كمبيوتر قديم… شغال.
الشاشة كانت منورة، عليها فولدر واحد مفتوح.
اسم الفولدر: 317.
شريف همس: "مش معقول."
ياسين قرب، لمس الماوس بحذر. جوه الفولدر ملفات كتير، تواريخ قديمة وحديثة.
فتح أول ملف… صور مستندات، محاضر، تحويلات فلوس، وأسماء.
أسماء ضباط… ورجال أعمال.
شريف قال بصوت مخنوق: "دي شبكة."
ياسين عينه اتحجرت لحظة، وبعدين قال: "دي مش شبكة… دي مؤسسة."
فجأة الشاشة اتقفلت لوحدها.
حمدي اتصل في اللحظة دي: "يا فندم!"
ياسين رد بسرعة: "قول."
صوت حمدي كان متوتر: "أنا قدام مقر الشركة القديم… في واحد مستنيني هنا."
ياسين شد صوته: "مين؟"
"بيقول إنه سامح الديب."
الثانية دي عدّت تقيلة.
ياسين قال بهدوء محسوب: "إوعى تقرّب منه. وصفه."
حمدي رد بسرعة: "في أواخر الأربعينات، بدلة رمادي، واقف لوحده… ومبتسم كأنه مستني حد معين."
شريف همس: "فخ."
ياسين أشار له يسكت، وبعدين قال في التليفون: "حمدي، خلي بينك وبينه مسافة. قوله يستنى. وإوعى تدخل أي مكان مقفول معاه."
سامح الديب… الاسم اللي كان لسه مثبت صورته من شوية على اللوحة.
ياسين لف لشريف: "اقفل الجهاز."
شريف ضغط زرار الباور، لكن الشاشة نورت لحظة قبل ما تطفي خالص. جملة واحدة ظهرت باللون الأبيض:
"متتأخروش."
وبعدين سواد.
ياسين شد نفس عميق. "هم عايزيننا ننقسم."
شريف قال: "نرجع لحمدي؟"
ياسين هز راسه: "لأ. هو مش هدف… هو طُعم."
في نفس اللحظة، حمدي كان واقف قدام المبنى القديم. سامح الديب اتحرك خطوة ناحيته.
"واضح إنك مستنيني"، قال سامح بصوت هادي.
حمدي حاول يبان ثابت: "حضرتك سامح الديب؟"
ابتسامة خفيفة ظهرت على وشه. "على حسب إنت جاي تدور على مين."
حمدي سمع صوت ياسين في السماعة: "خليه يتكلم."
حمدي سأل: "ملف 317… يخصك إيه؟"
سامح ضحك ضحكة قصيرة. "يخصني إني كنت غلطة صغيرة فيه."
"غلطة إيه؟"
سامح قرب أكتر، صوته بقى أوطى: "إني صدّقت إنهم هيسيبوني أخرج."
حمدي قلبه بدأ يدق أسرع. "مين هم؟"
سامح بص حواليه، وبعدين قال: "اللي فتحوا الباب… ومقفلوهوش."
الكلمة خبطت في ودن ياسين.
في المخزن، الراجل كان واقف قدام كمال، موبايله في إيده.
"اتحركوا؟"
صوت جاله من السماعة: "قابلناه."
الراجل ابتسم ببطء. "كويس… خلّيه يحس إنه اختار."
رجع بص لكمال: "صاحبك بيلعب دور البطل."
كمال رد بهدوء متعب: "إنت فاكر نفسك الملك… بس يمكن تكون مجرد حصان."
الراجل ضحك. "الحصان هو أخطر قطعة في اللعبة."
قطعنا تاني قدام حمدي.
سامح قال فجأة: "إنت مش المفروض تيجي لوحدك."
حمدي سأل: "تقصد إيه؟"
سامح رد: "اللي وراك عارف إنك هنا."
حمدي لف بسرعة… عربية سودا كانت واقفة بعيد، المحرك شغال.
صوت ياسين في السماعة بقى حاد: "حمدي… امشي. فورًا."
لكن سامح مد إيده، مسك دراعه بقوة مفاجئة.
"لو مشيت دلوقتي… هتضيع فرصة تسمع الحقيقة."
حمدي اتجمد لحظة.
وصوت العربية بدأ يقرب.
حمدي حاول يفك إيده، لكن قبضة سامح كانت أقوى مما توقع. سامح قال بسرعة، وصوته اتغيّر: "اسمعني كويس… لو ركبت العربية دي، مش هترجع."
صوت ياسين في السماعة بقى حاد: "حمدي! سيبه وامشي!"
العربية وقفت فجأة قدامهم. الباب الخلفي اتفتح ببطء.
نزل منها راجلين… نفس الهدوء، نفس النظرات الباردة.
أحدهم قال: "الأستاذ سامح… اتأخرت علينا."
سامح رد بابتسامة خفيفة: "كنت بسلّم على ضيف."
الراجل بص لحمدي: "ضيف؟ ولا رسالة؟"
في اللحظة دي، سامح قرب من ودن حمدي وهمس: "317 مش رقم قضية… ده تاريخ."
حمدي اتجمّد. "تاريخ إيه؟"
لكن سامح فجأة زقه بعيد خطوة، ورفع إيده كأنه بيسلّم نفسه.
"أنا اللي عايزينه."
الراجلين مسكوه بسرعة، لكن قبل ما يدخلوه العربية، لف وبص لحمدي نظرة مختلفة… مش خوف، مش استسلام.
تحذير.
العربية اتحركت بسرعة، وسامح جواها من غير مقاومة.
حمدي وقف مكانه مش فاهم.
صوت ياسين رجع هادي، لكن مش طبيعي: "قول لي كل كلمة قالها."
حمدي رد بسرعة: "قال إن 317 مش رقم قضية… ده تاريخ."
سكت ياسين لحظة.
شريف سأله: "تاريخ إيه؟"
ياسين عينه ثبتت قدامه فجأة، كأن حاجة ربطت في دماغه.
"17/3."
شريف قال: "إيه يعني؟"
ياسين رد ببطء: "اليوم اللي اتحفظ فيه التحقيق الأول… رسميًا."
شريف حس بالقشعريرة: "يعني الموضوع أقدم مما نعرف."
ياسين مسك الموبايل بإيده بقوة: "لأ… أقدم مما متخيلين."
في نفس اللحظة، في المخزن، الراجل كان بيتفرج على شاشة صغيرة… كاميرا نقل مباشر من الشارع.
شاف العربية وهي بتبعد.
ابتسم.
"اتحركت القطعة."
كمال رفع راسه بصعوبة: "إنت فاكر إنك مسيطر."
الراجل رد بهدوء: "مش لازم أسيطر… كفاية إني أعرف النهاية."
كمال قال: "النهاية لسه ما اتكتبتش."
الراجل قرب منه، عينه ثابتة: "اتكتبت… يوم 17/3."
وسكت.
وفي مكتب ياسين، التوتر كان بيتجمع.
ياسين قال فجأة: "نرجع للملف القديم… كله."
شريف سأله: "ولو لقينا إن حد من جوّه كان جزء منه؟"
ياسين رد من غير تردد: "يبقى اللعبة بدأت من زمان… وإحنا آخر اللي عرف."
وفي مكان بعيد… باب حديدي تقيل اتقفل بصوت مدوّي.
وسامح الديب جوّه… مش لوحده.
الضلمة كانت تقيلة، بس في نور خافت جاي من لمبة معلّقة في السقف. قدامه كرسي… وعلى الكرسي قاعد حد مكبّل إيديه.
صوت جاف قال من بعيد: "اتأخرت."
سامح ابتسم رغم القيود اللي اتحطت في إيده: "كان لازم أتأكد إن الرسالة وصلت."
الشخص اللي قاعد على الكرسي رفع راسه ببطء… كمال.
عينه اتسعت لحظة، مش خوف… دهشة.
"إنت؟"
سامح رد بهدوء: "افتكرتني خرجت من اللعبة؟"
كمال قال بصوت متعب: "إنت اللي بدأت كل ده."
سامح قرب منه، الكرسي المعدني بيصدر صوت خفيف مع كل خطوة. "أنا بدأت أحفر… بس اللي دفنونا هم اللي وسّعوا الحفرة."
الباب الحديدي اتفتح تاني. نفس الراجل دخل، هادي كالعادة.
بص لسامح، وبعدين لكمال. "كويس… الشهود كلهم بقوا في نفس المكان."
كمال رفع عينه: "شهود؟"
الراجل رد: "أيوه… لأن اللي جاي مش استجواب."
سامح قال بسخرية خفيفة: "محاكمة؟"
الراجل هز راسه: "تصحيح خطأ قديم."
في مكتب ياسين…
الأرشيف القديم كان مفتوح قدامهم. ملفات متربة، أختام قديمة، توقيعات.
شريف قال: "التحقيق اتحفظ يوم 17/3… بسبب نقص أدلة."
ياسين قلب الصفحة الأخيرة، وبص في التوقيع. سكت.
شريف لاحظ: "إيه؟"
ياسين قال بصوت منخفض: "التوقيع ده… مش غريب."
حمدي قرب: "توقيع مين؟"
ياسين رفع الورقة ببطء.
"رئيس اللجنة اللي حفظت القضية… كان نائب مدير المباحث وقتها."
شريف بلع ريقه: "وده معناه إيه؟"
ياسين رد: "معناه إن 317 ما اتدفنتش… اتحط عليها ختم رسمي."
وفجأة موبايل ياسين رن.
رقم مجهول.
رد بهدوء: "أيوه."
صوت جاله هادي… نفس النبرة الباردة اللي سمعها قبل كده.
"وصلتوا للأرشيف أسرع مما توقعت."
ياسين سأل: "مين؟"
الصوت ضحك بخفة: "إنت عارفني… بس لسه مش فاكر."
ياسين عينه ثبتت. "عايز إيه؟"
الصوت رد: "أرجّع اللعبة لوضعها الطبيعي."
"وهو إيه وضعها الطبيعي؟"
الصوت بقى أبطأ: "إن اللي يعرف زيادة… يختفي."
الخط اتقفل.
المكتب سكت.
شريف قال: "ده هو."
ياسين هز راسه ببطء. "أيوه… بس المرة دي غلط."
حمدي سأله: "غلط إزاي؟"
ياسين بص لهم، وعينه فيها قرار واضح: "لأنه فاكر إن الشهود عنده."
قطع المشهد…
في الغرفة الحديدية، الراجل قرب من سامح وكمال.
"آخر فرصة… فين النسخة؟"
سامح رد بهدوء غير متوقع: "مش معايا."
الراجل ابتسم: "ولا معاه."
كمال قال فجأة: "ولا في المكان اللي فاكره."
الراجل سكت لحظة… أول مرة ملامحه تتغير.
"أمال فين؟"
سامح رد: "في المكان الوحيد اللي عمرك ما هتدور فيه."
سكون.
ثم صوت صفارة إنذار بعيد… مش من جوه المكان.
من برّه.
الراجل رفع راسه فجأة. الصوت كان واضح… عربيات كتير.
قرب من الباب الحديدي، وقف لحظة كأنه بيحسبها.
كمال ابتسم لأول مرة ابتسامة حقيقية: "قلت لك… النهاية ما اتكتبتش."
الراجل لف له ببطء: "إنت فاكر دي نجدة؟"
سامح رد بهدوء: "مش مهم نجدة مين… المهم إنك اتكشفت."
الراجل سحب موبايله بسرعة، ضغط زرار. اللمبة في السقف طفت. المكان غرق في ظلام.
صوت أقفال بتتفك… باب جانبي بيتفتح.
كمال صرخ: "إوعى يهرب!"
لكن كان فات الأوان. خطوات سريعة ابتعدت، وباب تقيل اتقفل في مكان بعيد.
ثواني، والباب الرئيسي اتكسر من برّه.
صوت شريف: "شرطة!"
نور الكشافات ملأ المكان.
ياسين دخل أول واحد. عينه مسحت الغرفة بسرعة… لحد ما ثبتت على سامح وكمال.
"فكّوهم!"
حمدي جري عليهم، وهو بيقول: "فين هو؟"
كمال رد بصوت متقطع: "هرب… بس مش بعيد."
سامح كان ساكت، عينه بتفحص المكان.
ياسين قرب منه مباشرة: "النسخة فين؟"
سامح بص له نظرة طويلة، فيها اختبار. "كنت عارف إنك هتوصل."
"فين؟"
سامح قال بهدوء: "في المكان الوحيد اللي محدش يفتش فيه."
ياسين فهم… أو بدأ يفهم.
"الأرشيف المركزي."
سامح ابتسم ابتسامة خفيفة: "مش الأرشيف القديم… الجديد."
شريف قال: "تقصد اللي اتنقل السنة اللي فاتت؟"
سامح هز راسه. "اللي اتنقل بعد ما حد افتكر إن 317 انتهت."
ياسين لف لحمدي: "كلم القوة… نتحرك فورًا."
لكن في اللحظة دي، جهاز اللاسلكي بتاع شريف اشتغل فجأة بصوت مشوّش.
ثم صوت مألوف خرج منه… نفس الصوت البارد.
"متتعبوش نفسكم."
ياسين شد الجهاز بإيده: "إنت فين؟"
الصوت رد بهدوء: "قريب… أكتر مما تتخيل."
وسكت لحظة، وبعدين قال: "روحوا الأرشيف لو حابين… بس هتلاقوا مفاجأة."
التشويش زاد… وبعدين صمت.
حمدي سأل: "نصدق؟"
ياسين رد من غير تردد: "نروح."
قطع المشهد…
الأرشيف المركزي — مبنى ضخم، أضواءه شغالة، لكن غريب… مفيش حركة.
البوابة مفتوحة نص فتحة.
شريف همس: "ده مش طبيعي."
دخلوا بحذر.
الممر طويل، والهدوء تقيل.
وفجأة… ريحة حريق خفيفة.
ياسين جري.
وصلوا لقسم الملفات الرقمية.
الدخان كان طالع من جوه.
باب الغرفة مفتوح… والنار بدأت تمسك في الأجهزة.
شريف صرخ: "بيمسح كل حاجة!"
ياسين دخل من غير تردد، حاول يوصل للسيرفر الرئيسي.
على الشاشة… عدّ تنازلي.
00:01:47
حمدي قال بصدمة: "تفجير بيانات."
ياسين عينه اتجمدت. "لا… ده تطهير."
العدّ نزل لـ 00:01:12.
شريف سأل: "نلحق إيه؟"
ياسين قال بسرعة: "النسخة… لازم تكون هنا."
وفي زاوية الغرفة، وسط الدخان، خزنة معدنية صغيرة… مفتوحة.
جواها فلاشة واحدة.
سامح كان واقف عند الباب، صوته عالي وسط الفوضى: "دي هي."
ياسين مسك الفلاشة.
العدّ وصل لـ 00:00:25.
شريف شدّه: "نطلع!"
خرجوا في آخر ثانية تقريبًا.
انفجار داخلي صغير هزّ المبنى، والنار عليت.
واقفوا برّه، بيبصوا على الدخان الطالع.
حمدي سأل وهو بينهج: "خلصت؟"
ياسين كان ماسك الفلاشة بإيده، عينه ثابتة على المبنى.
"لا."
بص لسامح.
"دلوقتي بس… بدأت."
الهواء كله مليان ريحة دخان وحرق، والشمس بدأت تخفي ضوءها بين عمارات المدينة.
ياسين مسك الفلاشة بإيده، وبص لشريف وحمدي: "اللي معانا ده مش مجرد نسخة… ده قلب اللعبة كلها."
شريف سأل بدهشة: "يعني كل اللي حصل لغاية دلوقتي… كان جزء من خطة أكبر؟"
ياسين هز راسه: "أيوه… واللي لعبها عارف إننا هنوصل للنسخة في اللحظة المناسبة."
حمدي قال بتوتر: "طب… سامح الديب ده إيه دوره دلوقتي؟"
ياسين بص لنفسه قبل ما يرد: "مش مهم دلوقتي. المهم إن النسخة معانا، والباقي… هنعرفه خطوة خطوة."
فجأة، سامح الديب ظهر قدامهم، من وسط الدخان، عينيه مركزة فيهم: "فاكرين اللعبة؟ فاكرين 317؟"
كمال وقف جنب سامح، شكله تعب، لكنه نظر لياسين بصوت منخفض: "المرة دي… اللعب مش هيبقى زي زمان."
ياسين رد: "أنا عارف… واللي حصل لغاية دلوقتي مجرد افتتاحية."
سامح ابتسم ابتسامة قصيرة: "افتتاحية؟ ده مجرد تحريك القطع الأولى."
صمتت اللحظة حواليهم. المدينة حواليهم هادية، بس كل حاجة فيها بتحسسك إن خطر أكبر لسه جاي.
ياسين رفع عينه للشمس اللي بدأت تغيب: "الجزء ده خلص بالنسبة لنا… بس الحقيقة الكاملة لسه قدام."
شريف قال وهو يتنفس بصعوبة: "يعني إحنا هنتابع فين دلوقتي؟"
ياسين ابتسم ابتسامة خفيفة: "في اليوم اللي كل حاجة هتتكشف فيه… 17/3 مش مجرد تاريخ… ده موعد الحقيقة."
حمدي نظر حواليه، حس بالخوف والمغامرة مع بعض: "يعني… هنعرف مين اللي لعبنا من الأول؟"
ياسين مسك الفلاشة بإحكام: "أيوه… كل حاجة هتطلع للنور… بس في الجزء الجاي."
أسئلة تشويقية الجزء الثاني:
1. مين فعليًا اللي كان ورا كل لعبة 317؟
2. سامح الديب… هل هو ضحية أم جزء من المخطط؟
3. مين الراجل اللي ظهر فجأة عند المخزن واللي هرب؟
4. النسخة اللي في الفلاشة… هتكشف أسرار مين بالضبط؟
5. إيه علاقة يوم 17/3 بكل الأحداث السابقة؟
نهاية الجزء الثاني