تمهيد
كتبت هذه الرواية عام ٢٠٠٨ لتجسيد حقبة تاريخية لمصر ، وتنبأت فيها بالثورة ، قبلها بـ ثلاث سنوات
البلاد المباركة ج ١
بداخل ساحة القصر السلطانى الفسيح كان السلطان المبروك يجلس على عرشه منتفخة أوداجه ، تتدلى شفته السفلى وقد ملات التجاعيد وجهه بعدما تجاوز الثمانين من العمر .. يأبى أن يتنازل عن العرش لإبنه جلال المبروك الجالس على يمينه غاضباً .. وكان لكبر سنه عاجزاً عن إدارة شؤون حكم البلاد ، فآلت أحوال العباد إلى ابنه جلال الذى ترأس ديوان التفويض ، صاحب السلطة الكاملة فى إدارة البلاد نيابةً عن السلطان المبروك .. ومن بين يدي السلطان وابنه جلس عددٌ من الوزراء المقربين ممن يتحكمون فى شؤون الخلق ومركب حياتهم من تحت أيديهم يهيم .. كان نظام الحكم السلطانى فى البلاد يعتمد على نظام يُدعى ( السبهالة )
وهو نظام حكم جديد وبديع .. يعتمد أن تترك الأمورَ تجرى فى أعّنتها .. وحال البلاد والعباد
بالبركة يسير .. فأدى ذلك النظام إلى إنشطار البلاد لقلةٍ وغالبية .. قلة تملك السلطة والمال وكل شئ .. وغالبية لا تملك من ذلك شئ .. إنما تقوم بالعمل لدى القلة الغنية مقابل حفنة من الدنانير .. بالكاد على سطح الحياة يسبحون ..
بغريزة البقاء عن النجاة من الغرق فى بحر الموت يبحثون .. كسدت التجارة وإنتشر الفقر وسائت الأحوال .. بينما القلة الغنية من ذوى السلطة والجاه والمال ينعمون .. وعلى الآرائك الموسورةِ فى قصورهم يجلسون .. والجاريات الفاتنات هم يضاجعون .. والإماء بين إيديهم بكؤوس الخمر يدورون .. ومن الفاكهة, ما لذ وطاب هم يأكلون .. أولائك فى البلاد هم المكرمون .
بصوتٍ واهن قال السلطان المبروك مخاطبا
وطاب هم يأكلون .. أولائك فى البلاد همُ المكرمون .
بصوت, واهن قال السلطان المبروك مخاطباً الوزير حسيب بن العادل قائد الشرطة
- مسلوخة كانت الجثة .. ما معنى ذلك .. ذئب أكلها ؟
هكذا قال السلطان وقد إكتسى وجهه بعلامات عدم الفهم ، فرد الوزير حسيب قائلاً
- لو كان ذئباً لنهش الجثة ومزقها .. لكنها سليمة .. جلدها مسلوخٌ منها والباقى سليم صاح وريث العرش جلال محتداً لما أحس بكلمات قائد الشرطة تجعل أبيه غبياً أمام
حاشيته
تدخل بشير بن الطرطاوى قائد الجند بوجهه النحيف وعينيه الضيقة الغائرة يتصنع علمه
ببواطن الأمور
- قد يكون الفاعلُ يا مولاى السلطان بعضُ جند بلاد البرامكة من الأعداء لبث الذعر والخوف فى بلادنا الآمنة حفظها اللّٰه من كيد
الأعداء .. لذا أرسلتُ ساريةً من جيشنا العر مرم تتقصى الأمر
لم يكن قائد الجند قد أرسل جندياً واحداً ولكنه أراد أن يبين للسلطان مدى ما يبذله من تضحيات فى سبيل البلاد .. قال جلال المبروك وريث العرش والمتحكم الفعلى فى البلاد
- أليس ذلك الرجل هو هارون المدين لأغلب
رجال المدينة ؟
رد الوزير بطريق بن الغالى بوجهه المستدير كالكرة وشفتيه المكتنزة وحاجبيه الكثين
- نعم هو يا مولاى الأمير .. وقد حصل على قرض، من بيت المال لإنعاش تجارته وسداد
ديونه
ما إن سمع السلطان ذلك حتى صاح قائلاً
- ومن أذن لك أن تخرج قرضاً من بيت المال
؟
- إنه قرض يسير يا مولاى .. لم يستدعى الأمر الإستئذان .. ا
أدام اللّٰه عمر سلطان
لبلاد وأبقاه ملجناً للمدينين ..وسوف يدفع
- إنه قرض يسير يا مولاى .. لم يستدعى الأمر الإستئذان .. أدام اللّٰه عمر سلطان البلاد وأبقاه ملجئاً للمدينين ..وسوف يدفع عليه فوائدٌ مناسبة
قال بطريق بن الغالى جملته الأخيرة وعينيه تلمع ببعض الخبث .. فتلك الفوائد سيعود نفعها على القصر السلطانى حيث يُصرف منها على إحتياجات القصر من النعم .. بخلاف ما يستقطعه بطريق لنفسه .. ففى هذه البلاد المباركة تتناثر الأموال فيها على الوزراء والمسئولين .. بها القصور يبنون .. والجوارى يشترون .. ومن الذهب والفضة يكنزون .. يوم يُحمى عليها ذوقوا هذا ما كنتم لأنفسكم
تكنزون .. بينما لا يصل من تلك الأموال للعباد إلا الفتات القليل ، والتى هى أصلاً من الجزية التى لهم يدفعون .. قال جلال المبروك وولى العهد محدقاً فى وجه شيخ بندر التجار
- إذهب يا قائد الشرطة وأطلب من هارون الوكيل المثول بين أيدينا .. ثم تابع مع أهل الجارية المختفية .. إعرض عليهم الخاتم وأنظر ماذا هم فاعلون ؟
كان يمكن إرسال أحد الحراس لطلب هارون ..
ولكن جلال كان يريد أن يُشعر قائد الشرطة ببعض الإهانة .. عقاباً على تقصيره فى حماية البلاد
فى أحد الليالى كان هارون الوكيل يسير بخطى حذرة وسط ظلمة الليل ، عدا بعض سنايا القمر
الخافتة .. ينتعل مركوباً ذهبى اللون مدبباً من الأمام أشبه بمركب بحرى ، دفع فيه الكثير من الدنانير حينما إشتراه من بلاد الهند بعدما علم أنه المركوب الذى كان ينتعله السندباد فى رحلاته ..
وعلى جسده عبائة مطرزة عتيقة خضراء دفع فيها آلاف الدنانير حين إشتراها من بلاد السند بعدما علم أنها العباءة التى كان يرتديها علاء الدين ، وتمنى وقتها لو إستطاع شراء المصباح
.. وعلى رأسه عمامة زرقاء حريرية يتوسطها من الأمام جوهرة نفيسة متدلية على بداية جبهته إشتراها من بلاد اليمن.
يملك هارون الوكيل بشرة قمحية اللون وعينان عسليتان ، وإعتنى بلحيته المحفوفة وشاربه الأنيق أفضل عناية .. قامة طويلة وجسد ممتلئ دون سمنة .. لا تفارق حزامه قنينة عطر, فواح فاخر .. أما عن شخصيته فتتلخص فى أنه لا هم له فى هذه الحياة سوى إشباع رغباته وشهواته دون أن يعبأ أو يكترث بشئ آخر.
كان يسير فى تلك اللية دافساً رأسه بين منكبيه ، مسدلاً عمامته يخفى جبهته العريضة حين شهق
فزعاً على إثر يد تقبض على كتفه من الخلف وصوت يصيح من ورائه
- أنت لم ترى فزعاً بعد .. هيا معى إلى القاضى وافزع هناك كما تشاء
تبدلت ملامح هارون وكست وجهه إبتسامة
متابعاً بصوت ودود
القاضى وافزع هناك كما تشاء
تبدلت ملامح هارون وكست وجهه إبتسامة
متابعاً بصوت ودود
- لقد تزوجت تلك القردة لمالها ، فذهب المال وبقيت القردة على حالها .. أبوها البخيل كان
يساعدنى ببعض المال لكنه ضن علىّ وأقسم
ألا يعطينى درهماً
هرع هارون خلفه يسير جنباً إليه قائلاً
- أنا أعلم أنك تحب الضحك .. دعن أحكى لك فكاهة جديدة عن الجاحظ إن أعجبتك ، أسهر معك الليلة وإن لم تعجبك سأنصرف لحالى
لم يرد ابن زيدون ماضياً فى طريقه وإلى جواره يسير هارون الذى واصل
- جاء رجلٌ إلى الجاحظ و قال: أريدك أن تكتب إلى صاحبك فلان كتاباً توصيه فيه أن يساعدني في أمر أحتاجه منه.
- جاء رجل إلى الجاحظ و قال: اريدك ان تكتب إلى صاحبك فلان كتاباً توصيه فيه أن يساعدني في أمر أحتاجه منه.
فكتب الجاحظ رسالة إلى صاحبه، و ختمها و أعطاها للرجل، حمل الرجل الرسالة، ولمّا خرج من بيت الجاحظ، فضها و قرأها فإذا فيها:
"أرسل إليك هذا الكتاب مع شخص لا أعرفه ، فإذا ساعدته لن أشكرك، و اذا لم تساعده لن ألومك "
نغضب الرجل و عاد إلى الجاحظ حانقاً، فقال
الجاحظ : كأنك فضضت الرسالة، وقرأت ما فيها.
قال الرجل: نعم.
فقال الجاحظ: لا تغضب ، ما جاء في الرسالة إنما هو علامة لي إذا أردت العناية بشخص.
قال الرجل: قطع اللّٰه يديك و رجليك و لعنك.
قال الجاحظ: ما هذا؟
قال الرجل: هذه علامة لي إذا اردت أن أشكر شخصاً!!.
ضحك ابن زيدون وبادره هارون قائلاً
قال: إلى أين؟ قالت: اتبعني دون سؤال.
فتبعها الجاحظ إلى أن و صلا إلى دكان صائغ ، وهناك قالت المرأة للصائغ.
مثل هذا! ثم انصرفت.
عندئذٍ سأل الجاحظ الصائغ عن معنى ما قالته المرأة ، فقال له: لا مؤاخذة يا سيدي! لقد أتتني المرأة بخاتم، وطلبت مني أن أنقش عليه صورة
شيطان، قلت لها: ما رايت شيطاناً في حياتي، فأتت بك إلى هنا لظنها أنك تشبهه!!.
علت أصوات ضحكات ابن زيدون وهارون ، ولم يتمكنوا من كبت جماح الضحكات اللاهثة ، فسمعا صوتاً قادماً من أحد النوافذ يصيح
كان هارون
يجلس إلى جواره فوق فرُش من ريش النعام على الأرضية الرخامية ، ومن أمامهم سلطانية الفواكه ..تدور الجوارى بكؤوس الخمر ..
حتسيان الخمر ويقضمان التفاح الأحمر والموز
والعنب .. أخرج هارون قنينة العطر من ثوبه ..
قنينة صغيرة بها سائل أصفر و على رأسها قطعة معدنية صغيرة تتصل بخرطوم دقيق فى نهايته كرة مطاطة.. يضغط هارون بأصابعه على الكرة المطاطية فيتناثر العطر على وجهه وحول رقبته .. يلتقط نفساً عميقاً ليشتم العطر هائما ويواصل تحديقه فى الخمسة جوارى اللاتى ترقصن وتغنين على أنغام الموسيقى .. يرتدين جميعاً نفس الثوب من الدانتيل الشفاف بألوان مختلفة .. تبدو من خلف الأثواب الشفافة أجساد الجاريات وهن يتراقصن ويتمايلن .
صاح هارون
- تستحقين أيتها الجارية ما يقوله عنك رجال
المدينة
رد ابن زيدون بإشمئزاز من الرائحة التى فاحت فى المكان
وميضاً يُسحر القلوب ويسلب الألباب
.. ورموشها السوداء الكحيلة الطويلة تنغرز فتؤلم القلوب ..لم يدرى هارون بنفسه وهو يندفع عائداً ليجلس على أريكته قائلاً
- سبحان من خلق هذه العيون .. لم أرى مثله من قبل .. إكشفى عن وجهك
نظرت الجارية ترنو بطرف عينها لسيدها ابن زيدون ، الذى أوما لها أن تفعل .. أزاحت ال****
عن وجهها الأبيض المثير ، الذى لا يسعك إلا أن تحدق فيه مذهولاً مأخوذاً .. الأنف الصغير المتناسق مع وجهها المستدير كتفاحة ، وشفتاها العامرة تنادى بهمس الشبق .. أزاحت عن رأسها الطرحة الحريرية البيضاء فتجلى شعرها الكستنائى مائلا لبعض الحمرة .. هنا لم يتماك هارون نفسه وهرع يخرج قنينة العطر ينثر منها على وجهه صائحاً
- كف عن هذه الرائحة يا رجل .. إنى أختنق منتهى الدلال بدأت الجارية الرومية فى تعرية جسدها ساحبة ثوبها من أعلى لأسفل .. تبعث نظراتها الشهوة فى الأجساد الباردة فتحيلها إلى
لهيبٍ متقد .. صارت عارية تماماً
نظرات هارون تتهادى على جسدها وكأنها بجعة تسبح على سطح الماء.. وجد هارون نفسه يسير على أربع تجاهها ، مما جعل ابن زيدون يضحك قائلاً
- و**** يا ملعون هذه المِشية تناسبك .. ليتك لا تمشى غيرها
لم يسمع هارون شيئاً مما قاله ابن زيدون فقد كان فى عالم، آخر .. تنهد بعمق وعيناه لا تطرف جاحظة على جسد الجارية وقال
- ما أنتِ ببشر .. أنتِ حورية من الحور العين هبطت من الجنة
قالها فى الوقت الذى كان ابن زيدون يفرقع بأصابعه .. فعلت أصوات الموسيقى تعزفها الجاريات ، وبدأت الجارية الرومية ترقص وتتمايل عارية مغنية .
قال هارون متمايلاً على الأنغام
أخرج هارون قنينة العطر ..يرش ويشتم ما تناثر على وجهه هائماً .. إنتهت الجارية الرومية من الرقص والغناء .. إندفع هارون يمسك بالجارية نادية ، وأرقدها على الأرض ، وظل يسكب العطر على جلدها ثم يعاود التقاطه فى القنينة .. صاح ابن زيدون
ويرش ويشتم ويهيم.
صياحُ الديك وشقشقة العصافير تعلن عن قدوم الصباح .. هدأت الأنفاث اللاهثة وقال ابن
زيدون
- علام تنتظر يا مخبول .. ل
لقد ولى الليل،
وأدبر .. هيا إنصرف ولا تنسى مالى بعد أسبوع
دون أن ينطق هارون كان قد غادر القصر إلى داره
عاد هارون لبيته والصباح قد بدأ ينثر بنوره على الأرض .. دلف متخفياً حتى لا تستيقظ زوجته .. يترنح من سُكر الخمر وخدر ما بعد المتعة خلع ملابسه ونام .. وقبل أن تغمض عيناه سمع زوجته الراقدة على السرير تقول
- حئت أيها الغراب ولماذا التيكير ؟
المتعة خلع ملابسه ونام .. وقبل أن تغمض عيناه سمع زوجته الراقدة على السرير تقول
إستيقظ هارون مغرب اليوم والصداع متملك"
من رأسه بعد حلم، جميل كان يجمعه بنادية ..
فكر أين يذهبُ هذا المساء .. ودَّ لو إستطاع أن ينعم بليلة أخرى مع نادية .. ولكن ابن زيدون حتماً سيرفض .. أخيراً عزم على الذهاب إليه عله يرضى .. إرتدى ملابسه وتأنق ، ومن قنينة العطر رشَّ .. أوهم نفسه بأن رائحة العطر صارت أجمل بعد مزج العطر برائحة جسد نادية .. ظل يلتقط الشهيق وراء الشهيق ويهيم ..
ما كاد يخرج حتى وجد إحدى جواريه تتسل دالفة إليه قائلة بهمس
لكن وميض عينيها
الزرقاء كان ينير المكان بشعاع جعل قلب هارون يتاقفز خلف ضلوعه .. بادرت هى قائلة
- هارون .. لقد سلبت لُبِّى وعقلى مذ رأيتك ..
قلبى أحبك وروحى تعشقك .. خذ هذه إقرأها جيداً ولا تجعل أحد يطلع عليها .. إحفظها عندك .. سأنتظرك فجر الغد عند البئر الناضبة على طرف المدينة
ما إن أنهت نادية كلماتها حتى إختفت من أمامه وسط ظلمة الليل بملابسها السوداء .. بينما هارون يحدق بذهول.. أفاق من ذهوله ليجد فى يده صندوقاً صغيراً من خشب الأبانوس ، الذى كانت نادية ناولته له.. دلف مسرعاً إلى إحدى غرف الدار .. أطفأ الشموع بالمصابيح المعلقة وترك واحداً وجلس أسفله وسط الضوء الأصفر
المهتز الخافت حتى لا تشعر به القردة زوجته إذا مرت ، فتُسمعه ما لا يحب .. فتح الصندوق الصغير وأخرج منها سبعة لفائف من ورق البردى مطوية بعناية .. كانت عيناه تتسع ومقلتيه ترتعش وهو يطالع اللفائف .. إنهمك فى قراءة اللفافة الأولى وأتبعها بالثانية وهكذا حتى إنتهى من السابعة ، ليجد جسده يرتعش .. أخرج قنينة العطر ونثر بعضه على وجهه ورقبته ..
ظل يشتم الأريج هائماً ، فتذكر نادية .. ظل عقله يموج و يموج فى محيطٍ من الحيرة ..
يتسائل لماذا أنا الذى إختار تنى نادية ؟ .. وكيف عثرت هى على تلك اللفائف ؟ .. وهل ما بها حقيقى أم أسطورة .. هل فعلاً أحبتنى وهامت بيَّ عشقاً .. لماذا إختارتنى لأكون ملكاً وسيداً على الناس من حولى .. ظل عقله يعتمل بتلك التساؤلات طوال الليل .. يتمنى لو أغمض عينيه وفتحها ليجد اليوم قد مر ، ويقابل نادية ويفهم منها .. كان وجهه يكتسى بإبتسامة بلهاء وتلمع
حقيقى أم أسطورة .. هل فعلاً أحبتنى وهامت بىّ عشقاً .. لماذا إختارتنى لأكون ملكاً وسيداً على الناس من حولى .. ظل عقله يعتمل بتلك التساؤلات طوال الليل .. يتمنى لو أغمض عينيه وفتحها ليجد اليوم قد مر ، ويقابل نادية ويفهم منها .. كان وجهه يكتسى بإبتسامة بلهاء وتلمع عينيه بسعادة طفوليه ، حين رسم له خياله مملكة من الخيال ، ومن حوله الناس يتعبدون .. وفجأه تتجمد ملامحه كقطعةٍ من الحطب ، فربما تكون
تلك اللفائف أسطورة قديمة ، لا نفع منها ولا فائدة من ورائها .. التعبيرات المخيفة ظلت ترتسم على وجهه تتبدل فى لحظات .. يرش العطر بين الحين والآخر ويهيم .
غلبه النوم ليستيقظ على صراخ القردة الكسولة زوجته بعد العصر.. بعد الحوار المعتاد بينه وبين زوجته من اللوم وتبادل الشتائم إنصرفت ، بينما هو يخفى علبة اللفائف فى مكان, آمن.
أمضى باقى النهار وفى الليل ركب حصانه وإنطلق .. وصل إلى البئر الناضبة فى الصحراء نهاية المدينة .. ربط الحصان إلى البئر.. وأول مافعل هو أنه ضغط بأصابعه على الكرة المطاطية فتناثر بعض العطر على وجهه.. إشتم هائماً قبل أن يغرق فى بحر التساؤلات مجدداً أفاق فزعاً على صهيل حصانه الذى رأى فرسة سوداء تقترب .. بالكاد لمح هارون العفرة المنبعثة من أقدام الفرسة .. نزلت نادية عن الفرسة بنقابها ولباسها الأسود الذى يخفيها تماماً وسط ظلمة الليل .. خلعت ال**** فأضاء وجهها
الأبيض المكان .. صوبت وميض عينيها
الزرقاء لعيون هارون .. وقبل أن تنطق بشئ ، هوت على فم هارون تقبله.. ينتفض جسد هارون ويلهث قلبه.. ضحكت بدلال وهمست بأذن هارون
فردت عبائتها على الرمال جوار البئر .. ورقدت
على ظهرها فوق العباءة المفروشة وتبعها هارون يتمدد إلى جوارها .
ما أروع المشهد ، فى الصحراء وسط ظلام الليل وتحت ضوء القمر الخافت ، وفوق عباءة حريرية سوداء تحتها رمال الصحراء تنقر جلدك .. يلفحك الهواء العليل وإنت على جنبك تتمدد وإلى جوارك حورية ساحرة ، ترقد على بطنها عارية .. ووجهها فى وجههك تبادلك الشهيق والزفير .. بماذا تشعر ؟
هذا ماكان يشعر به هارون الوكيل المسحور بنادية التى قالت بصوتٍ مبحوح
- كيف صار عطرك بعدما مزجته برائحة
جسدى يا هارون ؟
أسرع هارون يحضر العطر من طيات ملابسه ورش بعضه على جسدها وجسده .. سحبت نادية شهيقاً عميقاً وتنهدت قائلة
- ستصير ذو شأن, عظيم يا هارون
كان هارون يستمع وعلى وجهه تعبيرات مخيفة
.. وفى عينيه نظرات مرعبة .. واصلت نادية تقول بصوتٍ كالفحيح
- إذهب فى نهار الغد إلى صاحب الدار الذى إستأجرته منذ بضعة أيام .. وإطلب منه أن يؤجرك الدار دون الخدم والجوارى وإذا رفض إبحث عن آخر .. وإستعد جيداً ..
عليك أن تبدأ بالأولى غداً
قالتها وهى تقوم وتجذب هارون واقفاً ، دون أن تعبأ بسؤاله
- وكيف عرفت أننى أستأجرت داراً
فضت عبائتها مما علق بها من رمال وإرتدتها .. لبست ال**** و إمتطت الفرسة وقبل أن تذهب عائدة ، إستدارت لهارون وقالت
- الأولى سهلة .. ستجدها حتما
قالتها وولت مغادرة تاركة هارون فى عالم آخر.
كان هارون يحث الخُطا متجهاً لداره خشية أن يراه أحد الدائنين خارجين من **** الفجر ..
وصل لداره وداخل الحجرة عاود الإمعان فى خطيئة الأولى ومواصفاتها باللفافة الأولى .. ظل
يفكر من تكون ؟ .. إلتمعت عيناه بوميض مخيف
.. إنها هى تلك الشرهة ببدانتها المفرطة ..إحدى جواريه .. الجارية رشيدة التى تشبه البقرة الحنيذة شكلاً وموضوعاً .. لا تتوقف عن إلتهام الطعام .. إستعاد مشاجرات زوجته معها لكثرة أكلها وشرابها .. كاد أن يبيعها لولا دموعها تستعطفه .. أبقاها بعدما وعدته بعدم الإسراف فى الطعام والكف عن الشراهة .. أسرع تجاه غرف الحريم .. ظل يفتح الأبواب فى هدوء ينقب عنها بين الجاريات من بين النائمات الكاسيات والعاريات .. وأخيراً وجدها .. لكزها
ينقب عنها بين الجاريات من بين النائمات الكاسيات والعاريات .. وأخيراً وجدها .. لكزها فى لحم كتفها المكتنز .. كادت تصرخ من الخضة لولا أنه وضع يده على فمها .. هدأت بعدما تبينت وجه سيدها فى الظلام وسارت خلفة إلى الممر بين الغرف
إختفت بداخل وجهها المستدير المكلبظ ، جعلت الرجال تنفر منها ..بعفوية همت رشيدة تجذب هارون تجاه إحدى الغرف.. فبادرها هارون
- ليس هنا يا رشيدة .. إنتظرينى فى الحديقة خلف الدار بعد المغرب ولا تجعلى أحد يراك أو يعلم شيئاً .. حتى لا تغار منكِ القردة زوجتى إذا علمت
مضى هارون فى طريقه .. بينما رشيدة لا صدق
بدأ نور الصباح فى الظهور .. هرع هارون إلى السوق
وإشترى ثلاثة غلمان صغار عاينهم جيداً ..
وجعلهم يخلعون ملابسهم وتفحصهم بعناية ، ليتأكد أنهم بالمواصفات والقياسات المطلوبة ..
كذلك إبتاع جارية صغيرة ، ليتم الأمر على خير.
هكذا كان هارون واقف فى بيت المال أمام الوزير بطريق بن الغالى المسؤول عن بيت المال فى البلاد المباركة .. إنهمك بطريق فى تفحص الغلمان الثلاثة والجارية .. ثم أمر أحد رجاله بإرسالهم إلى قصره .. هكذا كان الطريق إلى قلب الوزير بطريق سهلاً وميسوراً .. يمكن لأى أحد من البلاد أن يذهب إليه برشوة ، فيحصل فى الحال على قرضاً من بيت المال ..فالرشوة كانت تغنى وتسمن عن الضمانات اللازمة لسداد القرض .. وهكذا تعددت القروض وتنوعت .. لتُنفق
على القصور والجاريات والخمر .. وكان أحب الرشاوى إلى قلب بطريق بن الغالى هو الغلمان الصغار ذوى الأجساد اللينة .. وأحب الأشياء إلى قلب زوجته هو الجوارى الصغيرة ..حصل هارون على القرض الميمون.. بينما لم يطق الوزير بطريق صبراً ، فهرع إلى قصره وطلب الغلمان فى غرفته الخاصة .. كان لسانه متدلياً يلهث وهو يتفحص الغلمان .. كان يحتضن ثلاثتهم يحيطهم بزراعيه ، كغوريللا تحيط بأولادها تحميهم من الخطر .. إرتعد فزعاً حين دخلت
يتفحص الغلمان .. كان يحتضن ثلاثتهم يحيطهم بزراعيه ، كغوريللا تحيط بأولادها تحميهم من الخطر .. إرتعد فزعاً حين دخلت عليه زوجته خيرازانة وصاحت
- إسمع أرسل من يبيع الغلمان حالاً ويأتينى بثمنهم .. وسأحتفظ بالجارية الصغيرة
إمتثل بطريق للأمر وأرسل من يبيع الغلمان ..
بينما هى ذهبت تعاين جاريتها الصغيرة
لم يكن الوزير بطريق رجلاً جشعاً .. كانت مشكلته فى حياته هى عشقه للغلمان الصغار ..
ورغم أنه تزوج من خير ازانة ابنة أحد أكابر الأعيان تلك المرأة باهرة الجمال ذات الجسد المتناسق بوجهها القمحى الجميل والعيون السوداء المسيطرة ، إلا أنه لم يستطع التوبة عن
الفاحشة ، بل صار أضل سبيلا .. وجد نفسه بعد سنوات من الزواج واقعاً هو وأولاده تحت سيطرة زوجته التى يزداد طمعها وجشعها للمال يوماً بعد يوم .. وإمتثالاً لر غباتها كان يحرص على جمع المال والجواهر من الرشاوى التى يتقاضاها من أجل إعطاء القروض للتجار دون ضمانات .. تعاظمت ثروته و تعددت قصوره ، ولكن إزداد طمع خيرازانة زوجته .. صار فى مأزق كبير فى الآونة الأخيرة بعدما كثرت القروض التى أعطاها للتجار من بيت المال ..
وتعثر معظمهم فى السداد .. ولو ألقى القبض عليهم سيقرون بأنه أعطاهم القروض مقابل الرشوة وفائدة خاصة لنفسه .. وسيدفع حينها رأسه ثمناً لذلك أمام السلطان المبروك .. لذا عهد إلى مهادنة التجار وحثهم على السداد ..
فكان أغلبهم يسدد شهراً ويمتنع شهرين .
ظل هارون يدور كالنحلة فى أرجاء المدينة يسدد ما عليه من ديون لكافة الدائنين ، حتى لا يتعرض للعقاب والسجن عندما يلجأ الدائنون إلى القاضى .. إنتهى من السداد ولم يبقى عليه
درهماً واحداً لأحد .. سوى بيت المال الذى لا يعلم حتى الآن كيف سيسدد القرض .. ذهب إلى السوق .. إشترى مرجلاً كبيراً وأوانى نحاسية كبيرة وعدد من القنينات الزجاجية وكذلك بعض الحطب والكثير من الملح ولم ينسى أن يشحذ خنجره جيداً .. ذهب إلى الدار الأجيرة التى خلت من العبيد والجاورى بعدما وافق صاحبها
.. رتب محتوايتها ووضع ما إشتراه فى أماكنها .
بعد المغرب فى حديقة داره الخلفية كان هارون يكابد ويعانى من أجل أن يضع رشيدة البدينة على الحصان .. كلما حملها تسقط قبل أن تستقر
بعد المغرب فى حديقة داره الخلفية كان هارون يكابد ويعانى من أجل أن يضع رشيدة البدينة على الحصان .. كلما حملها تسقط قبل أن تستقر على ظهر الحصان .. رفعها على ظهر الحصان فوقعت من الجهة الأخرى .. كاد هارون أن يلغى المهمة من فرط العناء .. لكن المحاولة الأخيرة نجحت وصارت رشيدة قابعة على الحصان الذى بدا أنه يصدر أنيناً من الجبل الذى وُضع فوقه .. إمتطى هارون حصانه وسحب حصان رشيدة ووصلا للدار الأجيرة ..
دخل هارون وبصحبته رشيدة الهائمة فى عالم آخر .. تشعر بإحساس المغامرة وتبرق عينيها بدموع السعادة .. أخيراً .. تقبض بيديها على
صرة بها ثوب مثير سترتديه لسيدها .. قال
هارون
هرعت رشيدة ترتدى ملابس الجاريات الفاتنة فى مناسبات الليالى الماجنة .. كابد هارون كتم ضحكاته من منظرها ، فالثوب منحشرٌ فيها كبقرة ألبستها ثوب مُهرة .. تبظ كتل اللحم من فتحات الثوب .. بدأت رشيدة فى التمايل والإهتزاز فصاح هارون
الضحك عليها وكتل لحمها تترجرج مع حركاتها وبين الشفقة العارمة لحالها .. حين وصل هارون لمرحلة لن يستطع عندها كبت ضحكاته قامٍ وأمسك بها وعرَّاها من ثوبها المنحشر فيها .. أرقدها على الفرشة الناعمة .. وكما كانت
اللفائف تقول : لابد من جعل المرأة فى قمة إثارتها وشهوتها .. تفنن هارون فى بث الشهوة لجسد رشيدة ، ورشيدة تتأوه وهى فى قمة السعادة .. لما أحس هارون أنها صارت جاهزة .. فى الوقت الذى تشعر فيه رشيدة بأنها ترتوى بعد العطش وتأكل بعد الجوع .. قام وإستل خنجره من طيات ملابسه .. وعاد ويده ممسكة بالخنجر وراء ظهره .. ووسط لهاث رشيدة ودقات قلبها المتسارعة كان هارون يطبع قبلة رقيقة على فمها .. قبلة الوداع .. وبطعنة مفاجئة قوية كان هارون قد غرس خنجره فى قلبها مباشرة وأدارة دورةً واحدة .
لم يدرى هارون لماذا شعر بالشفقة عليها ؟ ..
هل لأنها لم تصرخ وكأنها تريد ألا تزعج سيدها
بصرختها .. أم لتلك النظرة المستكينة الهادئة التى كانت فى عينيها لحظة خبوت روحها .
قام هارون مسرعاً يحضر أدواته ..جرجر الجثة الثقيلة لأحد الأركان وإنهمك فى سلخ جلدها بنصل الخنجر .. وبعدما إستخلص الجلد قام بكشط طبقة الدهون الرقيقة الملاصقة له وقام بتجميعها فى مرجل .. لم يسمع هارون من شدة إنهماكه فى العمل بوقع خطوات تتسلل من خلفه .. كادت روحه أن تزهق فزعاً حين شعر بيد على كتفه وصوت يقول
- أحسنت يا هارون
.. كادت روحه أن تزهق فزعاً حين شعر بيد على كتفه وصوت يقول
- أحسنت يا هارون
إستدار هارون ليجد نادية أمامه متدثرة بعباءة سوداء ووجها مختفى تحت ال**** الأسود فقال
رقيقة من النايلون وفلتر الدهون الذائبة .. أعاد الزيت المفلتر يغليه ثانية ، مع إضافة كمية من الملح ، ثم فلتره مجدداً ليتحصل فى النهاية على زجاجة لا يتجاوز طولها أصبع اليد مملوءة
بالزيت الذى إستخلصه.
بدأت نادية مع هارون فى تنظيف المكان .. نزع هارون الخنجر المغروس فى قلب رشيدة ووضع مكانه قطعة قماش كبيرة يمنع الدم من التدفق ..
ولف الجثة جيداً .. إستبدل ملابسه وإتجه لحديقة الدار يحفر .. دفن جلد رشيدة وكافة ملابسها وكذلك ملابسه المتسخة بالدماء .. عاد هارون ليجد نادية تهم بالمغادرة قائلة
- علىَّ العودة قبل أن يكتشف من فى القصر غيابى .. إذهب بالجثة يا هارون وألقها على أطراف المدينة
فعل هارون ما أمرته به نادية وعاد لداره يرتعش .. لم يغمض له جفن .
ممدداً سارحاً هارون يتذكر ما حدث .. حتى دخلت القردة الكسولة زوجته تصيح
- أهلا بالوزير .. حامى أمن البلاد وراعيها من الأعداء
بإقتضاب قال حسيب
البلاد المباركة ج ٢
حورية تلك الأميرة التى ساقها القدر لتكون فى عالم, غير عالمها .. تماماً كالسمكة إذا جعلتها تحيا على اليابسة بدلاً من الماء .. والطائر إذا نزعت عنه أجنحته وجعلته على الأرض بدلاً من السماء .. كذلك كان حال حورية بنت الأمير غسان أحد أقرباء السلطان المبروك سلطان البلاد .. كانت هائمة فى عالم آخر غير العالم الذى تحياه .. تقرأ الشعر وتكتبه .. تعيش بين طيات الأوراق واللفائف فى ألف ليلة وليلة .. كم تمنت لو كانت هناك .. وكم ودت لو عاشت فى تلك الحياة المليئة بالسحر والجمال .. تعج غرفتها فى قصر أبيها بمئات الكتب للشعراء والفلاسفة .. تعيش مع ابن الرومى والبحترى وأبو تمام .. تضحك من قلبها مع الجاحظ وابن الضحَّاك وأبى نواس .. ومن أبو بكر الرازى والفارابى وابن رشد تتعلم الفلسفة والطب والحساب .. وتغنى مع أبى الفرج الأصفهانى أحلى الأغنيات .. وبالريشة والقلم الخشبى فى المداد يتقطر ، ليخط على أوراقها أحلى وأعذب الكلمات .. ودت لو قرأ الناس ما تكتبه ، فحتماً ستصبح الحياة غير الحياة .
وجهها الملائكى البديع سبحان من سواه ..
وعيناها من العسل تجلى من صفاه .. جسدٌ تحلم به كل الفتيات .. وبياضٌ يشعُ نوراً يبعث الهدوء فى الأركان .. تفاحتين حمراوتين على وجنتيها بالحمرة كستاه .. آه من هذه الحياة المملة.. أن تأمر فثطاع .. ألا تكد وتتعب لتنال المراد إختنقت حورية من النعيم الذى تحيا فيه ..وبؤست من الترف الذى تعيش فيه .. لماذا خلقها اللـه هكذا ؟ .. كان هذا السؤال يعتمل فى عقلها ليل نهار .. وحيدة وسط أخوة جميعهم من الذكور .. تمنت لو كانت رجلاً فى هذا العصر : عصر الجوارى والحريم .. تعبث بمقدرات الجوارى وبالنساء تستهيم .
تجلس الآن تطالع لفافة ورقية أحضرتها لها جارية .. تذيلها اسم يوسف بن حسيب بن العادل ..قرأت أبياتاً من الغزل بين الملموس والمحسوس ..ضحكت .. أين ومتى رآها ؟ ليكتب لها ذلك ؟ ، وهى نادراً ما تذهب إلى حفلات وعرس الأقارب والصاحبات .. تذكرت حين كانت تجلس مع الحريم فى الجناح يحضرن عرس لواحدٍ من أمراء البلاد .. والرجال والشباب يتحججون للدخول والخروج من حول جناح الحريم .. وإذا بجاريةٍ تلقى اليها بلفافةٍ مطوية ..فتحتها لتجدها خطاباً غرامياً ..
إبتسمت وتعجبت ، ألهذا الحد هى تعيشُ فى عالم ، لا يرى فى المرأةِ سوى جمالها وشكل جسدها وفتحة مابين فخذيها .. ألا يهمه أن يعرف حتى عقلها وتفكيرها .. رفضت الخُطَّاب تباعاً ، وصمدت أمام ضغوط والدها الأمير ، الذى كان يمعن فى تدليلها وعلى هواء رغباتها يسير ..
ولما لا ؟ وهى البنت الوحيدة وسط ابنائه الذكور.. وأمها تركت الدنيا منذ سنوات ، وظلت وحيدة هكذا حتى بلغت العشرين وتأبى الزواج .
إنتهت من قراءة رسالة يوسف بن حسيب بن العادل .. مزقتها وألقت بها .. فكرت أن تردها له ليرسلها لأخرى ، فهناك الكثيرات ممن يحلمن ببعض هذا الكلام .. فبتأكيد ستفرح وتتجاوب معه .. ولكنها فضلت تجاهله .. كثيراً ما كان يداهمها الأرق ، فتطلب من أم إبراهيم مربيتها السوداء .. أن تقرأ لها من ألف ليلة وليلة ، حتى تدخل فى عالم الأحلام وتنام.
ذات مرة كانت تكتب بعض ما يدور فى خاطرها .. وإذا بصوت إرتطام على شباك غرفتها يفزعها .. تتالى الصوت متكرراً .. أسرعت تفتح الشباك ، لتجد شاباً وسيماً على حصانه بتبختر تحت شرفتها .. رفع إليها زراعه ملوحاً .. تعجبت من الحراس يتركونه ويتغاضون عن وجوده .. أدركت أنه ابن قائد الشرطة ، فحتما دفع لهم .. سمعت صوت طرقاتٍ على باب الغرفة .. دخلت جارية تناولها رسالة ، فقرأت ( أنا أحبك .. أعشق جمالك .. أريد أن أتحدث معك أنتظرك بالأسفل يا أميرتى ) يوسف بن حسيب بن العادل .. نظرت هى إلى يوسف على حصانه باسمة .. وأمسكت برسالته أمامه بيديها ممزقة .. قذفتها تجاهه .. أغلقت الشباك وإختفت من أمام ناظريه .. فكرت أن تخبر أبيها أو أحد اخوتها .. إلا أنها وجدت الأمر مسلياً قد يبدد لديها من الملل و بعضاً من ضجرها .. إشطاط هو غضباً .. وإنتفخت أوداجه .. يتسائل ماذا تظن نفسها هذه الفتاة ؟ ، ولماذا لا تكون مثل باقى الفتيات ؟ .. إن كانت هى ابنة الأمير غسان
.. فهو ابن الوزير قائد الشرطة حامى أمن البلاد ، ومساعده الأول فى ديوان الشرطة ، تحت مظلة التوريث المنتشرة فى البلاد .. تذكر كم من فتاة من أميرات وبنات أعيان خرجن معه إلى الصحراء .. يرتشف منهن القبل والأحضان ، وعلى نهودهن كان يضع رأسه وينام .. فما بال هذه الفتاة .. أقسم بينه وبين نفسه ليجعلنها تأتيه راكعة ولو بعد حين ؟ .. كان على حصانه يسابق الزمن عله يفجر غيظه .. إلى ديوان الشرطة دلف وعلى مكتبه جلس ، لا يفكر سوى فيها .. أصدر أوامره إلى رجاله فى الوصول إلى جواريها ومعرفة أدق أسرارها .. كان يوسف على شكيمةٍ قوية .. لا يعرف فى الحياة اللين ومعانيه .. بل القوة كانت هى كل ما تكفيه .
أحمد بن مشارى بن زيدون ذلك الشاب الذى نشأ ونر عرع فى عز ابيه ابن زيدون .. إلا أنه كان ختلفاً عن أقرانه .. جادٌ ومثابر فى عمله دؤوب .. تولى أعمال ابيه التجارية ونمَّاها .. فى الوقت الذى تفرغ فيه ابوه للجاريات الفاتنات ، يعبث ويلهو مع الجوارى فى حفلاته الماجنة ..بينما أحمد لم يكن يفكر فى الجوارى والفتيات ..فلم يقابل منهن من تستهويه .
ذات مرة كان فى السوق على بضاعته وتجارته وكيل .. وإذا به يرى فتاة ليست بالفاتنة ، لكن بوجهها علامات الكفاح شاهدة
.. ترى أحوال البلاد وكأنها
إجتمعت على علامات حُسنها .. شعر بقلبه بنبض .. إقترب منها وسألها
– كما ترى، أبيع اللبن أيها الشاب
ابتسم أحمد وهو يميل قليلًا نحوها وقال مداعباً
– أهو لبنٌ سليم أم مغشوش؟
لكن ابتسامته تلاشت حين رأى الجمود يرتسم على وجهها وقالت بحدة
– إذا لم تكن تريد أن تبتاع مني اللبن، فاذهب عني… وإلا
توقف صوتها لحظة، فقاطعها مرتبكًا
– أنا لا أقصد شيئًا يهينك، أنا فقط أمازحك يا فتاة
رفعت حاجبها وقالت بصرامة
– وأنا لا أطيق مزاحك يا ابن الأعيان… ابتعد عني
قالتها الفتاة وعينيها تتفحص أحمد الذى بدا من مظهره أنه من الأعيان .. تابع هو متودداً
- محمود .. محمود
هرع محمود صانع وبائع الجلود والذى كان يجلس على فرشةٍ فى السوق ، قريباً منها ..
وعندما وصل إليها قالت
- إسعفنى يا محمود
قالتها وهى تنتظر بطلها الهمام أن يهوى على الشاب ويفتك به دفاعاً عنها .. إلا أنها فوجئت به
يتسم ويقول
محمود موجهاً كلامه للفتاة
- يا عبلة هذا أحمد بن مشارى بن زيدون ..
من أكبر أعيان البلاد وتجارها ، ولا يمكن أن يصييك بسوء
تابع أحمد مبتسماً فى وجه عبلة
- على رسلك يا عبلة .. فأحمد يريد أن يشترى كل ما لديك ، ويريحك من العناء اليوم تنهدت عبلة وأعطت اللبن لأحمد ، وعندما أعطاها صرة الدنانير .. فتحتها مسرعة وأخذت منها ثلاثة قطع فقط .. ثم قذفتها تجاه أحمد الذى إلتقطها بردة فعل سريعة وهو يسمع صوت عبلة
يقول
- أنا لا آخذ إلا ثمن بضاعتى .. يمكن أن توزع الباقى على الفقراء والمساكين ..
إذهب إلى نهاية السوق ستجد منهم الكثيرين قالتها وهى تلم فرشتها وتذهب مغادرة دون أن تنظر تجاههما .. بينما أحمد يحدق فيها وهى تبتعد ، وقلبه منها يرتعد .. أفاق على صوت
محمود يقول
محمود هو ذلك الشاب الذى إرتسمت على وجهه ملامح الرجولة بكل معانيها .. ولد لأسرة فقيرة مات أبوه وهو صغير ، وتكفل هو برعاية أمه وأختين أكبر منه .. إشتغل وإحترف صنعة الجلود ، تأتيه مع القوافل القادمة من بلاد الهند وبلاد الفرس .. ويعالجها هو بيديه المتمرسة المحترفة فيصنع منها الأشكال الجميلة ..والأنواع المتعددة.. هناك الجلود السميكة الكبيرة من أجل الإفتراش على الأرض .. وهناك ما يصلح للبس وهذا النوع يقبل عليه الجنود .. وهناك النوع الرقيق الناعم الذى يصلح للكتابة عليه ، والذى يُسمى الرق حيث كان يُنقع في الماء المغلي عدة مرات ويُغسل ويُنشر في الهواء الطلق على ألواح ليجف ، وأحياناً يوضع فى ماء الجير لتزول منه المواد الدهنية . وبعد ذلك يجري دعكه بالحجر الخفان حتى يصبح ناعماً وبعد ذلك يُحك بالطباشير فيصبح أبيضاً ، ومن ثم يُكتب عليه
حيث أمتاز الرق عن الورق البردي بأنه يُكتب عليه على الوجهين ، ولقوته ومتانته وسهولة تناوله وترتيبه على الرفوف .. ونظراً لصعوبة
هذا النوع من الجلود لم يكن محمود يصنع منه إلا بالطلب .. يستخدم محمود الألوان والأصباغ ، فيصنع جلوداً رائعة وباهرة الجمال .. جعلته يحظى بشهرة فى المدينة بين الأعيان والأمراء .. كثيراً ما يستدعونه لشراء الجلود التى يصنعها من أفخر الأنواع .. إستطاع بذلك إلى جانب بيعه لبضاعته فى السوق ، أن يحظى بدخل جيد .. يكفى ما يحتاجه هو أمه وكذلك يساعد أختيه التى تزوجتا من أزواج فقراء لكنهم طييين .. أحبته عبلة ، وإزداد حبها وعشقها له حين دفع عنها رجلاً يغازلها وهى تبيع اللبن فى السوق ..
أحست به فارسها النبيل .. تتودد إليه وتتقرب ، ولكنه منها شيئاً لا يريد .. أبوها وأمها كثيراً ما يلمحون له ولأمه يطلبونه لها .. ألحت عليه أمه أن يتزوج عبلة لكنه يسوف فى الأمر .. ليس لأنه لا يحبها ، فمثل محمود من عاش فى حياةٍ صلفة وشقية لا يعرف الحب .. أو بمعنى أدق لم يجد الوقت ليتعلم الحب .. لم يكن مجذوباً لعبلة ولكنه لم يكن يمانع فيها .
وعلى فرشته وسط الجلود تحيط به ، رأى الجارية قادمة تقول
كانت حورية تقف فى شرفة غرفتها المطلة على حديقة القصر تتابع .. نظرت خلفها فى ركن المنضدة فلم ترى رقوق .. ذهبت تتفحص الأمر فوجدت الرق قد نفد ..كانت حورية تفضل الكتابة على الرق فيما يتعلق بخواطرها وأشعارها .. فذلك يكسبه رونقاً خاصاً مختلفا
عن الكتابة على ورق البردى أو أى أنواع أخرى .. لذا نزلت إلى الحديقة وسألت جاريتها
ربما تكون هذه هى المرة الأولى التى تأمر ولا تُطاع .. لم تدرى بنفسها حين قطبت حاجباها
وصاحت
- إذهب وأحضر ما عندك فأنا أريده الآن
- وأنا قلت لك سأحضره فى الغد .. أو يمكنك أن ترسلى معى أحداً من القصر ، أعطيه الرقوق ويحضرها لكِ
لحظات من الصمت .. كانت حورية فيها تشعر بإحساس غريب .. جديد .. مختلف .. هذا الصعلوق الواقف أمامها يأبى أن يمتثل لأمرها .. ولا يخاطبها بسيدتى ، مولاتى ، أميرتى ..
قالت بهمس وعيناها مثبتتان على عينيه
- لن أبيعك الرقوق
وقبل أن يميل ليلتقط بضاعته وينصرف .. هوت حورية بلطمة قويه على خده الأيسر .. لم تشعر بالألم الذى إعتر كفها الرقيق ، ولكنها شعرت بألم آخر على خدها الأيسر إثر لطمة محمود على وجهها .. الذى لم تكن لطمته سوى رد فعل تلقائى .. فلم يكن هو من الممكن أن يسمح لنفسه بلطم إمرأة حتى ولو كانت هى من لطمته على وجهه أولاً .. وإستباحت كبرياء رجولته .
أفاق على آيادى الحراس اللذين هر عوا على صرخات النساء والجوارى فى الحديقة ، ومقابض سيوفهم تنهال عليه من كل حدبٍ وإتجاه ، وهو يحاول المقاومة وكأنه أشبه بقطة وقعت وسط مجموعة من الكللابب تنهشها ..يجرجره الحراس إلى زنزانة القصر والدم يسيل من جسده .. فى الوقت الذى هرعت حورية إلى غرفتها تبكى غير مصدقة ما حدث لها .. وجدت نفسها تنظر فى المرآه .. وتتفحص مكان اللطمة ، فرأت الأصابع الحمراء مرسومة على خدها الأبيض بعناية .. توقف بكاؤها ووجدت نفسها بتسم .. كلما أمعنت النظر فى الأصابع الحمراء وإحساس الألم الذى يعترى خدها ، كلما تسلل إليها تياراً من السعادة يسرى فى نفسها .. حدقت فى المرآه كالمأخوذة .. رأت الكحل الذى لوث ما حول عينيها بسبب الدموع .. ضحكت بسعادة ..
عشرون عاماً تأمر فتُطاع .. عشرون عاماً لا تسمع سوى سيدتى ، مولاتى ، أميرتى ..
عشرون عاماً لم يصيح أحد فى وجهها حتى
أبوها وأخوتها .. عشرون عاماً يتسابق الجميع من أجل إرضائها وتلبية رغباتها ..وجاء اليوم الذى تبكى فيه إثر لطمة عنيفة على وجهها .. ممن ؟ .. ممن يسميهم أبوها بالصعاليق . يا له من إحساس جميل .. جديد .. مختلف .. غريب لأول مرة منذ زمن لا تشعر بالملل من حياتها فى تلك اللحظة .. تماماً هى مغامرة جميلة كالتى تقرأها فى ألف ليلة وليلة .. ظلت تضحك وتضحك .. تشعر أنها جُنت .. أفاقت لتدرك أنه الآن فى الجحيم .. ربما يكون قد صار مقطوع الرأس على الحميم .. مسحت وجهها بمنديل ..
هرعت تنزل إلى الزنزانة تصيح فى الحراس
- إتركوه .. إتركوه .. كفوا عنه
إمتثل الحراس تحت وطأة صياحها .. وكفوا عن محمود الذى كان يفرفر كالطائر المذبوح ..
نظرت إليه بشفقة وقالت للحراس
- أطلقوا سراحه
صمتت تتأمل وجوه الحراس وأشارت لواحدٍ بينهم ، لم تكن على وجهه علامات الغلظة كما الباقين وقالت له
- إعلم منه مكان داره وإذهب به هناك .. هيا
قاطعها كبير الحراس قائلا
تقول
- لا تخبرن أحداً بما حدث
قالتها وهى تنطلق صاعدة إلى غرفتها تنتظر أبيها وإخوتها اللذين حتماً سيعلمون ويحضرون لم يمضى الكثير من الوقت حتى كان أبوها وأخوتها الرجال على عجلٍ من أمرهم فالأمر جلل .. قال الاب بهدوء
- أرجوك يا أبى لا أريد أن أشعر بالذنب من أجله .. دعهم يطلقون سراحه ، فهو مظلوم مال أخوها الأكبر بشير ممسكاً برأسها يديره
قائلاً
مال أخوها الأكبر بشير ممسكاً برأسها يديره
قائلاً
- إنه مظلوم .. لم يصفعنى .. إصطدمت
زراعه بوجهى
قالتها وأمعنت فى البكاء وتابعت موجهه كلامها
لأبيها
- أستحلفك ب**** يا أبى .. أستحلفك برحمة أمى الغالية أن تطلقوا سراحه وتتركوه .. أمعقول أن أطلب العفو له إذا كان قد صفعنى
صاح أخوها الأكبر قائلاً
- ولماذا تبكين هكذا ؟
ردت حورية بصيحة تقول
- لأنكم تقتلون مظلوم
جعات صيحتها أخيها الأكبر يحدق فيها مندهشاً
.. وهو لا يصدق ما تقول .. نظر إلى أبيه الذى تنهد وقال
- هيا بنا
نزلوا إلى الزنزانة وإتجه بشير إلى جسد محمود المسجى على الأرض يتلوى من الألم .. داس بقدمه على وجهه يقلبها يميناً ويساراً كمن يقلب وجه كلبٍ ميت بحذائه وقال
فى المساء كان القوم يجتمعون .. يتحاورون ويتناقشون .. وفى أحوال البلاد يتمعنون .. تلك الشرذمة هى مزيجٌ من الأعيان والشيوخ الكبار فى البلاد .. إلتحق بهم عددٌ ليس بالقليل من الشباب .. كان هدفهم هو إنقاظ سفينة البلاد المباركة من الغرق .. وإصلاح أحوال البلاد ، أو هكذا يقولون وهم على دربهم يسيرون ..حتماً فى الخفاء يعملون .. ولكن العباد بهم يعلمون .. تركهم السلطان المبروك وابنه حتى يظهر أمام الرعية بمظهر السلطان العادل ..ولمن يعارضه قابل .. بينما هو وحاشيته قد أحكم قبضته عليهم كفئران فى مصيدةٍ يلعبون .. إذا فر فأرٌ منهم من المصيدة كان رجاله له بالمرصاد قائمون .. يشدون ذيله فيصدر نميمه متألماً ، ثم يعيدونه للمصيدة يلهو مع أقرانه عله لا يكون لها مكرراً .. من بينهم فى أفكارهم وأرائهم يختلفون .. منهم من يرى نفسه ومن تبعه فى حزب فكره من الناس هو الأحق والأجدر بالبيعة .. ومنهم من لا يرى فرقاً .. فقط يريد سلطاناً عادلاً .. ومنهم من ينادى بالبيعة للعمرو بن موسى ، ويرون أنه الوحيد فى البلاد الذى يمكن أن يجابه الأمير جلال المبروك الوريث المنتظر .. كان العمرو بن موسى وزيراً لشئون البلاد الخارجية ، وحظى بتأيد كبير بين العباد والأعيان ، فأزاحه السلطان المبروك من منصبه وجعله مسئولاً عن ديوان العرب .. ذلك الديكور البديع الذى هدفه توحيد بلاد العرب ولم شرازمهم الممزقة .. إلا أنه صار كميت فى القبر لا رجاء منه ولا فائدة .. بينما آخرون يرون أن العمرو بن موسى قد صار مترهلاً ولا يصلح للبيعة بعدما تجاوز السبعون من العمر .
جلس الجمع فى قصر أحدهم .. ورغم أنه ليس بينهم زعيم .. إلا أن ابراهيم بن عيسى بجسده السمين ووجهه المتكور هو أكثرهم كلاماً يصغون اليه من موافقين ومعارضين .. كان ابراهيم صاحب خفة ددمم فطرية ، وقدرة على لفت الانتباه .. متأثر" بشدة بعصر الخلفاء الراشدين .. فلم يكن هناك للسلطة توريث .. بل البيعة لصاحب الأمر تأتى من العباد .. رغم أنه لم يعلن من يكون من يستحق البيعة .. يرى البلاد تنهار ، وثرواتها تُنهب من أهلها إلى الأمراء وحاشيتهم من الأعيان .. له أراء فلسفية مثيرة للجدل فى بعض الأحيان عن الصحابة والتابعين ومن والاهم من الأتباع ..منذ بضعة أيام سرت فى المسجد الهمهمات ، حين كان إبراهيم يخطب الجمعة على المنبر منتصباً ..
وقال أن الجنة ليست على المسلمين مختصة .. ولماذا لا يدخلها سوى المسلمون ؟ .. وساق من الأحاديث والآيات ما لرأيه يؤيدون .. إن الدين عند اللّٰه الإسلام ، ولكن ذلك فى الآخرة وليس فى الدنيا .. فماذا يضيرك أيها ال**** إن دخل الجنة الآخرون .. إعمل أنت لكى تدخلها ولا شأن لك بالآخرين .. هكذا قال ابراهيم بن عيسى .. ورغم ما ثار فى المدينة من جدال على ما قال .. إلا أن السلطان المبروك تعافى من المرض وقام .. وأمام العباد ظهر وبان .. وتم القبض على ابراهيم .. وفى السجن كان من المُنزلين.
ومن بين الجمع كان هناك الوائل بن الابراشى ..بقامته النحيلة ووجه النحيف ، تشعر من عينيه أنه ناعساً وللنوم طالباً .. أحياناً ما يختلف مع ابراهيم .. إلا أنه على شاكلته يسير .
وكذلك عبد اللّٰه بن السعيد ، ذلك الشيخ الكبير ، على درب إبراهيم ووائل يسير .. إلا أنه يكن بغضاً وكرهاً لأتباع الدين الملتزمين .. وهم الإخوان فى الإسلام متآخين .. يرى أن الدين ليس له مجال فى السياسة إنما هو للحياة فى الاخرين .
والمصطفى بن البكرى الأسمر الجميل بصوته الجهورى على الناس مخيف .. دائماً على إصلاح البلاد متحمساً لكنه لبعض الأمراء
موالياً .. ومن ورائه أخوه فى ذيله مكين .
وأمجد بن يونس الجلاد بجسده الطويل النحيل جالساً .. وعلى ووجهه المسحوب كان شاربه لنصف وجهه مغطياً .. يجلس إلى القوم هنا لا يؤيد ولا يعارض .. ويذهب إلى الحاشية السلطانية هناك فلا يؤيد ولا يعارض .. كان لجماعة عدم الإنحياز مناصراً .. فإذا حدث هذا ربح ، وإذا صار ذلك فلح .
أما فاكهة الجمع .. ومن كثرة الضحك تسيل عيناك بالدمع .. فهو طالع بن الأسياد .. الأسمر المتألق .. وبشاربه المحفوف متأنق .. ولحاجبيه ناتف ومتبرق .. أكثر المعارضين فى البلاد هجوماً على السلطان .. هو من سلالة سبق لها حكم البلاد .. لكنه ليس معارضاً من أجل إصلاح البلاد .. بل يسعى إلى الشهرة بين العباد لا يطرح حلولاً للإصلاح .. بل يلقى بالنكات للإضحاك .. ذاع صيته فى البلاد وكما النار فى الهشيم إنتشر .. حين خلع حذائه وفى وجه أحمد بن العز تاجر الحجارة للبناء ، فاحش الثراء كان قد وقف .. وسط ديوان التفويض يناقشون أحول العباد بتهريج .. تقمص الدور وهاجم السلطان فكان مصيره إلى السجن قد صار .. خرج بعدها
ليفعل العجب العجاب .. أحضر أسدين أحدهما كبير والآخر صغير .. ومشى فى دروب المدينة متبختراً .. ومن على يمينه الأسد الكبير زائراً ، وعلى يساره كان الأسد الصغير مع حفيده حاضناً .. ولما لا ؟ .. وهو يرى نفسه الاسد الهمام .. إضحك ، فأنت فى البلاد المباركة .
أما من الشباب فكان بلال بن الفضل لا يزال صغيراً يطرق على الباب .. وإلى جواره أحمد
بن مشارى بن زيدون .
بعد ما قيل ودائماً ما يقال .. إنفض الجمع مغادرين .. والعجيب والطريف .. أن سفينة البلاد مازالت على حالها المائل .. والفقر لا زال أمام العباد ماثل .. لا إنصلحت التجارة .. ولا صارت للعدل فى البلاد بشارة .. إن كانوا لإصلاح البلاد يسعون .. فلابد أن يرى منهم العباد ما يجعلهم لهم يصدقون .. كما إجتمع الجمع إنفض .. وكما كانوا داخلين ولوّ مدبرين .
لك اللّٰه أيتها البلاد
المباركة
قبل أن ينصرف كل الوجودين صاح إبراهيم
- مالى لا أرى محمود ؟
رد أحمد بن زيدون
- قابلته فى الصباح بالسوق .. وكان يحثنى على الحضور
أرسل إبراهيم من يستعلم .. وبعد إنتظار ليس بالقليل جاءه الخبر .. هرع ابراهيم مع بعض الجمع يسبقهم أحمد إلى دار محمود .. وهناك كانوا يلتفون من حول السرير .. ناظرين إلى وجهه الذى إختفت ملامحه وسط الإنتفاخات ..
لا يقدر على الكلام .. وإلى جواره والدته وإخوته البنات منهمكين فى عمل الكمادات ..
إنصرفوا وتركوه مندهشين يريدون أن يعلموا ماذا حدث له ؟..
*******************
كانت حورية هائمة فى غرفتها تتمشى مشبكة كفيها خلف ظهرها .. حاولت النوم فلم تستطع ..كلما تذكرت ما حدث شعرت بشغف جديد يبدد بعض الملل الذى تملك من حياتها .. تحاول أن يهدأ بالها .. نادت جاريتها لتساعدها على النوم .. نامت حورية على بطنها على السرير ، وأحضرت الجارية الزيت تدلك ظهر حورية التي استرخت تحت يدها التي تمسجها بنعومة ورفقك .. كما تعودت حورية مع المساج مدت يدها من الأسفل تدلك كسها ، بينما الجارية تسكب الزيت بين فلقتي طيزها وتمرر كفها بينهما ، فتشعر حورية باللذة وتستنيم للمتعة ، ضغطت الجارية بأصبعها على شرج حورية التى أرخته لها ، ليعبر الأصيع داخلا منسابا بلزوجة الزيت .. أصدرت حورية تأوهات خافتة .. ظلت الجارية تدخل وتخرج أصبعها برفق شديد في شرج حورية التي تقلبت على ظهرها وباعدت بين فخذيها .. هنا عرفت الجارية ما عليها فعله .. بفمها نزلت كس حورية مقبلة .. وبلسانها على بظرها لاحسة .. تقبل وتقضم وتلحس شفرات كسها وبظرها وعانتها .. وعلى هذه الحال ظلت .. حتى للنشوة حورية وصلت .. وارتعش جسدها وانتفض وتحرر
ساقتها الجارية إلى الحمام ، حممتها ودلكت جسدها بالماء الدافئ ، ثم ذهبت بها إلى غرفتها وأرقدتها على الفراش
البلاد المباركة ج ٣
بداخل القصر السلطانى أمضى هارون قرابة الساعة مع السلطان المبروك وولى عهده جلال والوزراء وكبار الأعيان .. يتحدثون غاضبين
عما حدث .. حتى دخل الوزير حسيب بن العادل قائد الشرطة صائحاً
- لقد عرفنا من تكون القتيلة يا مولاى
السلطان
كاد هارون أن يُغشى عليه .. وقال ولى العهد
جلال المبروك
- كما قلت يا مولاى الامير .. هى مجرد جارية لا تكف عن إلتهام الطعام .. وكدت أبعيها لولا بكاؤها وإستر حامها لى
قاطعه قائد الشرطة قائلاً
- لم يخبرنا أهلها أو جوارى هارون ممن كانوا يعيشون معها أن لها عدواً أو أى أحد له مأرب فى قتلها
صاح ولى العهد
- أتخبرنا نحن بذلك يا قائد الشرطة .. أدرك أنت هذا الكلام وأبحث عن القاتل وأتى به إلينا .. هيا
قالها وهو يشير لقائد الشرطة بالإنصراف .. ثم تابع قائلاً لهارون
- إذهب أنت يا هارون .. وإذا علمت شيئا جديداً أخبر به قائد الشرطة
هكذا لم يصدق هارون نفسه أنه خرج من القصر السلطانى بأمان .. وعزم على ألا يكرر ذلك ثانيةً .. فحياته الآن صارت فى خطر ..
عندما دنا من منزله وجد تلك الجارية المتسللة فى طريقه تعترضه قائلة
- نادية ستنتظرك عند البئر فى الفجر وقبل أن تتلقى رداً كانت قد إختفت من أمامه ..
ظل هارون يتقلب فى الفراش.. بالكاد سرق من الزمن سويعات معدودة نام فيها تنازعه الكوابيس .. وعند البئر فى الفجر كان هارون
يربط حصانه إلى سور البئر ويجلس مترقباً مصغياً .. حتى سمع وقع خطوات فرسة نادية ..بقفزة رشيقة كانت نادية تستقر من على ظهر الفرسة إلى الأرض تغوص قدميها فى رمال الصحراء .. قال هارون بصوت مرتعش
- أعلمت. ما حدث
لم ترد نادية .. وخلعت العباءة السوداء وال**** لتصير عارية .. فرشت العباءة فوق الرمال ورقدت عليها ممدة ، تستنشق هواء الصحراء النقى بتلذذ مثير مغمضة العينين ، وسط دهشة هارون الذى رقد على ظهره بجوارها وقال
- يبدوا أنك لا تعلمين ما حدث و....
بتر كلماته إثر إنقضاض نادية بفمها تقبله ..
ثم قالت بلا مبالاة
هكذا قالت نادية بهدوء وهى تقوم من رقدتها نتمشى متهادية حول البئر ، فتابع هارون
- إسترح الليلة وفى مساء الغد عليك بالثانية ..
الثانية سهلة
قاطعها هارون
- خذ هذه ستعينك على الثانية
قالتها وهى تلقى بحبة صغيرة ..إلتقطها هارون وأمسكها بين أصبعيه محدقاً .
عاد هارون إلى داره وفى غرفته الخاصة أخرج الصندوق الصغير .. ظل يتفحص اللفافة الثانية ويتسائل من تكون الثانية ؟ .. قرأ اللفافة مرات عديدة .. خطيئة الرغبة .. إلتمعت عينيه ووجد الإسم يتقافز أمام عينيه .. حتماً هى وردة تلك العاهرة .
فى المساء كان هارون يمتطى حصانه متسللا بين الدروب والطرقات متجهاً إلى دار وردة .
كانت وردة إمرأة جميلة وجذابة أستشهد زوجها وابنها وأبوها وأخوها فى معركة السيناء منذ سنوات .. حيث كان جيش البلاد العرمرم يحرر الأرض من جيش البرامكة الذى إحتله .. لا تنسى يوم أن دخل عليها الجنود الباسلون وخطفوا زوجها وابنها من جوارها فى سكون الليل وكذلك فعلوا مع أخيها ، وحتى أبيها الكبير لم يتركوه .. كانوا يجمعون رجال عامة العباد من الفقراء للجيش .. بينما الأغنياء وأبنائهم ومن والاهم فى قصورهم يتنعمون .. هكذا وجدت نفسها وحيدة على الأرض تتسول قوت يومها من أقاربها اللذين ضنوا عليها .. فوجدت نفسها تسير فى طريق البغاء .. ووضعت على سطح دارها الراية السوداء .. تطلب الرجال مقابل المال .. إحترفت الأمر وصارت أضحوكة المدينة .. يتندرون عليها وهم بحالها لا يعلمون ..كثيراً ما يروادها حلمٌ غريب ، حيث ترى نفسها وقد وقفت على خشبة مرتفعة أمام حشد كبير من الناس .. يصرخون مطالبين بقتلها .. ولا تعلم هى لماذا ؟ .. لكنها تشعر وكأنها السبب فى كل مصائب الدنيا .. وإلا فلماذا يفعلوا بها ذلك ؟ .. وإلى جوارها تقف أمها وأخوتها صغار كأنهم لم يكبروا يوماً، وظلوا أطفالاً أبرياء
شاردة الذهن وحيدة وتعيسة حين دق الباب هارون .. فتحت لتجد رجلاً ملثماً .. إبتسمت
وقالت
الكثير .. دستها فى صدرها وقالت
- إنتظر
إرتدت عباءة سوداء للخروج .. ساعدها جسدها الرشيق الممشوق فى إمتطاء الحصان .. كاد هارون يضحك حين ذكّره ذلك برشيدة وهو يكابد وضعها فوق الحصان .. من خلفها كان هارون يجذب اللجام وينطلق بعدما لثم وجهه بطرف عمامته
بداخل الدار الموعودة شهقت وردة من الفزع حينما رأت جسداً ممداً ..
تدارك هارون وسط
إندهاشه فلم يتوقع أن يجد نادية بإنتظاره .. وقد أحضرت بعض الخمر والفاكهة وقال
- هذه نادية إحدى جواريّ
ردت وردة
- يبدو أنك رومية أيتها الجارية .. فما لنساء
العرب بهذا الجمال
ضحك هارون وقال ( هى كذلك ) .. وواصلت
وردة كلماتها
تبادل هارون ونادية على إعداد وردة .. فكما تنص اللفائف على المرأة أن تصل إلى قمة المتعة حتى تتركز العناصر فى دمها وتتخزن تحت جلدها .. إعتلى هارون وردة و شعر بيد نادية تناوله الخنجر من الخلف أثناء إتيان وردة شهوتها من تحته .. قبض على الخنجر ومد زراعه يهوى ليغرزه فى قلب وردة .. إلا أنها رأته و أمسكت بيده بزراعيها تمنع نصل الخنجر من الوصول إلى صدرها .. تعجب هارون من قوة قبضتها وقبل أن تتدخل نادية .. تبدلت ملامح وردة فجأة وإنطاقت منها ضحكة خافتة أتبعتها بتنهيدة تاركة يد هارون الممسكة بالخنجر وقالت
- هيا إفعلها .. لا أحد لى فى هذه الحياة ..
علام أبقى فيها ؟
قالتها وقد إكتسى وجهها بإبتسامة شاحبة يائسة ..
وإمتلات عيناها بوميض خافت عجيب .. وكأن هارون قد شُلت يده .. لم يتحرك بل شعر بقلبة ينبض شفقة ..
أدار رأسه تجاه نادية فرأى فىي عينيها نظرة آمرة مخيفة ، وكأنها تحولت إلى شيطان تحولت زرقة عينها إلى الإحمرار .. لم يدرى هارون بنفسه حين غرز الخنجر فى قلب وردة ، التى أشاحت بوجهها بعيداً وأغمضت عيناها قبل أن يهوى الخنجر فى قلبها .. رأت نادية وجه هارون الذى شحب وعينيه التى خبا نورهما .. قامت تجذبه من فوق وردة وشرعا الإثنان يسلخان جلد وردة ويقومان بما قاما به مع رشيدة ، يتجاذبان أطراف الحديث .. قالت نادية
ودفن الجلد والملابس المتسخة بالدماء ..
وتحصلا على قنينة الزيت الصغيرة التى لا تزيد على أصبع اليد طولاً .. إنصرفت نادية عائدة وسط الليل إلى قصر ابن زيدون .. بينما ذهب هارون لإلقاء الجثة على أطراف المدينة .. ولم ينسى أن يستعيد الزمردة .. ليبدأ بعدها بيومين فى الثالثة التى كانت مهمتها أحب إلى قلبه من كل الأشياء .. أمرأة خطيئة الكسل زوجته ..القردة الكسولة ميمونة .
دخل هارون فى المساء على زوجته ميمونة
لتبادره قائلة
- ولماذا لا يقتلك السفاحُ القاتل ويريحنى منك ؟
يناديها (بزوجتى حبييتى)
- الليلة ليلة إكتمال القمر. بدراً .. وكما يقولون إذا ضاجع الرجل إمرأته فى تلك الليلة .. صار الحَبل وجاء الولد .. ما رأيك ؟
وسط الذهول الذى كسى وجه ميمونة تتردد كلمة (ضاجع) بصدى مدوى فى أذنيها .. فزوجها لم يضاجعها منذ زواجهما سوى ثلاث مرات فى عام، ونصف .. قالت بصوتٍ مبحوح وعينيها محدقة فى الفراغ
- سأتزين لك
قالتها وهى تقوم تتجه إلى المرآة فسمعت صوت
هارون يقول
- ليس هنا يا ميمونة .. أعدى نفسك كما تشائين .. فأنا قد أعددت لكِ مفاجئة ستسُر
قلبك
كانت ميمونة تحدق فى المرآة بوجهها الدميم الذى يذكّر هارون كلما رآها بوجه القردة
لكنها رأت نفسها فى هذه اللحظة أجمل نساء الأرض .
كانت ميمونة على ظهر الحصان خلف زوجها هارون تحيط وسطه بزراعيها .. ليس خشية أن تقع من على الحصان ولكن خشية أن يطير
هارون من بين يديها ومعه السعادة التى ملات قلبها والغبطة التى سرت فى روحها فى هذه الأثناء .. ولما وصلا إلى الدار حملها هارون على زراعيه ودلف بها .. صاعداً إلى سطح الدار .. رأت ميمونة ما لا تصدقه عيناها ..
فرشة موثرة على سطح المنزل بأحد الأركان متخفية ومن فوقها الفاكهة وزجاجة الخمر ، قال هارون
- ما رأيك فى هذه الجلسة الشاعرية هنا تحت البدر المنير يا ميمونة
لم ترد ميمونة التى غرقت فى بحر السعادة
وواصل هارون بعد أن جلسا على الفرشة يناولها تفاحة حمراء ملساء
- أنظرى إلى البدر يا ميمونة .. كم هو بديع ويشبه وجهك الجميل ؟
قالها وهو يسخر فى سره من منظر وجهها الذى رقعته المساحيق الملونة ، والكحل المنسال حول عينيها .. كانت ميمونة مأخوذة تسبح فى عالم آخر مع البدر
.. بالكاد تمكنت ميمونة أن تنطق بصوت مبحوح قائلة
، وأفاقت لتجد نفسها عارية بعدما نزع هارون عنها ملابسها ..طفقت تخصف على عورتها من ثوبها ولكنها سمعت هارون يقول
لف هارون جثة ميمونة بملابسها ولمَّ الفرشة فى بؤجة .. حمل ميمونة على كتفه وأمسك البؤجة بيده نازلاً يتسائل بينه وبين نفسه ( لماذا ينظرن لى هكذا وهن يموتُنَّ أمامى ؟)
لم يدر هارون بأن الثلاثة التى قتلهن كان الموت أفضل لهن من الحياة .. بل أنه بقتلهن أحسن إليهن صنعاً .. فرشيدة تلك البدينة المترهلة عاشت عمرها مثار ضحكات الرجال والنساء بل حتى زميلاتها الجاريات ، يتندرن عليها ويضحكن عند إهتزاز لحمها مع حركاتها .. لم تجد رجلاً سيداً كان أم عبداً سعى إليها كباقى الجاريات .. كم نامت من ليال تسحق دموعها
ووردة تلك الوحيدة التى سرقوا منها حياتها حين جنّدوا أهلها وأستشهدوا فى الجيش .. حاولت أن تنتحر لكنها فشلت .. وجدت نفسها عاهرة تبحث عن لقمة العيش وسط الذئاب تنهش لحمها ..صارت مصدر فكاهات الرجال .. تمنت لو ماتت .. ففى العالم الاخر قد يكون هناك من يرحمها .
وميمونة الدميمة زوجة هارون .. أدركت منذ نعومة أظافرها أنها قبيحة الوجه .. ومن حولها الجميلات من سيداتٍ وجاريات .. قبلت هارون المديون رغم أنها تعلم أنه يريدها لمالها .. لكنها أرادت أن تتزوج بدلاً من أن تجلس عانسة وتلحق بمن تزوجوا من زميلاتها وقريباتها ..تمنت لو لم تكن قد تزوجته وظلت عانسة حين رأت الإشمئزاز على وجهه يوم فض بكرها
وكأنها هى المذنبة هى من خلقت وسوت وجهها بدمامة منفرة .. كانت تتمنى أن تموت .. فهذه الدنيا مخصصة للجميلات وليس لمثلها .
هكذا ساق القدر لهارون الثلاثة يرى على وجوههن وفى عينهن ما يُحزنه .. وجد هارون نفسه وقد إنتهى .. سلخ الجلد وأذاب الدهن وفلتره .. حتى صار معه قنينة الزيت الصغيرة .. دارت فى رأسه الأفكار حين دخل الفجر ولم نحضر نادية .. تسائل هل إفتضح أمرها فى قصر ابن زيدون؟.. أم أنها لم تستطع منه متسللة .. قبل أن يطلع النهار كان قد حمل جثة ميمونة زوجته .. ألقاها على طرف المدينة .. عاد تعتمل الهواجس بصدره حين لم تقابله الجارية المتسللة تخبره بالموعد المعلوم ..ذهب مع شيخ بندر التجار والد ميمونة ، و أبلغ قائد الشرطة عن إختفاء زوجته .. سرعان ما عثروا على جثتها المسلوخة وسط بكاء التماسيح الذى تقمصه هارون .
بعد يوم هرع إلى البئر الناضبة وإنتظر هناك ..رغم أنه لا يعلم ما حدث لنادية .. لكنه أحس أنها قد تحضر وصدق إحساسه ، وعلى فرسها كانت نادية تتبختر ..نزلت وتعرت و على الرمال كما المعتاد كان جسدها يتمدد .. وإلى جوارها
هارون يسأل ويتسائل
- لم أستطع التسلل من القصر .. كان ابن زيدون يقيم حفلاته ليومين
هكذا قالت نادية تحت البدر الناقص قليلاً والهواء الثائر عليلا يدفع برمال الصحراء على جسديهما وقالت نادية
- علينا بالرابعة .. ليست سهلة
هكذا قالت نادية مصوبة عينيها الزرقاء على عيون هارون الزائغة .. وتسائل من هى .. ردت نادية قائلة ( الحسودة ) .. ( ومن تكون ؟) ..قالها هارون ..( لن تصل إليها لذا سأخبرك ).
أخبرت نادية هارون بالرابعة .. وشرحت له
كيف يفعل ؟
ثم إنطاقت على مهرتها مغادرة .. بينما هارون متعجباً
البلاد المباركة ج ٤
تتجول حورية متهادية بين أركان حجرتها ، مشبكة يديها خلف ظهرها .. تستنشق الهواء وكأنه رحيقٌ مختوم .. ترنوا بعيناها فى الفراغ وتغمضها بسكون .. الحبُ قد يُولد بكلمة ..
لكنه معها كان مختلفاً ، فقد وُلِد بلطمة ..
جرجرتها من عالمها الكئيب الممل إلى عالم ليس له مثيل .. نادت على مربيتها أم إبراهيم
وقالت
وما الحبُ إلا جنون
هنا تبدأ القصة
كان محمود جالساً على فرشته فى السوق .. يبيع الجلود ولاتزال الندبات وأثار الجروح على وجهه تظهر فى خفوت .. رأى أمامه أحمد بن زيدون ، وإلى جواره إبراهيم بن عيسى .. قال إيد كيف حالك يا محمون .. جنت أطمئن عليك ؟
- بخير
قالها محمود بإقتضاب ، فتابع إبراهيم قائلاً
- لماذا لا تحضر الإجتماعات يا محمود
تنهد محمود باسماً وقال
- لم تعد تفيد ..سيظل الملوك ملوك ..
والصعاليق صعاليق
صاح إبراهيم قائلاً
- أعلم ما حدث لك يا محمود .. لكن لا تجعل ذلك ينال من عزيمتك .. فأنت وأحمد والشباب الآخرون تمثلون مستقبل البلاد ..
فنحن إذا لم نصل لإصلاح البلاد .. أنتم منا
للراية مستلمون
قال محمود وهو يرتب الجلود من أمامه بنبرة ساخرة
- نعم سنستلم منكم راية الكلام والصياح
تسائل إبراهيم
- وأنت لا تقبل ذلك لأنك مثلهم .. ممن يملكون المال والقصور .. لا تكد ولا تتعب مثلى أنا العبد المقهور
لم يرد إبر هيم بل قال موجهاً كلامه لأحمد بن زيدون
- لا تترك محمود يا أحمد .. فهو يحتاج من يقف إلى جواره .. وعندما يهداً .. سيعود
محمود الذى نعرفه
وهم مغادراً وهو يقول لمحمود
- أنت ترى ما يحدث فى البلاد .. ثلاثة قتيلات
مسلوخات .. ولم يعد هناك أمان .. الهرج والمرج يسود أحوال العباد .. وهنا دورنا
تجاه بلادنا
قالها وإنصرف بينما قال ابن زيدون
- أنت تحتاج بعض الوقت لتنسى ما حدث يا محمود ..سأزورك فى المساء
إنصرف أحمد متجهاً بضع خطواتٍ حتى وصل إلى عبلة الجالسة على فرشتها فى السوق تبيع اللبن .. تمعن فى وجهها الذى أسر قلبه ..ونظر فى عينيها السوداء فشعر وكأنه يهيم فى الليل الهادئ .. رأته أمامها فلم يبدو على وجهها شئ .. بادرها قائلاً
- أنا اسمى أحمد ابن زي..
قاطعته هى قائلة
- لا أحد يقدر على الإساءة لى
- وأنا أطيح برقبة من يسئ إليك
هكذا صاح أحمد وقطع كلامه ، حين جائت إمرأة وإشترت بعض اللبن ومضت لحال سبيلها
.. فواصل أحمد بصوتٍ لاهث مبحوح
- أريد أن أتزوجك يا عبلة
قالها فى الوقت الذى كانت فيه أم عبلة قد حضرت تقول
- هل بعت يا عبلة كل اللبن اليوم ؟ صمتت أم عبلة وحدقت فى الشاب الوسيم الواقف أمامها بعدما سمعته يطلب عبلة للزواج
.. بينما عبلة مندهشة وقد زاغت عيناها .. تتقافز بصدرها أحاسيس أنثى مرغوبة .. وقالت أم عبلة
- كنت أظنك شاباً .. ولكن الآن إما أن تكون صبياً لم يبلغ الحلم .. أو سيداً يريد أن يلهو مع مثلنا يتسلى .. إذهب .. إذهب قالتها أم عبلة وعلى وجهها علامات جامدة وتبرق عينيها بوميض يكاد يفتك به .. فوجد أحمد نفسه يفزع خائفاً ويستدير منصرفاً يجر أذيال الخيية .
فى الوقت الذى كان محمود قد باع قطعة كبيرة من الجلد غالى الثمن .. وسعد بما رزقه اللّٰه ،كان جالساً على فرشته وعيناه على الأرض يطوى جلوده المفرودة .. فإذا بعينه تقع على حذاء مذهب برقبة طويلة .. صعدت عيناه لأعلى تتهادى حتى ثبتت عيناه على وجه ملثم خلف الطرحة الشفافة .. زاغت عيناه حول عينيها التى
كانت ترنو له بحنان, بالغ .. وسمع الصوت
الرقيق يهمس
- كيف حالك يا محمود ؟
قالتها تاركة طرف طرحتها يهوى .. فإنكشف نور وجهها كالبدر فى طلعته ، جعل محمود يتلفت حوله .. يترقب الحراس القادمين ينهالون عليه .. إلا أنه رآها تجلس أمامه على طرف الفرشة الرثة البالية .. تثبت عينيها فى عينية
الجامدة وتقول
- سامحنى يا محمود .. أنا التى أخطأت قالتها وهى تمد يدها تمرر أناملها على وجهه ..تتلمس أثار جروحه المندملة وعلى وجهها علامات من يرى مخلوقاً غريباً أمامه لم يرى مثله من قبل وقالت
- الهذا الحد تسببت فى إيذائك
لم يرد محمود الذى شعر بوجهه وقد تخدر من أناملها فلم يعد يشعر به .. أمسك كفها بيده فارتعش وباعده عن وجهه .. ينظر حوله خشية أن يرى من حوله ينظرون .. بالكاد إبتلع ريقه ونطق
- أنا أعتذر لك .. فلم أكن أدرى كيف صفعتك حتى ولو كنتِ أنتِ البادية .. ما كان يجب أن أفعل ذلك أيتها الأميرة
قضبت هى حاجباها وقالت مقتضبة
- لا تنادينى بالأميرة .. إسمى حورية صمتت قليلاً فى الوقت الذى أدرك فيه محمود بوجود إمرأة أخرى سوداء جلست بجوار حورية، وقالت حورية
كانت حورية تتأمل وجوه الناس المكفرَة .. لم ترى من قبل مثل هذه الوجوه .. إعتادت على رؤية وجوه الأمراء والأعيان المنعّمة.. شعرت وكأنها إنتقلت إلى عالم, غير العالم .. ودنيا غير الدنيا.. وتستمع إلى صياح الباعة ، وكانها إنتقلت إلى عالمٍ غير العالم .. ودنيا غير الدنيا .. مشدوهة تنظر إلى جميع ما حولها ..ترقب البيع والشراء .. وتستمع إلى صياح الباعة ينادون على بضاعتهم .. وزعيق فصال من يشترى مع من يبيع .. كانت تبتسم سعيدة بما ترى .. ورددت بينها وبين نفسها
- كم هى جميلة تلك الحياة
أفاقت من شرودها على صوت محمود يقول
ضحك محمود وقال
.. قال محمود
- علام تضحكين يا حورية
سعدت هى حين سمعته ينطق بإسمها مجرداً
وقالت
كانت ترقب نخاساً يعرض جاريته للبيع أمام ثلاثة رجال, يتفحصونها .. وأشار النخاس
للجارية الجميلة بأصبعه .. فقامت بخلع ثوبها الذى لم يكن تحته شئ و صارت عارية إلا من عقدٍ رقيق زين رقبتها .. ووقفت الجارية تميل رأسها على كتفها فى دلال .. بينما ثنت إحدى ركبتيها فصارت وقفتها فى غاية الإثارة .. تمعن الشارى فى معاينة جسدها ويتحسس بأناملة نعومة جلدها
تتسائل حورية بينها وبين نفسها
- تُرى بماذا تشعر تلك الجارية الآن ؟ .. حتما
شعور غريب
تمنت لو كانت مكان الجارية ، ياله من شئ سيكون جميل .. أفاقت على صوت محمود
بجوارها يقول
- خذ يا محمود .. هذه ثمن الرقوق وكذلك تعويض عن تركك لعملك وتجولك معى فى السوق
نظر إليها محمود باسماً .. ودون أن ينطق بشى أمسك بكفها الرقيقة الممدودة بالدنانير وأحاطها براحتيه الخشنة يدفعها بلطف تجاهها رافضا صرة الدنانير .. سرت فى يدها قشعريرة باردة من خشونة يده التى لم تحس مثلها فى الأيادى الناعمة لإخوتها الرجال.. ردت على إبتسامته بإبتسامة واسعة جعلته يشعر بالدنيا تفتح زراعيها له .. عادا إلى مكان فرشة محمود ..
وقالت حورية
- علىَّ العودة قبل أن يدرك أحد غيابى إنصرفت مع أم إبراهيم بينما محمود وجد نفسه يعيش فى العالم النقيض .. من الكره والنقمة
والرغبة فى القتل .. إلى الحب والود والرغبة فى السلام .
سارحاً كان محمود يلم فرشته وبضاعته .. فلم يسمع صوت عبلة يقول من خلفه
- من هذه التى كانت تتجول معك بأرجاء
السوق ؟
بالفعل لم يكن قد سمعها .. ومضى عائداً إلى داره .
عادت حورية إلى القصر .. لا تشعر بالزمن من حولها .. وكأنها صارت روحاً هائمة
خارج حدود الزمان والمكان .. كل هذا لأنها فتحت القفص الذى تتنفس فيه مختنقة ..
وطارت إلى عالم شعرت بالحياة تدب فيه ..
دلفت إلى غرفتها وإختلت بنفسها .. إرتدت الثوب الذى إشترته من السوق.. وغمست ريشتها فى مدادها.. وبدأت تكتب على الرق الخالى أمامها .. تخط الكلمات بإحساس جديد .. وترسم الحروف بمعنى مختلف .
*********************
كان أحمد ابن زيدون على فراشه الوثير يتقلب ..كالسمكة تُشوى على صفيح النار يتأجج ..يتسائل أهو صبى لم يبلغ الحلم بعد كما قالت أم عبلة .. أم رجل بين الرجال له طلة .. تنهد وتنهد وفكر وإسترسل .
رغم النعيم الذى يعيش فيه أحمد إلا أنه شاباً مختلفاً عن أقرانه من أبناء الأعيان .. والسبب فى ذلك يرجع إلى أمه التى ألحقته منذ صغره بالمسجد .. يتعلم من الشيخ الدين والحياة ..
إختلط بعامة الناس فلم يرى نفسه مختلفاً .. نشأ حيياً بوجهه الأبيض المحمر دائماً خجلاً ..
كان أقرب فى شخصيته من أمه التى ربته .. لا يمت لأبيه اللاهى العابث فى صفة .. لماذا جذبته إذن عبله ؟.. رغم ما حوله من بنات الأمراء والأعيان .. السبب أنها رجل .. رجل مختفى خلف أنثى .. لم يرى فيها ضعف الإناث .. بل رأى قوة الرجال .. أشعره ذلك بأنها تكمل ما عنده من نقص .. فهو ذكر إختفى وراء طبيعة أنثوية ، وهى أنثى إختفت وراء طبيعة ذكرية ..
هكذا جعلتهما ظروف حياتهما .. أفاق من شروده على صوت أمه يقول
- أراك شارداً مهموماً يا أحمد
كعادته لا يخفى عن أمه شئ .. إسترسل أحمد فى الحكاية ولما إنتهى .. قالت والدته
- إهدأ أنت الآن ولا تعطى للأمر بال ..
سأفاتح أبيك فى الموضوع .. رغم أنى أعلم مسبقاً ما سيقول
مسحت بحنان على وجه أحمد وإنصرفت .. لكن أحمد لم يهدأ .. تذكر محمود .. فقام مسرعاً يرتدى ملابسه .
وفى دار محمود المتواضعة كان أحمد يجلس سائلاً
- لا تصلح لك عبلة يا أحمد .. ليست من طينتك .. إبحث عن فتاةٍ أخرى
كان هذا الكلام يزيد أحمد إصراراً على المضى قدماً فى طريق عبلة .. فقال محتداً
- محمود .. أربدك أن تسأل عبلة في أمرى
وتخبرنى
- ليفعل اللّٰه ما يريد
هكذا إنتهت زيارة أحمد لمحمود
وفى الصباح كان محمود يحادث عبلة قائلاً
- مارأيك يا عبلة فيما قاله لكِ أحمدُ بالأمس وكأن سهماً أصاب رأسها .. كانت عبلة تحدق فى محمود بجمود .. إستحضرت قوتها الكامنة
وقالت
- إذا إستطاع أحمد إقناع أبيه بالزواج بك. ..
فأنا أرى أحمد رجلاً ليس من الأعيان كما نعرفهم .. بل هو مثلنا
ترقرقت الدموع فى عيني عبلة .. وقبل أن يلحظها محمود ، إستدار على يد فوق كتفه ليرى من الطارق .. فإذا بها حورية تبتسم بابتسامة عذبة صافية .. جعلت محمود ينسى وجود عبلة وسار مع حورية قائلاً
- يبدو أنك تريدين أن تعيشين هنا فى السوق .. ما رأيك أن أصنع لك, خيمة هنا تقيمين فيها ؟
قالها ضاحكاً فى الوقت الذى كانت عبلة كالتمثال واقفة لا يتحرك فيها شئ سوى دموعها النازفة .
- يبدو أنه الحب كما يقولون
قالها وهو يستدير مطرق الرأس ، مشبكاً كفيه خلف ظهره يدور حول ابنه ممعناً التفكير يردد بينه وبين نفسه (( يبدو أن الفتى مسحور ببائعة اللبن .. وإذا لم أزوجها له سيترك تجارتى ولا أجد من يتابعها )) .. كان ابن زيدون لا هم له سوى الجوارى الفاتنات والحفلات الماجنة ..
معتمداً على ابنه فى إدارة شئون التجارة .. فإذا تركه ابنه سيصير الحال غير الحال .. لذا إتخذ قراره وقال
- أنت تحبها يا أحمد تلك بائعة ال....
بتر عبارته ثم تدارك قائلاً مبتسما
- أعلمنى بالموعد الذى تريده لأذهب معك إلى أبيها نخطبها
لم يرد أحمد الذى إنطلق يعدو خارجاً .. تتقافز خطاه فى الدروب والطرقات إلى عبلة فى السوق ذاهباً .. وصل إليها فوجدها مع أمها على فرشتها فى السوق جالسة .. قال سعيداً موجهاً كلامه لأم عبلة متسارعاً
- أم عبلة .. أريد أن أحضر مع أبى لأطلب عبلة من أبيها
بينما ابن زيدون على أريكته وسط الجوارى جالساً يفكر .. رسم بمخيلته مستقبل ابنه مع بائعة اللبن .. واثقاً أن تلك الزيجة لن تفلح .. فليدعه يتزوجها ويلهو بها قليلاً
.. وبعدما يشب ويمل يطلقها ويتزوج ممن تكون أهلاً له .. هكذا كان يفكر ابن زيدون فى شأن ابنه أحمد مع بائعة اللبن .
فى دار عبلة كان الأب كعادته صامتاً يعبأ اللبن المحلوب من الغنم والماعز بينما أم عبلة تصيح
ظلت حورية مع محمود فى السوق تتجول ..
فرحة وسعيدة ترقب الناس من حولها .. وقال محمود
ببطء
- أنا لا أحب أن أكون أميرة .. بل وجدت نفسى فى كتب الفلاسفة والحكماء والشعراء
أسيرة .. وجدت هنا هذا العالم الذى كنت أقرأه .. فصرت الآن أحياه
صمتت قليلاً ثم تابعت وهى تمد يدها لمحمود بلفافة رق
- علىَ العودة الآن .. خذ هذه وأقرئها
- ما هذه؟
قالها محمود وهو يفتح اللفافة .. تطالع عيناه
السطور فقال
- وجدت نفسى أفكر فيك .. وأردت أن أكتب هذا لك فكتبته .. هذا كل شئ
قالت جملتها الأخيرة ببراءة الأطفال .. مما جعل محمود جامداً مذهولاً .. بينما تابعت هى بهمس
تسير فى الدروب والطرقات كانت حورية إلى قصرها عائدة .. وفجأة وجدت جسداً يعترض طريقها .. نظرت فرأته أمامها واقفاً .. والجلد الأسود يغطى نصفه العلوى .. والخوزة الفضية على رأسه قابعة .. قابضاً بيده على مقبض السيف فى غمده .. كان يوسف بن حسيب بن العادل ابن قائد الشرطة والمساعد الأول فى ديوان الشرطة يحدق فى وجه حورية وقال
- نعم أعلم الحساب العسير .. حين يعلم أبوك الأمير أنك خرجت من القصر متسللة ..
إلى بائع الجلود الذى لطمك على وجهك فى حديقة القصر .. وجنودى رأوكِ فساروا ورائك يحموك من قاتل النساء الذى نبحث
عنه
صمت وقال بنبرة مخيفة
- هكذا سيكون الحساب العسير ولكن لمن ؟ .. عليك أنت أن تدركين
تبدلت ملامح حورية وهمت بالإنصراف من أمامه فإستوقفها قائلاً
- أنا أحبك يا حورية .. وأنت أغضبتينى حين مزقتى رسالتى وألقيتها أمامى ..سأسامحكِ .. لكن إفتحى لى قلبك
إنصرفت حورية من أمامه لكنه لم يستوقفها هذه المرة .
جلس محمود بعدما عاد من السوق يقرأ اللفافة التى أعطتها إياه حورية فقرأ
" عندما يأتي المساء وتحتويني ترانيم القصيد عندما تغيب الشمس وتحتضن أمواج البحر الدافئة، وعندما يسكن الهدوء زوايا غرفتي الصغيرة ويختبئ النوم تحت جفوني كطفل, بريئ وأعود لأوراقي لأسكب عليها مداد حبري الدافئ ، وتنتحر حروف كلماتى على حافة السطور أحاول لملمتها وجمع شتاتها ، ولكن عبثا أحاول فأنا والحزن ننام علي وسادةٍ وكأننا حبيبان لا نفترق
إن ودعته يبكيني ، وأن نسينا بعضنا نحترق أخلقت من أجله ، أم كلانا في طريق علية نتفق ، وأعود لأوراقي من جديد ، فلا احد يفهمني غيرها ، وقلمي الصامت الذي يبكي كلما بكيت وسطورٌ لا تبوح الا بما يُكتب عليها فأنا: أعبث بالأوراق وتعبث بي ، ولا أدري الي أين المصير .. أفكر ، أسرح ، أسترسل فيها ، حتي تأخذني الي ذاك العبير
حديقةٌ بلا زهور، بلا شجر حبيبي كان هناك يسير .. أمد يدي لأكتب عليها ، فتكتبني قصيدة وتتركني أسير
لهوي قديم وعشق جديد أن ينساة قلبي يأتيني عبر الأثير
فتمزق أحرفها دموعي وتبقي الأوراق لا تعرف بأي شعور, تسير "
ظل محمود يقرأ الرسالة مرات ومرات ..
إختلجت فى قلبه مشاعر عديدة وأحاسيس كثيرة
.. وجد عيناه تدمع متمنياً أن يكون أميراً .. لم بتغلب على نيران صدره المشتعلة وأمواج سريرته الهائجة .. إلا عندما سمع صوت حورية الرقيق يهمس ( لا تفكر فى ساعتك المقبلة .. بل إحيا فى ساعتك الحالية ) .. هكذا ظل الصوت يردد فى أذنيه حتى هدأ وبدأ يعيش ساعته الحالية .. ينبض قلبه سعيداً ويلتقط أنفاسه فرحاً .. كذلك مضت الساعة الحالية ، وبدأت الساعة القادمة ، التى كانت على محمود قاسية .. حيث
سمع صوت طرقاتٍ مفزعة على الباب .. وقبل أن يفتح إنفتح الباب من شدة الطرقات .. وجد ثلاثة جنود يمسكونه بتلابيبه.
بداخل ديوان الشرطة كان محمود يقف أمام يوسف بن حسيب الذى قال ناظراً فى عينيي محمود
- ما حكاية الأميرة مع بائع الجلود ؟ .. حتماً هى حكاية مثيرة أود أن أسمعها
رد محمود لاهثاً
- لكنها أعطتك لفافة صغيرة من الرقوق
تنهد محمود وقال
تنهد يوسف ومد يده يداعب لحيته وقال
- وأعلم إنا لما تفعله ناظرون
خرج محمود من ديوان الشرطة لا يعلم ماذا يحدث .. لكنه شعر أن الحدث كبير.
البلاد المباركة ج 5
أم مرمر تلك النخاسة التى تتاجر فى الجوارى ..لكن ليست أية جوارى .. فقط الجوارى الفاتنات باهرى الجسد والجمال .. روميات وفارسيات وحتى برمكيات .. لا تعرض جواريها فى سوق الجوارى والعبيد .. إنما يحجُ إليها الأمراء والأميرات والأعيان من كبراء البلاد من كل حدبٍ وإتجاه .. رغم بعد دارها المتواضع القاطن فى ضاحية فى آخر البلاد يستغرق الوصول إليه نصف نهار بالفرس الرهوان .. يمتلا دارها بالحمام الزاجل يرفرف بأجنحته فى أركان الدار
.. تراسل به ذويها فى بلاد الفرس والروم وبلاد المغرب والبرامكة ، تستجلب الجاريات الفاتنات النادرات من راقصات ومغنيات . تبيعهن للأمراء والأعيان بأضعاف ما دفعت فيهن من مال .. كذلك ترتب بعض الحفلات الخاصة لزبائنها مقابل الكثير من الدنانير أو الجواهر .. ترقص الجاريات وتغنى عارية ويسود المجون .
كانت أم مرمر معروفة فى ما جاورها من قريب أو بعيد أنها حسودة وبخيلة رغم ما يتدفق عليها من أموال .. كثيراً ما تجلس ساعة العصرية فوق سطح منزلها ومعها نسوة من الجيران ينهمكون فى الغيبة والنميمة والحسد ..لديها ابنة وحيدة إسمها مرمر تساعدها فى العمل .. توفى زوجها النخاس صغيراً فورثت الكار ونما على يديها .. ربت مرمر التى لم تتزوج بعد ، فمن من شباب الضاحية يتزوج من ابنة النخاسة صاحبة الحفلات الماجنة .. تحرص أم مرمر على إخفاء مالها الوفير والمجوهرات الثمينة التى تتحصل عليها من بيع الجوارى فى صندوق كبير مدفون تحت الأرض أسفل سريرها .. تنفق ببخلها قدر حاجتها الضرورية وتدخر الكثير .. حتى صار الصندوق كنزاً مختفى لا يعلم أحد عنه شيئاً حتى ابنتها مرمر ..عدا واحدة ..فى الشكل كانت أم مرمر مليحة الوجة ممتلئ رغم سنها .. إلا أن لها جسد غريب وعجيب .. جسد مشطور إلى شطرين .. النصف العلوى رفيع صغير الثديين صغير البطن ورفيع الأزرع .. أما النصف السفلى فهو سمين وغليظ من الأرداف العريضة والأفخاذ السمينة ، وحتى سمانة الرجل الكبيرة
ذات نهار سمعت طرقات القدر على بابها ..
فتحت تطل برأسها بينما جسدها متوارى خلف الباب، لتجد رجلاً ملثماً ..قال
— أنا بشار بن سنا .. جئتك من عند ابن زيدون .. والأمارة الجارية الرومية نادية التى إشتراها منك منذ بضعة أيام
— تفضل
هكذا قالت أم مرمر التى لا تجعل غريباً يعبر
عتبة بابها .. ولما تلقت الأمارة من هارون
ممحت له بالدخول..تتطاير الحمام الزاجل من حولهم يحلق بأجنحته فى سقف الدار
قامت مرمر وإنصرفت خارج الدار قائلة
— أنا ذاهبة للسوق
— لا تنسى أن تحضرى ما طابته منك.
خرجت مرمر تاركة أمها مع هارون الذى فك لثامه وقال
— لقد طار عقلى حين رأيت نادية .. تلك الجارية التى إشتراها منكِ ابن زيدون ..
أريد أن أشترى مثلها وبأى ثمن
— ألم يخبرك ابن زيدون أنها كانت آخر جارية عندى .. ومن بعدها لم أستطع أن أجلب أخرى
— لما ؟
هكذا صاح هارون .. فأجابت أم مرمر
— ألا تدرى ما يحدث فى البلاد يا رجل .. إنهم صاروا كالمجانين يبحثون عن قاتل النساء .. حاصروا المدينة .. وذبحوا حمامى الزاجل الذى أرسله للبلاد البعيدة لأجلب الجوارى .. وأتوا هنا ومنعونى من إرسال الحمام .. هم يظنون أن القاتل من الأعداء فى بلاد البرامكة .. يخشون أن أكون أراسلهم بالحمام
— إذن وما الحل ؟
— عليك أن تنتظر .. فقبلما يحدث ما حدث كنت قد أرسلت رسائل كثيرة ، وعسى أن تكون هناك جاريات" فى الطريق .. أخبرنى أين دارك وإذا وصلنى شئ سأرسل لك
— سأنتظر أن ترسلى لى .. لكن أريدك أن ترى دارى بنفسك
قالها هارون وردت أم مرمر
— صف لى أين تقطن ؟ .. فأنا أعلم كل دروب وطرقات البلاد
— أنا أريدك الليلة .. فمنذ رأيت جسدك الجميل ، والبلبل على بيضتيه يطير
ضحكت أم مرمر بميوعة وصاحت
— إستحى يا رجل فقد مر الدهر علىّ وهرب ، وما للرجال فىَّ من مأرب
أخرج هارون من حزامه زمردة وناولها لأم
مرمر قائلاً
— هذه هديتى .. عسى ألا تمانعين وتعطينى
رغبتى
تأملت أم مرمر الزمردة النفيسة ودستها فى صدرها وقالت بنبرة دلال
— هيا يا بشار .. عساك ظمآن" يريد أن يرتوى قاطعها هارون
— لا .. ليس هنا .. بل فى دارى .. لا أكون على راحتى فى دار غريبة ، هذا طبعى ..
تعالى معى وسأعيدك فى الصباح قبل أن يبدأ الرباح
— أنا لا أغادر دارى .. إذا أردتنى فليكن هنا
— سأعطيك ألف دينار .. ماذا تقولين ؟ حدقت أم مرمر ساهمة من العرض السخى دون أن تنطق فباردها هارون قائلاً
— الفين دينار .. هيا
هنا لن تستطع أم مرمر أن تقاوم العرض السخى
.. فقطعاً سيزيد ذلك من كنزها المصون ، وقالت
— ننتظر حتى تعود مرمر لأخبرها
رد هارون
— سنترك لها رسالة .. قد تتأخر هى .. ونحن بالكاد نصل الى دارى فى المساء ، حتى أعيدك فى الصباح
— هى لا تعرف القراءة
صمت هارون مفكراً ، وجاء الحل من أم مرمر حين قالت
—سأذهب لأخبر جارتى وأجعلها تبيتُ معها الليلة
— حسناً تفعلين .. هيا يا أم مرمر
أخبرت أم مرمر جارتها أن ترعى ابنتها مرمر ولا تتركها وحدها فى هذه الليلة
ركبت أم مرمر على الحصان خلف هارون الذى لثم وجهه وإنطلق بها ، دون أن تعلم بنادية التى دلفت إلى دارها متسللة حين كانت تخبر الجارة .. هكذا تم نصف المهمة الأول الصعب ، وتبقى السهل الذى يحفظه هارون عن ظهر قلب .
دخلت أم مرمر بصحبة هارون إلى الدار ..
ليجدا نادية ممدة ، وقالت أم مرمر
- كيف حالك يا نادية ؟
- بخير يا مُعلمتى
تسائل هارون
— وماذا علمتك أم مرمر يا نادية ؟
— هى من علمتنى كيف أكون جارية عند
العرب
بدأت نادية وهارون فى إعداد أم مرمر كما اللفائف تقول ..مر الوقت وإنقضى الوطر ، ووسط إرتعاشات أم مرمر وتقلص جسدها ..
شهقت وجحظت بعدما صار الخنجر فى قلبها .. لم يسعى هارون لإدارة الخنجر فى قلبها .. فقد ماتت على الفور وتوقف قلبها .. كان هارون معيداً لأنه لم يرى تعبيرات غريبة على وجهه كسابقاتها .. قام هارون مع نادية يكرران نفس الخطوات .. من سلخ جلد أم مرمر وكشط طبقة الدهون العالقة بالجلد وإذابته وفلترة الزيت حتى حصلا على قنينة الزيت الصغيرة .. وسأل هارون
- متى سنمزج الزيوت جميعاً .. أنا متشوق
لمعرفة النتيجة
- حين ننتهى من الأمر .. سنفعل
قالتها نادية وهى تستعد للمغادرة ثم تابعت
— سأتدبر أنا أمر الخامسة .. أما أنت صمتت تسحب شهيقاً عميقاً جعل وجهها يبدو كمخلوق, عجيب ثم أردفت
— إجعل المدينة كلها تعلم أن قافلتك ستصل بعد أسبوع
— قافلتى ؟
قالها هارون متعجباً ثم واصل
— ليس لى قوافل قادمة
— بل هى قادمة .. فقط أفعل ما اقوله لك
— متى تدبرتِ أمر القافلة وكيف ؟
لم يظهر على وجه نادية تعبيرات تدل على أنها سمعته .. وواصلت
- خذ هذه الجواهر وبيعها فى الخفاء .. وأحفظ المال عندك .. وعندما تصل القافلة وتنتشر البضاعة فى الأسواق .. سدد ما عليك لبيت المال .. وإشترى قصراً وجوارى وخدم وعبيد .. وعندما ينفد المال سأعطيك المزيد
قبل أن يطلق هارون أسئلته مستفسراً .. كانت نادية قد إختفت من أمامه .. بينما فتح هو الصندوق الصغير ليجد فيه من الجواهر ما يُقدَّر بثروة والتى كانت بعض من كنز أم مرمر الذى صار لنادية .. أفاق من شروده يبتلع ريقه .. أكمل العمل حيث دفن الجلد والملابس المُدماه ..ونظف المكان .. دثر الجثة بالقماش .. حملها وعلى حصانه إستكان ..وسار بالجثة فى وسط الليل .. ولما كانت الحراسة مشددة من الجنود على الدروب والطرقات .. لمحه أحد الجنود وصاح
— قف عندك يا رجل .. أين أنت ذاهبٌ بالليل
لم يكن أمام هارون على الحصان والجثة بين يديه .. إلا أن يضرب بطن الحصان بقدميه وينطلق هارباً .. ومن وراءه الجندى بحصانه ملاحقاً .. خرج هارون من دروب المدينة وإبتعد .. حتى وصل إلى الصحراء .. ولم يجد بدأ سوى الوقوف ومواجهة الجندى الذى يلاحقه .. نزل عن حصانه وترك الجثة على الرمال تقع .. وبقدميه التى تغوص فى الرمال هرع .. لحق به الجندى على حصانه .. رفع السيف وهوى به على ظهر هارون .
***********************
بداخل القصر السلطانى .. كان السلطان الثمانينى تائهاً لا يستوعب ما يحدث حوله ..
حيث ابنه ووريث عرشه جلال فى قمة غضبه وسط الوزراء والأمراء وكبار المشايخ والأعيان
.. يصيح بعلو صوته
- أربع جثث .. ويستدرج جندى ويقتله .. أنه يعبث بنا ويسخر منا .. بل يسخر من السلطان نفسه .. هنا أفاق السلطان المبروك قليلاً بعدما سمع الجملة الأخيرة قائلاً
— من الذى يسخر من السلطان ؟
صاح قائد الجند
— حاش **** .. حفظ اللّٰه سلطان البلاد المعظم .. وأدام خيره على العباد
تكررت الجملة تباعاً بنفس المعنى لكن بكلمات مختلفة من الوزراء والأمراء والأعيان .. وهكذا عاد السلطان المبروك ينعم بغفوته .. فى حين قال قائد الشرطة الجالس وإلى جواره ابنه يوسف مساعده الأول
- هو لم يستدرج الجندى يا مولاى يا ولى العهد .. بل رآه الجندى فهرع خلفه .. لقد سمعه أحد زملائه يطلب من رجل الوقوف مكانه .. قبل أن يجرى ورائه
إقترب ولى العهد من الوزير حسيب ودنا برأسه مشبكاً يديه خلف ظهره وقال
- لم أكن أعلم أن جنود الشرطة لدينا بواسلٌ أشاويسٌ مغاوير .. رأى الجندى القاتل فإنطلق ورائه .. ولم يستدرجه القاتل .. ياله من جندى شجاعٌ عظيم .. لو كان حياً لجعلته قائداً للشرطة بدلاً منك
إنطلقت الضحكات الخافتة من الجمع على سخرية وريث العرش من قائد الشرطة على هذا النحو .. ولما أدار ولى العهد عيونه المحدقة على الجمع .. صار الجميع لضحكاتهم كاتمين ..بينما حسيب يكتم غضبه ويقول فى هدوء ..
- القاتل ليس رجلاً عادياً يا مولاى الأمير ..
ربما مجموعةٍ من الرجال أو
قاطعه جلال محتداً
- سواء أكان رجلاً أو مجموعة رجال ..
أمامك أسبوعٌ واحد إن لم تأتينى بالقاتل صمت يداعب لحيته بأطراف أصابعه ونطق
- أنت تعلم ما يحدث
إبتلع قائد الشرطة ريقه بصعوبة بعد هذا التهديد العلنى .. وقام ينصرف مع ابنه قائلاً
- سمعاً وطاعةً مولاى وريث العرش
**********************
وفى المسجد بعد **** العشاء كان الجمع من المعارضين للسلطان .. يتناقشون .. يتجادلون .. يتحاورن .. وكان بينهم أحمد ومحمود ..تسمع عبارات .. ( البلد لم يعد فيها أمان ) .. ( طغى الظلم والطغيان ) .. ( فسدت أحوال الناس والعباد ) .. ( لو كان العدل قائماً لما كان هناك قاتلاً ) .. وكالعادة كما إجتمع الجمع إنفض ولا جديد .. سوى ضحكات محمود ساخراً وهو يسير فى الطريق مع أحمد عائداً وقال
- أشعر أن هؤلاء القوم قد صاروا مضحكين .. أريد ان أفهم هل ما يقولونه ذلك أصلح شئ ؟ .. فلماذا يستمرون ؟
- وماذا عسانا نفعل يا محمود ؟ هكذا قال أحمد ثم تابع
- أعلمت أن عبلة وافقت على الزواج بى
نعم علمت
— سأجعل العرس بعد أسبوع
— بارك اللّٰه لكما يا أحمد .. عبلة فتاةً طيبة
*************************
فى الصباح فى داخل ديوان الشرطة .. كان حسيب وابنه يوسف يجلسان مع الوزير بطريق بن الغالى والوزير البشير بن الطرطاوى قائد الجيش .. يتباحثون ، وقال الوزير بطريق مسئول بيت المال
— لن تنطلى تلك الخطة على جلال بينما تنهد قائد الجيش قائلاً
— ليس هناك حل" آخر .. إفعلها ونرى النتيجة
.. لكن
بتر البشير كلماته .. سحب نفساً عميقاً ثم تابع
— عليك أن تهتم بكل التفاصيل ولا تترك شيئاً أومأ قائد الجند برأسه وقال
- سأفعل
بعد يومين كان المُنادى الذى يرتدى جلباباً مخطط بالطول .. وفى يده اليسرى طبلة صغيرة ، بينما يده اليمنى تقبض على قطعة خشب صغيرة .. يسحب من خلفه حماراً فوقه رجل يرتدى جلباباً مهاهلاً وقد تم تقييد يديه خلف ظهره بإحكام وعلى ما يبدو أنه رجلٌ خطير لِما أحاط بالحمار عددُ من الجنود غفير .. يطبل المنادى ، طم ططمطم طم .. ويصيح مُغنيا
— يا أهل البلادِ المباركة .. لقد تم القبض على قاتل النساء ومروع العباد.. طم طم طم طم.. الأهطل بن بهلول. يا أيها العباد ..
أخرجوا من مساكنكم فى أمان .. لقد قد تم القبض على القاتل السفاح .. عبيط البلاد ..
الأهطل بن بهلول .. طم ططمطم طم يا أيها الناس إدعو للسطان المبروك .. بالعمر
الممدود .. فقد أمَّن البلاد من أشر الناس ..
قاتل الأبرياء .. العبيط المخبول .. الأهطل
بن بهلول
هكذا كان يمضى الموكب فى الطرقات والدروب .. بينما عبيط البلاد بهاول فوق الحمار مسرور .. يبتسم تارةً ويضحك تارةً .. يدفعك الأمر للضحك حين تراه بشعره الطويل المجعد الذى لم يُصفف منذ سنوات .. ووجهه المتسخ بالطين والتراب .. سعيداً فرحاً فى قمة الغبطة والسرور بينما من العباد من يشاهد مصدقاً أو مدهوش .
كانت هذه هى الخطة الجهنمية التى إهتدى إليها الوزير حسيب بن العادل قائد الشرطة .. فطالما لا يستطيع القبض على القاتل .. فلماذا لا يصنع هو القاتل ثم يقبض عليه .. فكرة بسيطة وبديعة لا ترى مثلها فى أى بلادٍ خلقها اللّٰه عدا البلاد المباركة .. إختار قائد الشرطة بهلول وأنعم عليه بأن جعله القاتل المهول .. لأنه عبيط مختل عقليا .. يجوب بالنهار أنحاء المدينة يتقافز حافياً ، يلتقط كسرة خبز, من على الأرض ناشفة ، أو يتصدق عليه أحد بثمرة ناضجة .. وفى المساء بأحد الدروب والطرقات تجده نائماً
ظل حسيب على مدار يومين يدرب الأهطل بهلول بنفسه على ما يقوله .. جعله يحفظ الكلام ويردده كالبغبان .. إعترف والإعتراف سيد الأدلة .. أنه يتبع النساء بالليل فى الطرقات ..يطعنهن بالخنجر .. ويحمل الجثة على كتفه ..إلى طرف المدينة .. يسلخ الجلد ويدفنه فى الرمال .. وعندما يسأله أحد لماذا تفعل ذلك ؟ ..يجيبك بمنتهى العقل والمنطق
- هى ى .. ٠ هههههههههه
وهكذا .. فهو مختل عقلياً
***************************
كان الوزير حسيب يجتمع بوريث العرش الجالس إلى جوار صديقه ابن العز ، زراعه الأيمن فى إدارة شئون ديوان التفويض الحاكم للبلاد .. وداخل الديوان خلصت المناقشات والمداولات .. إلى الجملة التى قالها جلال
- سأدع الأمور تجرى هكذا .. ولكن إذا ظهرت جثثٌ أخرى ، فمعنى ذلك أنك لم تقبض على القاتل .. وساعتها ستكون رأسك هى الثمن على ما سيحث فى البلاد من سخرية علينا
مضى الوزير حسيب يتحسس رقبته بين الفينةِ والاخرى .. بالكاد إستطاع ان ينام .. ولكنه استيقظ على صياح أحد الجنود
- عثرنا على جثة خامسة
أطبق الوزير حسيب بيديه على رقبته لاهثاً ..
يحميها بيديه من السيف
- لا لا لا تقطعوا رأسى
ظل الصوت يتردد حتى إستيقظ من النوم
مفزوعاً يردد
- أعوذ ب**** من الشيطان الرجيم .. أعوذ ب**** من الشيطان الرجيم
فى الوقت الذى كان فيه القوم من المعارضين للسلطان، من إبراهيم والوائل وابن الأسياد ..بنشطون دفاعاً عن المسكين بهلول ..وقد بذلوا كل ما فى وسعهم من جهود ..ألا وهى .. إطلاق النكات والأضاحيك على قائد الشرطة ..يشجبون ويستنكرون ولا يصدقون أن القاتل هو الأهطل بن بهلول .. وهكذا تم القبض على القاتل السفاح .. وعلى الناس والعبادِ أن تحيا فى أمان
**********************
كانت خيرازانة إمرأة بطريق جشعة للمال ، ولما تزوجت من بطريق .. أدركت بعد أن أنجبت منه ولدين أنه لواط ..ومضت السنوات لتجد نفسها عاشقة للجاريات وذاع صيتها فى المدينة ، وكذلك إزداد جشعها وطمعها يوماً بعد يوم تحث زوجها لجلب المزيد من المال الحرام من الرشاوى ودنانير بيت المال . كانت راقدة عارية على رخام الحمام .. وقد تركت نفسها لجاريتين يعبثون بها ..إقتربت منها إحدى الجاريات وقالت
— مولاتى .. هناك جارية تُدعى نادية ملك يمين ابن زيدون.. تعشق النساء وتريد أن تكون جارية عندك
— عندى الكثير .. إن كانت فتاة صغيرة ، فلا مانع
قاطعتها الجارية
— ليست صغيرة .. لكنها باهرة الجسد والجمال قامت إمرأة بطريق تغادر الحمام قائلة
— دعيها تحضر لأراها
فى الغد كانت خيرازانة تجلس فى قصرها وسط الجوارى حين دخلت عليها نادية وإنحنت أمامها لتسمعها تقول
— لم أرى جمالاً كجمالك من قبل.. من أين أنتِ أيتها الجارية ؟
— من بلاد الروم يا مولاتى
— من اليوم أنت جاريتى
قالتها خير ازانة وعينيها لا تنزل على نادية .
لم يمضى الكثير من الوقت حتى كان الوزير بطريق بنفسه فى قصر ابن زيدون يطلب نادية.. ولم يكن أمام ابن زيدون سوى الموافقة على بيعها .. فالذى يطلبها هو مسئول بيت المال ،الذى طالما منحه ويمنحه القروض بلا حساب ..
أصرَّ ابن زيدون على ألا يتقاضى درهماً ثمناً لها .. وهكذا أصبحت نادية جارية عند إمرأة الوزير بطريق خيرازانة .. تعد العدة للخامسة .
******************************
فى غرفتها فى المساء كانت حورية تتمشى .. وقلبها عاد بالحزن يتأوه .. مرت أيامٌ وأيامٌ كالعصفورة حبيسة" فى القفص عادت .. وللخروج من القصر لم تعد تقدر .. فيوسف ابن قائد الشرطة حتماً لها بالمرصاد .. تتسائل هى لماذا تخشاه ؟ .. فكرت مراراً وتكراراً أن تخبر أبيها ، أنها ذهبت تشترى الرقوق وأرادت أن ترى السوق .. فوجدت ابن قائد الشرطة يتجسس عليها ويسعى ورائها .. لكنها تراجعت .. من الممكن أن يغضب أبوها .. بل حتماً سيغضب .. وسيمنعها من الخروج .. ويكون هو لها بدلاً من يوسف موجود .. تجلس وتقوم .. تروح وتجئ .. هائمة على وجهها بين أرجاء القصر كانت .. حتى إلتمعت عينيها كنيوتن لقانون الجاذبية إكتشف .. نادت على أم إبراهيم وأخبرتها ..وللطلبات منها سألتها .. ردت أم إبراهيم
إرتدت حورية الملابس .. نظرت فى المرآه فضحكت وضحكت وقالت
- ما رأيك يا أم إبراهيم ؟ .. لقد صرت الأن جندياً لم ترد أم إبراهيم سوى بالضحك .. ظلت حورية نفسها تتأمل .. وقد توارى جسدها الأنثوى خلف زى الجنود .. لمت شعرها وغطته ووضعت الخوذة على رأسها .. أحكمت تثبيت السيف على وسطها .. كانت سعيدة ومسرورة .. وقلبها بالغبطة مغموراً ..
تجربةٍ جديدة جعلتها مشدوهة .. تماماً كحكايات ألف ليلة وليلة التى تعشقها .. تضحك قائلة
- ينقصنى شارب ولحية
قالتها فى الوقت التى كانت تدلف فيه الجارية إلى الغرفة وتقول
- لقد أعطيت الرسالة لمحمود .. وهو فى المكان والميعاد سيكون
تسارعت دقات قلب حورية .. ليس لأنها ستقابل محمود فقط .. بل لأنها ستحظى بتجربة ومغامرة مثيرة .. سمعت صوت أم إبراهيم يقول
- سيقبضون علىً وبى إلى القصر هنا سيعودون ..
لا تخافى يا أم إبراهيم .. بعدما قبضوا على القاتل .. لم يعد فى الطرقات الكثير من العسس والجنود قالتها حورية وهى تخرج من غرفتها إلى حديقة القصر متسللة .. بثوب، رقيق كانت يداها ممسكة ..فى ركن، مظلم بالحديقة كانت الخطة تسير على ما يرام .. حيث كان الجواد الأسود مربوطاً فى شجرة فى الجوار .. شرعت حورية تفك اللجام وكأميرة فارسة إمتطت الجواد .. وبهدوء خرجت إلى
الطرقات .. ملثمة الوجه تبدو كأحد الجنود يحرس الطرقات .. هكذا إبتعدت وإبتعدت وعند طرف المدينة .. لكزت الحصان بقدميها فأطلق صهيله عالياً .. وإنطلق الرهوان إلى الصحراء تجاه البئر الناضبة
عند منتصف الليل كان محمود يجلس على الرمال مستنداً بظهره على سور البئر .. فزع على صوت الصهيل .. ورأى الجندى على حصانه يقترب .. فكر فى العدو هرباً ، لكنه أدرك أنه فى الصحراء .. هب واقفاً منتصباً يترقب المصير .. توقف الحصان أمامه وتطايرت الرمال على وجهه من العفرة المثارة تحت أقدام الجواد .. نزلت حورية الملثمة ..وإستلت السيف من غمده .. وعلى رقبة محمود كانت قد وضعت نصله .. ترقب لهاثه وفزعه .. لم تستطع كتم الضحكات التى علت فى سكون الصحراء ..بينما محمود مندهشاً من الصوت الأنثوى الرقيق الجندى خلف اللثام .. زالت دهشته حين رآى وجهها بعدما أزاحت اللثام عن وجهها .. إلتقط شهيقاً عميقاً سعل على إثره .. بينما حورية بوجهها الملائكى وسط الضحكات تتلألا والسيف يترنح فى يديها على الرمال ..قال محمود
- لقد أفز عتنى يا مولاتى
خلعت حورية الخوذة عن رأسها .. رجرجت رأسها كالقطة خرجت من الماء تنثر عن رأسها البلل ، فتناثر شعر حورية الكستنائى حول رأسها .. فكان على رأسها تاجاً من الدلال .. رفعت السيف وجعلت نصله على قلب محمود وقالت
بالسيف قائلة
- فقط شعرت أننى أريد أن أفعل شيئاً ففعلته .. هذا كل شئ
- ظننتك جندياً حقاً
قالها محمود وقد بدأ يهدأ من الفزع .. وسمعها تقول
ضحكت حورية ومالت على الرمال تلتقط حفنة من الرمل .. فركتها بين كفيها .. ثم أغمضت عينيها .. وظلت تمسح بما علق بكفيها من رمال على وجها سعيدة .. وقالت
- ها .. كيف أبدو الآن ؟
ضحك محمود كثيراً وقال
- أنتِ الآن واحدة من عامة الناس
سعدت حورية وكأنها سمعت إطراءاً عظيماً .. تمددت على الرمال تستنشق رائحة الصحراء ..بينما محمود جلس بجوارها قائلا
لا يستطيع عقلى أن يفهم حكاية الأميرة التى تتمنى أن تكون واحدة من الصعاليق كما يسميهم الأمراء
- عشت عمرى أميرة .. الجميع من حولى يتسابقون لتلبية رغباتى وتنفيذ أوامرى .. لم أكن سعيدة ..
بل أشعر بالحزن والملل .. كنت أذهب إلى الأقارب والصاحبات من الأميرات والسيدات .. ولكنى لم أجد لديهن ما يسر قلبى .. وجدت نفسى أعشق القراءة .. أقرأ الشعر والنثر وكتب العلم والتراث .. إستهوانى ذلك العالم فصرت له أسيرة .. سجينة فى زنزانة خيالى أعيش فى ألف ليلة وليلة .. ولكن القدر أرسلك لى
قالت حورية جملتها الأخيرة وهى تثبت عينيها المشعة بنور الحب على عينيى محمود وتابعت
- كانت لطمتك على خدى قد هوت بى إلى عالمٍ آخر .. عالم لم أحياه من قبل .. بل كنت لا أدرك أنه موجود فى الأساس .. وجدت نفسى سعيدة .. زال عنى الحزن والملل .. وجدت ما يدفعنى إلى المجئ إليك .. رأيت الناس فى السوق فشعرت أن الحياة التى كنت أتخيلها بين طيات كتبى قد صارت واقعاً .. وبعدما علمت أن ابن قائد الشرطة يراقبنى لأننى أرفضه ولا أطيق مغاز الاته لى ، وكذلك قبضهم عليك .. إمتنعت عن الخروج .. مرت علىَّ الأيام الماضية كالجحيم .. وأخيراً إهتديت للخروج بهذه الطريقة .. هذا كل شئ .
أغمضت عيناها وسحبت شهيقاً عميقاً ثم تابعت
- وأنت يا محمود .. ما حكايتك ؟
كان محمود شارداً فيما قالته حوريه .. بالكاد نطق بصوتٍ خفيض وسط موجة هواء لفحت وجهه
- أنا صعلوق .. أصنع الجلود وأبيعها.. مات أبى وأنا صغير .. أعيش مع أمى .. لى أختين ساعدتهم فى الزواج ، ولا ازال اساعدهم ببعض المال ..أحضر إجتماعات القوم المعارضين للسلطان ..عسى ينصلح حال البلاد .. لكننى حين رأيتك تبدل الحال .. كنت قد قررت أن أقتل أخيك الأكبر
بتر كلماته على إثر نظرة من حورية محدقة فى وجهه .. لكنه تابع
- كنت أشعر أننى كلب حين كان أخوكى يدوس بقدمه على وجهى يقلبه .. وأنا على الأرض لاهثاً .. عزمت بعدها أن أجعل الكلب يقتل الأمير ولا يهم ما يحدث بعدها ، فهو مجرد كلب .. لكن مجيئك لى فى السوق بدل كل الأمور .. لم أعد أعبأ بشئ .. يبدو أننى تعلمت منك أن أحيا ساعتى الحالية ولا أفكر فى ساعتى المقبلة .
مدت حورية يدها تمسح على وجه محمود بحب وحنان وقالت
- ألم تقل يا محمود أنك تعلمت منى .. أن تحيا ساعتك الحالية ولا تفكر فى ساعتك المقبلة باعدت يدها عن فمه وعادت تنظر إلى السماء راقدة على ظهرها على رمال الصحراء .. فعل هو مثلها ، وصار ممدداً على ظهره إلى جوارها وسمع صوتها
بهمس
- ماذا تريدين أن تقولى ؟
أغمضت حورية عينيها وقالت بهمس
- قلت لك لا تضحك
بالكاد تمكن محمود من كبت الضحكات وقال
- أنتِ أميرةٌ مجنونة
وعاد يضحك ويضحك .. بينما حورية قامت من رقدتها ووقفت مبتسمة وقالت
يده يتحسس حورية من الرقبة والكتف ، ثم إتجه إلى الزراع .. فتحت حورية عينيها وقالت باسمة بدلال
- أنت تصلح صعلوق .. لكنك لا تصلح سيداً .. ليس هكذا كان يعاين السيد الجارية
قالتها وهى تمد يدها تمسك يد محمود وتمررها على جسدها.. أغمضت عينيها وإتخذت وضع الجارية من جديد .. تركت يد محمود التى عرفت طريقها وقالت
- خرجت مشياً بمجرد حضور جاريتك بالرسالة
ضحكت حورية وقالت
- تشبث بى جيداً
مد محمود يحيط زراعيه بوسط حورية دون أن تلامس بطنه ظهرها .. فمدت هى يدها خلفها قائلة
- ليس هكذا
أحكمت حورية زراعيي محمود حول وسطها بقوة ..مما جعل جسد محمود ملاصقاً لظهرها تماماً .. و لكزت الجواد بقدميها فإنطلق مخلفاً وراءه عفرةٍ من الرمال وإنبعث الصهيل .. كان جسديهما الملتصقان فوق الحصان يتقافزان معاً ككتلة واحدة والدفء يسرى فى قلبيهما غامراً ..حين إقتربا من المدينة .. قالت حورية
- هيا يا محمود .. لم يعد المشوار عليك طويل نزل محمود وإنطاقت هى .. عاد محمود إلى داره لا يعلم كيف ساقته قدماه إلى هنا من فرط ما يشعر به من سعادة .
فى الوقت الذى أشرف على الفجر كانت حورية تدلف إلى حديقة القصر من الباب الخلفى متخفية .. وتصعد إلى غرفتها متسللة .. إستبدلت ملابسها ..وظلت تجوب أرجاء القصر متقافزة تفرد زراعيها فى الهواء .. وكأنها فراشةٍ تحلق بأجنحتها على الأزهار والورود النادية .. تتنقل وتتنقل وأخيراً على فراشها كانت لسلطان النوم مستسلمة .. السعادة هى سر الوجود
******************
بداخل قصر ابن زيدون علت الزغاريد .. يرن صداها فى أرجاء القصر الكبير .. إقتصر العُرس على بعض الأعيان وعددٍ من المشايخ الكبار ..فكيف يدعو ابن زيدون الأمراء وكافة الأعيان على زفاف ابنه على بائعة اللبن .. كانت الجوارى ترقص وتغنى .. ولم يكن من أهل عبلة وسط الجمع سوى والديها .. وكان محمود الوحيد الحاضر من الصعاليق ، فهو أقرب أصدقاء العريس .. كانت عبلة فى جناح الحريم ..العروس ومن حولها النساء
والجوارى يهالن .. الصوانى الضخمة ومن فوقها الأرز وعليه الخرفان المشوية بكاملها .. أولى القوة من الخدم والعبيد يحملها .. وكؤوس النبيذ تدور على رؤوس الجميع .. ومن الفاكهة ما لذ وطاب من موز، وتفاح وعنب, وتين .. شعر الجميع بأن ابن زيدون لم يكن سعيد .. يتغامز الحاضرون ويتلامزون .. على ابن الأعيان الذى تزوج من بائعة اللبن فى السوق ..
إنتهى حفل العرس وخلا العريس بعروسه .
بداخل الغرفة الفخيمة فى القصر .. ما إن خلع أحمد ثيابه ودنا من عبلة يضع يديه على كتفيها مبتسماً ، حتى وجدها تصيح
- وماذا عساك ستفعل ؟ .. كما تفعل فى الجوارى فى قصرك يا ابن الأعيان
إحمر وجه أحمد من الخجل وقال بتلعثم
- وماذا عساك ستفعل ؟ .. كما تفعل فى الجوارى فى قصرك يا ابن الأعيان
إحمر وجه أحمد من الخجل وقال بتلعثم
- و**** ما أنا بالجوارى مغرم .. ولا بالسفاح مع النساء مُقهر .. لقد أحببتك يا عبلة وتزوجتك ..لماذا تنادينى ابن الأعيان .. وأنا قد صرت زوجك
قاطعته عبلة ولا تزال تحت تأثير الغضب
- ليس هكذا تُأخذ الأمور غلاباً يا عبلة ؟ على رس قبل أن يتم كلمته كانت عبلة قد قامت إليه تجذبه بعنف وألقته على السرير .. تنزع عنه ثيابه تعريه ..لكنها فوجئت به يقوم من بين يديها ويهرع خارجاً من الغرفة .. إرتدت عبلة ثياب النوم وكأن شيئا لم يحدث .. رقدت تغمض عينيها تستحث النوم .. لم يكن شئ يمنعها عن النوم سوى صورة وجهٍ أمام ناظرتها .. ترنو إليها فتشعر تارةً برغبة فى تمزيقها وتارةً برغبة فى إطالة النظر إليها .. كانت صورة وجه محمود .
هرع أحمد إلى أمه يرتعش .. حكى لها كل ما حدث ضحكت الأم وقالت
- إنها عليك تتدلل .. تعالى معى
سحبته أمه من يده وإتجهت به حيث عبلة التى قامت من رقدتها من فوق السرير معتدلة .. حين رأت أحمد مطأطأ الرأس خلف أمه التى قالت باسمة
- أنتِ لازلت. لا تعرفى أحمد بعد يا عبلة .. هو ليس كأقرانه من الشباب ..أنه حييّ خجول فعلى مهلك معه .. سأنتظر بالخارج حتى ينقضى الأمر
قالتها أم أحمد وهى تستدير خارجة .. تاركة إبنها مطأطأ الرأس وقد توهج وجهه بالحمرة .. بينما عبلة لم تكن غاضبة ، بل وجدها أحمد تضحك وتضحك وتقول ساخرة
- ولما تنتظر أمك بالخارج .. لماذا لا تأتى وتساعدك ؟
قال أحمد بحيائه متعثما
- إذا كنت لا تطيقينى هكذا فلما تزوجتى بى ؟
شعرت عبلة من سؤاله هذا ببعض الشفقة لحاله ..فما ذنبه هو ؟ .. هى من قررت الرضوح لإلحاح أمها والزواج به .. قالت بنبرة هادئة وإن كانت لم تخلو من بعض الحدة
- تعالى إلى جوارى
بدأ أحمد يخلع ملابسه وإرتدى ثوباً خفيفاً .. رقد ممداً فوق السرير إلى جوار عبلة .. سمعت عبلة صوت قرع فؤاده على باب صدره .. كادت تضحك إلا أنها أشفقت عليه .. فمدت رأسها وقبلته .. وجدت جسده ينتفض .. قالت
- إخلع ثوبك هذا يا أحمد
كان لمخاطبتها إياه بأحمد مفعولاً سحرياً على قلبه
.. فهدات دقاته وإمتثل لطلبها .. تم المراد ولما علمت أم أحمد فرحت بإبنها .
مرت الأيام وبدأت عبلة تألف حياة القصر والنعيم ..أحاط بها زمرة من الجوارى والخدم لأوامرها بطيعون إلا أنها إصطفت من بينهم الجارية رمَّانة .. تلك الجارية
التى لم تكن جارية .. كانت بنتاً من الفقراء لا تجد ما يسد جوها فى إدار أهلها .. هربت وذهبت عند نخاس تطلب منها أن يبيعها جارية ، فحتماً ذلك أفضل من حياة الإملاق .. صارت جارية تباع وتشترى حتى إستقر بها المقام فى قصر ابن زيدون
.. هكذا إستبدلت رمانة حياة الحرائر بحياة الجاريات كانت تشعر بداخلها وتحس بالفقراء .. لذا كان بينها وبين عبلة قاسم مشترك جمعهما على السراء والضراء .. كانت عبلة تتحدث مع رمَّانة كصديقة وليست كجارية .. علمت منها كل كبيرة وصغيرة فى القصر .. وعرفت أن ابن زيدون لاهم له سوى الحفلات الماجنة مع الجاريات .. وحكاية الجارية نادية التى أخذها منه الوزير بطريق ، وكيف أنه لا يزال يبحث عن مثيلةٍ لها ، وكيف يقوم ابنه أحمد بالكد والعمل فى تجارة أبيه الماجن .. وذلك ما جعله يوافق على زواجه بها خشية أن يهجره أحمد ويترك تجارته ويستقل بذاته .. كانت عبلة تسيطر تماماً على أحمد وتهادن أمه .. إلا أنها لم تستطع نسيان محمود .. تشعر بشعور أنثى طلبت رجلاً فرفضها .. بل لم يعبأ بأن يدفعها لرجل، آخر .. دفعها ذلك الشعور إلى مزيد من الغضب على طبعها الغاضب
.. تنفعل بسرعة ولا تقدر على كظم غضبها .. ذات مرة دخلت عليها إحدى الجاريات فى الصباح كما المعتاد بالفطور وسقطت منها صنية الطعام على السرير .. لم تدرى عبلة بنفسها وهى تمسك بالجارية من شعرها وتطيح بها أرضاً تركلها .. صارت الجاريات يتجنبن الإحتكاك بها خشية إغضابها
.. قررت مرةً بمساعدة رومانة أن ترى ما يحدث فى أحد الحفلات الماجنة لابن زيدون .. فأختفت فى أحد الأركان ترقب الحدث ورأت المجون .. كانت عبلة غير مصدقة وقد فغرت فاها فى ذهول .. وإرتسمت فى مخيلتها صورة الفقراء والمساكين من الطعام ما يشبع جوعهم لا يجدون .. بينما هنا خلقٌ يعبثون .. تسارعت دقات قلبها .. وإنسلت تغادر المكان ..
دلفت إلى حجرتها لتجد أحمد على السرير ممدداً وقال
- أين كنت يا عبلة ؟
لم ترد عبلة ، فلم يود أحمد إز عاجها بتكرار السؤال .. بملابس النوم رقدت تنام .. أحست بأحمد من خلفها يقترب حتى صار ملاصقاً .. أرادت أن تنهره إلا أنها سمعته يقول
وكيف حاله ؟
صمتت لتتدارك متابعة
- وأمه كيف حالها ؟
ضحك أحمد وقال وسط ضحكاته
- إنه يعيش فى قصة حب
قالها أحمد دون أن يتنبه لوجه عبلة المترقب وعيونها المحدقة ، فتابع وسط الضحكات
- قصة الأميرة والصلوق .. إن يحب لأميرة
حورية بنت الأمير غسان .. ويقول أنها تحبه وقد تقابلا فى الصحراء
قالها أحمد وهو يتثائب ، بينما حورية إنقلبت على جنبها تدفس رأسها فى الوسادة .. إمتعض وجهها وإبتسمت تردد بينها وبين نفسها ( الصعلوق لا يرضى بالصعلوقة مثله ويحب الأميرة ) .. ( وابن الأعيان لا يرضى بابنة الأعيان مثله ويتزوج صعلوقة ) .. نامت بعدما مزقت صورة محمود فى مخيلتها تنشبها بأظافرها .
إزدادت أواصر العلاقة بين عبلة والجارية رمانة فهى كل مالها فى قصر ابن زيدون .. بعدما تباعدت زيارات والديها لما يلقونه من جفاء عند حضورهم ..وجدت عبلة نفسها تحكى وتفضفض مع رمانة ..حكت لها عن حبها لمحمود وما تشعر به الان بعد
زواجها من أحمد .. ظهرت عليها أعراض الحمل وكبرت بطنها قليلاً .. صارت جلساتها مع رمانة لا تنقطع .. تبث إليها بغضها
لمن سلبوا البلاد ونهبوها ، وتركوا أهلها يتسولون ويتضرعون جوعاً .. وفى مرة بلغ بها التجلى مداه.. فقالت
- كم أتمنى أن آخذ كل هذا العز والنعيم من حولنا ..وأوزعه على الفقراء والمساكين
قالتها دون أن تلحظ نظرة غريبة فى عيون رمانة .. نظرة قد تبدو شريرة
****************************
البلاد المباركة ج 6
إنتهى هارون من قراءة رسالة نادية للخروج لإستقبال القافلة .. متذكراً كيف نجا من الموت المحقق ، حين هوى الجندى الملاحق له بالسيف عليه .. فى تلك اللحظة ألقى هارون بنفسه على الرمال ماداً زراعه أمام قدم الحصان الأمامية وإصتدمت بها ، فأختل توازن الحصان وسقط على جنبه ، وقبل أن ينهض الجندى كان هارون قابعاً فوقه وقد غرس الخنجر فى قلبه .
هارون واقفاً وسط جمع من الأعيان والمشايخ .. على طرف المدينة ينتظر قدوم القافلة بعد الظهيرة .. وقد إتفق مع المشايخ والأعيان على أن يبيعهم ما يحتاجونه من بضاعة ، ثم يطرح الباقى فى الأسواق .. ساروا خلفه مهطعين ..فحال البلاد هذه الأيام لا يسر عدو ولا حبيب ..ندرت القوافل وكسدت الأحوال .. وكانت البلاد المباركة تعتمد فى إحتياجتها من السلع على جلب القوافل من بلاد الهند والسند وبلاد الفرس والروم وحتى من بلاد الصين ، ولا تنتج البلد سلعة حتى ولو كانت سهلة .. كل من يجد معه بعض المال من التجار يستجلب به قافلة ويبيع
بضاعتها .. لم يكن هارون يعلم حتى ما هى هذه البضاعة ، ولكنه فعل تماماً مثلما كانت تقول رسالة نادية التى وصلت إليه بالأمس وطلبت منه أن يفعل ما فعل .. ظل طوال الوقت يترقب وصول القافلة .. إنقضت الظهيرة وحل العصر.. صلى من صلى .. وعادوا ينتظرون ..طال الوقت ، وبدأ هارون يسمع الغمزات واللمزات ممن حوله ،وسمع صوت أحدهم يقول
- أدعوا اللّٰه ألا يكون قد أغار على القافلة قطاع الطريق أو نهبها اللصوص .. فأنت قوافلك منحوسة يا هارون
كان هارون يتصبب عرقاً لا يدرى شيئاً ..
هو لم تكن له يوماً قافلة .. وسمع صوتاً يقول
— أنها هى .. هذه بشائرها
أمعن الجميع النظر .. ليجدوا بوادر القافلة وقد لاحت فى الأفق .. مر الوقت حثيثاً ، القافلة تقترب .. بدت معالمها واضحة ، والذهول يكسى الوجوه .. فقد قاربت طلائع القافلة على الوصول حيث هم يقفون ، لكنهم لا يرون لها نهاية .. لاتزال البغال والجمال والحمير محملة بالبضائع تسير .. وصلت مقدمة القافلة وعلى رأسها شيخٌ من منظره جليل .. قال الشيخ
- أنا الشيخ جليل .. أجلب القوافل فى البلاد لمن يريد .. هذه قافلتك يا سيد هارون لم يكن هارون أمامه شئ يفعله سوى المضى خلف الشيخ جليل .. الذى باع للتجار ما طلبوه من بضائع ، وهو من حدد الأسعار .. كل السلع موجودة من الأقمشة بأنواعها والخشب بأنواعه ، إلى أصغر ما يحتاجه الناس من الآنية وحتى الكؤوس .. مرت الأيام وأنتعشت أحوال التجارة فى البلاد بفضل قافلة هارون ، وربح هارون المال الوفير إلى جانب ما كان قد باعه من الجواهر التى أعطتها نادية إياها ..
ذهب إلى بيت المال وسدد القرض الذى عليه .. إشترى قصراً وجوارى وخدم وعبيد ..وعندما غادره الشيخ جليل قائلاً
- هناك قافلة أخرى فى الطريق .. سأذهب
لإحضارها حاول هارون أن يفهم ما يحدث ، وما علاقة الشيخ جليل بالجارية الرومية نادية إلا أنه لم
يتلقى ما يفيد .. تفرغ هارون للعبث واللهو مع الجوارى الفاتنات فى قصره المشيد .. هارون بطبعه لا هم له سوى إمتاع رغباته والنهل من الملذات .. ومع الثروة التى هطلت عليه ..إزداد مجونة مجون .. لدرجة أنه خصص كشافين للبحث عن الجاريات الراقصات المغنيات النادرات فى البلاد .. وكم تمنى لو كانت أم مرمر لا تزال على قيد الحياة .. وقف يعاين جارية جديدة من النوع الفاخر تفحصها ودفع ثمنها لتنضم إلى الحريم .. كان هذا هو عمل هارون الدؤوب فى تلك الأيام .. ساهراً طوال الليل مع الجاريات .. ينام فى الصباح ويستيقظ فى المغرب يستقبل ما يُعرض عليه من جوارى .. من تعجبه يشتريها .
الحريم هذه الكلمة تركية الأصل والتى دخلت للبلاد العربية عن طريق العثمانيين ، وكلمة حريم لم يرد ذكرها فى القرآن أو السنة النبوية ، ومشتقة من كلمة حرم ..والحريم هو المكان المخصص فى القصر لنساء وزوجات السلطان ، والذى يُحرم على الغرباء او الرجال من مجرد الاقتراب منه وتقوم بالخدمة به نساء مخصوصة ويحيط بالحريم أسوار عالية تمنع المتطفلين من النظر إليه ، ويحيط به الحدائق والبساتين والنافورات والحمامات المخصصة لهن ليرفهن عن أنفسهن ..ويتكون قسم الحريم من عدة أجنحة كل جناح منها يسمى دائرة ، ويُغلق على الأجنحة كلها بباب رئيسى يقوم بحراسته الأغات وهم مجموعة من العبيد من الخِصيان ( من تم إزالة الخصيتين لديهم لبتر الشهوة وحراسة الحريم دون الخوف من الخصيان على الحريم ).. أما نساء الحريم فهن زوجات السلطان وجواريه اللواتى يُضجاعهن واللواتى لا يُضجاعهن ، وموظفات قصره وخادماته وقد كان يُغلق عليهن الباب عكس نساء المجتمع العادى كنوع من التمييز والحماية وإضفاء صفة مخملية على مجتمعهن كنوع من التدليل لنساء السلطان .
كانت الحريم يعشن فى مجتمع طبقى يتكون من عدة طبقات ، أعلاها زوجة السلطان مروراً بالمحظيات ( جوارى للمضاجعة لا يلدن )، والمستولدات (جوارى للولادة والنسل) نزولا الى طبقة الخادمات ومستجدات الجوارى اللواتى تحت التدريب والتعليم .. كانت الطريقة التى يتم بها التعامل مع النساء الأخريات مختلفة عن نساء السلطان عامة من الشعب فقد كن فى عزلة تامة عن العامة متقوقعن فى هذا الشرك يتم تدريبهن وتعليمهن والعناية بهن وكأنهن مخلوقاتٍ نادرة وذلك فى رفع تعليمهن ليكونا فى أعلى درجات الجمال الجسدى والخلقى والفكرى وكل ذلك لا لشئ سوى أن يكن مرتع للسلطان وملذاته .
عالم الحريم كان مجهول للعامة فرويت حوله الأساطير ، وقيلت فيه الأشعار وأصبح حديث الناس فكل رجل كان يحلم بأن يكون سلطان ويمتلك لذة الحريم وينعم بالجوارى ، وكل سيدة تمنت أن تكون من حريم السلطان لا تراها الأعين لما أحيط بهذا العالم من هالة من السحر، وما يحكى عنهن من الجمال والفتنة ..وهكذا وبمرور الوقت انتقلت هذه الظاهرة وكأى ظاهرة إجتماعية ، فأنتقلت عدوى الحريم من السلاطين إلى الصفوة من الشعب من تجار.
وشخصيات ذات نفوذ ، فأصبح لهم الحريم الخاص بهم ، وأصبحوا يتفننوا فى جعل قسم الحريم قطعة فنية رائعة الجمال من ديكور وأثاث ومرتعاً للملذات .. وهكذا أصبح أصحاب الثروات والنفوذ يمتلكن مجموعة من الحريم لا يخرجن ولا يعملن ولا يكشفن عن جمالهن لأى شخص ، ويغطين وجوهن عند الخروج من المنزل حتى لا يراهن أى شخص ، عكس كل النساء.. لأنهن حريم وجوهن محرمة إلا على من يملكهن أو
يشتريهن أو يتزوجهن ، ونساء المجتمع العادى يخرجن ويعملن بل و ويحاربن ويقودن شعوبهن ويطلبن العلم ويسعن فى طلب العلم و الرزق..
ومع مرور السنين أصبح كل رجل يتمن أن يكون من ذوى الحريم وأصبحت كل أنثى تتمنى أن تكون حرمة مدللة لأحدهم عندما تخرج من المنزل تتدور الرقاب باتجاهها من شدة الفضول ورغبة فى رؤية ما تحت الغطاء ..تماماً كم تتجه الأنظار الى هوادج محظيات السلاطين رغبة فى نظرة من ذلك الهودج المحفوف بالفتنة ..المليء بالاسرار
تجارة العبيد والرقيق والجوارى موجودة منذ قديم الأزل .. فكل حرب تترك وراءها غنيمة كبيرة من الجوارى والعبيد ..وكذلك الفقر أيضا كان عنصر أساسى لهذه التجارة ، فالكثير من الفقراء يبعيون أولادهم وبناتهم وهم ***** إلى النخاسين أملاً لهم أن يحالفهم الحظ ربما فى حياةٍ أفضل ، ولكن توسعت تجارة الجوارى بالذات ..كانت تأتى السفن والقوافل محملة بأجمل الفتيات من شتى البلدان ، ليقوم النخاس بإختيار ما يحلو له من الجوارى ..وكانت هناك دور وبيوت مخصصة لهن .. وفطن النخاسون أن كلما كانت الجارية موهوبة ، كلما زاد سعرها فكانوا يعلمونهن فنون الأدب والشعر والموسيقى والرقص.. بل هناك مدربات مخصوصات لفنون الدلع والدلال ويأتوا إليهن بأمهر الشعراء والموسيقيين ..وكان النخاس له نظرة خاصة فى الجارية فمن يجدها شديدة الجمال والدلال
وتمتلك مواهب فنية لا يعرضها فى السوق ، وإنما يقوم بإرسالها الى أحد الأمراء أو الأعيان ليقوم بشراءها بسعر كبير.. وهناك كان يمكنك ان ترى جميع الأشكال والألوان والأجناس من شتى بلدان العالم فتوجد الإيرانية والتركستانية والسورية والمغربية والإسكندنافية والروسية والرومية والفارسية بل وأيضاً جوارى من دماء عربية يُجلبن من الحجاز واليمن.. فالحروب والفقر لا تفرق بين الأجناس
يُعتبر النخاسون فئة اجتماعية كاملة من حيث عدد العاملين معهم من عمال وكتاب ووسطاء وشبكات دعاية وتثقيف ، ولهم عيون وفروع وإتصالات مع تجار ووسطاء آخرين مقيمين فى شتى أنحاء الأرض ، ويعتبر للجوارى دور مهم فقد أثرن بشكل كبير فى الطبقات المتنوعة من المجتمع ليس فقط فى حفلات السمر وليالى ألف ليلة وليلة.. إنما فى نشر الثقافة والفنون الجميلة والكثير من العادات والتقاليد المجلوبة معهن من عاداتهن الأصلية سواء فى الغناء أو الأدب أو الأزياء وحتى فنون المطبخ ، بل إن البعض منهن تعدى أثر هن إلى الناحية السياسية فقد إتسع نفوذهن وقوى سلطانهن وخاصة التى صادفها الحظ الجيد ووقعت جارية لخليفة أو سلطان وتزوجها وأنجب منها كالجارية خير ازن أم هارون الرشيد ، وماردة جاريته والتى أنجبت له ابنه المعتصم ، وشجرة الدر ملكة مصر ، تلك الجارية التى تزوجها نجم الدين أيوب وأعطاها حريتها بعد أن أنجبت له إبنها خليل .. كم كان لهؤلاء الجوارى تأثير أدبى على الأدباء أنفسهم يتمثل فيما قد تثيره الجارية فى نفس الشاعر من عواطف فيعبر عن ذلك بأجمل الشعر والغزل ، وإنقسم إلى غزلٍ عفيف وغزل, ماجن .. الخليفة هارون الرشيد عند موته وجد بقصره ما يزيد عن ألفين جارية من أجمل النساء ..الخليفة الراشدى يوم أن مات وجد بقصره ألف جارية ، وحين عاد موسى بن نصير فاتح المغرب إلى دمشق كان معه ما يزيد عن ثلاثة آلاف من أجمل الجوارى ..كم كان عدد الجوارى أكبر من عدد الحرائر فى بيوت الأغنياء وعلية القوم
جالساً هارون ومن حوله الجاريات ترقص وتغنى .. وإلى يساره جارية وزجاجة العطر لا تفارق يدها .. يتمايل مهتزاً مع الألحان ويرش العطر ويستنشقه .. وعلى يمينه صنوق كبير مفتوح ، وقد إمتلا عن آخره بصرر، معبأة
بالدنانير .. إقتربت جارية أمامه تتراقص ، فمال هارون يلتقط صُرة من الدنانير وقذف بها إلى الجارية التى التقطتها تغمز بعينها .. فى الوقت الذى كانت الجارية الواقفة على يساره تضغط الكرة المطاطية ، فيتناثر العطر على وجهه ويشتم مغمض العينين .. يفتح عينيه ليجد جارية تتمايل فى دلال ..تناول صرة من الدنانير يقذفها إليها .. رشة من العطر ويسحب شهيقاً عميقاً ، يغمض عينيه ويفتحها ليجد جارية دابرة تقترب متماوجة ، فقال هارون صائحاً
- ما أروعك أيتها الجارية
قالها وهى يلتقط صرة من الدنانير منتفخة أكبر من باقى الصرر وقذف بها للجارية التى إستدارت تسبل عينيها قائلة
- أنا طوع أمرك يا مولاى
ظل هارون يقذف بصرر الدنانير هنا وهناك على الجاريات .
مرت الأيام على هذا المنوال ، يتفنن هارون فى العبث مع الجاريات وفى النيل من المتع والملذات ..إنقطعت صلته فى تلك الأيام بنادية .. منغمساً فى نعيم الجاريات.. يقذف
بصرر الدنانير هنا وهناك .. حتى كان ليلة جالساً وسط الجاريات ، وإذا بجارية متسللة تهمس بأذنه
- نادية تريدك غداً فى الفجر عند البئر
إتسعت عيناه وتقلصت ملامح وجهه .. فقد كان يظن أن هكذا ستمضى به الحياة .. قضى الليلة شارد الذهن .. منتظراً حلول الموعد .
كان لخير ازانة إمرأة الوزير بطريق روتيناً يوميا ثابتاً قلما يتغير .. أشبه بطقوس تؤديها بلا كللٍ ولا ملل .. تستيقظ مع إشراقة الشمس ، حيث تدخل عليها تلاثة جاريات يمسدن ويدلكن جسدها ، من منبت شعرها حتى أخمص قدميها .. ثم تتناول الفطور على سريرها .. تنهض بحيوية ونشاط بعد التدليك والإفطار .. تتجه وسط الجاريات إلى الحمام ..
وبداخل الحمام المبنى من الرخام والجرانيت تحممها الجاريات بالماء الساخن
وبعد الحمام واللهو مع جارياتها ، تتجول فى القصر تتابع وتشرف على عمل الخدم والعبيد .. كانت حريصة دائما على إنتقاء المحظيات وهن الجاريات الصغيرة البكارى ، التى تشتريهن مما يأتى به النخاسون يعرضونه عليها ، ذلك النوع مخصص للمضاجعة فقط من قبل أبنائها الذكور مع مراعاة عدم الحمل والولادة ، هن للمتعة فقط .. تحرص على ختمهن بالكى على سواعدهن بأسماء أبنائها ..فمن أراد من أبنائها أن يضاجع محظية ، لا يضاجع إلا من اللاتى عليهن إسمه .. فلا توطأ المحظية
الواحدة من أخيِّن كذلك لا تأخذها رحمة ولا شفقة بمن يهمل فى عمله أو يخطئ فتصدر أوامرها بالعقاب .. حيث يتم تكبيلهم فى السجن أسفل القصر ويتم جلدهم وكيِّهم بالنار ، وعندما يحل الظهر تذهب لغرفتها لتنعم بالقيلولة نائمة .. ثم تستيقظ لتقابل بعض من زائراتها من المعارف والأقارب والصاحبات ، وبعد إنصراف الزائرات ..
تجلس خير ازانة فى بهو قصرها تشاهد ما يقدمه لها الجاريات من فقرات مسلية
.. يرقصن ويغنين ..وبعد المغرب تتابع شئون أبنائها بعد عودتهم .. ثم تخلد للنوم بعد العشاء .. هكذا كانت تمضى حياة خيرازانة .
تبدلت عادات خيرازانة اليومية مع قدوم نادية التى كانت حريصة على الوصول لقلب و عقل سيدتها بما تملكه من خبرات فى فنون النساء .. وتقدم لها من العروض المسلية ما يبهرها ، تارةً تمسك بعصا
رفيعة وتدير فوق نهابتها طبق ، وتارة ترقص لها وتغنى ..وإذا طلبت خيرازانة المتعة فنادية تمتعها ..
هكذا سلبت نادية لب خير ازانة وإستهوتها .. كانت خير ازانة تشعر فى الحديث معها بألفة وفى صحبتها بونسة .. رأتها جارية مختلفة عن كل الجاريات ، وبشئون الحياة من الداريات العالمات .. ذات مرة كانت نادية مع خيرزانة يتمددان وسط الجوارى
.. وإذا بجارية تقول
- هذه ما أوصت نادية بإحضارها من قافلة
هارون الوكيل
إنصرف الرجل لتقول نادية
- هذه نار جيلة من بلاد الفرس يا مولاتى .. لا يوجد مثلها فى البلاد
شرحت نادية لخير ازانة ما هى النار جيلة ، فى الوقت الذى كانت تطلب من الجاريات إحضار قطع الحطب الموقدة .. كان مع النار جيلة كيسا به قشور الرمان المتشربة بالخمر .. وضعت منها نادية على قطع الحطب المشتعلة .. وطلبت قطع الحطب الموقدة .. كان مع النار جيلة كيسا به قشور الرمان المتشربة بالخمر .. وضعت منها نادية على قطع الحطب المشتعلة .. وطلبت من خيرزانة أن تسحب النفس ..ما إن سحبت خيرزانة نفساً من النار جيلة حتى سعلت وإحتقن وجهها ، بينما قالت نادية
- هذا فى الأول فقط يا مولاتى
مع تتابع الأنفاس .. إستلذت خير ازانة بتدخين النار جيلة .. وشعرت بخدر, ممتع يغزو عقلها وجسدها .. وجدت نفسها تضحك سعيدة ومسرورة بلا سبب .. دفعتها ناديها لتجعلها على ظهرها .. إنتشت خيرزانة كأن لم تنتشى من قبل تحت آيادى نادية بجسدها عابثة ..وإستمتعت بلذة جديدة وسط خدر النار جيلة التى أدمنت تدخينها بعد هذا اليوم
لذا صارت نادية إليها من المقربين .. خصصت لها غرفة بالقصر قريبة من غرفتها بعيداً عن جناح الحريم ..
وذات ليلة إستبد الأرق بخير ازانة وتملكها ..
فقامت تطلب نادية من غرفتها وأحضرتها
قائلة
- لا أستطيع النوم اليوم يا نادية
ردت نادية
- سأجعلك تنامين .. وفى عالم الأحلام تغرقين قالتها وهى تدير جسد سيدتها برفق وتبدأ بتدليك ظهر خير ازانة بيديها.. دلكت بمنتهى الرفق أجزائها.. لم يكن من خيرازانة سوى الإستسلام للخدر المتسلل إلى جسدها ومر الوقت لتجد خير ازانة نفسها وقد بدأ النوم يتسلل إلى جفونها .. وقبل أن تغمض عينيها لتنام وجدت نادية تهمس فى أذنها
- مولاتى مهما كان بين النساء .. إلا أن الرجال لا يعادلهن مذاق
ردت خير ازانة شبه نائمة
مرت بضعة أيام وخير ازانة لا تكف عن التفكير فيما قالته نادية .. وأخيراً إتخذت القرار .
***************************
فى المساء كان محمود ساهرا فى داره يرتب جلوده .. ويتفحص ما نفد منها حتى يصنع المزيد ، كان الدار عبارة عن حجرتين صغرتين وردهةٍ واسعة .. كل ما فى الدار عتيق" ومتهالك.. مصابيح قديمة يكاد زيتها لا يضئ .. نيرانها خافتة تكاد تنطفئ .. يوجد فى الدار سريرٌ واحد تنام عليه أمه فى إحدى الغرفتين .. بينما ينام هو على فرشة على الأرض فى ردهة المنزل ..وبقيت الغرفة الثانية خاوية على عروشها بعد زواج أختيه .. فأستغلها محمود فى صناعة الجلود .. السقف مكون من جزوع النخل ، ومرفوع على أربعة جذوع، أخرى تحمله بالأسفل تمتد طولياً عبر ردهة الدار .. معروش
بجريد النخل وقطع القماش البالية ..سمع محمود هزيم الرعد وومضات البرق تتخلل الثقوب والفرجات فى جدران الدار المبنية من الطوب والطين اللازب ..وبدأت الأمطار تهطل .. وتعلو زخاتها ..تذكر محمود كيف كانت الأمطار تتساقط من سقف الدار وتغرقهم إذا إشتدت .. إلا أنه تمكن بمجهود مضنى من أن يصنع قطعة جلدية رقيقة بمساحة سقف الدار .. أحكم تثبيتها ، فلم تجد الأمطار لها منفذاً .. كان ممسكاً بسكيناً يقطع الجلود .. حين قفز إلى ذهنه صورتها ..
إعتملت بقلبه الهواجس والظنون .. فمنذ تقابلا فى الصحراء مرت أيام .. لم تصل له منها رسالة ولا كتاب .. هل إكتشفوا أمرها ؟ ومنوعها من الخروج .. إذا كان الأمر كذلك
فلماذا لم ترسل له
.. لم يلتفت إنتباهاً حين أعماه خاطر أن تكون حورية قد نسيته .. ولما لا ؟ .. فهو صعلوق ، ربما تكون قد تسلت به قليلاً ثم مضت إلى حال سبيلها فى العز والنعيم .. قطعت السكين جلد باطن يده جرحاً ليس غائراً ، لكنه من سخونة دمه كان نازفاً .. هرع يلتقط قطعة قماش يضمد بها جرحه ليوقف النزيف .. سمع طرقات محمومة على الباب المتهالك .. تسائل من ذا الذى يأتى تحت هذا المطر ؟ .. أسرع يفتح الباب .. ثم أمسك بكفه اليمنى كفه اليسرى المجروحة يضغط الخِرقة عليها .. رأى الجارية الملثمة واقفة أمامه ممسكة بالحصان خلفها .. ملابسها مبتلة عن آخرها .. دق قلبه بعنف منتظراً أن تخرج له الجارية برسالة .. لكنه وجدها تدلف مسرعة إلى داخل الدار تحتمى بسقفها المعروش من الأمطار .. إتجهت بالحصان ناحية جزع نخلة من تلك التى تحمل سقف الدار ، وربطت الحصان الذى أطلق صهيله يدوى فى الدار ..
صاحت أمه
- إهدأى بالاً يا أماه .. عودى إلى نومك سأبيعها الجلود وتنصرف بعد المطر
عادت أم محمود إلى نومها .. متدثرة بفروة خروف تدفئ جسدها .. فى الوقت الذى كان محمود يرنو إلى الجارية محدقاً ، منتظراً الرسالة متلهفاً .. لكنه شعر بشئ على يده ..
نظر ليجدها قد أمسكت بكفه المجروحة تحكم رباط خرقة القماش عليها قائلة
- ما الذى جرح يدك هكذا ؟
حدق محمود فى لثامها حين سمع صوتها .. لكنه تجمد فى مكانه من فرط الذهول حين أزاحت اللثام عن وجهها ، ليرى حورية أمامه تنظر إليه بحنان وتقول
- كيف حالك يا محمود ؟
لم يرد محمود فقد كان هذا آخر ما يمكن لخياله أن يتوقعه من الأميرة المجنونة .
إنتبه لثيابها المبتلة فقال
- كيف إستطعتى المجئ تحت هذه الأمطار ؟
ردت حورية وهى تتجول بعينيها فى أنحاء الدار وعلى وجهها علامات السرور
- ما حكاية هذا الثوب معك ؟
قالها وهو يحضر قطعة جلود كبيرة ويلفها على كتفيي حورية التى قالت
قالتها وهى تمد يديها تمسك بيد محمود المجروحة ثم تابعت باسمة
- ألم نتفق يا محمود أن نحيا ساعتنا الحالية ولا نفكر فى ساعتنا المقبلة .. لا تشغل بالك بشئ سوى أننا الآن مع بعضنا فى هذا المكان الجميل
ضحكة مبتورة خافتة ساخرة أطلقها محمود قبل أن يقول
- جميل .. أتسخرين ؟
ردت حورية مسرعة وعينيها تلمع ببريق النار
الذهبية المتلألئة أمامها
- أنت تقول هذا لأنك لا تفهمنى .. أنا أرى المكان جميل .. لا شأن لك أنت
قالتها ضاحكة ، فإبتسم محمود ورأى حورية تقوم وتلقى بقطعة الجلد من فوق كتفيها وتتجه تفتح الباب .. ثم تعود وتفك الحصان وتعتليه لتقول
- هيا يا محمود
قالتها وهى تشير لمحمود بركوب الحصان خلفها ، إلا انه وقف مكانه وقال
فما كان منه سوى الإمتثال وركب خلفها على الحصان .. شدت حورية اللجام فسار الحصان حثيثاً خارجاً من الدار ، ومحمود يقول
الضحكات تباعاً سعيدة بهذه المغامرة تحت المطر .. لكزت الحصان بقدميها ، فأسرع يعدو .. ظلت تدور بالحصان حول دار محمود وهى فى قمة السعادة والفرح والسرور .. تدغدغ قطرات المطر وجهها .. ويسرى الدفء فيها من جسد محمود الملاصق لظهرها .. يتحرك الجسدان ككتلة واحدة على ظهر الحصان مع حركاته ويتمايلان حتى توقف المطر .. عادا إلى داخل الدار .. نزل محمود يقول
- يبدو أنكِ أكثر من مجنونة
ضحكت حورية ضحكة صافية علت فى الدار ..فسمعا على إثرها صوت أم محمود يصيح
كانت حورية تفرد طرف ثوبها تجففه بحرارة
النار وقالت
- أريد هذه يا محمود
قالتها وهى تمد يدها تمسك بيد محمود المجروحة تفك خرقة القماش المبتلة والملطخة بدم محمود من جرحه وتابعت قائلة
وعادت تجلس جوار محمود تربط جرح يده قطعة الطرحة ، وسمعته يقول
- لقد إندمل الجرح ولا أح...
قاطعته حورية ضاحكة
- أخذت منك قطعة وهذه بدلاً منها
رد محمود يضحك بخفوت
- لكنكِ أخذتِ دمى ولم تعطينى بدلاً منه نظرت حورية بحب فى عينيى محمود ومدت يدها تتناول قطعة حطب صغيرة لم تنل منها النار بعد .. بأظافرها نشبت شوكة صغيرة ،وقبضت على أصبعها الإبهام وخزته بالشوكة ..أمسكت طرف قطعة الطرحة على يد محمود تقطر عليها بعض قطرات دمها ..وقالت
- ها أنا أعطيتك دماً بدلاً من دمك لم يرد محمود مكتفياً بإبتسامة محركاً رأسه دلالةً على إندهاشه من الأميرة .. بينما تابعت
هى قائلة
- قرأت أنه إذا تبادل حبيبان دمائهما فإنهما لا يفترقان
رنت كلمة حبيبان فى أذنى محمود محدثة دوىٍّ كبير ووجد نفسه يردد الكلمة .. إلا أنها خرجت بصيغة إستفهام
- حبيبان ؟
فسمعها تقول بلامبالاة مشوبة ببعض الدلال
- نعم .. ألم تسمع تلك المقولةِ من قبل .. أية حبيبين يريدان ألا يفترقا يتبادلا دمائهما ..
إذا كنت تعرف حبييين أخبر هما بذلك إنسابت منها الضحكة الملائكية الخافتة حين رأت وجه محمود الجامد أمام أعينها وسط ضوء النار التى بدأ نورها يخفو وهمست تومئ برأسها بين منكبيها فى جاذبية لا تُقاوم
- نعم .. فأنا أحبك يا محمود
مدت يدها الملساء الناعمة تمسح بها على خد محمود ورأت الدموع تترقرق فى عينيه ..
نظرت فى عينيه مباشرة وهمست بخفوت
- إحيا معى ساعتنا الحالية .. لا تفكر فى شئٍ آخر
ظلت تقترب بوجهها من وجهه .. تدنو وتقترب.. تلامس الأنفان .. لا تزال تحدق فى عينيه ..بينما هو يسمع جملتها الأخيرة تتردد وتتردد فى داخله .. أفاق حين أحس بشفتيها تلامس شفتيه ..رعشة دافئة سرت فى أوصاله ووجد قلبه يعدو.. طبعت حورية قبلة رقيقة ناعمة على فم محمود ، ثم عادت برأسها للوراء .. تبتسم وقد بدأت الدنيا من حولهما تظلم .. قام محمود
، ووضع بعض الحطب فى النار .. عاد الضوء الأصفر الخافت ينبعث فى الدار .. تمددت حورية على ظهرها فوق الفرشة على الأرض ، فإنحسر الثوب الرقيق فوق ركبتيها .. رأت محمود يحدق فى سيقانها العارية فإبتسمت قائلة
- علام تنظر ؟
لم يرد محمود الذى أشاح بوجهه يرنو إلى النار ، وسمعها تتابع كلماتها
- يمكننى أن أجعلك ترى المزيد
قالتها ضاحكة فى الوقت الذى كان محمود يعيد نظره إليها فيجدها قد رفعت ذيل ثوبها أكثر ..أحس محمود وكأن بياض فخذيها أضاء المكان .. سمعها تهمس
وسمعها تقول
- هذا قد يساعدك لتتذكر ؟
تنهد محمود ضاحكاً .. بينما تابعت هى
- حين كنت جارية وأنت تشترينى فى المرة السابقة .. كنت تقول أن ذلك الشئ فى الرجال له شقين .. شقٌ غريزى وشق آخر
.. هيا أكمل ما هو ذلك الشق الآخر ؟
تمدد محمود بجوارها على الفرشة على جنبه وصارت هى على جنبها .. الوجه فى الوجه بتنفسان ذات الهواء .. قال محمود
- يبدو أنك فيلسوفاً
صمتت تسحب شهيقاً وواصلت
تنهد محمود بعمق وقال
- منذ ثلاثة أيام .. كنت فى حلم, جميل مع أجمل فتاة على الأرض
قاطعته حورية قائلة
- صفها لى
رد محمود - هى أميرة تهوى حياة الصعاليق قالت حورية وقد علت حاجباها وإتسعت عيناها
- أنا التى كنت معك فى الحلم .. هيا أكمل ..
وماذا حدث ؟ .. لقد شوقتنى لذلك الحلم ..
هيا
واصل محمود
- كنا عاريين .. وبعد القبلات نامت هى وحين جئت أنا
توقف محمود متوقعاً ما سيحدث .. وفعلاً حدث فقد صاحت حورية - هيا أكمل .. حين جئت ماذا حدث ؟
قال محمود ضاحكاً
- الم يحدث شئ
رد محمود - ربما أكتمل ذلك الحلم يوماً ما ..سأحكيه لكِ
ردت حورية - معك حق .. قد تكون ساعتها قد بلغت الحُلُمُ ويمكنك أن تكمل .. فأنت لازلت صبياً لم يبلغ بعد
على عكس ما توقعت رد محمود بهدوء
- ربما
كتمت غيظها وعادت على ظهرها ترنوا إلى السقف .. بينما محمود صامتاً ..سرقهما النوم دون أن يشعرا .. بدأ الصباح فى الظهور فى الأفق .. إستقيظ محمود وحورية على صيحات أم محمود
- من هذه يا محمود ؟ .. أهذه الجارية التى جائت بالليل
قام محمود مسرعاً وتبعته حورية تتناول ملابس الجاريات وهرعت إلى غرفة أم محمود تستبدل الثوب الرقيق بملابس الجارية .. لم يكن همها صياح وتسائلات أم محمود .. كان همها أن يكون أحد قد إكتشف غيابها عن القصر ..
خرجت فى الوقت الذى كان محمود يشرح لأمه أنها لم تتمكن من المغادرة بسبب الأمطار وسرقهما النوم .. إعتلت حورية الحصان ولثمت وجهها وقالت ضاحكة
- أراكِ على خير يا أم محمود
قالتها فى الوقت الذى كان محمود يفتح الباب لتنطلق حورية على جوادها مسرعة ، قبل أن بستيقظ الناس .
عادت حورية إلى القصر .. تسللت خفية حتى وصلت إلى غرفتها .. لم تصدق أنها عادت إلى الغرفة دون أن يراها أحد ممن إستيقظوا مبكرين من الخدم والجوارى والعبيد .. شهقت فزعة حين رأت جسداً ممدداً مغطى على سريرها ..
إقتربت تسحب الغطاء برفق .. فضحكت وعلا صوت ضحكاتها فى الغرفة ، لتستيقظ أم إبراهيم على صوت ضحكات حورية وتقول
- لماذا تأخرتِ هكذا يا ابنتى ؟ .. رقدت مكانك حين تأخرتِ عن الحضور حتى لا بكتشف أحد غيابك إذا دخل الغرفة .. خشيت أن يكون حدث لكِ مكروه
حكت حورية لمربيتها .. كيف سرقها النوم عند محمود ولم تستيقظ إلا فى الصباح .. تضحك أم إبراهيم وتقول
- لا أوافقك على ما تفعلين .. لكنى أرى حالك قد تبدلت وأجدك سعيدة
توجهت حورية للحمام وإغتسلت ثم عادت إلى غرفتها تحتضن محمود فى مخيلتها .. وراحت فى نومٍ عميق بينما يدها قابضة على خرقة قماش ملطخة بالدم .. ددمم محمود .
*****************************
فى قصر أحدهم
جلس القوم المعارضون للسلطان المبروك ..يتجادلون .. يتناقشون .. يتحاورون .. إبراهيم بن عيسى وإلى جواره الوائل بن الإبراشى ومعه مصطفى بن البكرى والشيخ عبد اللّٰه بن السعيد .. وكذلك فاكهة القوم يجلس متربعاً مبتسماً كعادته طالع بن الأسياد ، ومعهم عدد من الشباب يتصدرهم أحمد ومحمود .. قال ابن البكرى بصوته الجهورى
- لن نتركهم يحكمون على الأهلطل بن بهلول فى الغد بالإعدام
صاح الشيخ عبد اللّٰه بن السعيد
- لن يحكم القاضى عليه بالقصاص .. فهو مختل عقلياً .. حتما سيحكم عليه بالسجن
قاطعه طالع ابن الأسياد قائلاً
- تقصد السجن المزيف .. سيسجنوه حتى حين .. ثم يطلقوا سراحه إلى بلاد اللّٰه الواسعة بعد أن تهدأ الأمور
تنهد إبراهيم بن عيسى وقال
- علينا أن نجمع الناس فى الصباح أمام ديوان القضاء .. ونطالب بإطلاق سراح العبيط ابن بهلول
سحب الوائل بن الإبراشى نفساً عميقاً وكأنه إستيقظ لتوه من النوم وقال بكلامات هادئة بطيئة
- أنتم تتحدثون وكأن براءة بهلول صارت
يقين
صاح القوم من حوله يرددون
- ماذا تقصد ؟ .. هل يمكن أن يكون العبيط الأهطل بن بهلول هو القاتل .. لا .. كيف ؟
واصل الوائل كلماته بعينيه الناعسة
- أنا لم أقل أنه القاتل .. ولم أقل أنه برئ .. فلم تثبت له براءة ولا إدانة .. السؤال الأهم أين القاتل الحقيقى .. لقد مرت فترة طويلة ولم تظهر جثث مسلوخة اخرى .. فلماذا توقف القاتل الحقيقى عن القتل بعد القبض على بهلول
حدق جميع الموجودين فى وجه الوائل الذى هوت كلماته عليهم لتجعلهم ذاهلين ، فقال أمجد ابن الجلاد الذى حضر للتو متأخراً
- معك حق .. منذ بدأت حوادث القتل ولم يمر فترة كهذة دون أن تظهر جثة .. وكما نسأل اين القاتل الحقيقى ولماذا توقف عن القتل ؟ .. علينا أن نسأل لماذا يقتل ؟ .. ولماذا يسلخ الجلد .. ولماذا النساء فقط هم الضحايا ؟ ..
ولماذا الأربعة نساء التى قُتلت بالذات دون
باقى النساء ؟
قطع إبراهيم ابن عيسى سلسلة لماذا ؟ التى أطلقها ابن الجلاد وقال
- إذا ذهبنا فى الصباح وحشدنا الناس أمام ديوان القضاء لن يغير ذلك شئ فسيُحكم على الأهطل بالسجن .. وإذا لم يظهر جثث" أخرى بعد ذلك سيصدق الناس أن ابن بهلول هو القاتل وسنفقد مصداقيتنا عند الناس ، ولن يصدقونا بعد ذلك
ما كاد الوائل بن الإبراشى ينتهى من جملته الأخيرة .. حتى بُهت الجميع عند سماعهم لجملة تقول
إذا إجتمع الفقراء والمظلومين وأخذوا
بلادهم ممن أغتصبوها من الفاسدين .. لن يقف فى طريقهم أحد
قال محمود جملته الأخيرة وعينيه تلمع ببريق مخيف .. وصاح إبراهيم بن عيسى قائلاً
الوائل بن الإبراشى
- ستكون فتنةٌ فى الأرض وفساد كبير .. وإن اللّٰه لا يحب المفسدين
رد محمود تبرق عينيه بحماس
- اللّٰه أمرنا بالجهاد ضد الفاسدين الظالمين
تخيل طالع بن الأسياد نفسه على جواده ممسكاً بالسف يقاتل ، فتلقى طعنةً من خلفه إرتعش جسده على إثر تخيل ذلك المشهد .. بينما تخيل الآخرون أنفسهم وسط القتال بعيداً عن قصورهم وأموالهم .. وقال إبراهيم
- قال **** اللـه صلى اللـه عليه وسلم ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )
رد محمود
- وإذا لم ينفع القلب واللسان فما لنا حيلة سوى اليد
قالها محمود فى الوقت الذى كان أحدٌ يلقى السلام بصوت، وقور .. إتجهت أنظار الجميع ليروا رجلاً حلو الطلعة .. تشعر بأنك مجذوب
لعينيه المسيطرة وقسمات وجهه المريحة للنظر يجلس على ركبتيه ثم يتربع قائلاً
- أنا أتفق معك يا محمود .. لكن من الذى فسر قول الرسول عن تغيير المنكر باليد أنه الجهاد أو القتل فحسب .. هناك أشياء أخرى .. أنت مثلاً يا محمود إذا جئتك أطلب منك قطعةً من الجلود وعرضت عليك خمسة دنانير .. بينما أنت تطلب حقك فيها عشرة دنانير ، ماذا سيحدث ؟ .. سأجد غيرك يبيعنى مثلها بخمسة دنانير .. أما إذا إتحد كل صانعى الجلود فى البلاد ولم يقبل واحدٌ منهم سوى بعشرة دنانير .. ساعتها سأضطر إلى دفع العشرة دنانير ولن أبخس ثمن
السلعة
صمت برهة بينما محمود يحدق فى وجهه بإنصات وكذلك باقى الجمع .. وواصل هو
- كذلك إذا إجتمع الفقراء المظلومين وإتحدوا جميعاً .. ورفضوا أن يعملوا لدى الأغنياء بثمن بخس, دراهم معدودة .. ساعتها ستجد من يدفع درهماً سيضطر أن يدفع عشرة من أجل أجير واحد .. فحال البلاد ليس بسبب من يحكمها فقط .. وإنما بسبب المحكومين فيها أيضاً .. اللذين أذعنوا للظلم وتركوا أنفسهم فى أيدى سادتهم مهطعين ذليلين .
ما كاد الرجل الغريب ينهى جملته حتى صاح
أحد الحاضرين
- ومن أنت أيها الرجل الكريم ؟
- أنا المأمون بن عبد اللّٰه الرشيد
صاح طالع بن الأسياد
- أنا سأذهب فى الصباح إلى ديوان القضاء ..
سأحضر محاكمة ابن بهلول .. السلام عليكم إنصرف المأمون تاركاً الجمع فى ذهول .. كل من كان عنده كلمة عن عبد اللّٰه الرشيد يلقى بها .. يتسائلون عن ذلك المجهول .. حتى إنفض الجمع .
خرج محمود بصحبة أحمد الذى قال
- أراك يا محمود منذ بدء حكايتك مع الأميرة حورية .. وأنت لم تعد محمود .. صرت حاقداً على الأغنياء
وقف محمود محدقاً فى وجه أحمد وقال
- لا شأن لك أنت بالفقراء .. إذهب إلى حفلات أبيك الماجنة وضاجع معه الجوارى
أمسك أحمد بكتفيي محمود ورد غاضباً
- لا شأن لك بأبى يا بائع الجلود عاشق الأميرة
.. أتظن أنها تحبك ؟ .. إنها تلهو بك .. أ واهم
لم يرد محمود الذى وقع تحت سطوة الغضب ، فدفع أحمد فى صدره أسقطه أرضاً .. قام أحمد
مسرعاً وإشتبك الإثنان بالأيدى .. وفجأة توقفا على صوت يصيح
- كفاكما
وجدا المأمون بن عبد اللّٰه الرشيد حائلاً بينهما
يقول
- أهكذا يفعل الصديقان ببعضهما
غادر أحمد لاهثاً يحث الخطا مبتعداً .. بينما سار المأمون فى الطريق إلى جوار محمود يحدثه عن كيف يحصل الفقراء المظلومين على حقوقهم بلا قتال .
البلاد المباركة ج 7
مضت الأيام بعبلة فى قصر ابن زيدون ، وكبرت بطنها أكثر .. صارت تشعر بالسعادة من جراء إحساس الأمومة التى بدأ ينسيها محمود .. لكن ألفتها لحياة القصر والنعيم كانت ناقصة .. ولولا جاريتها وصديقتها رمانة تلك الحرة التى إختارت أن تكون جارية ، لفتك بعبلة الملل والحزن .. لا تجلس فى القصر مع أحد
وإذا علمت أمه سيعلم ابن زيدون الذى لن يرضى بذلك .. فهو لا همَّ له سوى حفلاته
الماجنة
هكذا ظل
هذا الأمر سراً وتكرر مراراً .. تتسلل حورية فى الليل وتوزع ما تيسر من خيرات قصر ابن زيدون على الفقراء والمساكين ومعها رمانة وبعض الجاريات المخلصات ، ثم تعود محملة بدعوات البسطاء .. جعلها ذلك قليلة الغضب ..
وإن كانت لاتزال غير قادرة على السيطرة على غضبها فى بعض الأحيان .. كذلك لم تعد صورة وجه محمود تؤرقها إلا قليلاً .. تغيرت معاملتها لأحمد، صارت معه أكثر رقة وعذوبة .. فى أحد المرات عاد أحمد خائر القوى شاحب الوجه
، ولما دخل على عبلة قالت
- ماذا بك يا
أحمد .. تبدو شاحباً
رد عليها بصوت مجهد
- أحوال البلاد تسوء .. وأحاول تدبير أمر القافلة التى أود جلبها من بلاد الصين ، حتى تنتعش تجارتى .. بل أحتاج لقافلتين
تفاجأ أحمد بعبلة تمد يدها تمسح على وجهه بحنان وتخلع عنه عمامته قائلة
- لقد يئست منه يا عبلة .. لا يشغل بالى ما يحتاجه القصر فلدينا كما تقولين الكثير ..
ولكن ما يؤرقنى القروض التى علينا لبيت
المال ..
لا أريد أن أتعثر فى سدادها .. فهذه أموال الناس والعباد .. ولن يبارك لنا اللّٰه إذا أهملنا دفعها كما يفعل أغلب التجار
- أنت رجلٌ يخشى اللـه يا أحمد .. فسيبارك لك اللـه فى تجارتك
هكذا قالت عبلة بصوت ناعم جعل أحمد ينسى هموم تجارته ويحدق فى وجهها القمحى بحنان
وسمعها تواصل كلماتها
- أين تذهبين ؟
لم ترد عبلة وجذبت أحمد من زراعه وإتجهت به إلى الحمام .. أجلست أحمد فى الماء بعد أن
خلعت عنه ملابسه
.. أمسكت بقطعة الكتان تبالها وتدلك بها جسد زوجها اللذى
قال
- أول مرة أراكِ هكذا يا عبلة .. الآن فقط
أشعر أنك زوجتى
ردت عبلة
- ابنك يضربنى يا أحمد
ضحك أحمد وقال
- عندما يأتى سأعاقبه على ذلك
تبادلت عبلة مع أحمد الضحكات ثم ألبسته وعادا إلى غرفتهما .. دلكت عبلة ظهر زوجها المهموم بسبب أحوال تجارته ، حتى إسترخى ونام .
مرت الأيام على هذا المنوال .. عبلة توزع من خيرات القصر على الفقراء .. غمرتها السعادة بذلك .. صارت علاقتها بأحمد أفضل .. ولكن لابد أن تكون هناك لكن .. بدأت أم أحمد تدرك أن حجم مايرد إلى القصر من الأطعمة والفواكة والغلال والتمر واللحوم لا يتفق مع ما يتم إستهلاكه .. كانت تعتقد فى البداية أن هناك من يسرق القصر ، رغم أنه لا يوجد عبد ولا جارية جديدة يمكن أن تفعل ذلك .. نثرت الجاريات الموالية لها تتفحص وتستكشف الأمر .. وجائها الخبر ، عبلة تخرج فى الليل بصحبة جارياتها ومعهن أجولة كبيرة بها من خيرات القصر ما لذ وطاب .. وحتماً تسرقه إلى أهلها وأقاربها الفقراء .
فى أحد الليالى تتسلل عبلة ومعها جارياتها محملين بالأحولة ، واذا يصوت من خلفها
يصيح
- بنت السوق هذه هى التى كان ابنك يتوسل إليها وكاد يقبل قدميها لتقبل به .. ثم إننى لا أسرق شيئاً لأهلى إنها أموال الفقراء أردها إليهم مما يفيض من حفلات زوجك مع جارياته الماجنة .. والآن أدركت أن معه حق ، فمن يتزوج بمثلك لابد أن يكون للجاريات أسيراً
ما إن سمعت أم أحمد ذلك حتى هوت بصفعة عنيفة على وجه عبلة التى ردت لها الصفعة بواحدةٍ أقوى .. فى الوقت التى بدات صرخات الجاريات تشق هواء القصر وتتردد بعنف ..
هرع من فى القصر تجاه الصرخات .. وكان من بينهم ابن زيدون وابنه أحمد الذى وصل فى اللحظة التى كانت عبلة ممسكة بشعر أمه تشده بعنف وتهوى على خدها بالصفعات تباعاً .. لم تفلح محاولات ابن زيدون وأحمد فى تخليص أمه من براثن عبلة التى أسقطتها أرضاً تجرجرها من شعرها .. وبمساعدة الخدم تم فض الإشتباك.
قال أحمد متلعثماً مرتعشا
- ماذا حدث ؟
وجد أمه تحدق وقد تشوه وجهها بآثار أظافر عبلة وقالت تبتلع ريقها لاهثة
- طلِّقها
يحاول أحمد إبتلاع ريقه مرتعشاً يهم ليقول شئ
.. لكن صرخة من أمه دوت فى المكان
- قلت لك طلِّقها
ورغم حب أحمد لعبلة ، إلا أن سيطرة أمه عليه كانت أقوى ، فوجد نفسه يمتثل لأمرها وتمتم
بصوتٍ خفيض
- أنتِ طالق يا عبلة
تشعر من نبرة صوته وكأنه يقول لها ( أنا أحبك يا عبلة ) .. لم تندهش عبلة كثيراً .. فهى تعلم
مدى سيطرة أمه عليه .. لكنها إندهشت حين ممعت أم أحمد تصيح فيمن حولها
- إفترشوها على الأرض
هرع الخدم والحراس الأشداء وحتى الجوارى يتكالبون على عبلة ليطرحوها أرضاً على ظهرها .. يحكمون تثبيت يديها ورجليها ، بينما هى تحاول المقاومة دون جدوى .. شعرت بألم رهيب فى رحمها كان مبعثه ركلات أم أحمد القوية على بطنها تسعى لإجهاضها .. وقفت أم أحمد بثقل جسدها الثمين فوق بطن عبلة التى كادت تزهق روحها .. حتى رمانة والجاريات الموالبة لعبلة إشتركن فى المعمعة لإرضاء سيدة
القصر أم أحمد تمهيداً لتبرئة ذمتهن بعد ذلك بأنهن كانوا يلبين أوامر عبلة مقهورين .. بالفعل نجحت أم أحمد فى مأربها وبدأ الدم ينسال من أسفل عبلة تحت الركلات العنيفة .. إنهمرت الدموع من عينيي أحمد الذى أسرع يمسك بأمه ليوقفها عما تفعل بعبلة .. لكن أمه دفعته بزراعها بقوة فإختل توازنه وسقط أرضاً ، فى الوقت الذى جلست أم أحمد على ركبتيها ، وواصلت بقبضة يدها ضرب بطن عبلة التى
فقدت الوعى من فرط الألم .. بينما لم تتوقف أم أحمد إلا بعدما رأت الكتل الدموية تنهمر ، وقامت وصاحت فيما حولها
- إلقوا بها خارج القصر
أحمد يبكى وابن زيدون يبتسم سعيداً .. وتم إلقاء عبلة غارقة فى دمائها خارج القصر .
مرت ساعة لتفيق على يد رمانة التى أسندتها حتى أوصلتها لدار أبويها والدم المتكتل يتقاطر منها .. إستقبلتها أمها بالصويت بينما أبوها يحملها داخلاً .. فى الوقت الذى كانت رمانة تعدو عائدة إلى القصر .
فى الصباح بداخل ديوان القضاء .. إحتشد عددٌ ليس يالكثير من الناس إلى جانب بعض المعارضين .. حيث لم يحضر منهم الكثير ..
الناس بدأو يصدقون ، أن القاتل هو الأهطل بن بهاول ، فمن بعد القبض عليه لم تكن هناك جثة ولا جلد مسلوخ .. وبعد الجدال والنقاش والهمهمات .. كاد القاضى أن ينطق بالحكم على ابن بهلول ليصير نزيل الزنزانات .. لولا صوت بعيد من اخر الجنبات يصيح
- من أنت أيها الرجل ؟
واصل المأمون وكأنه لم يسمع يوسف الذى إكفر وجهه من هذا التجاهل
- كيف حمل ابن بهلول جثة الجارية وردة تلك السمينة التى يعجز أولى القوة عن حملها لخطوات .. بينما الأهطل سار بها إلى طرف المدينة على حدود الصحراء
قالها المأمون موجههاً كلامه إلى القاضى .. ثم إستل خنجره واتجه ناحية ابن بهلول ومد يده بالخنجر قائلاً
- إقطع هذه
قالها مشيراً إلى طرف كم ثوبه الأنيق .. عجز الأهطل عن الإمساك بالخنجر حتى .. وبعد محاولة أخرى نجح فى الأمساك به ضاحكاً سعيداً بهذا الشئ الجديد .. ظل ابن بهلول يحرك الخنجر فى حركاتٍ عشوائية على كم ثوب المأمون دون أن يتمكن حتى من صنع ثقباً صغيرا فيه .. بينما ضحكاته البلهاء المتناثرة جعلت الحاضرين يضحكون عليه .. وقال
المأمون مبتسماً
- نعم أيها القاضى العادل .. هذا هو القاتل السفاح الذى سلخ أربعة نساء .. لعن اللـه أمةً ضاع الحق بينهم
قالها المأمون بصوت أسر قلوب المحيطين ، قبل أن ينطق القاضى
خرج محمود مسرعاً يلحق بالمأمون وأدركه
وهو يمتطى جواده وسمعه
يقول
أدرك أموراً لم يدركها أقرانه .. رغم عمره الذى مضى حتى بلغ الأربعين بلا وطن ..
إلا أنه دوماً يفكر فى بلاده ، ويتمنى لو إستطاع
العيش فيه .. لكن حبه للترحال يغلب على أى شئ آخر.
اللّٰه أكبر .. اللّٰه أكبر .. كانت هذه تكبيرات الحاضرين بعد أن نطق القاضى ببرائة الأهطل بن بهلول
.. وخرج قائد الشرطة يكابد إبتلاع ريقه .. يرفع يديه تجاه رقبته بين الفينة والأخرى بحركة غريزية ..
ومن ورائه ابنه يوسف يحثان الخطا تجاه ديوان الشرطة التى ما كادا يدخلاها ، حتى كان الإستدعاء السلطانى بإنتظار قائد الشرطة .
بداخل بهو القصر السلطانى الفسيح .. كان السلطان المبروك الثمانينى كعادته لا يدرك ما حوله جيداً .. وشفته السفلى متدلية .. بينما من بين يديه يجلس ابنه وريث البلاد إلى جوار أحمد بن العز صديقه ومساعده الأول فى إدارة ديوان التفويض .. ذلك الديوان المفوض بلا تفويض بحكم البلاد والتحكم فى أمور العباد .. وإلى أمامهما كان قائد الشرطة وابنه جالسين مهطعين
..قال جلال ولى العهد
- أنت لم تدع لى خياراً سوى الأمر بقطع رقبتك .. كما قلت لك سالفاً
شهق الوزير حسيب .. وأحاط عنقه بيديه بحركة غريزية .. ورأى السياف ماثلاً أمام مخيلته ..إلا أنه سمع جلال يواصل
- لكن سأكتفى بعزلك من منصبك
صمت ثم تدارك
- لقد عزلك السلطان من منصبك .. وألا تغادر دارك طيل ما بقى لك من العمر
رد الوزير حسيب متلعثما
- أمد اللـه عمر السلطان المبروك .. وأبقاه يعفو عن المخطئين
قالها الوزير وهو يرفع كفيه على رأسه شاكرا
" العفو عن رقبته
فى الوقت الذى أفاق فيه السلطان الثمانينى عندما سمع اسمه ، ومن اللّٰه عليه ليقول
- وقد عين السلطان ابنك يوسف بدلاً منك ..
قائداً للشرطة
هدأت دقات الوزير حسيب ، بينما إرتسمت على وجه يوسف إبتسامة .. وتابع وريث العرش
- سنرى يا يوسف
خلا جلال بصديقه ابن العز بعدما ذهب السلطان ينعم بالقيلولة .. رغم أن أوقاته قد صارت كلها قيلولة .. بادر ابن العز قائلاً
كان ولى العهد قد وجد أبوه السلطان قد شاخ ..
وإقترب هو من الجلوس على العرش يحكم البلاد .. لكن ما كان يقلقه هو حاشية أبيه التى شاخت مثله ، هم المتحكمين فى ديوان التفويض يديرون البلاد .. كان يطلق عليهم الحرس القديم لذا بدأ بمساعدة أبيه فى الإطاحة بهم واحداً وراء الأخر .. وعلى رأسهم الأكمل بن الشاذلى
.. ذلك الرجل الضخم الذى كان على رأس مسيطرى ديوان التفويض .. الذى يتذكره العباد بواقعةٍ شهيرة .. فى القلعة الأثرية فى البلاد ، والتى لا يقربها أحد من عامة العباد .. لحفل خطبة ابنه أقام ..ولما لا ؟ .. وهو واحد من مالكى هذه البلاد .. يفعل فيها ما يشاء .. وحين تندر عليه جمعٌ من المعارضين فى البلاد ..
على رأسهم أمجد بن المِهَنَّى كان .. خرج ابن الشاذلى يقول .. لقد أخذنا الإذن بالتمام .. فأرسل مجهولاً يطلب الإذن بالقلعة لحفل ختان ابنه هناك .. فصار أضحوكة البلاد ..مرت الأيام وصار جلال هو المسيطر والمتحكم فى ديوان التفويض صاحب البلاد .. ومن حوله حاشيته الشابة يعدهم لحكم البلاد .. هكذا كان مبدأه حين استبدل قائد الشرطة حسيب بن العادل بابنه ووريثه يوسف .. الذى حتماً سيكون أكثر إذعاناً وإمتثالاً له .
هكذا إختفى حسيب بن العادل من على مسرح الأحداث .. بينما هرع يوسف على حصانه سعيداً قبل أن يُعلن الخبر .. يخبر من أراد وقد إنتصف النهار.
****************************
كانت حورية جالسة تخط بعض الأشعار .. حين دلفت إلى غرفتها الجارية مسعودة بالإخطار
- مولاتى يوسف بن حسيب العادل .. ينتظرك فى حديقة القصر فى الوراء
فزعت حورية متعجبة
- وكيف إستطاع أن يدخل إلى الحديقة ..
إجعلى الحرس يطرودونه
قالتها حورية وقد إندفع الدم إلى رأسها ..
وسمعت الجارية مسعودة
- مولاتى .. لقد أبلغنى أن أقول لك .. إنه لو لم يركِ. .. سيأتى ليقابل والدك فى المساء شعرت حورية فى هذه اللحظة أنها لا تحيا فى قصرها .. الجارية تنقل إليها تهديداً صريحاً من يوسف .. كادت تصيح فى وجه الجارية تطلب الحراس ، إلا أنها شردت تتخيل أن يوسف علم أنها ذهبت إلى محمود فى داره .. قد يكون أحد رجاله يتعقبها ورآها مع محمود تحت المطر .. ا
أفزعها ذلك الخاطر ، فإذا علم أبوها سيكون الأمر عسير .. حتماً لن ترى ما خارج القصر بعدها أبداً ولو يسير.. أفاقت من شرودها
فلم تجد مسعودة أمامها .. وسط دقات قلبها المتزايدة كانت تنزل السلالم مسرعة حتى لا يراها أحد .. ومن باب الخدم تمكنت من الوصول إلى حديقة القصر الخلفية .. وهناك رأت يوسف جالساً تحت شجرة بركن, من الأركان .. هب واقفاً حين رآها ، ورسم على وجهه الجامد إبتسامة عريضة جعلت وجهه أشبه بتمثال وقال فارداً زراعيه وحورية تقترب
وسمعته
بإشمئزاز
كانت حورية مذهولة من هذة الجرأة التى يتحدث بها .. وبدون أن تنطق بشئ إستدارت توليه ظهرها تنصرف .. تبعها يوسف وبعد خطوتين أمسك بها وقال
شعر يوسف من لهجتها الصارمة أنه قد يصير فى مأزق لذا بادر قائلاً بهدوء
- ولماذا يختصمنى أبوكِ الأمير ؟ .. وأنا قصدى فيكِ نبيل .. سأطلبك للزواج من أبيك
قالها متوقعاً أن تهدأ حورية .. ولم تكن كلمة الزواج التى خرجت من فم يوسف سوى رد فعل لصياد تنازعه الفريسة ولا يقدر على الإمساك بها .. فهو يريد حورية بأى شكل حتى ولو كان الزواج .. إلا أنه وجد غضبها قد تضاعف وصاحت
- لن أتزوج بك
صمتت ثم أردفعت
- سأنتظر أيام حتى أتمكن من القبض على القاتل .. ثم أطلبك من أبيك وسأقدم رأس القاتل مهراً لكِ
قال جملته الأخيرة وعينيه تلمع ببريق مخيف أثناء قبضه لكف يده فى الهواء .. لم تفهم حورية أن يوسف يرمى إلى شئ ما .. وبالفعل كان هناك قاتلاً فى رأس يوسف .. ترك يوسف حورية تنصرف من أمامه دون أن يمسك بها ..
شارداً مفكراً أن هناك من فى حياتها .. تُرى أيكون هو بائع الجلود .. لم تصل له أخبار تفيد أنها خرجت وقابلته بعد موضوع السوق .. حتما هناك خفاءاً فى الأمور .. أفاق من شروده على الجارية مسعودة أمامه
تقول
- سيدى .. هل تريد شيئاً آخر
فهم يوسف ما تقصد مسعودة .. تلك الجارية الجاسوسة التى تنقل أخبار حورية إلى الحراس الموالين ليوسف يخبروه ، وبالطبع مقابل الدنانير .. أخرج يوسف من سترته الجلدية صرة من الدنانير ، رفعها بيده يقذفها ويلتقطها بكفه أمام وجهها .. وفى آخر قذفة ترك الصرة لتسقط على الأرض بينه وبين الجارية مسعودة .. التى مالت على الأرض تتناول الصرة .. ثم شهقت فزعاً إثر يد يوسف تجذبها من شعرها تحت قدمية راكعة ويقول بهدوء
- هذا لك. .. وسأعطيك المزيد إذا علمت منك ما أريد
إبتلعت مسعودة ريقها وشرعت تقوم من على الأرض لاهثة وإنصرفت من أمامه قابضة بيدها على صرة الدنانير .
البلاد المباركة ج 8
عادت حورية إلى غرفتها وما كادت تدخلها ، حتى أغلقت الباب خلفها وكأن أحد يطاردها ..
قررت تخبر والدها بالأمر .. فلن يغضب كثيراً من ذهابها دون إذن للسوق عند الصعاليق كما بسميهم وسيمنع عنها مطاردة يوسف بن حسيب
لكنها تراجعت تبتلع ريقها ، أنه حتماً سيطرد أم إبراهيم ويبيعها ، ويأتى بمربية, أخرى تكون له جاسوسة عليها .. لا تدرى ماذا تفعل ..
إتجهت إلى الشباك تنظر فى الحديقة تتأكد أن ذلك الكابوس المدعو يوسف قد إنصرف
.. وبالفعل وجدت
الحديقة الخلفية خالية .. ذهبت إلى غرفة أم إبراهيم وسألتها
رغم المخاطرة قررت
- لا تخشى يا أم إبراهيم
قالتها وعادت لغرفتها .. خطت الرسالة بمدادها
.. وقبل أن تلفها ، أشفقت على محمود من طول الطريق للبئر الناضبة .. فذيَّات الرسالة ب (
إنتظرنى عند نهاية طريق المدينة ) .
محمود فى غرفة داره بين جلوده واقفاً .. يكحت الوبر ويزيل الشعر من على الجلد بسكينه ممسكا
.. يتذكر ما حدث اليوم حين كان مع أحد الأعيان مشاجراً .. يفاصل على ثمن قطعة جلد باخساً .. رفض محمود أن يبيعه الجلد إلا بما يستحقه من ثمن .. سب الرجل ولعن .. ولما لم يجد مثلها عند الآخرين .. عاد إليها وبالثمن الذى حدده محمود كان الشارى دافعاً .. إبتسم محمود
متنهداً .. لكلمات المأمون متذكراً .. فعلاً العيب ليس فى الحكام وحدهم .. وإنما على العباد أن يصلحوا أحوالهم .. ماذا لو إجتمع الفقراء على كلمةٍ واحدةٍ ضد الإغنياء ..
إرتسمت صورة وجه المأمون أمام ناظريى
محمود .. ردد بينه وبين نفسه ( آه لوصار القوم المتشدقين بالكلام مثله .. لإنصلح حتماً حال البلاد ) ..حين جالت كلمة الأغنياء بخاطر محمود تذكر أحمد وما حدث بينهما من شجار ..
وجد كلماته تقفز إلى ذهنه ، (يا بائع الجلود عاشق الأميرة .. أتظن أنها تحبك ؟ .. إنها تلهو بك .. أنت واهم) .. ظلت جملة (أتظن أنها تحبك ؟ .. إنها تلهو بك .. أنت واهم ) تتردد فى أذنيه بصدى كبير ، جعل ذلك قلبه ينبض بعنف ..
إنتفخ وجهه وردد بينه وبين نفسه ( أحمد معه حق .. ما أنا إلا دُمية تلهو بها الأميرة .. تتسلى بى حتى تبدد الملل من حياتها ) .. تنهد وقد بدأت
الدموع تترقرق فى عينيه .. أحس بدفء ظهرها حين كان خلفها فوق الحصان تحت المطر ..
إنسالت من عينيه دمعة حين تذكر ذلك المشهد ..
مد ظهر يده يمسحها ، إلا أنه وجد دمعة ثانية تنسال من عينه الأخرى .. فمد ظهر يده الأخرى الممسكة بالسكين يمسح الدمعة .. كادت السكين تقطع جلد وجهه .. إنهمرت الدموع وبكى ..
إزدرد ريقه بينما حلقه يكاد يقفز خارجاً من فرط مكابدته للبكاء .. لم يدرى بنفسه وهو ينهال على جلوده تقطيعاً وكحتاً وكشطاً .. أفاق ليدرك أنه أنجز الكثير من العمل .. لقد تفجرت طاقة غضبه فى عمله .. جلس على الأرض مستنداً بظهره إلى الحائط يلهث .. وجد صورة وجهها ترتسم باهتة أمام عينيه .. ردد فى سريرته ( يبدو أن الأميرة لا تشعر بالملل هذه الأيام .. وحين تشعر بذلك ستأتى لتتسلى قليلا بالصعلوق الدمية حتى تبدد مللها ) .. إرتسمت على وجهه إبتسامة ساخرة .. أفاق من شروده على صوت طرقات على الباب .. ذهب وفتحه فوجد جارية ملثمة .. خفق قلبه وهوى منتظراً أن تكشف حورية اللثام عن وجهها .. إلا أنه
وجدها تمد يدها بلفافة ووردةٍ متفتحة .. إبتسم لها ساخراً
..تناولها هو بينما إختفت الجارية من أمامه ..
دلف عائداً .. دس بالوردة فى طيات ملابسه..
وفتح اللفافة متلهفاً .. وقرأ ما بها .. إبتسم ثم ضحك بسخرية وشرع يمزق اللفافة .. لم تتمزق لأنها من الرق المصنوع من الجلد المرن .. أسرع يحضر سكينه ومزق اللفافة إرباً .. إتخذ قراره ، لن يصير دمية تتسلى بها الأميرة بعد اليوم .
قبل منتصف الليل حسب الموعد .. كان محمود منتظراً عند نهاية طريق المدينة الرئيسى المؤدى إلى الصحراء .. إتسعت عيناه يرقب ما حوله ويرهص السمع وسط الظلام عدا بعض ضوء القمر الناقص .. سمع وقع خطوات جوادٍ يقترب ، نظر تجاه الصوت محدقاً .. رأى الجندى الملثم على الجواد قادماً .. أدرك أنها هى ، لكن دقات قلبه تتسارع مترقباً .. وصلت إليه وسمع صوتها من خلف اللثام
- هيا يا محمود
فى هذه اللحظة تعتمل به الهواجس والظنون ، وما يعلم ركوب الخيل من فنون .. فشل فى إمتطاء الحصان خلفها متوتراً .. سمعا وقع خطوات حصان, يقترب منهما .. صاحت حورية
- أسرع يا محمود
فشل محمود بسبب إزدياد توتره كلما علا صوت وقع خطوات الحصان المقتربة .. فما كان من حورية سوى أن نزلت .. وأسندت محمود
ممسكة بوسطة فنجح فى إمتطاء الحصان ..
باتت حورية خلفه على الحصان بقفزة رشيقة متمرسة من أميرة ، كانت لعشق الفروسية من صغرها أسيرة .. شدت اللجام بقوة لاكزة بطن الحصان بقدميها .. فإنطلق الجواد يعدو ..
وإنبعث الصهيل يدوى ، بينما محمود من أمامها على الحصان متشبثاً .. إنحرفت إلى أحد الدروب الضيقة التى ما كاد ذيل حصانها يختفى
فيه .. حتى وصل أحد الحراس على حصانه حيث كانا يقفان وصاح الجندى
- من هناك ؟
أسرعت حورية وأسرعت ثم إنحرفت إلى طريق آخر ووصلت منه إلى بداية الصحراء ..
صار الحصان يعدو بقدميه تغوص فى الرمال بسرعةٍ مذهلة جعلت قلب محمود ينقبض خائفاً
.. وأخيراً وصلا حيث
البئر الناضبة .. نزلت حورية وتبعها محمود مرتعشاً وسمعها تقول ضاحكة
- لقد كدنا نسقط فى يد الجنود .. يا لها من مغامرة
ردد محمود ساخراً
- مغامرة ؟
صمت يلتقط أنفاسه المتلاحقة وتابع
- ما لك يا محمود ..
أنا أفعل ما أحس به ..
فقط شعرت أنى أريد أن أراك وأتحدث
إل...
قاطعها محمود صائحاً
- فقط شعرتى بالملل فأردت أن تتسلى بدميتك قليلاً .. هذا ما شعرت به .. هه
طقها محمود بعلو صوته وهو يقترب أكثر حتى صارت أنفاسه الملتهبة تلفح وجهها وواصل
الصياح
- لم أكن سأحضر .. لكنى جئت لأبلغك ..
لماذا ؟ .. ألم يكفيكم أنكم سرقتم بلادنا منا
وألقيتم بنا تحت أقدامكم تسحقون وجوهنا
بأحذيتكم الثمينة
صرخت حورية الدامعة المذهولة من كلماته
- أصمت أصمت .. أنت لا تفهمنى .. أنا ..
قاطعها محمود
- كفاك عنى .. لا يمكن للأميرة أن تكون صعلوقة .. ولا يمكن للصعلوق أن يصبح أميراً .. لكن يمكن للأميرة أن تصنع من صعلوق, دمية تلهو بها
فجأة تملكت من حورية نوبة بكاء طفولى وقالت متلعثمة وسط صوت بكائها
- أسكت .. أسك. .
قاطعها محمود الذى وصل إلى حالة فقد فيها السيطرة على نفسه وصاح
- لا أريد أن أراك. .. لا أريد أن أراك. ..
كفاكِ عبثاً بى
لم يكتفى محمود بكلماته تلك .. وإنما كان يدفع حوريه بيديه تجاه الحصان أثناء صرخاته ..
مردداً
- إذهبى عنى .. إذهبى عنى
لم يكن أمام حورية تحت دفعات يد محمود سوى إمتطاء حصانها .. ودون أن تشد اللجام أو تلكز الحصان .. إنطلق الجواد وحده مغادراً وكأنه فهم ما يحدث أمامه ، فجرى بكامل طاقته ، رهوان يسابق الزمن من خلفه
.. بينما محمود القى بنفسه جالساً على الرمال مستنداً بظهره على سور البئر .. شعر أن حلقه قد إنغلق .. والهواء لا يدخل إلى رئتيه .. كابد يلتقط أنفاسه .. دخل فى نوبة بكاء هيستيرى .. تقوقع على نفسه دافسا
" رأسه بين ركبتيه .. ثم بحركة سريعة رفع رأسه يرنو إلى العفرة التى يخلفها جواد حوريه ورائه ، والتى بدأت تتلاشى وسط ضوء القمر الخافت .. فتح فمه ينادى
- حو.. .
شئٌ ما منعه .. كرر المحاولة وصوته يرتعش
والبكاء يزداد
- حور ..
فشل .. كانت رأسه تتحرك يمينا ويساراً مضطربة كالممسوس .. وجد نفسه يهب واقفاً ويعدو بكل ما أوتى من قوة .. لا يدرى هل يريد اللحاق بها مثلاً وقد إختفت تماماً وإنتهى الأمر
.. يشعر أنه يريد أن يجرى ويجرى .. تتردد جملتها فى أذنيه ( إفعل ما تود أن تفعله يا محمود ) .. هو يود أن يجرى ويجرى .. يركض كحصان, هائج .. برزت أوردته وشرايينه وبها الدم يغلى ويفور .. منتصب القامة وقدماه تغوص فى الرمال يركض .. لم يشعر بنعله الذى إنخلع مدفوناً فى الرمال فصار حافياً ..
همَّ يصرخ منادياً عليها ، فمنع اللهاث صوته ..
قطع مسافة كبيرة .. يكاد قلبه يتوقف ، فلا
للنبضات العنيفة المتسارعة ملاحقاً .. خُيّل إلى محمود أن حورية على حصانها أمامه ، بينما هى قد وصلت إلى طريق المدينة .. أسرع أكثر وأكثر يتوهم أنه يقترب منها .. فتح فمه وإستجمع قواه وسط لهاثه العنيف وصرخ
- حوربة
سقط بعدها مغشياً عليه فوق رمال الصحراء.
*************************
ما كاد موضع البئر الناضبة يخلو من حورية ومحمود، حتى كانت عفرة فرسة نادية تقترب .. وصلت ونزلت من على مهرتها وقد صار الوقت قبيل الفجر .. خلف نقابها الأسود وعبائتها السوداء تتمشى حول البئر تفكر
.. فهذه أول مرة تصل فيها قبل هارون المتأخر .. فكت نقابها وتمددت فوق الرمال .. أغمضت عينيها تتنسم هواء الصحراء ثم فتحتها ترنوا إلى القمر الخافت .. إرتسمت على وجهها إبتسامة حين أحست بحصان, يقترب .. لم تتحرك وظلت ساكنة حتى أتاها الصوت
- لقد أفتقدتك يا نادية
هكذا قال هارون بينما نادية محدقة بعينيها الزرقاء فى السماء .. وهم أن يتابع كلماته ، إلا أنه فزع إثر إنقضاض زراعها على مؤخرة عنقه تقبض عليه بكفها ، وجذبت رأسه بقوة لتجعل إحدى أذنيه على فمها وهمست
- لماذا تأخرت ؟
إبتلع هارون ريقه بينما جحظت عيناه وقال
متلعثماً
- لقد خشيت أن يرانى أحد ممن فى القصر
خارجاً
واصلت نادية الممدة عارية همسها فى أذن
هارون
- يبدو أن جواريك قد أخذوك منى يا هارون قالتها بنبرة غيرة ودلال جعلت هارون يبتسم
ويقول
- أنا لم أرى ما يضاهيك جمالاً يا ناد.. .
قاطعته نادية قائلة بنبرة آمرة
- حان وقت الخامسة يا هارون
بدت ملامح القلق والتوتر على وجه هارون الذى قال بنبرة خائفة
- أنا لا أرى داعى لمواصلة ما نفعل .. ولا أعلم كيف تملكين كل هذا المال الذى أعطيتينى إياه ..
وكذلك تدبيرك لأمر القافلة .. ما أنتِ بجارية صمت هارون فى حين نادية ترنوا إلى السماء ولم يبدوا على وجهها أنها تسمعه .. فتابع هارون
- يمكن أن أشتريك بأى ثمن من الوزير بطريق .. وتصبحى معى فى قصرى
تدارك قائلاً
- أقصد قصرك
سحب شهيقاً سريعاً وواصل
- كان هناك رجل" مديون .. ليس معه شيئاً من النقود .. صار ثرياً وعنده جوارى وقصور
.. أتعتقد يا هارون أنه يمكن أن يعود مديوناً يتسول القروض ؟
ما إن إنتهت من جملتها ، حتى أدرات رأسها تجاهه ثم تابعت
- علينا أن نصنع العطر يا هارون .. إنه أروع ما فى الوجود
أومأهارون برأسه ساهماً فى تهديدها له ..
حاول هارون أن يتغلب على ذهنه الشارد المضطرب .. قامت نادية تلف ال**** حول
وجهها تقول
- عليك أن تحضر إلى قصر الوزير بطريق فى الغد بعد العِشاء
قال هارون
- هل الخامسة جارية أو خادمة عند الوزير
بطريق ؟
لم يبدوا على نادية أنها سمعته وتابعت
- حين تصل إلى الباب الخلفى ستجد حارساً
.. قل له أنا من أخبروك به .. سيدعك تدخل وبعدما تعبر الحديقة ستجدنى .. إشحذ خنجرك جيداً
قالتها وقد كانت إنتهت من لف نقابها .. تسائل
هارون
- وكيف سأسلخ الجلد
لم ترد نادية التى أصبحت على مُهرتها وإنطلقت تاركة هارون واقفاً.. إنتبه هارون الشارد لنفسه وإستقل حصانه إلى قصره عائداً .
دخلت حورية إلى غرفتها متسللة مسرعة
بملابس الجنود .. حيث لم تكن فى حالة تسمح لها بإستبدالها .. ألقت بالخوزة وفكت السيف ..
وإرتمت على السرير منهارة فى بكاء متواصل
.. لم تسمع أم إبراهيم التى رأتها عائدة وتتسائل عن حالها .. مر الوقت ووجدت نفسها تهداً وتتوقف عن البكاء .. عادت كلمات محمود تتردد على مسامعها .. بدأ عقلها المشلول يستعيد الحياة .. فعلاً هى تتسلى بمحمود .. رأت عنده ما بدد حزنها وكآبة حياتها .. معه حق .. لقد شعرت معه أنها تحيا ما تقرأه من قصص ومغامرات .. هذه الحقيقة .. هى الأميرة التى إتخذت من الصعلوق دمية تلهيها .. لكن قلبها نبض بعنف وكأنه يقول لها شيئاً .. عاودت التفكير .. لا .. إنها تحبه .. أم تحب مغامرتها معه ؟ .. الصعلوق والاميرة ، يا لها من قصة قديمة .. أغمضت عينيها ثم وجدت نفسها تفزع واقفة وتلم شعرها .. نسيت إرتداء الخوزة والسيف .. وهرعت عارية الرأس تعدو فى الفجر.. وعلى حصانها لم تكن تدرى بما حولها من أمر.. لم تسمع أم إبراهيم تسأل
- أين أنتِ ذاهبة ؟
إلى أين ؟ .. حقاً هى لا تدرى .. لا تعى .. هناك من يقودها .. بالفعل هناك شئٌ يقودها .. إسمه .. الحب .
كان لكمية الأدرينالين المفرزة فى ددمم محمود بسبب المجهود الهائل الذى بذله ذهنياً وجسدياً ، أثراً كبيراً فى أن يفيق من غيبوبته سريعاً .. قام ليجد نفسه ممدداً على الرمال .. لا يدرى ما الذى جاء به هنا .. ظل عقله يعمل متذكراً ما الذى حدث ؟ .. تذكر أن حورية ركبت حصانها وذهبت .. ومن بعدها لم يدرك شئ .. حافيا خطوات متعثرة تصتك أرجله ببعضها سائراً وصل إلى داره بين اليقظة والمنام .. وقد صارت باطن قدميه مهترئة تنزف مما أصابها من جروح من خُشاش الأرض .. ألقى بجسده على الفرشة بين الصحو والأحلام .. بينما
صوت أمه يدوى
- أين كنت يا محمود ؟
البلاد المباركة ج 9
عبلة راقدة على سريرها المهترئ فى دار أبويها الفقراء .. وجهها مصفر شاحباً ، والهالات السوداء تغطى عينيها .. أفاقت لتجد أحمد ممسكاً بيدها وقد غطت الدموع وجهه .. بينما أبويها يتابعان والوجوه مكفره ، قالت أم عبلة صائحة
- النزيف لم يتوقف منذ ليلة الأمس ..
سأشتكيكم عند القاضى
لم يرد أحمد وخرج من الدار مسرعاً .. ركب حصانه وأسرع إلى إحدى ضواحى المدينة يُحضر ابن رشاد أشهر من يمارس الطب فى البلاد ، وقال أحمد محدقاً فى لهفة فى وجه ابن الرشاد العجوز بلحيته البيضاء الكثة
- زوجتى حامل وسقطت من أعلى .. ولا تزال تنزف من الأمس .. هلا أسعفتها يا ابن رشاد
رد ابن رشاد بهدوء
- انتظر قلبلاً
قالها ابن رشاد وهو يتجه إلى أدواته .. وصنع خلط الرشاد وهو مزيج من العسل مع الكمون والمرّة والحلتيتة والحلبة والزعفران .. صب المزيج فى قنينة فخارية ، ثم تناول بعضاً من أعشاب المردقوش و والزعتر والكاموميل ..كذلك أخذ زجاجة بها بعض زيت الزيتون مع بعض حصى اللبان .. جمع ابن رشاد كل ذلك فى حقيبة جلدية وقال
- هيا بنا يا بنى
حمل أحمد ابن رشاد النحيف ووضعه على حصانه وركب هو خلفه وإنطلق حيث عبلة التى دخلت فى غيبوبة .. تفحص ابن رشاد بطن عبلة بكفه وضغط عليها بضع ضغطاتٍ ثم قال
- لقد راح حملها
قالها فى الوقت الذى كان يشلح فيه ثوبها .. طلب من أم عبلة تنظيف مابين فخذيي ابنتها ، ففعات .. ثم أمرها أن تحضر شيئاً تضعه تحت مؤخرتها ليصير نصفها السفلى عالياً .. بعد ذلك شرع ابن رشاد فى إدخال عنق القنينة الفخارية بمهبل عبلة وصب فيه خلط الرَشاد ، ثم قال وهو ينهض من بين فخذيها موجهاً كلامه لأمها
- لا تجعليها تتحرك من وضعها ذلك قبل حلول العشاء .. يجب أن يظل مزيج الدواء
فى فرجها ، ولا يسقط منها إلا بعد حلول لمساء حتى يتوقف النزيف
مد ابن رشاد يده لأم عبله بقنينة وبعض
الأعشاب قائلاً
- إغلى هذه الأعشاب فى الماء ثم إمزجيها بزيت الزيتون هذا .. وإجعليها تشرب بعضا
" منه فى الصباح ، وكثيراً منه فى المساء ..
سيجعل ذلك ألمها يزول
إنصرف الطبيب ابن رشاد .. وأوصله أحمد إلى داره بعدما أجزل له العطاء .. عاد أحمد مسرعاً
وإلى جوار عبلة كان واقفاً .. فتحت عينيها ..
أدركت وجوده فأشاحت بوجهها عنه .. سمعته يقول
- أنتِ لازلت زوجتى .. لقد رددتك إلى عصمتى يا عبلة
تلعثم قليلاً ثم تابع
- ثم أن يمين الطلاق لن يقع .. لأننى كنت مضطر تحت وطأة غضب أمى
قالها أحمد وقد لمح إبتسامة شاحبة على وجه عبلة ، وكذلك أمها تتغامز بفمها ، فأراد أن يبرر موقفه وقال
- وبالوالدين إحساناً .. لقد كنت أهادنها لحظة غضبها
صمت برهة يبتلع ريقه مقطب الحاجبين
وواصل
- أنتِ صفعتها على وجهها كثيراً يا عبلة وأسقطيها أرضاً .. بعدما ستهدأ أمى ..
سأصلح الأمور
وجد أحمد عبلة الواهنة الراقدة ونصفها الأسفل مرفوعاً على كومة من الهلاهيل الممزقة ، وقد أشاحت بوجهها بعيداً لا تريد أن تراه .. فإتجه ناحية أمها ومد يده بصرتين منتفختين من الدنانير وقال
- هذا المال سيكفى حاجتكم لمدةٍ طويلة ..
إبتاعى لعبلة الكثير من الطعام والشراب والفاكهة .. وإجعليها تأكل جيداً حتى تستعيض ما فقدته من الدماء
أرادت عبلة أن تطالب أمها بعدم قبول المال ..إلا أن حالتها لم تسمح بالنطق .. إنصرف أحمد
قائلاً
- سأحضر بعد العشاء أطمئن عليها
بعد العشاء ما كادت أم عبلة تفتح الباب وتجد أحمد أمامها حتى صاحت - عبلة لا تريد أن تراك .. إنتظر
أسرعت أم عبلة تحضر المال تناوله لأحمد قائله
- تقول عبلة لك .. لا نحتاج صدقةٍ من أحد
ردد أحمد - صدقة ؟ .. إنها زوجتى صاحت أم عبلة فى وجهه
- زوجتك ؟ .. لقد طلقتها وكادت أمك تقتلها ..
حين تقوم ابنتى من رقدتها سيكون لنا معكم
شأنٌ آخر
يعلم أحمد أن أبوى عبلة تركوا عملهم فى السوق بعدما تزوج من عبلة وينفقون مما يعطيهم هو من مال .. فكما قال أبيه لا يصح أن يكون نسب ابن الأعيان بائعى لبن فى السوق .. وقال
- لقد رددت عبلة إلى عصمتى .. هى زوجتى شرعاً .. وهذا المال ليس بصدقة
قاطعته أم عبلة
- لم تعد زوجتك .. وخذ مالك وإنصرف
رد أحمد متلعثماً
واهن
- وهل ستعيد لى إبنى ؟
أسرع أحمد يقول بحماس - سيخلف اللـه علينا يا عبلة
ابتسامة ساخرة شاحبة إرتسمت على وجه عبلة
وهى تقول
- أنا منشغل" ليل نهار يا عبلة كى أصلح أحوال تجارتى .. فأحوال البلاد تسوء ..
وتكسد معها تجارتى .. لقد جمعت كل المال وتدبرت أمر قافلتين فى الطريق ..
وسينصلح بعدها الحال .. سأشترى داراً نعيش فيه وحدنا بعيداً عن أمى وقصر أبى ضحكة خافتة تخرج من فم عبلة وتقول
- أنت طيبٌ يا أحمد .. لكنك ضعيف ..
والضعيف لا يصلح أن يكون رجلاً شرد أحمد فى كلمات عبلة الأخيرة .. ولكنه لم يحزن .. لماذا ؟ .. لأنه نفسه يشعر بذلك .. كثيراً ما تمنى لو خلقه اللـه رجلاً جريئاً لا يستحى من أتفه الأمور .. كثيراً ما تمنى لو كان مثل صديقه محمود .. أفاق من شروده على صوت عبلة
- إذهب يا أحمد وإرعى تجارتك .. سأقبل منك المال هذه المرة .. لكن إنسى أنك تزوجتنى يوماً .. ولا أريد منك شئ
قالتها عبلة وهى تعيد دفس رأسها فى فرشتها وسمعت أحمد يقول
- سأتركك حتى تهدأين يا عبلة .. إعلمى أنك.
لازلت زوجتى شرعاً .. حين أشترى الدار بعدما أفرغ من أمورى بعد أيام .. سأحضر
لأخذك
قالها أحمد وهو يميل برأسه ليطبع قبلة على جبين عبلة .. شعرت هى بذلك فمدت يدها وقد تباعدت أصابع كفها على صدره تمنعه من الإقتراب منها .. لحظات من الزمن تشابكت فيها عيون أحمد المبتلة بالدموع مع عيون عبلة الواهنة من التعب .. إنتصرت عيون أحمد حيث أزاحت عبلة يدها .. مفسحة الطريق أمام أحمد الذى واصل الإقتراب من رأسها وطبع قبلة حانية" على جبينها .. ثم إنصرف من أمامها مغادراً .. بينما هى تحدق فى الفراغ وأمام عينيها وجهان يتصار عان .. وجه أحمد .. ووجه محمود .
************************
كان محمود بين الصحو والمنام ملقى على ظهره فوق الفرشة ، بعدما عاد من لقاء حورية .. لا تطرف عيناه فى سقف الدار محدقاً .. وفجأة أفاق على صوت طرقات محمومة على الباب .. لا يقوى بجسده المنهك على النهوض .. سمع صوت أمه من غرفتها تصيح
- من الذى يطرق بابنا الفجر ؟
توقفت الطرقات بعد سؤال أمه .. نهض محمود
متثاقلاً يفتح الباب متخدلاً .. وجد حورية وشعرها متناثر فوق كتفيها .. وعيناها مفتوحة على آخر هما تحدق فى وجهه وكأنها تستعيد ذاكرة مفقودة .. ألقت بنفسها على صدره وإنهمرت دموعها
.. بينما محمود واقفٌ متجمد وزراعاه مرتخية على جانبيه .. إستجمع قواه كمشلول يكابد لتحريك زراعيه، وصل بهما حتى ظهر حورية .. جاهد من أجل أن يحيطها بزراعيه .. جاهد وكابد حتى تمكن من إحتضانها بقوة .. أمسك رأسها يجعلها على كتفه ووضع رأسه على كتفها وبادلها البكاء .. صوت من داخل الدار يصيح
- ماذا هناك يا محمود ؟
هكذا سألت أم محمود .. فأدركت حورية أنهما لا يزالا على الباب .. دخلت ومعها محمود وأغلقت الباب وقالت وهى تمسح دموعها
- أنا جارية فى قصر الأمير غسان يا أم
محمود و
قاطعتها أم محمود صائحة
- وماذا تريدين بعدما فعلتم بابنى ما فعلتموه من قبل ؟
ردت حورية بهدوء
- على رسلك يا أمى .. هى ستبقى معى قليلاً
وتنصرف
واصلت أم محمود صياحها مندهشة
- وما الذى بينك وبين تلك الجارية .. ليست
منا ولسنا منها
إتجه محمود صوب أمه ووضع يده حانياً على كتفها وقال
- أنا أريدها أن تبقى معى يا أمى .. لا تقلقى ..
عودى إلى نومك
حدقت أم محمود قلقة فى وجه ابنها تدير نظراتها بينه وبين حورية التى كانت تنظر إلى الأرض متشاغلة ، وقالت أم محمود
- لن يُغمض لى جفن حتى أعرف ما يحدث يا محمود
بنظرة إستعطاف سددها محمود لعينيي أمه قال
- إذهبى لنومك الأن .. وفى الصباح سأحكى معك .. أرجوك يا أماه
إمتثلت أم محمود لرجاء ابنها ودلفت لغرفتها لا لتنام ولكن لترهص سمعها عسى تفهم مايدور بين إبنها وبين تلك الجارية .
جلست حورية على الفرشة وبدا لمحمود أن زى الجنود الذى ترتديه حورية يعيق أريحيتها .. فأحضر جلباباً من ملابسه وقبل أن يقول شيئاً ، كانت حورية قد قامت وأخذته من يده .. وتحت ضوء نار القنديل القديم الوحيد المشتعل رأت أم محمود المتلصصة وسط ظلام غرفتها حورية وهى تخلع زى الجنود ثم ترتدى جلباب ابنها
.. جلست حورية إلى جوار محمود تتفحص الجلباب الرجالى ..ضحكت بخفوت تقول
- كم وددت أن أرتدى جلباباً كه..
بترت جملتها تنقل عينيها من على الجلباب إلى وجه محمود تخشى أن يكرر ما قاله لها فى الصحراء .. قرأ هو نظرتها المترقبة ، فرد عليها بنظرةٍ باسمة .. إبتسمت حورية لتلك
النظرة وقالت
- ما قلته لى يا محمود غير صحيح .. ما أنا بالأميرة التى تلهو باللوق .. أنا الأميرة
التى أحبت رجلاً دون أن تنظر إلى أية قيود
.. أقسم لك
صمتت ترقب وجه محمود ونظراته المتشككة وعلت حاجباها فى جاذبية أنثوية وهى تهمس
- أنا أحبك يا محمود
كانت أم محمود فى هذه اللحظة قد إعترى قلبها خوفٌ رهيب ، حين سمعت الحوار الأخير .. لم تعد ترغب فى سماع المزيد .. رقدت على سريرها مفتوحة العينين ولم تعد تسمع ما بالخارج .. ولا تريد أن تسمع .. فى الوقت الذى كانت حورية .. ترنوا إلى وجه محمود خائفة تترقب .. لم ترى على وجهه أية أثر لما قالته فرددت
- أنا أحبك يا محمود .. هل تصدقنى ؟ أخيراً نطق محمود بصوت مختنق بعض الشئ جالساً يحيط ركبتيه بزراعيه - أصدقك يا
حورية
دفعت نبرته التى نطق بها الجملة حورية لتقول
- ألا تحبنى يا محمود ؟
إبتسم محمود وتغيرت تعبيرات وجهه وقال
- أنا أحبك يا حورية
لم تتبدل ملامح حورية وقالت
- لو كنت تحبنى لفعلت مثلى
قالتها وهى تشير إلى معصم يدها .. نظر محمود حيث أشارت حورية .. فوجد المنديل الذى عليه
دمه مربوط على معصم حورية .. وسمعها
تواصل
- ألم أقل لك أنه إذا تبادل حبيبين دمائهما فلن يفترقا
قالتها ومحمود يخرج من طيات ملابسه قطعة الطرحة التى عليها ددمم حورية .. حدقت حورية فى وجهه وقالت
قام محمود بوضع شفتيه على شفتيها وتركهم .. ردت هى بفتح فمها قليلاً .. إستجاب هو بدس شفتيه فى فمها مهيلاً .. قضمت هى شفتاه بشفتيها قليلا"
.. فجأة توقفا .. نظرت حورية فى وجه محمود باسمة وقالت
- أنا أهب نفسى زوجةً لك
زاغت عيون حورية على وجه محمود وتابعت بهمس تثبت عينيها على عينيه
- أو حتى جارية
قالتها لتجد محمود يمسك برأسها بين راحتيه ويقول
- إذا كنا إتفقنا على أن نحيا ساعتنا ولا نفكر فى شىء آخر .. فعلينا ألا نجعل ساعتنا تنسينا ما بيننا
صمت يرنوا فى عينيها وتابع
- لقد إنقضى الفجر .. عليك أن تعودى إلى قصرك قبل أن يكتشف أحد أمرك
قالها محمود وهو ينهض وتبعته حوريه وإرتدت زى الجنود .. أحضر لها محمود طرحة من ملابس أمه .. إرتدتها حورية سعيدة بها .. وقالت
- أريد أن أراك عند البئر الناضبة يا محمود فى الغد كما الوقت
رد محمود مندهشاً
بعدما غادرت حورية رقد محمود على فرشته وأخرج من جيب جلبابه الوردة التى كانت حورية قد أرسلتها له مع رسالتها .. أمسك بالوردة الممزقة بين أصابعه يفركها .. وما أن إشتم ، نام على أريجها .
إستيقظ فى الصباح على صوت أمه توقظه ليحمل جلوده ويمضى إلى السوق ، بالكاد فهمت منه وسط غيابات النوم التى تغرقه أنه متعب ولن يذهب للعمل اليوم .. صحا على الظهر ووجد أمه تعد الطعام .. إغتسل وأعدت له أمه بعض الطعام .. وأثناء تناوله للطعام كانت أمه تحدق فى وجهه وقالت
- محمود .. الفتاة التى كانت هنا بالأمس ..
أهى تلك الأميرة التى لطمتك ولطمتها وحدث لك فى قصرها ما حدث ؟
لم يرد محمود وظل يقضم قطع الخبز ، فتابعت أمه
- محمود .. أنا أخشى عليك يا بنى فقد
سمعتكما بالأمس .. تزوج يا بنى من واحدةٍ منا وإبتعد عن تلك الأميرة .. فمالك بأهلها إذا علموا وأرادوا بك شراً
تنهد محمود وهو يبتلع طعامه وقال وهو ممسك بقلة فخارية بيده
- تطلقت عبلة من ابن الأعيان .. وسقط حملها بعدما ضربتها أمه
سحبت أم محمود نفساً عميقاً وتابعت
- لماذا لا تتزوجها يا محمود ؟ .. لقد ألححت عليك لتتزوج بها قبلما يحدث ما حدث ..
إترك ما تفعله مع هذه الأميرة يا بنى وتزوج
عبلة
لم يرد محمود وقام إلى غرفة الجلود وإنتقى بعضاً مما صنع ثم حملها على كتفيه وخرج من الدار قائلاً
- أنا ذاهبٌ إلى السوق يا أمى .. عسى اللّٰه أن يرزقنى عن ما فاتنى من الصباح
وبالفعل منّ اللـه على محمود بالرزق الوفير رغم ذهابه للسوق بعد الظهر .. فقد باع كل بضاعته .
حيث ما كاد محمود يعد فرشته ويستف جلوده حتى وجد المأمون أمامه يقول بصوته الوقور
- كيف حالك يا محمود ؟
نهض محمود مسرعاً يحيي المأمون وقال
- أهلاً بك يا سيدى
رد المأمون محتداً مقطب الحاجبين
- أنا لست سيدك .. نادنى ب مأمون
نظر محمود بخشوع لوجه المأمون بقسماته
المريحة وسمعه يواصل
- كنت أمر بالسوق أنظر أحوال الناس والعباد ..
وحين رأيتك جنت أسلم عليك .. لكنى أود أن أبتاع منك الجلود
قالها وهو يشير بأصبعه لرجلين من حوله ..
أسرعا بحمل الجلود من أمام محمود ، بينما المأمون أخرج صرةً كبيرة من الدنانير ومد يده بها لمحمود الذى قال
رجلين من حوله محملين بالجلود .. بينما محمود
ممسك بصرة الدنانير وعلى وجهه علامات الفرح والسرور .
عاد محمود لداره سعيداً يصنع المزيد من الجلود حتى حان الموعد .. سار على قدميه حتى وصل إلى نهاية طريق المدينة .. فزع محمود حين رأى جندياً يقف هناك ، فى المكان الذى يتقابل فيه مع حورية ..
أراد أن يوهم نفسه بأن الجندى على حصانه ما هو إلا حورية سبقته رغم أن الوقت لم يحن .. إقترب وإتضح له أن الجندى غير ملثم الوجه .. فلا يمكن أن يكون حورية .. دار بجسده مبتعداً فسمع الصياح
- إنتظر أيها الرجل
فكر محمود لبرهة أن يجرى .. إلا أنه أدرك أنها ستكون مطاردة غير متكافئة .. تجمد مكانه حتى أدركه الجندى الذى دار حوله بحصانه وقال بصوت خشن ونبرة مخيفة
- من أنت ؟
إزدرد محمود ريقه وقال بصوتٍ واهن
- كنت أتمشى عائداً لدارى
نزل الجندى من على حصانه قابضاً بيده على مقبض السيف المستقر فى غمده ، ينظر إلى وجه محمود الذى يرنو للأرض بين الحين والاخر .. أضاق الجندى عينه اليسرى وهو يتفحص ملامح محمود ، فما لبث أن إتسعت عينيه و علا حاجبه الأيسر وقال
- عُد إلى دارك ولا تخرج هكذا فى الليل قالها الجندى فى الوقت الذى ما كاد محمود بسمع جملته حتى ولى من أمامه مغادراً بخطوات مسرعة .. بينما إمتطى الجندى حصانه يلكزه بقوة صائحاً
- هع
وصل الجندى إلى أحد زملائه وقال
- إذهب إلى دار القائد يوسف ..وأخبره أن بائع الجلود الذى كان قد قبضنا عليه من قبل ذلك الذى كانت معه ابنة الأمير غسان فى السوق .. يبدو أنه يفعل شيئاً مريباً عند طريق المدينة .. وأنا سأقتفى أثره
كان قلب محمود يدق بعنف .. توقف عن السير فجأة .. يتسائل ماذا يفعل ؟ .. حين تحضر حورية ستجد الجندى أمامها .. سينكشف أمرها فكر أن يهرع حيث قصرها .. لكن ماذا سيفعل هناك .. وأنها الآن بالتأكيد فى الطريق .. وجد نفسه يدور فى الدروب والطرقات حتى عاد إلى المكان الموعود .. إختفى خلف جدار دار، وسط الظلام يرقب .. فلم يجد الجندى واقفاً .. ظن أنه ربما يكون قد إنصرف وإنتهى الأمر ..بخطوات ، حذرة سار حتى موضع اللقاء .. يتلفت حوله خائفاً .. تحول خوفه إلى هلع حين سمع وقع خطوات حصان, يقترب .. جرى يختفى بناصية الطريق .. ولما رأى الجندى الملثم وصل إلى المكان الموعود يتلفت حوله يبحث عن شئ ، أدرك أنها حورية المتخفية بزى الجنود .. أطلق ساقيه نحوها وقفز فوق الحصان خلفها .. نجح من المرة الأولى لأول مرة .. قال متوتراً
- هيا يا حورية أسرعى
إمتثلت حورية تشد اللجام وتلكز بطن الجواد بقدميها فينطلق ، وسمعها محمود وقد إخشن صوتها خلف اللثام الذى يغطى نصف وجهها
ينظر خلفه بين الحين والاخر .. وهكذا نجا محمود وحورية .. كما ظن محمود .. ولكن الأمر لم يكن كذلك .. كان الجندى ورائهما على مسافةٍ لا تسمح لهما أن يشعرا به وسط الظلام .
وصلا إلى البئر الناضبة ونزل محمود قائلاً
- لقد ظننت أن أمرنا قد إفتضح .. لم أصدق حين تركنى الجندى أمضى ، ومضى هو فى طريقه .. حين كان ينظر لى شعرت أنه
يعرفنى
عكس محمود المتجهم ، كانت حورية تبتسم بعدما نزلت من على ظهر الحصان .. وما أن أنهى كلامه حتى ضحكت وقالت
- ليتنى كنت معك لأرى شكل وجهك أمام
الجندى
حدق محمود فى وجهها ورد بنبرة ساخرة
- شكل وجهى ؟ .. أهذا كل ما يهمك وكأنها لم تسمع شيئاً من محمود تابعت
ضحكاتها وقالت
من محمود وأمسكت بيده تجذبه تجاه الحصان ..
مدت حورية يدها تتحسس الحصان الذى إرتعش جلده تحت يدها الناعمة وقالت
- قال الجاحظ يا محمود لم تكن أمة قط، أشد عجباً بالخيل، ولا أعلم بها، من العرب.. ألا تعلم يا محمود أن الخيل لها دورُ بارزٌ في حياة العرب.. وتركت أبلغ الأثر في لغتهم وأدبهم وطباعهم ..وألهبت أخيلة الشعراء، فتغنوا بشجاعتها ورشاقتها وخيلائها.. وحفظ العرب أنسابها، بقدر ما حفظوا أنسابهم
أراد محمود أن يقول شيئاً حتى لا يبدو جاهلاً أمام حورية فقال
- يقولون أن عز المرء ثلاث .. زوجة صالحة .. وحصانٌ أصيل .. وسيفٌ بتار
قالها محمود كما لو كان عالماً ببواطن الأمور حيث كان يحرك رأسه لأعلى وأسفل كواثقٍ فى نفسه .. فباهتته حوريه سائلة
ذات يوم كان سليمان عليه السلام يستعرض
الألف فرس .. وشغله ذلك حتى غابت
الشمس ، وأدرك فوات الصلاة بعدما تفحص تسعمائة فرس .. ففزع يصلى ثم عاد يكمل تفحص المائة فرس, الباقية وقال (هذه المائة أحب إلى من التسعمائة التى فتنتنى عن ذكر ربى ) .. وهذا تفسير قوله تعالى ( ووهبنا لداود سليمان ، نعم العبد إنه أواب ..إذ عُرض عليه بالعشى الصافنات الجياد ، فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بال**** .. ردوها علىّ فطفق مسحاً بالسوق والأعناق )
قالتها حورية وهى تتحسس ظهر حصانها هائمة العينين .. أفاقت حورية على صوت محمود
يقترب ويتحسس الحصان قائلاً
- وأكملى وماذا حدث ؟
ردت حورية بضحكة وقالت
- هل تعلم أول فرس إنتشر فى العرب ؟
- يبدو أننى إلى جوارك لا أعلم شيئاً
قالها محمود مبادلاً حورية الضحك وقالت
هى
سليمان لهم بفرس من خيل دواود .. كان هذا الفرس يا محمود هو زاداً بالفعل.. حيث لم يكن أحد يركبه ويحمل رمح ، إلا وتمكن من صيدٍ يكفيهم ويشبعهم .. فقال الأزديون ما لفرسنا هذا اسم سوى زاد الراكب .. وكان هذا أول فرس إنتشر بين العرب من تلك الخيل
صمتت حورية ووجهت نظرها على وجه
محمود وقالت
- الان علمت تاريخ الخيل .. هيا أعلمك كيف تصير فارساً .. أنظر لى كيف أمتطى
الحصان
شاهد محمود حورية كيف تمتطى الحصان بأكثر من طريقة .. تارةً وهى واقفة إلى جواره ..
وتارة وهى تجرى من على بعد خطوات ثم تقفز عليه .. ثم قالت لاهثة
- الحصان يا محمود له حاسه تمكنه من الشعور بالخطر .. وكذلك تمييز صاحبه ..
وهو لا يعرفك فرفض أن تمتطيه .. عليك أن تجعله يز عن لك
لم يرد محمود وإكتفى بنظرة مفادها كيف ..
تابعت حورية
- إقترب من رأسه يا محمود وأنظر فى عينيه وإمعن فيها
فعل محمود حيث أمعن النظر فى عين الحصان تحت ضوء القمر المكتمل بدراً .. سرعان ما رفع الحصان برأسه وأصدر صهيلاً عالياً ، محركاً قدميه الأمامية .. وشعر ذيله يتناثر فى الهواء .. فقالت حورية
- هكذا يا محمود كانت نظرة عينيك .. رأى الحصان فيها خوف وضعف .. فتمرد عليك ..
إمعن النظر فى عينه بنظرةٍ قوية ومسيطرة
تنهد محمود بزهقٍ وقال
- يبدو أننى لا أنفع سوى أن أكون صعلوق ..
مال أمثالى بالفروسية
قالها وهو يمعن النظر فى عين الحصان بنظرة قوية ومسيطرة جعلت ملامح وجه محمود تتقلص .. سرعان ما طأطأ الحصان رأسه إلى الأرض ولامس فمه رمال الصحراء .. وذيله مرتخى على مؤخرته .. وصاحت حورية
- أرأيت .. هكذا شعر بنظرتك القوية فإستكان لك .. إمتطيه الان
إعتلى محمود الحصان المستكين له وأستقر فوقه
.. إبتسم قائلاً
- ربما أفلح فى أن أكون فارساً
قالها وهو يشد اللجام فسار به الحصان حثيثاً ..
ضحك محمود سعيداً بعدما نجح فى أول دروس الفروسية .. وقال
- هل أصبحت فارساً الآن ؟
ما كاد ينطقها حتى ثار الحصان وقفز بقدميه
الأمامية لأعلى فكاد محمود يقع إلا أنه تشبث جيداً .. ضحكت حورية وقالت ساخرة
- نعم الآن أصبحت فارساً يا محمود
تنهدت بعد الضحكات وقالت
- لا تبقى اللجام مشدوداً بين يديك .. فذلك يجعل الحصان يثور مثلما فعل .. بعدما يسير بك الحصان إرخى اللجام .. وعندما تريده أن يزيد سرعته إجذب اللجام وإرخيه بتتابع سريع ، وإلكز بطنه بقدميك .. وحيث تشد اللجام سيغير هو الإتجاه .. وعندما تريد أن توقفه إجذب اللجام بقوة وابقيه مشدوداً فعل التلميذ ما يسمعه من معلمته .. وبدأت سرعة الحصان تزداد وتزداد وهو يدور حول
البئر .. أراد محمود أن يجعل حورية ترى فارسها .. فلكز باطن الحصان بقدميه مع تتابع جذبه وإرخائه للجام .. فإنطلق الحصان مبتعداً يعدو .. شعر محمود بهواء الصحراء يدغدغ وجهه بسبب سرعة الحصان .. أغمض عينيه ووجد نفسه يبتعد ويبتعد عن حورية .. فقد السيطرة على الحصان .. ماذا يفعل ؟ .. جذب اللجام تجاه اليمين بقوة فإستدار الحصان بعنف ..
إختل محمود ومال جسده يساراً ولم يبقى على ظهر الحصان سوى رجله ويده اليمنى المتشبثة بالسرج .. تمكن محمود بمعاناة من إعادة نفسه على ظهر الحصان وقد صار فى الطريق الصحيح عائداً حيث البئر .. وحين إقترب جذب اللجام خفيفاً وأبقاه مشدوداً .. فأبطأ الحصان من سرعته .. ثم جذب محمود اللجام فتوقف الحصان عند البئر .. ضحك محمود سعيداً
منتظراً ما سوف تقوله حورية ..إلا أنه لم يجد حورية .. ظل يدور برأسه فى جميع الإتجاهات .. لا يرى أثراً لها .. ورغم ضوء البدر إلا أن مجال الرؤية محدود بالنسبة له بسبب إتساع الصحراء الشاسعة .. نزل محمود من على الحصان يلهث متلهفاً وجسده يدور فى كافة الإتجاهات يصيح
- حورية .. حورية
علا صوته أكثر
- حوريية .. حوريية
جحظت عيناه وإنتفخت أوردة وجهه يصيح
- حوريييسية .. حوريسيسيسيية
لم ترد حورية .
فى هذه الأثناء وقد إقترب الوقت من الفجر ..
*****************************
إستيقظ يوسف فى غرفة نومه على صوت إحدى جواريه تلكزه فى كتفه قائلة
- جندى بالخارج يقول أن هناك أمراً هاماً ..
لا يحتمل التأجيل للصباح
نخر يوسف وقال
- دعى هذا الغبى يدخل
همت جمانة بالذهاب للسماح للجندى بالدخول وقبل أن تعبر باب الغرفة .. سمعته يقول بصوت متحشرج
- اخبريه إن لم يكن لديه ما يستحق ..
فسأسجنه شهراً
دقيقة ودخل الجندى بزيه الكامل ويده على مقبض سيفه .. نظر إلى وجه سيده النائم مغمض العينين وقال
- سيدى القائد .. لقد عثر أحد زملائى على الأميرة متخفية بزى الجنود ومعها بائع الجلود ، عند طريق المدينة .. ذهب هو ورائهم .. وجئت أخبرك كما طلبت أن هذا الأمر لا يحتمل التأجيل
فتح يوسف عينيه الناعسة .. إعتدل يتثائب جالساً على طرف السرير .. تنهد بعمق وقبل أن ينطق بشئ .. كانت الجارية جمانة تدلف صائحة
الناعسة يقول
- سيدى القائد .. لقد ظهر القاتل
ردد يوسف وقد أفاق
- لقد قُتلت زوجة الوزير بطريق ..جثتها مسلوخة فى قصر الوزير .. الجلد لم يكن موجود
إبتلع الجندى ريقه وتابع
- وقد عثرنا على رسالةٍ مع الجثة
تحولت عيون يوسف لعيون صقر .. ودون أن ينطق بشئ قام مسرعاً يرتدى ملابسه وإنطلق حيث قصر الوزير بطريق .
***********************
ظل محمود يدور حول نفسه لا يدرى ماذا يفعل
.. مرعوباً فزعاً يصيح
- حوريييييية .. حوريبييييييي
وفجأة إنقضت عليه من الخلف زراعان تطوقان رقبته .. إستدار للخلف بحركة غريزية يطيح بالزراعين ، فوجد وجه حورية غارق فى نوبة ضحك .. ظل محمود محدقاً بذهول يبتلع ريقه لاهثاً بعنف .. بينما حورية تترنح على الرمال من فرط الضحك وقد إستبدلت زى الجنود بالثوب الرقيق الذى لا يفارقها فى لقائاتها مع محمود .. قال محمود وسط لهاثه المحموم
- أنت أميرة مجنونة بحق .. لقد كدت أموت رعباً من أجلك
توقفت حورية فجأة عن الضحك وإرتسمت على وجهها الجميل ملامح الجدية تقول صائحة
- من أجلى ؟ !! .. لقد أكتشفت أنك لا تحبنى .. كل ما فعلته من أجلى أنك وقفت مكانك تدور حولك وتنادى علىّ .. إختبئت خلف سور البئر لأرى مدى حبك لى ، لكنك خذلتنى
ردد محمود مندهشاً
قاطعته حورية بغضب ووجهها الملائكى قد صار أحمراً
- كنت أريد أن أراك تركض وراء من إختطفونى لتنقذنى .. ماذا فعل لى دورانك حول نفسك وندائاتك على"
قالتها وهى تدور حول نفسها تحاكى ما كان يفعله محمود الذى صاح
- أحياناً أشعر أن لك عقلاً ناضجاً .. وأحياناً
أراكِ بنتاً تافهة
ردت حورية وهى تجلس على الرمال مستندة بظهرها على سور البئر ، وتحيط ساقيها بزراعيها
- لا أريد أن أسمع صوتك .. أنا غاضبة" منك إقترب محمود ليجلس بجوارها فصاحت بحنق
- لا تقترب منى
تلفت محمود حوله فرأى زى الجنود الذى إستبدلته حورية مكوماً إلى جوار سور البئر ..
إتجه إليه وتناول السترة الجلدية .. لفها جيداً وإحكم رباطها .. ثم ركلها بقدمه بكل ما أوتىً من قوة ، فطاحت بعيداً .. وقف مكانه ، ثم فجأة دار حول نفسه صائحا
- حورية أفيقى يا حورية .. سأنتقم لك.
ندمج محمود فى ادائه التمثيلى ، حتى افاق على سوت ضحكات حورية العذبة تقول
- لقد سامحتك يا محمود
بادل محمود حورية الضحكات ، وجلس ملاصقاً لها يستند برأسه على سور البئر ، وقال
- أنا لم أقابل مخلوقاً غريباً مثلك فى حياتى
يا حورية
تنهدت حورية وسحبت نفسها للأسفل لتصير ممدة على الرمال وتمدد محمود إلى جوارها وسمعها تسأل
- هل تعلم ماهى اطوار العمر يا محمود .
قالتها وهى ترنوا بعينيها إلى القمر المكتمل بدرا
.. ورد محمود
- هى ثمانية أطوار .. بعد البدر يصير أحدب ثم تربيع أول ثم هلال فمحاق .. ثم تتكرر هذه الأربعة ثانيةً.. هلال ، تربيع ثانى ، أحدب ، بدر
ضحكت حورية قائلة تتصنع الإنبهار بمحمود
- كنت أظنك صعلوقاً جاهلاً
ضحك محمود وقال وهو ينظر لوجه حورية
بحبٍ وحنان
- كدت أن أكتب شعراً لكِ.
فزعت حورية حين سمعت جملة محمود ومالت على جنبها الأيسر جاعله رأسها فوق رأس محمود الراقد على ظهره وقالت مشدوهة
- لم أكتبه
إمتقع وجه حورية وخبطت على صدر محمود الذى تاوه ، وعادت ترقد على ظهرها تقول
- أكيد أنك أستيقظت من النوم قبلما تكتب ..
تماماً كالحلم الذى لم يحدث فيه شئ ضحك محمود وقال
- أنا جاد .. ولا أمازحك
لم ترد حورية ترنوا بعينيها إلى نجوم السماء والبدر .. وسمعت محمود يقول بصوتٍ آثر
- ما كنت ممن يدخل العشق قلبه لكن من يبصر جفونك يعشق
أغرّك مني أن حبك قاتلي
وأنكِ مهما تأمري القلبَ يفعلُ
يهواك ما عشت القلب فإن أمُت يتبع صدايَ صداك في الأقبر
لقد دبَّ الهوى لكِ في فؤادي دبيب ددمم الحياة إلى عروقي وإني لأهوى النوم في غير حينه
لعل لقاءٍ في المنام يكون
صمت محمود بعد هذه الأبيات .. ليجد عيون حورية دامعة أمام عينيه تهمس
- أهكذا تحبنى يا محمود
رد محمود بذات الهمس وحاجباه تعلو
- أكثر يا حورية .. ليتنى أجد من الكلمات ما يعبرُ لكِ عن حبى
ردت حورية مسرعة
- أنا لا أحتاج الكلمات .. يكفينى نظرة
عينيك الآن
قالتها وهى تحدق فى عينيي محمود الدامعة ..
أرادت حورية أن تستبدل الشجن الذى حل بهما بشئ آخر فقالت
- لكنك تكذب علىّ فى البيت الأخير .. كيف تهوى أن تنام فى غير حين نومك لتلقانى فى الحلم .. وبعدما تلقانى .. تستيقظ من النوم دون أن يحدث شئ ، كما أخبرتنى عن حلمك معى من قبل
ضحك محمود وقال
- أنا لا أكذب يا حورية .. حين أخبرتك أنه لم يحدث شئ ، كانت هذه هى الحقيقة ..
وقلت لك أنه إذا إكتمل سأحكيه لك.
صمت يبتسم فى وجه حورية ثم أردف
- وقد إكتمل بالأمس بعدما تركتينى
وضعت حورية كفيها على خديها ، وسحبت شهيقاً عميقاً له صوت وإتسعت عيناها تهمس
- إكتمل ؟
أوما محمود برأسه إيجاباً .. فتابعت حورية وهى تضع رأسها على صدر محمود الممدد
تقول
- هيا إحكى لى
وقبل أن ينطق محمود أردفت حورية
- إحكى لى كل شئ بالتفصيل
قال محمود
- كنت أقبل أروع فتاةٍ على الأرض ..
وصرنا عاريين .. إحتضنتك على صدرى
.. ثم بتر محمود كلماته إثر يد حورية التى أطبقت على فمه ، وهى ترفع رأسها من على صدره ، وتجعل وجهها أمام وجهه وهمست بصوتٍ مبحوح خافت
- لا أود أن تحكى لى ما حدث فى الحلم صمتت ورموشها الطويلة تتحرك مع جفونها فى إثارة ، ثم تابعت
- بل إفعل كما حدث فى الحلم
رد محمود
- كما قلت لك .. إن كنا إتفقنا على أن نحيا ساعتنا .. فلا يجب أن نتركها تسرقنا
ضحكت حورية وقالت
- لا أشعر كم مرَّ من الوقت .. معك يا محمود لا أشعرُ بالزمان
قالتها حورية بينما نظر محمود فى السماء
وقال
ما إن سمعت حورية جملته حتى هبت
واقفة وإرتدت زى الجنود متخفية ..
وسبقها محمود إلى الحصان صاعداً ..
ركبت حورية خلفه وقالت
- الآن أنت الصعلوق الذى صار فارساً شد محمود اللجام ولكز بطن الحصان ، والصهيل يدوى ..
وعند المكان الموعود نزل محمود لحورية
تاركاً .. مضت هى فى طريقها إلى قصرها ..
وسار محمود على قدميه عائداً.. ما كاد يسير
ضعة خطواتٍ ، حتى وجد عددٌ من الجنود يحيطون به وأحدهم يصيح
- لقد قبضنا على القاتل
بعد قليل من نطقها .. تكاثر الجنود من حوله .. بينما محمود يدور حول نفسه تائهاً .. بدأ عقله يخبو من منظر الجنود المتكالبة .. ضبابٌ يحجب الرؤية عن عينيه .. وبضربةٍ من مقبض سيف على مؤخرة عنقه ، فقد الوعى .
كان القبض على محمود هو الأمر الذى صدر من قائد الشرطة يوسف بن حسيب .. فكل الأدلة تشير إلى القاتل بائع الجلود .. يقتل ويسلخ الجلود ، ليصنع منها الرقوق ويبيعها فى السوق .. الأمر واضحٌ كالشمس منذ البداية .. هذا هو القاتل الذى كان فى عقل يوسف .. كان ينتظر الدليل .
**************************
قبل ذلك بساعات .. بعد العِشاء كان أحمد على سريره ممدداً .. لا يكف عن التفكير فى عبلة .. دخلت عليه رمانة مسرعة و على وجهها علاماتٌ مفزعة .. حدق أحمد فى وجهها متلهفاً .. إبتلعت ريقها زائغة العينين ونظرت إلى الأرض تقول بصوتٍ مرتعش
- سيدى .. لقد أغار على قافلتك قطاع الطريق ونهبها اللصوص
فزع أحمد من مرقده مهرولاً .. يرتدى ثيابه تائهاً .. خرج على حصانه يعدو إلى مخازن بضاعته ، علَّ الخبر يكون كاذباً .. ولما أدرك أنها الحقيقة ، بكى تماماً كالأطفال ، أو بالأحرى كما النساء .. إلتف حوله من يعملون لديه من خدمٍ وعمال .. يواسونه فى محنته..
ثم سرعان ما حضر جمعٌ من الأعيان والتجار يلتفون حول أحمد .. تتطاير الكلمات (
وعسى أن تكر هوا شيئاً وهو خيرٌ لكم ) .. (
قل لن يصيينا إلا ما كتب اللّٰه لنا .. إصبر يا أحمد فإن اللّٰه مع الصابرين ) .. ( عوضك اللّٰه وأخلف عليك .. إصبر وأحتسب ) .. كان أحمد
وسط الجمع فى المخزن الخاوى من البضاعة منهاراً فى بكائه .. لا يدرى أحمد لماذا قفزت جملة عبلة التى قالتها له ( أنت طيب يا أحمد .. لكنك ضعيف .... والضعيف لا يصلح ان يكون رجلا ) ..
دوت الكلمات فى أذنيه وأحدثت دوياً تملك من قلبه .. فرفع رأسه فجأة محدقاً بعينيه الغارقة بالدموع فى الفراغ أمامه .. يرى وجه عبلة بملامحها القوية .. جعل ذلك وجهه يتقلص ..أمسك بكم ثوبه يجفف دموعه .. وقال بنبرة أرادها أن تكون قوية الشكيمة
- الحمد *** .. عسى اللّٰه أن يجعل لى عوضاً فى القافلة الثانية
قالها أثناء دخول ابن زيدون صائحاً
- يا ويحى من هذه المصيبة
تلقاه الأعيان والتجار مواسين له .. يربتون على كتفه .. فكم قضوا معه من ليالٍ ماجنة ..
وعليهم الآن أن يواسوه ببعض الكلمات ، والتى أيضاً لا تخلو من الحسد
- يا ابن زيدون .. إحمد اللّٰه ولا تفعل فى نفسك هكذا ..
أنت رجل" ثرى .. عندك
قصر وخدم وعبيد وجوارى .. لن يضير
تجارتك قافلة نُهبت
قال أحمد الذى شعر المحيطين به وكأنهم يرونه لأول مرة .. لم يكن ذلك الشاب الوديع المسالم الحيي .. بل كان رجلاً قوى البأس ..
هكذا كان أحمد يصارع طبيعته الضعيفة وتختلج بصدره أنفاسه الحارقة
- الحمد **** على كل شئ .. لقد انعم اللّٰه علينا
.. سأستأجر بعض جنود المرتزقة ، وسأرسلهم على عجل لتغيير مسار القافلة الثانية وتأمينها
صاح أحد الحاضرين
- نعم الرأى يا أحمد
بينما قال آخر
- ولماذا لا يخرج أبيك على رأس الجنود
بنفسه يحرس القافلة .. فهم فى الأول
والآخر مرتزقة .. لا يمكن أن تأمنهم على
شئ
إرتبك مشارى ابن زيدون حين سمع ذلك ..
فمعنى ذلك أنه لن تكون هناك حفلات ماجنة ولا جوارى عارية .. لكنه إبتسم حين قال آخر
- أحمد يخرج لملاقاة القافلة وحمايتها مع الجنود حتى تصل سالمة
صاح أحمد
- سأفعل ذلك .. فى الغد سأرحل ومعى
الجنود
جاء رأىٌ آخر يقول
- أبوك ترك التجارة منذ زمن، بعيد ..
وأنت نشأت عليها وكيل .. لن يستطيع هو أن يدير العمل هنا وستفسد الأمور أكثر
رد أحمد موجهاً كلامه لأبيه
وتأمينها .. فهى كل ما يتبقى لهم الآن .. لم يعد لابن زيدون وأحمد سوى القصر وما فيه وهذة القافلة .. ولكن ديون بيت المال علي عاتقهم ثاقلة
بعدما رحل ابن زيدون من القصر مغادراً
.. تسللت الجارية
رمانة فى الصباح إلى دار عبلة التى استقبلتها متلهفة سائلة
- كيف حال أحمد ؟ .. بعدما علم بما حدث
نظرت رمانة فى عينيى عبلة بنظرةٍ متخابثة وقالت وهى تجلس إلى جوارها على طرف السرير
- يبدو أنك صرت تحبيه ؟
ردت عبلة بجمود
- أنا أشفق عليه .. فأحمد طيب لا يستحق الأذى
قاطعتها رمانة
- لكن أمه وأبوه
قالتها رمانة وصمتت ترنوا لعبلة التى قالت مسرعة بغضبها الذى سرعان ما يتملك منها على الدوام
- لقد أقسمت لأجعلنهم يتسولون .. فلن يذهب
ددمم ابنى هباء
قالتها عبلة وعينيها تبرق بنظرة إنتقام مخيفة ..
سرعات ما تغيرت وتبدلت نبرة صوتها حين إرتسمت أمام مخيلتها صورة أحمد ابن الأعيان ، وقد صار فقيراً يسعى من أجل الكفاف وقالت
- ما يحزننى هو أحمد
ردت رمانة وهى تقوم من على السرير وتجلس تحت رجلي عبلة على الأرض
لم تنسى عبلة تلك الليلة التى رأت فيها وجه أحمد وعيونه الدامعة يقبل جبينها .. بعدما
أحضر لها الطبيب ليوقف نزيفها .. رغم أنها لم تنسى حبها الأول لمحمود .. إلا أنها وجدت نفسها تفكر فى أحمد أكثر .. هل لأنها أدركت كم حبها ويخاف عليها .. ومستعد لأن يترك القصر والنعيم ويشترى داراً صغيراً من أجلها ؟ .. أم لأنها عرفت أنه رغم ضعف شخصيته إلا أنه يراعى اللّٰه فى معاملاته .. دوماً تتذكر كلامه لها
(لا يشغل بالى ما يحتاجه القصر فلدينا كما تقولين الكثير .. ولكن ما يؤرقنى القروض التى علينا لبيت المال .. لا أريد أن أتعثر فى سدادها فهذه أموال الناس والعباد .. ولن يبارك لنا اللّٰه إذا أهملنا دفعها كما يفعل أغلب التجار ) .. تتأمل كثيراً كيف لشاب تربى فى النعيم ألا يكون غير مغرم، بالحريم .. وجدت عبلة نفسها تفكر فى أحمد .. بل تنتظره أن يعود بعدما يصلح أموره .. ويأخذها لدار، صغيرة تحيا معه بعيداً عن أبيه الماجن وأمه المتسلطة
لكن كل ذلك يتبخر
بمجرد أن تتخيل ما حدث لها تحت أرجل أم أحمد حين أسقطت لها حملها .. تبرز عيناها ويحمَّر وجهها .. لا تستطيع أن تغفر لأحمد ما حدث .. وبعدما تهدأ تتذكر أن أحمد حاول الدفاع عنها ، لكن أمه أطاحت به .. تعود وتردد بينها وبين نفسها ( كان يجب أن يدافع عنى و عن ابنه بكل ما أوتى من قوة ) .. تتردد عليها الجارية رمانة تزورها .. وفى أحد المرات أخبرتها
- لدى ياسيدتى ما يشفى غليلك ويطفئ نارك على ابنك .. حتماً أنتِ تعلمين أن زوجك وضع كل ما معه من مال .. ليشترى قافلتين محملتين بالبضائع .. ليتغير مسارهما فى الطريق إلى البلاد ويتجهان إلى هنا ..وبدون هاتين القافلتين
صمتت رمانة ترقب عيني عبلة المحدقة ثم
تابعت
- سيتسلون ياسيدتى .. فثمن القصر وما فيه من خدم وعبيد وجوارى وأثاث .. قد لا يكفى ما عليهم من قروض لبيت المال تملكت فكرة الإنتقام من رأس عبلة التى إتفقت بعد ذلك بيومين مع شيخ المنصر الذى أحضرته لها رمانة على أن يُغِير بعصابته من قطاع الطريق على القافلتين .. حيث ستتولى رمانة
إمداده بالمعلومات عن خط سير القافلتين من خلال تلصصها فى القصر على ابن زيدون وأحمد وأمه .. وتم الإتفاق حيث سيحصل قطاع الطريق على نصف الغنيمة .. بينما تحصل عبلة على النصف الاخر لتوزعه على الفقراء .. يا لها من خطة شيطانية تلك التى خططتها رمانة ..وجائت على هوى عبلة .. ستسعد من جديد بمساعدة الفقراء والمساكين والمحتاجين .. وفى
نفس الوقت ستنتقم ممن قتلوا ابنها قبل أن يرى النور .. تنام عبلة على فراشها تتخيل ابن زيدون الماجن الزنديق وزوجته يتسولون ما يحتاجون لكنها تفيق من تخيلاتها على وجه أحمد .. فما ذنبه ؟ .. يتأجج بداخلها عذاب الضمير .. لكن ذلك العذاب يزول حين تتخيله فقيراً مثلها ..
يعود إليها ويكد ويعمل ليقات رزقه من أجلها ، سيعيشون وقتها سعداء .. وسيرزقهما اللّٰه بالبنين والبنات ، عوضاً عن الابن الذى راح .
كل ذلك مر بعقل عبلة الجالسة على طرف سريرها وهى تحادث رمانة القابعة على الأرض أمام رجليها ، فى كيفية توزيع نصف البضاعة على الفقراء .. أفاقت من شرودها على صوت رمانة تقول
- أراك شاردة كثيراً اليوم
ردت عبلة تقطب حاجبيها مستفهمة
- ماذا تقولين ؟
ضحكت رمانة وقالت
- يبدو أنك كنت مع سيدى أحمد .. بينما أنا
أحدث نفسى
لم ترد عبلة وسمعت رمانة تقول وقد أسندت رأسها على ركبتها
- لقد إنتهينا من أمر القافلة الأولى .. لكن القافلة الثانية ، خرج ابن زيدون بنفسه مع الجنود لملاقتها وحمايتها .. وحتماً
سيغيرون مسارها الذى نعرفه .. أخشى ألا أستطيع أن أمد شيخ المنصر بمسارها الجديد ..إذا فقد أثرها صمتت رومانة ثم تابعت
- إذا قابلت أحمد .. فحتماً ستعلمين بكل شئ عن القافلة منه
قالت عبلة بنبرة متحشرجة
- أسمعتم عما حدث ؟
ودون أن تتلقى رد واصلت
مكيدة .. يستحقها ، فما له هو بالأميرة ) ..
وتارةً تشعر بالشفقة عليه .. تردد (أكيد دبر له أهل الأميرة ذلك لما علموا بشأنه مع إبنتهم..بستحق ما يحدث له ) .. ظات تترنح بين مشاعرها المختلطة تجاه محمود حتى راحت فى نوم، عميق بعد ما فعلته بها رمانة ..
إستيقظت بعد العصر على صوت أمها يقول
- أحمد بالباب يريد أن يراك. .. يقول أن الجارية أخبرته أنك متعبة ، فجاء يطمئن عليكِ
ترددت عبلة .. ليس لأنها لا تريد أن ترى أحمد .. ولكن لأن ضميرها سيعذبها .. حين تنظر فى وجهه ، فهى السبب فيما هو فيه ..
ولما وجدتها أمها مترددة قالت
- المال الذى كان قد أعطانا إياه قارب على النفاذ .. سأجعله يدخل .. لكن إطلبى منه نفقتك .. فهذا حقك .. وإذا رفضتى فعليك.
أن تبيعى اللبن فى السوق
قالتها ام عبلة وإنصرفت من امام إبنتها ..
ليدخل أحمد متلهفاً وما أن رأت عبلة وجهه المكفهر وعيونه الذابله ، حتى ترقرقت الدموع فى عينيها.
البلاد المباركة ج 10
الرفاق حائرون يتسائلون كيف قُتلت إمرأة الوزير بطريق .. فى قصرها .. بل بداخل
غرفتها .. بل على سريرها .. وسُلخ جلدها .. أنه أمرٌ غريب .. وما معنى الرسالة التى تركها القاتل .
حسب الموعد عند منتصف الليل كان هارون ماثماً يقترب من الحارس عند باب الخلفى المؤدى إلى الحديقة .. وقال هامساً بصوت خافت خشن من خلف اللثام الذى يخفى وجهه عدا عينيه
- أنا من أخبروك به
أمعن الحارس فى عينيه بنظرة متفحصة، ثم سرعان ما مهد له الطريق ليصل إلى نادية المنتظرة عند باب القصر الخلفى .. دلفت ومعها هارون يتسللان حتى وصلا إلى غرفة خيرازانة التى جلست على سريرها تنتظر .. إندهش هارون مفزوعاً حين علم من نادية أن الخامسة ، خطيئة الجشع ، هى خيرازانة زوجة الوزير بطريق
مر ذلك اليوم على خيرازانة بين جارياتها مختلفاً ..شاردة تسبح بخيالها فى الرجل المنتظر .. جسد رجل ، قوى وخشن .. بالتأكيد مختلف عن أجساد الجوارى الطرية الناعمة .. ظلت خيرازانة طوال ذلك اليوم تائهة .. كادت أن تنهى الأمر حين قالت لنادية هامسة بداخل غرفتها
- أشعر بالقلق يا نادية .. أريد أن أؤجل ذلك الأمر
ردت نادية ضاحكة وقالت
- مولاتى ..
أنا أحس بما يعتمل بنفسك .. لا تفكرى فى شئ .. فأنا بجوارك
لم تنم خير زانة القيلولة كما إعتادت .. وظلت ممدة على سريرها تفكر .. وحين خرجت من غرفتها بعد العصر .. موجودة كانت وغير موجودة مع ضيفاتها .. حاضرة بجسدها غائبة بوعيها .. شاردة فيما سيحدث عند حلول المساء.
على عكس عادتها فى فترة مابعد المغرب للعشاء .. لم تمر على الخدم والعبيد تتفحص شئونهم ، ولم تهتم لأمر أبنائها بعد حضورهم من عملهم .. وتفرغت فى تلك الفترة للإعتناء جسدها بمساعدة نادية .
حان الموعد ووجدت خيرازانة باب غرفتها ينفتح ليمثل أمامها هارون بصحبة نادية .. فك هارون اللثام مبتسماً وعيناه تتفحص جسد خير ازانة البض العارى على السرير ، وقد وضعت إحدى ساقيها على الأخرى .. وقالت نادية
- هذا هو هارون يا مولاتى
قالتها نادية وهى تقترب من خير ازانة تخرج طرف لسانها يحوم حول شفتيها .. بينما هارون يخلع ملابسه ليجلس على طرف السرير عارياً .. وبدأ الأمر يجرى
ولما إقتربت خيرازانة من وطرها ، أحس هارون بيد نادية من خلف للخنجر مناولة .. قبض على الخنجر ، يسرع ويسرع .. جحظت عين خيرازانة وإنتفض جسدها .. ضحك هارون وبخنجره فى قلبها كان غارساً .. لم تتحرك فى خيرازانة عضلةٌ واحدة .. فيما يبدو أن ضربات قلبها الزائدة المتسارعة من فرط شبقها جعلت قلبها يتوقف على الفور حين إنغرس الخنجر فيه .. فلم يحتج هارون أن يدير الخنجر فى قلبها فلم تتدفق الدماء بغزارة .. تناول هارون سكيناً أخرى حامية تمكن بها من سلخ جلد خيرازانة ولفه ووضعه فى جوال, صغير أعدته نادية الواقفة بعيداً حتى لا تلوثها الدماء .. إرتدت نادية ملابسها النظيفة .. وكذلك هارون الذى حفظت له نادية ملابسه بعيداً بمجرد خلعها حين دخل على خير ازانة .. هكذا تم الأمر بإحكام .. أخرجت نادية بقطعة من الرق ملتفة كرسالة .. والقت بها إلى جوار جثة خيرازانة .. تماماً مثل الرقوق التى يصنعها بائع الجلود المدعو محمود .. قالت نادية
- إذهب أنت وأكمل الباقى .. سألقاك فى فجر بعد غدٍ كمو عدنا
خرج هارون بمساعدة الحارس العميل لنادية والذى سيطرت عليه نادية بالجنس والمال ليساعد هارون فى دخوله وخروجه من القصر.. ولم يرى الجندى وجه هارون الملثم وهو يغادر على حصانه من أمام سور القصر الخلفى .. إلا أنه سمع صرخاتٍ قادمة من الداخل .. هرع على إثرها ليجد نادية أمامة تصيح
- القاتل نال من مولاتى
أدرك الحارس لحظتها أنه شارك فى مقتل خير ازانة .. ولم يكن له أن ينطق بعد ذلك بشئ فسيناله ما سينال الجارية نادية والقاتل الملثم ، فعليه أن يتعامل مع الأمر وكأنه لم يكن .. دار ذلك بخلده فى لحظات صراخ نادية التى أيقظت من فى القصر .. ووجد الحارس صرة منتفخة من الدنانير تحشرها نادية بين طيات سترته الجلدية ، إذن هو شارك وقبض الثمن .
أسرع الحارس يعدو مع باقى الحراس .. وتعالت صرخات الجاريات يتردد صداها فى القصر .
لم يكن الوزير بطريق حزيناً على موت خيرازانة الجشعة التى تدفعه لقبول الرشاوى مقابل إعطاء القروض من بيت المال .. لكنه كان غاضباً لإنتهاك كرامته وحرمة قصره بقتل زوجته فى غرفتها على سريرها .. أما الأبناء فكانوا أكثر حزناً من أبيهم على أمهم .
دخل يوسف بن حسيب قائد الشرطة يتفحص بنفسه الجثة .. وناوله الوزير بطريق بالرسالة ..
أمعن يوسف فى الرق المكتوبة عليه الرسالة أكثر من إمعانه فى فحواها .. فأصدر أمره لحظتها بالقبض على صانع الجلود المدعو
محمود .. هكذا وجد يوسف الدليل ، والربط بين الجلود المسلوخة وصانع الجلود .. وبالطبع يطيح بمن إستولى على الأميرة حورية منه .
أما فحوى الرسالة فكان كلمات غير متصلة الخطيئة قتل فوضى سلخ تتطهر العدل
لم يكن فحوى الرسالة مفهوماً
***************************
بداخل القصر السلطانى يجلس السلطان المبروك الثمانينى وإلى جواره ولى العهد وريث البلاد ، ومن بين يديهم إجتمعت الحاشية .. وهذه المرة كان العدد كبيراً .. فلم يكن الأمر مقصوراً على الوزراء المقربين وكبار الأعيان .. بل ضم كافة الوزراء ومعظم الأعيان وكل الأمراء ..
فالضحية هذه المرة هى زوجة الوزير بطريق مسئول بيت المال .. الحشد كبير والوجوه منتفخة الأوداج .. يسأل ولى العهد ، فهو كعادته المتحكم الفعلى فى البلاد نظراً لغياب أبيه الثمانينى عن إدراك الأمور من حوله
- وماذا عندك يا قائد الشرطة من أدلة على أن بائع الجلود هو القاتل ؟
تنهد يوسف وبعينين مفتوحتين كما الصقر ونبرة تأكيديه ، قابضاً بيده على مقبض السيف في غمده
- كل الأدلة ضده يا مولاى .. لقد رآه أحد
جنودنا عند طريق المدينة ليلة القتل يحوم حول المكان .. وهو الوحيد بين كافة صانعى الجلود فى المدينة الذى يصنع الرقوق .. والجلد الادمى يصلح تماماً لهذا النوع من الرقوق التى يصنعها .. وثبت لنا أنه يحضر إجتمعات القوم المعارضين للسلطان .. وفى آخر إجتماع لهم كان يتحدث عن القتل والثورة من إجل الإستيلاء على الحكم
صمت يوسف يلتقط أنفاسه ، وقبل أن يواصل نطق السلطان المبروك حين سمع جملة الإستلاء على الحكم فقال
- أية حكم ؟
ورغم سذاجة السؤال .. إلا أنه لابد من الإجابة على عظمة السلطان .. فجائت الإجابة ، جمل متتابعة تتردد من الأفواه من الحاشية المحيطة
- أدام اللّٰه عمر السلطان وأبقاه زخراً للبلاد ..
عاش السلطان راعياً للعباد .. خسأ من لا يرضى بالسلطان حاكماً للناس
ورغم تكرار الجمل بصيغ مختلفة إلا أن ذلك المواء الصادر عن الممتاز بن القطة المنافق الأكبر فى البلاد للسلطان وحاشيته ، كان مختلفاً
- ومن غيرك يحمينا يا سلطان البلاد .. عاش السلطان المبروك .. إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً .. وما ينطق عن الهوى .. عاش السلطان المبروك كان الجمع يردد ورائه
- عاش السلطان المبروك
إستحق الممتاز بن القطة الذى يخطب فى الناس مديحاً فى السلطان ريائاً مفضوحاً ونفاقاً معلناً ، أن ينال لقباً سامياً أطلقه عليه القوم المعارضون للسلطان .. ولم يكن اللقب مجرد إسماً بل تحول إلى فعلاً، حين أصيب الممتاز بن القطة بصداع, مزمن يفتك برأسه ليل نهار ، وعجز أطباء البلاد عن مدواته .. إلا أن الطبيب ابن رشاد أشهر من مارس الطب فى البلاد إستطاع علاج الممتاز بن القطة من الصداع ، حيث جعله يحلق رأسه وأعطاه دهاناً يدهن منه فى الصباح والمساء .. ولما طاب الممتاز بن القطة على هذا الدهان بعدما فشلت كافة العلاجات من قبله .. إستفسر من ابن رشاد الذى أخبره أنه دهانٌ للبواسير .. فبما أن مؤخرة الرجل فى رأسه ، كانت البواسير هى مصدر الألم .. وهكذا إقتنع الممتاز بن القطة باللقب ، وظل يخرج غازات النفاق.. والتى تظهر أمام الناس أنها الكلمات تخرج من فمه .
إبتسم السلطان سعيداً ، بيده للجمع من حوله محيباً .. إندمج الجمع وعلت الهتافات يقودها الممتاز .. وكأنهم نسوا ما إجتمعوا لأجله ، تتعالى الهتافات .. وبإشارة من جلال المبروك ساد السكون .. ليواصل يوسف قائد الشرطة كلماته
- صانع الجلود هذا له واقعة ترددت فى المدينة .. حين لطم الأميرة حورية بنت الأمير غسان ابن عم السلطان لأنها تأمره أن يحضر لها جلود .. ولكن عفو الأمير غسان وكرمه أبقى على حياته .. إنه مريضٌ حاقد يا مولاى وهذا ما يدفعه للقتل ..ويسلخ جلود ضحاياه كمحترف بما أن الجلود هى صنعته
قال جلال المبروك وقد ضاقت عيناه ، يداعب بأصابعه ذقنه
- يبدو كلامك منطقياً يا يوسف .. لكن هناك الكثير فى حاجةٍ إلى تفسير .. لماذا قتل من قتلهن تحديداً ؟ .. ولماذا النساء ؟ .. ولماذا إمرأة الوزير بطريق ؟ .. وما تفسير الكلمات الموجودة فى الرسالة التى تركها
علت أصوات نشيج وبكاء الوزير بطريق المصطنعة عند ذكر إمرأته بينما رد يوسف
بحماس
- كنت أشعر أن هذا الفتى حاقدٌ مريض ..
حين كان يتحدث عن الثورة والقتل والقوة ..
وقد صدق ظنى
قاطعه إبراهيم بن عيسى المتربع جالساً واضعاً قبضة يده اليمنى على فخذه
- لا ..أنا متأكدٌ أن محمود لا يفعل ذلك .. إنه
برئ .. هى مكيدة من قائد الشرطة
صاح المصطفى بن البكرى بصوته الجهورى ، ووجهه الاسمر تكسوه تكشيرة مقتضبة
- ولماذا محمود هو من وقع عليه الإختيار للمكيدة ؟
أجاب الشيخ عبد اللّٰه بن السعيد
- لأن هناك ربط بين صناعة الجلود ..
والجثث مسلوخة الجلود
قال أمجد بن الجلاد ونصف وجهه النحيف خلف شاربه متوارياً ورأسه تتحرك بحيادية على رقبته
- لم نرى بعد دليلاً على إدانته أو برائته .. ننتظر التحقيق والمحاكمة
تنهد الوائل بن الإبراشى مستيقظاً وبهدوء وكلمات متئدة قال
- ما يمكننا أن نفعله هو أن نحرص على أن ينال هذا الفتى معاملة حسنة ومحاكمة عادلة حتى تثبت إدانته أو برائته .. صحيح أنه يميل إلى الرغبة فى القوة والقتل ، إلا أن ذلك لا يعنى أنه هو القاتل
تنامى إلى مسامع الجمع الصوت الوقور الهادئ بالتحية
- السلام عليكم
إتجهت الإنظار تجاه مصدر الصوت مرددين
- وعليكم السلام
حدقت العيون فى وجه المأمون بن عبد اللّٰه الرشيد بقسماته المريحة ، وهو يقترب بخطا ثابتة ممسكاً بيده عبائته الثمينة على صدره .. تربع جالساً وقال بهدوء موجهها كلامه للوائل
- أنا أتفق معك يا وائل .. ما يمكن فعله الآن هو أن نحرص على ألا ينال محمود سوء حتى تتم له محاكمة عادلة
صمت مقطب الحاجبين يرنو للأسفل ثم واصل
- كنت عازماً على الرحيل اليوم .. فقد إنتهت راحتى فى وطنى التى لم أنعم بها لما وجدته هنا من هموم .. لكنى أشفق على الفتى صانع الجلود ..
أنا أشعر أنه برئ ، وحتى يأتينا الدليل علينا أن نسانده حتى لا يتأذى كثيراً
قال الوائل بن الإبراشى
- حتماً سينال من الضرب الكثير .. ولن يمنعهم مانع إذا أرادوا حتى أن يقتلوه .. لكن سنفعل ما يجب أن نفعله
تدخل إبراهيم بن عيسى فى الحوار قائلاً
- وما الذى يمكن أن نفعله حتى نضغط على الشرطة ألا يؤذوه ؟ .. هل نحشد الناس فى الغد أمام ديوان الشرطة
رد أمجد بن الجلاد
- سيجعلهم ذلك يظنون أننا نؤلب الناس عليهم .. وربما أطلقوا الجنود ورائنا
قاطعه طالع بن الأسياد
- أنا لا أخشى فى الحق .. دعهم يفعلون ذلك ..
وسأريك ماذا أفعل ؟
قال المصطفى بن البكرى بحماسه المعهود
- إننا لا نريدها مشاجرةً أو عداءاً بيننا وبين الشرطة .. فقط نتجمهر فى سلام أمام الديوان .. فسيجعلهم ذلك يحسنون معاملة محمود
صمت الجميع وكأنهم ينتظرون من عليه الدور فى الكلام ، وإتجهت الإنظار صوب المأمون الذى بدا منهمكاً فى التسبيح بمسبحته الكهرمان بين أصابع يديه .. لحظات من الصمت قطعها المأمون حين رفع نظره من على مسبحته وقال
- الرسالة !
قالها وصمت يرقب النظرات المتسائلة من حوله قبل أن يواصل
- ( إنها أمراً قديماً ) .. (قرأت بعضاً عنها )
.. ( هذا جنون ).
لم يعلق إبراهيم بن عيسى الذى قال مسترجعاً قرائاته وإطلاعاته على هذا الموضوع
- الخطايا السبع هى الشراهة والرغبة والكسل والحسد والجشع والغضب والغرور .. كان عقاب صاحب أى, منهما هو القتل بالإعدام شنقاً فى ميدان عام أمام جموع الناس حتى يكون عبرة
تدخل الوائل بن الإبراشى فهو ليس أقل دراية ولا علماً ليقول
- بدأت منذ فجر المسيحية على يد الراهب الإغريقى (إيفاجاريو دو بونتو)
إنبعثت الكلمات تباعاً عن موضوع الخطايا السبع المميتة .. كل" من لديه شئ عنا يقوله
الخطايا السبع المميتة ، هي مجموعة خطايا حددتها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية خلال فترة العصور الوسطى من أجل بسط سيطرتها وهيمنتها علي المجتمع الأوروبي الذى كان يمر بمرحلة سيئة من الفساد والانحطاط الأخلاقي ، ولم توضع تلك الخطايا كلها معاً في وقتٍ واحد .. بل شرعت علي فترات مختلفة من الزمن وقد قررت الكنيسة إقرار تلك الخطايا ومعاقبة فاعلها بالاعدام شنقاً في ميدان عام وأمام جموع غفيرة من الشعب حتي يكون عبرة لهم ..وقد سارت هذة الاحكام علي جميع طوائف المجتمع من الأمراء وحتي عامة الشعب ..وهى الشراهة والرغبة والكسل والحسد والجشع والغضب والغرور .
كان عدد الخطايا السبع الرئيسية ثمان, ، حيث نظمهم في بداية المسيحية الراهب الإغريقي إيفاجريو دو بونتو .. وفى القرن السادس عشر نفذ البابا جريجورى التغييرات الأولى في هذه القائمة مضمناً فيها الحسد و دامجاً الغرور بالكبرياء .. أما في قائمة القرن السابع عشر المُعاد ترتيبها ، لم تعد الكآبة تُحسب كخطيئة حيث احتل الكسل محلها .. ونالت خطيئة الغضب النصيب الأكبر من الجدال ..فقد رفض عددٌ كبير من القساوسة إعتبار أن الغضب
خطيئة مميتة ، بل هو شعور إنفعالي لدى الإنسان العادى يظهر عند سماع أخبار غير سارة أو رؤيته لشئ يثير غضبة ..وأن أى فرد من أفراد المجتمع معرض لأن يغضب .. لذلك لم تعتد الكنيسة كثيراً لتلك الخطيئة ..ولكن حددت لها إطار وهو ألا يكون الغضب زائد عن الحد ولا يؤذى الآخرين.
حامت التساؤلات تسبح فى الهواء
- لماذا يفعل ذلك ؟ .. هل جعل نفسه حاكما يحكم على أصحاب الخطايا ؟ .. إنه شيطان
قال الوائل بن الإبراشى
- معنى ذلك أنه لايزال هناك جثتين أخرتين ..الغضب والغرور
قاطعه طالع بن الأسياد
- لقد قبضوا عليه
صاح المصطفى بن البكرى
- هذا الكلام يدين صانع الجلود .. فهو فعلاً يميل إلى القتل والعنف .. وبعدما يقتل يستفيد بسلخ الجلد وتصنيعه ثم بيعه
تنهد إبراهيم بن عيسى وقد بدا على وجهه أنه بدأ يشك أن محمود هو القاتل ، فقال
- إذا لم تظهر جثة الغضب أو الغرور ..
فمعنى ذلك أنه مدان
صمت الجميع بعدما أفرغ كل واحد ما فى جعبته .. وكالعادة إتجهت الأنظار صوب المأمون المطرق برأسه على مسبحته الكهرمان بين أصابعه .. لحظات من الصمت أدرك منها المأمون أنه حان عليه الدور فرفع بصره من على المسبحة يديره فى الوجوه التى ترنوا إليه وقال
- لقد حملت الرسالة ست كلمات على الترتيب ( الخطيئة ، قتل ، فوضى ، سلخ ، تتطهر ، العدل ) .. فإذا كانت الخطيئة هى حال البلاد التى تغرق بالظلم والفساد وإنتشار الفقر بين العباد .. فإن القتل والثورة على الظلم والطغيان هو الحل .. وإذا كان ذلك فإن الفوضى ستعم كل شئ .. فإذا إنسلخت الفوضى بعدما تهدأ الأمور كما ينسلخ الجلد فيظهر ما تحته .. ستظهر النتيجة ألا وهى زوال الظلم والفساد والطغيان ، وحلول العدل
صمت المأمون يرنو إلى الوجوه المذهولة من حوله وتابع بصوتٍ خفيض
- هذا هو فحوى الرسالة .. أنه يريدنا أن نثور على الظلم والطغيان
قال إبراهيم بن عيسى
- هذا الكلام يدين محمود .. هل يتخذ من القتل بهذا الشكل وسيلة لرسالة تحث على الثورة
صاح طالع بن الأسياد
- أنا قلت أن هذا الفتى مريض .. بل مجنون
نهض المأمون قائلا
- سأذهب فى صباح الغد إلى ديوان الشرطة ومعى رسالة تطالب بعدم إيذاء محمود ..
والإتيان بدليل, قاطع قبل محاكمته بمحاكمة عادلة
قالها بعدما كان قد إنتصب واقفاً .. ثم واصل بنبرة حزينة
- وسأغادر بعد غد وأعود لرحلاتى
قالها وهو ينصرف تاركاً الجمع يواصلون الجدال والحوار .
فى الصباح بداخل ديوان الشرطة وقف حسيب بن العادل يطالع رسالة .. لم تكن تلك رسالة المأمون وإنما كانت رسالة أخرى .. شملت بضع كلمات ( محمود برئ .. أطلق سراحه ..
سأعطيك كل ما تريد ) .. وتذيل الرسالة الإسم الذى جعل عيون يوسف تبرق .. إسم حورية ..
التى ما كادت تسمع خبر مقتل إمرأة الوزير
بطريق والقبض على محمود حتى همت بأن تخرج من القصر تهرع إلى ديوان الشرطة .. إلا أن أم إبراهيم مربيتها تمكنت من منعها بصعوبة .. كادت تخبر أبيها بكل شئ لتجعله يتدخل لإنقاذ محمود .. ستخبره أنه كان بصحبتها فى الصحراء وقت مقتل خيرازانة .. إلا أنها تراجعت ، فربما دفع ذلك أبيها للإنتقام من الصعلوق الذى تجرأ وتخطى الحاجز الهائل بين الأمراء والصعاليق .. قررت أن تنقذه هى حتى ولو ضحت بأى شئ يطلبه منها يوسف .. فهى تدرك أنها السبب فى القبض على محمود .. حتماً علم يوسف ما بينهما فدبر الأمر لمحمود ..كتبت الرسالة وأرسلتها .. والهواجس والظنون تعتمل بسريرتها .. هدأت قليلاً حين أمعنت التفكير وهى ممدة على سريرها فى غرفتها ..أنه إذا لم تظهر براءة محمود .. ستذهب هى إلى المحاكمة وتشهد بأنه كان بصحبتها وقت مقتل إمرأة الوزير بطريق .. لا يهم أى شئ آخر سوى إنقاذ محمود .
سحب يوسف بن حسيب الجالس على مكتبه فى ديوان الشرطة نفساً عميقاً .. وإرتسمت على وجهه إبتسامةٍ مقيتة .. أعاد قراءة جملة حورية الأخيرة ( سأفعل كل ما تريد ) .. إتسعت الإبتسامة المتشفية .. ماذا يريد منها مفكراً ..
من رفضته وأهدرت كبريائه بين يديه الآن مستسلمة .. يا له من إحساس لذيذ .. قطع شروده جندى دالفاً
- سيدى القائد هناك جمعٌ من الناس مع القوم المعارضين للسلطان بالخارج يحتشدون .. وهم بهذه الرسالة مرسلون
قالها الجندى وهو يمد يده منحنياً بالرسالة إلى قائد الشرطة .. ظات يد الجندى ممدودة .. فقد كانت يد يوسف برسالة حورية مشغولة .
وبالمداد عليها كانت الحروف مكتوبة ( أنتظرك الليلة فى قصرى ..
أنت تعرفين كيف تتسللى ..يا أميرتى ) .. هكذا خط يوسف على ذات الرسالة التى وصلته من حورية وذيَّل كلماته ب حبيبك يوسف .. لف الرسالة ومد يده بها
للجندى قائلاً
- أريد أن تعود هذه الرسالة من حيث أتت
قالها وهو يناول الرسالة للجندى ، بينما يتناول الأخرى منه بلا مبالاة .. وللجندى بالإنصراف قد أشار .. قرأ المطالبة بعدم إيذاء محمود ..
ضحك بخفوت .. فصار ورق الرسالة بيديه ممزوق فحأة اتسعت عيناه و فى الفراغ حدقت .. قفز فى ذهنه سؤال ،
ماذا لو لم يكن محمود هو القائل ؟ .. بل بالفعل إنه ليس القائل ..
تذكر يوسف أن محمود كان مع حورية عند البئر الناضبة فى الصحراء وقت مقتل خيرازانة
.. ماذا لو ظهرت جثة أخرى .. بل حتماً ستظهر.. فالقاتل لا يزال مطلق السراح ..
تصارعت دقات قلبه وإلتحم حاجباه ، نادى على أحد الجنود وقال
- إجعل الرقابة مشددة على الطرقات ..
وإقبضوا على من تتشككون فى أمره قام من على مكتبه وإتجه إلى الزنزانة ولما رأى محمود والإنتفاخات والكدمات قد أخفت ملامح وجهه .. أنقض يوسف على الحارس الواقف على باب الزنزانة يقبض بيده على رقبة
الحارس ويصيح
- هل أمرتكم بأن تفعلوا به ذلك .. أنتم هكذا
تقتلوه أيها الأغبياء
سحب نفسا عميقا وأرخى قبضة يدة من على رقبة الحارس الذى جحظت عيناه وكسى
الأزرق وجهه وتابع
- لا يقترب منه منكم أحد .. أطعموه شيئاً
وخففوا عنه الألم
قالها يوسف وهو يخرج خارج ديوان الشرطة ولما رآه الحشد المتجمهر ، تعالت الصيحات والهتافات ..
فأشار يوسف بيديه مطالبا إياهم
بالسكوت والإستماع إليه
- سيحظى صانع الجلود بمعاملة حسنة حتى تتم محاكمته .. أعدكم بذالك
قال المأمون على حصانه بصوتٍ أرتجت له
آذان الموجودين
- لقد أصدرت أو امرى بحسن معاملته .. تأكد من ذلك
غادر المأمون بينما يوسف يفكر فى هذا المجهول الذى ظهر فى البلاد فجأة .. وأصدر أوامره لجنوده بمراقبته ومعرفة كل شئ عنه ..
أدرك يوسف أن هذا الرجل قدير .
البلاد المباركة ج 11
بعينيها الدامعة كانت عبلة لوجه أحمد المكفهر ناظرة .وبصدرها نيران عذاب الضمير متأججة .. وحين رأت عيونه عليها متلهفة .. شعرت بقلبها بالحب له نابضاً .. أدركت عبلة فى هذه اللحظة أنها لأحمد تهوى .. وأن ضعفه
على قلبها قد إستولى .. بادرها قائلاً بلهفة وبنبرة صوتٍ مجهد
- كيف حالك يا عبلة ؟ .. لقد أخبرتنى رمانة أنك متعبة .. لم أطق صبراً على أن أحضر لأطمئن عليك
عبلة برأسها بعيداً عن أحمدِ تتجافى .. عن النظر فى عيونه تتحاشى .. وكلماته على أذنيها تتهادى
- أنا طيبٌ يا عبلة .. لكنى لست بضعيف كما تظنين
جعلت كلماته عبلة عليه تشفق ، وقالت و عينيها عليه تحدق
— أنت رجلٌ يا أحمد
إبتسم أحمد سعيداً بجملة عبلة .. وكأنه نسى همومه وأحزانه .. وجد نفسه يضم عبلة بين زراعيه حاضناً .. كابد رغبته فى أن يكون على صدرها باكياً .. حتى لا يبدو أمامها رجلاً ناقصاً .. سمعها تقول ورأسها على كتفه نائمة
مدت عبلة ظهر يديها تجفف دموعها من على خدودها .. ضحكت من وراء الدموع قائلة
- نعم أنا أحبك يا أحمد
ضحك أحمد يمسح بطرف كم ثوبه ما علق حول أنفه من سوائل بكائه وقال وسط ضحكاته البريئة
الحب هو ما يجعل المرأة تتنازل عن أى شئ حتى ولو كان إنتقامها لإبنها قالت عبلة بنبرةٍ واثقة
- ستصل قافلتك بأمان يا أحمد .. وسنواصل حياتنا فى دارنا الصغيرة
قاطعها أحمد قائلاً
- لقد إتفقت مع أبى على تغيير مسار القافلة القادمة حيث ستسلك الط ...
إنقطعت كلمات أحمد إثر إنقضاض عبلة بفمها على فمه تقبله .. فلم تكن عبلة لمعرفة مسار القافلة الجديد راغبة .. وقد أصبحت على ما فعلته بالقافلة الأولى نادمة .
فى قبلة حب صافٍ يذوبان .. وللشهيق والزفير يتبادلان .. ورموش عيونهما لغريزة الجسدين يستسلمان .. وفى عالم اللاوعى يغيبان .. أفاقا ليجدا نفسيهما عاريان ..فوق السرير ملتحمان .. وبتيار المتعة يتدغدغان .. وفى بحر اللذة غارقان .. فبأى شئء مدفوعان .. إنه الحب .
فجأة توقفا عن القبلات .. نظر البعضهما ثم إنطلقت الضحكات .. يتعجبا كيف تحول
الحزن والبكاء إلى العبث بالملذات .. طبع أحمد قبلة رقيقة على جبينها قائلا
- ليعلم اللّٰه يا عبلة .. مالى فى هذه الحياة ما احبه سواك.
إبتسمت عبلة وهى ترد قبلة أحمد بمثلها قائلة
- ليعلم اللّٰه يا أحمد .. كم أحببتك بعدما عاشرتك .. ووجدتك رجلاً يخشى اللّٰه ..
ليس كأقرانه من أبناء الأعيان اللاهين
العابثين
قال أحمد بفرح من كلمات عبلة
- قال **** اللـه صلى اللـه عليه وسلم ( خير متاعُ الدنيا الزوجة الصالحة ) .. وأنت.
زوجتى الصالحة يا عبلة ..وكل متاعى فى الدنيا .. سيكر منى اللـه من أجلك يا عبلة قالها أحمد وهو يخرج من حزامه صرةً من الدنانير يمد يده بها إلى عبلة قائلاً
- إستعينى بهذا المال على قضاء حوائجك .. هو ليس بالكثير .. لكنه كل ما معى الان
قبضت عبلة بكفيها على يد أحمد الممسكة بالمال وقالت مبتسمة .. وحاجبها مرفوعان
بداخل غرفة الجارية رمانة فى قصر ابن زيدون بادرت رمانة قائلة
- هل علمت بمسار القافلة الجديد
قاطعتها عبلة بنبرة خافتة لكنها متحمسة مرتبكة
- لقد ألغيت الإتفاق يا رمانة .. إجعلى شيخ المنصر يترك القافلة تمر فى سلام ولا يمسها بسوء
رمانة مندهشة ونظراتها مريبة
- مولاتى .. ألا تريدين أن تجعلى ابن زيدون وإمرأته يتسولون
ردت عبلة مسرعة آمرة بغضب
- أقول إنتهى الإتفاق .. يجب أن تمر قافلة أحمد بسلام
أومأت رمانة برأسها تقول
- سمعاً وطاعةً يا مولاتى .. سأرسل إلى شيخ المنصر برسول, عاجل .. ربما يلحق وربما لا
قالتها وهى تنظر بطرف عينها إلى عبلة التى صاحت
- ربما يلحق به الرسول قبل أن يهجم على القافلة
زاغت عيون عبلة وقالت وكأنها تحدث نفسها
- لابد أن ينتهى الأمر سريعاً
كان الصوت هو صوت نادية التى كانت مع رمانة فى غرفتها وحين حضرت عبلة .. إختبئت نادية خلف أحد الستائر وسمعت الحوار الذى دار بين عبلة ورمانة التى قالت
— لابد أن ينتهى الأمر سريعاً على العودة قبل أن يلحظ أحد غيابى فى
قصر الوزير بطريق
هكذا قالت نادية وهى ترتدى نقابها وولّت مغادرة بعدما ألقت بجوهرة ثمينة إلتقطتها رمانة سريعاً .
رمانة هى أخلص التابعين لنادية منذ أن كانت معها فى قصر ابن زيدون وصارت مصدر معلومات نادية عن كل ما يدور بقصر ابن زيدون بعد مغادرتها له .. فعلت رمانة ما فعلت
من بداية صداقتها بسيدتها عبلة وحتى أمر القافلتين بايعاذ وتخطيط من نادية
ابن زيدون على حصانه فى صدارة القافلة متبختراً .. هو ومن حوله الجنود للقافلة، حارساً
.. وفجأة سمع صيحة
- هع
تلفت حوله قلقاً متقرباً .. ثم سمع هع ثانية أعلى وأقوى .. توالت الصيحات
- هع .. هع .. هع .. هعهع هعععععععع ومعها تدفق اللصوص الملثمين يحاصرون القافلة ..
إستل ابن زيدون سيفه .. وقبل أن يكتمل خروج السيف من غمده .. كانت رأس ابن زيدون قد طارت بضربةٍ قوية من مقاتل محترف .. مال ابن زيدون بحمل السيف ومقاتلة اللصوص .. عاش لا يفقه سوى فى معاشرة الجوارى من فنون .. أما الجنود المرتزقة ما أن رأوا رأس ابن زيدون فى الهواء تطير ، حتى إنقلبوا على أعقابهم وولوَّ مدبرين .. هكذا تم الإستيلاء على القافلة بضحية, واحدة .. ابن زيدون .
عاودت القافلة السير فى طريقها حتى إلتقت مع قافلةٍ أخرى يقودها الشيخ جليل .. إنضمت القافلتان إلى بعضهما تحت راية الشيخ جليل الذى قال
- أمامنا مسيرة يوم ونصل إلى السيد هارون الوكيل صاحب القافلة
كانت هذه القافلة المهيبة هى القافلة التى غادر الشيخ جليل لإحضارها كما أخبر هارون ..
بعدما أتى له بالقافلة الأولى .. ولم تكن هذه القافلة سوى أموال أحمد ابن زيدون .
أمضى هارون اليوم التالى بعد قتله لخيرازانة وسلخ جلدها فى قصره بالجوارى العاريات
ينعم.. وعلى فرشه الموسورة يتمدد .. لحلول الليل يترقب ..فلموعده مع نادية ما له من مهرب .. كلما تذكر نادية سرت فى جسده قشعريرة .. لكنه عندما يتذكر اللفائف السبعة تهدأ السريرة .. لم يتبقى سوى اثنتين وبعدها لن يكون هناك قتيلة ..سيحيا بعد ذلك بأمان .. وربما بعدما يصنع العطر يصير على الناس سلطان .. هكذا قالت له نادية ..تتناثر صرر الدنانير هنا وهناك .. ورشات العطر على وجهه بين الفينة، والأخرى .. لم يشعر هارون بالوقت كيف مر .. والموعد مع نادية قد أزف
وصل هارون حيث البئر الناضبة قبل نادية حتى لا يسمع ما سمع فى اللقاء السابق .. لم يمضى الكثير من الوقت حتى كانت فرسة نادية أمامه واقفة .. نزلت نادية ونظرات هارون المحدقة
المتعجبة ، حين رآها لعبائتها السوداء ونقابها نازعة .. وعارية دون أية كلمة أمسكت به تخلع عنه ملابسه واقفاً ، فصار عارياً .. قبضت نادية بكفها الأيسر على رأس هارون تعتصر شفتاه بشفتيها ، وضفائر شعرها من خلف رأسها نازلة ..بالكاد نطق هارون وقال
- فى مساء الغد .. تعالى وإشترينى من قصر الوزير بطريق .. فهم يبيعون الجوارى بعد مقتل خيرازانة
إكتفى هارون بمشاهدتها تغادر دون أن يستفسر عن شئ .. لأنه يعلم أنها لن تقول إلا ما قالته
فى ظهيرة الغد كان هارون عند طرف المدينة للقافلة منتظراً .. يتعجب من التجار اللذين حضروا علَّهم يشترون بعض بضاعة ينتفعون ببيعها .. فالقوافل ندرت فى الآونة الأخيرة .. يدرك هارون أنه يسير تحت قوةٍ غامضة تقودها نادية .. هو نفسه لم يعلم بأمر القافلة سوى من نادية فى فجر اليوم .. فكيف علم التجار بأمرها وحضروا .. بدت بشائر القافلة تقترب ، دون أن تتمكن الأعين من إدراك نهايتها .. ووصل أخيراً الشيخ جليل الذى قال بتسماً بملامحه الجليلة
- إنها بضاعة كثيرة .. لما لا يبيعنا بعضا منها نقتات منه رزقنا ؟ .. وكيف سيبيعه وحده إذن ؟ .. ولماذا يحتكر كل هذه البضاعة وحده
هكذا ترك هارون الشيخ جليل يفعل باسمه مايريد .. لم يعطِ قطعةً واحدة من أى شئ للفقراء والمساكين .. إنصرف التجار يضربون كفوفهم مرددين
- حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل
بينما عيونهم شاخصة على الخيل والبغال والحمير والجمال والعربات الخشبية المحملة بالبضائع من الأخشاب بأنواعها والأقمشة.
بأنواعها إلى أصغر الآنية النحاسية مروراً بالمعادن والأعشاب والملابس والجلود .
وفى المساء إشترى هارون الجارية الرومية نادية من قصر الوزير بطريق .. مرت أيامه التالية فى القصر على نفس المنوال وأكثر ..على عكس ما كان هارون يتوقع ، أن وجود نادية معه فى القصر سيقيض حريته إلا أنه فوجئ بنادية أخرى غير التى يلقاها خارجاً فى الصحراء .. كانت فعلاً تتصرف كجارية وتشارك باقى الجاريات فى إمتاع سيدها .
قبل ذلك وفى اليوم الذى وصلت فيه قافلة هارون ، حيث كان من المفترض أن تصل فيه قافلة أحمد .. كانت عبلة فى أنحاء دارها متجولة .. مضطربة خائفة مترقبة .. ولما دنت الشمس من مغربها .. هرعت عبلة ترتدى للخروج ملابسها .. فتحت الباب لتذهب لقصر ابن زيدون عن القافلة تستخبر .. ولكنها وجدت أحمد أمامها شاحباً للموت يستحضر .. ما إن رأته حتى وضعت كفيها تخفى وجهها ، فقد كان الخبر المنتظر على وجهه مقروناً .. بصوتٍ واهن ، والهالات السوداء غطت عينيه التى بدت وكأنها توشك على فراق الحياة .. قال
- ضمينى يا عبلة
وسط بكائها ضمته عبلة .. أسندته يدخل إلى غرفتها وأبوها وأمها يرقبان المشهد .. أرقدته على السرير يتمدد وسمعته
- لقد قتلوا أبى
قالها وهو يقوم من رقدته ليجلس على طرف السرير، فسقطت عن رأسه عمامته ، وبان شعره أشعثٌ أغبر .. يرنوا بعينيه الذابلة لعبلة التى تبكى ببكاءٍ مكتوم .. واصل بصوته الواهن
رفع رأسه من على صدر عبلة ينظر فى الفراغ وتابع
- سأبحث عن عمل أو أحترف صنعة أتكسب منها رزقى .. ثم أستأجر داراً صغيرة نعيش فيها
صمت يتنهد ويزدرد ريقه مقاوماً رغبة البكاء ثم تابع ناظراً بعيونه الدامعة فى وجه عبلة
- أمى لم يعد لها الآن أحد غيرى .. ستعيش معنا يا عبلة .. أعدك أنها لن تزعجك فهى طيبة رغم ما كان
قاطعته عبلة ضاحكة بخفوت
- لن تضطر لكل ذلك .. لازال معنا نصف القافلتين .. هذا كان إتفاقى مع شيخ المنص.. .
بترت عبلة كلماتها واضعة يدها على فمها وقد إتسعت عيناها تحدق فى وجه أحمد الذى بدا لها وكأنه لم يسمع شئ من جملتها الأخيرة .. إلا أنها رأت الأوردة تبرز وتنتفض على جبهته .. ونور عينيه يخبو تدريجياً خلف الدموع المتلالئة وسط ضوء نار المصباح الخافتة فى الغرفة .. إنكمش حاجباه يرتعشان .. مع أول قطرة دمع تسيل من عين أحمد تتهادى ببطء على خده .. إنطلق صوت بكاء عبلة مكتوماً خلف يدها التى تكمم فمها .. ولما رآت عينيه تتثبت على عينيها ، لم حتمل تلك النظرة ، فأسرعت تحتضن رأس أحمد على صدرها تقول وسط بكائها بصوت مرتعش
- سامحنى يا أحمد .. لم يكن موت ابنى علىّ بالأمر الهين .. وجدت نفسى أسير خلف الجارية رمانة اللعينة
إختلطت أصوات بكاء عبلة وأحمد فى أجواء الغرفة .. سحب أحمد رأسه من على صدر عبلة وقام متثاقلاً .. بخطوات متعبة وصل إلى الباب يفتحه ، ومن خلفه عبلة تجذبه صائحة
- أحمد .. سامحنى يا أحمد .. يمكن أن نبدأ حياتنا بنصف القافلتين .. سيخلف اللّٰه عليك خرج أحمد هائماً على وجهه غير عابئ بالدموع المنهمرة وهو سائر" عارى الرأس فى الطريق .
بينما عبلة وعليها ثياب الخروج أسرعت .. إلى قصر ابن زيدون وصلت .. وإلى غرفة الجارية رمانة متسللة دلفت ورأت رمانة جالسة على طرف السرير تداعب هرتها
بدرت عبلة صائحة بغضبٍ عارم
- لقد إنتهى كل شئ يا رمانة
ردت رمانة الجالسة على سريرها تداعب هرتها
- ماذا حدث يا سيدتى ؟
صاحت عبلة فى وجه رمانة محدقة
- ستصل البضاعة خلال يومين أو ثلاثة على الأكثر .. وسأستأجر داراً و .. .
قاطعتها عبلة مسرعة وقالت محاولة خفض صوتها
- سمعاً وطاعةً يا مولاتى .. خلال يومين أو ثلاثة سيكون ما تريدين
ما أن قالتها رمانة حتى وضعت عبلة طرحتها على رأسها وغادرت .. فى الوقت الذى كانت رمانة تلتحف متخفية خلف **** أسود ، وخرجت متسللة .. إلى قصر هارون الوكيل داخلة .. ولنادية بما حدث مُخبرة .. قالت نادية وهى جالسة وقد وضعت إحدى ساقيها على الأخرى
- سننهى ذلك الأمر .. عودى يا رمانة قبل أن ينكشف غيابك .. وسأخبرك بما تفعلين لاحقا قالتها نادية وهى تناول رمانة عقداً ثميناً ..
تناولته رمانة على الفور سعيدة .
البلاد المباركة ج 12
بعد أيام ثلاثة .. فى المساء كانت الجارية رمانة فى دار عبلة تقول
- لقد وصل يا سيدتى نصف القافلتين كما الإتفاق .. لكن مندوب شيخ المنصر يرفض تسليمى البضاعة .. يريدك أنت
دون أن ترد عبلة إرتدت ملابسها وهرعت تسابق الزمن مع رمانة .. وصلا إلى مخزن كبير .. بالبضاعة زخير .. رأت عبلة رجلاً بالإنتظار والذى لم يكن سوى هارون فى أحد مخازن بضاعته التى احتكر بيعها لحسابه ..
قالت عبلة متلهفة
- أعلم ذلك وأنا ابنه .. سأعطيك البضاعة .. بل يمكننى توصيلها إلى مخازن زوجك كما تودين .. لكن صمت برهة يبتسم بخبث ثم أردف وهو يمد يده بتحسس خد عبله الواقفة أمامه
- أنا أريدك أولاً
ردت عبلة منفعلة تحدق فى وجهه بذهول وهى تدفع بيده من على وجهها
- لكن .. إنسى أن لكِ شيئاً عندنا
نزلت الجارية من على حصانها أمام باب قصر يوسف بن حسيب .. إقترب منها أحد الحراس يرنو إلى عينيها بينما وجهها إختفى خلف اللثام
أشار بأصبعه فقام حارسٌ آخر بفتح الباب .. إتجهت الجارية حيث أشار لها الحارس .. عبرت الحديقة وما كادت تصل لباب مبنى القصر حتى وجدت الجارية جومانة بالإنتظار قائلة
- أهلاً بك أيتها الأميرة
دخلت حورية بصحبة جومانة إلى أحد الغرف ، وقامت جومانة بنزع ملابس الجاريات التى تخفت حورية بها متسللة من قصرها قائلة
- هكذا أمر سيدى يوسف
إمتثلت حورية المتوترة المضطربة لجومانة التى ألبستها ثوباً مذهباً يكشف عن مفاتن جسدها .. وكذلك صففت لها شعرها .. ثم جذبتها من يدها تتجه بها حيث غرفة يوسف .
هكذا جائت حورية إلى يوسف كما وصلتها الرسالة .. مستعدة لأن تفعل أى شئ لإنقاذ حبيبها محمود .. لم تكن ترى شيئاً حولها ..هى فقط لا ترى أمامها سوى محمود بوجهه المجهد على الدوام .. لا تسمع شيئاً حولها .. سوى صوت محمود .. هى السبب فيما حدث له وعليها أن تصلح الأمر .. هكذا كانت تفكر حورية .
فتحت جومانة باب غرفة يوسف ودفعت بحورية للداخل ، ثم أغلقت الباب خلفها مغادرة
************************
أدارت عبلة بصرها بين وجه هارون ، ووجه رمانة التى تتصنع المفاجأة والذهول .. ولم تجد ما تفعله سوى أن تبكى كالأطفال .. شعرت حظتها باضطراب .. لا تدرى أهى جانية أم
مجنىٌ عليها .. أحاطتها رمانة بزراعيها تهمس فى أذنها بصوتٍ كالفحيح
- دعيه يأخذ ما يريد .. لن يعلم أحد .. نأخذ البضاعة ونعيدها إلى أحمد
كانت عبلة تهز رأسها يميناً ويساراً رافضة ودموعها على خدها سائلة .. قفزت أمام عينيها صورة وجه أحمد فى آخر لقاء بينه وبينها منذ ثلاثة أيام .. شعرت بنظرات عينيه الباكية الذابلة تخترق قلبها، هى من فعلت به ذلك .. وعليها أن تصلح بعض ما أفسدته ، مهما كان الثمن .. لكن هل يمكن أن يكون الثمن هو شرفها ؟
رأت حورية يوسف مرتدياً عبائة مذهبة غالية.. يقف منتصباً واضعاً يديه خلف ظهره مشبكاً.. وعيونه على جسدها ناظرة .. قالت حورية بصوتٍ متحشرج مضطرب وجسدها يرتعش
- يوسف .. أنت تعلم أن محمود برئ ، فقد كان معى ليلتها .. أطلق سراحه ودعه لحاله وسأعطيك كل ما تطلب
تنهد يوسف فى وجهها محدقاً ورفع حاجبه الأيسر يقول بهدوء
- كنت أدرك أنكِ أميرةٌ غريبة .. والآن
أدركت أنكِ مجنونة
صمت يقترب منها بخطواتٍ متوازنة ثابتة ، ويديه لاتزال مشبكة خلف ظهره ثم تابع بنبرة خشنة مخيفة وقد أمال رأسه لتقترب أنفه من أنفها
- ألهذه الدرجة تحبيه ؟
قالها وهو يملأ كأساً ذهبية بالخمر .. عاد بذات الخطى الثابتة يقترب من حورية يتجرع الخمر ، وأشار بأصبعه السبابة باليد الممسكة بكأس الخمر تجاه الأرض قائلاً بصوت آمر
- إركعى تحت قدمىّ
هذا هو الوعد الذى كان يوسف قد قطعه على نفسه حين مزقت حورية رسالته فى شرفتها هذا هو الوعد الذى كان يوسف قد قطعه على نفسه حين مزقت حورية رسالته فى شرفتها وألقتها فى وجهه .. أقسم يومها ليجعلنها تأتيه راكعة ولو بعد حين .
إتسعت عينا يوسف حتى كادت تقفز من محاجرهما .. حين رأى حورية لم تركع .. بل ألقت بنفسها ساجدة تحت قدميه تقول بصوتها المكتوم على السجادة
- أصدر أوامرك وأطلق سراح محمود .. وأنا رهن إشارتك
نزل يوسف على ركبتيه وأمسك بشعر حورية يجذبها لتعتدل من سجودها .. جرع ما تبقى فى الكأس من الخمر جرعةً واحدة وأطاح به بعيداً ،فأصطدم بالجدار محدثاً دوياً جعل جسد حورية يقشعر فزعاً .. قال يوسف و علامات الذهول على وجهه وقبضة يده متشبثة بشعر حورية تجذبه
- حتماً هذا الصعلوق بائع الجلود سحر لكِ هكذا لم يجد يوسف تفسيراً للأمر .. لأنه لا يدرك أساساً شيئاً اسمه الحب .
الحب عند المرآة هو ما يجعلها تنسى الزمان والمكان ، فقط تحيا فى عالم الأحلام ظل السؤال يتردد فى ذهن عبلة .. هل يمكن أن يكون الثمن هو شرفها ؟ .. ولما رأتها رمانة مترددة .. سارت بها تجاة فرشة فى أحد الأركان أعدت خصيصاً .. وباتت عبلة وسط بكائها فى شبه غيبوبة .. لم تدرى عبلة بأنها صارت على الفرشة ممددة .. ورمانة تخلع عنها ثوبها ممهدة .. تواصل بكائها عبلة مستسلمة .. أمعن هارون النظر إلى جسد عبلة وصار عارياً .. لم تكن عبلة فى حالة تسمح لها أن تدرك ما يحدث لها .. أجهدها البكاء فتوقفت عنه لاهثة .. كما تقول اللفائف لابد من جعل المرأة فى قمة متعتها.. مر الكثير من الوقت ولا يبدو أن عبلة من الممكن أن تصل لشىء من المتعة .. فقط تبكى ثم تتوقف ثم تعاود البكاء .. كانت عبلة فى عالم آخر .. تحيا فى الذكريات منذ قابلت أحمد فى السوق وحتى نظرة عينيه فى آخر لقائاتهما .. تجتر الذكريات وتبكى .. ملَّ هارون فوق عبلة ، فأشار لرمانة التى سارعت تناوله الخنجر .. أمسك به وهوى على قلب عبلة .. لم يحدث لها شئ .. فقط تغير صوت بكائها لحظة غرس الخنجر فى قلبها .. ثم عاد صوت البكاء لما كان عليه .. تعجب هارون ، فأدار الخنجر فى قلبها ، فخرج الدم من فمها يختلط بدموعها المنهمرة ..
وتوقف البكاء . قام يوسف ونزع عبائته بغل .. فصار عارياً أمام حورية وصاح بغضب
- قفى وإخلعى الثوب
لم يفاجئ الأمر حورية ، لكن يوسف سمع أناتها المكتومة .. وعيونها صارت بالدموع مملوءة .. لم يكن الثوب الخفيف يحتاج سوى دفعة خفيفة
من يدي حورية لينزلق تحت قدميها وتصير عارية .. توهجت أرنبة أنفها إحمراراً ، وسرعان ما إحتقن وجهها .. وما أن علا صوت بكائها حتى فزعت على صرخات يوسف فيها يقول
- علام تبكين ؟
قالها وهو يهوى على وجهها بصفعةٍ قوية أسقطها أرضاً .. ثم جذبها من شعرها يجرجرها على الأرض تجاه السرير .. إعتدل يلهث يرقبها وهى تتشنج باكية تحت قدميه .. سحب نفساً عميقاً ونزل بجسده يقول بهمس
ووجهه محتقن
- إذا لم تتوقفى عن البكاء فإنسى أمر ذلك الصعلوق
هرعت حورية تمسح ما علق بوجهها من سوائل بكائها .. تبتلع ريقها بعنف .. وتسحب الهواء من أنفها .. فتوقف بكائها نهضت من على الأرض لتقف خاشعة ذليلة ملاصقة للسرير أمام يوسف ، الذى مد يده تحسس براحته وجهها ويداعب بأنامله خصلات شعر ها ثم أمسكها بيديه من منكييها يدفعها شعرها .. ثم أمسكها بيديه من منكبيها يدفعها خفيفاً ، فصارت على ظهرها على السرير ممددة .. نام فوقها وسمع أنات بكائها قد بدأت مجدداً تتصاعد .. فهوى بلطمةٍ على وجهها صائحاً
- يبدو أنك تعشقين اللطمات على وجهك أيتها الأميرة
صمت يحدق فى عينيها بنظرةٍ شريرة وهى تكابد رغبة البكاء وتمسح بظهر يديها دموعها ثم تابع
- تماماً .. كما لطمك الصعلوق بائع الجلود قالها وهو يستعد لأخذ ما يريد
قام هارون وسلخ جلد عبلة ولفه فى حقيبته .. ساعدته رمانة وبعدما إنتهيا لفا الجثة جيداً بالقماش .. وحملها هارون وإتجه بها حيث حصانه بجوار باب المخزن ، وضعها عليه وركبت رمانة خلفه .. لثم وجهه وإنطلق فى الدروب الضيقة التى لا يحرسها الجنود .. القى بجثة عبلة من فوق الحصان بأحد الدروب ..نزل وواصل على حصانه السير الدؤوب .. وحين إقترب من قصر ابن زيدون سمع رمانة تقول
سقطت رمانة على الأرض وعلا صوت إرتطام جسدها بالأرض .. فنظر هارون حوله ولما تأكد أنه لا يراهما أحد .. نزل بجسده ينزع الخنجرمن قلب رمانة ويمسح الدماء من عليه بطرف ثوبها .. ثم إمتطى حصانه وإنطلق إلى الدار الأجيرة يكمل العمل .. أذاب الدهن وفلتره وتحصَّل فى نهاية على قنينة زيت أصغر من أصبع اليد .
تنهد يوسف مبتسماً محدقاً فى وجه حورية وهى تكابد رغبة البكاء .. وقبل أن يدفع ليمزق بكارتها ، إنفتح الباب ودخلت رمانة تلهث وكأنها كانت تعدو قادمة من مسافةٍ بعيدة .. إلتفت يوسف فزعاً ينظر وعلى عينيه الغضب فى وجه الجارية جومانة التى لم تعبأ بعيون يوسف .. ولا المنظر على السرير أمامها وقالت وسط لهاثها
- سيدى .. القاتل عاد
تلتقط أنفاسها وقد ضاقت عيون يوسف بعدما كادت أن تلتهمها حين دخلت عليه وسمعها تواصل
- هناك جثة مسلوخة
تلتقط بعض الأنفاس
- وجثة غير مسلوخة
قام يوسف من فوق حورية ..لم يلتفت لأصوات بكائها التى أغرقت الغرفة .. هرع يرتدى زيه وغادر منطلقاً .. بينما لا تدرى حورية كيف عادت لقصرها .. تفكر .. الان ظهرت براءة محمود وسيُطلق سراحه .
سرت الفوضى فى البلاد بعد مقتل عبلة والجارية رمانة .. لم يعد هناك أمان ، يخشى أيةُ رجلٍ فى البلاد .. صعلوقاً أو أميراً كان ، على زوجاته وبناته وأخواته وحتى جارياته من الخروج ، فقد يقتلهن القاتل المجهول
.. توارت النساء ..وبارت السلع
فى الأسواق .. كسدت الأحوال وغرقت البلاد.. إنتشرت القصص والأساطير تروى حكاياتٍ عن القاتل المجهول .. يقولون أنه ****ٌ مأمور .. على أصحاب الخطايا سطور .. ويقولون أنه سلطان" مظلوم يريد أن يستعيد عرشه المسلوب .. ويقولون أنه أمير" مخبول ، إحتالت عليه جارية فاتنة فسلبت منه ثروته ، فبغض النساء جميعاً ، لذا هوى عليهن تقتيلاً .. ويقولون أنها إمرأة قتلوا ابنتها الصغيرة فهى تنتقم ..تملك الخوف والذعر من الناس والعباد وحتى الأمراء والأعيان ، تجاه القاتل المجهول .
هذا إلى جانب إحتكار هارون لبضاعة القافلة ، فى البلاد نقطة فاصلة .. حدد الشيخ جليل باسم هارون للسلع أسعاراً باهظة .. لم يقدر عليها سوى الأمراء والأعيان والأغنياء .. بينما لم يجد الفقراء ثمن ما يحتاجونه ، بعدما تقافزت الأسعار بطريقة مجنونة ، وكان لابد من وقفة
*****************************
بداخل القصر السلطانى
كان السلطان المبروك وابنه ولى العهد جلال مع الحاشية المحتشدة مجتمعين .. صرخات جلال
تشق أجواء المكان هذا القاتل يعبث بنا .. يسخر منا .. ألا نستطيع أن نوقفه ؟ .. لقد جعلنا أضحوكةً للعباد .. لابد من الإتيان به بأى ثمن
فى نفس الوقت
بداخل المسجد
كان القوم المعارضون للسلطان مجتمعين .. وبأنظارهم جميعاً تجاه المأمون مشدوهين ..وإلى كلماته بصوته يشق سكون المسجد مستمعين
- لقد زاد الظلم والطغيان .. تجلَّى لنا ضعف الحكام .. قاتل طليق السراح. يعبث بالبلاد .. لابد لنا من وقفة .. وعلينا بالظلم ألا نرضى
بداخل القصر السلطانى
يتحرك جلال فى المكان كالممسوس .. وعلى وجهه تعبيرات الجنون .. يردد ويصرخ كالمحموم
- إجعلوا فى كل شارع من الجند والحراس ..بل فى كل دربٍ وزقاق .. بل ضعوا حارساً أمام كل بيتٍ فى المدينة .. إذا صدق ما يردده المعارضون عن الخطايا السبع ، فلا يزال أمامه جثة مسلوخة أخرى وقد يصاحبها قتلى كما حدث لجارية ابن زيدون
صمت يحدق فى وجه قائد الشرطة يوسف بن حسيب بنظرة إرتعد لها جسد يوسف ، وواصل خافضاً حدة صوته ، يقترب برأسه من رأس يوسف الجالس وقد أشاح بوجهه يتحاشى نظرة جلال وسمعه
- هذا رهانٌ قائم بيننا وبينه .. لن ينال من السابعة
بداخل المسجد
قال الوائل بن الإبراشى
- وماذا نفعل يا مأمون ؟
رد طالع بن الأسياد
- نحن لا نريد قتلاً ولا دماء
تدخل المصطفى بن البكرى بصوته الجهورى
بداخل القصر السلطانى
بالكاد نطق يوسف قابضاً بيده على مقبض السيف فى غمده يرنو بعينيه لوجه جلال يطرفها سريعاً
- قد لا يكفى ما عندنا من جنود لكل هذه الحراسة يا مول.. .
قاطعه جلال صارخاً فأقشعرت أجساد
الحاضرين
- إستعين بجنود الجيش
قالها وهو يدير وجهه من على يوسف إلى الوزير البشير بن الطرطاوى قائد الجند .. الذى رد سريعاً بوجهه النحيف وعينيه الغائرة
- كل جنود الجيش تحت أمر الشرطة يا مولاى
بداخل المسجد
يقول إبراهيم بن عيسى بهدوء
- هذا يتوقف على طاعة الناس لنا ..
وإلتزامهم بكلامنا .. حتى لا يسود العنف وتُسفك دمائنا
رد المأمون بحماس
- سنحرص على ألا يتجاوز ذلك الحدود
بداخل القصر السلطانى
هدأت نبرة جلال وهو يواصل كلماته بنبرة تحدى وإصرار
- لن يعبث بنا هذا القاتل مرة أخرى .. أريده حياً لأسحقه بيدى
قالها جلال وهو يرفع زراعه اليمنى ، ويقبض بيده معتصراً أصابعه فى الهواء وكأنه يسحق شيئاً بقبضته .
بداخل المسجد
بصوته الوقور وبنبرةٍ هادئة يواصل المأمون كلماته
- إن اللـه لا يغير ما بقوم، حتى يغيروا ما بأنفسهم .. فإذا أراد المظلومين والمقهورين من العباد أن يحيوا حياةً كريمة ، فعليهم ألا يخنعوا للظالمين
قالها المأمون وهو يمد كفيه المفرودين أمام صدره ويواصل
- واللـه المستعان فى كل الأمور
نشط القوم المعارضون للسلطان وعلى رأسهم المأمون .. عن حقوق العبادِ يدافعون .. بدأت التظاهرات والإضرابات تنتشر فى الربوع ..
إضطر الأغنياء لرفع قيمة الأجور .. ليعود الخدم والعمال فى قصورهم يعملون .. يجلس الخدم فى البر تاركين أعمالهم.. وتجتمع العاملات فى الخلاء محتجبين عن أشغالهن ..ولما وجد العباد أن الوقوف فى وجه الظلم والطغيان يفوز .. إزدادت المظاهرات والإعتصامات والإضرابات ، وإنتقلت من الربوع إلى الطرقات والدروب .
نزل ولى العهد بنفسه فى عربته الفخيمة يتجول فى المدينة.. فرأى
بنفسه كيف عمت الفوضى وبانت المصيبة .. عاد وإستدعى قائد الشرطة وقائد الجند بين يديه برؤوس, ذليلة .. صرخاته تشق ردهة القصر السلطانى الفسيحة
- أريد أن يتضامن الجيش مع الشرطة لبتر هذه المصيبة .. لقد تركتم هؤلاء القوم بعقول الناس يعبثون .. إنهوا هذه الفوضى بأى طريقة .. إقبضوا على المعارضين ومن والاهم .. وعلى كلٍ من تسول له نفسه إشاعة الفتنة أن يذوق العذاب .. إضربوا لدى المخربين كل بنان .. أطيحوا بالأعناق .. على الجميع أن يعلم أن قبضة السلطان تحكم البلاد
هكذا خرج قائد الشرطة يوسف بن حسيب ومعه قائد الجند البشير بن الطرطاوى .. إختلط جنود الشرطة بجنود الجيش كالشياطين فى الدروب والطرقات والربوع والأنحاء .. وبدأت المعمعة .. وسُفكت الدماء من المظلومين والجُناة على السواء .. الناس تقتل الجنود والجنود يقتلون الناس .. لم يقتصر هجوم الجنود على المتجمهرين من المتظاهرين فى الطرقات ، بل امتدت إلى البيوت الآمنة بمجرد سماع خبر, ولو كاذب أن هذا البيت بداخله متظاهرون مختبئون ، أو أن به إجتماعاً لتنظيم إعتصام أو مظاهرة .. فعلى الفور يهاجمه الجنود ، يدمرون ويحرقون ويقتلون .. وبعد أيام من سفك الدماء التى ملأت الشوارع والطرقات .
توقف القتال
إنتهت المعمعة بنتائج مبهرة
إنتصر السلطان أو بالأحرى ولى العهد .. أو الأصح إنتصر الظلم والطغيان وتم إحكام السيطرة على البلاد
إمتلات زنزانات ديوان الشرطة بالمعارضين ، بما فيهم إبراهيم وابن الإبراشى وابن السادات وابن البكرى و المأمون .. وقبلهم فى الزنزانة قابعٌ محمود ..أما أمجد بن الجلاد فقد ربح وفاز لم يكن ممن فى السجن من المنزلين .. هكذا دائماً من يكون على الحياد فهو من الرابحين .
كتبت هذه الرواية عام ٢٠٠٨ لتجسيد حقبة تاريخية لمصر ، وتنبأت فيها بالثورة ، قبلها بـ ثلاث سنوات
البلاد المباركة ج ١
بداخل ساحة القصر السلطانى الفسيح كان السلطان المبروك يجلس على عرشه منتفخة أوداجه ، تتدلى شفته السفلى وقد ملات التجاعيد وجهه بعدما تجاوز الثمانين من العمر .. يأبى أن يتنازل عن العرش لإبنه جلال المبروك الجالس على يمينه غاضباً .. وكان لكبر سنه عاجزاً عن إدارة شؤون حكم البلاد ، فآلت أحوال العباد إلى ابنه جلال الذى ترأس ديوان التفويض ، صاحب السلطة الكاملة فى إدارة البلاد نيابةً عن السلطان المبروك .. ومن بين يدي السلطان وابنه جلس عددٌ من الوزراء المقربين ممن يتحكمون فى شؤون الخلق ومركب حياتهم من تحت أيديهم يهيم .. كان نظام الحكم السلطانى فى البلاد يعتمد على نظام يُدعى ( السبهالة )
وهو نظام حكم جديد وبديع .. يعتمد أن تترك الأمورَ تجرى فى أعّنتها .. وحال البلاد والعباد
بالبركة يسير .. فأدى ذلك النظام إلى إنشطار البلاد لقلةٍ وغالبية .. قلة تملك السلطة والمال وكل شئ .. وغالبية لا تملك من ذلك شئ .. إنما تقوم بالعمل لدى القلة الغنية مقابل حفنة من الدنانير .. بالكاد على سطح الحياة يسبحون ..
بغريزة البقاء عن النجاة من الغرق فى بحر الموت يبحثون .. كسدت التجارة وإنتشر الفقر وسائت الأحوال .. بينما القلة الغنية من ذوى السلطة والجاه والمال ينعمون .. وعلى الآرائك الموسورةِ فى قصورهم يجلسون .. والجاريات الفاتنات هم يضاجعون .. والإماء بين إيديهم بكؤوس الخمر يدورون .. ومن الفاكهة, ما لذ وطاب هم يأكلون .. أولائك فى البلاد هم المكرمون .
بصوتٍ واهن قال السلطان المبروك مخاطبا
وطاب هم يأكلون .. أولائك فى البلاد همُ المكرمون .
بصوت, واهن قال السلطان المبروك مخاطباً الوزير حسيب بن العادل قائد الشرطة
- مسلوخة كانت الجثة .. ما معنى ذلك .. ذئب أكلها ؟
هكذا قال السلطان وقد إكتسى وجهه بعلامات عدم الفهم ، فرد الوزير حسيب قائلاً
- لو كان ذئباً لنهش الجثة ومزقها .. لكنها سليمة .. جلدها مسلوخٌ منها والباقى سليم صاح وريث العرش جلال محتداً لما أحس بكلمات قائد الشرطة تجعل أبيه غبياً أمام
حاشيته
- وكيف تجرؤ يا قائد الشرطة على الجلوس أمام السلطان قبل أن تأتى بمن فعل ذلك ؟ إبتسم حسيب بن العادل قائد الشرطة بوجهه المثلث فى الشكل وقال
- وهل لى يا مولاى الأمير ألا أحضر حين طابنى السلطان .. أمد اللّٰه فى عمره وأبقاه
زخراً للمؤمنين
تدخل بشير بن الطرطاوى قائد الجند بوجهه النحيف وعينيه الضيقة الغائرة يتصنع علمه
ببواطن الأمور
- قد يكون الفاعلُ يا مولاى السلطان بعضُ جند بلاد البرامكة من الأعداء لبث الذعر والخوف فى بلادنا الآمنة حفظها اللّٰه من كيد
الأعداء .. لذا أرسلتُ ساريةً من جيشنا العر مرم تتقصى الأمر
لم يكن قائد الجند قد أرسل جندياً واحداً ولكنه أراد أن يبين للسلطان مدى ما يبذله من تضحيات فى سبيل البلاد .. قال جلال المبروك وريث العرش والمتحكم الفعلى فى البلاد
- ألم تعرفوا بعد جثة من المسلوخة تلك يا
قائد الشرطة ؟ - سنعرف حتماً يا ولى العهد .. لقد إختفت ملامح الجثة السمينة بعد سلخها.. وكذلك بقائها يومين ملقاه على أطراف المدينة .. إلا أننا عثرنا على خاتم صغير بأصبعها ..
- ملك يمين من تلك الجارية ؟
- هارون الوكيل
- أليس ذلك الرجل هو هارون المدين لأغلب
رجال المدينة ؟
رد الوزير بطريق بن الغالى بوجهه المستدير كالكرة وشفتيه المكتنزة وحاجبيه الكثين
- نعم هو يا مولاى الأمير .. وقد حصل على قرض، من بيت المال لإنعاش تجارته وسداد
ديونه
ما إن سمع السلطان ذلك حتى صاح قائلاً
- ومن أذن لك أن تخرج قرضاً من بيت المال
؟
- إنه قرض يسير يا مولاى .. لم يستدعى الأمر الإستئذان .. ا
أدام اللّٰه عمر سلطان
لبلاد وأبقاه ملجناً للمدينين ..وسوف يدفع
- إنه قرض يسير يا مولاى .. لم يستدعى الأمر الإستئذان .. أدام اللّٰه عمر سلطان البلاد وأبقاه ملجئاً للمدينين ..وسوف يدفع عليه فوائدٌ مناسبة
قال بطريق بن الغالى جملته الأخيرة وعينيه تلمع ببعض الخبث .. فتلك الفوائد سيعود نفعها على القصر السلطانى حيث يُصرف منها على إحتياجات القصر من النعم .. بخلاف ما يستقطعه بطريق لنفسه .. ففى هذه البلاد المباركة تتناثر الأموال فيها على الوزراء والمسئولين .. بها القصور يبنون .. والجوارى يشترون .. ومن الذهب والفضة يكنزون .. يوم يُحمى عليها ذوقوا هذا ما كنتم لأنفسكم
تكنزون .. بينما لا يصل من تلك الأموال للعباد إلا الفتات القليل ، والتى هى أصلاً من الجزية التى لهم يدفعون .. قال جلال المبروك وولى العهد محدقاً فى وجه شيخ بندر التجار
- اليس هارون الوكيل زوج إبنتك يا شيخ
التجار - نعم يا أمير .. لكنى لا أعلم أن لديه جارية إختفت منذ يومين سوى من قائد الشرطة الآن
- إذهب يا قائد الشرطة وأطلب من هارون الوكيل المثول بين أيدينا .. ثم تابع مع أهل الجارية المختفية .. إعرض عليهم الخاتم وأنظر ماذا هم فاعلون ؟
كان يمكن إرسال أحد الحراس لطلب هارون ..
ولكن جلال كان يريد أن يُشعر قائد الشرطة ببعض الإهانة .. عقاباً على تقصيره فى حماية البلاد
فى أحد الليالى كان هارون الوكيل يسير بخطى حذرة وسط ظلمة الليل ، عدا بعض سنايا القمر
الخافتة .. ينتعل مركوباً ذهبى اللون مدبباً من الأمام أشبه بمركب بحرى ، دفع فيه الكثير من الدنانير حينما إشتراه من بلاد الهند بعدما علم أنه المركوب الذى كان ينتعله السندباد فى رحلاته ..
وعلى جسده عبائة مطرزة عتيقة خضراء دفع فيها آلاف الدنانير حين إشتراها من بلاد السند بعدما علم أنها العباءة التى كان يرتديها علاء الدين ، وتمنى وقتها لو إستطاع شراء المصباح
.. وعلى رأسه عمامة زرقاء حريرية يتوسطها من الأمام جوهرة نفيسة متدلية على بداية جبهته إشتراها من بلاد اليمن.
يملك هارون الوكيل بشرة قمحية اللون وعينان عسليتان ، وإعتنى بلحيته المحفوفة وشاربه الأنيق أفضل عناية .. قامة طويلة وجسد ممتلئ دون سمنة .. لا تفارق حزامه قنينة عطر, فواح فاخر .. أما عن شخصيته فتتلخص فى أنه لا هم له فى هذه الحياة سوى إشباع رغباته وشهواته دون أن يعبأ أو يكترث بشئ آخر.
كان يسير فى تلك اللية دافساً رأسه بين منكبيه ، مسدلاً عمامته يخفى جبهته العريضة حين شهق
فزعاً على إثر يد تقبض على كتفه من الخلف وصوت يصيح من ورائه
- لقد أمسكت بك أيها الزنديق الملعون
- من ؟ .. ابن زيدون !! .. لقد أفزعتنى يا رجل
- أنت لم ترى فزعاً بعد .. هيا معى إلى القاضى وافزع هناك كما تشاء
تبدلت ملامح هارون وكست وجهه إبتسامة
متابعاً بصوت ودود
القاضى وافزع هناك كما تشاء
تبدلت ملامح هارون وكست وجهه إبتسامة
متابعاً بصوت ودود
- وهل هُنت عليك يا صديقى .. و**** إنى لأفكر فيك ليل نهار .. كنت سأحضر لزيارتك .. فقد أوحشتنى
- دعك من هذا الكلام يا زنديق .. أين الدّين الذى عليك .. سأسجنك بصك الدّين .. سر أمامى إلى القاضى قبل أن أطيح برأسك وأدنس سيفى بدمك
- الم تسمع ما حدث لى يا صديقى لقد اغار على قافلتى قطاع الطريق ونهبها اللصوص
.. إصبر عليّ بضعة أيام حين تصل قافلتى الثانية وأبيع بضاعتى وأربح .. عندها سأرد دينى ولا يبقى علىّ درهمٌ واحد لك أولغيرك - نعم لقد سمعت عن قافلتك واللصوص ولكنى لم أرى ذلك .. بينما سمعت أنك إشتريت داراً جديدةً على أطراف المدينة .. ولا تطلع عليك شمس يوم جديد إلا وتكون قد إشتريت جارية جديدة
- يا صديقى هذا هراء .. الناس هنا يطلقون علىّ الأكاذيب .. لم أشترى الدار .. إنما إستأجرته بضعة أيام أخلو فيه بنفسى بعيداً عن زوجتى القردة الشمطاء .. فأنا مهمومٌ وحزين لما حدث بقافلتى من اللصوص
- أليست زوجتك هذه بنت شيخ بندر التجار
..وتزوجتها ليساعدك أبوها بماله على سداد ديونك
- لقد تزوجت تلك القردة لمالها ، فذهب المال وبقيت القردة على حالها .. أبوها البخيل كان
يساعدنى ببعض المال لكنه ضن علىّ وأقسم
ألا يعطينى درهماً
- لأنه رآك زنديق ملعون لا أمل فيك ولا رجاء
- وما شأنه هو ؟ إنه مال القردة زوجتى ..
أليس لها نصيب فيه .. حتماً سيموت وسترثه زوجتى وسأنعم أنا بالمال - إسمع ..
لقد فاض بىّ الكيل منك .. سأمهاك أسبوعاً واحداً ، إن لم ترد لى مالى سأذهب إلى القاضى .. ولا سلام عليك
- إنتظر يا ابن زيدون .. لقد سمعت أنك إشتريت جارية رومية صارت حديث رجال المدينة .. دعنى أسهر معك الليلة وأراها يا
صديقى - أجُننت يا ملعون .. لا تنادينى بصديقى هذه
.. ولّى عنى
هرع هارون خلفه يسير جنباً إليه قائلاً
- أنا أعلم أنك تحب الضحك .. دعن أحكى لك فكاهة جديدة عن الجاحظ إن أعجبتك ، أسهر معك الليلة وإن لم تعجبك سأنصرف لحالى
لم يرد ابن زيدون ماضياً فى طريقه وإلى جواره يسير هارون الذى واصل
- جاء رجلٌ إلى الجاحظ و قال: أريدك أن تكتب إلى صاحبك فلان كتاباً توصيه فيه أن يساعدني في أمر أحتاجه منه.
- جاء رجل إلى الجاحظ و قال: اريدك ان تكتب إلى صاحبك فلان كتاباً توصيه فيه أن يساعدني في أمر أحتاجه منه.
فكتب الجاحظ رسالة إلى صاحبه، و ختمها و أعطاها للرجل، حمل الرجل الرسالة، ولمّا خرج من بيت الجاحظ، فضها و قرأها فإذا فيها:
"أرسل إليك هذا الكتاب مع شخص لا أعرفه ، فإذا ساعدته لن أشكرك، و اذا لم تساعده لن ألومك "
نغضب الرجل و عاد إلى الجاحظ حانقاً، فقال
الجاحظ : كأنك فضضت الرسالة، وقرأت ما فيها.
قال الرجل: نعم.
فقال الجاحظ: لا تغضب ، ما جاء في الرسالة إنما هو علامة لي إذا أردت العناية بشخص.
قال الرجل: قطع اللّٰه يديك و رجليك و لعنك.
قال الجاحظ: ما هذا؟
قال الرجل: هذه علامة لي إذا اردت أن أشكر شخصاً!!.
ضحك ابن زيدون وبادره هارون قائلاً
- لقد أعجبتك .. سأحكى لك واحدةً أخرى توقف ابن زيدون عن السير مترقباً ، وسمع هارون يواصل كلماته
- كان الجاحظ واقفاً أمام بيته، فمرّت به إمرأة حسناء، فابتسمت له، وقالت: لي عندك حاجة.
قال: إلى أين؟ قالت: اتبعني دون سؤال.
فتبعها الجاحظ إلى أن و صلا إلى دكان صائغ ، وهناك قالت المرأة للصائغ.
مثل هذا! ثم انصرفت.
عندئذٍ سأل الجاحظ الصائغ عن معنى ما قالته المرأة ، فقال له: لا مؤاخذة يا سيدي! لقد أتتني المرأة بخاتم، وطلبت مني أن أنقش عليه صورة
شيطان، قلت لها: ما رايت شيطاناً في حياتي، فأتت بك إلى هنا لظنها أنك تشبهه!!.
علت أصوات ضحكات ابن زيدون وهارون ، ولم يتمكنوا من كبت جماح الضحكات اللاهثة ، فسمعا صوتاً قادماً من أحد النوافذ يصيح
- أين العسس ؟ .. إمسكوا هذين الرجلين ..
لصوص .. لصوص - أسلم هارون وابن زيدون سيقانهما للريح ..
ولما إبتعدا وإنحرفا إلى أحد الطرقات ..
هدأت الخطوات والأنفاس وقال هارون - لقد أعجتك يا صديقى .. إذن سأسهر عندك الليلة .
كان هارون
يجلس إلى جواره فوق فرُش من ريش النعام على الأرضية الرخامية ، ومن أمامهم سلطانية الفواكه ..تدور الجوارى بكؤوس الخمر ..
حتسيان الخمر ويقضمان التفاح الأحمر والموز
والعنب .. أخرج هارون قنينة العطر من ثوبه ..
قنينة صغيرة بها سائل أصفر و على رأسها قطعة معدنية صغيرة تتصل بخرطوم دقيق فى نهايته كرة مطاطة.. يضغط هارون بأصابعه على الكرة المطاطية فيتناثر العطر على وجهه وحول رقبته .. يلتقط نفساً عميقاً ليشتم العطر هائما ويواصل تحديقه فى الخمسة جوارى اللاتى ترقصن وتغنين على أنغام الموسيقى .. يرتدين جميعاً نفس الثوب من الدانتيل الشفاف بألوان مختلفة .. تبدو من خلف الأثواب الشفافة أجساد الجاريات وهن يتراقصن ويتمايلن .
صاح هارون
- آه يا ابن زيدون .. من أين تأتى بالجواني الفاتنات تلك
- ماشاء اللّٰه لا قوة إلا ب****
- أنا لا أحسدك يا رجل
- كلوا وأشربوا ولا تسرفوا ..إن اللّٰه لا يحب المسرفين
- وكأنه لم يسمع شيئاً عاود هارون التحديق فى الجوارى اللاتى بدأن تخلعن ملابسهن تدريجياً إلى أن أصبح الجميع عرايا يرقصون ويغنون ، وبدأ المجون ..أخرج هارون من حزامه قنينة العطر .. ضغطات من أصابعه على الكرة المطاطية فاندفع الهواء بالخرطوم الدقيق ومنه إلى القنينة فتناثر العطر على وجهه .. إلتقط نفساً عميقاً هائماً يشتم العطر الذى فاح أريجه فى المكان ، فصاح ابن زيدون وهو يسعل
- ماهذه الرائحة الخانقة يا رجل .. لقد جعلتنى
اختنق - خانقة ؟ .. أصمت ..
أنت لا تفهم فى العطور
.. هذا عطرُ النفيسة ، يصنعونة من المسك الممزوج بعرق النساء الفاتنات .. أجلبه من بلاد الهند - نعم أنه رائحة عرق منتن
- تستحقين أيتها الجارية ما يقوله عنك رجال
المدينة
رد ابن زيدون بإشمئزاز من الرائحة التى فاحت فى المكان
- ليست هى يا رجل .. إنها جارية عادية
- عادية ؟ .. وما تكون إذن تلك الرومية ؟ أين
هى ؟ - وما شأنك أنت ؟
وميضاً يُسحر القلوب ويسلب الألباب
.. ورموشها السوداء الكحيلة الطويلة تنغرز فتؤلم القلوب ..لم يدرى هارون بنفسه وهو يندفع عائداً ليجلس على أريكته قائلاً
- سبحان من خلق هذه العيون .. لم أرى مثله من قبل .. إكشفى عن وجهك
نظرت الجارية ترنو بطرف عينها لسيدها ابن زيدون ، الذى أوما لها أن تفعل .. أزاحت ال****
عن وجهها الأبيض المثير ، الذى لا يسعك إلا أن تحدق فيه مذهولاً مأخوذاً .. الأنف الصغير المتناسق مع وجهها المستدير كتفاحة ، وشفتاها العامرة تنادى بهمس الشبق .. أزاحت عن رأسها الطرحة الحريرية البيضاء فتجلى شعرها الكستنائى مائلا لبعض الحمرة .. هنا لم يتماك هارون نفسه وهرع يخرج قنينة العطر ينثر منها على وجهه صائحاً
- و**** ما هذا الجمال إلا فى أساطير الأولين أتاه صوت ابن زيدون يقول
- كف عن هذه الرائحة يا رجل .. إنى أختنق
- كف عن هذه الرائحة يا رجل .. إنى أختنق منتهى الدلال بدأت الجارية الرومية فى تعرية جسدها ساحبة ثوبها من أعلى لأسفل .. تبعث نظراتها الشهوة فى الأجساد الباردة فتحيلها إلى
لهيبٍ متقد .. صارت عارية تماماً
نظرات هارون تتهادى على جسدها وكأنها بجعة تسبح على سطح الماء.. وجد هارون نفسه يسير على أربع تجاهها ، مما جعل ابن زيدون يضحك قائلاً
- و**** يا ملعون هذه المِشية تناسبك .. ليتك لا تمشى غيرها
لم يسمع هارون شيئاً مما قاله ابن زيدون فقد كان فى عالم، آخر .. تنهد بعمق وعيناه لا تطرف جاحظة على جسد الجارية وقال
- ما أنتِ ببشر .. أنتِ حورية من الحور العين هبطت من الجنة
قالها فى الوقت الذى كان ابن زيدون يفرقع بأصابعه .. فعلت أصوات الموسيقى تعزفها الجاريات ، وبدأت الجارية الرومية ترقص وتتمايل عارية مغنية .
قال هارون متمايلاً على الأنغام
- ما اسمك أيتها الحورية ؟
- نادية
أخرج هارون قنينة العطر ..يرش ويشتم ما تناثر على وجهه هائماً .. إنتهت الجارية الرومية من الرقص والغناء .. إندفع هارون يمسك بالجارية نادية ، وأرقدها على الأرض ، وظل يسكب العطر على جلدها ثم يعاود التقاطه فى القنينة .. صاح ابن زيدون
- ماذا تفعل يا مخبول ؟
- أمزج العطر برائحة نادية .. فحتماً سيصير عطراً من الجنة
ويرش ويشتم ويهيم.
صياحُ الديك وشقشقة العصافير تعلن عن قدوم الصباح .. هدأت الأنفاث اللاهثة وقال ابن
زيدون
- علام تنتظر يا مخبول .. ل
لقد ولى الليل،
وأدبر .. هيا إنصرف ولا تنسى مالى بعد أسبوع
دون أن ينطق هارون كان قد غادر القصر إلى داره
عاد هارون لبيته والصباح قد بدأ ينثر بنوره على الأرض .. دلف متخفياً حتى لا تستيقظ زوجته .. يترنح من سُكر الخمر وخدر ما بعد المتعة خلع ملابسه ونام .. وقبل أن تغمض عيناه سمع زوجته الراقدة على السرير تقول
- حئت أيها الغراب ولماذا التيكير ؟
المتعة خلع ملابسه ونام .. وقبل أن تغمض عيناه سمع زوجته الراقدة على السرير تقول
- جئت أيها الغراب .. ولماذا التبكير ؟
- أنا غراب يا بومة .. أيتها القردة الكسولة
- أنا كسولة يا شحاذ .. لا عمل لك سوى إقتراض المال حتى صرحنا أضحوكة البلاد
- كفى عن نعيقك هذا وإلا ؟
- ماذا تفعل بى يا صعلوك ؟ هه .. قم أرنى قام هارون وذهب إلى غرفة أخرى لينام.. ظل يتقلب ذات اليمين وذات اليسار ينظر يميناً فيرى الجارية الرومية نادية ويرنو يساراً
إستيقظ هارون مغرب اليوم والصداع متملك"
من رأسه بعد حلم، جميل كان يجمعه بنادية ..
فكر أين يذهبُ هذا المساء .. ودَّ لو إستطاع أن ينعم بليلة أخرى مع نادية .. ولكن ابن زيدون حتماً سيرفض .. أخيراً عزم على الذهاب إليه عله يرضى .. إرتدى ملابسه وتأنق ، ومن قنينة العطر رشَّ .. أوهم نفسه بأن رائحة العطر صارت أجمل بعد مزج العطر برائحة جسد نادية .. ظل يلتقط الشهيق وراء الشهيق ويهيم ..
ما كاد يخرج حتى وجد إحدى جواريه تتسل دالفة إليه قائلة بهمس
- مولاى .. نادية تنتظرك عند الباب الخلفى فى حديقة الدار
- نادية من ؟
- نادية الجارية الرومية
لكن وميض عينيها
الزرقاء كان ينير المكان بشعاع جعل قلب هارون يتاقفز خلف ضلوعه .. بادرت هى قائلة
- هارون .. لقد سلبت لُبِّى وعقلى مذ رأيتك ..
قلبى أحبك وروحى تعشقك .. خذ هذه إقرأها جيداً ولا تجعل أحد يطلع عليها .. إحفظها عندك .. سأنتظرك فجر الغد عند البئر الناضبة على طرف المدينة
ما إن أنهت نادية كلماتها حتى إختفت من أمامه وسط ظلمة الليل بملابسها السوداء .. بينما هارون يحدق بذهول.. أفاق من ذهوله ليجد فى يده صندوقاً صغيراً من خشب الأبانوس ، الذى كانت نادية ناولته له.. دلف مسرعاً إلى إحدى غرف الدار .. أطفأ الشموع بالمصابيح المعلقة وترك واحداً وجلس أسفله وسط الضوء الأصفر
المهتز الخافت حتى لا تشعر به القردة زوجته إذا مرت ، فتُسمعه ما لا يحب .. فتح الصندوق الصغير وأخرج منها سبعة لفائف من ورق البردى مطوية بعناية .. كانت عيناه تتسع ومقلتيه ترتعش وهو يطالع اللفائف .. إنهمك فى قراءة اللفافة الأولى وأتبعها بالثانية وهكذا حتى إنتهى من السابعة ، ليجد جسده يرتعش .. أخرج قنينة العطر ونثر بعضه على وجهه ورقبته ..
ظل يشتم الأريج هائماً ، فتذكر نادية .. ظل عقله يموج و يموج فى محيطٍ من الحيرة ..
يتسائل لماذا أنا الذى إختار تنى نادية ؟ .. وكيف عثرت هى على تلك اللفائف ؟ .. وهل ما بها حقيقى أم أسطورة .. هل فعلاً أحبتنى وهامت بيَّ عشقاً .. لماذا إختارتنى لأكون ملكاً وسيداً على الناس من حولى .. ظل عقله يعتمل بتلك التساؤلات طوال الليل .. يتمنى لو أغمض عينيه وفتحها ليجد اليوم قد مر ، ويقابل نادية ويفهم منها .. كان وجهه يكتسى بإبتسامة بلهاء وتلمع
حقيقى أم أسطورة .. هل فعلاً أحبتنى وهامت بىّ عشقاً .. لماذا إختارتنى لأكون ملكاً وسيداً على الناس من حولى .. ظل عقله يعتمل بتلك التساؤلات طوال الليل .. يتمنى لو أغمض عينيه وفتحها ليجد اليوم قد مر ، ويقابل نادية ويفهم منها .. كان وجهه يكتسى بإبتسامة بلهاء وتلمع عينيه بسعادة طفوليه ، حين رسم له خياله مملكة من الخيال ، ومن حوله الناس يتعبدون .. وفجأه تتجمد ملامحه كقطعةٍ من الحطب ، فربما تكون
تلك اللفائف أسطورة قديمة ، لا نفع منها ولا فائدة من ورائها .. التعبيرات المخيفة ظلت ترتسم على وجهه تتبدل فى لحظات .. يرش العطر بين الحين والآخر ويهيم .
غلبه النوم ليستيقظ على صراخ القردة الكسولة زوجته بعد العصر.. بعد الحوار المعتاد بينه وبين زوجته من اللوم وتبادل الشتائم إنصرفت ، بينما هو يخفى علبة اللفائف فى مكان, آمن.
أمضى باقى النهار وفى الليل ركب حصانه وإنطلق .. وصل إلى البئر الناضبة فى الصحراء نهاية المدينة .. ربط الحصان إلى البئر.. وأول مافعل هو أنه ضغط بأصابعه على الكرة المطاطية فتناثر بعض العطر على وجهه.. إشتم هائماً قبل أن يغرق فى بحر التساؤلات مجدداً أفاق فزعاً على صهيل حصانه الذى رأى فرسة سوداء تقترب .. بالكاد لمح هارون العفرة المنبعثة من أقدام الفرسة .. نزلت نادية عن الفرسة بنقابها ولباسها الأسود الذى يخفيها تماماً وسط ظلمة الليل .. خلعت ال**** فأضاء وجهها
الأبيض المكان .. صوبت وميض عينيها
الزرقاء لعيون هارون .. وقبل أن تنطق بشئ ، هوت على فم هارون تقبله.. ينتفض جسد هارون ويلهث قلبه.. ضحكت بدلال وهمست بأذن هارون
- قبلة واحدة تفعل بك هكذا يا مولاى كان هارون مسحوراً بجمال وجهها .. أسيراً تحت سطوة عينها .. نطق متلعثماً يأهث
- أنت إنسية أم جنِّيه .. ماذا فعلت بى مذ
رأيتك ؟
فردت عبائتها على الرمال جوار البئر .. ورقدت
على ظهرها فوق العباءة المفروشة وتبعها هارون يتمدد إلى جوارها .
ما أروع المشهد ، فى الصحراء وسط ظلام الليل وتحت ضوء القمر الخافت ، وفوق عباءة حريرية سوداء تحتها رمال الصحراء تنقر جلدك .. يلفحك الهواء العليل وإنت على جنبك تتمدد وإلى جوارك حورية ساحرة ، ترقد على بطنها عارية .. ووجهها فى وجههك تبادلك الشهيق والزفير .. بماذا تشعر ؟
هذا ماكان يشعر به هارون الوكيل المسحور بنادية التى قالت بصوتٍ مبحوح
- كيف صار عطرك بعدما مزجته برائحة
جسدى يا هارون ؟
أسرع هارون يحضر العطر من طيات ملابسه ورش بعضه على جسدها وجسده .. سحبت نادية شهيقاً عميقاً وتنهدت قائلة
- لم أكن أعلم أن رائحتى بديعة هكذا يا
هارون - بل هى أبدع من كافة روائح الدنيا العطرة يا
ساحرة العيون - ولكن أبدع ما فى الدنيا هو العطر الذى منصنعه كما اللفائف تقول
- من أين جئتى بهذه اللفائف الغريبة يا نادية ؟ .. أصحيح ما جاء فيها ؟
- هو الحقيقة بعينها .. لقد إخترتك أنت لأنك تعرف وتدرك تأثير العطر فى النفوس ، أحببتك وعشقتك حين رأيتك تمزج العطر
برائحة جسدى
- ستصير ذو شأن, عظيم يا هارون
كان هارون يستمع وعلى وجهه تعبيرات مخيفة
.. وفى عينيه نظرات مرعبة .. واصلت نادية تقول بصوتٍ كالفحيح
- إذهب فى نهار الغد إلى صاحب الدار الذى إستأجرته منذ بضعة أيام .. وإطلب منه أن يؤجرك الدار دون الخدم والجوارى وإذا رفض إبحث عن آخر .. وإستعد جيداً ..
عليك أن تبدأ بالأولى غداً
قالتها وهى تقوم وتجذب هارون واقفاً ، دون أن تعبأ بسؤاله
- وكيف عرفت أننى أستأجرت داراً
فضت عبائتها مما علق بها من رمال وإرتدتها .. لبست ال**** و إمتطت الفرسة وقبل أن تذهب عائدة ، إستدارت لهارون وقالت
- الأولى سهلة .. ستجدها حتما
قالتها وولت مغادرة تاركة هارون فى عالم آخر.
كان هارون يحث الخُطا متجهاً لداره خشية أن يراه أحد الدائنين خارجين من **** الفجر ..
وصل لداره وداخل الحجرة عاود الإمعان فى خطيئة الأولى ومواصفاتها باللفافة الأولى .. ظل
يفكر من تكون ؟ .. إلتمعت عيناه بوميض مخيف
.. إنها هى تلك الشرهة ببدانتها المفرطة ..إحدى جواريه .. الجارية رشيدة التى تشبه البقرة الحنيذة شكلاً وموضوعاً .. لا تتوقف عن إلتهام الطعام .. إستعاد مشاجرات زوجته معها لكثرة أكلها وشرابها .. كاد أن يبيعها لولا دموعها تستعطفه .. أبقاها بعدما وعدته بعدم الإسراف فى الطعام والكف عن الشراهة .. أسرع تجاه غرف الحريم .. ظل يفتح الأبواب فى هدوء ينقب عنها بين الجاريات من بين النائمات الكاسيات والعاريات .. وأخيراً وجدها .. لكزها
ينقب عنها بين الجاريات من بين النائمات الكاسيات والعاريات .. وأخيراً وجدها .. لكزها فى لحم كتفها المكتنز .. كادت تصرخ من الخضة لولا أنه وضع يده على فمها .. هدأت بعدما تبينت وجه سيدها فى الظلام وسارت خلفة إلى الممر بين الغرف
- كيف حالك يا رشيدة ؟
- خير يا مولاى .. ماذا حدث ؟
- أريدك اليوم .. فأنا أريدك
إختفت بداخل وجهها المستدير المكلبظ ، جعلت الرجال تنفر منها ..بعفوية همت رشيدة تجذب هارون تجاه إحدى الغرف.. فبادرها هارون
- ليس هنا يا رشيدة .. إنتظرينى فى الحديقة خلف الدار بعد المغرب ولا تجعلى أحد يراك أو يعلم شيئاً .. حتى لا تغار منكِ القردة زوجتى إذا علمت
مضى هارون فى طريقه .. بينما رشيدة لا صدق
بدأ نور الصباح فى الظهور .. هرع هارون إلى السوق
وإشترى ثلاثة غلمان صغار عاينهم جيداً ..
وجعلهم يخلعون ملابسهم وتفحصهم بعناية ، ليتأكد أنهم بالمواصفات والقياسات المطلوبة ..
كذلك إبتاع جارية صغيرة ، ليتم الأمر على خير.
هكذا كان هارون واقف فى بيت المال أمام الوزير بطريق بن الغالى المسؤول عن بيت المال فى البلاد المباركة .. إنهمك بطريق فى تفحص الغلمان الثلاثة والجارية .. ثم أمر أحد رجاله بإرسالهم إلى قصره .. هكذا كان الطريق إلى قلب الوزير بطريق سهلاً وميسوراً .. يمكن لأى أحد من البلاد أن يذهب إليه برشوة ، فيحصل فى الحال على قرضاً من بيت المال ..فالرشوة كانت تغنى وتسمن عن الضمانات اللازمة لسداد القرض .. وهكذا تعددت القروض وتنوعت .. لتُنفق
على القصور والجاريات والخمر .. وكان أحب الرشاوى إلى قلب بطريق بن الغالى هو الغلمان الصغار ذوى الأجساد اللينة .. وأحب الأشياء إلى قلب زوجته هو الجوارى الصغيرة ..حصل هارون على القرض الميمون.. بينما لم يطق الوزير بطريق صبراً ، فهرع إلى قصره وطلب الغلمان فى غرفته الخاصة .. كان لسانه متدلياً يلهث وهو يتفحص الغلمان .. كان يحتضن ثلاثتهم يحيطهم بزراعيه ، كغوريللا تحيط بأولادها تحميهم من الخطر .. إرتعد فزعاً حين دخلت
يتفحص الغلمان .. كان يحتضن ثلاثتهم يحيطهم بزراعيه ، كغوريللا تحيط بأولادها تحميهم من الخطر .. إرتعد فزعاً حين دخلت عليه زوجته خيرازانة وصاحت
- ألازلت على حالك يا لواط .. ألم تقل لى أنك تركت تلك العادة المقيتة
- إنهم هدية مقابل تيسير حال قرض أطاحت إمرأة الوزير بطريق بالغلمان تركلهم على مؤخراتهم.. فهرع الغلمان هاربين .. بينما أمسكت هى برقبة بطريق صائحة
- ألم أقل لك ألا تقبل غلماناً من أحد .. فقط تقبل المال والجواهر والجوارى الصغيرة يا
متعوس
- إسمع أرسل من يبيع الغلمان حالاً ويأتينى بثمنهم .. وسأحتفظ بالجارية الصغيرة
إمتثل بطريق للأمر وأرسل من يبيع الغلمان ..
بينما هى ذهبت تعاين جاريتها الصغيرة
لم يكن الوزير بطريق رجلاً جشعاً .. كانت مشكلته فى حياته هى عشقه للغلمان الصغار ..
ورغم أنه تزوج من خير ازانة ابنة أحد أكابر الأعيان تلك المرأة باهرة الجمال ذات الجسد المتناسق بوجهها القمحى الجميل والعيون السوداء المسيطرة ، إلا أنه لم يستطع التوبة عن
الفاحشة ، بل صار أضل سبيلا .. وجد نفسه بعد سنوات من الزواج واقعاً هو وأولاده تحت سيطرة زوجته التى يزداد طمعها وجشعها للمال يوماً بعد يوم .. وإمتثالاً لر غباتها كان يحرص على جمع المال والجواهر من الرشاوى التى يتقاضاها من أجل إعطاء القروض للتجار دون ضمانات .. تعاظمت ثروته و تعددت قصوره ، ولكن إزداد طمع خيرازانة زوجته .. صار فى مأزق كبير فى الآونة الأخيرة بعدما كثرت القروض التى أعطاها للتجار من بيت المال ..
وتعثر معظمهم فى السداد .. ولو ألقى القبض عليهم سيقرون بأنه أعطاهم القروض مقابل الرشوة وفائدة خاصة لنفسه .. وسيدفع حينها رأسه ثمناً لذلك أمام السلطان المبروك .. لذا عهد إلى مهادنة التجار وحثهم على السداد ..
فكان أغلبهم يسدد شهراً ويمتنع شهرين .
ظل هارون يدور كالنحلة فى أرجاء المدينة يسدد ما عليه من ديون لكافة الدائنين ، حتى لا يتعرض للعقاب والسجن عندما يلجأ الدائنون إلى القاضى .. إنتهى من السداد ولم يبقى عليه
درهماً واحداً لأحد .. سوى بيت المال الذى لا يعلم حتى الآن كيف سيسدد القرض .. ذهب إلى السوق .. إشترى مرجلاً كبيراً وأوانى نحاسية كبيرة وعدد من القنينات الزجاجية وكذلك بعض الحطب والكثير من الملح ولم ينسى أن يشحذ خنجره جيداً .. ذهب إلى الدار الأجيرة التى خلت من العبيد والجاورى بعدما وافق صاحبها
.. رتب محتوايتها ووضع ما إشتراه فى أماكنها .
بعد المغرب فى حديقة داره الخلفية كان هارون يكابد ويعانى من أجل أن يضع رشيدة البدينة على الحصان .. كلما حملها تسقط قبل أن تستقر
بعد المغرب فى حديقة داره الخلفية كان هارون يكابد ويعانى من أجل أن يضع رشيدة البدينة على الحصان .. كلما حملها تسقط قبل أن تستقر على ظهر الحصان .. رفعها على ظهر الحصان فوقعت من الجهة الأخرى .. كاد هارون أن يلغى المهمة من فرط العناء .. لكن المحاولة الأخيرة نجحت وصارت رشيدة قابعة على الحصان الذى بدا أنه يصدر أنيناً من الجبل الذى وُضع فوقه .. إمتطى هارون حصانه وسحب حصان رشيدة ووصلا للدار الأجيرة ..
دخل هارون وبصحبته رشيدة الهائمة فى عالم آخر .. تشعر بإحساس المغامرة وتبرق عينيها بدموع السعادة .. أخيراً .. تقبض بيديها على
صرة بها ثوب مثير سترتديه لسيدها .. قال
هارون
- هيا يا رشيدة إمتعينى يا جميلة إرتعد جسد رشيدة حين سمعت سيدها يصفه بالجميلة ، وقالت وفى عينيها الدموع تترقرق
- أنا جميلة يا مولاى
- بل جميلة الجميلات .. جسدك الممتلئ هذا سلب عقلى
هرعت رشيدة ترتدى ملابس الجاريات الفاتنة فى مناسبات الليالى الماجنة .. كابد هارون كتم ضحكاته من منظرها ، فالثوب منحشرٌ فيها كبقرة ألبستها ثوب مُهرة .. تبظ كتل اللحم من فتحات الثوب .. بدأت رشيدة فى التمايل والإهتزاز فصاح هارون
- ماذا تفعلين ؟
- أرقص لك يا مولاى
الضحك عليها وكتل لحمها تترجرج مع حركاتها وبين الشفقة العارمة لحالها .. حين وصل هارون لمرحلة لن يستطع عندها كبت ضحكاته قامٍ وأمسك بها وعرَّاها من ثوبها المنحشر فيها .. أرقدها على الفرشة الناعمة .. وكما كانت
اللفائف تقول : لابد من جعل المرأة فى قمة إثارتها وشهوتها .. تفنن هارون فى بث الشهوة لجسد رشيدة ، ورشيدة تتأوه وهى فى قمة السعادة .. لما أحس هارون أنها صارت جاهزة .. فى الوقت الذى تشعر فيه رشيدة بأنها ترتوى بعد العطش وتأكل بعد الجوع .. قام وإستل خنجره من طيات ملابسه .. وعاد ويده ممسكة بالخنجر وراء ظهره .. ووسط لهاث رشيدة ودقات قلبها المتسارعة كان هارون يطبع قبلة رقيقة على فمها .. قبلة الوداع .. وبطعنة مفاجئة قوية كان هارون قد غرس خنجره فى قلبها مباشرة وأدارة دورةً واحدة .
لم يدرى هارون لماذا شعر بالشفقة عليها ؟ ..
هل لأنها لم تصرخ وكأنها تريد ألا تزعج سيدها
بصرختها .. أم لتلك النظرة المستكينة الهادئة التى كانت فى عينيها لحظة خبوت روحها .
قام هارون مسرعاً يحضر أدواته ..جرجر الجثة الثقيلة لأحد الأركان وإنهمك فى سلخ جلدها بنصل الخنجر .. وبعدما إستخلص الجلد قام بكشط طبقة الدهون الرقيقة الملاصقة له وقام بتجميعها فى مرجل .. لم يسمع هارون من شدة إنهماكه فى العمل بوقع خطوات تتسلل من خلفه .. كادت روحه أن تزهق فزعاً حين شعر بيد على كتفه وصوت يقول
- أحسنت يا هارون
.. كادت روحه أن تزهق فزعاً حين شعر بيد على كتفه وصوت يقول
- أحسنت يا هارون
إستدار هارون ليجد نادية أمامه متدثرة بعباءة سوداء ووجها مختفى تحت ال**** الأسود فقال
- كيف دخلتِ إلى هنا .. الباب موصد بإحكام
- دائماً أنا ورائك أحميك يا مولاى .. الباب الخلفى لم يكن موصداً بإحكام
رقيقة من النايلون وفلتر الدهون الذائبة .. أعاد الزيت المفلتر يغليه ثانية ، مع إضافة كمية من الملح ، ثم فلتره مجدداً ليتحصل فى النهاية على زجاجة لا يتجاوز طولها أصبع اليد مملوءة
بالزيت الذى إستخلصه.
بدأت نادية مع هارون فى تنظيف المكان .. نزع هارون الخنجر المغروس فى قلب رشيدة ووضع مكانه قطعة قماش كبيرة يمنع الدم من التدفق ..
ولف الجثة جيداً .. إستبدل ملابسه وإتجه لحديقة الدار يحفر .. دفن جلد رشيدة وكافة ملابسها وكذلك ملابسه المتسخة بالدماء .. عاد هارون ليجد نادية تهم بالمغادرة قائلة
- علىَّ العودة قبل أن يكتشف من فى القصر غيابى .. إذهب بالجثة يا هارون وألقها على أطراف المدينة
فعل هارون ما أمرته به نادية وعاد لداره يرتعش .. لم يغمض له جفن .
ممدداً سارحاً هارون يتذكر ما حدث .. حتى دخلت القردة الكسولة زوجته تصيح
- حان موعدك مع السجن يا غراب الدار ..
الدائنون إشتكوك للقاضى - إصمتى أيتها القردة .. لقد سددت كل ديونى وما علىَّ من درهم، لأحد
- إذن فلماذا يريدك الوزير حسيب بن العادل قائد الشرطة ينتظرك بالباب
- أهلا بالوزير .. حامى أمن البلاد وراعيها من الأعداء
بإقتضاب قال حسيب
- من تلك الجارية التى إختفت من عندك ؟
- جارية إختفت من عندى ؟ .. لا أعلم ذلك لم يكن هارون يحسب أن لرشيدة أقارب سيهتمون لغيابها .
البلاد المباركة ج ٢
حورية تلك الأميرة التى ساقها القدر لتكون فى عالم, غير عالمها .. تماماً كالسمكة إذا جعلتها تحيا على اليابسة بدلاً من الماء .. والطائر إذا نزعت عنه أجنحته وجعلته على الأرض بدلاً من السماء .. كذلك كان حال حورية بنت الأمير غسان أحد أقرباء السلطان المبروك سلطان البلاد .. كانت هائمة فى عالم آخر غير العالم الذى تحياه .. تقرأ الشعر وتكتبه .. تعيش بين طيات الأوراق واللفائف فى ألف ليلة وليلة .. كم تمنت لو كانت هناك .. وكم ودت لو عاشت فى تلك الحياة المليئة بالسحر والجمال .. تعج غرفتها فى قصر أبيها بمئات الكتب للشعراء والفلاسفة .. تعيش مع ابن الرومى والبحترى وأبو تمام .. تضحك من قلبها مع الجاحظ وابن الضحَّاك وأبى نواس .. ومن أبو بكر الرازى والفارابى وابن رشد تتعلم الفلسفة والطب والحساب .. وتغنى مع أبى الفرج الأصفهانى أحلى الأغنيات .. وبالريشة والقلم الخشبى فى المداد يتقطر ، ليخط على أوراقها أحلى وأعذب الكلمات .. ودت لو قرأ الناس ما تكتبه ، فحتماً ستصبح الحياة غير الحياة .
وجهها الملائكى البديع سبحان من سواه ..
وعيناها من العسل تجلى من صفاه .. جسدٌ تحلم به كل الفتيات .. وبياضٌ يشعُ نوراً يبعث الهدوء فى الأركان .. تفاحتين حمراوتين على وجنتيها بالحمرة كستاه .. آه من هذه الحياة المملة.. أن تأمر فثطاع .. ألا تكد وتتعب لتنال المراد إختنقت حورية من النعيم الذى تحيا فيه ..وبؤست من الترف الذى تعيش فيه .. لماذا خلقها اللـه هكذا ؟ .. كان هذا السؤال يعتمل فى عقلها ليل نهار .. وحيدة وسط أخوة جميعهم من الذكور .. تمنت لو كانت رجلاً فى هذا العصر : عصر الجوارى والحريم .. تعبث بمقدرات الجوارى وبالنساء تستهيم .
تجلس الآن تطالع لفافة ورقية أحضرتها لها جارية .. تذيلها اسم يوسف بن حسيب بن العادل ..قرأت أبياتاً من الغزل بين الملموس والمحسوس ..ضحكت .. أين ومتى رآها ؟ ليكتب لها ذلك ؟ ، وهى نادراً ما تذهب إلى حفلات وعرس الأقارب والصاحبات .. تذكرت حين كانت تجلس مع الحريم فى الجناح يحضرن عرس لواحدٍ من أمراء البلاد .. والرجال والشباب يتحججون للدخول والخروج من حول جناح الحريم .. وإذا بجاريةٍ تلقى اليها بلفافةٍ مطوية ..فتحتها لتجدها خطاباً غرامياً ..
إبتسمت وتعجبت ، ألهذا الحد هى تعيشُ فى عالم ، لا يرى فى المرأةِ سوى جمالها وشكل جسدها وفتحة مابين فخذيها .. ألا يهمه أن يعرف حتى عقلها وتفكيرها .. رفضت الخُطَّاب تباعاً ، وصمدت أمام ضغوط والدها الأمير ، الذى كان يمعن فى تدليلها وعلى هواء رغباتها يسير ..
ولما لا ؟ وهى البنت الوحيدة وسط ابنائه الذكور.. وأمها تركت الدنيا منذ سنوات ، وظلت وحيدة هكذا حتى بلغت العشرين وتأبى الزواج .
إنتهت من قراءة رسالة يوسف بن حسيب بن العادل .. مزقتها وألقت بها .. فكرت أن تردها له ليرسلها لأخرى ، فهناك الكثيرات ممن يحلمن ببعض هذا الكلام .. فبتأكيد ستفرح وتتجاوب معه .. ولكنها فضلت تجاهله .. كثيراً ما كان يداهمها الأرق ، فتطلب من أم إبراهيم مربيتها السوداء .. أن تقرأ لها من ألف ليلة وليلة ، حتى تدخل فى عالم الأحلام وتنام.
ذات مرة كانت تكتب بعض ما يدور فى خاطرها .. وإذا بصوت إرتطام على شباك غرفتها يفزعها .. تتالى الصوت متكرراً .. أسرعت تفتح الشباك ، لتجد شاباً وسيماً على حصانه بتبختر تحت شرفتها .. رفع إليها زراعه ملوحاً .. تعجبت من الحراس يتركونه ويتغاضون عن وجوده .. أدركت أنه ابن قائد الشرطة ، فحتما دفع لهم .. سمعت صوت طرقاتٍ على باب الغرفة .. دخلت جارية تناولها رسالة ، فقرأت ( أنا أحبك .. أعشق جمالك .. أريد أن أتحدث معك أنتظرك بالأسفل يا أميرتى ) يوسف بن حسيب بن العادل .. نظرت هى إلى يوسف على حصانه باسمة .. وأمسكت برسالته أمامه بيديها ممزقة .. قذفتها تجاهه .. أغلقت الشباك وإختفت من أمام ناظريه .. فكرت أن تخبر أبيها أو أحد اخوتها .. إلا أنها وجدت الأمر مسلياً قد يبدد لديها من الملل و بعضاً من ضجرها .. إشطاط هو غضباً .. وإنتفخت أوداجه .. يتسائل ماذا تظن نفسها هذه الفتاة ؟ ، ولماذا لا تكون مثل باقى الفتيات ؟ .. إن كانت هى ابنة الأمير غسان
.. فهو ابن الوزير قائد الشرطة حامى أمن البلاد ، ومساعده الأول فى ديوان الشرطة ، تحت مظلة التوريث المنتشرة فى البلاد .. تذكر كم من فتاة من أميرات وبنات أعيان خرجن معه إلى الصحراء .. يرتشف منهن القبل والأحضان ، وعلى نهودهن كان يضع رأسه وينام .. فما بال هذه الفتاة .. أقسم بينه وبين نفسه ليجعلنها تأتيه راكعة ولو بعد حين ؟ .. كان على حصانه يسابق الزمن عله يفجر غيظه .. إلى ديوان الشرطة دلف وعلى مكتبه جلس ، لا يفكر سوى فيها .. أصدر أوامره إلى رجاله فى الوصول إلى جواريها ومعرفة أدق أسرارها .. كان يوسف على شكيمةٍ قوية .. لا يعرف فى الحياة اللين ومعانيه .. بل القوة كانت هى كل ما تكفيه .
أحمد بن مشارى بن زيدون ذلك الشاب الذى نشأ ونر عرع فى عز ابيه ابن زيدون .. إلا أنه كان ختلفاً عن أقرانه .. جادٌ ومثابر فى عمله دؤوب .. تولى أعمال ابيه التجارية ونمَّاها .. فى الوقت الذى تفرغ فيه ابوه للجاريات الفاتنات ، يعبث ويلهو مع الجوارى فى حفلاته الماجنة ..بينما أحمد لم يكن يفكر فى الجوارى والفتيات ..فلم يقابل منهن من تستهويه .
ذات مرة كان فى السوق على بضاعته وتجارته وكيل .. وإذا به يرى فتاة ليست بالفاتنة ، لكن بوجهها علامات الكفاح شاهدة
.. ترى أحوال البلاد وكأنها
إجتمعت على علامات حُسنها .. شعر بقلبه بنبض .. إقترب منها وسألها
- بماذا تعملين أيتها الفتاة ؟
– كما ترى، أبيع اللبن أيها الشاب
ابتسم أحمد وهو يميل قليلًا نحوها وقال مداعباً
– أهو لبنٌ سليم أم مغشوش؟
لكن ابتسامته تلاشت حين رأى الجمود يرتسم على وجهها وقالت بحدة
– إذا لم تكن تريد أن تبتاع مني اللبن، فاذهب عني… وإلا
توقف صوتها لحظة، فقاطعها مرتبكًا
– أنا لا أقصد شيئًا يهينك، أنا فقط أمازحك يا فتاة
رفعت حاجبها وقالت بصرامة
– وأنا لا أطيق مزاحك يا ابن الأعيان… ابتعد عني
قالتها الفتاة وعينيها تتفحص أحمد الذى بدا من مظهره أنه من الأعيان .. تابع هو متودداً
- ما اسمك يا فتاة ؟
- لا شأن لك
- محمود .. محمود
هرع محمود صانع وبائع الجلود والذى كان يجلس على فرشةٍ فى السوق ، قريباً منها ..
وعندما وصل إليها قالت
- إسعفنى يا محمود
قالتها وهى تنتظر بطلها الهمام أن يهوى على الشاب ويفتك به دفاعاً عنها .. إلا أنها فوجئت به
يتسم ويقول
- أهلا يا أحمد .. عساك بخير .. ما الذى جاء بك إلى هنا ؟
- جئت أرى مدى رواج بضاعتى بالسوق حتى أجلب المزيد
محمود موجهاً كلامه للفتاة
- يا عبلة هذا أحمد بن مشارى بن زيدون ..
من أكبر أعيان البلاد وتجارها ، ولا يمكن أن يصييك بسوء
تابع أحمد مبتسماً فى وجه عبلة
- أريد أن أشترى كل ما معك من اللبن قالها أحمد وهو يمد يده بصرة كبيرة من الدنانير أخرجها من الحزام حول جلبابه .. حدقت الفتاة فى الصرة المنتفخة وقالت محتدة
- يبدو أنك لا تحتاج اللبن .. لن أبيع لك شيئاً .. إذهب بمالك عنى
- لماذا تعاملينى هكذا ؟
- على رسلك يا عبلة .. فأحمد يريد أن يشترى كل ما لديك ، ويريحك من العناء اليوم تنهدت عبلة وأعطت اللبن لأحمد ، وعندما أعطاها صرة الدنانير .. فتحتها مسرعة وأخذت منها ثلاثة قطع فقط .. ثم قذفتها تجاه أحمد الذى إلتقطها بردة فعل سريعة وهو يسمع صوت عبلة
يقول
- أنا لا آخذ إلا ثمن بضاعتى .. يمكن أن توزع الباقى على الفقراء والمساكين ..
إذهب إلى نهاية السوق ستجد منهم الكثيرين قالتها وهى تلم فرشتها وتذهب مغادرة دون أن تنظر تجاههما .. بينما أحمد يحدق فيها وهى تبتعد ، وقلبه منها يرتعد .. أفاق على صوت
محمود يقول
- هل ستحضر إجتماع القوم فى المساء
- طبعاً سأحضر
- إذن ألقاك هناك
محمود هو ذلك الشاب الذى إرتسمت على وجهه ملامح الرجولة بكل معانيها .. ولد لأسرة فقيرة مات أبوه وهو صغير ، وتكفل هو برعاية أمه وأختين أكبر منه .. إشتغل وإحترف صنعة الجلود ، تأتيه مع القوافل القادمة من بلاد الهند وبلاد الفرس .. ويعالجها هو بيديه المتمرسة المحترفة فيصنع منها الأشكال الجميلة ..والأنواع المتعددة.. هناك الجلود السميكة الكبيرة من أجل الإفتراش على الأرض .. وهناك ما يصلح للبس وهذا النوع يقبل عليه الجنود .. وهناك النوع الرقيق الناعم الذى يصلح للكتابة عليه ، والذى يُسمى الرق حيث كان يُنقع في الماء المغلي عدة مرات ويُغسل ويُنشر في الهواء الطلق على ألواح ليجف ، وأحياناً يوضع فى ماء الجير لتزول منه المواد الدهنية . وبعد ذلك يجري دعكه بالحجر الخفان حتى يصبح ناعماً وبعد ذلك يُحك بالطباشير فيصبح أبيضاً ، ومن ثم يُكتب عليه
حيث أمتاز الرق عن الورق البردي بأنه يُكتب عليه على الوجهين ، ولقوته ومتانته وسهولة تناوله وترتيبه على الرفوف .. ونظراً لصعوبة
هذا النوع من الجلود لم يكن محمود يصنع منه إلا بالطلب .. يستخدم محمود الألوان والأصباغ ، فيصنع جلوداً رائعة وباهرة الجمال .. جعلته يحظى بشهرة فى المدينة بين الأعيان والأمراء .. كثيراً ما يستدعونه لشراء الجلود التى يصنعها من أفخر الأنواع .. إستطاع بذلك إلى جانب بيعه لبضاعته فى السوق ، أن يحظى بدخل جيد .. يكفى ما يحتاجه هو أمه وكذلك يساعد أختيه التى تزوجتا من أزواج فقراء لكنهم طييين .. أحبته عبلة ، وإزداد حبها وعشقها له حين دفع عنها رجلاً يغازلها وهى تبيع اللبن فى السوق ..
أحست به فارسها النبيل .. تتودد إليه وتتقرب ، ولكنه منها شيئاً لا يريد .. أبوها وأمها كثيراً ما يلمحون له ولأمه يطلبونه لها .. ألحت عليه أمه أن يتزوج عبلة لكنه يسوف فى الأمر .. ليس لأنه لا يحبها ، فمثل محمود من عاش فى حياةٍ صلفة وشقية لا يعرف الحب .. أو بمعنى أدق لم يجد الوقت ليتعلم الحب .. لم يكن مجذوباً لعبلة ولكنه لم يكن يمانع فيها .
وعلى فرشته وسط الجلود تحيط به ، رأى الجارية قادمة تقول
- هل أحضرت ما طلبته منك يا محمود ؟
- نعم وصل ما طابتى
- إذن أحضر ما عندك .. وتعالى معى
كانت حورية تقف فى شرفة غرفتها المطلة على حديقة القصر تتابع .. نظرت خلفها فى ركن المنضدة فلم ترى رقوق .. ذهبت تتفحص الأمر فوجدت الرق قد نفد ..كانت حورية تفضل الكتابة على الرق فيما يتعلق بخواطرها وأشعارها .. فذلك يكسبه رونقاً خاصاً مختلفا
عن الكتابة على ورق البردى أو أى أنواع أخرى .. لذا نزلت إلى الحديقة وسألت جاريتها
- أهذا من أحضرت من عنده ما جيئتينى به من الرق المرة السابقة ؟
- نعم هو يا مولاتى
- أريد منك كثيراً من الرقوق
- لا يوجد عندى سوى القليل .. ولكنى سأبدأ بالغد فى صنع المزيد
- إذن إذهب وأحضر لى ما عندك
- لن ينفع اليوم ، فالطريق طويل .. وعندى موعد فى مساء اليوم أخاف أن أخلفه ..
سأحضر لك فى الغد
ربما تكون هذه هى المرة الأولى التى تأمر ولا تُطاع .. لم تدرى بنفسها حين قطبت حاجباها
وصاحت
- إذهب وأحضر ما عندك فأنا أريده الآن
- وأنا قلت لك سأحضره فى الغد .. أو يمكنك أن ترسلى معى أحداً من القصر ، أعطيه الرقوق ويحضرها لكِ
لحظات من الصمت .. كانت حورية فيها تشعر بإحساس غريب .. جديد .. مختلف .. هذا الصعلوق الواقف أمامها يأبى أن يمتثل لأمرها .. ولا يخاطبها بسيدتى ، مولاتى ، أميرتى ..
قالت بهمس وعيناها مثبتتان على عينيه
- بل ستذهب أنت وتحضر الرقوق
- أنا أرى أنك لا تريدين الرقوق .. لماذا
تريدن إذلالى ؟
- لن أبيعك الرقوق
وقبل أن يميل ليلتقط بضاعته وينصرف .. هوت حورية بلطمة قويه على خده الأيسر .. لم تشعر بالألم الذى إعتر كفها الرقيق ، ولكنها شعرت بألم آخر على خدها الأيسر إثر لطمة محمود على وجهها .. الذى لم تكن لطمته سوى رد فعل تلقائى .. فلم يكن هو من الممكن أن يسمح لنفسه بلطم إمرأة حتى ولو كانت هى من لطمته على وجهه أولاً .. وإستباحت كبرياء رجولته .
أفاق على آيادى الحراس اللذين هر عوا على صرخات النساء والجوارى فى الحديقة ، ومقابض سيوفهم تنهال عليه من كل حدبٍ وإتجاه ، وهو يحاول المقاومة وكأنه أشبه بقطة وقعت وسط مجموعة من الكللابب تنهشها ..يجرجره الحراس إلى زنزانة القصر والدم يسيل من جسده .. فى الوقت الذى هرعت حورية إلى غرفتها تبكى غير مصدقة ما حدث لها .. وجدت نفسها تنظر فى المرآه .. وتتفحص مكان اللطمة ، فرأت الأصابع الحمراء مرسومة على خدها الأبيض بعناية .. توقف بكاؤها ووجدت نفسها بتسم .. كلما أمعنت النظر فى الأصابع الحمراء وإحساس الألم الذى يعترى خدها ، كلما تسلل إليها تياراً من السعادة يسرى فى نفسها .. حدقت فى المرآه كالمأخوذة .. رأت الكحل الذى لوث ما حول عينيها بسبب الدموع .. ضحكت بسعادة ..
عشرون عاماً تأمر فتُطاع .. عشرون عاماً لا تسمع سوى سيدتى ، مولاتى ، أميرتى ..
عشرون عاماً لم يصيح أحد فى وجهها حتى
أبوها وأخوتها .. عشرون عاماً يتسابق الجميع من أجل إرضائها وتلبية رغباتها ..وجاء اليوم الذى تبكى فيه إثر لطمة عنيفة على وجهها .. ممن ؟ .. ممن يسميهم أبوها بالصعاليق . يا له من إحساس جميل .. جديد .. مختلف .. غريب لأول مرة منذ زمن لا تشعر بالملل من حياتها فى تلك اللحظة .. تماماً هى مغامرة جميلة كالتى تقرأها فى ألف ليلة وليلة .. ظلت تضحك وتضحك .. تشعر أنها جُنت .. أفاقت لتدرك أنه الآن فى الجحيم .. ربما يكون قد صار مقطوع الرأس على الحميم .. مسحت وجهها بمنديل ..
هرعت تنزل إلى الزنزانة تصيح فى الحراس
- إتركوه .. إتركوه .. كفوا عنه
إمتثل الحراس تحت وطأة صياحها .. وكفوا عن محمود الذى كان يفرفر كالطائر المذبوح ..
نظرت إليه بشفقة وقالت للحراس
- أطلقوا سراحه
صمتت تتأمل وجوه الحراس وأشارت لواحدٍ بينهم ، لم تكن على وجهه علامات الغلظة كما الباقين وقالت له
- إعلم منه مكان داره وإذهب به هناك .. هيا
قاطعها كبير الحراس قائلا
- لابد أن يعلم مولاى بما حدث ويقرر هو
- إن لم تفعل ما آمرك به لأجعلن مولاك
يذبحك
تقول
- لا تخبرن أحداً بما حدث
قالتها وهى تنطلق صاعدة إلى غرفتها تنتظر أبيها وإخوتها اللذين حتماً سيعلمون ويحضرون لم يمضى الكثير من الوقت حتى كان أبوها وأخوتها الرجال على عجلٍ من أمرهم فالأمر جلل .. قال الاب بهدوء
- ماذا حدث يا حورية ؟
- لا شئ يا أبى
- صعلوقٌ يلطمك على وجهك وتقولين لا شئ حدث .. ماذا دهاك يا أختاه ؟
- لم يلطمنى أحد على وجهى .. هو مجرد بائع جلود ، إغتظت منه لأنه لم يحضر لى الرقوق .. صفعته على وجهه فإختل توازنه وطاحت زراعاه وإصتدمت إحداهما بوجهى.. ظنت الجوارى أنه لطمنى فصرخن يطلبن الحراس
- أرجوك يا أبى لا أريد أن أشعر بالذنب من أجله .. دعهم يطلقون سراحه ، فهو مظلوم مال أخوها الأكبر بشير ممسكاً برأسها يديره
قائلاً
مال أخوها الأكبر بشير ممسكاً برأسها يديره
قائلاً
- طاحت زراعه فتركت أصابعه على خدك ذلك الأثر
- جلدى حساس .. أى شئ يلامسه يترك أثراً
عليه - لابد أن تُقطع رأسه أمام أعين الناس هكذا صاح أحد إخوتها .. وصاح بشير
- لن تطلع شمس الغد.. إلا وتكون البلاد كلها قد علمت ..
أن ابنة الأمير غسان قد لطمها
صعلوق بائع جلودٍ على وجهها .. لن يكفى الإطاحة برأسه .. لابد أن نعذبه ونمزقه إربا ، وننثر أجزاء جسده فى أرجاء المدينة .. حتى يكون عبرةً لأمثاله من الصعاليق .. فلا يقربون أسيادهم
- إنه مظلوم .. لم يصفعنى .. إصطدمت
زراعه بوجهى
قالتها وأمعنت فى البكاء وتابعت موجهه كلامها
لأبيها
- أستحلفك ب**** يا أبى .. أستحلفك برحمة أمى الغالية أن تطلقوا سراحه وتتركوه .. أمعقول أن أطلب العفو له إذا كان قد صفعنى
صاح أخوها الأكبر قائلاً
- ولماذا تبكين هكذا ؟
ردت حورية بصيحة تقول
- لأنكم تقتلون مظلوم
جعات صيحتها أخيها الأكبر يحدق فيها مندهشاً
.. وهو لا يصدق ما تقول .. نظر إلى أبيه الذى تنهد وقال
- هيا بنا
نزلوا إلى الزنزانة وإتجه بشير إلى جسد محمود المسجى على الأرض يتلوى من الألم .. داس بقدمه على وجهه يقلبها يميناً ويساراً كمن يقلب وجه كلبٍ ميت بحذائه وقال
- ماذا أنت فاعلٌ به يا أبى ؟ نظر الأب إلى الحراس وقال
- ضمدوا جراحه وإرسلوه إلى داره
فى المساء كان القوم يجتمعون .. يتحاورون ويتناقشون .. وفى أحوال البلاد يتمعنون .. تلك الشرذمة هى مزيجٌ من الأعيان والشيوخ الكبار فى البلاد .. إلتحق بهم عددٌ ليس بالقليل من الشباب .. كان هدفهم هو إنقاظ سفينة البلاد المباركة من الغرق .. وإصلاح أحوال البلاد ، أو هكذا يقولون وهم على دربهم يسيرون ..حتماً فى الخفاء يعملون .. ولكن العباد بهم يعلمون .. تركهم السلطان المبروك وابنه حتى يظهر أمام الرعية بمظهر السلطان العادل ..ولمن يعارضه قابل .. بينما هو وحاشيته قد أحكم قبضته عليهم كفئران فى مصيدةٍ يلعبون .. إذا فر فأرٌ منهم من المصيدة كان رجاله له بالمرصاد قائمون .. يشدون ذيله فيصدر نميمه متألماً ، ثم يعيدونه للمصيدة يلهو مع أقرانه عله لا يكون لها مكرراً .. من بينهم فى أفكارهم وأرائهم يختلفون .. منهم من يرى نفسه ومن تبعه فى حزب فكره من الناس هو الأحق والأجدر بالبيعة .. ومنهم من لا يرى فرقاً .. فقط يريد سلطاناً عادلاً .. ومنهم من ينادى بالبيعة للعمرو بن موسى ، ويرون أنه الوحيد فى البلاد الذى يمكن أن يجابه الأمير جلال المبروك الوريث المنتظر .. كان العمرو بن موسى وزيراً لشئون البلاد الخارجية ، وحظى بتأيد كبير بين العباد والأعيان ، فأزاحه السلطان المبروك من منصبه وجعله مسئولاً عن ديوان العرب .. ذلك الديكور البديع الذى هدفه توحيد بلاد العرب ولم شرازمهم الممزقة .. إلا أنه صار كميت فى القبر لا رجاء منه ولا فائدة .. بينما آخرون يرون أن العمرو بن موسى قد صار مترهلاً ولا يصلح للبيعة بعدما تجاوز السبعون من العمر .
جلس الجمع فى قصر أحدهم .. ورغم أنه ليس بينهم زعيم .. إلا أن ابراهيم بن عيسى بجسده السمين ووجهه المتكور هو أكثرهم كلاماً يصغون اليه من موافقين ومعارضين .. كان ابراهيم صاحب خفة ددمم فطرية ، وقدرة على لفت الانتباه .. متأثر" بشدة بعصر الخلفاء الراشدين .. فلم يكن هناك للسلطة توريث .. بل البيعة لصاحب الأمر تأتى من العباد .. رغم أنه لم يعلن من يكون من يستحق البيعة .. يرى البلاد تنهار ، وثرواتها تُنهب من أهلها إلى الأمراء وحاشيتهم من الأعيان .. له أراء فلسفية مثيرة للجدل فى بعض الأحيان عن الصحابة والتابعين ومن والاهم من الأتباع ..منذ بضعة أيام سرت فى المسجد الهمهمات ، حين كان إبراهيم يخطب الجمعة على المنبر منتصباً ..
وقال أن الجنة ليست على المسلمين مختصة .. ولماذا لا يدخلها سوى المسلمون ؟ .. وساق من الأحاديث والآيات ما لرأيه يؤيدون .. إن الدين عند اللّٰه الإسلام ، ولكن ذلك فى الآخرة وليس فى الدنيا .. فماذا يضيرك أيها ال**** إن دخل الجنة الآخرون .. إعمل أنت لكى تدخلها ولا شأن لك بالآخرين .. هكذا قال ابراهيم بن عيسى .. ورغم ما ثار فى المدينة من جدال على ما قال .. إلا أن السلطان المبروك تعافى من المرض وقام .. وأمام العباد ظهر وبان .. وتم القبض على ابراهيم .. وفى السجن كان من المُنزلين.
ومن بين الجمع كان هناك الوائل بن الابراشى ..بقامته النحيلة ووجه النحيف ، تشعر من عينيه أنه ناعساً وللنوم طالباً .. أحياناً ما يختلف مع ابراهيم .. إلا أنه على شاكلته يسير .
وكذلك عبد اللّٰه بن السعيد ، ذلك الشيخ الكبير ، على درب إبراهيم ووائل يسير .. إلا أنه يكن بغضاً وكرهاً لأتباع الدين الملتزمين .. وهم الإخوان فى الإسلام متآخين .. يرى أن الدين ليس له مجال فى السياسة إنما هو للحياة فى الاخرين .
والمصطفى بن البكرى الأسمر الجميل بصوته الجهورى على الناس مخيف .. دائماً على إصلاح البلاد متحمساً لكنه لبعض الأمراء
موالياً .. ومن ورائه أخوه فى ذيله مكين .
وأمجد بن يونس الجلاد بجسده الطويل النحيل جالساً .. وعلى ووجهه المسحوب كان شاربه لنصف وجهه مغطياً .. يجلس إلى القوم هنا لا يؤيد ولا يعارض .. ويذهب إلى الحاشية السلطانية هناك فلا يؤيد ولا يعارض .. كان لجماعة عدم الإنحياز مناصراً .. فإذا حدث هذا ربح ، وإذا صار ذلك فلح .
أما فاكهة الجمع .. ومن كثرة الضحك تسيل عيناك بالدمع .. فهو طالع بن الأسياد .. الأسمر المتألق .. وبشاربه المحفوف متأنق .. ولحاجبيه ناتف ومتبرق .. أكثر المعارضين فى البلاد هجوماً على السلطان .. هو من سلالة سبق لها حكم البلاد .. لكنه ليس معارضاً من أجل إصلاح البلاد .. بل يسعى إلى الشهرة بين العباد لا يطرح حلولاً للإصلاح .. بل يلقى بالنكات للإضحاك .. ذاع صيته فى البلاد وكما النار فى الهشيم إنتشر .. حين خلع حذائه وفى وجه أحمد بن العز تاجر الحجارة للبناء ، فاحش الثراء كان قد وقف .. وسط ديوان التفويض يناقشون أحول العباد بتهريج .. تقمص الدور وهاجم السلطان فكان مصيره إلى السجن قد صار .. خرج بعدها
ليفعل العجب العجاب .. أحضر أسدين أحدهما كبير والآخر صغير .. ومشى فى دروب المدينة متبختراً .. ومن على يمينه الأسد الكبير زائراً ، وعلى يساره كان الأسد الصغير مع حفيده حاضناً .. ولما لا ؟ .. وهو يرى نفسه الاسد الهمام .. إضحك ، فأنت فى البلاد المباركة .
أما من الشباب فكان بلال بن الفضل لا يزال صغيراً يطرق على الباب .. وإلى جواره أحمد
بن مشارى بن زيدون .
بعد ما قيل ودائماً ما يقال .. إنفض الجمع مغادرين .. والعجيب والطريف .. أن سفينة البلاد مازالت على حالها المائل .. والفقر لا زال أمام العباد ماثل .. لا إنصلحت التجارة .. ولا صارت للعدل فى البلاد بشارة .. إن كانوا لإصلاح البلاد يسعون .. فلابد أن يرى منهم العباد ما يجعلهم لهم يصدقون .. كما إجتمع الجمع إنفض .. وكما كانوا داخلين ولوّ مدبرين .
لك اللّٰه أيتها البلاد
المباركة
قبل أن ينصرف كل الوجودين صاح إبراهيم
- مالى لا أرى محمود ؟
رد أحمد بن زيدون
- قابلته فى الصباح بالسوق .. وكان يحثنى على الحضور
أرسل إبراهيم من يستعلم .. وبعد إنتظار ليس بالقليل جاءه الخبر .. هرع ابراهيم مع بعض الجمع يسبقهم أحمد إلى دار محمود .. وهناك كانوا يلتفون من حول السرير .. ناظرين إلى وجهه الذى إختفت ملامحه وسط الإنتفاخات ..
لا يقدر على الكلام .. وإلى جواره والدته وإخوته البنات منهمكين فى عمل الكمادات ..
إنصرفوا وتركوه مندهشين يريدون أن يعلموا ماذا حدث له ؟..
*******************
كانت حورية هائمة فى غرفتها تتمشى مشبكة كفيها خلف ظهرها .. حاولت النوم فلم تستطع ..كلما تذكرت ما حدث شعرت بشغف جديد يبدد بعض الملل الذى تملك من حياتها .. تحاول أن يهدأ بالها .. نادت جاريتها لتساعدها على النوم .. نامت حورية على بطنها على السرير ، وأحضرت الجارية الزيت تدلك ظهر حورية التي استرخت تحت يدها التي تمسجها بنعومة ورفقك .. كما تعودت حورية مع المساج مدت يدها من الأسفل تدلك كسها ، بينما الجارية تسكب الزيت بين فلقتي طيزها وتمرر كفها بينهما ، فتشعر حورية باللذة وتستنيم للمتعة ، ضغطت الجارية بأصبعها على شرج حورية التى أرخته لها ، ليعبر الأصيع داخلا منسابا بلزوجة الزيت .. أصدرت حورية تأوهات خافتة .. ظلت الجارية تدخل وتخرج أصبعها برفق شديد في شرج حورية التي تقلبت على ظهرها وباعدت بين فخذيها .. هنا عرفت الجارية ما عليها فعله .. بفمها نزلت كس حورية مقبلة .. وبلسانها على بظرها لاحسة .. تقبل وتقضم وتلحس شفرات كسها وبظرها وعانتها .. وعلى هذه الحال ظلت .. حتى للنشوة حورية وصلت .. وارتعش جسدها وانتفض وتحرر
ساقتها الجارية إلى الحمام ، حممتها ودلكت جسدها بالماء الدافئ ، ثم ذهبت بها إلى غرفتها وأرقدتها على الفراش
البلاد المباركة ج ٣
بداخل القصر السلطانى أمضى هارون قرابة الساعة مع السلطان المبروك وولى عهده جلال والوزراء وكبار الأعيان .. يتحدثون غاضبين
عما حدث .. حتى دخل الوزير حسيب بن العادل قائد الشرطة صائحاً
- لقد عرفنا من تكون القتيلة يا مولاى
السلطان
كاد هارون أن يُغشى عليه .. وقال ولى العهد
جلال المبروك
- جارية هارون الوكيل
- فراسةٌ تُحسد عليها مولاى الأمير إنفرجت أسارير جلال بكلمات الوزير حسيب الذى تابع
- اسمها رشيدة تعرف عليها أهلها من بدانة جسدها والخاتم الذى كان فى أصبعها
- ما رأيك يا هارون ؟
- كما قلت يا مولاى الامير .. هى مجرد جارية لا تكف عن إلتهام الطعام .. وكدت أبعيها لولا بكاؤها وإستر حامها لى
قاطعه قائد الشرطة قائلاً
- لم يخبرنا أهلها أو جوارى هارون ممن كانوا يعيشون معها أن لها عدواً أو أى أحد له مأرب فى قتلها
صاح ولى العهد
- أتخبرنا نحن بذلك يا قائد الشرطة .. أدرك أنت هذا الكلام وأبحث عن القاتل وأتى به إلينا .. هيا
قالها وهو يشير لقائد الشرطة بالإنصراف .. ثم تابع قائلاً لهارون
- إذهب أنت يا هارون .. وإذا علمت شيئا جديداً أخبر به قائد الشرطة
هكذا لم يصدق هارون نفسه أنه خرج من القصر السلطانى بأمان .. وعزم على ألا يكرر ذلك ثانيةً .. فحياته الآن صارت فى خطر ..
عندما دنا من منزله وجد تلك الجارية المتسللة فى طريقه تعترضه قائلة
- نادية ستنتظرك عند البئر فى الفجر وقبل أن تتلقى رداً كانت قد إختفت من أمامه ..
ظل هارون يتقلب فى الفراش.. بالكاد سرق من الزمن سويعات معدودة نام فيها تنازعه الكوابيس .. وعند البئر فى الفجر كان هارون
يربط حصانه إلى سور البئر ويجلس مترقباً مصغياً .. حتى سمع وقع خطوات فرسة نادية ..بقفزة رشيقة كانت نادية تستقر من على ظهر الفرسة إلى الأرض تغوص قدميها فى رمال الصحراء .. قال هارون بصوت مرتعش
- أعلمت. ما حدث
لم ترد نادية .. وخلعت العباءة السوداء وال**** لتصير عارية .. فرشت العباءة فوق الرمال ورقدت عليها ممدة ، تستنشق هواء الصحراء النقى بتلذذ مثير مغمضة العينين ، وسط دهشة هارون الذى رقد على ظهره بجوارها وقال
- يبدوا أنك لا تعلمين ما حدث و....
بتر كلماته إثر إنقضاض نادية بفمها تقبله ..
ثم قالت بلا مبالاة
- وما الجديد يا هارون ؟
- حياتنا أصبحت فى خطر
- حياتى فى خطر .. يبحثون عن قاتل رشيدة
- لن يصلوا إلى قاتل رشيدة
هكذا قالت نادية بهدوء وهى تقوم من رقدتها نتمشى متهادية حول البئر ، فتابع هارون
- كان من الأولى أن أدفن الجثة فى الرمال بدلاً من إلقائها
- لن يكن يجدى فى شئ
- ماذا تقصدين ؟
- لايزال أمامنا جثث أخرى .. والشرطة ستسعى لمعرفة أين إختفوا ؟ .. لنجعلهم يحصلون على الجثث .. لكنهم لن يحصلوا على القاتل أبداً
- وما أدراكِ ؟
- فقط إفعل ما أقوله لك .. ستظل فى آمان
- إسترح الليلة وفى مساء الغد عليك بالثانية ..
الثانية سهلة
قاطعها هارون
- ليس الآن .. علينا أن ننتظر حتى تهدأ الامور فى البلاد
- إذا إنتظرت .. سيفتضح أمرك .. صاحب بالين كذاب .. عليك أن تعطيهم جثة أخرى ليتشتت عليهم الأمر
- خذ هذه ستعينك على الثانية
قالتها وهى تلقى بحبة صغيرة ..إلتقطها هارون وأمسكها بين أصبعيه محدقاً .
عاد هارون إلى داره وفى غرفته الخاصة أخرج الصندوق الصغير .. ظل يتفحص اللفافة الثانية ويتسائل من تكون الثانية ؟ .. قرأ اللفافة مرات عديدة .. خطيئة الرغبة .. إلتمعت عينيه ووجد الإسم يتقافز أمام عينيه .. حتماً هى وردة تلك العاهرة .
فى المساء كان هارون يمتطى حصانه متسللا بين الدروب والطرقات متجهاً إلى دار وردة .
كانت وردة إمرأة جميلة وجذابة أستشهد زوجها وابنها وأبوها وأخوها فى معركة السيناء منذ سنوات .. حيث كان جيش البلاد العرمرم يحرر الأرض من جيش البرامكة الذى إحتله .. لا تنسى يوم أن دخل عليها الجنود الباسلون وخطفوا زوجها وابنها من جوارها فى سكون الليل وكذلك فعلوا مع أخيها ، وحتى أبيها الكبير لم يتركوه .. كانوا يجمعون رجال عامة العباد من الفقراء للجيش .. بينما الأغنياء وأبنائهم ومن والاهم فى قصورهم يتنعمون .. هكذا وجدت نفسها وحيدة على الأرض تتسول قوت يومها من أقاربها اللذين ضنوا عليها .. فوجدت نفسها تسير فى طريق البغاء .. ووضعت على سطح دارها الراية السوداء .. تطلب الرجال مقابل المال .. إحترفت الأمر وصارت أضحوكة المدينة .. يتندرون عليها وهم بحالها لا يعلمون ..كثيراً ما يروادها حلمٌ غريب ، حيث ترى نفسها وقد وقفت على خشبة مرتفعة أمام حشد كبير من الناس .. يصرخون مطالبين بقتلها .. ولا تعلم هى لماذا ؟ .. لكنها تشعر وكأنها السبب فى كل مصائب الدنيا .. وإلا فلماذا يفعلوا بها ذلك ؟ .. وإلى جوارها تقف أمها وأخوتها صغار كأنهم لم يكبروا يوماً، وظلوا أطفالاً أبرياء
شاردة الذهن وحيدة وتعيسة حين دق الباب هارون .. فتحت لتجد رجلاً ملثماً .. إبتسمت
وقالت
- إتفضل
- لا .. جئت اخذكِ عندى
- ألست طالب متعة ؟
- نعم كذلك
- إذن تعالى .. أنا لا أذهب عند أحد
- أنا هارون الوكيل .. تاجر .. سمعت عنك فجئت أطلبك .. لا أستطيع أن أكون على راحتى فى دار, غريبة .. هذا طبعى .. تعالى معى إلى دارى .. لا أحد هناك
الكثير .. دستها فى صدرها وقالت
- إنتظر
إرتدت عباءة سوداء للخروج .. ساعدها جسدها الرشيق الممشوق فى إمتطاء الحصان .. كاد هارون يضحك حين ذكّره ذلك برشيدة وهو يكابد وضعها فوق الحصان .. من خلفها كان هارون يجذب اللجام وينطلق بعدما لثم وجهه بطرف عمامته
بداخل الدار الموعودة شهقت وردة من الفزع حينما رأت جسداً ممداً ..
تدارك هارون وسط
إندهاشه فلم يتوقع أن يجد نادية بإنتظاره .. وقد أحضرت بعض الخمر والفاكهة وقال
- هذه نادية إحدى جواريّ
ردت وردة
- يبدو أنك رومية أيتها الجارية .. فما لنساء
العرب بهذا الجمال
ضحك هارون وقال ( هى كذلك ) .. وواصلت
وردة كلماتها
- لماذا جئت بى إذن ؟ ولديك هذه الجارية ألا تكفيك ؟
- أنا أعشق النساء على كل شكل, ولون
تبادل هارون ونادية على إعداد وردة .. فكما تنص اللفائف على المرأة أن تصل إلى قمة المتعة حتى تتركز العناصر فى دمها وتتخزن تحت جلدها .. إعتلى هارون وردة و شعر بيد نادية تناوله الخنجر من الخلف أثناء إتيان وردة شهوتها من تحته .. قبض على الخنجر ومد زراعه يهوى ليغرزه فى قلب وردة .. إلا أنها رأته و أمسكت بيده بزراعيها تمنع نصل الخنجر من الوصول إلى صدرها .. تعجب هارون من قوة قبضتها وقبل أن تتدخل نادية .. تبدلت ملامح وردة فجأة وإنطاقت منها ضحكة خافتة أتبعتها بتنهيدة تاركة يد هارون الممسكة بالخنجر وقالت
- هيا إفعلها .. لا أحد لى فى هذه الحياة ..
علام أبقى فيها ؟
قالتها وقد إكتسى وجهها بإبتسامة شاحبة يائسة ..
وإمتلات عيناها بوميض خافت عجيب .. وكأن هارون قد شُلت يده .. لم يتحرك بل شعر بقلبة ينبض شفقة ..
أدار رأسه تجاه نادية فرأى فىي عينيها نظرة آمرة مخيفة ، وكأنها تحولت إلى شيطان تحولت زرقة عينها إلى الإحمرار .. لم يدرى هارون بنفسه حين غرز الخنجر فى قلب وردة ، التى أشاحت بوجهها بعيداً وأغمضت عيناها قبل أن يهوى الخنجر فى قلبها .. رأت نادية وجه هارون الذى شحب وعينيه التى خبا نورهما .. قامت تجذبه من فوق وردة وشرعا الإثنان يسلخان جلد وردة ويقومان بما قاما به مع رشيدة ، يتجاذبان أطراف الحديث .. قالت نادية
- أنت تمضى فى طريقك يا هارون
- أخشى ألا أكون كذلك يا نادية
- سترى بنفسك يا هارون
ودفن الجلد والملابس المتسخة بالدماء ..
وتحصلا على قنينة الزيت الصغيرة التى لا تزيد على أصبع اليد طولاً .. إنصرفت نادية عائدة وسط الليل إلى قصر ابن زيدون .. بينما ذهب هارون لإلقاء الجثة على أطراف المدينة .. ولم ينسى أن يستعيد الزمردة .. ليبدأ بعدها بيومين فى الثالثة التى كانت مهمتها أحب إلى قلبه من كل الأشياء .. أمرأة خطيئة الكسل زوجته ..القردة الكسولة ميمونة .
دخل هارون فى المساء على زوجته ميمونة
لتبادره قائلة
- ولماذا لا يقتلك السفاحُ القاتل ويريحنى منك ؟
- أهُنت عليك هكذا ميمونة ؟
- مالى أراك سعيداً .. ألا تدرى ما يحدث فى البلاد ؟
- بلى أدرى ولكن ما شأنى أنا .. الحمد **** سددت ديونى كلها وستصل قافلتى من الشام وأزاول تجارتى وأربح
- كيف لا يعنيك ما يحدث والهرج والمرج يسود البلاد بحثاً عن القاتل
- ميمونة زوجتى وحبيبتى دعك من هذا الحديث .. لقد مر عامٌ ونصف على زواجنا ولم يرزقنا اللّٰه بالولد
يناديها (بزوجتى حبييتى)
- أنا حبيبتك ؟
- ومن تكون حبيبتى غيرك ؟
- صحيحٌ ما تقول يا هارون
- ولماذا لا تصدقين ؟
- لأنك دائماً تهيننى .. ولقد تزوجتنى طمعاً فى المال
- من الذى قال لكِ ذلك ؟
- الليلة ليلة إكتمال القمر. بدراً .. وكما يقولون إذا ضاجع الرجل إمرأته فى تلك الليلة .. صار الحَبل وجاء الولد .. ما رأيك ؟
وسط الذهول الذى كسى وجه ميمونة تتردد كلمة (ضاجع) بصدى مدوى فى أذنيها .. فزوجها لم يضاجعها منذ زواجهما سوى ثلاث مرات فى عام، ونصف .. قالت بصوتٍ مبحوح وعينيها محدقة فى الفراغ
- سأتزين لك
قالتها وهى تقوم تتجه إلى المرآة فسمعت صوت
هارون يقول
- ليس هنا يا ميمونة .. أعدى نفسك كما تشائين .. فأنا قد أعددت لكِ مفاجئة ستسُر
قلبك
كانت ميمونة تحدق فى المرآة بوجهها الدميم الذى يذكّر هارون كلما رآها بوجه القردة
لكنها رأت نفسها فى هذه اللحظة أجمل نساء الأرض .
كانت ميمونة على ظهر الحصان خلف زوجها هارون تحيط وسطه بزراعيها .. ليس خشية أن تقع من على الحصان ولكن خشية أن يطير
هارون من بين يديها ومعه السعادة التى ملات قلبها والغبطة التى سرت فى روحها فى هذه الأثناء .. ولما وصلا إلى الدار حملها هارون على زراعيه ودلف بها .. صاعداً إلى سطح الدار .. رأت ميمونة ما لا تصدقه عيناها ..
فرشة موثرة على سطح المنزل بأحد الأركان متخفية ومن فوقها الفاكهة وزجاجة الخمر ، قال هارون
- ما رأيك فى هذه الجلسة الشاعرية هنا تحت البدر المنير يا ميمونة
لم ترد ميمونة التى غرقت فى بحر السعادة
وواصل هارون بعد أن جلسا على الفرشة يناولها تفاحة حمراء ملساء
- أنظرى إلى البدر يا ميمونة .. كم هو بديع ويشبه وجهك الجميل ؟
قالها وهو يسخر فى سره من منظر وجهها الذى رقعته المساحيق الملونة ، والكحل المنسال حول عينيها .. كانت ميمونة مأخوذة تسبح فى عالم آخر مع البدر
.. بالكاد تمكنت ميمونة أن تنطق بصوت مبحوح قائلة
- ما الذى غيَّرك هكذا يا هارون ؟
- سنظل سوياً هكذا يا ميمونة .. أدعى اللّٰه أن يرزقنا بالولد لتكتمل سعادتنا .. لماذا لا تأكلين ؟ .. أأكلى أأكلى
- أنا لا أشرب الخمر .. وليتك لا تشربها يا هارون
- هذه ليست خمر .. إنها نبيذ .. عصيرٌ من العنب .. إشربى
- هيا ننزل للدار يا هارون
- لا .. أريدك هنا
- أتريد أن تنكحنى هنا فى العراء .. أنا إمرأة حرة ولست جارية
- أين هذا العراء يا ميمونة .. نحن فوق سطح دارنا ولا أحد يرانا .. ثم أنه هنا تحت البدر بحصُل الحبَل ويأتى الولد
، وأفاقت لتجد نفسها عارية بعدما نزع هارون عنها ملابسها ..طفقت تخصف على عورتها من ثوبها ولكنها سمعت هارون يقول
- دعى نفسك لى يا ميمونة .. ستعتادين الأمر إستسلمت ميمونة لما يفعله بها هارون ثم قالت
- ماذا تفعل بى يا هارون ؟ .. لا أشعر بجسدى .. رأسى ثقيلة
- أتركى نفسك لى يا ميمونة
لف هارون جثة ميمونة بملابسها ولمَّ الفرشة فى بؤجة .. حمل ميمونة على كتفه وأمسك البؤجة بيده نازلاً يتسائل بينه وبين نفسه ( لماذا ينظرن لى هكذا وهن يموتُنَّ أمامى ؟)
لم يدر هارون بأن الثلاثة التى قتلهن كان الموت أفضل لهن من الحياة .. بل أنه بقتلهن أحسن إليهن صنعاً .. فرشيدة تلك البدينة المترهلة عاشت عمرها مثار ضحكات الرجال والنساء بل حتى زميلاتها الجاريات ، يتندرن عليها ويضحكن عند إهتزاز لحمها مع حركاتها .. لم تجد رجلاً سيداً كان أم عبداً سعى إليها كباقى الجاريات .. كم نامت من ليال تسحق دموعها
ووردة تلك الوحيدة التى سرقوا منها حياتها حين جنّدوا أهلها وأستشهدوا فى الجيش .. حاولت أن تنتحر لكنها فشلت .. وجدت نفسها عاهرة تبحث عن لقمة العيش وسط الذئاب تنهش لحمها ..صارت مصدر فكاهات الرجال .. تمنت لو ماتت .. ففى العالم الاخر قد يكون هناك من يرحمها .
وميمونة الدميمة زوجة هارون .. أدركت منذ نعومة أظافرها أنها قبيحة الوجه .. ومن حولها الجميلات من سيداتٍ وجاريات .. قبلت هارون المديون رغم أنها تعلم أنه يريدها لمالها .. لكنها أرادت أن تتزوج بدلاً من أن تجلس عانسة وتلحق بمن تزوجوا من زميلاتها وقريباتها ..تمنت لو لم تكن قد تزوجته وظلت عانسة حين رأت الإشمئزاز على وجهه يوم فض بكرها
وكأنها هى المذنبة هى من خلقت وسوت وجهها بدمامة منفرة .. كانت تتمنى أن تموت .. فهذه الدنيا مخصصة للجميلات وليس لمثلها .
هكذا ساق القدر لهارون الثلاثة يرى على وجوههن وفى عينهن ما يُحزنه .. وجد هارون نفسه وقد إنتهى .. سلخ الجلد وأذاب الدهن وفلتره .. حتى صار معه قنينة الزيت الصغيرة .. دارت فى رأسه الأفكار حين دخل الفجر ولم نحضر نادية .. تسائل هل إفتضح أمرها فى قصر ابن زيدون؟.. أم أنها لم تستطع منه متسللة .. قبل أن يطلع النهار كان قد حمل جثة ميمونة زوجته .. ألقاها على طرف المدينة .. عاد تعتمل الهواجس بصدره حين لم تقابله الجارية المتسللة تخبره بالموعد المعلوم ..ذهب مع شيخ بندر التجار والد ميمونة ، و أبلغ قائد الشرطة عن إختفاء زوجته .. سرعان ما عثروا على جثتها المسلوخة وسط بكاء التماسيح الذى تقمصه هارون .
بعد يوم هرع إلى البئر الناضبة وإنتظر هناك ..رغم أنه لا يعلم ما حدث لنادية .. لكنه أحس أنها قد تحضر وصدق إحساسه ، وعلى فرسها كانت نادية تتبختر ..نزلت وتعرت و على الرمال كما المعتاد كان جسدها يتمدد .. وإلى جوارها
هارون يسأل ويتسائل
- لم أستطع التسلل من القصر .. كان ابن زيدون يقيم حفلاته ليومين
هكذا قالت نادية تحت البدر الناقص قليلاً والهواء الثائر عليلا يدفع برمال الصحراء على جسديهما وقالت نادية
- علينا بالرابعة .. ليست سهلة
هكذا قالت نادية مصوبة عينيها الزرقاء على عيون هارون الزائغة .. وتسائل من هى .. ردت نادية قائلة ( الحسودة ) .. ( ومن تكون ؟) ..قالها هارون ..( لن تصل إليها لذا سأخبرك ).
أخبرت نادية هارون بالرابعة .. وشرحت له
كيف يفعل ؟
ثم إنطاقت على مهرتها مغادرة .. بينما هارون متعجباً
البلاد المباركة ج ٤
تتجول حورية متهادية بين أركان حجرتها ، مشبكة يديها خلف ظهرها .. تستنشق الهواء وكأنه رحيقٌ مختوم .. ترنوا بعيناها فى الفراغ وتغمضها بسكون .. الحبُ قد يُولد بكلمة ..
لكنه معها كان مختلفاً ، فقد وُلِد بلطمة ..
جرجرتها من عالمها الكئيب الممل إلى عالم ليس له مثيل .. نادت على مربيتها أم إبراهيم
وقالت
- أنا أريد أن أخرج .. أريد أن أذهب إلى السوق .. عند بائع الجلود
- لا يا ابنتى .. البلاد مضطربة .. والشرطة على العباد منقضة .. لا تستطعين الخروج ، فليس فى البلاد الآن أمان .. طالما كان قاتل النساء طليق السراح
- سأتدبر أمرى وأخرج
وما الحبُ إلا جنون
هنا تبدأ القصة
كان محمود جالساً على فرشته فى السوق .. يبيع الجلود ولاتزال الندبات وأثار الجروح على وجهه تظهر فى خفوت .. رأى أمامه أحمد بن زيدون ، وإلى جواره إبراهيم بن عيسى .. قال إيد كيف حالك يا محمون .. جنت أطمئن عليك ؟
- بخير
قالها محمود بإقتضاب ، فتابع إبراهيم قائلاً
- لماذا لا تحضر الإجتماعات يا محمود
تنهد محمود باسماً وقال
- لم تعد تفيد ..سيظل الملوك ملوك ..
والصعاليق صعاليق
صاح إبراهيم قائلاً
- أعلم ما حدث لك يا محمود .. لكن لا تجعل ذلك ينال من عزيمتك .. فأنت وأحمد والشباب الآخرون تمثلون مستقبل البلاد ..
فنحن إذا لم نصل لإصلاح البلاد .. أنتم منا
للراية مستلمون
قال محمود وهو يرتب الجلود من أمامه بنبرة ساخرة
- نعم سنستلم منكم راية الكلام والصياح
تسائل إبراهيم
- وماذا نفعل يا محمود ؟
- السيف هو الحل !
- السيف ؟ ماذا تقصد ؟
- إذا كنا نريد إسترداد بلادنا ممن إغتصبوها من الظالمين .. علينا أن نقاتلهم بالسيف ..والعين بالعين .. لابد أن نجاهد فى سبيل حياتنا وكرامتنا بدلاً من الذل والهوان
- أنت تقول ذلك لأنك لازلت متأثراً بما حدث لك
- وأنت لا تقبل ذلك لأنك مثلهم .. ممن يملكون المال والقصور .. لا تكد ولا تتعب مثلى أنا العبد المقهور
لم يرد إبر هيم بل قال موجهاً كلامه لأحمد بن زيدون
- لا تترك محمود يا أحمد .. فهو يحتاج من يقف إلى جواره .. وعندما يهداً .. سيعود
محمود الذى نعرفه
وهم مغادراً وهو يقول لمحمود
- أنت ترى ما يحدث فى البلاد .. ثلاثة قتيلات
مسلوخات .. ولم يعد هناك أمان .. الهرج والمرج يسود أحوال العباد .. وهنا دورنا
تجاه بلادنا
قالها وإنصرف بينما قال ابن زيدون
- أنت تحتاج بعض الوقت لتنسى ما حدث يا محمود ..سأزورك فى المساء
إنصرف أحمد متجهاً بضع خطواتٍ حتى وصل إلى عبلة الجالسة على فرشتها فى السوق تبيع اللبن .. تمعن فى وجهها الذى أسر قلبه ..ونظر فى عينيها السوداء فشعر وكأنه يهيم فى الليل الهادئ .. رأته أمامها فلم يبدو على وجهها شئ .. بادرها قائلاً
- كيف حالك يا عبلة ؟
- ماذا تريد يا ابن الأعيان ؟
- أريدك يا عب.. .
- أنا اسمى أحمد ابن زي..
قاطعته هى قائلة
- أعلم ذلك .. ماذا تريد ؟
- لماذا تعاملينى هكذا ؟ .. هل أسأت إليك فى شئ ؟
- لا أحد يقدر على الإساءة لى
- وأنا أطيح برقبة من يسئ إليك
هكذا صاح أحمد وقطع كلامه ، حين جائت إمرأة وإشترت بعض اللبن ومضت لحال سبيلها
.. فواصل أحمد بصوتٍ لاهث مبحوح
- أريد أن أتزوجك يا عبلة
قالها فى الوقت الذى كانت فيه أم عبلة قد حضرت تقول
- هل بعت يا عبلة كل اللبن اليوم ؟ صمتت أم عبلة وحدقت فى الشاب الوسيم الواقف أمامها بعدما سمعته يطلب عبلة للزواج
.. بينما عبلة مندهشة وقد زاغت عيناها .. تتقافز بصدرها أحاسيس أنثى مرغوبة .. وقالت أم عبلة
- ومن أنت أيها الشاب ؟
- أنا أحمد بن مشارى بن زيدون
- ومالك أنت بصهر الفقراء من أمثالنا
- لقد رأيت عبلة وأحببتها وأريد أن أتزوج بها قالها أحمد محمر الوجه خجلاً .. فردت أم عبلة ضاحكة غير مصدقة
- وهل أهلك يرضون ببائعة لبن فى السوق ؟
- لا شأن لأهلى بى
- كنت أظنك شاباً .. ولكن الآن إما أن تكون صبياً لم يبلغ الحلم .. أو سيداً يريد أن يلهو مع مثلنا يتسلى .. إذهب .. إذهب قالتها أم عبلة وعلى وجهها علامات جامدة وتبرق عينيها بوميض يكاد يفتك به .. فوجد أحمد نفسه يفزع خائفاً ويستدير منصرفاً يجر أذيال الخيية .
فى الوقت الذى كان محمود قد باع قطعة كبيرة من الجلد غالى الثمن .. وسعد بما رزقه اللّٰه ،كان جالساً على فرشته وعيناه على الأرض يطوى جلوده المفرودة .. فإذا بعينه تقع على حذاء مذهب برقبة طويلة .. صعدت عيناه لأعلى تتهادى حتى ثبتت عيناه على وجه ملثم خلف الطرحة الشفافة .. زاغت عيناه حول عينيها التى
كانت ترنو له بحنان, بالغ .. وسمع الصوت
الرقيق يهمس
- كيف حالك يا محمود ؟
قالتها تاركة طرف طرحتها يهوى .. فإنكشف نور وجهها كالبدر فى طلعته ، جعل محمود يتلفت حوله .. يترقب الحراس القادمين ينهالون عليه .. إلا أنه رآها تجلس أمامه على طرف الفرشة الرثة البالية .. تثبت عينيها فى عينية
الجامدة وتقول
- سامحنى يا محمود .. أنا التى أخطأت قالتها وهى تمد يدها تمرر أناملها على وجهه ..تتلمس أثار جروحه المندملة وعلى وجهها علامات من يرى مخلوقاً غريباً أمامه لم يرى مثله من قبل وقالت
- الهذا الحد تسببت فى إيذائك
لم يرد محمود الذى شعر بوجهه وقد تخدر من أناملها فلم يعد يشعر به .. أمسك كفها بيده فارتعش وباعده عن وجهه .. ينظر حوله خشية أن يرى من حوله ينظرون .. بالكاد إبتلع ريقه ونطق
- أنا أعتذر لك .. فلم أكن أدرى كيف صفعتك حتى ولو كنتِ أنتِ البادية .. ما كان يجب أن أفعل ذلك أيتها الأميرة
قضبت هى حاجباها وقالت مقتضبة
- لا تنادينى بالأميرة .. إسمى حورية صمتت قليلاً فى الوقت الذى أدرك فيه محمود بوجود إمرأة أخرى سوداء جلست بجوار حورية، وقالت حورية
- هذه أم إبراهيم .. مربيتى منذ أن ماتت أمى إبتسم محمود فى وجه أم إبراهيم ثم قال لحورية
- دارى ليست بعيدة عن هنا سأذهب لإحضر لكِ ما عندى من رقوق
- لا ليس الآن .. أريدك أن تصحبنى فى جولة فى السوق .. فهذه أول مرة أرى فيها سوقاً أدارت رأسها لأم إبراهيم وقالت
- أحرسى يا أم إبراهيم بضاعة محمود حتى نعود
كانت حورية تتأمل وجوه الناس المكفرَة .. لم ترى من قبل مثل هذه الوجوه .. إعتادت على رؤية وجوه الأمراء والأعيان المنعّمة.. شعرت وكأنها إنتقلت إلى عالم, غير العالم .. ودنيا غير الدنيا.. وتستمع إلى صياح الباعة ، وكانها إنتقلت إلى عالمٍ غير العالم .. ودنيا غير الدنيا .. مشدوهة تنظر إلى جميع ما حولها ..ترقب البيع والشراء .. وتستمع إلى صياح الباعة ينادون على بضاعتهم .. وزعيق فصال من يشترى مع من يبيع .. كانت تبتسم سعيدة بما ترى .. ورددت بينها وبين نفسها
- كم هى جميلة تلك الحياة
أفاقت من شرودها على صوت محمود يقول
- لماذا جئت إلى هنا ؟ .. وماذا تريدين ؟ لم تجب على السؤال .. وقالت ما لم يخطر لمحمود على بال
- أتعلم يا محمود أنك حين صفعتنى ..
ضحك محمود وقال
- غريبٌ أمرك أيتها الأميرة
- أرجوك يا محمود .. لا تخاطبنى بالأميرة ..
قل لى يا حورية
.. قال محمود
- كنت أظن أن حياة العز والنعيم والقصور والخدم والجوارى .. هى السعادة
- لا يا محمود .. السعادة شىء آخر .. لا علاقة له بالعز والجاه والسلطة والمال
- علام تضحكين يا حورية
سعدت هى حين سمعته ينطق بإسمها مجرداً
وقالت
- لم أكن أعلم أننى أستطيع أن أفعل ذلك
- تفعلين ماذا ؟
- أشترى ثوباً بعدما أفاصل مع البائع وآخذه بثمن, زهيد
- أنا لا أصدق أنك أول مرة تنزلين السوق
وتشترين
كانت ترقب نخاساً يعرض جاريته للبيع أمام ثلاثة رجال, يتفحصونها .. وأشار النخاس
للجارية الجميلة بأصبعه .. فقامت بخلع ثوبها الذى لم يكن تحته شئ و صارت عارية إلا من عقدٍ رقيق زين رقبتها .. ووقفت الجارية تميل رأسها على كتفها فى دلال .. بينما ثنت إحدى ركبتيها فصارت وقفتها فى غاية الإثارة .. تمعن الشارى فى معاينة جسدها ويتحسس بأناملة نعومة جلدها
تتسائل حورية بينها وبين نفسها
- تُرى بماذا تشعر تلك الجارية الآن ؟ .. حتما
شعور غريب
تمنت لو كانت مكان الجارية ، ياله من شئ سيكون جميل .. أفاقت على صوت محمود
بجوارها يقول
- ألم ترى جاريةً تُباع من قبل
- لا
- خذ يا محمود .. هذه ثمن الرقوق وكذلك تعويض عن تركك لعملك وتجولك معى فى السوق
نظر إليها محمود باسماً .. ودون أن ينطق بشى أمسك بكفها الرقيقة الممدودة بالدنانير وأحاطها براحتيه الخشنة يدفعها بلطف تجاهها رافضا صرة الدنانير .. سرت فى يدها قشعريرة باردة من خشونة يده التى لم تحس مثلها فى الأيادى الناعمة لإخوتها الرجال.. ردت على إبتسامته بإبتسامة واسعة جعلته يشعر بالدنيا تفتح زراعيها له .. عادا إلى مكان فرشة محمود ..
وقالت حورية
- علىَّ العودة قبل أن يدرك أحد غيابى إنصرفت مع أم إبراهيم بينما محمود وجد نفسه يعيش فى العالم النقيض .. من الكره والنقمة
والرغبة فى القتل .. إلى الحب والود والرغبة فى السلام .
سارحاً كان محمود يلم فرشته وبضاعته .. فلم يسمع صوت عبلة يقول من خلفه
- من هذه التى كانت تتجول معك بأرجاء
السوق ؟
بالفعل لم يكن قد سمعها .. ومضى عائداً إلى داره .
عادت حورية إلى القصر .. لا تشعر بالزمن من حولها .. وكأنها صارت روحاً هائمة
خارج حدود الزمان والمكان .. كل هذا لأنها فتحت القفص الذى تتنفس فيه مختنقة ..
وطارت إلى عالم شعرت بالحياة تدب فيه ..
دلفت إلى غرفتها وإختلت بنفسها .. إرتدت الثوب الذى إشترته من السوق.. وغمست ريشتها فى مدادها.. وبدأت تكتب على الرق الخالى أمامها .. تخط الكلمات بإحساس جديد .. وترسم الحروف بمعنى مختلف .
*********************
كان أحمد ابن زيدون على فراشه الوثير يتقلب ..كالسمكة تُشوى على صفيح النار يتأجج ..يتسائل أهو صبى لم يبلغ الحلم بعد كما قالت أم عبلة .. أم رجل بين الرجال له طلة .. تنهد وتنهد وفكر وإسترسل .
رغم النعيم الذى يعيش فيه أحمد إلا أنه شاباً مختلفاً عن أقرانه من أبناء الأعيان .. والسبب فى ذلك يرجع إلى أمه التى ألحقته منذ صغره بالمسجد .. يتعلم من الشيخ الدين والحياة ..
إختلط بعامة الناس فلم يرى نفسه مختلفاً .. نشأ حيياً بوجهه الأبيض المحمر دائماً خجلاً ..
كان أقرب فى شخصيته من أمه التى ربته .. لا يمت لأبيه اللاهى العابث فى صفة .. لماذا جذبته إذن عبله ؟.. رغم ما حوله من بنات الأمراء والأعيان .. السبب أنها رجل .. رجل مختفى خلف أنثى .. لم يرى فيها ضعف الإناث .. بل رأى قوة الرجال .. أشعره ذلك بأنها تكمل ما عنده من نقص .. فهو ذكر إختفى وراء طبيعة أنثوية ، وهى أنثى إختفت وراء طبيعة ذكرية ..
هكذا جعلتهما ظروف حياتهما .. أفاق من شروده على صوت أمه يقول
- أراك شارداً مهموماً يا أحمد
كعادته لا يخفى عن أمه شئ .. إسترسل أحمد فى الحكاية ولما إنتهى .. قالت والدته
- ألا ترى أن بائعة لبن لا تصلح لحياة القصور
- ولما لا ؟
- إهدأ أنت الآن ولا تعطى للأمر بال ..
سأفاتح أبيك فى الموضوع .. رغم أنى أعلم مسبقاً ما سيقول
مسحت بحنان على وجه أحمد وإنصرفت .. لكن أحمد لم يهدأ .. تذكر محمود .. فقام مسرعاً يرتدى ملابسه .
وفى دار محمود المتواضعة كان أحمد يجلس سائلاً
- أرى وجهك مشرق عكس الصباح .. ماذا حدث ؟
- لا شئ
- استعاود حضور الإجتماعات
- سأفعل إن شاء اللّٰه
- أريد أن أسألك يا محمود عن عبلة
- ماذا تريد منها ؟
- لا تصلح لك عبلة يا أحمد .. ليست من طينتك .. إبحث عن فتاةٍ أخرى
كان هذا الكلام يزيد أحمد إصراراً على المضى قدماً فى طريق عبلة .. فقال محتداً
- وهل يجب علىَ أن أكون فقيراً معدما مثلها .. حتى أكون أهلاً للزواج بها
- أهلك لن يوافقون يا قيس .. وهى ليست ليلى
- محمود .. أربدك أن تسأل عبلة في أمرى
وتخبرنى
- لا أريد أن تقحمنى فى هذا الأمر يا أحمد
- أنت صديقى يا محمود .. وعليك أن تساعدنى
- ليفعل اللّٰه ما يريد
هكذا إنتهت زيارة أحمد لمحمود
وفى الصباح كان محمود يحادث عبلة قائلاً
- مارأيك يا عبلة فيما قاله لكِ أحمدُ بالأمس وكأن سهماً أصاب رأسها .. كانت عبلة تحدق فى محمود بجمود .. إستحضرت قوتها الكامنة
وقالت
- وما رأيك أنت يا محمود ؟
- أرى أن الخلاف بينكما كبير
- إذا إستطاع أحمد إقناع أبيه بالزواج بك. ..
فأنا أرى أحمد رجلاً ليس من الأعيان كما نعرفهم .. بل هو مثلنا
ترقرقت الدموع فى عيني عبلة .. وقبل أن يلحظها محمود ، إستدار على يد فوق كتفه ليرى من الطارق .. فإذا بها حورية تبتسم بابتسامة عذبة صافية .. جعلت محمود ينسى وجود عبلة وسار مع حورية قائلاً
- يبدو أنك تريدين أن تعيشين هنا فى السوق .. ما رأيك أن أصنع لك, خيمة هنا تقيمين فيها ؟
قالها ضاحكاً فى الوقت الذى كانت عبلة كالتمثال واقفة لا يتحرك فيها شئ سوى دموعها النازفة .
- بائعة لبن, تقول .. أجُننت فى عقلك ؟ هكذا صاح ابن زيدون فى وجه ابنه أحمد الذى قال
- أبتى .. يقول الرسول (ص) تُنكح المرأةَ قاطعة ابن زيدون صائحاً
- إصمت .. إصمت .. سأبحث أنا لك عن عروس, تليق بك
- أنا لا أريد غير عبلة
- وإذا لم أجعلك تتزوج بائعة اللبن هذه ؟ قالها مشارى محدقاً فى وجه أحمد الذى كابد للتخلص من خجله .. ورسم على وجهه علامات الرجال قائلاً
- سأترك القصر .. وإشتغل وحدى .. أتزوجها وأحيا معها حياة الفقراء
- يبدو أنه الحب كما يقولون
قالها وهو يستدير مطرق الرأس ، مشبكاً كفيه خلف ظهره يدور حول ابنه ممعناً التفكير يردد بينه وبين نفسه (( يبدو أن الفتى مسحور ببائعة اللبن .. وإذا لم أزوجها له سيترك تجارتى ولا أجد من يتابعها )) .. كان ابن زيدون لا هم له سوى الجوارى الفاتنات والحفلات الماجنة ..
معتمداً على ابنه فى إدارة شئون التجارة .. فإذا تركه ابنه سيصير الحال غير الحال .. لذا إتخذ قراره وقال
- أنت تحبها يا أحمد تلك بائعة ال....
بتر عبارته ثم تدارك قائلاً مبتسما
- قلت لي ما اسمها ؟
- عبلة
- طالما تحب عبلة لهذا الحد ، إذن لتتزوجها ، وتسعد بحياتك يا بني
- صحيحٌ يا أبي ؟
- أعلمنى بالموعد الذى تريده لأذهب معك إلى أبيها نخطبها
لم يرد أحمد الذى إنطلق يعدو خارجاً .. تتقافز خطاه فى الدروب والطرقات إلى عبلة فى السوق ذاهباً .. وصل إليها فوجدها مع أمها على فرشتها فى السوق جالسة .. قال سعيداً موجهاً كلامه لأم عبلة متسارعاً
- أم عبلة .. أريد أن أحضر مع أبى لأطلب عبلة من أبيها
بينما ابن زيدون على أريكته وسط الجوارى جالساً يفكر .. رسم بمخيلته مستقبل ابنه مع بائعة اللبن .. واثقاً أن تلك الزيجة لن تفلح .. فليدعه يتزوجها ويلهو بها قليلاً
.. وبعدما يشب ويمل يطلقها ويتزوج ممن تكون أهلاً له .. هكذا كان يفكر ابن زيدون فى شأن ابنه أحمد مع بائعة اللبن .
فى دار عبلة كان الأب كعادته صامتاً يعبأ اللبن المحلوب من الغنم والماعز بينما أم عبلة تصيح
- أيتها المتعوسة .. علام ترفضين العز والنعيم .. إن كنت تنتظرين محمود الفقير ..فإعلمى أنه منكِ شيئاً لا يريد .. تحدثت مع أمه كثيراً حتى صرت كالتى تعرض سلعة بائرة
- أنا لا أريد ابن الأعيان ولا أريد محمود
- أتريدين أن تظلى هكذا بلا ونيس .. يا بنيتى، لقد جائتك حياة العز والقصور تحت قدميك.. فلماذا ترفسينها ؟ .. أتودين أن تظلى فقيرة ؟
ظلت حورية مع محمود فى السوق تتجول ..
فرحة وسعيدة ترقب الناس من حولها .. وقال محمود
- لا أستطيع أن أفهمك. .. ماذا تريدين ؟
- لا تفسد عليَّ سعادتى يا محمود .. أنا لا أفكر فى ساعتى المقبلة .. بل أسعى لأعيش ساعتى الحالية
- أنتِ أميرة .. فما شأنك بحياة عامة الناس والعباد
ببطء
- أنا لا أحب أن أكون أميرة .. بل وجدت نفسى فى كتب الفلاسفة والحكماء والشعراء
أسيرة .. وجدت هنا هذا العالم الذى كنت أقرأه .. فصرت الآن أحياه
صمتت قليلاً ثم تابعت وهى تمد يدها لمحمود بلفافة رق
- علىَ العودة الآن .. خذ هذه وأقرئها
- ما هذه؟
قالها محمود وهو يفتح اللفافة .. تطالع عيناه
السطور فقال
- أشعرٌ هذا أم نثر ؟
- مزيجٌ بين هذا وذاك
- ولماذا تكتبيني هذا يا مولاتى .. أنا صعلوق وأنت أميرة
- وجدت نفسى أفكر فيك .. وأردت أن أكتب هذا لك فكتبته .. هذا كل شئ
قالت جملتها الأخيرة ببراءة الأطفال .. مما جعل محمود جامداً مذهولاً .. بينما تابعت هى بهمس
- ليتك تكون مثلى يا محمود
- لا يمكن للصعلوق أن يكون أميراً هكذا صاح محمود .. فردت حورية
- لا .. أقصد ألا تفكر فى ساعتك القادمة .. بل تحيا ساعتك الحالية .. مثلما أفعل أنا أعطت ظهرها لمحمود مولية تقول
- أراك على خير
تسير فى الدروب والطرقات كانت حورية إلى قصرها عائدة .. وفجأة وجدت جسداً يعترض طريقها .. نظرت فرأته أمامها واقفاً .. والجلد الأسود يغطى نصفه العلوى .. والخوزة الفضية على رأسه قابعة .. قابضاً بيده على مقبض السيف فى غمده .. كان يوسف بن حسيب بن العادل ابن قائد الشرطة والمساعد الأول فى ديوان الشرطة يحدق فى وجه حورية وقال
- حينما علمت أنك جئتِ إلى السوق فى المرة الأولى عند بائع الجلود لم أصدق .. ولكن الان ماذا تقولين ؟
- لا شأن لك .. أتتجسس علىَّ .. حسابك سيكون عند أبى عسير
- نعم أعلم الحساب العسير .. حين يعلم أبوك الأمير أنك خرجت من القصر متسللة ..
إلى بائع الجلود الذى لطمك على وجهك فى حديقة القصر .. وجنودى رأوكِ فساروا ورائك يحموك من قاتل النساء الذى نبحث
عنه
صمت وقال بنبرة مخيفة
- هكذا سيكون الحساب العسير ولكن لمن ؟ .. عليك أنت أن تدركين
تبدلت ملامح حورية وهمت بالإنصراف من أمامه فإستوقفها قائلاً
- أنا أحبك يا حورية .. وأنت أغضبتينى حين مزقتى رسالتى وألقيتها أمامى ..سأسامحكِ .. لكن إفتحى لى قلبك
إنصرفت حورية من أمامه لكنه لم يستوقفها هذه المرة .
جلس محمود بعدما عاد من السوق يقرأ اللفافة التى أعطتها إياه حورية فقرأ
" عندما يأتي المساء وتحتويني ترانيم القصيد عندما تغيب الشمس وتحتضن أمواج البحر الدافئة، وعندما يسكن الهدوء زوايا غرفتي الصغيرة ويختبئ النوم تحت جفوني كطفل, بريئ وأعود لأوراقي لأسكب عليها مداد حبري الدافئ ، وتنتحر حروف كلماتى على حافة السطور أحاول لملمتها وجمع شتاتها ، ولكن عبثا أحاول فأنا والحزن ننام علي وسادةٍ وكأننا حبيبان لا نفترق
إن ودعته يبكيني ، وأن نسينا بعضنا نحترق أخلقت من أجله ، أم كلانا في طريق علية نتفق ، وأعود لأوراقي من جديد ، فلا احد يفهمني غيرها ، وقلمي الصامت الذي يبكي كلما بكيت وسطورٌ لا تبوح الا بما يُكتب عليها فأنا: أعبث بالأوراق وتعبث بي ، ولا أدري الي أين المصير .. أفكر ، أسرح ، أسترسل فيها ، حتي تأخذني الي ذاك العبير
حديقةٌ بلا زهور، بلا شجر حبيبي كان هناك يسير .. أمد يدي لأكتب عليها ، فتكتبني قصيدة وتتركني أسير
لهوي قديم وعشق جديد أن ينساة قلبي يأتيني عبر الأثير
فتمزق أحرفها دموعي وتبقي الأوراق لا تعرف بأي شعور, تسير "
ظل محمود يقرأ الرسالة مرات ومرات ..
إختلجت فى قلبه مشاعر عديدة وأحاسيس كثيرة
.. وجد عيناه تدمع متمنياً أن يكون أميراً .. لم بتغلب على نيران صدره المشتعلة وأمواج سريرته الهائجة .. إلا عندما سمع صوت حورية الرقيق يهمس ( لا تفكر فى ساعتك المقبلة .. بل إحيا فى ساعتك الحالية ) .. هكذا ظل الصوت يردد فى أذنيه حتى هدأ وبدأ يعيش ساعته الحالية .. ينبض قلبه سعيداً ويلتقط أنفاسه فرحاً .. كذلك مضت الساعة الحالية ، وبدأت الساعة القادمة ، التى كانت على محمود قاسية .. حيث
سمع صوت طرقاتٍ مفزعة على الباب .. وقبل أن يفتح إنفتح الباب من شدة الطرقات .. وجد ثلاثة جنود يمسكونه بتلابيبه.
بداخل ديوان الشرطة كان محمود يقف أمام يوسف بن حسيب الذى قال ناظراً فى عينيي محمود
- ما حكاية الأميرة مع بائع الجلود ؟ .. حتماً هى حكاية مثيرة أود أن أسمعها
رد محمود لاهثاً
- كانت تبتاع منى الرقوق
- رقوق !! .. يالها من رقوق !! .. تلك التى تجعل الأميرة تتمشى مع صانع الجلود فى السوق
- طابت منى أن أصحبها فى جولة .. لأنها أول مرة ترى فيها السوق
- اممممممممم .. جميل جميل .. ولما أعجبها السوق جائت ثانية اليوم
- لكنها أعطتك لفافة صغيرة من الرقوق
تنهد محمود وقال
- هى قطعةٍ من نوع, خاص من الرقوق يمكنك الكتابة عليها بسهولة .. أحضرتها لى لأصنع لها مثلها بالرقوق
- تقول انها تكتب عليه
- وماذا تكتب ؟
- لا أعلم
تنهد يوسف ومد يده يداعب لحيته وقال
- يبدوا أنك أذكى مما كنت أتصور لحظات من الصمت تمر ثم يتابع يوسف
- كلامك منطقى .. لكنى لا أصدقه .. إذهب أنت يا محمود
- وأعلم إنا لما تفعله ناظرون
خرج محمود من ديوان الشرطة لا يعلم ماذا يحدث .. لكنه شعر أن الحدث كبير.
البلاد المباركة ج 5
أم مرمر تلك النخاسة التى تتاجر فى الجوارى ..لكن ليست أية جوارى .. فقط الجوارى الفاتنات باهرى الجسد والجمال .. روميات وفارسيات وحتى برمكيات .. لا تعرض جواريها فى سوق الجوارى والعبيد .. إنما يحجُ إليها الأمراء والأميرات والأعيان من كبراء البلاد من كل حدبٍ وإتجاه .. رغم بعد دارها المتواضع القاطن فى ضاحية فى آخر البلاد يستغرق الوصول إليه نصف نهار بالفرس الرهوان .. يمتلا دارها بالحمام الزاجل يرفرف بأجنحته فى أركان الدار
.. تراسل به ذويها فى بلاد الفرس والروم وبلاد المغرب والبرامكة ، تستجلب الجاريات الفاتنات النادرات من راقصات ومغنيات . تبيعهن للأمراء والأعيان بأضعاف ما دفعت فيهن من مال .. كذلك ترتب بعض الحفلات الخاصة لزبائنها مقابل الكثير من الدنانير أو الجواهر .. ترقص الجاريات وتغنى عارية ويسود المجون .
كانت أم مرمر معروفة فى ما جاورها من قريب أو بعيد أنها حسودة وبخيلة رغم ما يتدفق عليها من أموال .. كثيراً ما تجلس ساعة العصرية فوق سطح منزلها ومعها نسوة من الجيران ينهمكون فى الغيبة والنميمة والحسد ..لديها ابنة وحيدة إسمها مرمر تساعدها فى العمل .. توفى زوجها النخاس صغيراً فورثت الكار ونما على يديها .. ربت مرمر التى لم تتزوج بعد ، فمن من شباب الضاحية يتزوج من ابنة النخاسة صاحبة الحفلات الماجنة .. تحرص أم مرمر على إخفاء مالها الوفير والمجوهرات الثمينة التى تتحصل عليها من بيع الجوارى فى صندوق كبير مدفون تحت الأرض أسفل سريرها .. تنفق ببخلها قدر حاجتها الضرورية وتدخر الكثير .. حتى صار الصندوق كنزاً مختفى لا يعلم أحد عنه شيئاً حتى ابنتها مرمر ..عدا واحدة ..فى الشكل كانت أم مرمر مليحة الوجة ممتلئ رغم سنها .. إلا أن لها جسد غريب وعجيب .. جسد مشطور إلى شطرين .. النصف العلوى رفيع صغير الثديين صغير البطن ورفيع الأزرع .. أما النصف السفلى فهو سمين وغليظ من الأرداف العريضة والأفخاذ السمينة ، وحتى سمانة الرجل الكبيرة
ذات نهار سمعت طرقات القدر على بابها ..
فتحت تطل برأسها بينما جسدها متوارى خلف الباب، لتجد رجلاً ملثماً ..قال
— أنا بشار بن سنا .. جئتك من عند ابن زيدون .. والأمارة الجارية الرومية نادية التى إشتراها منك منذ بضعة أيام
— تفضل
هكذا قالت أم مرمر التى لا تجعل غريباً يعبر
عتبة بابها .. ولما تلقت الأمارة من هارون
ممحت له بالدخول..تتطاير الحمام الزاجل من حولهم يحلق بأجنحته فى سقف الدار
قامت مرمر وإنصرفت خارج الدار قائلة
— أنا ذاهبة للسوق
— لا تنسى أن تحضرى ما طابته منك.
خرجت مرمر تاركة أمها مع هارون الذى فك لثامه وقال
— لقد طار عقلى حين رأيت نادية .. تلك الجارية التى إشتراها منكِ ابن زيدون ..
أريد أن أشترى مثلها وبأى ثمن
— ألم يخبرك ابن زيدون أنها كانت آخر جارية عندى .. ومن بعدها لم أستطع أن أجلب أخرى
— لما ؟
هكذا صاح هارون .. فأجابت أم مرمر
— ألا تدرى ما يحدث فى البلاد يا رجل .. إنهم صاروا كالمجانين يبحثون عن قاتل النساء .. حاصروا المدينة .. وذبحوا حمامى الزاجل الذى أرسله للبلاد البعيدة لأجلب الجوارى .. وأتوا هنا ومنعونى من إرسال الحمام .. هم يظنون أن القاتل من الأعداء فى بلاد البرامكة .. يخشون أن أكون أراسلهم بالحمام
— إذن وما الحل ؟
— عليك أن تنتظر .. فقبلما يحدث ما حدث كنت قد أرسلت رسائل كثيرة ، وعسى أن تكون هناك جاريات" فى الطريق .. أخبرنى أين دارك وإذا وصلنى شئ سأرسل لك
— سأنتظر أن ترسلى لى .. لكن أريدك أن ترى دارى بنفسك
قالها هارون وردت أم مرمر
— صف لى أين تقطن ؟ .. فأنا أعلم كل دروب وطرقات البلاد
— أنا أريدك الليلة .. فمنذ رأيت جسدك الجميل ، والبلبل على بيضتيه يطير
ضحكت أم مرمر بميوعة وصاحت
— إستحى يا رجل فقد مر الدهر علىّ وهرب ، وما للرجال فىَّ من مأرب
أخرج هارون من حزامه زمردة وناولها لأم
مرمر قائلاً
— هذه هديتى .. عسى ألا تمانعين وتعطينى
رغبتى
تأملت أم مرمر الزمردة النفيسة ودستها فى صدرها وقالت بنبرة دلال
— هيا يا بشار .. عساك ظمآن" يريد أن يرتوى قاطعها هارون
— لا .. ليس هنا .. بل فى دارى .. لا أكون على راحتى فى دار غريبة ، هذا طبعى ..
تعالى معى وسأعيدك فى الصباح قبل أن يبدأ الرباح
— أنا لا أغادر دارى .. إذا أردتنى فليكن هنا
— سأعطيك ألف دينار .. ماذا تقولين ؟ حدقت أم مرمر ساهمة من العرض السخى دون أن تنطق فباردها هارون قائلاً
— الفين دينار .. هيا
هنا لن تستطع أم مرمر أن تقاوم العرض السخى
.. فقطعاً سيزيد ذلك من كنزها المصون ، وقالت
— ننتظر حتى تعود مرمر لأخبرها
رد هارون
— سنترك لها رسالة .. قد تتأخر هى .. ونحن بالكاد نصل الى دارى فى المساء ، حتى أعيدك فى الصباح
— هى لا تعرف القراءة
صمت هارون مفكراً ، وجاء الحل من أم مرمر حين قالت
—سأذهب لأخبر جارتى وأجعلها تبيتُ معها الليلة
— حسناً تفعلين .. هيا يا أم مرمر
أخبرت أم مرمر جارتها أن ترعى ابنتها مرمر ولا تتركها وحدها فى هذه الليلة
ركبت أم مرمر على الحصان خلف هارون الذى لثم وجهه وإنطلق بها ، دون أن تعلم بنادية التى دلفت إلى دارها متسللة حين كانت تخبر الجارة .. هكذا تم نصف المهمة الأول الصعب ، وتبقى السهل الذى يحفظه هارون عن ظهر قلب .
دخلت أم مرمر بصحبة هارون إلى الدار ..
ليجدا نادية ممدة ، وقالت أم مرمر
- كيف حالك يا نادية ؟
- بخير يا مُعلمتى
تسائل هارون
— وماذا علمتك أم مرمر يا نادية ؟
— هى من علمتنى كيف أكون جارية عند
العرب
بدأت نادية وهارون فى إعداد أم مرمر كما اللفائف تقول ..مر الوقت وإنقضى الوطر ، ووسط إرتعاشات أم مرمر وتقلص جسدها ..
شهقت وجحظت بعدما صار الخنجر فى قلبها .. لم يسعى هارون لإدارة الخنجر فى قلبها .. فقد ماتت على الفور وتوقف قلبها .. كان هارون معيداً لأنه لم يرى تعبيرات غريبة على وجهه كسابقاتها .. قام هارون مع نادية يكرران نفس الخطوات .. من سلخ جلد أم مرمر وكشط طبقة الدهون العالقة بالجلد وإذابته وفلترة الزيت حتى حصلا على قنينة الزيت الصغيرة .. وسأل هارون
- متى سنمزج الزيوت جميعاً .. أنا متشوق
لمعرفة النتيجة
- حين ننتهى من الأمر .. سنفعل
قالتها نادية وهى تستعد للمغادرة ثم تابعت
— سأتدبر أنا أمر الخامسة .. أما أنت صمتت تسحب شهيقاً عميقاً جعل وجهها يبدو كمخلوق, عجيب ثم أردفت
— إجعل المدينة كلها تعلم أن قافلتك ستصل بعد أسبوع
— قافلتى ؟
قالها هارون متعجباً ثم واصل
— ليس لى قوافل قادمة
— بل هى قادمة .. فقط أفعل ما اقوله لك
— متى تدبرتِ أمر القافلة وكيف ؟
لم يظهر على وجه نادية تعبيرات تدل على أنها سمعته .. وواصلت
- خذ هذه الجواهر وبيعها فى الخفاء .. وأحفظ المال عندك .. وعندما تصل القافلة وتنتشر البضاعة فى الأسواق .. سدد ما عليك لبيت المال .. وإشترى قصراً وجوارى وخدم وعبيد .. وعندما ينفد المال سأعطيك المزيد
قبل أن يطلق هارون أسئلته مستفسراً .. كانت نادية قد إختفت من أمامه .. بينما فتح هو الصندوق الصغير ليجد فيه من الجواهر ما يُقدَّر بثروة والتى كانت بعض من كنز أم مرمر الذى صار لنادية .. أفاق من شروده يبتلع ريقه .. أكمل العمل حيث دفن الجلد والملابس المُدماه ..ونظف المكان .. دثر الجثة بالقماش .. حملها وعلى حصانه إستكان ..وسار بالجثة فى وسط الليل .. ولما كانت الحراسة مشددة من الجنود على الدروب والطرقات .. لمحه أحد الجنود وصاح
— قف عندك يا رجل .. أين أنت ذاهبٌ بالليل
لم يكن أمام هارون على الحصان والجثة بين يديه .. إلا أن يضرب بطن الحصان بقدميه وينطلق هارباً .. ومن وراءه الجندى بحصانه ملاحقاً .. خرج هارون من دروب المدينة وإبتعد .. حتى وصل إلى الصحراء .. ولم يجد بدأ سوى الوقوف ومواجهة الجندى الذى يلاحقه .. نزل عن حصانه وترك الجثة على الرمال تقع .. وبقدميه التى تغوص فى الرمال هرع .. لحق به الجندى على حصانه .. رفع السيف وهوى به على ظهر هارون .
***********************
بداخل القصر السلطانى .. كان السلطان الثمانينى تائهاً لا يستوعب ما يحدث حوله ..
حيث ابنه ووريث عرشه جلال فى قمة غضبه وسط الوزراء والأمراء وكبار المشايخ والأعيان
.. يصيح بعلو صوته
- أربع جثث .. ويستدرج جندى ويقتله .. أنه يعبث بنا ويسخر منا .. بل يسخر من السلطان نفسه .. هنا أفاق السلطان المبروك قليلاً بعدما سمع الجملة الأخيرة قائلاً
— من الذى يسخر من السلطان ؟
صاح قائد الجند
— حاش **** .. حفظ اللّٰه سلطان البلاد المعظم .. وأدام خيره على العباد
تكررت الجملة تباعاً بنفس المعنى لكن بكلمات مختلفة من الوزراء والأمراء والأعيان .. وهكذا عاد السلطان المبروك ينعم بغفوته .. فى حين قال قائد الشرطة الجالس وإلى جواره ابنه يوسف مساعده الأول
- هو لم يستدرج الجندى يا مولاى يا ولى العهد .. بل رآه الجندى فهرع خلفه .. لقد سمعه أحد زملائه يطلب من رجل الوقوف مكانه .. قبل أن يجرى ورائه
إقترب ولى العهد من الوزير حسيب ودنا برأسه مشبكاً يديه خلف ظهره وقال
- لم أكن أعلم أن جنود الشرطة لدينا بواسلٌ أشاويسٌ مغاوير .. رأى الجندى القاتل فإنطلق ورائه .. ولم يستدرجه القاتل .. ياله من جندى شجاعٌ عظيم .. لو كان حياً لجعلته قائداً للشرطة بدلاً منك
إنطلقت الضحكات الخافتة من الجمع على سخرية وريث العرش من قائد الشرطة على هذا النحو .. ولما أدار ولى العهد عيونه المحدقة على الجمع .. صار الجميع لضحكاتهم كاتمين ..بينما حسيب يكتم غضبه ويقول فى هدوء ..
- القاتل ليس رجلاً عادياً يا مولاى الأمير ..
ربما مجموعةٍ من الرجال أو
قاطعه جلال محتداً
- سواء أكان رجلاً أو مجموعة رجال ..
أمامك أسبوعٌ واحد إن لم تأتينى بالقاتل صمت يداعب لحيته بأطراف أصابعه ونطق
- أنت تعلم ما يحدث
إبتلع قائد الشرطة ريقه بصعوبة بعد هذا التهديد العلنى .. وقام ينصرف مع ابنه قائلاً
- سمعاً وطاعةً مولاى وريث العرش
**********************
وفى المسجد بعد **** العشاء كان الجمع من المعارضين للسلطان .. يتناقشون .. يتجادلون .. يتحاورن .. وكان بينهم أحمد ومحمود ..تسمع عبارات .. ( البلد لم يعد فيها أمان ) .. ( طغى الظلم والطغيان ) .. ( فسدت أحوال الناس والعباد ) .. ( لو كان العدل قائماً لما كان هناك قاتلاً ) .. وكالعادة كما إجتمع الجمع إنفض ولا جديد .. سوى ضحكات محمود ساخراً وهو يسير فى الطريق مع أحمد عائداً وقال
- أشعر أن هؤلاء القوم قد صاروا مضحكين .. أريد ان أفهم هل ما يقولونه ذلك أصلح شئ ؟ .. فلماذا يستمرون ؟
- وماذا عسانا نفعل يا محمود ؟ هكذا قال أحمد ثم تابع
- أعلمت أن عبلة وافقت على الزواج بى
نعم علمت
— سأجعل العرس بعد أسبوع
— بارك اللّٰه لكما يا أحمد .. عبلة فتاةً طيبة
*************************
فى الصباح فى داخل ديوان الشرطة .. كان حسيب وابنه يوسف يجلسان مع الوزير بطريق بن الغالى والوزير البشير بن الطرطاوى قائد الجيش .. يتباحثون ، وقال الوزير بطريق مسئول بيت المال
— لن تنطلى تلك الخطة على جلال بينما تنهد قائد الجيش قائلاً
— ليس هناك حل" آخر .. إفعلها ونرى النتيجة
.. لكن
بتر البشير كلماته .. سحب نفساً عميقاً ثم تابع
— عليك أن تهتم بكل التفاصيل ولا تترك شيئاً أومأ قائد الجند برأسه وقال
- سأفعل
بعد يومين كان المُنادى الذى يرتدى جلباباً مخطط بالطول .. وفى يده اليسرى طبلة صغيرة ، بينما يده اليمنى تقبض على قطعة خشب صغيرة .. يسحب من خلفه حماراً فوقه رجل يرتدى جلباباً مهاهلاً وقد تم تقييد يديه خلف ظهره بإحكام وعلى ما يبدو أنه رجلٌ خطير لِما أحاط بالحمار عددُ من الجنود غفير .. يطبل المنادى ، طم ططمطم طم .. ويصيح مُغنيا
— يا أهل البلادِ المباركة .. لقد تم القبض على قاتل النساء ومروع العباد.. طم طم طم طم.. الأهطل بن بهلول. يا أيها العباد ..
أخرجوا من مساكنكم فى أمان .. لقد قد تم القبض على القاتل السفاح .. عبيط البلاد ..
الأهطل بن بهلول .. طم ططمطم طم يا أيها الناس إدعو للسطان المبروك .. بالعمر
الممدود .. فقد أمَّن البلاد من أشر الناس ..
قاتل الأبرياء .. العبيط المخبول .. الأهطل
بن بهلول
هكذا كان يمضى الموكب فى الطرقات والدروب .. بينما عبيط البلاد بهاول فوق الحمار مسرور .. يبتسم تارةً ويضحك تارةً .. يدفعك الأمر للضحك حين تراه بشعره الطويل المجعد الذى لم يُصفف منذ سنوات .. ووجهه المتسخ بالطين والتراب .. سعيداً فرحاً فى قمة الغبطة والسرور بينما من العباد من يشاهد مصدقاً أو مدهوش .
كانت هذه هى الخطة الجهنمية التى إهتدى إليها الوزير حسيب بن العادل قائد الشرطة .. فطالما لا يستطيع القبض على القاتل .. فلماذا لا يصنع هو القاتل ثم يقبض عليه .. فكرة بسيطة وبديعة لا ترى مثلها فى أى بلادٍ خلقها اللّٰه عدا البلاد المباركة .. إختار قائد الشرطة بهلول وأنعم عليه بأن جعله القاتل المهول .. لأنه عبيط مختل عقليا .. يجوب بالنهار أنحاء المدينة يتقافز حافياً ، يلتقط كسرة خبز, من على الأرض ناشفة ، أو يتصدق عليه أحد بثمرة ناضجة .. وفى المساء بأحد الدروب والطرقات تجده نائماً
ظل حسيب على مدار يومين يدرب الأهطل بهلول بنفسه على ما يقوله .. جعله يحفظ الكلام ويردده كالبغبان .. إعترف والإعتراف سيد الأدلة .. أنه يتبع النساء بالليل فى الطرقات ..يطعنهن بالخنجر .. ويحمل الجثة على كتفه ..إلى طرف المدينة .. يسلخ الجلد ويدفنه فى الرمال .. وعندما يسأله أحد لماذا تفعل ذلك ؟ ..يجيبك بمنتهى العقل والمنطق
- هى ى .. ٠ هههههههههه
وهكذا .. فهو مختل عقلياً
***************************
كان الوزير حسيب يجتمع بوريث العرش الجالس إلى جوار صديقه ابن العز ، زراعه الأيمن فى إدارة شئون ديوان التفويض الحاكم للبلاد .. وداخل الديوان خلصت المناقشات والمداولات .. إلى الجملة التى قالها جلال
- سأدع الأمور تجرى هكذا .. ولكن إذا ظهرت جثثٌ أخرى ، فمعنى ذلك أنك لم تقبض على القاتل .. وساعتها ستكون رأسك هى الثمن على ما سيحث فى البلاد من سخرية علينا
مضى الوزير حسيب يتحسس رقبته بين الفينةِ والاخرى .. بالكاد إستطاع ان ينام .. ولكنه استيقظ على صياح أحد الجنود
- عثرنا على جثة خامسة
أطبق الوزير حسيب بيديه على رقبته لاهثاً ..
يحميها بيديه من السيف
- لا لا لا تقطعوا رأسى
ظل الصوت يتردد حتى إستيقظ من النوم
مفزوعاً يردد
- أعوذ ب**** من الشيطان الرجيم .. أعوذ ب**** من الشيطان الرجيم
فى الوقت الذى كان فيه القوم من المعارضين للسلطان، من إبراهيم والوائل وابن الأسياد ..بنشطون دفاعاً عن المسكين بهلول ..وقد بذلوا كل ما فى وسعهم من جهود ..ألا وهى .. إطلاق النكات والأضاحيك على قائد الشرطة ..يشجبون ويستنكرون ولا يصدقون أن القاتل هو الأهطل بن بهلول .. وهكذا تم القبض على القاتل السفاح .. وعلى الناس والعبادِ أن تحيا فى أمان
**********************
كانت خيرازانة إمرأة بطريق جشعة للمال ، ولما تزوجت من بطريق .. أدركت بعد أن أنجبت منه ولدين أنه لواط ..ومضت السنوات لتجد نفسها عاشقة للجاريات وذاع صيتها فى المدينة ، وكذلك إزداد جشعها وطمعها يوماً بعد يوم تحث زوجها لجلب المزيد من المال الحرام من الرشاوى ودنانير بيت المال . كانت راقدة عارية على رخام الحمام .. وقد تركت نفسها لجاريتين يعبثون بها ..إقتربت منها إحدى الجاريات وقالت
— مولاتى .. هناك جارية تُدعى نادية ملك يمين ابن زيدون.. تعشق النساء وتريد أن تكون جارية عندك
— عندى الكثير .. إن كانت فتاة صغيرة ، فلا مانع
قاطعتها الجارية
— ليست صغيرة .. لكنها باهرة الجسد والجمال قامت إمرأة بطريق تغادر الحمام قائلة
— دعيها تحضر لأراها
فى الغد كانت خيرازانة تجلس فى قصرها وسط الجوارى حين دخلت عليها نادية وإنحنت أمامها لتسمعها تقول
— لم أرى جمالاً كجمالك من قبل.. من أين أنتِ أيتها الجارية ؟
— من بلاد الروم يا مولاتى
— من اليوم أنت جاريتى
قالتها خير ازانة وعينيها لا تنزل على نادية .
لم يمضى الكثير من الوقت حتى كان الوزير بطريق بنفسه فى قصر ابن زيدون يطلب نادية.. ولم يكن أمام ابن زيدون سوى الموافقة على بيعها .. فالذى يطلبها هو مسئول بيت المال ،الذى طالما منحه ويمنحه القروض بلا حساب ..
أصرَّ ابن زيدون على ألا يتقاضى درهماً ثمناً لها .. وهكذا أصبحت نادية جارية عند إمرأة الوزير بطريق خيرازانة .. تعد العدة للخامسة .
******************************
فى غرفتها فى المساء كانت حورية تتمشى .. وقلبها عاد بالحزن يتأوه .. مرت أيامٌ وأيامٌ كالعصفورة حبيسة" فى القفص عادت .. وللخروج من القصر لم تعد تقدر .. فيوسف ابن قائد الشرطة حتماً لها بالمرصاد .. تتسائل هى لماذا تخشاه ؟ .. فكرت مراراً وتكراراً أن تخبر أبيها ، أنها ذهبت تشترى الرقوق وأرادت أن ترى السوق .. فوجدت ابن قائد الشرطة يتجسس عليها ويسعى ورائها .. لكنها تراجعت .. من الممكن أن يغضب أبوها .. بل حتماً سيغضب .. وسيمنعها من الخروج .. ويكون هو لها بدلاً من يوسف موجود .. تجلس وتقوم .. تروح وتجئ .. هائمة على وجهها بين أرجاء القصر كانت .. حتى إلتمعت عينيها كنيوتن لقانون الجاذبية إكتشف .. نادت على أم إبراهيم وأخبرتها ..وللطلبات منها سألتها .. ردت أم إبراهيم
- لا يا حورية .. لن أدعك تفعلين ذلك .. فما أنت كالرجال كذلك
- بل سأفعل .. هيا
إرتدت حورية الملابس .. نظرت فى المرآه فضحكت وضحكت وقالت
- ما رأيك يا أم إبراهيم ؟ .. لقد صرت الأن جندياً لم ترد أم إبراهيم سوى بالضحك .. ظلت حورية نفسها تتأمل .. وقد توارى جسدها الأنثوى خلف زى الجنود .. لمت شعرها وغطته ووضعت الخوذة على رأسها .. أحكمت تثبيت السيف على وسطها .. كانت سعيدة ومسرورة .. وقلبها بالغبطة مغموراً ..
تجربةٍ جديدة جعلتها مشدوهة .. تماماً كحكايات ألف ليلة وليلة التى تعشقها .. تضحك قائلة
- ينقصنى شارب ولحية
قالتها فى الوقت التى كانت تدلف فيه الجارية إلى الغرفة وتقول
- لقد أعطيت الرسالة لمحمود .. وهو فى المكان والميعاد سيكون
تسارعت دقات قلب حورية .. ليس لأنها ستقابل محمود فقط .. بل لأنها ستحظى بتجربة ومغامرة مثيرة .. سمعت صوت أم إبراهيم يقول
- قلبى ليس مطمئن يا ابنتى
- وماذا سيحدث ؟
- إذا رآك العسس
- سيقبضون علىً وبى إلى القصر هنا سيعودون ..
لا تخافى يا أم إبراهيم .. بعدما قبضوا على القاتل .. لم يعد فى الطرقات الكثير من العسس والجنود قالتها حورية وهى تخرج من غرفتها إلى حديقة القصر متسللة .. بثوب، رقيق كانت يداها ممسكة ..فى ركن، مظلم بالحديقة كانت الخطة تسير على ما يرام .. حيث كان الجواد الأسود مربوطاً فى شجرة فى الجوار .. شرعت حورية تفك اللجام وكأميرة فارسة إمتطت الجواد .. وبهدوء خرجت إلى
الطرقات .. ملثمة الوجه تبدو كأحد الجنود يحرس الطرقات .. هكذا إبتعدت وإبتعدت وعند طرف المدينة .. لكزت الحصان بقدميها فأطلق صهيله عالياً .. وإنطلق الرهوان إلى الصحراء تجاه البئر الناضبة
عند منتصف الليل كان محمود يجلس على الرمال مستنداً بظهره على سور البئر .. فزع على صوت الصهيل .. ورأى الجندى على حصانه يقترب .. فكر فى العدو هرباً ، لكنه أدرك أنه فى الصحراء .. هب واقفاً منتصباً يترقب المصير .. توقف الحصان أمامه وتطايرت الرمال على وجهه من العفرة المثارة تحت أقدام الجواد .. نزلت حورية الملثمة ..وإستلت السيف من غمده .. وعلى رقبة محمود كانت قد وضعت نصله .. ترقب لهاثه وفزعه .. لم تستطع كتم الضحكات التى علت فى سكون الصحراء ..بينما محمود مندهشاً من الصوت الأنثوى الرقيق الجندى خلف اللثام .. زالت دهشته حين رآى وجهها بعدما أزاحت اللثام عن وجهها .. إلتقط شهيقاً عميقاً سعل على إثره .. بينما حورية بوجهها الملائكى وسط الضحكات تتلألا والسيف يترنح فى يديها على الرمال ..قال محمود
- لقد أفز عتنى يا مولاتى
خلعت حورية الخوذة عن رأسها .. رجرجت رأسها كالقطة خرجت من الماء تنثر عن رأسها البلل ، فتناثر شعر حورية الكستنائى حول رأسها .. فكان على رأسها تاجاً من الدلال .. رفعت السيف وجعلت نصله على قلب محمود وقالت
- ألم أقل لك لا تنادنى مولاتى ؟ .. إسمى حورية
- أنتِ أميرة مجنونة
بالسيف قائلة
- فقط شعرت أننى أريد أن أفعل شيئاً ففعلته .. هذا كل شئ
- ظننتك جندياً حقاً
قالها محمود وقد بدأ يهدأ من الفزع .. وسمعها تقول
- سأجعلك لا تفزع حين ترانى .. دير وجهك ظل محمود مكانه مندهشاً .. فصاحت فى وجهه آمرة
- دير وجهك قلت لك
- دير وجهك يا محمود
- هل أبدو كواحدة من عامة الناس ؟
- لا
قالها محمود ثم واصل
ضحكت حورية ومالت على الرمال تلتقط حفنة من الرمل .. فركتها بين كفيها .. ثم أغمضت عينيها .. وظلت تمسح بما علق بكفيها من رمال على وجها سعيدة .. وقالت
- ها .. كيف أبدو الآن ؟
ضحك محمود كثيراً وقال
- أنتِ الآن واحدة من عامة الناس
سعدت حورية وكأنها سمعت إطراءاً عظيماً .. تمددت على الرمال تستنشق رائحة الصحراء ..بينما محمود جلس بجوارها قائلا
لا يستطيع عقلى أن يفهم حكاية الأميرة التى تتمنى أن تكون واحدة من الصعاليق كما يسميهم الأمراء
- لماذا أنت هكذا يا حورية ؟
- عشت عمرى أميرة .. الجميع من حولى يتسابقون لتلبية رغباتى وتنفيذ أوامرى .. لم أكن سعيدة ..
بل أشعر بالحزن والملل .. كنت أذهب إلى الأقارب والصاحبات من الأميرات والسيدات .. ولكنى لم أجد لديهن ما يسر قلبى .. وجدت نفسى أعشق القراءة .. أقرأ الشعر والنثر وكتب العلم والتراث .. إستهوانى ذلك العالم فصرت له أسيرة .. سجينة فى زنزانة خيالى أعيش فى ألف ليلة وليلة .. ولكن القدر أرسلك لى
قالت حورية جملتها الأخيرة وهى تثبت عينيها المشعة بنور الحب على عينيى محمود وتابعت
- كانت لطمتك على خدى قد هوت بى إلى عالمٍ آخر .. عالم لم أحياه من قبل .. بل كنت لا أدرك أنه موجود فى الأساس .. وجدت نفسى سعيدة .. زال عنى الحزن والملل .. وجدت ما يدفعنى إلى المجئ إليك .. رأيت الناس فى السوق فشعرت أن الحياة التى كنت أتخيلها بين طيات كتبى قد صارت واقعاً .. وبعدما علمت أن ابن قائد الشرطة يراقبنى لأننى أرفضه ولا أطيق مغاز الاته لى ، وكذلك قبضهم عليك .. إمتنعت عن الخروج .. مرت علىَّ الأيام الماضية كالجحيم .. وأخيراً إهتديت للخروج بهذه الطريقة .. هذا كل شئ .
أغمضت عيناها وسحبت شهيقاً عميقاً ثم تابعت
- وأنت يا محمود .. ما حكايتك ؟
كان محمود شارداً فيما قالته حوريه .. بالكاد نطق بصوتٍ خفيض وسط موجة هواء لفحت وجهه
- أنا صعلوق .. أصنع الجلود وأبيعها.. مات أبى وأنا صغير .. أعيش مع أمى .. لى أختين ساعدتهم فى الزواج ، ولا ازال اساعدهم ببعض المال ..أحضر إجتماعات القوم المعارضين للسلطان ..عسى ينصلح حال البلاد .. لكننى حين رأيتك تبدل الحال .. كنت قد قررت أن أقتل أخيك الأكبر
بتر كلماته على إثر نظرة من حورية محدقة فى وجهه .. لكنه تابع
- كنت أشعر أننى كلب حين كان أخوكى يدوس بقدمه على وجهى يقلبه .. وأنا على الأرض لاهثاً .. عزمت بعدها أن أجعل الكلب يقتل الأمير ولا يهم ما يحدث بعدها ، فهو مجرد كلب .. لكن مجيئك لى فى السوق بدل كل الأمور .. لم أعد أعبأ بشئ .. يبدو أننى تعلمت منك أن أحيا ساعتى الحالية ولا أفكر فى ساعتى المقبلة .
مدت حورية يدها تمسح على وجه محمود بحب وحنان وقالت
- أنت إنسان رائع يا محمود .. أنظر قالتها وهى تشير إلى السماء وتابعت الكلمات
- هذا النجم القطبى .. يشير دائماً إلى الشمال .. يهتدى به الضالون فى البحار والصحراء .. وهذه النجمة فى الذيل ، يقولون أنها قد تكون إندثرت منذ سنوات .. ولكن نورها لا يزال يأتى إلى الأرض
- من علمك ذلك ؟
- أنا أقرأ دائماً يا محمود .. هل أعجبك ما كتبته فى رسالتى لك
- لم أقرأ أجمل من ذلك .. لكن صمت يتنهد وقد زاغت عيناه ثم واصل
- ما النتيجة .. وماذا سيحدث ؟ أنا صعلوقٌ وأنتِ أميرة
- ألم تقل يا محمود أنك تعلمت منى .. أن تحيا ساعتك الحالية ولا تفكر فى ساعتك المقبلة باعدت يدها عن فمه وعادت تنظر إلى السماء راقدة على ظهرها على رمال الصحراء .. فعل هو مثلها ، وصار ممدداً على ظهره إلى جوارها وسمع صوتها
بهمس
- محمود .. أود أن أخبرك بشئ جديد حدث لى
- ما هو ؟
- إياك أنت تضحك أو تستهزئ بى
- ماذا تريدين أن تقولى ؟
أغمضت حورية عينيها وقالت بهمس
- حين رأيت الجارية فى السوق والسيد يعاين جسدها .. أحسست بشئ غريب لم أشعر به من قبل .. ووجدت نفسى أتمنى لو كنت مكان تلك الجارية لأجرب ذلك الإحساس الغريب صمتت ثم قالت
- هل نمت يا محمود ؟
- قلت لك لا تضحك
بالكاد تمكن محمود من كبت الضحكات وقال
- أنتِ أميرةٌ مجنونة
وعاد يضحك ويضحك .. بينما حورية قامت من رقدتها ووقفت مبتسمة وقالت
- أريد أن أصبح جارية ..هيا إشترينى قام محمود يكابد كبت ضحكاته وسمع حورية تواصل
- هيا إفعل مثلما كان يفعل السيد بالجارية فى السوق
يده يتحسس حورية من الرقبة والكتف ، ثم إتجه إلى الزراع .. فتحت حورية عينيها وقالت باسمة بدلال
- أنت تصلح صعلوق .. لكنك لا تصلح سيداً .. ليس هكذا كان يعاين السيد الجارية
قالتها وهى تمد يدها تمسك يد محمود وتمررها على جسدها.. أغمضت عينيها وإتخذت وضع الجارية من جديد .. تركت يد محمود التى عرفت طريقها وقالت
- كم جميلٌ إحساس أن أكون جارية يا محمود
- أيفعل بكم ذلك الشئ هكذا يا معشر الرجال ؟ تنهدت ثم أردفت
- صف لى بماذا تشعر يا محمود ؟
- هذا الشعور عند الرجل له شق غريزى وآخر .. ٠ قطعت حورية كلامه وهى تتخفى بزى الجنود قائلة
- كيف حضرت إلى هنا .. لا أرى لك حصان
- جئت مشياً
- كل هذه المسافة الطويلة .. قطعتها مشياً
- خرجت مشياً بمجرد حضور جاريتك بالرسالة
ضحكت حورية وقالت
- سأتدبر ذلك فيما بعد صعدت على الحصان وقالت
- هيا إركب يا محمود
- لا سأعود كما أتيت
- قلت لك إركب
- تشبث بى جيداً
مد محمود يحيط زراعيه بوسط حورية دون أن تلامس بطنه ظهرها .. فمدت هى يدها خلفها قائلة
- ليس هكذا
أحكمت حورية زراعيي محمود حول وسطها بقوة ..مما جعل جسد محمود ملاصقاً لظهرها تماماً .. و لكزت الجواد بقدميها فإنطلق مخلفاً وراءه عفرةٍ من الرمال وإنبعث الصهيل .. كان جسديهما الملتصقان فوق الحصان يتقافزان معاً ككتلة واحدة والدفء يسرى فى قلبيهما غامراً ..حين إقتربا من المدينة .. قالت حورية
- هيا يا محمود .. لم يعد المشوار عليك طويل نزل محمود وإنطاقت هى .. عاد محمود إلى داره لا يعلم كيف ساقته قدماه إلى هنا من فرط ما يشعر به من سعادة .
فى الوقت الذى أشرف على الفجر كانت حورية تدلف إلى حديقة القصر من الباب الخلفى متخفية .. وتصعد إلى غرفتها متسللة .. إستبدلت ملابسها ..وظلت تجوب أرجاء القصر متقافزة تفرد زراعيها فى الهواء .. وكأنها فراشةٍ تحلق بأجنحتها على الأزهار والورود النادية .. تتنقل وتتنقل وأخيراً على فراشها كانت لسلطان النوم مستسلمة .. السعادة هى سر الوجود
******************
بداخل قصر ابن زيدون علت الزغاريد .. يرن صداها فى أرجاء القصر الكبير .. إقتصر العُرس على بعض الأعيان وعددٍ من المشايخ الكبار ..فكيف يدعو ابن زيدون الأمراء وكافة الأعيان على زفاف ابنه على بائعة اللبن .. كانت الجوارى ترقص وتغنى .. ولم يكن من أهل عبلة وسط الجمع سوى والديها .. وكان محمود الوحيد الحاضر من الصعاليق ، فهو أقرب أصدقاء العريس .. كانت عبلة فى جناح الحريم ..العروس ومن حولها النساء
والجوارى يهالن .. الصوانى الضخمة ومن فوقها الأرز وعليه الخرفان المشوية بكاملها .. أولى القوة من الخدم والعبيد يحملها .. وكؤوس النبيذ تدور على رؤوس الجميع .. ومن الفاكهة ما لذ وطاب من موز، وتفاح وعنب, وتين .. شعر الجميع بأن ابن زيدون لم يكن سعيد .. يتغامز الحاضرون ويتلامزون .. على ابن الأعيان الذى تزوج من بائعة اللبن فى السوق ..
إنتهى حفل العرس وخلا العريس بعروسه .
بداخل الغرفة الفخيمة فى القصر .. ما إن خلع أحمد ثيابه ودنا من عبلة يضع يديه على كتفيها مبتسماً ، حتى وجدها تصيح
- لماذا أنت متعجلٌ من أمرك ؟ .. ألا تطيق صبراً ؟
- أنا لم أفعل شيئاً
- وماذا عساك ستفعل ؟ .. كما تفعل فى الجوارى فى قصرك يا ابن الأعيان
إحمر وجه أحمد من الخجل وقال بتلعثم
- وماذا عساك ستفعل ؟ .. كما تفعل فى الجوارى فى قصرك يا ابن الأعيان
إحمر وجه أحمد من الخجل وقال بتلعثم
- و**** ما أنا بالجوارى مغرم .. ولا بالسفاح مع النساء مُقهر .. لقد أحببتك يا عبلة وتزوجتك ..لماذا تنادينى ابن الأعيان .. وأنا قد صرت زوجك
قاطعته عبلة ولا تزال تحت تأثير الغضب
- وماذا تكون أنت سوى ابن الاعيان ؟ قالتها وهى تنزع ملابسها وكأنها تصارعها .. رقدت فوق السرير على ظهرها وقالت
- هيت لك
- ماذا تفعلين يا عبلة ؟ .. أهكذا تفعل الحرائر كان ذلك هو ذروة غضب أحمد الذى بدأ يهدأ بعد جملته .. لكنه فزع على صوت عبلة صارخاً
- هلا تنتهى من الأمر .. أم أنك لا تستطيع إزدرد أحمد ريقه وقال متودداً
- لماذا أنتِ غاضبةٌ يا عبلة ؟
- منذ أول مرة رأيتنى وأنا غاضبة وأنهرك .. فلماذا تزوجتنى إذن ؟
- ليس هكذا تُأخذ الأمور غلاباً يا عبلة ؟ على رس قبل أن يتم كلمته كانت عبلة قد قامت إليه تجذبه بعنف وألقته على السرير .. تنزع عنه ثيابه تعريه ..لكنها فوجئت به يقوم من بين يديها ويهرع خارجاً من الغرفة .. إرتدت عبلة ثياب النوم وكأن شيئا لم يحدث .. رقدت تغمض عينيها تستحث النوم .. لم يكن شئ يمنعها عن النوم سوى صورة وجهٍ أمام ناظرتها .. ترنو إليها فتشعر تارةً برغبة فى تمزيقها وتارةً برغبة فى إطالة النظر إليها .. كانت صورة وجه محمود .
هرع أحمد إلى أمه يرتعش .. حكى لها كل ما حدث ضحكت الأم وقالت
- إنها عليك تتدلل .. تعالى معى
سحبته أمه من يده وإتجهت به حيث عبلة التى قامت من رقدتها من فوق السرير معتدلة .. حين رأت أحمد مطأطأ الرأس خلف أمه التى قالت باسمة
- أنتِ لازلت. لا تعرفى أحمد بعد يا عبلة .. هو ليس كأقرانه من الشباب ..أنه حييّ خجول فعلى مهلك معه .. سأنتظر بالخارج حتى ينقضى الأمر
قالتها أم أحمد وهى تستدير خارجة .. تاركة إبنها مطأطأ الرأس وقد توهج وجهه بالحمرة .. بينما عبلة لم تكن غاضبة ، بل وجدها أحمد تضحك وتضحك وتقول ساخرة
- ولما تنتظر أمك بالخارج .. لماذا لا تأتى وتساعدك ؟
قال أحمد بحيائه متعثما
- إذا كنت لا تطيقينى هكذا فلما تزوجتى بى ؟
شعرت عبلة من سؤاله هذا ببعض الشفقة لحاله ..فما ذنبه هو ؟ .. هى من قررت الرضوح لإلحاح أمها والزواج به .. قالت بنبرة هادئة وإن كانت لم تخلو من بعض الحدة
- تعالى إلى جوارى
بدأ أحمد يخلع ملابسه وإرتدى ثوباً خفيفاً .. رقد ممداً فوق السرير إلى جوار عبلة .. سمعت عبلة صوت قرع فؤاده على باب صدره .. كادت تضحك إلا أنها أشفقت عليه .. فمدت رأسها وقبلته .. وجدت جسده ينتفض .. قالت
- إخلع ثوبك هذا يا أحمد
كان لمخاطبتها إياه بأحمد مفعولاً سحرياً على قلبه
.. فهدات دقاته وإمتثل لطلبها .. تم المراد ولما علمت أم أحمد فرحت بإبنها .
مرت الأيام وبدأت عبلة تألف حياة القصر والنعيم ..أحاط بها زمرة من الجوارى والخدم لأوامرها بطيعون إلا أنها إصطفت من بينهم الجارية رمَّانة .. تلك الجارية
التى لم تكن جارية .. كانت بنتاً من الفقراء لا تجد ما يسد جوها فى إدار أهلها .. هربت وذهبت عند نخاس تطلب منها أن يبيعها جارية ، فحتماً ذلك أفضل من حياة الإملاق .. صارت جارية تباع وتشترى حتى إستقر بها المقام فى قصر ابن زيدون
.. هكذا إستبدلت رمانة حياة الحرائر بحياة الجاريات كانت تشعر بداخلها وتحس بالفقراء .. لذا كان بينها وبين عبلة قاسم مشترك جمعهما على السراء والضراء .. كانت عبلة تتحدث مع رمَّانة كصديقة وليست كجارية .. علمت منها كل كبيرة وصغيرة فى القصر .. وعرفت أن ابن زيدون لاهم له سوى الحفلات الماجنة مع الجاريات .. وحكاية الجارية نادية التى أخذها منه الوزير بطريق ، وكيف أنه لا يزال يبحث عن مثيلةٍ لها ، وكيف يقوم ابنه أحمد بالكد والعمل فى تجارة أبيه الماجن .. وذلك ما جعله يوافق على زواجه بها خشية أن يهجره أحمد ويترك تجارته ويستقل بذاته .. كانت عبلة تسيطر تماماً على أحمد وتهادن أمه .. إلا أنها لم تستطع نسيان محمود .. تشعر بشعور أنثى طلبت رجلاً فرفضها .. بل لم يعبأ بأن يدفعها لرجل، آخر .. دفعها ذلك الشعور إلى مزيد من الغضب على طبعها الغاضب
.. تنفعل بسرعة ولا تقدر على كظم غضبها .. ذات مرة دخلت عليها إحدى الجاريات فى الصباح كما المعتاد بالفطور وسقطت منها صنية الطعام على السرير .. لم تدرى عبلة بنفسها وهى تمسك بالجارية من شعرها وتطيح بها أرضاً تركلها .. صارت الجاريات يتجنبن الإحتكاك بها خشية إغضابها
.. قررت مرةً بمساعدة رومانة أن ترى ما يحدث فى أحد الحفلات الماجنة لابن زيدون .. فأختفت فى أحد الأركان ترقب الحدث ورأت المجون .. كانت عبلة غير مصدقة وقد فغرت فاها فى ذهول .. وإرتسمت فى مخيلتها صورة الفقراء والمساكين من الطعام ما يشبع جوعهم لا يجدون .. بينما هنا خلقٌ يعبثون .. تسارعت دقات قلبها .. وإنسلت تغادر المكان ..
دلفت إلى حجرتها لتجد أحمد على السرير ممدداً وقال
- أين كنت يا عبلة ؟
لم ترد عبلة ، فلم يود أحمد إز عاجها بتكرار السؤال .. بملابس النوم رقدت تنام .. أحست بأحمد من خلفها يقترب حتى صار ملاصقاً .. أرادت أن تنهره إلا أنها سمعته يقول
- أتعلمين أننى لم أطأ قبلك أنثى ولا جارية ؟
- لماذا ومن حولك الجوارى كثير ؟
- لم أرغبهن يوما
- ما الذى أخرك اليوم هكذا ؟
- حال تجارتى ليس على ما يرام .. أحتاج تجهيز كل ما عندى وجلب قافلة كبيرة من بلاد الصين ..عسى أن ينصلح الحال .. ثم ذهبت أتمشى مع محمود
وكيف حاله ؟
صمتت لتتدارك متابعة
- وأمه كيف حالها ؟
ضحك أحمد وقال وسط ضحكاته
- إنه يعيش فى قصة حب
قالها أحمد دون أن يتنبه لوجه عبلة المترقب وعيونها المحدقة ، فتابع وسط الضحكات
- قصة الأميرة والصلوق .. إن يحب لأميرة
حورية بنت الأمير غسان .. ويقول أنها تحبه وقد تقابلا فى الصحراء
قالها أحمد وهو يتثائب ، بينما حورية إنقلبت على جنبها تدفس رأسها فى الوسادة .. إمتعض وجهها وإبتسمت تردد بينها وبين نفسها ( الصعلوق لا يرضى بالصعلوقة مثله ويحب الأميرة ) .. ( وابن الأعيان لا يرضى بابنة الأعيان مثله ويتزوج صعلوقة ) .. نامت بعدما مزقت صورة محمود فى مخيلتها تنشبها بأظافرها .
إزدادت أواصر العلاقة بين عبلة والجارية رمانة فهى كل مالها فى قصر ابن زيدون .. بعدما تباعدت زيارات والديها لما يلقونه من جفاء عند حضورهم ..وجدت عبلة نفسها تحكى وتفضفض مع رمانة ..حكت لها عن حبها لمحمود وما تشعر به الان بعد
زواجها من أحمد .. ظهرت عليها أعراض الحمل وكبرت بطنها قليلاً .. صارت جلساتها مع رمانة لا تنقطع .. تبث إليها بغضها
لمن سلبوا البلاد ونهبوها ، وتركوا أهلها يتسولون ويتضرعون جوعاً .. وفى مرة بلغ بها التجلى مداه.. فقالت
- كم أتمنى أن آخذ كل هذا العز والنعيم من حولنا ..وأوزعه على الفقراء والمساكين
قالتها دون أن تلحظ نظرة غريبة فى عيون رمانة .. نظرة قد تبدو شريرة
****************************
البلاد المباركة ج 6
إنتهى هارون من قراءة رسالة نادية للخروج لإستقبال القافلة .. متذكراً كيف نجا من الموت المحقق ، حين هوى الجندى الملاحق له بالسيف عليه .. فى تلك اللحظة ألقى هارون بنفسه على الرمال ماداً زراعه أمام قدم الحصان الأمامية وإصتدمت بها ، فأختل توازن الحصان وسقط على جنبه ، وقبل أن ينهض الجندى كان هارون قابعاً فوقه وقد غرس الخنجر فى قلبه .
هارون واقفاً وسط جمع من الأعيان والمشايخ .. على طرف المدينة ينتظر قدوم القافلة بعد الظهيرة .. وقد إتفق مع المشايخ والأعيان على أن يبيعهم ما يحتاجونه من بضاعة ، ثم يطرح الباقى فى الأسواق .. ساروا خلفه مهطعين ..فحال البلاد هذه الأيام لا يسر عدو ولا حبيب ..ندرت القوافل وكسدت الأحوال .. وكانت البلاد المباركة تعتمد فى إحتياجتها من السلع على جلب القوافل من بلاد الهند والسند وبلاد الفرس والروم وحتى من بلاد الصين ، ولا تنتج البلد سلعة حتى ولو كانت سهلة .. كل من يجد معه بعض المال من التجار يستجلب به قافلة ويبيع
بضاعتها .. لم يكن هارون يعلم حتى ما هى هذه البضاعة ، ولكنه فعل تماماً مثلما كانت تقول رسالة نادية التى وصلت إليه بالأمس وطلبت منه أن يفعل ما فعل .. ظل طوال الوقت يترقب وصول القافلة .. إنقضت الظهيرة وحل العصر.. صلى من صلى .. وعادوا ينتظرون ..طال الوقت ، وبدأ هارون يسمع الغمزات واللمزات ممن حوله ،وسمع صوت أحدهم يقول
- أدعوا اللّٰه ألا يكون قد أغار على القافلة قطاع الطريق أو نهبها اللصوص .. فأنت قوافلك منحوسة يا هارون
كان هارون يتصبب عرقاً لا يدرى شيئاً ..
هو لم تكن له يوماً قافلة .. وسمع صوتاً يقول
— أنها هى .. هذه بشائرها
أمعن الجميع النظر .. ليجدوا بوادر القافلة وقد لاحت فى الأفق .. مر الوقت حثيثاً ، القافلة تقترب .. بدت معالمها واضحة ، والذهول يكسى الوجوه .. فقد قاربت طلائع القافلة على الوصول حيث هم يقفون ، لكنهم لا يرون لها نهاية .. لاتزال البغال والجمال والحمير محملة بالبضائع تسير .. وصلت مقدمة القافلة وعلى رأسها شيخٌ من منظره جليل .. قال الشيخ
- أنا الشيخ جليل .. أجلب القوافل فى البلاد لمن يريد .. هذه قافلتك يا سيد هارون لم يكن هارون أمامه شئ يفعله سوى المضى خلف الشيخ جليل .. الذى باع للتجار ما طلبوه من بضائع ، وهو من حدد الأسعار .. كل السلع موجودة من الأقمشة بأنواعها والخشب بأنواعه ، إلى أصغر ما يحتاجه الناس من الآنية وحتى الكؤوس .. مرت الأيام وأنتعشت أحوال التجارة فى البلاد بفضل قافلة هارون ، وربح هارون المال الوفير إلى جانب ما كان قد باعه من الجواهر التى أعطتها نادية إياها ..
ذهب إلى بيت المال وسدد القرض الذى عليه .. إشترى قصراً وجوارى وخدم وعبيد ..وعندما غادره الشيخ جليل قائلاً
- هناك قافلة أخرى فى الطريق .. سأذهب
لإحضارها حاول هارون أن يفهم ما يحدث ، وما علاقة الشيخ جليل بالجارية الرومية نادية إلا أنه لم
يتلقى ما يفيد .. تفرغ هارون للعبث واللهو مع الجوارى الفاتنات فى قصره المشيد .. هارون بطبعه لا هم له سوى إمتاع رغباته والنهل من الملذات .. ومع الثروة التى هطلت عليه ..إزداد مجونة مجون .. لدرجة أنه خصص كشافين للبحث عن الجاريات الراقصات المغنيات النادرات فى البلاد .. وكم تمنى لو كانت أم مرمر لا تزال على قيد الحياة .. وقف يعاين جارية جديدة من النوع الفاخر تفحصها ودفع ثمنها لتنضم إلى الحريم .. كان هذا هو عمل هارون الدؤوب فى تلك الأيام .. ساهراً طوال الليل مع الجاريات .. ينام فى الصباح ويستيقظ فى المغرب يستقبل ما يُعرض عليه من جوارى .. من تعجبه يشتريها .
الحريم هذه الكلمة تركية الأصل والتى دخلت للبلاد العربية عن طريق العثمانيين ، وكلمة حريم لم يرد ذكرها فى القرآن أو السنة النبوية ، ومشتقة من كلمة حرم ..والحريم هو المكان المخصص فى القصر لنساء وزوجات السلطان ، والذى يُحرم على الغرباء او الرجال من مجرد الاقتراب منه وتقوم بالخدمة به نساء مخصوصة ويحيط بالحريم أسوار عالية تمنع المتطفلين من النظر إليه ، ويحيط به الحدائق والبساتين والنافورات والحمامات المخصصة لهن ليرفهن عن أنفسهن ..ويتكون قسم الحريم من عدة أجنحة كل جناح منها يسمى دائرة ، ويُغلق على الأجنحة كلها بباب رئيسى يقوم بحراسته الأغات وهم مجموعة من العبيد من الخِصيان ( من تم إزالة الخصيتين لديهم لبتر الشهوة وحراسة الحريم دون الخوف من الخصيان على الحريم ).. أما نساء الحريم فهن زوجات السلطان وجواريه اللواتى يُضجاعهن واللواتى لا يُضجاعهن ، وموظفات قصره وخادماته وقد كان يُغلق عليهن الباب عكس نساء المجتمع العادى كنوع من التمييز والحماية وإضفاء صفة مخملية على مجتمعهن كنوع من التدليل لنساء السلطان .
كانت الحريم يعشن فى مجتمع طبقى يتكون من عدة طبقات ، أعلاها زوجة السلطان مروراً بالمحظيات ( جوارى للمضاجعة لا يلدن )، والمستولدات (جوارى للولادة والنسل) نزولا الى طبقة الخادمات ومستجدات الجوارى اللواتى تحت التدريب والتعليم .. كانت الطريقة التى يتم بها التعامل مع النساء الأخريات مختلفة عن نساء السلطان عامة من الشعب فقد كن فى عزلة تامة عن العامة متقوقعن فى هذا الشرك يتم تدريبهن وتعليمهن والعناية بهن وكأنهن مخلوقاتٍ نادرة وذلك فى رفع تعليمهن ليكونا فى أعلى درجات الجمال الجسدى والخلقى والفكرى وكل ذلك لا لشئ سوى أن يكن مرتع للسلطان وملذاته .
عالم الحريم كان مجهول للعامة فرويت حوله الأساطير ، وقيلت فيه الأشعار وأصبح حديث الناس فكل رجل كان يحلم بأن يكون سلطان ويمتلك لذة الحريم وينعم بالجوارى ، وكل سيدة تمنت أن تكون من حريم السلطان لا تراها الأعين لما أحيط بهذا العالم من هالة من السحر، وما يحكى عنهن من الجمال والفتنة ..وهكذا وبمرور الوقت انتقلت هذه الظاهرة وكأى ظاهرة إجتماعية ، فأنتقلت عدوى الحريم من السلاطين إلى الصفوة من الشعب من تجار.
وشخصيات ذات نفوذ ، فأصبح لهم الحريم الخاص بهم ، وأصبحوا يتفننوا فى جعل قسم الحريم قطعة فنية رائعة الجمال من ديكور وأثاث ومرتعاً للملذات .. وهكذا أصبح أصحاب الثروات والنفوذ يمتلكن مجموعة من الحريم لا يخرجن ولا يعملن ولا يكشفن عن جمالهن لأى شخص ، ويغطين وجوهن عند الخروج من المنزل حتى لا يراهن أى شخص ، عكس كل النساء.. لأنهن حريم وجوهن محرمة إلا على من يملكهن أو
يشتريهن أو يتزوجهن ، ونساء المجتمع العادى يخرجن ويعملن بل و ويحاربن ويقودن شعوبهن ويطلبن العلم ويسعن فى طلب العلم و الرزق..
ومع مرور السنين أصبح كل رجل يتمن أن يكون من ذوى الحريم وأصبحت كل أنثى تتمنى أن تكون حرمة مدللة لأحدهم عندما تخرج من المنزل تتدور الرقاب باتجاهها من شدة الفضول ورغبة فى رؤية ما تحت الغطاء ..تماماً كم تتجه الأنظار الى هوادج محظيات السلاطين رغبة فى نظرة من ذلك الهودج المحفوف بالفتنة ..المليء بالاسرار
تجارة العبيد والرقيق والجوارى موجودة منذ قديم الأزل .. فكل حرب تترك وراءها غنيمة كبيرة من الجوارى والعبيد ..وكذلك الفقر أيضا كان عنصر أساسى لهذه التجارة ، فالكثير من الفقراء يبعيون أولادهم وبناتهم وهم ***** إلى النخاسين أملاً لهم أن يحالفهم الحظ ربما فى حياةٍ أفضل ، ولكن توسعت تجارة الجوارى بالذات ..كانت تأتى السفن والقوافل محملة بأجمل الفتيات من شتى البلدان ، ليقوم النخاس بإختيار ما يحلو له من الجوارى ..وكانت هناك دور وبيوت مخصصة لهن .. وفطن النخاسون أن كلما كانت الجارية موهوبة ، كلما زاد سعرها فكانوا يعلمونهن فنون الأدب والشعر والموسيقى والرقص.. بل هناك مدربات مخصوصات لفنون الدلع والدلال ويأتوا إليهن بأمهر الشعراء والموسيقيين ..وكان النخاس له نظرة خاصة فى الجارية فمن يجدها شديدة الجمال والدلال
وتمتلك مواهب فنية لا يعرضها فى السوق ، وإنما يقوم بإرسالها الى أحد الأمراء أو الأعيان ليقوم بشراءها بسعر كبير.. وهناك كان يمكنك ان ترى جميع الأشكال والألوان والأجناس من شتى بلدان العالم فتوجد الإيرانية والتركستانية والسورية والمغربية والإسكندنافية والروسية والرومية والفارسية بل وأيضاً جوارى من دماء عربية يُجلبن من الحجاز واليمن.. فالحروب والفقر لا تفرق بين الأجناس
يُعتبر النخاسون فئة اجتماعية كاملة من حيث عدد العاملين معهم من عمال وكتاب ووسطاء وشبكات دعاية وتثقيف ، ولهم عيون وفروع وإتصالات مع تجار ووسطاء آخرين مقيمين فى شتى أنحاء الأرض ، ويعتبر للجوارى دور مهم فقد أثرن بشكل كبير فى الطبقات المتنوعة من المجتمع ليس فقط فى حفلات السمر وليالى ألف ليلة وليلة.. إنما فى نشر الثقافة والفنون الجميلة والكثير من العادات والتقاليد المجلوبة معهن من عاداتهن الأصلية سواء فى الغناء أو الأدب أو الأزياء وحتى فنون المطبخ ، بل إن البعض منهن تعدى أثر هن إلى الناحية السياسية فقد إتسع نفوذهن وقوى سلطانهن وخاصة التى صادفها الحظ الجيد ووقعت جارية لخليفة أو سلطان وتزوجها وأنجب منها كالجارية خير ازن أم هارون الرشيد ، وماردة جاريته والتى أنجبت له ابنه المعتصم ، وشجرة الدر ملكة مصر ، تلك الجارية التى تزوجها نجم الدين أيوب وأعطاها حريتها بعد أن أنجبت له إبنها خليل .. كم كان لهؤلاء الجوارى تأثير أدبى على الأدباء أنفسهم يتمثل فيما قد تثيره الجارية فى نفس الشاعر من عواطف فيعبر عن ذلك بأجمل الشعر والغزل ، وإنقسم إلى غزلٍ عفيف وغزل, ماجن .. الخليفة هارون الرشيد عند موته وجد بقصره ما يزيد عن ألفين جارية من أجمل النساء ..الخليفة الراشدى يوم أن مات وجد بقصره ألف جارية ، وحين عاد موسى بن نصير فاتح المغرب إلى دمشق كان معه ما يزيد عن ثلاثة آلاف من أجمل الجوارى ..كم كان عدد الجوارى أكبر من عدد الحرائر فى بيوت الأغنياء وعلية القوم
جالساً هارون ومن حوله الجاريات ترقص وتغنى .. وإلى يساره جارية وزجاجة العطر لا تفارق يدها .. يتمايل مهتزاً مع الألحان ويرش العطر ويستنشقه .. وعلى يمينه صنوق كبير مفتوح ، وقد إمتلا عن آخره بصرر، معبأة
بالدنانير .. إقتربت جارية أمامه تتراقص ، فمال هارون يلتقط صُرة من الدنانير وقذف بها إلى الجارية التى التقطتها تغمز بعينها .. فى الوقت الذى كانت الجارية الواقفة على يساره تضغط الكرة المطاطية ، فيتناثر العطر على وجهه ويشتم مغمض العينين .. يفتح عينيه ليجد جارية تتمايل فى دلال ..تناول صرة من الدنانير يقذفها إليها .. رشة من العطر ويسحب شهيقاً عميقاً ، يغمض عينيه ويفتحها ليجد جارية دابرة تقترب متماوجة ، فقال هارون صائحاً
- ما أروعك أيتها الجارية
قالها وهى يلتقط صرة من الدنانير منتفخة أكبر من باقى الصرر وقذف بها للجارية التى إستدارت تسبل عينيها قائلة
- أنا طوع أمرك يا مولاى
ظل هارون يقذف بصرر الدنانير هنا وهناك على الجاريات .
مرت الأيام على هذا المنوال ، يتفنن هارون فى العبث مع الجاريات وفى النيل من المتع والملذات ..إنقطعت صلته فى تلك الأيام بنادية .. منغمساً فى نعيم الجاريات.. يقذف
بصرر الدنانير هنا وهناك .. حتى كان ليلة جالساً وسط الجاريات ، وإذا بجارية متسللة تهمس بأذنه
- نادية تريدك غداً فى الفجر عند البئر
إتسعت عيناه وتقلصت ملامح وجهه .. فقد كان يظن أن هكذا ستمضى به الحياة .. قضى الليلة شارد الذهن .. منتظراً حلول الموعد .
كان لخير ازانة إمرأة الوزير بطريق روتيناً يوميا ثابتاً قلما يتغير .. أشبه بطقوس تؤديها بلا كللٍ ولا ملل .. تستيقظ مع إشراقة الشمس ، حيث تدخل عليها تلاثة جاريات يمسدن ويدلكن جسدها ، من منبت شعرها حتى أخمص قدميها .. ثم تتناول الفطور على سريرها .. تنهض بحيوية ونشاط بعد التدليك والإفطار .. تتجه وسط الجاريات إلى الحمام ..
وبداخل الحمام المبنى من الرخام والجرانيت تحممها الجاريات بالماء الساخن
وبعد الحمام واللهو مع جارياتها ، تتجول فى القصر تتابع وتشرف على عمل الخدم والعبيد .. كانت حريصة دائما على إنتقاء المحظيات وهن الجاريات الصغيرة البكارى ، التى تشتريهن مما يأتى به النخاسون يعرضونه عليها ، ذلك النوع مخصص للمضاجعة فقط من قبل أبنائها الذكور مع مراعاة عدم الحمل والولادة ، هن للمتعة فقط .. تحرص على ختمهن بالكى على سواعدهن بأسماء أبنائها ..فمن أراد من أبنائها أن يضاجع محظية ، لا يضاجع إلا من اللاتى عليهن إسمه .. فلا توطأ المحظية
الواحدة من أخيِّن كذلك لا تأخذها رحمة ولا شفقة بمن يهمل فى عمله أو يخطئ فتصدر أوامرها بالعقاب .. حيث يتم تكبيلهم فى السجن أسفل القصر ويتم جلدهم وكيِّهم بالنار ، وعندما يحل الظهر تذهب لغرفتها لتنعم بالقيلولة نائمة .. ثم تستيقظ لتقابل بعض من زائراتها من المعارف والأقارب والصاحبات ، وبعد إنصراف الزائرات ..
تجلس خير ازانة فى بهو قصرها تشاهد ما يقدمه لها الجاريات من فقرات مسلية
.. يرقصن ويغنين ..وبعد المغرب تتابع شئون أبنائها بعد عودتهم .. ثم تخلد للنوم بعد العشاء .. هكذا كانت تمضى حياة خيرازانة .
تبدلت عادات خيرازانة اليومية مع قدوم نادية التى كانت حريصة على الوصول لقلب و عقل سيدتها بما تملكه من خبرات فى فنون النساء .. وتقدم لها من العروض المسلية ما يبهرها ، تارةً تمسك بعصا
رفيعة وتدير فوق نهابتها طبق ، وتارة ترقص لها وتغنى ..وإذا طلبت خيرازانة المتعة فنادية تمتعها ..
هكذا سلبت نادية لب خير ازانة وإستهوتها .. كانت خير ازانة تشعر فى الحديث معها بألفة وفى صحبتها بونسة .. رأتها جارية مختلفة عن كل الجاريات ، وبشئون الحياة من الداريات العالمات .. ذات مرة كانت نادية مع خيرزانة يتمددان وسط الجوارى
.. وإذا بجارية تقول
- مولاتى هناك رجل بالباب يقول أنه أحضر شيئاً
- لم أطلب شيئاً من أحد قالتها قبل أن تقاطعها نادية قائلة
- أنا التى طابت يا مولاتى .. عندى مفاجئة لك.
- هذه ما أوصت نادية بإحضارها من قافلة
هارون الوكيل
إنصرف الرجل لتقول نادية
- هذه نار جيلة من بلاد الفرس يا مولاتى .. لا يوجد مثلها فى البلاد
شرحت نادية لخير ازانة ما هى النار جيلة ، فى الوقت الذى كانت تطلب من الجاريات إحضار قطع الحطب الموقدة .. كان مع النار جيلة كيسا به قشور الرمان المتشربة بالخمر .. وضعت منها نادية على قطع الحطب المشتعلة .. وطلبت قطع الحطب الموقدة .. كان مع النار جيلة كيسا به قشور الرمان المتشربة بالخمر .. وضعت منها نادية على قطع الحطب المشتعلة .. وطلبت من خيرزانة أن تسحب النفس ..ما إن سحبت خيرزانة نفساً من النار جيلة حتى سعلت وإحتقن وجهها ، بينما قالت نادية
- هذا فى الأول فقط يا مولاتى
مع تتابع الأنفاس .. إستلذت خير ازانة بتدخين النار جيلة .. وشعرت بخدر, ممتع يغزو عقلها وجسدها .. وجدت نفسها تضحك سعيدة ومسرورة بلا سبب .. دفعتها ناديها لتجعلها على ظهرها .. إنتشت خيرزانة كأن لم تنتشى من قبل تحت آيادى نادية بجسدها عابثة ..وإستمتعت بلذة جديدة وسط خدر النار جيلة التى أدمنت تدخينها بعد هذا اليوم
لذا صارت نادية إليها من المقربين .. خصصت لها غرفة بالقصر قريبة من غرفتها بعيداً عن جناح الحريم ..
وذات ليلة إستبد الأرق بخير ازانة وتملكها ..
فقامت تطلب نادية من غرفتها وأحضرتها
قائلة
- لا أستطيع النوم اليوم يا نادية
ردت نادية
- سأجعلك تنامين .. وفى عالم الأحلام تغرقين قالتها وهى تدير جسد سيدتها برفق وتبدأ بتدليك ظهر خير ازانة بيديها.. دلكت بمنتهى الرفق أجزائها.. لم يكن من خيرازانة سوى الإستسلام للخدر المتسلل إلى جسدها ومر الوقت لتجد خير ازانة نفسها وقد بدأ النوم يتسلل إلى جفونها .. وقبل أن تغمض عينيها لتنام وجدت نادية تهمس فى أذنها
- مولاتى مهما كان بين النساء .. إلا أن الرجال لا يعادلهن مذاق
ردت خير ازانة شبه نائمة
- ماذا تقصدين يا نادية ؟
- مولاتى .. الناس تعلم أن زوجك الوزير ما له فى النساء مأرب .. وأنتِ إمرأة تحتاجين إلى الرجل .. فمهما كان من أمر الجاريات .. إلا أنه لا يماثل الرجال
- عندى رجلٌ موثوقٌ به ..هو هارون الوكيل على السر أمين .. يمكننى أن أتدبر الأمر إن شئت .. فأنا جاريتك طوع أمرك وأشعر بكِ قالتها نادية وهى تنظر عينيي خيرازانة الشاردة وأمسكت يدها بحنان وقالت
- هيا يا مولاتى .. فقد تأخر الوقت .. إخلدى إلى النوم
مرت بضعة أيام وخير ازانة لا تكف عن التفكير فيما قالته نادية .. وأخيراً إتخذت القرار .
***************************
فى المساء كان محمود ساهرا فى داره يرتب جلوده .. ويتفحص ما نفد منها حتى يصنع المزيد ، كان الدار عبارة عن حجرتين صغرتين وردهةٍ واسعة .. كل ما فى الدار عتيق" ومتهالك.. مصابيح قديمة يكاد زيتها لا يضئ .. نيرانها خافتة تكاد تنطفئ .. يوجد فى الدار سريرٌ واحد تنام عليه أمه فى إحدى الغرفتين .. بينما ينام هو على فرشة على الأرض فى ردهة المنزل ..وبقيت الغرفة الثانية خاوية على عروشها بعد زواج أختيه .. فأستغلها محمود فى صناعة الجلود .. السقف مكون من جزوع النخل ، ومرفوع على أربعة جذوع، أخرى تحمله بالأسفل تمتد طولياً عبر ردهة الدار .. معروش
بجريد النخل وقطع القماش البالية ..سمع محمود هزيم الرعد وومضات البرق تتخلل الثقوب والفرجات فى جدران الدار المبنية من الطوب والطين اللازب ..وبدأت الأمطار تهطل .. وتعلو زخاتها ..تذكر محمود كيف كانت الأمطار تتساقط من سقف الدار وتغرقهم إذا إشتدت .. إلا أنه تمكن بمجهود مضنى من أن يصنع قطعة جلدية رقيقة بمساحة سقف الدار .. أحكم تثبيتها ، فلم تجد الأمطار لها منفذاً .. كان ممسكاً بسكيناً يقطع الجلود .. حين قفز إلى ذهنه صورتها ..
إعتملت بقلبه الهواجس والظنون .. فمنذ تقابلا فى الصحراء مرت أيام .. لم تصل له منها رسالة ولا كتاب .. هل إكتشفوا أمرها ؟ ومنوعها من الخروج .. إذا كان الأمر كذلك
فلماذا لم ترسل له
.. لم يلتفت إنتباهاً حين أعماه خاطر أن تكون حورية قد نسيته .. ولما لا ؟ .. فهو صعلوق ، ربما تكون قد تسلت به قليلاً ثم مضت إلى حال سبيلها فى العز والنعيم .. قطعت السكين جلد باطن يده جرحاً ليس غائراً ، لكنه من سخونة دمه كان نازفاً .. هرع يلتقط قطعة قماش يضمد بها جرحه ليوقف النزيف .. سمع طرقات محمومة على الباب المتهالك .. تسائل من ذا الذى يأتى تحت هذا المطر ؟ .. أسرع يفتح الباب .. ثم أمسك بكفه اليمنى كفه اليسرى المجروحة يضغط الخِرقة عليها .. رأى الجارية الملثمة واقفة أمامه ممسكة بالحصان خلفها .. ملابسها مبتلة عن آخرها .. دق قلبه بعنف منتظراً أن تخرج له الجارية برسالة .. لكنه وجدها تدلف مسرعة إلى داخل الدار تحتمى بسقفها المعروش من الأمطار .. إتجهت بالحصان ناحية جزع نخلة من تلك التى تحمل سقف الدار ، وربطت الحصان الذى أطلق صهيله يدوى فى الدار ..
صاحت أمه
- من يا محمود .. ماذا هناك ؟ رد محمود يطمئن أمه المتلهفة
- لا شئ يا أمى ..جارية تريد جلود
- فى هذا الوقت المتأخر
- إهدأى بالاً يا أماه .. عودى إلى نومك سأبيعها الجلود وتنصرف بعد المطر
عادت أم محمود إلى نومها .. متدثرة بفروة خروف تدفئ جسدها .. فى الوقت الذى كان محمود يرنو إلى الجارية محدقاً ، منتظراً الرسالة متلهفاً .. لكنه شعر بشئ على يده ..
نظر ليجدها قد أمسكت بكفه المجروحة تحكم رباط خرقة القماش عليها قائلة
- ما الذى جرح يدك هكذا ؟
حدق محمود فى لثامها حين سمع صوتها .. لكنه تجمد فى مكانه من فرط الذهول حين أزاحت اللثام عن وجهها ، ليرى حورية أمامه تنظر إليه بحنان وتقول
- كيف حالك يا محمود ؟
لم يرد محمود فقد كان هذا آخر ما يمكن لخياله أن يتوقعه من الأميرة المجنونة .
إنتبه لثيابها المبتلة فقال
- كيف إستطعتى المجئ تحت هذه الأمطار ؟
ردت حورية وهى تتجول بعينيها فى أنحاء الدار وعلى وجهها علامات السرور
- حين خرجت من القصر لم تكن تمطر جاء محمود ببعض الحطب وأشعل النار فبدأ الدفء يتسلل رويداً فى المكان وقال
- إجلسى هنا جوار النار حتى تجف ملابسك لم يبدو على حورية أنها سمعته وإتجهت إلى الحصان .. فكت الحافظة الجلدية المثبتة على السرج وأخرجت الثوب الرقيق الذى كانت قد إشترته من السوق .. وكأنها لا تبالى بشئ فى الوجود .. إستبدلت ملابس الجاريات المبتلة بالثوب الرقيق
- ما حكاية هذا الثوب معك ؟
قالها وهو يحضر قطعة جلود كبيرة ويلفها على كتفيي حورية التى قالت
- أحب أن أشعر بأنى واحدة من عامة الناس قال محمود محتداً محاولاً خفض صوته حتى لا تستيقظ أمه
- وهل يجعل ثوب رخيص الأميرة واحدة من الناس ؟
- لماذا تفسد على سعادتى يا محمود ؟ هكذا سألت حورية وهى تجلس على الفرشة بجوار النار .. حدقت فى النار أمامها وأصغت إلى زخات المطر على سقف الدار ثم تابعت
- لقد أوحشتنى يا محمود .. وأردت أن أراك وأجلس معك .. تخفيت فى ملابس جارية وخرجت من القصر وسط الظلام .. وحين أمطرت وأنا فى الطريق .. كنت أريد أن
أطير تحت المطر كما الطيور
- ما الذى جرح يدك قبل مجيئى ؟
- شرد ذهنى وأنا أقطع الجلود فى الأميرة التى تسلت قليلاً بالصعلوق ثم مضت إلى حياتها قالها وهو يجلس إلى جوارها على الفرشة .. وردت هى
قالتها وهى تمد يديها تمسك بيد محمود المجروحة ثم تابعت باسمة
- يبدو أن هذا كان عقابك لأنك أسأت الظن بى تنهد محمود تنهيدة عميقة وقال
- لا يستطيع عقلى أن يستوعب الأميرة التى ت...
- ألم نتفق يا محمود أن نحيا ساعتنا الحالية ولا نفكر فى ساعتنا المقبلة .. لا تشغل بالك بشئ سوى أننا الآن مع بعضنا فى هذا المكان الجميل
ضحكة مبتورة خافتة ساخرة أطلقها محمود قبل أن يقول
- جميل .. أتسخرين ؟
ردت حورية مسرعة وعينيها تلمع ببريق النار
الذهبية المتلألئة أمامها
- أنت تقول هذا لأنك لا تفهمنى .. أنا أرى المكان جميل .. لا شأن لك أنت
قالتها ضاحكة ، فإبتسم محمود ورأى حورية تقوم وتلقى بقطعة الجلد من فوق كتفيها وتتجه تفتح الباب .. ثم تعود وتفك الحصان وتعتليه لتقول
- هيا يا محمود
قالتها وهى تشير لمحمود بركوب الحصان خلفها ، إلا انه وقف مكانه وقال
- ماذا ستفعلين ؟
- هيا يا محمود قبل أن يتوقف المطر .. فقد هدأ هطولها
فما كان منه سوى الإمتثال وركب خلفها على الحصان .. شدت حورية اللجام فسار الحصان حثيثاً خارجاً من الدار ، ومحمود يقول
- قد يرانا أحد
- لا أحد فى سكون الليل هذا موجود .. الجميع مختبأٌ من المطر فى البيوت
الضحكات تباعاً سعيدة بهذه المغامرة تحت المطر .. لكزت الحصان بقدميها ، فأسرع يعدو .. ظلت تدور بالحصان حول دار محمود وهى فى قمة السعادة والفرح والسرور .. تدغدغ قطرات المطر وجهها .. ويسرى الدفء فيها من جسد محمود الملاصق لظهرها .. يتحرك الجسدان ككتلة واحدة على ظهر الحصان مع حركاته ويتمايلان حتى توقف المطر .. عادا إلى داخل الدار .. نزل محمود يقول
- يبدو أنكِ أكثر من مجنونة
ضحكت حورية ضحكة صافية علت فى الدار ..فسمعا على إثرها صوت أم محمود يصيح
- ماذا هناك يا محمود ؟
- لا شئ يا أمى
كانت حورية تفرد طرف ثوبها تجففه بحرارة
النار وقالت
- أريد هذه يا محمود
قالتها وهى تمد يدها تمسك بيد محمود المجروحة تفك خرقة القماش المبتلة والملطخة بدم محمود من جرحه وتابعت قائلة
- أريد أن أحتفظ بدمك يا محمود صمتت وقامت من مكانها تقول
- لن أدع جرحك هكذا
وعادت تجلس جوار محمود تربط جرح يده قطعة الطرحة ، وسمعته يقول
- لقد إندمل الجرح ولا أح...
قاطعته حورية ضاحكة
- أخذت منك قطعة وهذه بدلاً منها
رد محمود يضحك بخفوت
- لكنكِ أخذتِ دمى ولم تعطينى بدلاً منه نظرت حورية بحب فى عينيى محمود ومدت يدها تتناول قطعة حطب صغيرة لم تنل منها النار بعد .. بأظافرها نشبت شوكة صغيرة ،وقبضت على أصبعها الإبهام وخزته بالشوكة ..أمسكت طرف قطعة الطرحة على يد محمود تقطر عليها بعض قطرات دمها ..وقالت
- ها أنا أعطيتك دماً بدلاً من دمك لم يرد محمود مكتفياً بإبتسامة محركاً رأسه دلالةً على إندهاشه من الأميرة .. بينما تابعت
هى قائلة
- قرأت أنه إذا تبادل حبيبان دمائهما فإنهما لا يفترقان
رنت كلمة حبيبان فى أذنى محمود محدثة دوىٍّ كبير ووجد نفسه يردد الكلمة .. إلا أنها خرجت بصيغة إستفهام
- حبيبان ؟
فسمعها تقول بلامبالاة مشوبة ببعض الدلال
- نعم .. ألم تسمع تلك المقولةِ من قبل .. أية حبيبين يريدان ألا يفترقا يتبادلا دمائهما ..
إذا كنت تعرف حبييين أخبر هما بذلك إنسابت منها الضحكة الملائكية الخافتة حين رأت وجه محمود الجامد أمام أعينها وسط ضوء النار التى بدأ نورها يخفو وهمست تومئ برأسها بين منكبيها فى جاذبية لا تُقاوم
- نعم .. فأنا أحبك يا محمود
مدت يدها الملساء الناعمة تمسح بها على خد محمود ورأت الدموع تترقرق فى عينيه ..
نظرت فى عينيه مباشرة وهمست بخفوت
- إحيا معى ساعتنا الحالية .. لا تفكر فى شئٍ آخر
ظلت تقترب بوجهها من وجهه .. تدنو وتقترب.. تلامس الأنفان .. لا تزال تحدق فى عينيه ..بينما هو يسمع جملتها الأخيرة تتردد وتتردد فى داخله .. أفاق حين أحس بشفتيها تلامس شفتيه ..رعشة دافئة سرت فى أوصاله ووجد قلبه يعدو.. طبعت حورية قبلة رقيقة ناعمة على فم محمود ، ثم عادت برأسها للوراء .. تبتسم وقد بدأت الدنيا من حولهما تظلم .. قام محمود
، ووضع بعض الحطب فى النار .. عاد الضوء الأصفر الخافت ينبعث فى الدار .. تمددت حورية على ظهرها فوق الفرشة على الأرض ، فإنحسر الثوب الرقيق فوق ركبتيها .. رأت محمود يحدق فى سيقانها العارية فإبتسمت قائلة
- علام تنظر ؟
لم يرد محمود الذى أشاح بوجهه يرنو إلى النار ، وسمعها تتابع كلماتها
- يمكننى أن أجعلك ترى المزيد
قالتها ضاحكة فى الوقت الذى كان محمود يعيد نظره إليها فيجدها قد رفعت ذيل ثوبها أكثر ..أحس محمود وكأن بياض فخذيها أضاء المكان .. سمعها تهمس
- هيا أكمل
- ما الذى أكمله ؟
- من عند ما إنتهينا المرة السابقة
- ألا زلتِ تذكرين
وسمعها تقول
- هذا قد يساعدك لتتذكر ؟
تنهد محمود ضاحكاً .. بينما تابعت هى
- حين كنت جارية وأنت تشترينى فى المرة السابقة .. كنت تقول أن ذلك الشئ فى الرجال له شقين .. شقٌ غريزى وشق آخر
.. هيا أكمل ما هو ذلك الشق الآخر ؟
تمدد محمود بجوارها على الفرشة على جنبه وصارت هى على جنبها .. الوجه فى الوجه بتنفسان ذات الهواء .. قال محمود
- أنتِ أفضل شئ فى حياتى يا حورية صمت ثم تدارك فجأة
- ربما الشئ الوحيد
- من أين تعلمت ذلك ؟ رد محمود بذات الهمس
- وجدت نفسى أفعل ذلك بلا وعى ضحكت حورية وقالت
- أهى الغريزة إذن ؟
- لا ..هذا هو الشق الآخر
- يبدو أنك فيلسوفاً
صمتت تسحب شهيقاً وواصلت
- هل ضاجعت إمرأةً من قبل يا محمود ؟ قالتها متغلبة على خجلها حين نطقت كلمة ضاجعت .. رد محمود
- لا .. فقط أراهنَّ فى الأحلام
- إحكى لى آخر حلم لك مع إحداهن
تنهد محمود بعمق وقال
- منذ ثلاثة أيام .. كنت فى حلم, جميل مع أجمل فتاة على الأرض
قاطعته حورية قائلة
- صفها لى
رد محمود - هى أميرة تهوى حياة الصعاليق قالت حورية وقد علت حاجباها وإتسعت عيناها
- أنا التى كنت معك فى الحلم .. هيا أكمل ..
وماذا حدث ؟ .. لقد شوقتنى لذلك الحلم ..
هيا
واصل محمود
- كنا عاريين .. وبعد القبلات نامت هى وحين جئت أنا
توقف محمود متوقعاً ما سيحدث .. وفعلاً حدث فقد صاحت حورية - هيا أكمل .. حين جئت ماذا حدث ؟
قال محمود ضاحكاً
- إستيقظت من النوم .. لم يحدث شئ
- أنت تكذب
- الم يحدث شئ
رد محمود - ربما أكتمل ذلك الحلم يوماً ما ..سأحكيه لكِ
ردت حورية - معك حق .. قد تكون ساعتها قد بلغت الحُلُمُ ويمكنك أن تكمل .. فأنت لازلت صبياً لم يبلغ بعد
على عكس ما توقعت رد محمود بهدوء
- ربما
كتمت غيظها وعادت على ظهرها ترنوا إلى السقف .. بينما محمود صامتاً ..سرقهما النوم دون أن يشعرا .. بدأ الصباح فى الظهور فى الأفق .. إستقيظ محمود وحورية على صيحات أم محمود
- من هذه يا محمود ؟ .. أهذه الجارية التى جائت بالليل
قام محمود مسرعاً وتبعته حورية تتناول ملابس الجاريات وهرعت إلى غرفة أم محمود تستبدل الثوب الرقيق بملابس الجارية .. لم يكن همها صياح وتسائلات أم محمود .. كان همها أن يكون أحد قد إكتشف غيابها عن القصر ..
خرجت فى الوقت الذى كان محمود يشرح لأمه أنها لم تتمكن من المغادرة بسبب الأمطار وسرقهما النوم .. إعتلت حورية الحصان ولثمت وجهها وقالت ضاحكة
- أراكِ على خير يا أم محمود
قالتها فى الوقت الذى كان محمود يفتح الباب لتنطلق حورية على جوادها مسرعة ، قبل أن بستيقظ الناس .
عادت حورية إلى القصر .. تسللت خفية حتى وصلت إلى غرفتها .. لم تصدق أنها عادت إلى الغرفة دون أن يراها أحد ممن إستيقظوا مبكرين من الخدم والجوارى والعبيد .. شهقت فزعة حين رأت جسداً ممدداً مغطى على سريرها ..
إقتربت تسحب الغطاء برفق .. فضحكت وعلا صوت ضحكاتها فى الغرفة ، لتستيقظ أم إبراهيم على صوت ضحكات حورية وتقول
- لماذا تأخرتِ هكذا يا ابنتى ؟ .. رقدت مكانك حين تأخرتِ عن الحضور حتى لا بكتشف أحد غيابك إذا دخل الغرفة .. خشيت أن يكون حدث لكِ مكروه
حكت حورية لمربيتها .. كيف سرقها النوم عند محمود ولم تستيقظ إلا فى الصباح .. تضحك أم إبراهيم وتقول
- لا أوافقك على ما تفعلين .. لكنى أرى حالك قد تبدلت وأجدك سعيدة
توجهت حورية للحمام وإغتسلت ثم عادت إلى غرفتها تحتضن محمود فى مخيلتها .. وراحت فى نومٍ عميق بينما يدها قابضة على خرقة قماش ملطخة بالدم .. ددمم محمود .
*****************************
فى قصر أحدهم
جلس القوم المعارضون للسلطان المبروك ..يتجادلون .. يتناقشون .. يتحاورون .. إبراهيم بن عيسى وإلى جواره الوائل بن الإبراشى ومعه مصطفى بن البكرى والشيخ عبد اللّٰه بن السعيد .. وكذلك فاكهة القوم يجلس متربعاً مبتسماً كعادته طالع بن الأسياد ، ومعهم عدد من الشباب يتصدرهم أحمد ومحمود .. قال ابن البكرى بصوته الجهورى
- لن نتركهم يحكمون على الأهلطل بن بهلول فى الغد بالإعدام
صاح الشيخ عبد اللّٰه بن السعيد
- لن يحكم القاضى عليه بالقصاص .. فهو مختل عقلياً .. حتما سيحكم عليه بالسجن
قاطعه طالع ابن الأسياد قائلاً
- تقصد السجن المزيف .. سيسجنوه حتى حين .. ثم يطلقوا سراحه إلى بلاد اللّٰه الواسعة بعد أن تهدأ الأمور
تنهد إبراهيم بن عيسى وقال
- علينا أن نجمع الناس فى الصباح أمام ديوان القضاء .. ونطالب بإطلاق سراح العبيط ابن بهلول
سحب الوائل بن الإبراشى نفساً عميقاً وكأنه إستيقظ لتوه من النوم وقال بكلامات هادئة بطيئة
- أنتم تتحدثون وكأن براءة بهلول صارت
يقين
صاح القوم من حوله يرددون
- ماذا تقصد ؟ .. هل يمكن أن يكون العبيط الأهطل بن بهلول هو القاتل .. لا .. كيف ؟
واصل الوائل كلماته بعينيه الناعسة
- أنا لم أقل أنه القاتل .. ولم أقل أنه برئ .. فلم تثبت له براءة ولا إدانة .. السؤال الأهم أين القاتل الحقيقى .. لقد مرت فترة طويلة ولم تظهر جثث مسلوخة اخرى .. فلماذا توقف القاتل الحقيقى عن القتل بعد القبض على بهلول
حدق جميع الموجودين فى وجه الوائل الذى هوت كلماته عليهم لتجعلهم ذاهلين ، فقال أمجد ابن الجلاد الذى حضر للتو متأخراً
- معك حق .. منذ بدأت حوادث القتل ولم يمر فترة كهذة دون أن تظهر جثة .. وكما نسأل اين القاتل الحقيقى ولماذا توقف عن القتل ؟ .. علينا أن نسأل لماذا يقتل ؟ .. ولماذا يسلخ الجلد .. ولماذا النساء فقط هم الضحايا ؟ ..
ولماذا الأربعة نساء التى قُتلت بالذات دون
باقى النساء ؟
قطع إبراهيم ابن عيسى سلسلة لماذا ؟ التى أطلقها ابن الجلاد وقال
- وهذا ما يجعلنا نعتقد أن ابن بهلول العبيط لا يمكن أن يكون هو القاتل .. فحوادث القتل هذه لا يقوم بها إلا قاتل محترف .. ربما ينتظر القاتل ما ستسفر عنه محاكمة الأهطل ثم يعاود قتل ضحياه .. ولابد أن نقف إلى جواره رد ابن الجلاد قائلاً
- أنا لن أذهب إلى ديوان القضاء .. لا أستطيع أن أتخذ موقفاً تجاه شئ لم تثبت صحته من عدمه
- إذا ذهبنا فى الصباح وحشدنا الناس أمام ديوان القضاء لن يغير ذلك شئ فسيُحكم على الأهطل بالسجن .. وإذا لم يظهر جثث" أخرى بعد ذلك سيصدق الناس أن ابن بهلول هو القاتل وسنفقد مصداقيتنا عند الناس ، ولن يصدقونا بعد ذلك
ما كاد الوائل بن الإبراشى ينتهى من جملته الأخيرة .. حتى بُهت الجميع عند سماعهم لجملة تقول
- وما أدراكم أن الناس تصدقكم ؟ حدق الجمع فى صاحب الجملة محمود الذى تابع
- الناس تسمعكم لكن ليس معنى ذلك أنهم يصدقون ما تقولون .. هم يسمعونكم تقولون أنكم تريدون أن تصلحوا أحوال البلاد والعباد .. لكنهم لا يرون فيكم سوى أعيان ومشايخ لا تتضورون جوعاً .. ولا تعملون لدى الأمراء والأعيان من أجل بضعة دنانير
مثلهم
- ماذا تشتغل أيها شاب ؟
- أصنع الجلود وأبيعها فى السوق أومأ ابن الاسياد برأسه وكأنه الآن فهم سر كلمات محمود الذى حدق فى عينيه بجمود وتابع
- أنا لا أحقد عليكم لأنى فقير .. لكنى أتحدث كواحدٍ من الفقراء اللذين تقولون أن أمرهم يهمكم .. لا أرى فى الكلام نفعٌ ولا فائدة .
إذا إجتمع الفقراء والمظلومين وأخذوا
بلادهم ممن أغتصبوها من الفاسدين .. لن يقف فى طريقهم أحد
قال محمود جملته الأخيرة وعينيه تلمع ببريق مخيف .. وصاح إبراهيم بن عيسى قائلاً
- يبدو أن ما حدث لك فى قصر غسان قد أدار رأسك يا محمود
- لا شأن لذلك بما أقول
- وهل تريد أن نقاتل السلطان والأمراء ؟
- إذا كان هناك حلٌ آخر فأنا أحب أن أسمعه صمت برهة ثم أردف
- غير الكلام والجدال العقيم
الوائل بن الإبراشى
- ستكون فتنةٌ فى الأرض وفساد كبير .. وإن اللّٰه لا يحب المفسدين
رد محمود تبرق عينيه بحماس
- اللّٰه أمرنا بالجهاد ضد الفاسدين الظالمين
تخيل طالع بن الأسياد نفسه على جواده ممسكاً بالسف يقاتل ، فتلقى طعنةً من خلفه إرتعش جسده على إثر تخيل ذلك المشهد .. بينما تخيل الآخرون أنفسهم وسط القتال بعيداً عن قصورهم وأموالهم .. وقال إبراهيم
- قال **** اللـه صلى اللـه عليه وسلم ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )
رد محمود
- وإذا لم ينفع القلب واللسان فما لنا حيلة سوى اليد
قالها محمود فى الوقت الذى كان أحدٌ يلقى السلام بصوت، وقور .. إتجهت أنظار الجميع ليروا رجلاً حلو الطلعة .. تشعر بأنك مجذوب
لعينيه المسيطرة وقسمات وجهه المريحة للنظر يجلس على ركبتيه ثم يتربع قائلاً
- أنا أتفق معك يا محمود .. لكن من الذى فسر قول الرسول عن تغيير المنكر باليد أنه الجهاد أو القتل فحسب .. هناك أشياء أخرى .. أنت مثلاً يا محمود إذا جئتك أطلب منك قطعةً من الجلود وعرضت عليك خمسة دنانير .. بينما أنت تطلب حقك فيها عشرة دنانير ، ماذا سيحدث ؟ .. سأجد غيرك يبيعنى مثلها بخمسة دنانير .. أما إذا إتحد كل صانعى الجلود فى البلاد ولم يقبل واحدٌ منهم سوى بعشرة دنانير .. ساعتها سأضطر إلى دفع العشرة دنانير ولن أبخس ثمن
السلعة
صمت برهة بينما محمود يحدق فى وجهه بإنصات وكذلك باقى الجمع .. وواصل هو
- كذلك إذا إجتمع الفقراء المظلومين وإتحدوا جميعاً .. ورفضوا أن يعملوا لدى الأغنياء بثمن بخس, دراهم معدودة .. ساعتها ستجد من يدفع درهماً سيضطر أن يدفع عشرة من أجل أجير واحد .. فحال البلاد ليس بسبب من يحكمها فقط .. وإنما بسبب المحكومين فيها أيضاً .. اللذين أذعنوا للظلم وتركوا أنفسهم فى أيدى سادتهم مهطعين ذليلين .
ما كاد الرجل الغريب ينهى جملته حتى صاح
أحد الحاضرين
- ومن أنت أيها الرجل الكريم ؟
- أنا المأمون بن عبد اللّٰه الرشيد
صاح طالع بن الأسياد
- أليس ذلك التاجر الذى هجر البلاد منذ زمن، بعيد
- هو كذلك .. لقد ولدت هنا فى هذه المدينة ..ورحلت صغيراً مع والدى .. أنا الآن تاجر رحالة أجوب مشارق الأرض ومغاربها بتجارتى .. مررت من هنا أزور بلادى سأمكث قليلاً ثم أعاود رحلاتى
- أنا سأذهب فى الصباح إلى ديوان القضاء ..
سأحضر محاكمة ابن بهلول .. السلام عليكم إنصرف المأمون تاركاً الجمع فى ذهول .. كل من كان عنده كلمة عن عبد اللّٰه الرشيد يلقى بها .. يتسائلون عن ذلك المجهول .. حتى إنفض الجمع .
خرج محمود بصحبة أحمد الذى قال
- أراك يا محمود منذ بدء حكايتك مع الأميرة حورية .. وأنت لم تعد محمود .. صرت حاقداً على الأغنياء
وقف محمود محدقاً فى وجه أحمد وقال
- أنا لست حاقداً يا ابن الأعيان
- أنا لا أقصد أن قاطعه محمود محتداً
- وكيف لك أن تشعر أنت بالفقراء الكادحين يا
سليل العز والنعيم - محمود ..أنت تعلم أننى لست كأقرانى من أبناء الأعيان
- لا شأن لك أنت بالفقراء .. إذهب إلى حفلات أبيك الماجنة وضاجع معه الجوارى
أمسك أحمد بكتفيي محمود ورد غاضباً
- لا شأن لك بأبى يا بائع الجلود عاشق الأميرة
.. أتظن أنها تحبك ؟ .. إنها تلهو بك .. أ واهم
لم يرد محمود الذى وقع تحت سطوة الغضب ، فدفع أحمد فى صدره أسقطه أرضاً .. قام أحمد
مسرعاً وإشتبك الإثنان بالأيدى .. وفجأة توقفا على صوت يصيح
- كفاكما
وجدا المأمون بن عبد اللّٰه الرشيد حائلاً بينهما
يقول
- أهكذا يفعل الصديقان ببعضهما
غادر أحمد لاهثاً يحث الخطا مبتعداً .. بينما سار المأمون فى الطريق إلى جوار محمود يحدثه عن كيف يحصل الفقراء المظلومين على حقوقهم بلا قتال .
البلاد المباركة ج 7
مضت الأيام بعبلة فى قصر ابن زيدون ، وكبرت بطنها أكثر .. صارت تشعر بالسعادة من جراء إحساس الأمومة التى بدأ ينسيها محمود .. لكن ألفتها لحياة القصر والنعيم كانت ناقصة .. ولولا جاريتها وصديقتها رمانة تلك الحرة التى إختارت أن تكون جارية ، لفتك بعبلة الملل والحزن .. لا تجلس فى القصر مع أحد
وإذا علمت أمه سيعلم ابن زيدون الذى لن يرضى بذلك .. فهو لا همَّ له سوى حفلاته
الماجنة
هكذا ظل
هذا الأمر سراً وتكرر مراراً .. تتسلل حورية فى الليل وتوزع ما تيسر من خيرات قصر ابن زيدون على الفقراء والمساكين ومعها رمانة وبعض الجاريات المخلصات ، ثم تعود محملة بدعوات البسطاء .. جعلها ذلك قليلة الغضب ..
وإن كانت لاتزال غير قادرة على السيطرة على غضبها فى بعض الأحيان .. كذلك لم تعد صورة وجه محمود تؤرقها إلا قليلاً .. تغيرت معاملتها لأحمد، صارت معه أكثر رقة وعذوبة .. فى أحد المرات عاد أحمد خائر القوى شاحب الوجه
، ولما دخل على عبلة قالت
- ماذا بك يا
أحمد .. تبدو شاحباً
رد عليها بصوت مجهد
- أحوال البلاد تسوء .. وأحاول تدبير أمر القافلة التى أود جلبها من بلاد الصين ، حتى تنتعش تجارتى .. بل أحتاج لقافلتين
تفاجأ أحمد بعبلة تمد يدها تمسح على وجهه بحنان وتخلع عنه عمامته قائلة
- لا تشغل بالك .. ما فى القصر من خيرات يكفينا لشهور, طويلة إذا بترت عبارتها ثم واصلت
- إذا توقف أبوك عن البذخ والإسراف فى تلك الحفلات التى لا يكف عنها
- لقد يئست منه يا عبلة .. لا يشغل بالى ما يحتاجه القصر فلدينا كما تقولين الكثير ..
ولكن ما يؤرقنى القروض التى علينا لبيت
المال ..
لا أريد أن أتعثر فى سدادها .. فهذه أموال الناس والعباد .. ولن يبارك لنا اللّٰه إذا أهملنا دفعها كما يفعل أغلب التجار
- أنت رجلٌ يخشى اللـه يا أحمد .. فسيبارك لك اللـه فى تجارتك
هكذا قالت عبلة بصوت ناعم جعل أحمد ينسى هموم تجارته ويحدق فى وجهها القمحى بحنان
وسمعها تواصل كلماتها
- مارأيك يا أحمد أن نخرج مما يفيض عن حاجتنا هنا فى القصر صدقات للفقراء
والمساكين - أنا أفعل ذلك دائماً .. أخرج الصدقات من مالى
- وأنا أذهب ب.. .
- أين تذهبين ؟
لم ترد عبلة وجذبت أحمد من زراعه وإتجهت به إلى الحمام .. أجلست أحمد فى الماء بعد أن
خلعت عنه ملابسه
.. أمسكت بقطعة الكتان تبالها وتدلك بها جسد زوجها اللذى
قال
- أول مرة أراكِ هكذا يا عبلة .. الآن فقط
أشعر أنك زوجتى
ردت عبلة
- وهل لم أكن قبل الآن زوجتك
- كنت أشعر حقاً أنكِ لا تحبيننى
- ابنك يضربنى يا أحمد
ضحك أحمد وقال
- عندما يأتى سأعاقبه على ذلك
تبادلت عبلة مع أحمد الضحكات ثم ألبسته وعادا إلى غرفتهما .. دلكت عبلة ظهر زوجها المهموم بسبب أحوال تجارته ، حتى إسترخى ونام .
مرت الأيام على هذا المنوال .. عبلة توزع من خيرات القصر على الفقراء .. غمرتها السعادة بذلك .. صارت علاقتها بأحمد أفضل .. ولكن لابد أن تكون هناك لكن .. بدأت أم أحمد تدرك أن حجم مايرد إلى القصر من الأطعمة والفواكة والغلال والتمر واللحوم لا يتفق مع ما يتم إستهلاكه .. كانت تعتقد فى البداية أن هناك من يسرق القصر ، رغم أنه لا يوجد عبد ولا جارية جديدة يمكن أن تفعل ذلك .. نثرت الجاريات الموالية لها تتفحص وتستكشف الأمر .. وجائها الخبر ، عبلة تخرج فى الليل بصحبة جارياتها ومعهن أجولة كبيرة بها من خيرات القصر ما لذ وطاب .. وحتماً تسرقه إلى أهلها وأقاربها الفقراء .
فى أحد الليالى تتسلل عبلة ومعها جارياتها محملين بالأحولة ، واذا يصوت من خلفها
يصيح
- أيكون هذا جزائنا يا سارقة يا لصة ؟ إستدارت عبلة لتجد أم أحمد واقفة وقد إنتفخ وجهها واضعة يديها فى وسطها وتابعت
- اتسرقينا يا بائعة اللبن من أجل أهلك وأقاربك الفقراء ؟
- أنا لست سارقة يا إمرأة الزنديق الماجن ..
ولولا زوجى الذى يكد ويعمل من أجلكم ، لما وجدتم درهماً واحداً - زوجك هذا هو ابنى الذى جاء بك من الطين إلى القصر يا بنت السوق
- بنت السوق هذه هى التى كان ابنك يتوسل إليها وكاد يقبل قدميها لتقبل به .. ثم إننى لا أسرق شيئاً لأهلى إنها أموال الفقراء أردها إليهم مما يفيض من حفلات زوجك مع جارياته الماجنة .. والآن أدركت أن معه حق ، فمن يتزوج بمثلك لابد أن يكون للجاريات أسيراً
ما إن سمعت أم أحمد ذلك حتى هوت بصفعة عنيفة على وجه عبلة التى ردت لها الصفعة بواحدةٍ أقوى .. فى الوقت التى بدات صرخات الجاريات تشق هواء القصر وتتردد بعنف ..
هرع من فى القصر تجاه الصرخات .. وكان من بينهم ابن زيدون وابنه أحمد الذى وصل فى اللحظة التى كانت عبلة ممسكة بشعر أمه تشده بعنف وتهوى على خدها بالصفعات تباعاً .. لم تفلح محاولات ابن زيدون وأحمد فى تخليص أمه من براثن عبلة التى أسقطتها أرضاً تجرجرها من شعرها .. وبمساعدة الخدم تم فض الإشتباك.
قال أحمد متلعثماً مرتعشا
- ماذا حدث ؟
وجد أمه تحدق وقد تشوه وجهها بآثار أظافر عبلة وقالت تبتلع ريقها لاهثة
- طلِّقها
يحاول أحمد إبتلاع ريقه مرتعشاً يهم ليقول شئ
.. لكن صرخة من أمه دوت فى المكان
- قلت لك طلِّقها
ورغم حب أحمد لعبلة ، إلا أن سيطرة أمه عليه كانت أقوى ، فوجد نفسه يمتثل لأمرها وتمتم
بصوتٍ خفيض
- أنتِ طالق يا عبلة
تشعر من نبرة صوته وكأنه يقول لها ( أنا أحبك يا عبلة ) .. لم تندهش عبلة كثيراً .. فهى تعلم
مدى سيطرة أمه عليه .. لكنها إندهشت حين ممعت أم أحمد تصيح فيمن حولها
- إفترشوها على الأرض
هرع الخدم والحراس الأشداء وحتى الجوارى يتكالبون على عبلة ليطرحوها أرضاً على ظهرها .. يحكمون تثبيت يديها ورجليها ، بينما هى تحاول المقاومة دون جدوى .. شعرت بألم رهيب فى رحمها كان مبعثه ركلات أم أحمد القوية على بطنها تسعى لإجهاضها .. وقفت أم أحمد بثقل جسدها الثمين فوق بطن عبلة التى كادت تزهق روحها .. حتى رمانة والجاريات الموالبة لعبلة إشتركن فى المعمعة لإرضاء سيدة
القصر أم أحمد تمهيداً لتبرئة ذمتهن بعد ذلك بأنهن كانوا يلبين أوامر عبلة مقهورين .. بالفعل نجحت أم أحمد فى مأربها وبدأ الدم ينسال من أسفل عبلة تحت الركلات العنيفة .. إنهمرت الدموع من عينيي أحمد الذى أسرع يمسك بأمه ليوقفها عما تفعل بعبلة .. لكن أمه دفعته بزراعها بقوة فإختل توازنه وسقط أرضاً ، فى الوقت الذى جلست أم أحمد على ركبتيها ، وواصلت بقبضة يدها ضرب بطن عبلة التى
فقدت الوعى من فرط الألم .. بينما لم تتوقف أم أحمد إلا بعدما رأت الكتل الدموية تنهمر ، وقامت وصاحت فيما حولها
- إلقوا بها خارج القصر
أحمد يبكى وابن زيدون يبتسم سعيداً .. وتم إلقاء عبلة غارقة فى دمائها خارج القصر .
مرت ساعة لتفيق على يد رمانة التى أسندتها حتى أوصلتها لدار أبويها والدم المتكتل يتقاطر منها .. إستقبلتها أمها بالصويت بينما أبوها يحملها داخلاً .. فى الوقت الذى كانت رمانة تعدو عائدة إلى القصر .
فى الصباح بداخل ديوان القضاء .. إحتشد عددٌ ليس يالكثير من الناس إلى جانب بعض المعارضين .. حيث لم يحضر منهم الكثير ..
الناس بدأو يصدقون ، أن القاتل هو الأهطل بن بهاول ، فمن بعد القبض عليه لم تكن هناك جثة ولا جلد مسلوخ .. وبعد الجدال والنقاش والهمهمات .. كاد القاضى أن ينطق بالحكم على ابن بهلول ليصير نزيل الزنزانات .. لولا صوت بعيد من اخر الجنبات يصيح
- وإذا حكمتم بين الناس. فلتحكموا بالعدل توجهت الأنظار تجاه صاحب الصوت الذى كان المأمون بن عبد**** الرشيد .. يدلف بخطى ثابتة متئدة .. وإلى قامته الطويلة ووجهه الوقور كانت أنظار الناس من حوله منجذبة ..سرت الهمهمات متواترة .. وتابع المأمون
- إياكم ودعوة المظلوم ، فإنها لا تُرد .. هكذا علمنا **** اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم .. فما بالكم وإذا كان هذا المظلوم فاقد الإدراك والأهلية صاح قائد الشرطة الحسيب بن العادل فزعاً ترتعش فرائصه
- ما هو بمظلوم .. لقد إعترف بجرائمه رد المأمون مبتسماً حانياً
- نعم أعلم ذلك يا قائد الشرطة .. فقد إعترف الأهطل بن بهاول أنه قتل أربعة نساء وسلخ جلودهن .. كان يتعقبهم فى الطرقات ويطعنهن بالخنجر فى قلوبهن كمحترفٍ
للقتل .. ويحملهن كل هذه المسافة الطويلة مشياً حتى طرف المدينة .. يلقى بالجثة ويسلخ الجلد كجزار, ماهر .. ويدفنه تاركاً
- من أنت أيها الرجل ؟
واصل المأمون وكأنه لم يسمع يوسف الذى إكفر وجهه من هذا التجاهل
- كيف حمل ابن بهلول جثة الجارية وردة تلك السمينة التى يعجز أولى القوة عن حملها لخطوات .. بينما الأهطل سار بها إلى طرف المدينة على حدود الصحراء
قالها المأمون موجههاً كلامه إلى القاضى .. ثم إستل خنجره واتجه ناحية ابن بهلول ومد يده بالخنجر قائلاً
- إقطع هذه
قالها مشيراً إلى طرف كم ثوبه الأنيق .. عجز الأهطل عن الإمساك بالخنجر حتى .. وبعد محاولة أخرى نجح فى الأمساك به ضاحكاً سعيداً بهذا الشئ الجديد .. ظل ابن بهلول يحرك الخنجر فى حركاتٍ عشوائية على كم ثوب المأمون دون أن يتمكن حتى من صنع ثقباً صغيرا فيه .. بينما ضحكاته البلهاء المتناثرة جعلت الحاضرين يضحكون عليه .. وقال
المأمون مبتسماً
- نعم أيها القاضى العادل .. هذا هو القاتل السفاح الذى سلخ أربعة نساء .. لعن اللـه أمةً ضاع الحق بينهم
قالها المأمون بصوت أسر قلوب المحيطين ، قبل أن ينطق القاضى
- ولماذا توقف القاتل الحقيقى عن القتل ؟
- لأنه يسخر منا .. يشاهدنا ساخراً منا .. إنه يقتل ليسخر من بلادنا
خرج محمود مسرعاً يلحق بالمأمون وأدركه
وهو يمتطى جواده وسمعه
يقول
- أهلا يا محمود
- أنت أفضل من فى هذه البلاد
- ما أنا إلا عبدٌ فقير إلى اللـه يا محمود .. لا أرضى بالظلم أمام عينى .. سأمكث فى وطنى قليلاً ثم أواصل رحلاتى
أدرك أموراً لم يدركها أقرانه .. رغم عمره الذى مضى حتى بلغ الأربعين بلا وطن ..
إلا أنه دوماً يفكر فى بلاده ، ويتمنى لو إستطاع
العيش فيه .. لكن حبه للترحال يغلب على أى شئ آخر.
اللّٰه أكبر .. اللّٰه أكبر .. كانت هذه تكبيرات الحاضرين بعد أن نطق القاضى ببرائة الأهطل بن بهلول
.. وخرج قائد الشرطة يكابد إبتلاع ريقه .. يرفع يديه تجاه رقبته بين الفينة والأخرى بحركة غريزية ..
ومن ورائه ابنه يوسف يحثان الخطا تجاه ديوان الشرطة التى ما كادا يدخلاها ، حتى كان الإستدعاء السلطانى بإنتظار قائد الشرطة .
بداخل بهو القصر السلطانى الفسيح .. كان السلطان المبروك الثمانينى كعادته لا يدرك ما حوله جيداً .. وشفته السفلى متدلية .. بينما من بين يديه يجلس ابنه وريث البلاد إلى جوار أحمد بن العز صديقه ومساعده الأول فى إدارة ديوان التفويض .. ذلك الديوان المفوض بلا تفويض بحكم البلاد والتحكم فى أمور العباد .. وإلى أمامهما كان قائد الشرطة وابنه جالسين مهطعين
..قال جلال ولى العهد
- ما رأيك فيما حدث فى ديوان القضاء يا قائد الشرطة
- لقد قبضنا على ابن بهاول .. بعدما أبلغنا الناس أنه يسير وراء النساء فى الطرقات قاطعه جلال محتداً
- وما الغريب فى أن يسير العبيط خلف النساء فى الطريق
- لقد إعترف يا مولاى الامير بأنه القات
- أنت لم تدع لى خياراً سوى الأمر بقطع رقبتك .. كما قلت لك سالفاً
شهق الوزير حسيب .. وأحاط عنقه بيديه بحركة غريزية .. ورأى السياف ماثلاً أمام مخيلته ..إلا أنه سمع جلال يواصل
- لكن سأكتفى بعزلك من منصبك
صمت ثم تدارك
- لقد عزلك السلطان من منصبك .. وألا تغادر دارك طيل ما بقى لك من العمر
رد الوزير حسيب متلعثما
- أمد اللـه عمر السلطان المبروك .. وأبقاه يعفو عن المخطئين
قالها الوزير وهو يرفع كفيه على رأسه شاكرا
" العفو عن رقبته
فى الوقت الذى أفاق فيه السلطان الثمانينى عندما سمع اسمه ، ومن اللّٰه عليه ليقول
- كيف حالك يا قائد الشرطة .. متى جئت ؟
- تحت طوعك يا مولاى السلطان
- وقد عين السلطان ابنك يوسف بدلاً منك ..
قائداً للشرطة
هدأت دقات الوزير حسيب ، بينما إرتسمت على وجه يوسف إبتسامة .. وتابع وريث العرش
- لا تجعل ظنى يجيب فيك يا يوسف
- سأبذل قصارى جهدى لحماية أمن البلاد يا مولاى .. أعدك لآتينك بالقاتل خلال أيام
- سنرى يا يوسف
خلا جلال بصديقه ابن العز بعدما ذهب السلطان ينعم بالقيلولة .. رغم أن أوقاته قد صارت كلها قيلولة .. بادر ابن العز قائلاً
- هكذا تسير الامور على ما يرام .. ينقصنا القبض عى قاتل النساء .. وساعتها ستكون لنا الغلبة داخل الديوان .. وكفى على شيوخنا ما بذلوه من تضحياتٍ للبلاد
- معك حق يا أحمد .. أشعر أن ديوان
كان ولى العهد قد وجد أبوه السلطان قد شاخ ..
وإقترب هو من الجلوس على العرش يحكم البلاد .. لكن ما كان يقلقه هو حاشية أبيه التى شاخت مثله ، هم المتحكمين فى ديوان التفويض يديرون البلاد .. كان يطلق عليهم الحرس القديم لذا بدأ بمساعدة أبيه فى الإطاحة بهم واحداً وراء الأخر .. وعلى رأسهم الأكمل بن الشاذلى
.. ذلك الرجل الضخم الذى كان على رأس مسيطرى ديوان التفويض .. الذى يتذكره العباد بواقعةٍ شهيرة .. فى القلعة الأثرية فى البلاد ، والتى لا يقربها أحد من عامة العباد .. لحفل خطبة ابنه أقام ..ولما لا ؟ .. وهو واحد من مالكى هذه البلاد .. يفعل فيها ما يشاء .. وحين تندر عليه جمعٌ من المعارضين فى البلاد ..
على رأسهم أمجد بن المِهَنَّى كان .. خرج ابن الشاذلى يقول .. لقد أخذنا الإذن بالتمام .. فأرسل مجهولاً يطلب الإذن بالقلعة لحفل ختان ابنه هناك .. فصار أضحوكة البلاد ..مرت الأيام وصار جلال هو المسيطر والمتحكم فى ديوان التفويض صاحب البلاد .. ومن حوله حاشيته الشابة يعدهم لحكم البلاد .. هكذا كان مبدأه حين استبدل قائد الشرطة حسيب بن العادل بابنه ووريثه يوسف .. الذى حتماً سيكون أكثر إذعاناً وإمتثالاً له .
هكذا إختفى حسيب بن العادل من على مسرح الأحداث .. بينما هرع يوسف على حصانه سعيداً قبل أن يُعلن الخبر .. يخبر من أراد وقد إنتصف النهار.
****************************
كانت حورية جالسة تخط بعض الأشعار .. حين دلفت إلى غرفتها الجارية مسعودة بالإخطار
- مولاتى يوسف بن حسيب العادل .. ينتظرك فى حديقة القصر فى الوراء
فزعت حورية متعجبة
- وكيف إستطاع أن يدخل إلى الحديقة ..
إجعلى الحرس يطرودونه
قالتها حورية وقد إندفع الدم إلى رأسها ..
وسمعت الجارية مسعودة
- مولاتى .. لقد أبلغنى أن أقول لك .. إنه لو لم يركِ. .. سيأتى ليقابل والدك فى المساء شعرت حورية فى هذه اللحظة أنها لا تحيا فى قصرها .. الجارية تنقل إليها تهديداً صريحاً من يوسف .. كادت تصيح فى وجه الجارية تطلب الحراس ، إلا أنها شردت تتخيل أن يوسف علم أنها ذهبت إلى محمود فى داره .. قد يكون أحد رجاله يتعقبها ورآها مع محمود تحت المطر .. ا
أفزعها ذلك الخاطر ، فإذا علم أبوها سيكون الأمر عسير .. حتماً لن ترى ما خارج القصر بعدها أبداً ولو يسير.. أفاقت من شرودها
فلم تجد مسعودة أمامها .. وسط دقات قلبها المتزايدة كانت تنزل السلالم مسرعة حتى لا يراها أحد .. ومن باب الخدم تمكنت من الوصول إلى حديقة القصر الخلفية .. وهناك رأت يوسف جالساً تحت شجرة بركن, من الأركان .. هب واقفاً حين رآها ، ورسم على وجهه الجامد إبتسامة عريضة جعلت وجهه أشبه بتمثال وقال فارداً زراعيه وحورية تقترب
- حبيبتى .. لقد أوحشتينى
- حبيبتك ؟
وسمعته
- أنا أحبك يا حورية
- وأنا لا أحب أحد
- لماذا أنتِ قاسيةٌ علىّ هكذا ؟ قالها وهو يمد يده يمسك بزراع حورية التى شدت زراعها صائحة
- ماذا تريد منى ؟
- أنا أريدك يا حورية
بإشمئزاز
- تريدنى وهل ترانى جارية و قطع كلامه قائلاً بسعادة
- لقد صرت منذ قليل قائداً للشرطة فى البلاد .. دعينا نحتفل بهذة المناسبة .. سأمر عليكِ منتصف الليل نذهب للصحراء نستشق هواء الليل فى العراء
كانت حورية مذهولة من هذة الجرأة التى يتحدث بها .. وبدون أن تنطق بشئ إستدارت توليه ظهرها تنصرف .. تبعها يوسف وبعد خطوتين أمسك بها وقال
- ما شأنك أيتها الفتاة ؟
- إذهب من أمامى وإلا ناديت الحراس وأرسلت أطلب والدى يعود الآن
- أنا كتمت سرك يوم كنتِ فى السوق أدركت عبلة أن يوسف لا يعلم بأمر ذهابها إلى محمود فى داره .. وإلا لهددها بذلك .. فتجرأت صائحة فى وجهه
- سأخبر أنا والدى بأنى خرجت دون إذنه للسوق .. وأقسم لأجعلنه يختصمك عند السلطان نفسه
شعر يوسف من لهجتها الصارمة أنه قد يصير فى مأزق لذا بادر قائلاً بهدوء
- ولماذا يختصمنى أبوكِ الأمير ؟ .. وأنا قصدى فيكِ نبيل .. سأطلبك للزواج من أبيك
قالها متوقعاً أن تهدأ حورية .. ولم تكن كلمة الزواج التى خرجت من فم يوسف سوى رد فعل لصياد تنازعه الفريسة ولا يقدر على الإمساك بها .. فهو يريد حورية بأى شكل حتى ولو كان الزواج .. إلا أنه وجد غضبها قد تضاعف وصاحت
- لن أتزوج بك
صمتت ثم أردفعت
- فأنا لا أريد الزواج بك أو بغيرك
- أتودين أن تصيرى عانساً
- سأنتظر أيام حتى أتمكن من القبض على القاتل .. ثم أطلبك من أبيك وسأقدم رأس القاتل مهراً لكِ
قال جملته الأخيرة وعينيه تلمع ببريق مخيف أثناء قبضه لكف يده فى الهواء .. لم تفهم حورية أن يوسف يرمى إلى شئ ما .. وبالفعل كان هناك قاتلاً فى رأس يوسف .. ترك يوسف حورية تنصرف من أمامه دون أن يمسك بها ..
شارداً مفكراً أن هناك من فى حياتها .. تُرى أيكون هو بائع الجلود .. لم تصل له أخبار تفيد أنها خرجت وقابلته بعد موضوع السوق .. حتما هناك خفاءاً فى الأمور .. أفاق من شروده على الجارية مسعودة أمامه
تقول
- سيدى .. هل تريد شيئاً آخر
فهم يوسف ما تقصد مسعودة .. تلك الجارية الجاسوسة التى تنقل أخبار حورية إلى الحراس الموالين ليوسف يخبروه ، وبالطبع مقابل الدنانير .. أخرج يوسف من سترته الجلدية صرة من الدنانير ، رفعها بيده يقذفها ويلتقطها بكفه أمام وجهها .. وفى آخر قذفة ترك الصرة لتسقط على الأرض بينه وبين الجارية مسعودة .. التى مالت على الأرض تتناول الصرة .. ثم شهقت فزعاً إثر يد يوسف تجذبها من شعرها تحت قدمية راكعة ويقول بهدوء
- يبدو أنكِ لا تقومين بعملك جيداً يا مسعودة
- كل ما تفعله الأميرة أخبر به الحراس
يخبرونك - متى آخر مرة خرجت فيه الأميرة من القصر ؟
- حين ذهبت للسوق عند بائع الجلود .. لم ارها خرجت بعد ذلك
- لم ترينها خرجت
- معنى ذلك أنك أيضاً لم ترينها لم تخرج
- هى دوماً تجلس مع مربيتها أم إبراهيم ولا تغادر القصر
- ولماذا لا تعلمى من أم إبراهيم بأسرارها
- لو قطعت جسد أم إبراهيم لن تخبرك بسريخص الأميرة
- أحكمى رقابتك لها .. فيبدو أن الأميرة تفعل ما لا أعرفه
- هذا لك. .. وسأعطيك المزيد إذا علمت منك ما أريد
إبتلعت مسعودة ريقها وشرعت تقوم من على الأرض لاهثة وإنصرفت من أمامه قابضة بيدها على صرة الدنانير .
البلاد المباركة ج 8
عادت حورية إلى غرفتها وما كادت تدخلها ، حتى أغلقت الباب خلفها وكأن أحد يطاردها ..
قررت تخبر والدها بالأمر .. فلن يغضب كثيراً من ذهابها دون إذن للسوق عند الصعاليق كما بسميهم وسيمنع عنها مطاردة يوسف بن حسيب
لكنها تراجعت تبتلع ريقها ، أنه حتماً سيطرد أم إبراهيم ويبيعها ، ويأتى بمربية, أخرى تكون له جاسوسة عليها .. لا تدرى ماذا تفعل ..
إتجهت إلى الشباك تنظر فى الحديقة تتأكد أن ذلك الكابوس المدعو يوسف قد إنصرف
.. وبالفعل وجدت
الحديقة الخلفية خالية .. ذهبت إلى غرفة أم إبراهيم وسألتها
- هل تلك الجارية التى أرسلتيها إلى محمود برسالة من قبل موثوقٌ بها
- نعم يا ابنتى .. فقدت ولدتها أمها على يدى ..
وأنا التى ربيتها .. لماذا تسألين ؟ - أريدك أن ترسليها إلى محمود برسالة قاطعتها أم إبراهيم صائحة
- كفاك يا حورية خروج فى الليل .. لقد جاء الخبر أن ابن بهلول لم يكن القاتل .. ولا يزال جنود الشرطة يبحثون عن القاتل .. أنا
أخشى عليكِ
رغم المخاطرة قررت
- لا تخشى يا أم إبراهيم
قالتها وعادت لغرفتها .. خطت الرسالة بمدادها
.. وقبل أن تلفها ، أشفقت على محمود من طول الطريق للبئر الناضبة .. فذيَّات الرسالة ب (
إنتظرنى عند نهاية طريق المدينة ) .
محمود فى غرفة داره بين جلوده واقفاً .. يكحت الوبر ويزيل الشعر من على الجلد بسكينه ممسكا
.. يتذكر ما حدث اليوم حين كان مع أحد الأعيان مشاجراً .. يفاصل على ثمن قطعة جلد باخساً .. رفض محمود أن يبيعه الجلد إلا بما يستحقه من ثمن .. سب الرجل ولعن .. ولما لم يجد مثلها عند الآخرين .. عاد إليها وبالثمن الذى حدده محمود كان الشارى دافعاً .. إبتسم محمود
متنهداً .. لكلمات المأمون متذكراً .. فعلاً العيب ليس فى الحكام وحدهم .. وإنما على العباد أن يصلحوا أحوالهم .. ماذا لو إجتمع الفقراء على كلمةٍ واحدةٍ ضد الإغنياء ..
إرتسمت صورة وجه المأمون أمام ناظريى
محمود .. ردد بينه وبين نفسه ( آه لوصار القوم المتشدقين بالكلام مثله .. لإنصلح حتماً حال البلاد ) ..حين جالت كلمة الأغنياء بخاطر محمود تذكر أحمد وما حدث بينهما من شجار ..
وجد كلماته تقفز إلى ذهنه ، (يا بائع الجلود عاشق الأميرة .. أتظن أنها تحبك ؟ .. إنها تلهو بك .. أنت واهم) .. ظلت جملة (أتظن أنها تحبك ؟ .. إنها تلهو بك .. أنت واهم ) تتردد فى أذنيه بصدى كبير ، جعل ذلك قلبه ينبض بعنف ..
إنتفخ وجهه وردد بينه وبين نفسه ( أحمد معه حق .. ما أنا إلا دُمية تلهو بها الأميرة .. تتسلى بى حتى تبدد الملل من حياتها ) .. تنهد وقد بدأت
الدموع تترقرق فى عينيه .. أحس بدفء ظهرها حين كان خلفها فوق الحصان تحت المطر ..
إنسالت من عينيه دمعة حين تذكر ذلك المشهد ..
مد ظهر يده يمسحها ، إلا أنه وجد دمعة ثانية تنسال من عينه الأخرى .. فمد ظهر يده الأخرى الممسكة بالسكين يمسح الدمعة .. كادت السكين تقطع جلد وجهه .. إنهمرت الدموع وبكى ..
إزدرد ريقه بينما حلقه يكاد يقفز خارجاً من فرط مكابدته للبكاء .. لم يدرى بنفسه وهو ينهال على جلوده تقطيعاً وكحتاً وكشطاً .. أفاق ليدرك أنه أنجز الكثير من العمل .. لقد تفجرت طاقة غضبه فى عمله .. جلس على الأرض مستنداً بظهره إلى الحائط يلهث .. وجد صورة وجهها ترتسم باهتة أمام عينيه .. ردد فى سريرته ( يبدو أن الأميرة لا تشعر بالملل هذه الأيام .. وحين تشعر بذلك ستأتى لتتسلى قليلا بالصعلوق الدمية حتى تبدد مللها ) .. إرتسمت على وجهه إبتسامة ساخرة .. أفاق من شروده على صوت طرقات على الباب .. ذهب وفتحه فوجد جارية ملثمة .. خفق قلبه وهوى منتظراً أن تكشف حورية اللثام عن وجهها .. إلا أنه
وجدها تمد يدها بلفافة ووردةٍ متفتحة .. إبتسم لها ساخراً
..تناولها هو بينما إختفت الجارية من أمامه ..
دلف عائداً .. دس بالوردة فى طيات ملابسه..
وفتح اللفافة متلهفاً .. وقرأ ما بها .. إبتسم ثم ضحك بسخرية وشرع يمزق اللفافة .. لم تتمزق لأنها من الرق المصنوع من الجلد المرن .. أسرع يحضر سكينه ومزق اللفافة إرباً .. إتخذ قراره ، لن يصير دمية تتسلى بها الأميرة بعد اليوم .
قبل منتصف الليل حسب الموعد .. كان محمود منتظراً عند نهاية طريق المدينة الرئيسى المؤدى إلى الصحراء .. إتسعت عيناه يرقب ما حوله ويرهص السمع وسط الظلام عدا بعض ضوء القمر الناقص .. سمع وقع خطوات جوادٍ يقترب ، نظر تجاه الصوت محدقاً .. رأى الجندى الملثم على الجواد قادماً .. أدرك أنها هى ، لكن دقات قلبه تتسارع مترقباً .. وصلت إليه وسمع صوتها من خلف اللثام
- هيا يا محمود
فى هذه اللحظة تعتمل به الهواجس والظنون ، وما يعلم ركوب الخيل من فنون .. فشل فى إمتطاء الحصان خلفها متوتراً .. سمعا وقع خطوات حصان, يقترب منهما .. صاحت حورية
- أسرع يا محمود
فشل محمود بسبب إزدياد توتره كلما علا صوت وقع خطوات الحصان المقتربة .. فما كان من حورية سوى أن نزلت .. وأسندت محمود
ممسكة بوسطة فنجح فى إمتطاء الحصان ..
باتت حورية خلفه على الحصان بقفزة رشيقة متمرسة من أميرة ، كانت لعشق الفروسية من صغرها أسيرة .. شدت اللجام بقوة لاكزة بطن الحصان بقدميها .. فإنطلق الجواد يعدو ..
وإنبعث الصهيل يدوى ، بينما محمود من أمامها على الحصان متشبثاً .. إنحرفت إلى أحد الدروب الضيقة التى ما كاد ذيل حصانها يختفى
فيه .. حتى وصل أحد الحراس على حصانه حيث كانا يقفان وصاح الجندى
- من هناك ؟
أسرعت حورية وأسرعت ثم إنحرفت إلى طريق آخر ووصلت منه إلى بداية الصحراء ..
صار الحصان يعدو بقدميه تغوص فى الرمال بسرعةٍ مذهلة جعلت قلب محمود ينقبض خائفاً
.. وأخيراً وصلا حيث
البئر الناضبة .. نزلت حورية وتبعها محمود مرتعشاً وسمعها تقول ضاحكة
- لقد كدنا نسقط فى يد الجنود .. يا لها من مغامرة
ردد محمود ساخراً
- مغامرة ؟
صمت يلتقط أنفاسه المتلاحقة وتابع
- أنت تبحثين عن مغامرات ألف ليلة وليلة يلتقط الأنفاس ويواصل صائحاً وهو يقترب منها بخطوات بطيئة
- الأميرة التى ملت حياة العز والقصور ..
تريد أن تعيش المغامرات التى تقرأها ..
- ما لك يا محمود ..
أنا أفعل ما أحس به ..
فقط شعرت أنى أريد أن أراك وأتحدث
إل...
قاطعها محمود صائحاً
- فقط شعرتى بالملل فأردت أن تتسلى بدميتك قليلاً .. هذا ما شعرت به .. هه
طقها محمود بعلو صوته وهو يقترب أكثر حتى صارت أنفاسه الملتهبة تلفح وجهها وواصل
الصياح
- لم أكن سأحضر .. لكنى جئت لأبلغك ..
لماذا ؟ .. ألم يكفيكم أنكم سرقتم بلادنا منا
وألقيتم بنا تحت أقدامكم تسحقون وجوهنا
بأحذيتكم الثمينة
صرخت حورية الدامعة المذهولة من كلماته
- أصمت أصمت .. أنت لا تفهمنى .. أنا ..
قاطعها محمود
- كفاك عنى .. لا يمكن للأميرة أن تكون صعلوقة .. ولا يمكن للصعلوق أن يصبح أميراً .. لكن يمكن للأميرة أن تصنع من صعلوق, دمية تلهو بها
فجأة تملكت من حورية نوبة بكاء طفولى وقالت متلعثمة وسط صوت بكائها
- أسكت .. أسك. .
قاطعها محمود الذى وصل إلى حالة فقد فيها السيطرة على نفسه وصاح
- لا أريد أن أراك. .. لا أريد أن أراك. ..
كفاكِ عبثاً بى
لم يكتفى محمود بكلماته تلك .. وإنما كان يدفع حوريه بيديه تجاه الحصان أثناء صرخاته ..
مردداً
- إذهبى عنى .. إذهبى عنى
لم يكن أمام حورية تحت دفعات يد محمود سوى إمتطاء حصانها .. ودون أن تشد اللجام أو تلكز الحصان .. إنطلق الجواد وحده مغادراً وكأنه فهم ما يحدث أمامه ، فجرى بكامل طاقته ، رهوان يسابق الزمن من خلفه
.. بينما محمود القى بنفسه جالساً على الرمال مستنداً بظهره على سور البئر .. شعر أن حلقه قد إنغلق .. والهواء لا يدخل إلى رئتيه .. كابد يلتقط أنفاسه .. دخل فى نوبة بكاء هيستيرى .. تقوقع على نفسه دافسا
" رأسه بين ركبتيه .. ثم بحركة سريعة رفع رأسه يرنو إلى العفرة التى يخلفها جواد حوريه ورائه ، والتى بدأت تتلاشى وسط ضوء القمر الخافت .. فتح فمه ينادى
- حو.. .
شئٌ ما منعه .. كرر المحاولة وصوته يرتعش
والبكاء يزداد
- حور ..
فشل .. كانت رأسه تتحرك يمينا ويساراً مضطربة كالممسوس .. وجد نفسه يهب واقفاً ويعدو بكل ما أوتى من قوة .. لا يدرى هل يريد اللحاق بها مثلاً وقد إختفت تماماً وإنتهى الأمر
.. يشعر أنه يريد أن يجرى ويجرى .. تتردد جملتها فى أذنيه ( إفعل ما تود أن تفعله يا محمود ) .. هو يود أن يجرى ويجرى .. يركض كحصان, هائج .. برزت أوردته وشرايينه وبها الدم يغلى ويفور .. منتصب القامة وقدماه تغوص فى الرمال يركض .. لم يشعر بنعله الذى إنخلع مدفوناً فى الرمال فصار حافياً ..
همَّ يصرخ منادياً عليها ، فمنع اللهاث صوته ..
قطع مسافة كبيرة .. يكاد قلبه يتوقف ، فلا
للنبضات العنيفة المتسارعة ملاحقاً .. خُيّل إلى محمود أن حورية على حصانها أمامه ، بينما هى قد وصلت إلى طريق المدينة .. أسرع أكثر وأكثر يتوهم أنه يقترب منها .. فتح فمه وإستجمع قواه وسط لهاثه العنيف وصرخ
- حوربة
سقط بعدها مغشياً عليه فوق رمال الصحراء.
*************************
ما كاد موضع البئر الناضبة يخلو من حورية ومحمود، حتى كانت عفرة فرسة نادية تقترب .. وصلت ونزلت من على مهرتها وقد صار الوقت قبيل الفجر .. خلف نقابها الأسود وعبائتها السوداء تتمشى حول البئر تفكر
.. فهذه أول مرة تصل فيها قبل هارون المتأخر .. فكت نقابها وتمددت فوق الرمال .. أغمضت عينيها تتنسم هواء الصحراء ثم فتحتها ترنوا إلى القمر الخافت .. إرتسمت على وجهها إبتسامة حين أحست بحصان, يقترب .. لم تتحرك وظلت ساكنة حتى أتاها الصوت
- لقد أفتقدتك يا نادية
هكذا قال هارون بينما نادية محدقة بعينيها الزرقاء فى السماء .. وهم أن يتابع كلماته ، إلا أنه فزع إثر إنقضاض زراعها على مؤخرة عنقه تقبض عليه بكفها ، وجذبت رأسه بقوة لتجعل إحدى أذنيه على فمها وهمست
- لماذا تأخرت ؟
إبتلع هارون ريقه بينما جحظت عيناه وقال
متلعثماً
- لقد خشيت أن يرانى أحد ممن فى القصر
خارجاً
واصلت نادية الممدة عارية همسها فى أذن
هارون
- يبدو أن جواريك قد أخذوك منى يا هارون قالتها بنبرة غيرة ودلال جعلت هارون يبتسم
ويقول
- أنا لم أرى ما يضاهيك جمالاً يا ناد.. .
قاطعته نادية قائلة بنبرة آمرة
- حان وقت الخامسة يا هارون
بدت ملامح القلق والتوتر على وجه هارون الذى قال بنبرة خائفة
- أنا لا أرى داعى لمواصلة ما نفعل .. ولا أعلم كيف تملكين كل هذا المال الذى أعطيتينى إياه ..
وكذلك تدبيرك لأمر القافلة .. ما أنتِ بجارية صمت هارون فى حين نادية ترنوا إلى السماء ولم يبدوا على وجهها أنها تسمعه .. فتابع هارون
- يمكن أن أشتريك بأى ثمن من الوزير بطريق .. وتصبحى معى فى قصرى
تدارك قائلاً
- أقصد قصرك
سحب شهيقاً سريعاً وواصل
- وسأعتق رقبتك .. فتكونى من الحرائر
- زاغت عيناه قليلا وقال
- ولماذا لا نتزوج حينها
- كان هناك رجل" مديون .. ليس معه شيئاً من النقود .. صار ثرياً وعنده جوارى وقصور
.. أتعتقد يا هارون أنه يمكن أن يعود مديوناً يتسول القروض ؟
ما إن إنتهت من جملتها ، حتى أدرات رأسها تجاهه ثم تابعت
- علينا أن نصنع العطر يا هارون .. إنه أروع ما فى الوجود
أومأهارون برأسه ساهماً فى تهديدها له ..
حاول هارون أن يتغلب على ذهنه الشارد المضطرب .. قامت نادية تلف ال**** حول
وجهها تقول
- عليك أن تحضر إلى قصر الوزير بطريق فى الغد بعد العِشاء
قال هارون
- هل الخامسة جارية أو خادمة عند الوزير
بطريق ؟
لم يبدوا على نادية أنها سمعته وتابعت
- حين تصل إلى الباب الخلفى ستجد حارساً
.. قل له أنا من أخبروك به .. سيدعك تدخل وبعدما تعبر الحديقة ستجدنى .. إشحذ خنجرك جيداً
قالتها وقد كانت إنتهت من لف نقابها .. تسائل
هارون
- وكيف سأسلخ الجلد
لم ترد نادية التى أصبحت على مُهرتها وإنطلقت تاركة هارون واقفاً.. إنتبه هارون الشارد لنفسه وإستقل حصانه إلى قصره عائداً .
دخلت حورية إلى غرفتها متسللة مسرعة
بملابس الجنود .. حيث لم تكن فى حالة تسمح لها بإستبدالها .. ألقت بالخوزة وفكت السيف ..
وإرتمت على السرير منهارة فى بكاء متواصل
.. لم تسمع أم إبراهيم التى رأتها عائدة وتتسائل عن حالها .. مر الوقت ووجدت نفسها تهداً وتتوقف عن البكاء .. عادت كلمات محمود تتردد على مسامعها .. بدأ عقلها المشلول يستعيد الحياة .. فعلاً هى تتسلى بمحمود .. رأت عنده ما بدد حزنها وكآبة حياتها .. معه حق .. لقد شعرت معه أنها تحيا ما تقرأه من قصص ومغامرات .. هذه الحقيقة .. هى الأميرة التى إتخذت من الصعلوق دمية تلهيها .. لكن قلبها نبض بعنف وكأنه يقول لها شيئاً .. عاودت التفكير .. لا .. إنها تحبه .. أم تحب مغامرتها معه ؟ .. الصعلوق والاميرة ، يا لها من قصة قديمة .. أغمضت عينيها ثم وجدت نفسها تفزع واقفة وتلم شعرها .. نسيت إرتداء الخوزة والسيف .. وهرعت عارية الرأس تعدو فى الفجر.. وعلى حصانها لم تكن تدرى بما حولها من أمر.. لم تسمع أم إبراهيم تسأل
- أين أنتِ ذاهبة ؟
إلى أين ؟ .. حقاً هى لا تدرى .. لا تعى .. هناك من يقودها .. بالفعل هناك شئٌ يقودها .. إسمه .. الحب .
كان لكمية الأدرينالين المفرزة فى ددمم محمود بسبب المجهود الهائل الذى بذله ذهنياً وجسدياً ، أثراً كبيراً فى أن يفيق من غيبوبته سريعاً .. قام ليجد نفسه ممدداً على الرمال .. لا يدرى ما الذى جاء به هنا .. ظل عقله يعمل متذكراً ما الذى حدث ؟ .. تذكر أن حورية ركبت حصانها وذهبت .. ومن بعدها لم يدرك شئ .. حافيا خطوات متعثرة تصتك أرجله ببعضها سائراً وصل إلى داره بين اليقظة والمنام .. وقد صارت باطن قدميه مهترئة تنزف مما أصابها من جروح من خُشاش الأرض .. ألقى بجسده على الفرشة بين الصحو والأحلام .. بينما
صوت أمه يدوى
- أين كنت يا محمود ؟
البلاد المباركة ج 9
عبلة راقدة على سريرها المهترئ فى دار أبويها الفقراء .. وجهها مصفر شاحباً ، والهالات السوداء تغطى عينيها .. أفاقت لتجد أحمد ممسكاً بيدها وقد غطت الدموع وجهه .. بينما أبويها يتابعان والوجوه مكفره ، قالت أم عبلة صائحة
- النزيف لم يتوقف منذ ليلة الأمس ..
سأشتكيكم عند القاضى
لم يرد أحمد وخرج من الدار مسرعاً .. ركب حصانه وأسرع إلى إحدى ضواحى المدينة يُحضر ابن رشاد أشهر من يمارس الطب فى البلاد ، وقال أحمد محدقاً فى لهفة فى وجه ابن الرشاد العجوز بلحيته البيضاء الكثة
- زوجتى حامل وسقطت من أعلى .. ولا تزال تنزف من الأمس .. هلا أسعفتها يا ابن رشاد
رد ابن رشاد بهدوء
- انتظر قلبلاً
قالها ابن رشاد وهو يتجه إلى أدواته .. وصنع خلط الرشاد وهو مزيج من العسل مع الكمون والمرّة والحلتيتة والحلبة والزعفران .. صب المزيج فى قنينة فخارية ، ثم تناول بعضاً من أعشاب المردقوش و والزعتر والكاموميل ..كذلك أخذ زجاجة بها بعض زيت الزيتون مع بعض حصى اللبان .. جمع ابن رشاد كل ذلك فى حقيبة جلدية وقال
- هيا بنا يا بنى
حمل أحمد ابن رشاد النحيف ووضعه على حصانه وركب هو خلفه وإنطلق حيث عبلة التى دخلت فى غيبوبة .. تفحص ابن رشاد بطن عبلة بكفه وضغط عليها بضع ضغطاتٍ ثم قال
- لقد راح حملها
قالها فى الوقت الذى كان يشلح فيه ثوبها .. طلب من أم عبلة تنظيف مابين فخذيي ابنتها ، ففعات .. ثم أمرها أن تحضر شيئاً تضعه تحت مؤخرتها ليصير نصفها السفلى عالياً .. بعد ذلك شرع ابن رشاد فى إدخال عنق القنينة الفخارية بمهبل عبلة وصب فيه خلط الرَشاد ، ثم قال وهو ينهض من بين فخذيها موجهاً كلامه لأمها
- لا تجعليها تتحرك من وضعها ذلك قبل حلول العشاء .. يجب أن يظل مزيج الدواء
فى فرجها ، ولا يسقط منها إلا بعد حلول لمساء حتى يتوقف النزيف
مد ابن رشاد يده لأم عبله بقنينة وبعض
الأعشاب قائلاً
- إغلى هذه الأعشاب فى الماء ثم إمزجيها بزيت الزيتون هذا .. وإجعليها تشرب بعضا
" منه فى الصباح ، وكثيراً منه فى المساء ..
سيجعل ذلك ألمها يزول
إنصرف الطبيب ابن رشاد .. وأوصله أحمد إلى داره بعدما أجزل له العطاء .. عاد أحمد مسرعاً
وإلى جوار عبلة كان واقفاً .. فتحت عينيها ..
أدركت وجوده فأشاحت بوجهها عنه .. سمعته يقول
- أنتِ لازلت زوجتى .. لقد رددتك إلى عصمتى يا عبلة
تلعثم قليلاً ثم تابع
- ثم أن يمين الطلاق لن يقع .. لأننى كنت مضطر تحت وطأة غضب أمى
قالها أحمد وقد لمح إبتسامة شاحبة على وجه عبلة ، وكذلك أمها تتغامز بفمها ، فأراد أن يبرر موقفه وقال
- وبالوالدين إحساناً .. لقد كنت أهادنها لحظة غضبها
صمت برهة يبتلع ريقه مقطب الحاجبين
وواصل
- أنتِ صفعتها على وجهها كثيراً يا عبلة وأسقطيها أرضاً .. بعدما ستهدأ أمى ..
سأصلح الأمور
وجد أحمد عبلة الواهنة الراقدة ونصفها الأسفل مرفوعاً على كومة من الهلاهيل الممزقة ، وقد أشاحت بوجهها بعيداً لا تريد أن تراه .. فإتجه ناحية أمها ومد يده بصرتين منتفختين من الدنانير وقال
- هذا المال سيكفى حاجتكم لمدةٍ طويلة ..
إبتاعى لعبلة الكثير من الطعام والشراب والفاكهة .. وإجعليها تأكل جيداً حتى تستعيض ما فقدته من الدماء
أرادت عبلة أن تطالب أمها بعدم قبول المال ..إلا أن حالتها لم تسمح بالنطق .. إنصرف أحمد
قائلاً
- سأحضر بعد العشاء أطمئن عليها
بعد العشاء ما كادت أم عبلة تفتح الباب وتجد أحمد أمامها حتى صاحت - عبلة لا تريد أن تراك .. إنتظر
أسرعت أم عبلة تحضر المال تناوله لأحمد قائله
- تقول عبلة لك .. لا نحتاج صدقةٍ من أحد
ردد أحمد - صدقة ؟ .. إنها زوجتى صاحت أم عبلة فى وجهه
- زوجتك ؟ .. لقد طلقتها وكادت أمك تقتلها ..
حين تقوم ابنتى من رقدتها سيكون لنا معكم
شأنٌ آخر
يعلم أحمد أن أبوى عبلة تركوا عملهم فى السوق بعدما تزوج من عبلة وينفقون مما يعطيهم هو من مال .. فكما قال أبيه لا يصح أن يكون نسب ابن الأعيان بائعى لبن فى السوق .. وقال
- لقد رددت عبلة إلى عصمتى .. هى زوجتى شرعاً .. وهذا المال ليس بصدقة
قاطعته أم عبلة
- لم تعد زوجتك .. وخذ مالك وإنصرف
رد أحمد متلعثماً
- وحتى لو كان ذلك .. لها حقوق عندى ..ألم يجعل لها الشرع نفقة عندى .. دعينى أراها ودون أن يتلقى رداً إندفع داخلاً يزيح أم عبلة التى تسد الباب من أمامه .. إلى جوار السرير الراقدة عليه عبلة على جنبها متقوقعة ، كان أحمد واقفاً .. إنحنى تجاه رأسها يقول
- عبلة ..أنا أحبك .. أنت زوجتى .. لن يفرق بيننا شئ
واهن
- وهل ستعيد لى إبنى ؟
أسرع أحمد يقول بحماس - سيخلف اللـه علينا يا عبلة
ابتسامة ساخرة شاحبة إرتسمت على وجه عبلة
وهى تقول
- لقد إنتهى ما بيننا يا أحمد صاح أحمد و عيناه تتسع
- لا يا عبلة .. أنت تعلمين كم أحبك
- الحب وحده لا يكفى يا أحمد .. المرأة تحتاج لرجل, يحميها .. وأنت لم تقدر على حمايتى .. انت ط.. .
- أنا منشغل" ليل نهار يا عبلة كى أصلح أحوال تجارتى .. فأحوال البلاد تسوء ..
وتكسد معها تجارتى .. لقد جمعت كل المال وتدبرت أمر قافلتين فى الطريق ..
وسينصلح بعدها الحال .. سأشترى داراً نعيش فيه وحدنا بعيداً عن أمى وقصر أبى ضحكة خافتة تخرج من فم عبلة وتقول
- لن تستطيع أن تفعل ذلك يا أحمد
- بل سأفعل يا عبلة .. كونى عوناً لى .. لا تتركينى وحدى
- أنت طيبٌ يا أحمد .. لكنك ضعيف ..
والضعيف لا يصلح أن يكون رجلاً شرد أحمد فى كلمات عبلة الأخيرة .. ولكنه لم يحزن .. لماذا ؟ .. لأنه نفسه يشعر بذلك .. كثيراً ما تمنى لو خلقه اللـه رجلاً جريئاً لا يستحى من أتفه الأمور .. كثيراً ما تمنى لو كان مثل صديقه محمود .. أفاق من شروده على صوت عبلة
- إذهب يا أحمد وإرعى تجارتك .. سأقبل منك المال هذه المرة .. لكن إنسى أنك تزوجتنى يوماً .. ولا أريد منك شئ
قالتها عبلة وهى تعيد دفس رأسها فى فرشتها وسمعت أحمد يقول
- سأتركك حتى تهدأين يا عبلة .. إعلمى أنك.
لازلت زوجتى شرعاً .. حين أشترى الدار بعدما أفرغ من أمورى بعد أيام .. سأحضر
لأخذك
قالها أحمد وهو يميل برأسه ليطبع قبلة على جبين عبلة .. شعرت هى بذلك فمدت يدها وقد تباعدت أصابع كفها على صدره تمنعه من الإقتراب منها .. لحظات من الزمن تشابكت فيها عيون أحمد المبتلة بالدموع مع عيون عبلة الواهنة من التعب .. إنتصرت عيون أحمد حيث أزاحت عبلة يدها .. مفسحة الطريق أمام أحمد الذى واصل الإقتراب من رأسها وطبع قبلة حانية" على جبينها .. ثم إنصرف من أمامها مغادراً .. بينما هى تحدق فى الفراغ وأمام عينيها وجهان يتصار عان .. وجه أحمد .. ووجه محمود .
************************
كان محمود بين الصحو والمنام ملقى على ظهره فوق الفرشة ، بعدما عاد من لقاء حورية .. لا تطرف عيناه فى سقف الدار محدقاً .. وفجأة أفاق على صوت طرقات محمومة على الباب .. لا يقوى بجسده المنهك على النهوض .. سمع صوت أمه من غرفتها تصيح
- من الذى يطرق بابنا الفجر ؟
توقفت الطرقات بعد سؤال أمه .. نهض محمود
متثاقلاً يفتح الباب متخدلاً .. وجد حورية وشعرها متناثر فوق كتفيها .. وعيناها مفتوحة على آخر هما تحدق فى وجهه وكأنها تستعيد ذاكرة مفقودة .. ألقت بنفسها على صدره وإنهمرت دموعها
.. بينما محمود واقفٌ متجمد وزراعاه مرتخية على جانبيه .. إستجمع قواه كمشلول يكابد لتحريك زراعيه، وصل بهما حتى ظهر حورية .. جاهد من أجل أن يحيطها بزراعيه .. جاهد وكابد حتى تمكن من إحتضانها بقوة .. أمسك رأسها يجعلها على كتفه ووضع رأسه على كتفها وبادلها البكاء .. صوت من داخل الدار يصيح
- ماذا هناك يا محمود ؟
هكذا سألت أم محمود .. فأدركت حورية أنهما لا يزالا على الباب .. دخلت ومعها محمود وأغلقت الباب وقالت وهى تمسح دموعها
- أنا جارية فى قصر الأمير غسان يا أم
محمود و
قاطعتها أم محمود صائحة
- وماذا تريدين بعدما فعلتم بابنى ما فعلتموه من قبل ؟
ردت حورية بهدوء
- أنا ساعدت محمود لينجو .. فلا تخشى عليه
منى - ما لنا نحن وجوارى القصور .. وما هذه الملابس التى ترتدينها
- لقد أردت أن أطمئن على محمود .. فخرجت من القصر متخفية" هكذا
- إبتعدى عن محمود ايتها الجارية
- على رسلك يا أمى .. هى ستبقى معى قليلاً
وتنصرف
واصلت أم محمود صياحها مندهشة
- وما الذى بينك وبين تلك الجارية .. ليست
منا ولسنا منها
إتجه محمود صوب أمه ووضع يده حانياً على كتفها وقال
- أنا أريدها أن تبقى معى يا أمى .. لا تقلقى ..
عودى إلى نومك
حدقت أم محمود قلقة فى وجه ابنها تدير نظراتها بينه وبين حورية التى كانت تنظر إلى الأرض متشاغلة ، وقالت أم محمود
- لن يُغمض لى جفن حتى أعرف ما يحدث يا محمود
بنظرة إستعطاف سددها محمود لعينيي أمه قال
- إذهبى لنومك الأن .. وفى الصباح سأحكى معك .. أرجوك يا أماه
إمتثلت أم محمود لرجاء ابنها ودلفت لغرفتها لا لتنام ولكن لترهص سمعها عسى تفهم مايدور بين إبنها وبين تلك الجارية .
جلست حورية على الفرشة وبدا لمحمود أن زى الجنود الذى ترتديه حورية يعيق أريحيتها .. فأحضر جلباباً من ملابسه وقبل أن يقول شيئاً ، كانت حورية قد قامت وأخذته من يده .. وتحت ضوء نار القنديل القديم الوحيد المشتعل رأت أم محمود المتلصصة وسط ظلام غرفتها حورية وهى تخلع زى الجنود ثم ترتدى جلباب ابنها
.. جلست حورية إلى جوار محمود تتفحص الجلباب الرجالى ..ضحكت بخفوت تقول
- كم وددت أن أرتدى جلباباً كه..
بترت جملتها تنقل عينيها من على الجلباب إلى وجه محمود تخشى أن يكرر ما قاله لها فى الصحراء .. قرأ هو نظرتها المترقبة ، فرد عليها بنظرةٍ باسمة .. إبتسمت حورية لتلك
النظرة وقالت
- ما قلته لى يا محمود غير صحيح .. ما أنا بالأميرة التى تلهو باللوق .. أنا الأميرة
التى أحبت رجلاً دون أن تنظر إلى أية قيود
.. أقسم لك
صمتت ترقب وجه محمود ونظراته المتشككة وعلت حاجباها فى جاذبية أنثوية وهى تهمس
- أنا أحبك يا محمود
كانت أم محمود فى هذه اللحظة قد إعترى قلبها خوفٌ رهيب ، حين سمعت الحوار الأخير .. لم تعد ترغب فى سماع المزيد .. رقدت على سريرها مفتوحة العينين ولم تعد تسمع ما بالخارج .. ولا تريد أن تسمع .. فى الوقت الذى كانت حورية .. ترنوا إلى وجه محمود خائفة تترقب .. لم ترى على وجهه أية أثر لما قالته فرددت
- أنا أحبك يا محمود .. هل تصدقنى ؟ أخيراً نطق محمود بصوت مختنق بعض الشئ جالساً يحيط ركبتيه بزراعيه - أصدقك يا
حورية
دفعت نبرته التى نطق بها الجملة حورية لتقول
- ألا تحبنى يا محمود ؟
إبتسم محمود وتغيرت تعبيرات وجهه وقال
- الآن فقط تداركتى
- تداركت ماذا ؟
- لم أشعر من قبل أنك تهتمين إن كنت أحبك أم لا .. قلتى لى فى المرة السابقة أنك حبيننى .. لكنك لم تسألينى إن كنت أحبك أم لا ؟ .. شعرت أن ذلك لا يشكل فرقاً عندك تفاجأ محمود بحورية تضحك ببرائة وقالت
- لم أكن أسألك عن ذلك .. لأننى قرأته فى عينيك وأنت تنظر لى .. وأحسسته على شفاهك فوق فمى .. وشعرت به فى صدرك وأنا بين يديك تحتضننى .. لم أسألك لأنى كنت أود أن تقولها أنت
- أنا أحبك يا حورية
لم تتبدل ملامح حورية وقالت
- لو كنت تحبنى لفعلت مثلى
قالتها وهى تشير إلى معصم يدها .. نظر محمود حيث أشارت حورية .. فوجد المنديل الذى عليه
دمه مربوط على معصم حورية .. وسمعها
تواصل
- ألم أقل لك أنه إذا تبادل حبيبين دمائهما فلن يفترقا
قالتها ومحمود يخرج من طيات ملابسه قطعة الطرحة التى عليها ددمم حورية .. حدقت حورية فى وجهه وقالت
- دمائنا جمعتنا ولذا فنحن لم نفترق صمتت وعيناها تتلألا تحت الضوء الأصفر الباهت المتراقص فى المكان وهمست بخفوت
- أريد أن أتزوجك يا محمود
قام محمود بوضع شفتيه على شفتيها وتركهم .. ردت هى بفتح فمها قليلاً .. إستجاب هو بدس شفتيه فى فمها مهيلاً .. قضمت هى شفتاه بشفتيها قليلا"
.. فجأة توقفا .. نظرت حورية فى وجه محمود باسمة وقالت
- أنا أهب نفسى زوجةً لك
زاغت عيون حورية على وجه محمود وتابعت بهمس تثبت عينيها على عينيه
- أو حتى جارية
قالتها لتجد محمود يمسك برأسها بين راحتيه ويقول
- إذا كنا إتفقنا على أن نحيا ساعتنا ولا نفكر فى شىء آخر .. فعلينا ألا نجعل ساعتنا تنسينا ما بيننا
صمت يرنوا فى عينيها وتابع
- لقد إنقضى الفجر .. عليك أن تعودى إلى قصرك قبل أن يكتشف أحد أمرك
قالها محمود وهو ينهض وتبعته حوريه وإرتدت زى الجنود .. أحضر لها محمود طرحة من ملابس أمه .. إرتدتها حورية سعيدة بها .. وقالت
- أريد أن أراك عند البئر الناضبة يا محمود فى الغد كما الوقت
رد محمود مندهشاً
- قد ينكشف أمرك فى القصر
- سأتدبر أمرى .. سأمر لآخذك من نهاية
طريق المدينة - يمكننى الذهاب إلى الصحراء وحدى
- المشوار طويلٌ عليك .. كفاك أنك عدت كل هذه المسافة وحدك
بعدما غادرت حورية رقد محمود على فرشته وأخرج من جيب جلبابه الوردة التى كانت حورية قد أرسلتها له مع رسالتها .. أمسك بالوردة الممزقة بين أصابعه يفركها .. وما أن إشتم ، نام على أريجها .
إستيقظ فى الصباح على صوت أمه توقظه ليحمل جلوده ويمضى إلى السوق ، بالكاد فهمت منه وسط غيابات النوم التى تغرقه أنه متعب ولن يذهب للعمل اليوم .. صحا على الظهر ووجد أمه تعد الطعام .. إغتسل وأعدت له أمه بعض الطعام .. وأثناء تناوله للطعام كانت أمه تحدق فى وجهه وقالت
- محمود .. الفتاة التى كانت هنا بالأمس ..
أهى تلك الأميرة التى لطمتك ولطمتها وحدث لك فى قصرها ما حدث ؟
لم يرد محمود وظل يقضم قطع الخبز ، فتابعت أمه
- محمود .. أنا أخشى عليك يا بنى فقد
سمعتكما بالأمس .. تزوج يا بنى من واحدةٍ منا وإبتعد عن تلك الأميرة .. فمالك بأهلها إذا علموا وأرادوا بك شراً
تنهد محمود وهو يبتلع طعامه وقال وهو ممسك بقلة فخارية بيده
- لا شئ يا أمى .. لا تقلقى علىَّ قالها ثم رفع القلة يشرب وسمع أمه تواصل
- عبلة
- تطلقت عبلة من ابن الأعيان .. وسقط حملها بعدما ضربتها أمه
سحبت أم محمود نفساً عميقاً وتابعت
- لماذا لا تتزوجها يا محمود ؟ .. لقد ألححت عليك لتتزوج بها قبلما يحدث ما حدث ..
إترك ما تفعله مع هذه الأميرة يا بنى وتزوج
عبلة
لم يرد محمود وقام إلى غرفة الجلود وإنتقى بعضاً مما صنع ثم حملها على كتفيه وخرج من الدار قائلاً
- أنا ذاهبٌ إلى السوق يا أمى .. عسى اللّٰه أن يرزقنى عن ما فاتنى من الصباح
وبالفعل منّ اللـه على محمود بالرزق الوفير رغم ذهابه للسوق بعد الظهر .. فقد باع كل بضاعته .
حيث ما كاد محمود يعد فرشته ويستف جلوده حتى وجد المأمون أمامه يقول بصوته الوقور
- كيف حالك يا محمود ؟
نهض محمود مسرعاً يحيي المأمون وقال
- أهلاً بك يا سيدى
رد المأمون محتداً مقطب الحاجبين
- أنا لست سيدك .. نادنى ب مأمون
نظر محمود بخشوع لوجه المأمون بقسماته
المريحة وسمعه يواصل
- كنت أمر بالسوق أنظر أحوال الناس والعباد ..
وحين رأيتك جنت أسلم عليك .. لكنى أود أن أبتاع منك الجلود
قالها وهو يشير بأصبعه لرجلين من حوله ..
أسرعا بحمل الجلود من أمام محمود ، بينما المأمون أخرج صرةً كبيرة من الدنانير ومد يده بها لمحمود الذى قال
- هذا كثيرٌ يا سيدى
- أنا لا أبخس حق شىء أشتريه .. هذا حقك ..
وأنا لست بسيدك .. السلام عليكم
رجلين من حوله محملين بالجلود .. بينما محمود
ممسك بصرة الدنانير وعلى وجهه علامات الفرح والسرور .
عاد محمود لداره سعيداً يصنع المزيد من الجلود حتى حان الموعد .. سار على قدميه حتى وصل إلى نهاية طريق المدينة .. فزع محمود حين رأى جندياً يقف هناك ، فى المكان الذى يتقابل فيه مع حورية ..
أراد أن يوهم نفسه بأن الجندى على حصانه ما هو إلا حورية سبقته رغم أن الوقت لم يحن .. إقترب وإتضح له أن الجندى غير ملثم الوجه .. فلا يمكن أن يكون حورية .. دار بجسده مبتعداً فسمع الصياح
- إنتظر أيها الرجل
فكر محمود لبرهة أن يجرى .. إلا أنه أدرك أنها ستكون مطاردة غير متكافئة .. تجمد مكانه حتى أدركه الجندى الذى دار حوله بحصانه وقال بصوت خشن ونبرة مخيفة
- من أنت ؟
إزدرد محمود ريقه وقال بصوتٍ واهن
- كنت أتمشى عائداً لدارى
نزل الجندى من على حصانه قابضاً بيده على مقبض السيف المستقر فى غمده ، ينظر إلى وجه محمود الذى يرنو للأرض بين الحين والاخر .. أضاق الجندى عينه اليسرى وهو يتفحص ملامح محمود ، فما لبث أن إتسعت عينيه و علا حاجبه الأيسر وقال
- ما أسمك ؟
- محمود
- وماذا تعمل ؟
- أصنع وأبيع الجلود فى السوق
- عُد إلى دارك ولا تخرج هكذا فى الليل قالها الجندى فى الوقت الذى ما كاد محمود بسمع جملته حتى ولى من أمامه مغادراً بخطوات مسرعة .. بينما إمتطى الجندى حصانه يلكزه بقوة صائحاً
- هع
وصل الجندى إلى أحد زملائه وقال
- إذهب إلى دار القائد يوسف ..وأخبره أن بائع الجلود الذى كان قد قبضنا عليه من قبل ذلك الذى كانت معه ابنة الأمير غسان فى السوق .. يبدو أنه يفعل شيئاً مريباً عند طريق المدينة .. وأنا سأقتفى أثره
كان قلب محمود يدق بعنف .. توقف عن السير فجأة .. يتسائل ماذا يفعل ؟ .. حين تحضر حورية ستجد الجندى أمامها .. سينكشف أمرها فكر أن يهرع حيث قصرها .. لكن ماذا سيفعل هناك .. وأنها الآن بالتأكيد فى الطريق .. وجد نفسه يدور فى الدروب والطرقات حتى عاد إلى المكان الموعود .. إختفى خلف جدار دار، وسط الظلام يرقب .. فلم يجد الجندى واقفاً .. ظن أنه ربما يكون قد إنصرف وإنتهى الأمر ..بخطوات ، حذرة سار حتى موضع اللقاء .. يتلفت حوله خائفاً .. تحول خوفه إلى هلع حين سمع وقع خطوات حصان, يقترب .. جرى يختفى بناصية الطريق .. ولما رأى الجندى الملثم وصل إلى المكان الموعود يتلفت حوله يبحث عن شئ ، أدرك أنها حورية المتخفية بزى الجنود .. أطلق ساقيه نحوها وقفز فوق الحصان خلفها .. نجح من المرة الأولى لأول مرة .. قال متوتراً
- هيا يا حورية أسرعى
إمتثلت حورية تشد اللجام وتلكز بطن الجواد بقدميها فينطلق ، وسمعها محمود وقد إخشن صوتها خلف اللثام الذى يغطى نصف وجهها
- ماذا حدث يا محمود ؟
- كان هناك جندى يحرس الطريق .. لكنه إنصرف قبل مجيئك بقليل
ينظر خلفه بين الحين والاخر .. وهكذا نجا محمود وحورية .. كما ظن محمود .. ولكن الأمر لم يكن كذلك .. كان الجندى ورائهما على مسافةٍ لا تسمح لهما أن يشعرا به وسط الظلام .
وصلا إلى البئر الناضبة ونزل محمود قائلاً
- لقد ظننت أن أمرنا قد إفتضح .. لم أصدق حين تركنى الجندى أمضى ، ومضى هو فى طريقه .. حين كان ينظر لى شعرت أنه
يعرفنى
عكس محمود المتجهم ، كانت حورية تبتسم بعدما نزلت من على ظهر الحصان .. وما أن أنهى كلامه حتى ضحكت وقالت
- ليتنى كنت معك لأرى شكل وجهك أمام
الجندى
حدق محمود فى وجهها ورد بنبرة ساخرة
- شكل وجهى ؟ .. أهذا كل ما يهمك وكأنها لم تسمع شيئاً من محمود تابعت
ضحكاتها وقالت
- عندى حل .. ما رأيك أن أهديك حصاناً تحضر به إلى هنا لنتقابل ؟
- أتسخرين منى ؟
- أنا لا أسخر منك يا محمود .. بل سأفعل رد محمود وقد هدأت نبرة صوته
- وما لصعلوق, مثلى بركوب الخيل تراجعت حورية للوراء من أمام محمود وفردت زراعيها فى الهواء جاعلة راحتيها المفرودة تجاه السماء وقالت باسمة
- أنا الأميرة التى ستجعل من الصعلوق.
فارساً
من محمود وأمسكت بيده تجذبه تجاه الحصان ..
مدت حورية يدها تتحسس الحصان الذى إرتعش جلده تحت يدها الناعمة وقالت
- قال الجاحظ يا محمود لم تكن أمة قط، أشد عجباً بالخيل، ولا أعلم بها، من العرب.. ألا تعلم يا محمود أن الخيل لها دورُ بارزٌ في حياة العرب.. وتركت أبلغ الأثر في لغتهم وأدبهم وطباعهم ..وألهبت أخيلة الشعراء، فتغنوا بشجاعتها ورشاقتها وخيلائها.. وحفظ العرب أنسابها، بقدر ما حفظوا أنسابهم
أراد محمود أن يقول شيئاً حتى لا يبدو جاهلاً أمام حورية فقال
- يقولون أن عز المرء ثلاث .. زوجة صالحة .. وحصانٌ أصيل .. وسيفٌ بتار
قالها محمود كما لو كان عالماً ببواطن الأمور حيث كان يحرك رأسه لأعلى وأسفل كواثقٍ فى نفسه .. فباهتته حوريه سائلة
- هل تعلم يا محمود قصة الخيول عند العرب ؟ ودون أن تنتظر رداً واصلت
- كانت الخيول يا محمود وحشيةً وغير
مستأنسة .. وأول من إعتنى بها هو نبى اللّٰه إسماعيل عليه السلام حيث سخرها اللّٰه له ..
وجاء من بعده نبى اللّٰه داود الذى كان شغوفاً بالخيل .. وورث منه ابنه سليمان عليه السلام ألف فرس
ذات يوم كان سليمان عليه السلام يستعرض
الألف فرس .. وشغله ذلك حتى غابت
الشمس ، وأدرك فوات الصلاة بعدما تفحص تسعمائة فرس .. ففزع يصلى ثم عاد يكمل تفحص المائة فرس, الباقية وقال (هذه المائة أحب إلى من التسعمائة التى فتنتنى عن ذكر ربى ) .. وهذا تفسير قوله تعالى ( ووهبنا لداود سليمان ، نعم العبد إنه أواب ..إذ عُرض عليه بالعشى الصافنات الجياد ، فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بال**** .. ردوها علىّ فطفق مسحاً بالسوق والأعناق )
قالتها حورية وهى تتحسس ظهر حصانها هائمة العينين .. أفاقت حورية على صوت محمود
يقترب ويتحسس الحصان قائلاً
- وأكملى وماذا حدث ؟
ردت حورية بضحكة وقالت
- هل تعلم أول فرس إنتشر فى العرب ؟
- يبدو أننى إلى جوارك لا أعلم شيئاً
قالها محمود مبادلاً حورية الضحك وقالت
هى
- أنت لا تقرأ مثلى يا محمود صمتت تسحب نفساً ثم تتابع
- هو زاد الراكب .. فقد كان هناك قوماً من الأزد من بلاد عُمان .. ذهبوا إلى سليمان عليه السلام يتعلمون منه أمور دينهم ودنياهم ..
سليمان لهم بفرس من خيل دواود .. كان هذا الفرس يا محمود هو زاداً بالفعل.. حيث لم يكن أحد يركبه ويحمل رمح ، إلا وتمكن من صيدٍ يكفيهم ويشبعهم .. فقال الأزديون ما لفرسنا هذا اسم سوى زاد الراكب .. وكان هذا أول فرس إنتشر بين العرب من تلك الخيل
صمتت حورية ووجهت نظرها على وجه
محمود وقالت
- الان علمت تاريخ الخيل .. هيا أعلمك كيف تصير فارساً .. أنظر لى كيف أمتطى
الحصان
شاهد محمود حورية كيف تمتطى الحصان بأكثر من طريقة .. تارةً وهى واقفة إلى جواره ..
وتارة وهى تجرى من على بعد خطوات ثم تقفز عليه .. ثم قالت لاهثة
- هيا يا محمود .. إفعل مثلما فعلت فشل محمود فى أول محاولة حيث تحرك الحصان من موضعه فإختل توازن محمود وسقط أرضاً .. لتضحك حورية عليه ، وينهض هو غاضباً يقول
- علام تضحكين ؟
- الحصان يا محمود له حاسه تمكنه من الشعور بالخطر .. وكذلك تمييز صاحبه ..
وهو لا يعرفك فرفض أن تمتطيه .. عليك أن تجعله يز عن لك
لم يرد محمود وإكتفى بنظرة مفادها كيف ..
تابعت حورية
- إقترب من رأسه يا محمود وأنظر فى عينيه وإمعن فيها
فعل محمود حيث أمعن النظر فى عين الحصان تحت ضوء القمر المكتمل بدراً .. سرعان ما رفع الحصان برأسه وأصدر صهيلاً عالياً ، محركاً قدميه الأمامية .. وشعر ذيله يتناثر فى الهواء .. فقالت حورية
- هكذا يا محمود كانت نظرة عينيك .. رأى الحصان فيها خوف وضعف .. فتمرد عليك ..
إمعن النظر فى عينه بنظرةٍ قوية ومسيطرة
تنهد محمود بزهقٍ وقال
- يبدو أننى لا أنفع سوى أن أكون صعلوق ..
مال أمثالى بالفروسية
قالها وهو يمعن النظر فى عين الحصان بنظرة قوية ومسيطرة جعلت ملامح وجه محمود تتقلص .. سرعان ما طأطأ الحصان رأسه إلى الأرض ولامس فمه رمال الصحراء .. وذيله مرتخى على مؤخرته .. وصاحت حورية
- أرأيت .. هكذا شعر بنظرتك القوية فإستكان لك .. إمتطيه الان
إعتلى محمود الحصان المستكين له وأستقر فوقه
.. إبتسم قائلاً
- ربما أفلح فى أن أكون فارساً
قالها وهو يشد اللجام فسار به الحصان حثيثاً ..
ضحك محمود سعيداً بعدما نجح فى أول دروس الفروسية .. وقال
- هل أصبحت فارساً الآن ؟
ما كاد ينطقها حتى ثار الحصان وقفز بقدميه
الأمامية لأعلى فكاد محمود يقع إلا أنه تشبث جيداً .. ضحكت حورية وقالت ساخرة
- نعم الآن أصبحت فارساً يا محمود
تنهدت بعد الضحكات وقالت
- لا تبقى اللجام مشدوداً بين يديك .. فذلك يجعل الحصان يثور مثلما فعل .. بعدما يسير بك الحصان إرخى اللجام .. وعندما تريده أن يزيد سرعته إجذب اللجام وإرخيه بتتابع سريع ، وإلكز بطنه بقدميك .. وحيث تشد اللجام سيغير هو الإتجاه .. وعندما تريد أن توقفه إجذب اللجام بقوة وابقيه مشدوداً فعل التلميذ ما يسمعه من معلمته .. وبدأت سرعة الحصان تزداد وتزداد وهو يدور حول
البئر .. أراد محمود أن يجعل حورية ترى فارسها .. فلكز باطن الحصان بقدميه مع تتابع جذبه وإرخائه للجام .. فإنطلق الحصان مبتعداً يعدو .. شعر محمود بهواء الصحراء يدغدغ وجهه بسبب سرعة الحصان .. أغمض عينيه ووجد نفسه يبتعد ويبتعد عن حورية .. فقد السيطرة على الحصان .. ماذا يفعل ؟ .. جذب اللجام تجاه اليمين بقوة فإستدار الحصان بعنف ..
إختل محمود ومال جسده يساراً ولم يبقى على ظهر الحصان سوى رجله ويده اليمنى المتشبثة بالسرج .. تمكن محمود بمعاناة من إعادة نفسه على ظهر الحصان وقد صار فى الطريق الصحيح عائداً حيث البئر .. وحين إقترب جذب اللجام خفيفاً وأبقاه مشدوداً .. فأبطأ الحصان من سرعته .. ثم جذب محمود اللجام فتوقف الحصان عند البئر .. ضحك محمود سعيداً
منتظراً ما سوف تقوله حورية ..إلا أنه لم يجد حورية .. ظل يدور برأسه فى جميع الإتجاهات .. لا يرى أثراً لها .. ورغم ضوء البدر إلا أن مجال الرؤية محدود بالنسبة له بسبب إتساع الصحراء الشاسعة .. نزل محمود من على الحصان يلهث متلهفاً وجسده يدور فى كافة الإتجاهات يصيح
- حورية .. حورية
علا صوته أكثر
- حوريية .. حوريية
جحظت عيناه وإنتفخت أوردة وجهه يصيح
- حوريييسية .. حوريسيسيسيية
لم ترد حورية .
فى هذه الأثناء وقد إقترب الوقت من الفجر ..
*****************************
إستيقظ يوسف فى غرفة نومه على صوت إحدى جواريه تلكزه فى كتفه قائلة
- سيدى .. سيدى .. إستيقظ
- ماذا تريدين يا جمانة ؟
- جندى بالخارج يقول أن هناك أمراً هاماً ..
لا يحتمل التأجيل للصباح
نخر يوسف وقال
- دعى هذا الغبى يدخل
همت جمانة بالذهاب للسماح للجندى بالدخول وقبل أن تعبر باب الغرفة .. سمعته يقول بصوت متحشرج
- اخبريه إن لم يكن لديه ما يستحق ..
فسأسجنه شهراً
دقيقة ودخل الجندى بزيه الكامل ويده على مقبض سيفه .. نظر إلى وجه سيده النائم مغمض العينين وقال
- سيدى القائد .. لقد عثر أحد زملائى على الأميرة متخفية بزى الجنود ومعها بائع الجلود ، عند طريق المدينة .. ذهب هو ورائهم .. وجئت أخبرك كما طلبت أن هذا الأمر لا يحتمل التأجيل
فتح يوسف عينيه الناعسة .. إعتدل يتثائب جالساً على طرف السرير .. تنهد بعمق وقبل أن ينطق بشئ .. كانت الجارية جمانة تدلف صائحة
- سيدى .. هناك جندى آخر عنده ما لا ينتظر للصباح
الناعسة يقول
- وماذا كانا يفعلان فى الصحراء ؟
- أية صحراء يا مولاى
- ألست أنت من كنت تتعقبهما ؟
- لا يا مولاى
- وماذا عندك ؟
- سيدى القائد .. لقد ظهر القاتل
ردد يوسف وقد أفاق
- ظهر القاتل ؟ .. أتعنى أنكم قبضتم عليه
- لا يا سيدى القائد .. لقد ظهرت جثة مسلوخة جديدة
- لقد قُتلت زوجة الوزير بطريق ..جثتها مسلوخة فى قصر الوزير .. الجلد لم يكن موجود
إبتلع الجندى ريقه وتابع
- وقد عثرنا على رسالةٍ مع الجثة
تحولت عيون يوسف لعيون صقر .. ودون أن ينطق بشئ قام مسرعاً يرتدى ملابسه وإنطلق حيث قصر الوزير بطريق .
***********************
ظل محمود يدور حول نفسه لا يدرى ماذا يفعل
.. مرعوباً فزعاً يصيح
- حوريييييية .. حوريبييييييي
وفجأة إنقضت عليه من الخلف زراعان تطوقان رقبته .. إستدار للخلف بحركة غريزية يطيح بالزراعين ، فوجد وجه حورية غارق فى نوبة ضحك .. ظل محمود محدقاً بذهول يبتلع ريقه لاهثاً بعنف .. بينما حورية تترنح على الرمال من فرط الضحك وقد إستبدلت زى الجنود بالثوب الرقيق الذى لا يفارقها فى لقائاتها مع محمود .. قال محمود وسط لهاثه المحموم
- أنت أميرة مجنونة بحق .. لقد كدت أموت رعباً من أجلك
توقفت حورية فجأة عن الضحك وإرتسمت على وجهها الجميل ملامح الجدية تقول صائحة
- من أجلى ؟ !! .. لقد أكتشفت أنك لا تحبنى .. كل ما فعلته من أجلى أنك وقفت مكانك تدور حولك وتنادى علىّ .. إختبئت خلف سور البئر لأرى مدى حبك لى ، لكنك خذلتنى
ردد محمود مندهشاً
- خذلتكِ ؟ .. وماذا كنت تريدين أن أف قاطعته حورية بغضب ووجهها الملائكى قد صار أحمراً
- كنت أربد أن أراك تركض وراء من
قاطعته حورية بغضب ووجهها الملائكى قد صار أحمراً
- كنت أريد أن أراك تركض وراء من إختطفونى لتنقذنى .. ماذا فعل لى دورانك حول نفسك وندائاتك على"
قالتها وهى تدور حول نفسها تحاكى ما كان يفعله محمود الذى صاح
- وكيف أجرى وأنا لا أرى أثراً لكِ.
- لا يهم .. فقط تجرى وتركض لتنقذنى ممن
إختطفونى
- أحياناً أشعر أن لك عقلاً ناضجاً .. وأحياناً
أراكِ بنتاً تافهة
ردت حورية وهى تجلس على الرمال مستندة بظهرها على سور البئر ، وتحيط ساقيها بزراعيها
- لا أريد أن أسمع صوتك .. أنا غاضبة" منك إقترب محمود ليجلس بجوارها فصاحت بحنق
- لا تقترب منى
تلفت محمود حوله فرأى زى الجنود الذى إستبدلته حورية مكوماً إلى جوار سور البئر ..
إتجه إليه وتناول السترة الجلدية .. لفها جيداً وإحكم رباطها .. ثم ركلها بقدمه بكل ما أوتىً من قوة ، فطاحت بعيداً .. وقف مكانه ، ثم فجأة دار حول نفسه صائحا
- حورية .. حورية .. أين أنتِ يا حورية ؟ ثم هرع يعدو بكامل سرعته تجاه السترة وهو يصيح
- سأنقذك يا حورية
- حورية أفيقى يا حورية .. سأنتقم لك.
ندمج محمود فى ادائه التمثيلى ، حتى افاق على سوت ضحكات حورية العذبة تقول
- لقد سامحتك يا محمود
بادل محمود حورية الضحكات ، وجلس ملاصقاً لها يستند برأسه على سور البئر ، وقال
- أنا لم أقابل مخلوقاً غريباً مثلك فى حياتى
يا حورية
تنهدت حورية وسحبت نفسها للأسفل لتصير ممدة على الرمال وتمدد محمود إلى جوارها وسمعها تسأل
- هل تعلم ماهى اطوار العمر يا محمود .
قالتها وهى ترنوا بعينيها إلى القمر المكتمل بدرا
.. ورد محمود
- هى ثمانية أطوار .. بعد البدر يصير أحدب ثم تربيع أول ثم هلال فمحاق .. ثم تتكرر هذه الأربعة ثانيةً.. هلال ، تربيع ثانى ، أحدب ، بدر
ضحكت حورية قائلة تتصنع الإنبهار بمحمود
- كنت أظنك صعلوقاً جاهلاً
ضحك محمود وقال وهو ينظر لوجه حورية
بحبٍ وحنان
- كدت أن أكتب شعراً لكِ.
فزعت حورية حين سمعت جملة محمود ومالت على جنبها الأيسر جاعله رأسها فوق رأس محمود الراقد على ظهره وقالت مشدوهة
- أتكتب الشعر يا محمود ؟
- لا .. فقد وددت أن أخط لكِ شيئاً
- أين هو ؟
- لم أكتبه
إمتقع وجه حورية وخبطت على صدر محمود الذى تاوه ، وعادت ترقد على ظهرها تقول
- أكيد أنك أستيقظت من النوم قبلما تكتب ..
تماماً كالحلم الذى لم يحدث فيه شئ ضحك محمود وقال
- أنا جاد .. ولا أمازحك
لم ترد حورية ترنوا بعينيها إلى نجوم السماء والبدر .. وسمعت محمود يقول بصوتٍ آثر
- ما كنت ممن يدخل العشق قلبه لكن من يبصر جفونك يعشق
أغرّك مني أن حبك قاتلي
وأنكِ مهما تأمري القلبَ يفعلُ
يهواك ما عشت القلب فإن أمُت يتبع صدايَ صداك في الأقبر
لقد دبَّ الهوى لكِ في فؤادي دبيب ددمم الحياة إلى عروقي وإني لأهوى النوم في غير حينه
لعل لقاءٍ في المنام يكون
صمت محمود بعد هذه الأبيات .. ليجد عيون حورية دامعة أمام عينيه تهمس
- أهكذا تحبنى يا محمود
رد محمود بذات الهمس وحاجباه تعلو
- أكثر يا حورية .. ليتنى أجد من الكلمات ما يعبرُ لكِ عن حبى
ردت حورية مسرعة
- أنا لا أحتاج الكلمات .. يكفينى نظرة
عينيك الآن
قالتها وهى تحدق فى عينيي محمود الدامعة ..
أرادت حورية أن تستبدل الشجن الذى حل بهما بشئ آخر فقالت
- لكنك تكذب علىّ فى البيت الأخير .. كيف تهوى أن تنام فى غير حين نومك لتلقانى فى الحلم .. وبعدما تلقانى .. تستيقظ من النوم دون أن يحدث شئ ، كما أخبرتنى عن حلمك معى من قبل
ضحك محمود وقال
- أنا لا أكذب يا حورية .. حين أخبرتك أنه لم يحدث شئ ، كانت هذه هى الحقيقة ..
وقلت لك أنه إذا إكتمل سأحكيه لك.
صمت يبتسم فى وجه حورية ثم أردف
- وقد إكتمل بالأمس بعدما تركتينى
وضعت حورية كفيها على خديها ، وسحبت شهيقاً عميقاً له صوت وإتسعت عيناها تهمس
- إكتمل ؟
أوما محمود برأسه إيجاباً .. فتابعت حورية وهى تضع رأسها على صدر محمود الممدد
تقول
- هيا إحكى لى
وقبل أن ينطق محمود أردفت حورية
- إحكى لى كل شئ بالتفصيل
قال محمود
- كنت أقبل أروع فتاةٍ على الأرض ..
وصرنا عاريين .. إحتضنتك على صدرى
.. ثم بتر محمود كلماته إثر يد حورية التى أطبقت على فمه ، وهى ترفع رأسها من على صدره ، وتجعل وجهها أمام وجهه وهمست بصوتٍ مبحوح خافت
- لا أود أن تحكى لى ما حدث فى الحلم صمتت ورموشها الطويلة تتحرك مع جفونها فى إثارة ، ثم تابعت
- بل إفعل كما حدث فى الحلم
رد محمود
- كما قلت لك .. إن كنا إتفقنا على أن نحيا ساعتنا .. فلا يجب أن نتركها تسرقنا
ضحكت حورية وقالت
- أهذا ما فعلته فى الحلم رد محمود بضحكة خافتة وقال
- أنتِ أميرة ولستِ جارية
- لا أشعر كم مرَّ من الوقت .. معك يا محمود لا أشعرُ بالزمان
قالتها حورية بينما نظر محمود فى السماء
وقال
- ربما نكون قد تجاوزنا الفجر بقلي
ما إن سمعت حورية جملته حتى هبت
واقفة وإرتدت زى الجنود متخفية ..
وسبقها محمود إلى الحصان صاعداً ..
ركبت حورية خلفه وقالت
- الآن أنت الصعلوق الذى صار فارساً شد محمود اللجام ولكز بطن الحصان ، والصهيل يدوى ..
وعند المكان الموعود نزل محمود لحورية
تاركاً .. مضت هى فى طريقها إلى قصرها ..
وسار محمود على قدميه عائداً.. ما كاد يسير
ضعة خطواتٍ ، حتى وجد عددٌ من الجنود يحيطون به وأحدهم يصيح
- لقد قبضنا على القاتل
بعد قليل من نطقها .. تكاثر الجنود من حوله .. بينما محمود يدور حول نفسه تائهاً .. بدأ عقله يخبو من منظر الجنود المتكالبة .. ضبابٌ يحجب الرؤية عن عينيه .. وبضربةٍ من مقبض سيف على مؤخرة عنقه ، فقد الوعى .
كان القبض على محمود هو الأمر الذى صدر من قائد الشرطة يوسف بن حسيب .. فكل الأدلة تشير إلى القاتل بائع الجلود .. يقتل ويسلخ الجلود ، ليصنع منها الرقوق ويبيعها فى السوق .. الأمر واضحٌ كالشمس منذ البداية .. هذا هو القاتل الذى كان فى عقل يوسف .. كان ينتظر الدليل .
**************************
قبل ذلك بساعات .. بعد العِشاء كان أحمد على سريره ممدداً .. لا يكف عن التفكير فى عبلة .. دخلت عليه رمانة مسرعة و على وجهها علاماتٌ مفزعة .. حدق أحمد فى وجهها متلهفاً .. إبتلعت ريقها زائغة العينين ونظرت إلى الأرض تقول بصوتٍ مرتعش
- سيدى .. لقد أغار على قافلتك قطاع الطريق ونهبها اللصوص
فزع أحمد من مرقده مهرولاً .. يرتدى ثيابه تائهاً .. خرج على حصانه يعدو إلى مخازن بضاعته ، علَّ الخبر يكون كاذباً .. ولما أدرك أنها الحقيقة ، بكى تماماً كالأطفال ، أو بالأحرى كما النساء .. إلتف حوله من يعملون لديه من خدمٍ وعمال .. يواسونه فى محنته..
ثم سرعان ما حضر جمعٌ من الأعيان والتجار يلتفون حول أحمد .. تتطاير الكلمات (
وعسى أن تكر هوا شيئاً وهو خيرٌ لكم ) .. (
قل لن يصيينا إلا ما كتب اللّٰه لنا .. إصبر يا أحمد فإن اللّٰه مع الصابرين ) .. ( عوضك اللّٰه وأخلف عليك .. إصبر وأحتسب ) .. كان أحمد
وسط الجمع فى المخزن الخاوى من البضاعة منهاراً فى بكائه .. لا يدرى أحمد لماذا قفزت جملة عبلة التى قالتها له ( أنت طيب يا أحمد .. لكنك ضعيف .... والضعيف لا يصلح ان يكون رجلا ) ..
دوت الكلمات فى أذنيه وأحدثت دوياً تملك من قلبه .. فرفع رأسه فجأة محدقاً بعينيه الغارقة بالدموع فى الفراغ أمامه .. يرى وجه عبلة بملامحها القوية .. جعل ذلك وجهه يتقلص ..أمسك بكم ثوبه يجفف دموعه .. وقال بنبرة أرادها أن تكون قوية الشكيمة
- الحمد *** .. عسى اللّٰه أن يجعل لى عوضاً فى القافلة الثانية
قالها أثناء دخول ابن زيدون صائحاً
- يا ويحى من هذه المصيبة
تلقاه الأعيان والتجار مواسين له .. يربتون على كتفه .. فكم قضوا معه من ليالٍ ماجنة ..
وعليهم الآن أن يواسوه ببعض الكلمات ، والتى أيضاً لا تخلو من الحسد
- يا ابن زيدون .. إحمد اللّٰه ولا تفعل فى نفسك هكذا ..
أنت رجل" ثرى .. عندك
قصر وخدم وعبيد وجوارى .. لن يضير
تجارتك قافلة نُهبت
قال أحمد الذى شعر المحيطين به وكأنهم يرونه لأول مرة .. لم يكن ذلك الشاب الوديع المسالم الحيي .. بل كان رجلاً قوى البأس ..
هكذا كان أحمد يصارع طبيعته الضعيفة وتختلج بصدره أنفاسه الحارقة
- الحمد **** على كل شئ .. لقد انعم اللّٰه علينا
.. سأستأجر بعض جنود المرتزقة ، وسأرسلهم على عجل لتغيير مسار القافلة الثانية وتأمينها
صاح أحد الحاضرين
- نعم الرأى يا أحمد
بينما قال آخر
- ولماذا لا يخرج أبيك على رأس الجنود
بنفسه يحرس القافلة .. فهم فى الأول
والآخر مرتزقة .. لا يمكن أن تأمنهم على
شئ
إرتبك مشارى ابن زيدون حين سمع ذلك ..
فمعنى ذلك أنه لن تكون هناك حفلات ماجنة ولا جوارى عارية .. لكنه إبتسم حين قال آخر
- أحمد يخرج لملاقاة القافلة وحمايتها مع الجنود حتى تصل سالمة
صاح أحمد
- سأفعل ذلك .. فى الغد سأرحل ومعى
الجنود
جاء رأىٌ آخر يقول
- أبوك ترك التجارة منذ زمن، بعيد ..
وأنت نشأت عليها وكيل .. لن يستطيع هو أن يدير العمل هنا وستفسد الأمور أكثر
رد أحمد موجهاً كلامه لأبيه
- هل تخرج مع الجنود سيتطلب الأمر عشرة أيام, ويزيد .. حتى تعودوا سالمين لم يجد ابن زيدون بداً سوى أن يقول
- أنا لها .. سأسحق ما يقابلنى من هؤلاء اللصوص
وتأمينها .. فهى كل ما يتبقى لهم الآن .. لم يعد لابن زيدون وأحمد سوى القصر وما فيه وهذة القافلة .. ولكن ديون بيت المال علي عاتقهم ثاقلة
بعدما رحل ابن زيدون من القصر مغادراً
.. تسللت الجارية
رمانة فى الصباح إلى دار عبلة التى استقبلتها متلهفة سائلة
- كيف حال أحمد ؟ .. بعدما علم بما حدث
نظرت رمانة فى عينيى عبلة بنظرةٍ متخابثة وقالت وهى تجلس إلى جوارها على طرف السرير
- يبدو أنك صرت تحبيه ؟
ردت عبلة بجمود
- أنا أشفق عليه .. فأحمد طيب لا يستحق الأذى
قاطعتها رمانة
- لكن أمه وأبوه
قالتها رمانة وصمتت ترنوا لعبلة التى قالت مسرعة بغضبها الذى سرعان ما يتملك منها على الدوام
- لقد أقسمت لأجعلنهم يتسولون .. فلن يذهب
ددمم ابنى هباء
قالتها عبلة وعينيها تبرق بنظرة إنتقام مخيفة ..
سرعات ما تغيرت وتبدلت نبرة صوتها حين إرتسمت أمام مخيلتها صورة أحمد ابن الأعيان ، وقد صار فقيراً يسعى من أجل الكفاف وقالت
- ما يحزننى هو أحمد
ردت رمانة وهى تقوم من على السرير وتجلس تحت رجلي عبلة على الأرض
- هو لازال شاباً صغيراً .. ويحبك سيأتى إليك ويمكنكما أن تبدئا حياتكما من جديد مع كلمات رمانة إرتسمت أمام مخيلة عبلة صورة وجه أحمد بعيونه الدامعة يقبل جبينها ، وهى راقدة على سريرها بعد ما حدث لها من أمه فى القصر .. أفاقت على صوت رمانة يواصل
- لقد خرج ابن زيدون لملاقاة القافلة فى الطريق ، وإستأجر بعض المرتزقة من الجنود لكن شيخ المنصر الذى إتفقنا معه .. يتتبع القافلة ، وحتى لو غيرت مسارها فسينال منها قالت عبلة وهى تدير رأسها للأسفل وكأنها
- متى سينفذ شيخ المنصر هذا الذى جيئتينى به باقى الإتفاق
- لا تقلقى يا سيدتى .. أنا أضمنه .. لكن أين سنضع البضاعة ثم نوزعها على الفقراء صمتت رمانة لتدع المجال لعبلة فى إدراك هذه المشكلة ، ولما لمحتها شاردة تفكر قالت
- سأتدبر أنا أمر بيع جزء من البضاعة ..
نستأجر بثمنه داراً صغيراً نخفى فيها ما يتبقى من البضاعة وهى كثيرة .. ثم نوزعها فى الليل على الفقراء كما كنا تفعل
لم تنسى عبلة تلك الليلة التى رأت فيها وجه أحمد وعيونه الدامعة يقبل جبينها .. بعدما
أحضر لها الطبيب ليوقف نزيفها .. رغم أنها لم تنسى حبها الأول لمحمود .. إلا أنها وجدت نفسها تفكر فى أحمد أكثر .. هل لأنها أدركت كم حبها ويخاف عليها .. ومستعد لأن يترك القصر والنعيم ويشترى داراً صغيراً من أجلها ؟ .. أم لأنها عرفت أنه رغم ضعف شخصيته إلا أنه يراعى اللّٰه فى معاملاته .. دوماً تتذكر كلامه لها
(لا يشغل بالى ما يحتاجه القصر فلدينا كما تقولين الكثير .. ولكن ما يؤرقنى القروض التى علينا لبيت المال .. لا أريد أن أتعثر فى سدادها فهذه أموال الناس والعباد .. ولن يبارك لنا اللّٰه إذا أهملنا دفعها كما يفعل أغلب التجار ) .. تتأمل كثيراً كيف لشاب تربى فى النعيم ألا يكون غير مغرم، بالحريم .. وجدت عبلة نفسها تفكر فى أحمد .. بل تنتظره أن يعود بعدما يصلح أموره .. ويأخذها لدار، صغيرة تحيا معه بعيداً عن أبيه الماجن وأمه المتسلطة
لكن كل ذلك يتبخر
بمجرد أن تتخيل ما حدث لها تحت أرجل أم أحمد حين أسقطت لها حملها .. تبرز عيناها ويحمَّر وجهها .. لا تستطيع أن تغفر لأحمد ما حدث .. وبعدما تهدأ تتذكر أن أحمد حاول الدفاع عنها ، لكن أمه أطاحت به .. تعود وتردد بينها وبين نفسها ( كان يجب أن يدافع عنى و عن ابنه بكل ما أوتى من قوة ) .. تتردد عليها الجارية رمانة تزورها .. وفى أحد المرات أخبرتها
- لدى ياسيدتى ما يشفى غليلك ويطفئ نارك على ابنك .. حتماً أنتِ تعلمين أن زوجك وضع كل ما معه من مال .. ليشترى قافلتين محملتين بالبضائع .. ليتغير مسارهما فى الطريق إلى البلاد ويتجهان إلى هنا ..وبدون هاتين القافلتين
صمتت رمانة ترقب عيني عبلة المحدقة ثم
تابعت
- سيتسلون ياسيدتى .. فثمن القصر وما فيه من خدم وعبيد وجوارى وأثاث .. قد لا يكفى ما عليهم من قروض لبيت المال تملكت فكرة الإنتقام من رأس عبلة التى إتفقت بعد ذلك بيومين مع شيخ المنصر الذى أحضرته لها رمانة على أن يُغِير بعصابته من قطاع الطريق على القافلتين .. حيث ستتولى رمانة
إمداده بالمعلومات عن خط سير القافلتين من خلال تلصصها فى القصر على ابن زيدون وأحمد وأمه .. وتم الإتفاق حيث سيحصل قطاع الطريق على نصف الغنيمة .. بينما تحصل عبلة على النصف الاخر لتوزعه على الفقراء .. يا لها من خطة شيطانية تلك التى خططتها رمانة ..وجائت على هوى عبلة .. ستسعد من جديد بمساعدة الفقراء والمساكين والمحتاجين .. وفى
نفس الوقت ستنتقم ممن قتلوا ابنها قبل أن يرى النور .. تنام عبلة على فراشها تتخيل ابن زيدون الماجن الزنديق وزوجته يتسولون ما يحتاجون لكنها تفيق من تخيلاتها على وجه أحمد .. فما ذنبه ؟ .. يتأجج بداخلها عذاب الضمير .. لكن ذلك العذاب يزول حين تتخيله فقيراً مثلها ..
يعود إليها ويكد ويعمل ليقات رزقه من أجلها ، سيعيشون وقتها سعداء .. وسيرزقهما اللّٰه بالبنين والبنات ، عوضاً عن الابن الذى راح .
كل ذلك مر بعقل عبلة الجالسة على طرف سريرها وهى تحادث رمانة القابعة على الأرض أمام رجليها ، فى كيفية توزيع نصف البضاعة على الفقراء .. أفاقت من شرودها على صوت رمانة تقول
- أراك شاردة كثيراً اليوم
ردت عبلة تقطب حاجبيها مستفهمة
- ماذا تقولين ؟
ضحكت رمانة وقالت
- يبدو أنك كنت مع سيدى أحمد .. بينما أنا
أحدث نفسى
لم ترد عبلة وسمعت رمانة تقول وقد أسندت رأسها على ركبتها
- لقد إنتهينا من أمر القافلة الأولى .. لكن القافلة الثانية ، خرج ابن زيدون بنفسه مع الجنود لملاقتها وحمايتها .. وحتماً
سيغيرون مسارها الذى نعرفه .. أخشى ألا أستطيع أن أمد شيخ المنصر بمسارها الجديد ..إذا فقد أثرها صمتت رومانة ثم تابعت
- إذا قابلت أحمد .. فحتماً ستعلمين بكل شئ عن القافلة منه
قالت عبلة بنبرة متحشرجة
- لا .. أنا لا أريد أن أقابل أحمد ضحكت رمانة وقالت
- أراك تتمنعين وأنت راغبة
- أسمعتم عما حدث ؟
ودون أن تتلقى رد واصلت
- قُتلت إمرأة الوزير بطريق فى الفجر صمتت أم عبلة تسلط عينيها على عبلة ثم تواصل
- وقبضوا على محمود .. يقولون أنه القاتل
.. يسلخ الجلود ويصنعها ليبيعها فى السوق
- محمود ؟
- محمود لا يمكن أن يكون هو القاتل هكذا ردت أم عبلة .. إنصرفت رمانة ..
مكيدة .. يستحقها ، فما له هو بالأميرة ) ..
وتارةً تشعر بالشفقة عليه .. تردد (أكيد دبر له أهل الأميرة ذلك لما علموا بشأنه مع إبنتهم..بستحق ما يحدث له ) .. ظات تترنح بين مشاعرها المختلطة تجاه محمود حتى راحت فى نوم، عميق بعد ما فعلته بها رمانة ..
إستيقظت بعد العصر على صوت أمها يقول
- أحمد بالباب يريد أن يراك. .. يقول أن الجارية أخبرته أنك متعبة ، فجاء يطمئن عليكِ
ترددت عبلة .. ليس لأنها لا تريد أن ترى أحمد .. ولكن لأن ضميرها سيعذبها .. حين تنظر فى وجهه ، فهى السبب فيما هو فيه ..
ولما وجدتها أمها مترددة قالت
- المال الذى كان قد أعطانا إياه قارب على النفاذ .. سأجعله يدخل .. لكن إطلبى منه نفقتك .. فهذا حقك .. وإذا رفضتى فعليك.
أن تبيعى اللبن فى السوق
قالتها ام عبلة وإنصرفت من امام إبنتها ..
ليدخل أحمد متلهفاً وما أن رأت عبلة وجهه المكفهر وعيونه الذابله ، حتى ترقرقت الدموع فى عينيها.
البلاد المباركة ج 10
الرفاق حائرون يتسائلون كيف قُتلت إمرأة الوزير بطريق .. فى قصرها .. بل بداخل
غرفتها .. بل على سريرها .. وسُلخ جلدها .. أنه أمرٌ غريب .. وما معنى الرسالة التى تركها القاتل .
حسب الموعد عند منتصف الليل كان هارون ماثماً يقترب من الحارس عند باب الخلفى المؤدى إلى الحديقة .. وقال هامساً بصوت خافت خشن من خلف اللثام الذى يخفى وجهه عدا عينيه
- أنا من أخبروك به
أمعن الحارس فى عينيه بنظرة متفحصة، ثم سرعان ما مهد له الطريق ليصل إلى نادية المنتظرة عند باب القصر الخلفى .. دلفت ومعها هارون يتسللان حتى وصلا إلى غرفة خيرازانة التى جلست على سريرها تنتظر .. إندهش هارون مفزوعاً حين علم من نادية أن الخامسة ، خطيئة الجشع ، هى خيرازانة زوجة الوزير بطريق
مر ذلك اليوم على خيرازانة بين جارياتها مختلفاً ..شاردة تسبح بخيالها فى الرجل المنتظر .. جسد رجل ، قوى وخشن .. بالتأكيد مختلف عن أجساد الجوارى الطرية الناعمة .. ظلت خيرازانة طوال ذلك اليوم تائهة .. كادت أن تنهى الأمر حين قالت لنادية هامسة بداخل غرفتها
- أشعر بالقلق يا نادية .. أريد أن أؤجل ذلك الأمر
ردت نادية ضاحكة وقالت
- مولاتى ..
أنا أحس بما يعتمل بنفسك .. لا تفكرى فى شئ .. فأنا بجوارك
لم تنم خير زانة القيلولة كما إعتادت .. وظلت ممدة على سريرها تفكر .. وحين خرجت من غرفتها بعد العصر .. موجودة كانت وغير موجودة مع ضيفاتها .. حاضرة بجسدها غائبة بوعيها .. شاردة فيما سيحدث عند حلول المساء.
على عكس عادتها فى فترة مابعد المغرب للعشاء .. لم تمر على الخدم والعبيد تتفحص شئونهم ، ولم تهتم لأمر أبنائها بعد حضورهم من عملهم .. وتفرغت فى تلك الفترة للإعتناء جسدها بمساعدة نادية .
حان الموعد ووجدت خيرازانة باب غرفتها ينفتح ليمثل أمامها هارون بصحبة نادية .. فك هارون اللثام مبتسماً وعيناه تتفحص جسد خير ازانة البض العارى على السرير ، وقد وضعت إحدى ساقيها على الأخرى .. وقالت نادية
- هذا هو هارون يا مولاتى
قالتها نادية وهى تقترب من خير ازانة تخرج طرف لسانها يحوم حول شفتيها .. بينما هارون يخلع ملابسه ليجلس على طرف السرير عارياً .. وبدأ الأمر يجرى
ولما إقتربت خيرازانة من وطرها ، أحس هارون بيد نادية من خلف للخنجر مناولة .. قبض على الخنجر ، يسرع ويسرع .. جحظت عين خيرازانة وإنتفض جسدها .. ضحك هارون وبخنجره فى قلبها كان غارساً .. لم تتحرك فى خيرازانة عضلةٌ واحدة .. فيما يبدو أن ضربات قلبها الزائدة المتسارعة من فرط شبقها جعلت قلبها يتوقف على الفور حين إنغرس الخنجر فيه .. فلم يحتج هارون أن يدير الخنجر فى قلبها فلم تتدفق الدماء بغزارة .. تناول هارون سكيناً أخرى حامية تمكن بها من سلخ جلد خيرازانة ولفه ووضعه فى جوال, صغير أعدته نادية الواقفة بعيداً حتى لا تلوثها الدماء .. إرتدت نادية ملابسها النظيفة .. وكذلك هارون الذى حفظت له نادية ملابسه بعيداً بمجرد خلعها حين دخل على خير ازانة .. هكذا تم الأمر بإحكام .. أخرجت نادية بقطعة من الرق ملتفة كرسالة .. والقت بها إلى جوار جثة خيرازانة .. تماماً مثل الرقوق التى يصنعها بائع الجلود المدعو محمود .. قالت نادية
- إذهب أنت وأكمل الباقى .. سألقاك فى فجر بعد غدٍ كمو عدنا
خرج هارون بمساعدة الحارس العميل لنادية والذى سيطرت عليه نادية بالجنس والمال ليساعد هارون فى دخوله وخروجه من القصر.. ولم يرى الجندى وجه هارون الملثم وهو يغادر على حصانه من أمام سور القصر الخلفى .. إلا أنه سمع صرخاتٍ قادمة من الداخل .. هرع على إثرها ليجد نادية أمامة تصيح
- القاتل نال من مولاتى
أدرك الحارس لحظتها أنه شارك فى مقتل خير ازانة .. ولم يكن له أن ينطق بعد ذلك بشئ فسيناله ما سينال الجارية نادية والقاتل الملثم ، فعليه أن يتعامل مع الأمر وكأنه لم يكن .. دار ذلك بخلده فى لحظات صراخ نادية التى أيقظت من فى القصر .. ووجد الحارس صرة منتفخة من الدنانير تحشرها نادية بين طيات سترته الجلدية ، إذن هو شارك وقبض الثمن .
أسرع الحارس يعدو مع باقى الحراس .. وتعالت صرخات الجاريات يتردد صداها فى القصر .
لم يكن الوزير بطريق حزيناً على موت خيرازانة الجشعة التى تدفعه لقبول الرشاوى مقابل إعطاء القروض من بيت المال .. لكنه كان غاضباً لإنتهاك كرامته وحرمة قصره بقتل زوجته فى غرفتها على سريرها .. أما الأبناء فكانوا أكثر حزناً من أبيهم على أمهم .
دخل يوسف بن حسيب قائد الشرطة يتفحص بنفسه الجثة .. وناوله الوزير بطريق بالرسالة ..
أمعن يوسف فى الرق المكتوبة عليه الرسالة أكثر من إمعانه فى فحواها .. فأصدر أمره لحظتها بالقبض على صانع الجلود المدعو
محمود .. هكذا وجد يوسف الدليل ، والربط بين الجلود المسلوخة وصانع الجلود .. وبالطبع يطيح بمن إستولى على الأميرة حورية منه .
أما فحوى الرسالة فكان كلمات غير متصلة الخطيئة قتل فوضى سلخ تتطهر العدل
لم يكن فحوى الرسالة مفهوماً
***************************
بداخل القصر السلطانى يجلس السلطان المبروك الثمانينى وإلى جواره ولى العهد وريث البلاد ، ومن بين يديهم إجتمعت الحاشية .. وهذه المرة كان العدد كبيراً .. فلم يكن الأمر مقصوراً على الوزراء المقربين وكبار الأعيان .. بل ضم كافة الوزراء ومعظم الأعيان وكل الأمراء ..
فالضحية هذه المرة هى زوجة الوزير بطريق مسئول بيت المال .. الحشد كبير والوجوه منتفخة الأوداج .. يسأل ولى العهد ، فهو كعادته المتحكم الفعلى فى البلاد نظراً لغياب أبيه الثمانينى عن إدراك الأمور من حوله
- وماذا عندك يا قائد الشرطة من أدلة على أن بائع الجلود هو القاتل ؟
تنهد يوسف وبعينين مفتوحتين كما الصقر ونبرة تأكيديه ، قابضاً بيده على مقبض السيف في غمده
- كل الأدلة ضده يا مولاى .. لقد رآه أحد
جنودنا عند طريق المدينة ليلة القتل يحوم حول المكان .. وهو الوحيد بين كافة صانعى الجلود فى المدينة الذى يصنع الرقوق .. والجلد الادمى يصلح تماماً لهذا النوع من الرقوق التى يصنعها .. وثبت لنا أنه يحضر إجتمعات القوم المعارضين للسلطان .. وفى آخر إجتماع لهم كان يتحدث عن القتل والثورة من إجل الإستيلاء على الحكم
صمت يوسف يلتقط أنفاسه ، وقبل أن يواصل نطق السلطان المبروك حين سمع جملة الإستلاء على الحكم فقال
- أية حكم ؟
ورغم سذاجة السؤال .. إلا أنه لابد من الإجابة على عظمة السلطان .. فجائت الإجابة ، جمل متتابعة تتردد من الأفواه من الحاشية المحيطة
- أدام اللّٰه عمر السلطان وأبقاه زخراً للبلاد ..
عاش السلطان راعياً للعباد .. خسأ من لا يرضى بالسلطان حاكماً للناس
ورغم تكرار الجمل بصيغ مختلفة إلا أن ذلك المواء الصادر عن الممتاز بن القطة المنافق الأكبر فى البلاد للسلطان وحاشيته ، كان مختلفاً
- ومن غيرك يحمينا يا سلطان البلاد .. عاش السلطان المبروك .. إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً .. وما ينطق عن الهوى .. عاش السلطان المبروك كان الجمع يردد ورائه
- عاش السلطان المبروك
إستحق الممتاز بن القطة الذى يخطب فى الناس مديحاً فى السلطان ريائاً مفضوحاً ونفاقاً معلناً ، أن ينال لقباً سامياً أطلقه عليه القوم المعارضون للسلطان .. ولم يكن اللقب مجرد إسماً بل تحول إلى فعلاً، حين أصيب الممتاز بن القطة بصداع, مزمن يفتك برأسه ليل نهار ، وعجز أطباء البلاد عن مدواته .. إلا أن الطبيب ابن رشاد أشهر من مارس الطب فى البلاد إستطاع علاج الممتاز بن القطة من الصداع ، حيث جعله يحلق رأسه وأعطاه دهاناً يدهن منه فى الصباح والمساء .. ولما طاب الممتاز بن القطة على هذا الدهان بعدما فشلت كافة العلاجات من قبله .. إستفسر من ابن رشاد الذى أخبره أنه دهانٌ للبواسير .. فبما أن مؤخرة الرجل فى رأسه ، كانت البواسير هى مصدر الألم .. وهكذا إقتنع الممتاز بن القطة باللقب ، وظل يخرج غازات النفاق.. والتى تظهر أمام الناس أنها الكلمات تخرج من فمه .
إبتسم السلطان سعيداً ، بيده للجمع من حوله محيباً .. إندمج الجمع وعلت الهتافات يقودها الممتاز .. وكأنهم نسوا ما إجتمعوا لأجله ، تتعالى الهتافات .. وبإشارة من جلال المبروك ساد السكون .. ليواصل يوسف قائد الشرطة كلماته
- صانع الجلود هذا له واقعة ترددت فى المدينة .. حين لطم الأميرة حورية بنت الأمير غسان ابن عم السلطان لأنها تأمره أن يحضر لها جلود .. ولكن عفو الأمير غسان وكرمه أبقى على حياته .. إنه مريضٌ حاقد يا مولاى وهذا ما يدفعه للقتل ..ويسلخ جلود ضحاياه كمحترف بما أن الجلود هى صنعته
قال جلال المبروك وقد ضاقت عيناه ، يداعب بأصابعه ذقنه
- يبدو كلامك منطقياً يا يوسف .. لكن هناك الكثير فى حاجةٍ إلى تفسير .. لماذا قتل من قتلهن تحديداً ؟ .. ولماذا النساء ؟ .. ولماذا إمرأة الوزير بطريق ؟ .. وما تفسير الكلمات الموجودة فى الرسالة التى تركها
علت أصوات نشيج وبكاء الوزير بطريق المصطنعة عند ذكر إمرأته بينما رد يوسف
بحماس
- هو بين أيدينا الآن يا مولاى .. وسنعرف كل شئ
- أخبرنى بما تصل إليه أولاً بأول
- سمعاً وطاعةً يا ولى العها
- كنت أشعر أن هذا الفتى حاقدٌ مريض ..
حين كان يتحدث عن الثورة والقتل والقوة ..
وقد صدق ظنى
قاطعه إبراهيم بن عيسى المتربع جالساً واضعاً قبضة يده اليمنى على فخذه
- لا ..أنا متأكدٌ أن محمود لا يفعل ذلك .. إنه
برئ .. هى مكيدة من قائد الشرطة
صاح المصطفى بن البكرى بصوته الجهورى ، ووجهه الاسمر تكسوه تكشيرة مقتضبة
- ولماذا محمود هو من وقع عليه الإختيار للمكيدة ؟
أجاب الشيخ عبد اللّٰه بن السعيد
- لأن هناك ربط بين صناعة الجلود ..
والجثث مسلوخة الجلود
قال أمجد بن الجلاد ونصف وجهه النحيف خلف شاربه متوارياً ورأسه تتحرك بحيادية على رقبته
- لم نرى بعد دليلاً على إدانته أو برائته .. ننتظر التحقيق والمحاكمة
تنهد الوائل بن الإبراشى مستيقظاً وبهدوء وكلمات متئدة قال
- ما يمكننا أن نفعله هو أن نحرص على أن ينال هذا الفتى معاملة حسنة ومحاكمة عادلة حتى تثبت إدانته أو برائته .. صحيح أنه يميل إلى الرغبة فى القوة والقتل ، إلا أن ذلك لا يعنى أنه هو القاتل
تنامى إلى مسامع الجمع الصوت الوقور الهادئ بالتحية
- السلام عليكم
إتجهت الإنظار تجاه مصدر الصوت مرددين
- وعليكم السلام
حدقت العيون فى وجه المأمون بن عبد اللّٰه الرشيد بقسماته المريحة ، وهو يقترب بخطا ثابتة ممسكاً بيده عبائته الثمينة على صدره .. تربع جالساً وقال بهدوء موجهها كلامه للوائل
- أنا أتفق معك يا وائل .. ما يمكن فعله الآن هو أن نحرص على ألا ينال محمود سوء حتى تتم له محاكمة عادلة
صمت مقطب الحاجبين يرنو للأسفل ثم واصل
- كنت عازماً على الرحيل اليوم .. فقد إنتهت راحتى فى وطنى التى لم أنعم بها لما وجدته هنا من هموم .. لكنى أشفق على الفتى صانع الجلود ..
أنا أشعر أنه برئ ، وحتى يأتينا الدليل علينا أن نسانده حتى لا يتأذى كثيراً
قال الوائل بن الإبراشى
- حتماً سينال من الضرب الكثير .. ولن يمنعهم مانع إذا أرادوا حتى أن يقتلوه .. لكن سنفعل ما يجب أن نفعله
تدخل إبراهيم بن عيسى فى الحوار قائلاً
- وما الذى يمكن أن نفعله حتى نضغط على الشرطة ألا يؤذوه ؟ .. هل نحشد الناس فى الغد أمام ديوان الشرطة
رد أمجد بن الجلاد
- سيجعلهم ذلك يظنون أننا نؤلب الناس عليهم .. وربما أطلقوا الجنود ورائنا
قاطعه طالع بن الأسياد
- أنا لا أخشى فى الحق .. دعهم يفعلون ذلك ..
وسأريك ماذا أفعل ؟
قال المصطفى بن البكرى بحماسه المعهود
- إننا لا نريدها مشاجرةً أو عداءاً بيننا وبين الشرطة .. فقط نتجمهر فى سلام أمام الديوان .. فسيجعلهم ذلك يحسنون معاملة محمود
صمت الجميع وكأنهم ينتظرون من عليه الدور فى الكلام ، وإتجهت الإنظار صوب المأمون الذى بدا منهمكاً فى التسبيح بمسبحته الكهرمان بين أصابع يديه .. لحظات من الصمت قطعها المأمون حين رفع نظره من على مسبحته وقال
- الرسالة !
قالها وصمت يرقب النظرات المتسائلة من حوله قبل أن يواصل
- ماذا يريد القاتل أن يرسل لنا ؟ رد طالع بن الأسياد
- إنه فتى حاقد مريض .. خط بضعة كلمات يهزى بها
- لماذا تصر يا طالع أن محمود هو القاتل ؟ تدخل المأمون فى الحوار قبل أن يحتد
- الخطايا السبع المميتة !
- ( إنها أمراً قديماً ) .. (قرأت بعضاً عنها )
.. ( هذا جنون ).
لم يعلق إبراهيم بن عيسى الذى قال مسترجعاً قرائاته وإطلاعاته على هذا الموضوع
- الخطايا السبع هى الشراهة والرغبة والكسل والحسد والجشع والغضب والغرور .. كان عقاب صاحب أى, منهما هو القتل بالإعدام شنقاً فى ميدان عام أمام جموع الناس حتى يكون عبرة
تدخل الوائل بن الإبراشى فهو ليس أقل دراية ولا علماً ليقول
- بدأت منذ فجر المسيحية على يد الراهب الإغريقى (إيفاجاريو دو بونتو)
إنبعثت الكلمات تباعاً عن موضوع الخطايا السبع المميتة .. كل" من لديه شئ عنا يقوله
الخطايا السبع المميتة ، هي مجموعة خطايا حددتها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية خلال فترة العصور الوسطى من أجل بسط سيطرتها وهيمنتها علي المجتمع الأوروبي الذى كان يمر بمرحلة سيئة من الفساد والانحطاط الأخلاقي ، ولم توضع تلك الخطايا كلها معاً في وقتٍ واحد .. بل شرعت علي فترات مختلفة من الزمن وقد قررت الكنيسة إقرار تلك الخطايا ومعاقبة فاعلها بالاعدام شنقاً في ميدان عام وأمام جموع غفيرة من الشعب حتي يكون عبرة لهم ..وقد سارت هذة الاحكام علي جميع طوائف المجتمع من الأمراء وحتي عامة الشعب ..وهى الشراهة والرغبة والكسل والحسد والجشع والغضب والغرور .
كان عدد الخطايا السبع الرئيسية ثمان, ، حيث نظمهم في بداية المسيحية الراهب الإغريقي إيفاجريو دو بونتو .. وفى القرن السادس عشر نفذ البابا جريجورى التغييرات الأولى في هذه القائمة مضمناً فيها الحسد و دامجاً الغرور بالكبرياء .. أما في قائمة القرن السابع عشر المُعاد ترتيبها ، لم تعد الكآبة تُحسب كخطيئة حيث احتل الكسل محلها .. ونالت خطيئة الغضب النصيب الأكبر من الجدال ..فقد رفض عددٌ كبير من القساوسة إعتبار أن الغضب
خطيئة مميتة ، بل هو شعور إنفعالي لدى الإنسان العادى يظهر عند سماع أخبار غير سارة أو رؤيته لشئ يثير غضبة ..وأن أى فرد من أفراد المجتمع معرض لأن يغضب .. لذلك لم تعتد الكنيسة كثيراً لتلك الخطيئة ..ولكن حددت لها إطار وهو ألا يكون الغضب زائد عن الحد ولا يؤذى الآخرين.
حامت التساؤلات تسبح فى الهواء
- لماذا يفعل ذلك ؟ .. هل جعل نفسه حاكما يحكم على أصحاب الخطايا ؟ .. إنه شيطان
قال الوائل بن الإبراشى
- معنى ذلك أنه لايزال هناك جثتين أخرتين ..الغضب والغرور
قاطعه طالع بن الأسياد
- لقد قبضوا عليه
صاح المصطفى بن البكرى
- هذا الكلام يدين صانع الجلود .. فهو فعلاً يميل إلى القتل والعنف .. وبعدما يقتل يستفيد بسلخ الجلد وتصنيعه ثم بيعه
تنهد إبراهيم بن عيسى وقد بدا على وجهه أنه بدأ يشك أن محمود هو القاتل ، فقال
- إذا لم تظهر جثة الغضب أو الغرور ..
فمعنى ذلك أنه مدان
صمت الجميع بعدما أفرغ كل واحد ما فى جعبته .. وكالعادة إتجهت الأنظار صوب المأمون المطرق برأسه على مسبحته الكهرمان بين أصابعه .. لحظات من الصمت أدرك منها المأمون أنه حان عليه الدور فرفع بصره من على المسبحة يديره فى الوجوه التى ترنوا إليه وقال
- لقد حملت الرسالة ست كلمات على الترتيب ( الخطيئة ، قتل ، فوضى ، سلخ ، تتطهر ، العدل ) .. فإذا كانت الخطيئة هى حال البلاد التى تغرق بالظلم والفساد وإنتشار الفقر بين العباد .. فإن القتل والثورة على الظلم والطغيان هو الحل .. وإذا كان ذلك فإن الفوضى ستعم كل شئ .. فإذا إنسلخت الفوضى بعدما تهدأ الأمور كما ينسلخ الجلد فيظهر ما تحته .. ستظهر النتيجة ألا وهى زوال الظلم والفساد والطغيان ، وحلول العدل
صمت المأمون يرنو إلى الوجوه المذهولة من حوله وتابع بصوتٍ خفيض
- هذا هو فحوى الرسالة .. أنه يريدنا أن نثور على الظلم والطغيان
قال إبراهيم بن عيسى
- هذا الكلام يدين محمود .. هل يتخذ من القتل بهذا الشكل وسيلة لرسالة تحث على الثورة
صاح طالع بن الأسياد
- أنا قلت أن هذا الفتى مريض .. بل مجنون
نهض المأمون قائلا
- سأذهب فى صباح الغد إلى ديوان الشرطة ومعى رسالة تطالب بعدم إيذاء محمود ..
والإتيان بدليل, قاطع قبل محاكمته بمحاكمة عادلة
قالها بعدما كان قد إنتصب واقفاً .. ثم واصل بنبرة حزينة
- وسأغادر بعد غد وأعود لرحلاتى
قالها وهو ينصرف تاركاً الجمع يواصلون الجدال والحوار .
فى الصباح بداخل ديوان الشرطة وقف حسيب بن العادل يطالع رسالة .. لم تكن تلك رسالة المأمون وإنما كانت رسالة أخرى .. شملت بضع كلمات ( محمود برئ .. أطلق سراحه ..
سأعطيك كل ما تريد ) .. وتذيل الرسالة الإسم الذى جعل عيون يوسف تبرق .. إسم حورية ..
التى ما كادت تسمع خبر مقتل إمرأة الوزير
بطريق والقبض على محمود حتى همت بأن تخرج من القصر تهرع إلى ديوان الشرطة .. إلا أن أم إبراهيم مربيتها تمكنت من منعها بصعوبة .. كادت تخبر أبيها بكل شئ لتجعله يتدخل لإنقاذ محمود .. ستخبره أنه كان بصحبتها فى الصحراء وقت مقتل خيرازانة .. إلا أنها تراجعت ، فربما دفع ذلك أبيها للإنتقام من الصعلوق الذى تجرأ وتخطى الحاجز الهائل بين الأمراء والصعاليق .. قررت أن تنقذه هى حتى ولو ضحت بأى شئ يطلبه منها يوسف .. فهى تدرك أنها السبب فى القبض على محمود .. حتماً علم يوسف ما بينهما فدبر الأمر لمحمود ..كتبت الرسالة وأرسلتها .. والهواجس والظنون تعتمل بسريرتها .. هدأت قليلاً حين أمعنت التفكير وهى ممدة على سريرها فى غرفتها ..أنه إذا لم تظهر براءة محمود .. ستذهب هى إلى المحاكمة وتشهد بأنه كان بصحبتها وقت مقتل إمرأة الوزير بطريق .. لا يهم أى شئ آخر سوى إنقاذ محمود .
سحب يوسف بن حسيب الجالس على مكتبه فى ديوان الشرطة نفساً عميقاً .. وإرتسمت على وجهه إبتسامةٍ مقيتة .. أعاد قراءة جملة حورية الأخيرة ( سأفعل كل ما تريد ) .. إتسعت الإبتسامة المتشفية .. ماذا يريد منها مفكراً ..
من رفضته وأهدرت كبريائه بين يديه الآن مستسلمة .. يا له من إحساس لذيذ .. قطع شروده جندى دالفاً
- سيدى القائد هناك جمعٌ من الناس مع القوم المعارضين للسلطان بالخارج يحتشدون .. وهم بهذه الرسالة مرسلون
قالها الجندى وهو يمد يده منحنياً بالرسالة إلى قائد الشرطة .. ظات يد الجندى ممدودة .. فقد كانت يد يوسف برسالة حورية مشغولة .
وبالمداد عليها كانت الحروف مكتوبة ( أنتظرك الليلة فى قصرى ..
أنت تعرفين كيف تتسللى ..يا أميرتى ) .. هكذا خط يوسف على ذات الرسالة التى وصلته من حورية وذيَّل كلماته ب حبيبك يوسف .. لف الرسالة ومد يده بها
للجندى قائلاً
- أريد أن تعود هذه الرسالة من حيث أتت
قالها وهو يناول الرسالة للجندى ، بينما يتناول الأخرى منه بلا مبالاة .. وللجندى بالإنصراف قد أشار .. قرأ المطالبة بعدم إيذاء محمود ..
ضحك بخفوت .. فصار ورق الرسالة بيديه ممزوق فحأة اتسعت عيناه و فى الفراغ حدقت .. قفز فى ذهنه سؤال ،
ماذا لو لم يكن محمود هو القائل ؟ .. بل بالفعل إنه ليس القائل ..
تذكر يوسف أن محمود كان مع حورية عند البئر الناضبة فى الصحراء وقت مقتل خيرازانة
.. ماذا لو ظهرت جثة أخرى .. بل حتماً ستظهر.. فالقاتل لا يزال مطلق السراح ..
تصارعت دقات قلبه وإلتحم حاجباه ، نادى على أحد الجنود وقال
- إجعل الرقابة مشددة على الطرقات ..
وإقبضوا على من تتشككون فى أمره قام من على مكتبه وإتجه إلى الزنزانة ولما رأى محمود والإنتفاخات والكدمات قد أخفت ملامح وجهه .. أنقض يوسف على الحارس الواقف على باب الزنزانة يقبض بيده على رقبة
الحارس ويصيح
- هل أمرتكم بأن تفعلوا به ذلك .. أنتم هكذا
تقتلوه أيها الأغبياء
سحب نفسا عميقا وأرخى قبضة يدة من على رقبة الحارس الذى جحظت عيناه وكسى
الأزرق وجهه وتابع
- لا يقترب منه منكم أحد .. أطعموه شيئاً
وخففوا عنه الألم
قالها يوسف وهو يخرج خارج ديوان الشرطة ولما رآه الحشد المتجمهر ، تعالت الصيحات والهتافات ..
فأشار يوسف بيديه مطالبا إياهم
بالسكوت والإستماع إليه
- سيحظى صانع الجلود بمعاملة حسنة حتى تتم محاكمته .. أعدكم بذالك
قال المأمون على حصانه بصوتٍ أرتجت له
آذان الموجودين
- نريد ان نراه
- إنة متعبٌ .. فقد ضربه الجنود مضطرين حينما كان يحاول الهرب أثناء القبض عليه
- هل يمكن أن ألقى عليه نظرة ؟ لم يجد يوسف بداً سوى من أن يبتعد بجسده ليسمح للمأمون بالدخول .. ولما رأى المأمون محمود تجهم وجهه وقال ممتعضاً
- هكذا لم تمتد إليه يد كما قلت يا قائد الشرطة
- لقد أصدرت أو امرى بحسن معاملته .. تأكد من ذلك
غادر المأمون بينما يوسف يفكر فى هذا المجهول الذى ظهر فى البلاد فجأة .. وأصدر أوامره لجنوده بمراقبته ومعرفة كل شئ عنه ..
أدرك يوسف أن هذا الرجل قدير .
البلاد المباركة ج 11
بعينيها الدامعة كانت عبلة لوجه أحمد المكفهر ناظرة .وبصدرها نيران عذاب الضمير متأججة .. وحين رأت عيونه عليها متلهفة .. شعرت بقلبها بالحب له نابضاً .. أدركت عبلة فى هذه اللحظة أنها لأحمد تهوى .. وأن ضعفه
على قلبها قد إستولى .. بادرها قائلاً بلهفة وبنبرة صوتٍ مجهد
- كيف حالك يا عبلة ؟ .. لقد أخبرتنى رمانة أنك متعبة .. لم أطق صبراً على أن أحضر لأطمئن عليك
عبلة برأسها بعيداً عن أحمدِ تتجافى .. عن النظر فى عيونه تتحاشى .. وكلماته على أذنيها تتهادى
- لقد أغار اللصوص على قافلتى يا عبلة .. لكنى أشعر أن اللّٰه سيعوضنى خيراً فى قافلتى الثانية .. لقد أرسلت والدى قاطعته عبلة وهى تستدير إلى وجهه بيديها مسكة .. وبإبهاميها لما تحت عيونه ماسحة .. تقول بهمس وأنفاسها لاهثة
- لا تحزن يا أحمد .. سيعوضك اللّٰه .. فأنت طيب
- أنا طيبٌ يا عبلة .. لكنى لست بضعيف كما تظنين
جعلت كلماته عبلة عليه تشفق ، وقالت و عينيها عليه تحدق
— أنت رجلٌ يا أحمد
إبتسم أحمد سعيداً بجملة عبلة .. وكأنه نسى همومه وأحزانه .. وجد نفسه يضم عبلة بين زراعيه حاضناً .. كابد رغبته فى أن يكون على صدرها باكياً .. حتى لا يبدو أمامها رجلاً ناقصاً .. سمعها تقول ورأسها على كتفه نائمة
- أنا بخير يا أحمد طالما أنت بخير .. أنا لم أكن متعبة .. كنت حزينة من أجلك قالتها عبلة وهى ترفع رأسها من على كتف أحمد .. وتنظر بحنان, بالغ فى عينيه ، لتجدها دامعة ، وأحمد يزدرد ريقه محاولاً كبت بكائه .. إلا أنه فشل .. فأجهش فى البكاء .. وإنهمرت دموعه الساخنة بغزارة على وجنتيه تلسعه .. يشيح بوجهه ذات اليمين وذات اليسار .. يريد ألا تراه عبلة ضعيفاً هكذا .. إلا أنه وجدها تبكى وتنخرط فى البكاء أكثر منه .. بالكاد تمكن من أن يوقف دموعه .. وقال بصوتٍ ملؤه الرجولة
- أنا أبكى لأنى شعرت أنك أخيراً تحبيننى ..
مدت عبلة ظهر يديها تجفف دموعها من على خدودها .. ضحكت من وراء الدموع قائلة
- نعم أنا أحبك يا أحمد
ضحك أحمد يمسح بطرف كم ثوبه ما علق حول أنفه من سوائل بكائه وقال وسط ضحكاته البريئة
- إذن لقد سامحتينى يا عبلة .. أنا السبب فى موت ابننا
- لا يا أحمد .. أنا السبب .. أنا من بدأت بلطم أمك وأغضبتها ..سيعوضنا اللّٰه عن ابننا قالتها عبلة وهى تجذب أحمد على السرير جالسة.. إحتضنته ورأسه على كتفها واضعة ..كالطفل بيديها على ظهره مهدهدة .. بينما عينيها فى الفراغ محدقة .. وعلى القرار الذى
الحب هو ما يجعل المرأة تتنازل عن أى شئ حتى ولو كان إنتقامها لإبنها قالت عبلة بنبرةٍ واثقة
- ستصل قافلتك بأمان يا أحمد .. وسنواصل حياتنا فى دارنا الصغيرة
قاطعها أحمد قائلاً
- لقد تمكنت من إقناع أمى بالإستقلال بحياتى بعيداً عن القصر .. لكن جاء خبر القافلة ليمنعنى من أن أحضر لإخبارك
- ستنصلح أحوالك كلها يا أحمد
- لقد إتفقت مع أبى على تغيير مسار القافلة القادمة حيث ستسلك الط ...
إنقطعت كلمات أحمد إثر إنقضاض عبلة بفمها على فمه تقبله .. فلم تكن عبلة لمعرفة مسار القافلة الجديد راغبة .. وقد أصبحت على ما فعلته بالقافلة الأولى نادمة .
فى قبلة حب صافٍ يذوبان .. وللشهيق والزفير يتبادلان .. ورموش عيونهما لغريزة الجسدين يستسلمان .. وفى عالم اللاوعى يغيبان .. أفاقا ليجدا نفسيهما عاريان ..فوق السرير ملتحمان .. وبتيار المتعة يتدغدغان .. وفى بحر اللذة غارقان .. فبأى شئء مدفوعان .. إنه الحب .
فجأة توقفا عن القبلات .. نظر البعضهما ثم إنطلقت الضحكات .. يتعجبا كيف تحول
الحزن والبكاء إلى العبث بالملذات .. طبع أحمد قبلة رقيقة على جبينها قائلا
- ليعلم اللّٰه يا عبلة .. مالى فى هذه الحياة ما احبه سواك.
إبتسمت عبلة وهى ترد قبلة أحمد بمثلها قائلة
- ليعلم اللّٰه يا أحمد .. كم أحببتك بعدما عاشرتك .. ووجدتك رجلاً يخشى اللّٰه ..
ليس كأقرانه من أبناء الأعيان اللاهين
العابثين
قال أحمد بفرح من كلمات عبلة
- قال **** اللـه صلى اللـه عليه وسلم ( خير متاعُ الدنيا الزوجة الصالحة ) .. وأنت.
زوجتى الصالحة يا عبلة ..وكل متاعى فى الدنيا .. سيكر منى اللـه من أجلك يا عبلة قالها أحمد وهو يخرج من حزامه صرةً من الدنانير يمد يده بها إلى عبلة قائلاً
- إستعينى بهذا المال على قضاء حوائجك .. هو ليس بالكثير .. لكنه كل ما معى الان
قبضت عبلة بكفيها على يد أحمد الممسكة بالمال وقالت مبتسمة .. وحاجبها مرفوعان
- عندى ما يكفينى .. إحتفظ بالمال معك
- لا يا عبلة .. هذه نفقتك .. ثم أن القافلة ستصل بإذن اللّٰه بعد يومين
بداخل غرفة الجارية رمانة فى قصر ابن زيدون بادرت رمانة قائلة
- هل علمت بمسار القافلة الجديد
قاطعتها عبلة بنبرة خافتة لكنها متحمسة مرتبكة
- لقد ألغيت الإتفاق يا رمانة .. إجعلى شيخ المنصر يترك القافلة تمر فى سلام ولا يمسها بسوء
رمانة مندهشة ونظراتها مريبة
- مولاتى .. ألا تريدين أن تجعلى ابن زيدون وإمرأته يتسولون
ردت عبلة مسرعة آمرة بغضب
- أقول إنتهى الإتفاق .. يجب أن تمر قافلة أحمد بسلام
أومأت رمانة برأسها تقول
- سمعاً وطاعةً يا مولاتى .. سأرسل إلى شيخ المنصر برسول, عاجل .. ربما يلحق وربما لا
قالتها وهى تنظر بطرف عينها إلى عبلة التى صاحت
- لابد أن يلحق
- مولاتى .. نحن لا نعرف مسار القافلة الجديد .. فإذا فقد شيخ المنصر أثر القافلة إنتهى كل شئ .. أما إذا لم يفقد أثرها
- ربما يلحق به الرسول قبل أن يهجم على القافلة
زاغت عيون عبلة وقالت وكأنها تحدث نفسها
- يجب أن يلحق به
- سأرسله على الفور .. هذه الليلة هكذا قالت رمانة ثم تابعت بصوت خفيض
- إهدأى يا سيدتى .. أنا أعلم أن أحمد كان عندك منذ قليل
- لا شأن لك .. فقط إفعلى ما آمرك. به جعل ذلك رمانة تصمت متذكرة أيامها الأولى مع سيدتها عبلة سريعة الغضب التى طالما صرخت فى وجهها .. تأهبت عبلة للرحيل قائلة
- يجب أن تمر هذه القافلة بأمان
- أمرك يا مولاتى
- لابد أن ينتهى الأمر سريعاً
كان الصوت هو صوت نادية التى كانت مع رمانة فى غرفتها وحين حضرت عبلة .. إختبئت نادية خلف أحد الستائر وسمعت الحوار الذى دار بين عبلة ورمانة التى قالت
— لابد أن ينتهى الأمر سريعاً على العودة قبل أن يلحظ أحد غيابى فى
قصر الوزير بطريق
هكذا قالت نادية وهى ترتدى نقابها وولّت مغادرة بعدما ألقت بجوهرة ثمينة إلتقطتها رمانة سريعاً .
رمانة هى أخلص التابعين لنادية منذ أن كانت معها فى قصر ابن زيدون وصارت مصدر معلومات نادية عن كل ما يدور بقصر ابن زيدون بعد مغادرتها له .. فعلت رمانة ما فعلت
من بداية صداقتها بسيدتها عبلة وحتى أمر القافلتين بايعاذ وتخطيط من نادية
ابن زيدون على حصانه فى صدارة القافلة متبختراً .. هو ومن حوله الجنود للقافلة، حارساً
.. وفجأة سمع صيحة
- هع
تلفت حوله قلقاً متقرباً .. ثم سمع هع ثانية أعلى وأقوى .. توالت الصيحات
- هع .. هع .. هع .. هعهع هعععععععع ومعها تدفق اللصوص الملثمين يحاصرون القافلة ..
إستل ابن زيدون سيفه .. وقبل أن يكتمل خروج السيف من غمده .. كانت رأس ابن زيدون قد طارت بضربةٍ قوية من مقاتل محترف .. مال ابن زيدون بحمل السيف ومقاتلة اللصوص .. عاش لا يفقه سوى فى معاشرة الجوارى من فنون .. أما الجنود المرتزقة ما أن رأوا رأس ابن زيدون فى الهواء تطير ، حتى إنقلبوا على أعقابهم وولوَّ مدبرين .. هكذا تم الإستيلاء على القافلة بضحية, واحدة .. ابن زيدون .
عاودت القافلة السير فى طريقها حتى إلتقت مع قافلةٍ أخرى يقودها الشيخ جليل .. إنضمت القافلتان إلى بعضهما تحت راية الشيخ جليل الذى قال
- أمامنا مسيرة يوم ونصل إلى السيد هارون الوكيل صاحب القافلة
كانت هذه القافلة المهيبة هى القافلة التى غادر الشيخ جليل لإحضارها كما أخبر هارون ..
بعدما أتى له بالقافلة الأولى .. ولم تكن هذه القافلة سوى أموال أحمد ابن زيدون .
أمضى هارون اليوم التالى بعد قتله لخيرازانة وسلخ جلدها فى قصره بالجوارى العاريات
ينعم.. وعلى فرشه الموسورة يتمدد .. لحلول الليل يترقب ..فلموعده مع نادية ما له من مهرب .. كلما تذكر نادية سرت فى جسده قشعريرة .. لكنه عندما يتذكر اللفائف السبعة تهدأ السريرة .. لم يتبقى سوى اثنتين وبعدها لن يكون هناك قتيلة ..سيحيا بعد ذلك بأمان .. وربما بعدما يصنع العطر يصير على الناس سلطان .. هكذا قالت له نادية ..تتناثر صرر الدنانير هنا وهناك .. ورشات العطر على وجهه بين الفينة، والأخرى .. لم يشعر هارون بالوقت كيف مر .. والموعد مع نادية قد أزف
وصل هارون حيث البئر الناضبة قبل نادية حتى لا يسمع ما سمع فى اللقاء السابق .. لم يمضى الكثير من الوقت حتى كانت فرسة نادية أمامه واقفة .. نزلت نادية ونظرات هارون المحدقة
المتعجبة ، حين رآها لعبائتها السوداء ونقابها نازعة .. وعارية دون أية كلمة أمسكت به تخلع عنه ملابسه واقفاً ، فصار عارياً .. قبضت نادية بكفها الأيسر على رأس هارون تعتصر شفتاه بشفتيها ، وضفائر شعرها من خلف رأسها نازلة ..بالكاد نطق هارون وقال
- ماذا بك يا نادية .. لم أركِ من قبل هكذا لم يتلقى رداً من نادية التى ألقت بنفسها على الرمال لهارون طالبة .. كما تأمر كان هارن لها طائعاً .. إنتشت ونهض هارون عنها ليرتدى ملابسه ، لكنه سمعها تقول
- ستصل فى ظهيرة الغد قافلتك الثانية .. إتبع ما يقوله الشيخ جليل
- فى مساء الغد .. تعالى وإشترينى من قصر الوزير بطريق .. فهم يبيعون الجوارى بعد مقتل خيرازانة
إكتفى هارون بمشاهدتها تغادر دون أن يستفسر عن شئ .. لأنه يعلم أنها لن تقول إلا ما قالته
فى ظهيرة الغد كان هارون عند طرف المدينة للقافلة منتظراً .. يتعجب من التجار اللذين حضروا علَّهم يشترون بعض بضاعة ينتفعون ببيعها .. فالقوافل ندرت فى الآونة الأخيرة .. يدرك هارون أنه يسير تحت قوةٍ غامضة تقودها نادية .. هو نفسه لم يعلم بأمر القافلة سوى من نادية فى فجر اليوم .. فكيف علم التجار بأمرها وحضروا .. بدت بشائر القافلة تقترب ، دون أن تتمكن الأعين من إدراك نهايتها .. ووصل أخيراً الشيخ جليل الذى قال بتسماً بملامحه الجليلة
- هذه قافلتك يا سيد هارون لم يجد هارون ما يقوله سوى
- حمداً **** على سلامتك يا شيخ جليل تسير القافلة فى طرقات المدينة وقد إحتشد من حولها الناس والعباد .. ومن حولها يسير التجار مهطعين رؤوسهم ذليلين .. وكانت المفاجأة حين قال الشيخ جليل
- كل هذه البضاعة ملك السيد هارون الوكيل وحده .. لن يبيع منها شئ
- إنها بضاعة كثيرة .. لما لا يبيعنا بعضا منها نقتات منه رزقنا ؟ .. وكيف سيبيعه وحده إذن ؟ .. ولماذا يحتكر كل هذه البضاعة وحده
هكذا ترك هارون الشيخ جليل يفعل باسمه مايريد .. لم يعطِ قطعةً واحدة من أى شئ للفقراء والمساكين .. إنصرف التجار يضربون كفوفهم مرددين
- حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل
بينما عيونهم شاخصة على الخيل والبغال والحمير والجمال والعربات الخشبية المحملة بالبضائع من الأخشاب بأنواعها والأقمشة.
بأنواعها إلى أصغر الآنية النحاسية مروراً بالمعادن والأعشاب والملابس والجلود .
وفى المساء إشترى هارون الجارية الرومية نادية من قصر الوزير بطريق .. مرت أيامه التالية فى القصر على نفس المنوال وأكثر ..على عكس ما كان هارون يتوقع ، أن وجود نادية معه فى القصر سيقيض حريته إلا أنه فوجئ بنادية أخرى غير التى يلقاها خارجاً فى الصحراء .. كانت فعلاً تتصرف كجارية وتشارك باقى الجاريات فى إمتاع سيدها .
قبل ذلك وفى اليوم الذى وصلت فيه قافلة هارون ، حيث كان من المفترض أن تصل فيه قافلة أحمد .. كانت عبلة فى أنحاء دارها متجولة .. مضطربة خائفة مترقبة .. ولما دنت الشمس من مغربها .. هرعت عبلة ترتدى للخروج ملابسها .. فتحت الباب لتذهب لقصر ابن زيدون عن القافلة تستخبر .. ولكنها وجدت أحمد أمامها شاحباً للموت يستحضر .. ما إن رأته حتى وضعت كفيها تخفى وجهها ، فقد كان الخبر المنتظر على وجهه مقروناً .. بصوتٍ واهن ، والهالات السوداء غطت عينيه التى بدت وكأنها توشك على فراق الحياة .. قال
- ضمينى يا عبلة
وسط بكائها ضمته عبلة .. أسندته يدخل إلى غرفتها وأبوها وأمها يرقبان المشهد .. أرقدته على السرير يتمدد وسمعته
- لقد قتلوا أبى
قالها وهو يقوم من رقدته ليجلس على طرف السرير، فسقطت عن رأسه عمامته ، وبان شعره أشعثٌ أغبر .. يرنوا بعينيه الذابلة لعبلة التى تبكى ببكاءٍ مكتوم .. واصل بصوته الواهن
- قل لن يصيبنا إلا ما كتب اللّٰه لنا .. الحمد **** قالها وهو يطرق برأسه يرقب الأرض .. جففت عبلة دموعها بيديها وقالت وهى تحتضن رأس أحمد على صدرها
- لا تحزن يا أحمد .. لازال عندك الكثير رد أحمد والدموع تلمع فى عينيه وكأنها ملتصقة بحدقتيه متشبثة تأبى أن تنهمر
- لم يعد عندى شئ .. سأبيع القصر بما فيه .. أو أجعل رجال بيت المال يصادروه .. عسى أن يكفى ما علىً من قروض، لبيت المال .. فهذه أمو ال الناس
رفع رأسه من على صدر عبلة ينظر فى الفراغ وتابع
- سأبحث عن عمل أو أحترف صنعة أتكسب منها رزقى .. ثم أستأجر داراً صغيرة نعيش فيها
صمت يتنهد ويزدرد ريقه مقاوماً رغبة البكاء ثم تابع ناظراً بعيونه الدامعة فى وجه عبلة
- أمى لم يعد لها الآن أحد غيرى .. ستعيش معنا يا عبلة .. أعدك أنها لن تزعجك فهى طيبة رغم ما كان
قاطعته عبلة ضاحكة بخفوت
- لن تضطر لكل ذلك .. لازال معنا نصف القافلتين .. هذا كان إتفاقى مع شيخ المنص.. .
بترت عبلة كلماتها واضعة يدها على فمها وقد إتسعت عيناها تحدق فى وجه أحمد الذى بدا لها وكأنه لم يسمع شئ من جملتها الأخيرة .. إلا أنها رأت الأوردة تبرز وتنتفض على جبهته .. ونور عينيه يخبو تدريجياً خلف الدموع المتلالئة وسط ضوء نار المصباح الخافتة فى الغرفة .. إنكمش حاجباه يرتعشان .. مع أول قطرة دمع تسيل من عين أحمد تتهادى ببطء على خده .. إنطلق صوت بكاء عبلة مكتوماً خلف يدها التى تكمم فمها .. ولما رآت عينيه تتثبت على عينيها ، لم حتمل تلك النظرة ، فأسرعت تحتضن رأس أحمد على صدرها تقول وسط بكائها بصوت مرتعش
- سامحنى يا أحمد .. لم يكن موت ابنى علىّ بالأمر الهين .. وجدت نفسى أسير خلف الجارية رمانة اللعينة
إختلطت أصوات بكاء عبلة وأحمد فى أجواء الغرفة .. سحب أحمد رأسه من على صدر عبلة وقام متثاقلاً .. بخطوات متعبة وصل إلى الباب يفتحه ، ومن خلفه عبلة تجذبه صائحة
- أحمد .. سامحنى يا أحمد .. يمكن أن نبدأ حياتنا بنصف القافلتين .. سيخلف اللّٰه عليك خرج أحمد هائماً على وجهه غير عابئ بالدموع المنهمرة وهو سائر" عارى الرأس فى الطريق .
بينما عبلة وعليها ثياب الخروج أسرعت .. إلى قصر ابن زيدون وصلت .. وإلى غرفة الجارية رمانة متسللة دلفت ورأت رمانة جالسة على طرف السرير تداعب هرتها
بدرت عبلة صائحة بغضبٍ عارم
- لقد إنتهى كل شئ يا رمانة
ردت رمانة الجالسة على سريرها تداعب هرتها
- ماذا حدث يا سيدتى ؟
صاحت عبلة فى وجه رمانة محدقة
- اين نصف القافلتين كما الإتفاق ؟ ردت رمانة بهدوء وإبتسامة جعلت عبلة تزداد غضباً
- إهدئى يا سيدتى .. قد يصل الصوت إلى غرف الجاريات
- ستصل البضاعة خلال يومين أو ثلاثة على الأكثر .. وسأستأجر داراً و .. .
قاطعتها عبلة مسرعة وقالت محاولة خفض صوتها
- أريد أن تصل البضاعة إلى مخازن أحمد قاطعتها رمانة وهى تمرر كفها بهدوء على القطة
- سيدتى .. الفقراء يحتاجون ال. ٠ علا صوت عبلة تصيح
- أقول إنتهى كل شئ .. أريد البضاعة فى مخازن أحمد
- سمعاً وطاعةً يا مولاتى .. خلال يومين أو ثلاثة سيكون ما تريدين
ما أن قالتها رمانة حتى وضعت عبلة طرحتها على رأسها وغادرت .. فى الوقت الذى كانت رمانة تلتحف متخفية خلف **** أسود ، وخرجت متسللة .. إلى قصر هارون الوكيل داخلة .. ولنادية بما حدث مُخبرة .. قالت نادية وهى جالسة وقد وضعت إحدى ساقيها على الأخرى
- سننهى ذلك الأمر .. عودى يا رمانة قبل أن ينكشف غيابك .. وسأخبرك بما تفعلين لاحقا قالتها نادية وهى تناول رمانة عقداً ثميناً ..
تناولته رمانة على الفور سعيدة .
البلاد المباركة ج 12
بعد أيام ثلاثة .. فى المساء كانت الجارية رمانة فى دار عبلة تقول
- لقد وصل يا سيدتى نصف القافلتين كما الإتفاق .. لكن مندوب شيخ المنصر يرفض تسليمى البضاعة .. يريدك أنت
دون أن ترد عبلة إرتدت ملابسها وهرعت تسابق الزمن مع رمانة .. وصلا إلى مخزن كبير .. بالبضاعة زخير .. رأت عبلة رجلاً بالإنتظار والذى لم يكن سوى هارون فى أحد مخازن بضاعته التى احتكر بيعها لحسابه ..
قالت عبلة متلهفة
- أهذه كل البضاعة ؟
- لا .. هناك المزيد فى الطريق
- أنا من إتفقت مع شيخ المنصر
- أعلم ذلك وأنا ابنه .. سأعطيك البضاعة .. بل يمكننى توصيلها إلى مخازن زوجك كما تودين .. لكن صمت برهة يبتسم بخبث ثم أردف وهو يمد يده بتحسس خد عبله الواقفة أمامه
- أنا أريدك أولاً
ردت عبلة منفعلة تحدق فى وجهه بذهول وهى تدفع بيده من على وجهها
- ماذا تقصد ؟
- أنا رجلٌ أشتهي النساء .. ولابد أن أنال مأربى .. حتى أبلِّغك مأربك
- أمجنون" أنت يا رجل .. أين من أتفقت معه رد هارون مسرعاً
- لن ترينه ثانيةً .. الأمر لك. .. إعطينى نفسك تأخذين بضاعتك .. وإن لم توافقى فهذا شأنك
- لكن .. إنسى أن لكِ شيئاً عندنا
نزلت الجارية من على حصانها أمام باب قصر يوسف بن حسيب .. إقترب منها أحد الحراس يرنو إلى عينيها بينما وجهها إختفى خلف اللثام
أشار بأصبعه فقام حارسٌ آخر بفتح الباب .. إتجهت الجارية حيث أشار لها الحارس .. عبرت الحديقة وما كادت تصل لباب مبنى القصر حتى وجدت الجارية جومانة بالإنتظار قائلة
- أهلاً بك أيتها الأميرة
دخلت حورية بصحبة جومانة إلى أحد الغرف ، وقامت جومانة بنزع ملابس الجاريات التى تخفت حورية بها متسللة من قصرها قائلة
- هكذا أمر سيدى يوسف
إمتثلت حورية المتوترة المضطربة لجومانة التى ألبستها ثوباً مذهباً يكشف عن مفاتن جسدها .. وكذلك صففت لها شعرها .. ثم جذبتها من يدها تتجه بها حيث غرفة يوسف .
هكذا جائت حورية إلى يوسف كما وصلتها الرسالة .. مستعدة لأن تفعل أى شئ لإنقاذ حبيبها محمود .. لم تكن ترى شيئاً حولها ..هى فقط لا ترى أمامها سوى محمود بوجهه المجهد على الدوام .. لا تسمع شيئاً حولها .. سوى صوت محمود .. هى السبب فيما حدث له وعليها أن تصلح الأمر .. هكذا كانت تفكر حورية .
فتحت جومانة باب غرفة يوسف ودفعت بحورية للداخل ، ثم أغلقت الباب خلفها مغادرة
************************
أدارت عبلة بصرها بين وجه هارون ، ووجه رمانة التى تتصنع المفاجأة والذهول .. ولم تجد ما تفعله سوى أن تبكى كالأطفال .. شعرت حظتها باضطراب .. لا تدرى أهى جانية أم
مجنىٌ عليها .. أحاطتها رمانة بزراعيها تهمس فى أذنها بصوتٍ كالفحيح
- دعيه يأخذ ما يريد .. لن يعلم أحد .. نأخذ البضاعة ونعيدها إلى أحمد
كانت عبلة تهز رأسها يميناً ويساراً رافضة ودموعها على خدها سائلة .. قفزت أمام عينيها صورة وجه أحمد فى آخر لقاء بينه وبينها منذ ثلاثة أيام .. شعرت بنظرات عينيه الباكية الذابلة تخترق قلبها، هى من فعلت به ذلك .. وعليها أن تصلح بعض ما أفسدته ، مهما كان الثمن .. لكن هل يمكن أن يكون الثمن هو شرفها ؟
رأت حورية يوسف مرتدياً عبائة مذهبة غالية.. يقف منتصباً واضعاً يديه خلف ظهره مشبكاً.. وعيونه على جسدها ناظرة .. قالت حورية بصوتٍ متحشرج مضطرب وجسدها يرتعش
- يوسف .. أنت تعلم أن محمود برئ ، فقد كان معى ليلتها .. أطلق سراحه ودعه لحاله وسأعطيك كل ما تطلب
تنهد يوسف فى وجهها محدقاً ورفع حاجبه الأيسر يقول بهدوء
- كنت أدرك أنكِ أميرةٌ غريبة .. والآن
أدركت أنكِ مجنونة
صمت يقترب منها بخطواتٍ متوازنة ثابتة ، ويديه لاتزال مشبكة خلف ظهره ثم تابع بنبرة خشنة مخيفة وقد أمال رأسه لتقترب أنفه من أنفها
- أهذا الصعلوق الحقير هو من أخذكِ منى ؟ قالها وهو يثبت عينيه على عينيها بنظرة ثاقبة ، جعلت حورية تنظر للأرض متحاشية ثم واصل
- أمن أجله رفضت حبى وأهدرتى كرامتى طقت حورية بكلمات سريعة متلعثمة وفى عينيها نظرات رجاءٍ وإستعطاف
- أطلق سراحه ودعه وشأنه .. لن أراه بعد ذلك .. سأفعل لك كل ما تريد
- ألهذه الدرجة تحبيه ؟
قالها وهو يملأ كأساً ذهبية بالخمر .. عاد بذات الخطى الثابتة يقترب من حورية يتجرع الخمر ، وأشار بأصبعه السبابة باليد الممسكة بكأس الخمر تجاه الأرض قائلاً بصوت آمر
- إركعى تحت قدمىّ
هذا هو الوعد الذى كان يوسف قد قطعه على نفسه حين مزقت حورية رسالته فى شرفتها هذا هو الوعد الذى كان يوسف قد قطعه على نفسه حين مزقت حورية رسالته فى شرفتها وألقتها فى وجهه .. أقسم يومها ليجعلنها تأتيه راكعة ولو بعد حين .
إتسعت عينا يوسف حتى كادت تقفز من محاجرهما .. حين رأى حورية لم تركع .. بل ألقت بنفسها ساجدة تحت قدميه تقول بصوتها المكتوم على السجادة
- أصدر أوامرك وأطلق سراح محمود .. وأنا رهن إشارتك
نزل يوسف على ركبتيه وأمسك بشعر حورية يجذبها لتعتدل من سجودها .. جرع ما تبقى فى الكأس من الخمر جرعةً واحدة وأطاح به بعيداً ،فأصطدم بالجدار محدثاً دوياً جعل جسد حورية يقشعر فزعاً .. قال يوسف و علامات الذهول على وجهه وقبضة يده متشبثة بشعر حورية تجذبه
- حتماً هذا الصعلوق بائع الجلود سحر لكِ هكذا لم يجد يوسف تفسيراً للأمر .. لأنه لا يدرك أساساً شيئاً اسمه الحب .
الحب عند المرآة هو ما يجعلها تنسى الزمان والمكان ، فقط تحيا فى عالم الأحلام ظل السؤال يتردد فى ذهن عبلة .. هل يمكن أن يكون الثمن هو شرفها ؟ .. ولما رأتها رمانة مترددة .. سارت بها تجاة فرشة فى أحد الأركان أعدت خصيصاً .. وباتت عبلة وسط بكائها فى شبه غيبوبة .. لم تدرى عبلة بأنها صارت على الفرشة ممددة .. ورمانة تخلع عنها ثوبها ممهدة .. تواصل بكائها عبلة مستسلمة .. أمعن هارون النظر إلى جسد عبلة وصار عارياً .. لم تكن عبلة فى حالة تسمح لها أن تدرك ما يحدث لها .. أجهدها البكاء فتوقفت عنه لاهثة .. كما تقول اللفائف لابد من جعل المرأة فى قمة متعتها.. مر الكثير من الوقت ولا يبدو أن عبلة من الممكن أن تصل لشىء من المتعة .. فقط تبكى ثم تتوقف ثم تعاود البكاء .. كانت عبلة فى عالم آخر .. تحيا فى الذكريات منذ قابلت أحمد فى السوق وحتى نظرة عينيه فى آخر لقائاتهما .. تجتر الذكريات وتبكى .. ملَّ هارون فوق عبلة ، فأشار لرمانة التى سارعت تناوله الخنجر .. أمسك به وهوى على قلب عبلة .. لم يحدث لها شئ .. فقط تغير صوت بكائها لحظة غرس الخنجر فى قلبها .. ثم عاد صوت البكاء لما كان عليه .. تعجب هارون ، فأدار الخنجر فى قلبها ، فخرج الدم من فمها يختلط بدموعها المنهمرة ..
وتوقف البكاء . قام يوسف ونزع عبائته بغل .. فصار عارياً أمام حورية وصاح بغضب
- قفى وإخلعى الثوب
لم يفاجئ الأمر حورية ، لكن يوسف سمع أناتها المكتومة .. وعيونها صارت بالدموع مملوءة .. لم يكن الثوب الخفيف يحتاج سوى دفعة خفيفة
من يدي حورية لينزلق تحت قدميها وتصير عارية .. توهجت أرنبة أنفها إحمراراً ، وسرعان ما إحتقن وجهها .. وما أن علا صوت بكائها حتى فزعت على صرخات يوسف فيها يقول
- علام تبكين ؟
قالها وهو يهوى على وجهها بصفعةٍ قوية أسقطها أرضاً .. ثم جذبها من شعرها يجرجرها على الأرض تجاه السرير .. إعتدل يلهث يرقبها وهى تتشنج باكية تحت قدميه .. سحب نفساً عميقاً ونزل بجسده يقول بهمس
ووجهه محتقن
- إذا لم تتوقفى عن البكاء فإنسى أمر ذلك الصعلوق
هرعت حورية تمسح ما علق بوجهها من سوائل بكائها .. تبتلع ريقها بعنف .. وتسحب الهواء من أنفها .. فتوقف بكائها نهضت من على الأرض لتقف خاشعة ذليلة ملاصقة للسرير أمام يوسف ، الذى مد يده تحسس براحته وجهها ويداعب بأنامله خصلات شعر ها ثم أمسكها بيديه من منكييها يدفعها شعرها .. ثم أمسكها بيديه من منكبيها يدفعها خفيفاً ، فصارت على ظهرها على السرير ممددة .. نام فوقها وسمع أنات بكائها قد بدأت مجدداً تتصاعد .. فهوى بلطمةٍ على وجهها صائحاً
- يبدو أنك تعشقين اللطمات على وجهك أيتها الأميرة
صمت يحدق فى عينيها بنظرةٍ شريرة وهى تكابد رغبة البكاء وتمسح بظهر يديها دموعها ثم تابع
- تماماً .. كما لطمك الصعلوق بائع الجلود قالها وهو يستعد لأخذ ما يريد
قام هارون وسلخ جلد عبلة ولفه فى حقيبته .. ساعدته رمانة وبعدما إنتهيا لفا الجثة جيداً بالقماش .. وحملها هارون وإتجه بها حيث حصانه بجوار باب المخزن ، وضعها عليه وركبت رمانة خلفه .. لثم وجهه وإنطلق فى الدروب الضيقة التى لا يحرسها الجنود .. القى بجثة عبلة من فوق الحصان بأحد الدروب ..نزل وواصل على حصانه السير الدؤوب .. وحين إقترب من قصر ابن زيدون سمع رمانة تقول
- سأترجل أنا من هنا حتى لا يرانا أحد .. نزل هارون وساعد رمانة فى النزول .. ما إن همَّت رمانة مغادرة حتى ناداها
- رمانة .. لقد أرسلت نادية لكِ شيئاً إبتسمت رمانة تنتظر جوهرة أو صرة من الدنانير .. إلا أنها رأت حركة سريعة خاطفة من هارون .. نظرت بعدها على صدرها لترى الخنجر مغروساً فى قلبها .. وسمعت هارون
- هذا أرسلته لك نادية .. إنها تشكركِ كثيراً
سقطت رمانة على الأرض وعلا صوت إرتطام جسدها بالأرض .. فنظر هارون حوله ولما تأكد أنه لا يراهما أحد .. نزل بجسده ينزع الخنجرمن قلب رمانة ويمسح الدماء من عليه بطرف ثوبها .. ثم إمتطى حصانه وإنطلق إلى الدار الأجيرة يكمل العمل .. أذاب الدهن وفلتره وتحصَّل فى نهاية على قنينة زيت أصغر من أصبع اليد .
تنهد يوسف مبتسماً محدقاً فى وجه حورية وهى تكابد رغبة البكاء .. وقبل أن يدفع ليمزق بكارتها ، إنفتح الباب ودخلت رمانة تلهث وكأنها كانت تعدو قادمة من مسافةٍ بعيدة .. إلتفت يوسف فزعاً ينظر وعلى عينيه الغضب فى وجه الجارية جومانة التى لم تعبأ بعيون يوسف .. ولا المنظر على السرير أمامها وقالت وسط لهاثها
- سيدى .. القاتل عاد
تلتقط أنفاسها وقد ضاقت عيون يوسف بعدما كادت أن تلتهمها حين دخلت عليه وسمعها تواصل
- هناك جثة مسلوخة
تلتقط بعض الأنفاس
- وجثة غير مسلوخة
قام يوسف من فوق حورية ..لم يلتفت لأصوات بكائها التى أغرقت الغرفة .. هرع يرتدى زيه وغادر منطلقاً .. بينما لا تدرى حورية كيف عادت لقصرها .. تفكر .. الان ظهرت براءة محمود وسيُطلق سراحه .
سرت الفوضى فى البلاد بعد مقتل عبلة والجارية رمانة .. لم يعد هناك أمان ، يخشى أيةُ رجلٍ فى البلاد .. صعلوقاً أو أميراً كان ، على زوجاته وبناته وأخواته وحتى جارياته من الخروج ، فقد يقتلهن القاتل المجهول
.. توارت النساء ..وبارت السلع
فى الأسواق .. كسدت الأحوال وغرقت البلاد.. إنتشرت القصص والأساطير تروى حكاياتٍ عن القاتل المجهول .. يقولون أنه ****ٌ مأمور .. على أصحاب الخطايا سطور .. ويقولون أنه سلطان" مظلوم يريد أن يستعيد عرشه المسلوب .. ويقولون أنه أمير" مخبول ، إحتالت عليه جارية فاتنة فسلبت منه ثروته ، فبغض النساء جميعاً ، لذا هوى عليهن تقتيلاً .. ويقولون أنها إمرأة قتلوا ابنتها الصغيرة فهى تنتقم ..تملك الخوف والذعر من الناس والعباد وحتى الأمراء والأعيان ، تجاه القاتل المجهول .
هذا إلى جانب إحتكار هارون لبضاعة القافلة ، فى البلاد نقطة فاصلة .. حدد الشيخ جليل باسم هارون للسلع أسعاراً باهظة .. لم يقدر عليها سوى الأمراء والأعيان والأغنياء .. بينما لم يجد الفقراء ثمن ما يحتاجونه ، بعدما تقافزت الأسعار بطريقة مجنونة ، وكان لابد من وقفة
*****************************
بداخل القصر السلطانى
كان السلطان المبروك وابنه ولى العهد جلال مع الحاشية المحتشدة مجتمعين .. صرخات جلال
تشق أجواء المكان هذا القاتل يعبث بنا .. يسخر منا .. ألا نستطيع أن نوقفه ؟ .. لقد جعلنا أضحوكةً للعباد .. لابد من الإتيان به بأى ثمن
فى نفس الوقت
بداخل المسجد
كان القوم المعارضون للسلطان مجتمعين .. وبأنظارهم جميعاً تجاه المأمون مشدوهين ..وإلى كلماته بصوته يشق سكون المسجد مستمعين
- لقد زاد الظلم والطغيان .. تجلَّى لنا ضعف الحكام .. قاتل طليق السراح. يعبث بالبلاد .. لابد لنا من وقفة .. وعلينا بالظلم ألا نرضى
بداخل القصر السلطانى
يتحرك جلال فى المكان كالممسوس .. وعلى وجهه تعبيرات الجنون .. يردد ويصرخ كالمحموم
- إجعلوا فى كل شارع من الجند والحراس ..بل فى كل دربٍ وزقاق .. بل ضعوا حارساً أمام كل بيتٍ فى المدينة .. إذا صدق ما يردده المعارضون عن الخطايا السبع ، فلا يزال أمامه جثة مسلوخة أخرى وقد يصاحبها قتلى كما حدث لجارية ابن زيدون
صمت يحدق فى وجه قائد الشرطة يوسف بن حسيب بنظرة إرتعد لها جسد يوسف ، وواصل خافضاً حدة صوته ، يقترب برأسه من رأس يوسف الجالس وقد أشاح بوجهه يتحاشى نظرة جلال وسمعه
- هذا رهانٌ قائم بيننا وبينه .. لن ينال من السابعة
بداخل المسجد
قال الوائل بن الإبراشى
- وماذا نفعل يا مأمون ؟
رد طالع بن الأسياد
- نحن لا نريد قتلاً ولا دماء
تدخل المصطفى بن البكرى بصوته الجهورى
- لابد من حلٍ بعيدٍ عن العنف والدماء صاح المأمون ، فعاد الجميع له مستمعون
- علينا أن نحث العاملين والموظفين المقهورين عن عملهم لدى الأغنياء من الأمراء والأعيان يمتنعون .. حتى تزداد الأجور .. وعلينا أن ننظم المظاهرات السلمية نطالب بحقوق الفقراء من الأغنياء ، الأمراء والأعيان يمتنعون .. حتى تزداد
- الأجور .. وعلينا أن ننظم المظاهرات
- السلمية نطالب بحقوق الفقراء من الأغنياء ،
- بلا عنفٍ ولا دماء
بداخل القصر السلطانى
بالكاد نطق يوسف قابضاً بيده على مقبض السيف فى غمده يرنو بعينيه لوجه جلال يطرفها سريعاً
- قد لا يكفى ما عندنا من جنود لكل هذه الحراسة يا مول.. .
قاطعه جلال صارخاً فأقشعرت أجساد
الحاضرين
- إستعين بجنود الجيش
قالها وهو يدير وجهه من على يوسف إلى الوزير البشير بن الطرطاوى قائد الجند .. الذى رد سريعاً بوجهه النحيف وعينيه الغائرة
- كل جنود الجيش تحت أمر الشرطة يا مولاى
بداخل المسجد
يقول إبراهيم بن عيسى بهدوء
- هذا يتوقف على طاعة الناس لنا ..
وإلتزامهم بكلامنا .. حتى لا يسود العنف وتُسفك دمائنا
رد المأمون بحماس
- سنحرص على ألا يتجاوز ذلك الحدود
بداخل القصر السلطانى
هدأت نبرة جلال وهو يواصل كلماته بنبرة تحدى وإصرار
- لن يعبث بنا هذا القاتل مرة أخرى .. أريده حياً لأسحقه بيدى
قالها جلال وهو يرفع زراعه اليمنى ، ويقبض بيده معتصراً أصابعه فى الهواء وكأنه يسحق شيئاً بقبضته .
بداخل المسجد
بصوته الوقور وبنبرةٍ هادئة يواصل المأمون كلماته
- إن اللـه لا يغير ما بقوم، حتى يغيروا ما بأنفسهم .. فإذا أراد المظلومين والمقهورين من العباد أن يحيوا حياةً كريمة ، فعليهم ألا يخنعوا للظالمين
قالها المأمون وهو يمد كفيه المفرودين أمام صدره ويواصل
- واللـه المستعان فى كل الأمور
نشط القوم المعارضون للسلطان وعلى رأسهم المأمون .. عن حقوق العبادِ يدافعون .. بدأت التظاهرات والإضرابات تنتشر فى الربوع ..
إضطر الأغنياء لرفع قيمة الأجور .. ليعود الخدم والعمال فى قصورهم يعملون .. يجلس الخدم فى البر تاركين أعمالهم.. وتجتمع العاملات فى الخلاء محتجبين عن أشغالهن ..ولما وجد العباد أن الوقوف فى وجه الظلم والطغيان يفوز .. إزدادت المظاهرات والإعتصامات والإضرابات ، وإنتقلت من الربوع إلى الطرقات والدروب .
نزل ولى العهد بنفسه فى عربته الفخيمة يتجول فى المدينة.. فرأى
بنفسه كيف عمت الفوضى وبانت المصيبة .. عاد وإستدعى قائد الشرطة وقائد الجند بين يديه برؤوس, ذليلة .. صرخاته تشق ردهة القصر السلطانى الفسيحة
- أريد أن يتضامن الجيش مع الشرطة لبتر هذه المصيبة .. لقد تركتم هؤلاء القوم بعقول الناس يعبثون .. إنهوا هذه الفوضى بأى طريقة .. إقبضوا على المعارضين ومن والاهم .. وعلى كلٍ من تسول له نفسه إشاعة الفتنة أن يذوق العذاب .. إضربوا لدى المخربين كل بنان .. أطيحوا بالأعناق .. على الجميع أن يعلم أن قبضة السلطان تحكم البلاد
هكذا خرج قائد الشرطة يوسف بن حسيب ومعه قائد الجند البشير بن الطرطاوى .. إختلط جنود الشرطة بجنود الجيش كالشياطين فى الدروب والطرقات والربوع والأنحاء .. وبدأت المعمعة .. وسُفكت الدماء من المظلومين والجُناة على السواء .. الناس تقتل الجنود والجنود يقتلون الناس .. لم يقتصر هجوم الجنود على المتجمهرين من المتظاهرين فى الطرقات ، بل امتدت إلى البيوت الآمنة بمجرد سماع خبر, ولو كاذب أن هذا البيت بداخله متظاهرون مختبئون ، أو أن به إجتماعاً لتنظيم إعتصام أو مظاهرة .. فعلى الفور يهاجمه الجنود ، يدمرون ويحرقون ويقتلون .. وبعد أيام من سفك الدماء التى ملأت الشوارع والطرقات .
توقف القتال
إنتهت المعمعة بنتائج مبهرة
إنتصر السلطان أو بالأحرى ولى العهد .. أو الأصح إنتصر الظلم والطغيان وتم إحكام السيطرة على البلاد
إمتلات زنزانات ديوان الشرطة بالمعارضين ، بما فيهم إبراهيم وابن الإبراشى وابن السادات وابن البكرى و المأمون .. وقبلهم فى الزنزانة قابعٌ محمود ..أما أمجد بن الجلاد فقد ربح وفاز لم يكن ممن فى السجن من المنزلين .. هكذا دائماً من يكون على الحياد فهو من الرابحين .