• سجل عضوية للتمتع بالمنتدى واكتساب مميزات حصريه منها عدم ظهور الإعلانات

مكتملة عامية واقعية رحلة فتاة مثلية | السلسلة الأولي | - خمسة عشر جزء 27/5/2026 (( أوسكار ميلفات )) (6 عدد المشاهدين)

f͠a͠t͠m͠a͠

لو الحب وطن… فأنت وطني الوحيد 🤍
إدارة ميلفات
ملكة ميلفات
كبير الإداريين
رئيس الإداريين
إداري
إنضم
18 يناير 2024
المشاركات
6,807
مستوى التفاعل
5,494
نقاط
397,438
العضوة الملكية
ميلفاوي صاروخ نشر
Princess
النوع
أنثي
الميول
طبيعي

رحلة فتاة مثلية

هذا العمل من كتاباتي الشخصية


@f͠a͠t͠m͠a͠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1847c36e4435dda8515392603158.jpg

مُقدمة شعرية​


أقابلُ ضحكتكِ الخفيفةَ بسخريةٍ مصطنعة،
كأنّما أنا من عُليه القوم، وسُلطانةُ بغروري،
وفي صدري وميضُ رجاءٍ يرتعش،
وركامُ حكايةٍ لم تبدأ... إلا منكِ.

أُعابثكِ قهرًا، كأنني جبروتٌ لا يُطال،
لكن في أعماقي ****ٌ أضاعت الطريق،
تبكي إن ناداها الحنان وتُنكِر النورَ خشيةَ انكشاف الندبة.

أُراقبكِ في صمتِ المُتعالي،
وفي النبض... عاصفةُ عشقٍ مكتومة،
تخشى البكاء كي لا تُفضَح،
وتخشى القُرب... أكثر من الفقد.

تُنادي اسمي بفتورٍ يشبه العداوة،
فأشتاق لنبرتكِ... لو قلتِ "آيزبيلا"
كما يُقال اسم الحبيبة: رخيمًا، دافئًا، عذبًا كأول مطر.

أنا لستُ شريرة، وإن لبستُ القسوةَ درعًا،
أنا خرافةُ الحقدِ، تحرسُ في قلبها حبًا
يرتجف من الاعتراف،
لأنه يعلم... أن النهاية قد لا تُبقي على أحد.

حين مرّ الأميرُ، رأيتكِ تضيئين،
كقمرٍ صغيرٍ يُهدهده الإعجاب،
فتشظّى قلبي كما تشظّى فستانكِ،
نعم... أنا مزّقته،
لا نكايةً، بل غيرةً... بل يأسًا... بل محبةً بلا مأوى.

لو كنتِ لي...
لما سعيتِ لوهجٍ زائف،
لما فتّشتِ عن حبٍ يُبهر العيون، ويعمي القلوب.
كنتِ ستبقين... لي، بي، فيّ.

أخفيتُ وجعي بين حروفٍ جافة،
كأنني لا أنزف، كأنني لا أرجوكِ صامتة،
كأنني لا أذوب في ظلّكِ كل يوم.

سندريلا... يا جرح قلبي المُزهر،
أما آن لكِ أن تفهمي؟
أنا لم أكرهكِ قط،
بل كنتِ... كلّ ما خبأتُه عن العالم.

لِمَ احتجتِ إلى السحر؟
لِمَ غطّيتِ صدقكِ ببريقٍ مُستعار؟
تخفّيتِ عن نفسكِ قبل أن تختفي عنهم،
وكأن قلبكِ... ليس كافيًا.

هل ظننتِ الجمال يُقاسُ بالذهب،
أن لا تُرَى المرأة إلا إن رافقتها عجائب؟
لكنكِ كنتِ بهيّةً... في ثوبكِ العتيق،
حين كانت أظافركِ متعبة من العمل،
ووجهكِ منهكًا من السهر،
لكنّكِ كنتِ حيّة، طيّبة، حقيقية.

أنا...
أنا رأيتُكِ قبل المرايا، قبل التاج، قبل البلور،
حين كنتِ تُمسكين الخيطَ بخجل،
وتخيطين الأحلامَ كما تخيطين الثوب،
كأنكِ تبنين لنفسكِ خلاصًا بخيوطٍ مرتجفة.

لو أحببتِني...
ما احْتجْتِ للسحر،
ما لبستِ غيركِ لتبلغي قلوبًا لا ترى.

أنا عشقتُ تردّدكِ،
تلك اللحظة التي تتلعثمين فيها بالحديث،
ذلك الشَعرُ الذي يهرب من الضفيرة،
تلك الضحكةُ التي تشبه الرجاء.

كنتُ أريدكِ كما أنتِ،
لا كما يريدونكِ أن تكوني.
أما هم... فقد أرادوا وهجكِ، لا روحكِ.

حين نظرتِ إليه،
كنتِ تضيئين... نعم.
لكنكِ أطفأتِني.

أنا التي رأيتكِ،
حتى حين لم يركِ أحد،
حتى حين كنتِ ظلًّا...
كنتِ نوري.
______________________________________________________

________________________________

______________________________

1 - باقة ورد وأَشواك دون أقتلاع​


تسلّلت إيزابيلا إلى الغابة القريبة من منزلها، كما لو أن خطواتها مدفوعة بنداء خفيّ. غاصت بين الأشجار حتى بدا لها أن الطريق قد تلاشى خلفها، وأنها فقدت درب العودة. هناك، في عمق الغابة، انكشفت لها بقعة لم تطأها من قبل، كأنها خُبّئت عن أعين البشر لدهرٍ طويل.




كانت الأرض مفروشة بأزهار تتمايل بألوانٍ مبهجة: صفراء كشمس الصباح، حمراء كدم القلب. فتحت عينيها بانبهار طفولي، وغمرها عبير عطريّ نفذ إلى أعماقها، كأنه يوقظ شيئًا نائمًا في ذاكرتها. لم يخطر ببالها أن شيئًا في هذا العالم يمكن أن يكون بهذا الجمال... سوى "سندريلا"، تلك التي بشعرها الأشقر ووجنتيها المورّدتين، كانت أشبه بحكاية نُزعت من الجنة وهربت إلى الأرض.

كان ضحك سندريلا، خجلها، ارتباكها، محاولة إخفاء ذاتها، كلها تشي بسرّها. وكل شيء فيها يفضح هذا السر... إنها وردة من جنات النعيم لا يشبهها شيء.

ابتسمت إيزابيلا كما يبتسم العشاق حين تداهمهم الذكرى، دون وعي منها. راحت تقطف الأزهار واحدةً تلو الأخرى، تنتقيها بعناية، غير آبهة بالأشواك التي غرست نفسها في أصابعها. سال الدم برقة، دون أن تكترث. كان كل همّها ألا تلطخ الزهور، أرادت للباقة أن تكون في أبهى حلّة، تليق بمن سكنت قلبها دون استئذان.

بعد أن جمعت أزهارها، حملتها إلى صدرها كمن يحمل كنزًا، وسارت نحو متجر القرية، الذي يبعد ساعة مشيًا. لم يرهقها التعب، بل كانت خطواتها خفيفة، وقلبها ممتلئ بشيء من الأمل.

في المتجر، اشترت خيوطًا زاهية لربط الباقة: أصفر بلون شعرها، أزرق بلون عينيها، أحمر بلون شفتيها، وأسود كرمشات رموشها الكثيفة. رتّبت الباقة بعناية، ثم دسّت بينها ورقة أنيقة كتبت فيها:

"لا أستطيع انتزاعك من رأسي ولا من قلبي... كلاهما يتشاجران، أيهما يحبك أكثر؟"

ثم وضعت قبلة خفيفة على الورود، وسارت عائدة، بخطى هادئة... وضعت الباقة أمام باب المنزل، ثم دخلت وكأن شيئًا لم يكن.

كانت إيزابيلا مغرمة بابنة زوج أمها ليس لديهم رابط دم بينهما. وقعت في حبّها بصمت، دون أن تملك القدرة على الاعتراف أو النهوض من قاع هذا الحب.

دخلت المنزل، ذهبت لغسل يديها الداميتين، وعيناها تفتشان عن "سندريلا"... وها هي هناك، تغسل الصحون وتدندن بلحن رقيق. لكن وجه إيزابيلا لم يكن وجه العاشقة، بل وجه من تخفي قلقها خلف أقنعة الغضب.

قالت بنبرة خشنة، وعينيها تتجنب النظر مباشرة:

"ما هذا؟ ألم ترمي القمامة؟"

ردّت سندريلا بتوتر:

"لقد رميتها قبل قليل... فقط بقايا قليلة من الطعام وضعتها للتو."

اقتربت إيزابيلا، وهمست بحدة تخفي ارتعاش قلبها:

"وماذا بعد؟ هل ستنتظرين أن تتراكم وتفوح رائحتها؟ اذهبي وتخلّصي منها."

قالتها، وهي تريد شيئًا واحدًا فقط: أن تفتح سندريلا الباب... وترى الباقة.

أومأت سندريلا بتنهيدة، واتجهت نحو الباب. ارتاحت إيزابيلا كمن أنجز مهمة عظيمة، هذه أول خطوة من خطوات شجاعتها المكتومة.

فتحت سندريلا الباب... فرأت الباقة.

كانت إيزابيلا تتسلّل من بعيد، تراقب اللحظة التي انتظرتها طويلًا. رأت الدهشة في عينيها، والفرحة في ابتسامتها، وهي تقرأ الرسالة، واسمها مكتوب عليها.

همست سندريلا بانبهار:

"يا لجمال الباقة! من هذا الفنان الذي قطفها وزيّنها بهذه العناية؟... آه، الخيوط! يا لها من تفاصيل!"

ثم أضافت بمرح:

"أعتقد أنه جون... لطالما لاحظت نظراته إلي... يبدو أنه معجب بي."

تجمّد وجه إيزابيلا. انطفأ بريق عينيها. امتلأ قلبها بغيرة جارحة، وغضب لا تعرف كيف تروّضه.

وضعت سندريلا الباقة على الطاولة، واتجهت لتغسل يديها قبل أن تضعها في إناء ماء. لكن في غيابها، التقطت إيزابيلا الباقة... ورمتها أرضًا، وبدأت تدوسها بقدمها، بعنف يشبه الغضب والبكاء معًا.

دخلت سندريلا، ورأت المشهد.

ابتسمت إيزابيلا بسخرية، والدم ما زال ينزف من يدها، وقالت:

"أي أحمق سيهديكِ باقة ورد؟ مغفّل... وأحمق."

ثم غادرت.

كانت يدها تنزف... لكن قلبها كان ينزف أكثر. كأنها قَطفت حقلًا من الورد، ودفعت ثمنه بكل أشواكه.

غادرت إيزابيلا الغرفة، وتركت خلفها هواءً أثقل من الصمت، وعبقًا غير مرئي من الأسئلة غير المجابة. نظرت سندريلا إلى الباب المغلق بهدوء، دون أن تنهض، كما لو كانت تنتظر شيئًا لم يأتِ. لحظة طويلة مرّت... شعرت أنها تسمع صوت خطوات قلبها لا أكثر.

تمتمت بصوتٍ بالكاد خرج من فمها:

"لماذا؟"

لم يكن سؤالًا موجهًا لأحد، بل نُطق كما تنطق الأرواح آلامها حين تضيق بها الحناجر.

نهضت ببطء، ووقفت أمام المرآة الصغيرة المعلقة على الحائط، نظرت إلى انعكاس وجهها، وتفحّصت عينيها... كانت لا تزال ترى فيهما تلك الضحكة التي ضحكتها حين وجدت الباقة، وذلك الذهول الجميل وهي تقرأ الرسالة. ثم تذكرت ما حدث بعدها، حين رأت الورد مدعوسًا تحت حذاء آيزبيلا، نظرت إيزابيلا إليها بتلك الابتسامة الساخرة، وذاك الصوت القاسي.

رفعت يدها ولمست وجهها كما لو كانت تحاول التحقق من أنها ما تزال هي... أنها لم تتحول إلى شيء مكروه فجأة.

"هل كنتُ سعيدة جدًا؟ هل أذنب حين ابتسم؟"

جلست على الكرسي قرب النافذة، وراحت عيناها تتنقلان بين أضواء القرية البعيدة، بين النجوم التي تملأ السماء... كل شيء بدا بعيدًا فجأة، حتى من كانت تسكن معها في ذات المنزل.

"إيزابيلا..." همست باسمها، كما لو أنها تخاف أن تسمعه حتى الجدران.

"منذ متى تنظرين إليّ هكذا؟ منذ متى تحملين هذا الجفاء في عينيك؟ لماذا تتغيرين كلما اقتربتُ منك؟ لماذا يصير صوتك قاسيًا حين أضحك، أو أتحدث عن شيء جميل؟"

" تعامل الجميع جيداً، سواي انا "

راحت أصابعها تلامس طرف الورقة التي كانت ضمن الباقة، والتي احتفظت بها سرًا، طيّتها ووضعَتها بين صفحات كتاب. كانت تعلم أن فيها شيئًا أكثر من مجرد كلمات، لكنها لم تستطع فكّ رموزها.

تنهّدت بعمق، كما لو كانت تحاول طرد كل الذكريات التي لا تملك لها تفسيرًا.

"ربما تتضايق مني، ربما لا تحب وجودي أصلًا... ربما تراني دخيلة على عالمها، على بيتها، على حياتها. ربما تظن أنني سرقت شيئًا منها... لكنها لا تعرف أنني لا أملك شيئًا لنفسي أصلًا."

أسندت رأسها إلى الزجاج البارد، وأغمضت عينيها. لكنها لم تبكِ، فقط غرقت في ذلك النوع من التعب الذي لا يُداوى بنوم.

"هل تكرهني؟ أم أنها فقط لا تريد أن تراني سعيدة؟"

"أم أنني أنا من لا يفهم؟ أنا من تقرأ الإشارات بالعكس؟ هل هناك شيء لم يُقَل لي؟ لم يُظهَر؟ هل هناك شعور... يُخفى؟"

وبين تلك الأسئلة التي ظلت تتوالد في صدرها كدوائر الماء في البحر، لم تجد سندريلا أي إجابة.

كل ما كان في قلبها، هو أن إيزابيلا، تلك الفتاة التي تخفي مشاعرها خلف جدران من حدة، قد أصبحت اللغز الأكثر وجعًا في حياتها.

فبين كل من في هذا العالم، لم تكن سندريلا تخاف من أحد، كما كانت تخاف من عيني إيزابيلا حين تتغير.

----------------

2 - بعض المشاعر ، يجب ان تُدفن​


في صباحٍ رماديّ، لا شمس فيه ولا مطر، استيقظت إيزابيلا قبل الجميع. لم تنم سوى بضع دقائق، وكل ما فعله جسدها تلك الليلة كان التظاهر بالراحة، بينما بقي قلبها متيقظًا... يحصي دقات الندم.

غسلت وجهها بماء بارد كحد السكاكين، محاولة أن تُخمد حرائق الأمس. حدّقت طويلاً في المرآة، في تلك العينين اللتين باتتا لا تشبهانها. كأنها رأت شخصًا آخر، شخصًا غريبًا، شخصًا يغار، يكره، مهوس... ولا يعترف.

خرجت إلى الحديقة الخلفية، حيث بقيت بعض الورود التي لم تُقطف، لكنها لم تقترب. شعرت كأنها تخونها... كما خانها قلبها البارحة.

في الداخل، كانت سندريلا تتهيأ للخروج إلى السوق. جمعت سلتها، وضفّرت شعرها بلطف، ثم نزلت إلى المطبخ، حيث فوجئت بوجود إيزابيلا واقفة هناك، صامتة، تمسك كوبًا لم تشرب منه وتتفحصها بتمعن كعادتها، وكانها تنزعها ملابسها من كثر النظر فيها.

قالت سندريلا بصوت هادئ، تحاول فيه تطبيع الجو المتوتر:

"صباح الخير..."

لم ترد إيزابيلا.

كعادتها

فأكملت، وهي تُجبر نفسها على الابتسام:

"أحتاج بعض الأغراض... سأخرج للسوق. أريد شراء وعاء جديد للزهور... تذكرت أن في السوق محلًا يبيع فخارًا جميلًا."

رمشت عينا إيزابيلا، ببطء، كأنها تتلقى طعنة ناعمة.

إنها لا تزال تفكر في الباقة.

لا تزال تحتفظ بها.

أجابت إيزابيلا أخيرًا، بنبرة لا يمكن تمييزها: "اذهبي."

همّت سندريلا بالخروج، لكنها توقفت عند الباب للحظة. التفتت إلى إيزابيلا وسألت فجأة:

"هل أنا... فعلت شيئًا يزعجك؟"

رفعت إيزابيلا عينيها نحوها، وبدت نظرتها فارغة للحظة.

سندريلا تابعت، بصوت فيه رجاء صامت:

"أعني... أحيانًا أراكِ تنظرين إلي كأنكِ تكرهينني. لا أقول هذا اتهامًا، فقط... أريد أن أفهم. لأني، و****، لا أذكر أني آذيتك يومًا."

سكتت إيزابيلا. فكّرت أن تقول الحقيقة، أن تمزّق الحجاب الذي بينهما. لكنها لم تفعل.

بل اكتفت بقول:

"وجودك."

نظرت إليها سندريلا نظرة حائرة، ثم خرجت، تحمل معها سلتها، وخلفها ظل سؤال معلّق، لا يزال دون جواب.

مشيت سندريلا في السوق، لكن ذهنها لم يكن هناك. كانت كلمات إيزابيلا تتردد في صدرها، تُ*** خطواتها، وتطفئ لذّة التسوق. كل زهرة تراها تذكّرها بالباقة، وكل لون يذكّرها بالخيوط التي ربطت بها.

ثم مرّت صدفة أمام جون.

ابتسم لها كعادته، ورفع يده محيّيًا، لكنها لم ترد كما يجب. كانت عيناها تبحثان عن إجابة في مكان آخر. لم تعد متأكدة من شيء.

أما إيزابيلا، فوقفت في المطبخ، وحدها، تحدق في قطعة ورق صغيرة كانت قد كتبت عليها رسالة أخرى...

لكنها لم تجرؤ على وضعها في باقة جديدة.

لا هذه المرة.

خافت أن تُنسب لغيرها من جديد.

خافت أن تُفهم بالعكس.

بل، خافت أن تُفهم تمامًا.

فمزّقت الورقة، وألقتها في النار، ثم همست، وكأنها تحاول إقناع نفسها:

"بعض المشاعر... يجب أن تموت، قبل أن تُعرف."

عادَت سندريلا إلى البيت وقد أثقل السكون خطواتها. كان السوق يعج بالحياة، أما قلبها، فكان ضائعًا في دهاليز من الظنون. حملت في يدها وعاء فخاريًّا بسيطًا، بلونٍ أزرق هادئ يشبه السماء حين لا أحد ينظر إليها.

دخلت البيت بخطوات خافتة، محاولة أن لا تحدث ضجيجًا، لكنها تفاجأت بصوت ضحكٍ خفيف من غرفة الجلوس.
كانت الأم -زوجة أبيها- تجلس تقرأ مجلة أزياء، فيما الأخت الصغرى، ليليان، كانت تمد ساقيها على الأريكة، تاكل وتشاهد التلفاز الاسود والابيض، وتضحك لنكتة لم تُشارك بها أحدًا.

رفعت الأم عينيها ببرود قائلة:
"أخيرًا عدتِ. ألم تنسي أن هناك أعمالًا في المطبخ؟ لا وقت للتسكع."

أومأت سندريلا برأسها بخفة، وذهبت نحو المطبخ دون جدال.
اعتادت هذا النوع من الكلام، لكنه اليوم... كان كصخرة أخرى تُلقى فوق صدرها المثقل.

بينما وضعت الوعاء على الطاولة، دخلت ليليان بخطوات خفيفة، ثم قالت:

"اشتريتِ وعاءً جديدًا؟ لأجل تلك الورود؟"

سندريلا أجابت وهي تنظف حافة الإناء:
"نعم، أريدها أن تبقى حية... فترة أطول."

ضحكت ليليان بسخرية:

"وما أدراك أن صاحبها يريدها أن تبقى؟"

نظرت إليها سندريلا باستغراب، لكن ليليان كانت قد خرجت بالفعل، كأنها أسقطت جمرة صغيرة وهربت من حرارتها.

دخلت إيزابيلا بعد لحظات، ووقفت عند باب المطبخ، تراقب بصمت. رأت سندريلا تنحني فوق الإناء، تُرتب الورود، رغم أن بعضها كان قد فسد من أثر الدهس، لكن سندريلا كانت تحاول إنقاذها برفق، كأنها تعتذر عنها، أو عن شيء آخر لا تعرفه.

لم تستطع إيزابيلا أن تتحرك. كانت تنظر بصمت إلى أصابع سندريلا التي تلامس الشوك من جديد.
ثم نظرت إلى تلك الوردة الحمراء المنكفئة قليلًا، وكأنها خجلانة من أن تُثبت أنها ما زالت جميلة رغم ما مرت به.

همست سندريلا لنفسها، ظنًا أنها وحدها:
"حتى الورد... لم يستحق الغضب."

شعرت إيزابيلا بشيء ينكسر في داخلها.
ربما الورود كانت انعكاسًا لها، وربما الدهس، كان أشبه بما فعلته بقلبها.

لكنه، وكالعادة، لم يكن الوقت المناسب للكلام.

بل اختارت أن تخترق الصمت بسؤال جاف:

"هل فعلًا... أعجبتك الباقة؟"

تفاجأت سندريلا، استدارت نحوها، لكن عيناها لم تلتقيا.
قالت بصوت هادئ، يحمل صدقًا طفوليًا:

"أكثر مما تتخيلين."

ثم تابعت، وكأن شيئًا ما ألحّ عليها فجأة:

"هل... تعرفين من أرسلها؟"

توقفت إيزابيلا عن التنفس لثانية، لكن وجهها بقي جامدًا.
قالت ببرود:

"لا. وما الفرق؟ إن كانت جميلة، فذلك يكفي."

لكن قلبها صرخ، وهو يئن:
"أنا من قطفتها... وأنا من اختار خيوطها... وأنا من وضع فيها قلبي!"

سندريلا نظرت إليها مطولًا، وكأنها تحاول سبر هذا الجمود.

ثم، بلحظة شجاعة منها، سألت:
"هل... تكرهينني يا إيزابيلا؟"

الصمت كان جوابًا كافيًا.

قبل أن تتمكن إيزابيلا من الرد، جاء صوت الأم من غرفة الجلوس:

"إيزابيلا! ساعديني هنا بدلاً من الوقوف دون فائدة."

لم تجب، فقط استدارت ورحلت، دون أن تقول كلمة.

---

جلست سندريلا وحدها في المطبخ، وعيناها تحدقان في الوعاء الأزرق. قرب الوردة الحمراء، كان هناك أثر صغير لبقعة دمٍ جافة على أحد السيقان... لم تستطع تنظيفها بالكامل.

كانت تُحدّث نفسها:

"لو كانت تكرهني... فلمَ تسأل؟ ولمَ نظراتها في بعض الأيام تذوب دفئًا، وفي أيام أخرى... تصير جليدًا؟"

وضعت يدها على قلبها، وهمست:

"لماذا، يا إيزابيلا...؟ لماذا لا تريدينني أن أكون سعيدة؟ أم أنك فقط... لا تعرفين كيف تكونين سعيدة؟"


----------------

3 - نسياناً في نسيان​


بدأ كل شيء بتفصيل صغير، كنسمة هواء عابرة لا تُؤخذ على محمل الجد.

كانت سندريلا تتجوّل وحدها بين الطرقات المرصوفة القديمة، في آخر ساعات المساء، حين بدأت السماء تُنذر بالمطر. الغيوم كانت متثاقلة، رمادية، تتدلّى فوق المدينة كأنها تحبس شيئًا. لكنها لم تُبالِ.

كانت تحتاج للمشي. للهروب. للانفصال عن كل ما يثقل صدرها.

لم تحمل معها مظلة، ولا حتى معطفًا، فقط تنورتها الخفيفة وقلبها المثقل. مشت تحت السماء كأنها تتحدى كل ما حولها، أو كأنها تبحث عن شيء يُغسل بالمطر ولا يُقال.

ثم هطل.
ببطء أولاً، ثم بغزارة.
انسكب المطر على شعرها، على رقبتها، تسلّل إلى ملابسها حتى التصق بها البرد كوشاح خفي.

لكنها لم تتوقف.
لسبب لا تعرفه، أرادت أن تتبلّل.
أرادت أن تبرد، أن تتجمّد، أن تختفي تحت الماء مؤقتًا… أن تُفرغ شيئًا لا يُفرغ بالكلمات.

عادت في وقت متأخّر، والمطر ما يزال يقطر من أطراف ثوبها، حافية تقريبًا، خدّاها متورّدان من البرد، وعيناها زجاجيتان.

لم تقل شيئًا.
فقط دخلت غرفتها وأغلقت الباب.

لكن في الداخل، كانت ترتجف.

بدأت الحمى تزحف ببطء.
في البداية، رعشة صغيرة. ثم صداع خلف العينين، ثم الإعياء.

وفي الساعات التالية، تمدّد المرض كظلال المساء في جسدها، حتى أصبح الألم ثقيلًا، والحرارة مشتعلة، والنَفَس يعلو ويهبط بتعب.

لم تطلب شيئًا. لم تنادِ أحدًا.
لكن إيزابيلا شعرت بها. وكأن شيئًا في الجو تغيّر.

كانت إيزابيلا تمرّ في الممر بصمت، تحمل كتابًا لا تنوي قراءته، وتركّز بصرها في الأرض أكثر مما تركزه في وجه أي أحد. أمام غرفة سندريلا، توقفت لحظة، دون سبب واضح، ثم تنفست بعمق، كأنها تستعد لشيء لا تود الاعتراف به.

"لماذا أنا من يهتم؟" همست لنفسها بامتعاض مصطنع، وهي ترفع يدها بتردد نحو المقبض.
"ليكن… سأدخل فقط لأتأكد أنها لم تمت من الغباء."

دفعت الباب بهدوء، ودخلت.

الغرفة كانت خافتة الضوء، تفوح منها رائحة تعب… وتبلّل.
وهناك، وسط الفراش المبعثر، كانت سندريلا تتكوّر كطفل صغير، جبينها يلمع بالعرق، وشفتيها ترتجفان دون صوت. كان وجهها شاحبًا، عيناها مغمضتين بانكسار، وصدرها يعلو ويهبط كأن الهواء نفسه بات صعبًا عليها.

اتسعت عينا إيزابيلا، وتجمّدت لحظة، ثم عقدت حاجبيها بسرعة، كأنها تخجل من فزعها.

"أوه… رائع. بالطبع مرضتِ. لا أحد يمشي تحت المطر بذكاء."

لكن صوتها كان مكسور الحدة، مشحونًا بقلق خفي.
اقتربت منها، وجلست على حافة السرير، ثم لمست جبينها بطرف أصابعها. الحرارة كانت عالية جدًا، والحرارة الحقيقية لم تكن على بشرتها فقط، بل في تلك الخوف الغريب الذي اجتاح إيزابيلا فجأة.

"أحم... هذا سخيف. لا تموتي، حسنًا؟ هذا ليس وقت دراما رخيصة."

قامت وأحضرت منشفة وماء فاتر، بللتها وعصرتها جيدًا، ثم أعادت وضعها برفق على جبينها. جسد سندريلا ارتعش، وأطلقت تأوّهًا صغيرًا من البرودة، فشدّت إيزابيلا على يدها دون وعي.

"تبا لكِ… حتى في مرضك مزعجة."

لكن يدها بقيت تمسك بيدها الأخرى، دون أن تفلتها.

تمتمت سندريلا بكلمات غير مفهومة، بين الحمى والهلوسة، وكان من بينها شيء يشبه:

"لا تذهبي…"

إيزابيلا شعرت بأن الكلمات اخترقت درعها السميك، كأنها لم تكن موجهة للجسد، بل لشيء أعمق.

ردّت بنبرة ساخرة:

"أنا لا أبقى لأجل أحد، خصوصًا أنتِ."

لكنها بقيت.
بقيت، وكل دقيقة تمر كانت تعتني بها أكثر، تمسح عرقها، تغيّر المنشفة، تراقب أنفاسها كأنها تحرسها من الموت نفسه.

وفي قلبها، كانت تكره كم تُظهر عكس ما تشعر.
لكنها لم تكن مستعدة لتُظهر أي شيء… ليس بعد.

ارتفعت حرارة جسد سندريلا كأن نارًا كامنة تشتعل في أعماقها، وصدرها يعلو ويهبط بأنفاس متلاحقة، متعبة. قطرات العرق تسيل على جبينها ووجنتيها، وجسدها غارق في رطوبة موجعة، كأن الألم نفسه يتنفس من خلالها. رؤيتها باتت ضبابية، تتماوج أمام عينيها الظلال بلا شكل واضح، كأن العالم قد انسحب إلى ضباب كثيف.

في الخلفية، كان يُسمع خرير ماء يتقطّر في إناء. ثم صوت خافت لشخص يغمر منشفة، يعصرها ببطء، ويضعها برفق على جبينها المحموم. ارتعشت رغم أن الماء لم يكن باردًا على الحقيقة، بل بدرجة معتدلة، لكن حرارة جسدها جعلته كالصقيع على بشرتها الملتهبة.

ثم جاءها صوت أنثوي، مهزوم بالقلق:

"قلتُ لك... لا تكوني طائشة وتتجولين تحت المطر."

لحظة صمت، ثم همسات مرتجفة:

"هل تشعرين بتحسّن؟"
"لا تقلقي... ستصبحين أفضل، فقط ارتاحي."
"أرجوك، لا ترتعشي هكذا... قلبي لا يحتمل رؤيتك على هذا الحال."

ورغم غشاوة البصر، لم تحتج سندريلا إلى وضوح لتعرف من كانت. هناك، إلى جانبها، كانت إيزابيلا تنظر إليها بعينين مشبعتين بالحنان، مليئتين بالقلق، كأنها تحاول بنظراتها أن تحتضنها وتبدّد عنها الألم.

شعرت بخطى إيزابيلا تبتعد... خفيفة، مترددة، وكأنها تُنتزع من المكان. تمتمت سندريلا بصوت واهن، بالكاد يُسمع، كطفل صغير يتوسل في حُلمه:

"إلى... أين تذهبين؟ لا... لا تتركني وحدي..."

رغم أن جسدها كان يئن تحت وطأة المرض، إلا أن الفقد المؤقت لإي شخص من حولها.. أثقل عليها من أي ألم جسدي. عشر دقائق مرّت كأنها دهر، كل ثانية فيها تنهش قلقها بصمت موجِع. ثم عادت إيزابيلا، تحمل بيديها طبق شوربة دافئ، تفوح منه رائحة الدجاج والتوابل والخضراوات، كأنها تحمل الدفء ذاته بين راحتيها.

"هل تأخرت؟" قالتها بصوت خجول، وعيناها تفيض بالاعتذار.
"أنا آسفة... آسفة حقاً."
ثم أضافت بلطف مشوب بالرجاء: "عليك أن تأكلي، لتستطيعي تناول الدواء."

جلست إلى جوارها، وأسندت جسد سندريلا بوضعية مريحة، كما لو كانت تحتضنها بعناية غير مرئية. أجفان سندريلا تثقل وتقاوم، ترتجف ثم تستسلم، لكنها رغم طعم المرارة الذي استقر في حلقها، أخذت تتناول الطعام بصمت مطيع، كأنها تبتلع العطف قبل الملعقة.

حين مدت إيزابيلا إليها دواءها، تناولته سندريلا مباشرة، لكنها عضّت أطراف أصابع ايزبيلا دون قصد، فشهقت إيزابيلا بخفة وضحكت، ومرّرت إليها كوب الماء بلطف، وهي تقول بمزاح ناعم يخفف ثقل اللحظة:

"أنا لست طعاماً، كما تعلمين..."

مسحت إيزابيلا زاوية فمها بمنديل قطني ناعم، ثم همست وهي تراقبها بعينين مثقلتين بالسهر:
"أنتِ دائمًا عنيدة... حتى في مرضك."

ردّت سندريلا همسًا، بالكاد مسموعًا:
"لو لم أكن عنيدة، لما كنت هنا الآن..."

لم تجب إيزابيلا، لقد كانت مريضة فقط، لكنها شدّت الغطاء على جسدها، ثم مرّرت أصابعها برفق على خصلات شعرها المبتلّة ببقايا العرق. نظرت إليها وكأنها تحرس حلمًا هشًا، وكأن أي نسمة قد تُبعثره.

الليل كان صامتًا، لا يُسمع فيه سوى صوت أنفاس سندريلا المتقطعة، وصوت عقارب الساعة البطيء. جلست إيزابيلا إلى جوارها، على الأرض، ووضعت رأسها بجانب ذراعها، تحرسها، تُنصت لكل حركة، لكل تنهيدة، كأن قلبها معلّق بنبض قلب سندريلا.

حين بدأت عينا سندريلا تستعيدان صفاءهما، وخفت حرارة جسدها، جاءت إيزابيلا بهدوء العارف بما يجب فعله دون أن يُطلب منه. لم تقل شيئًا، لم تنتظر امتنانًا، بل أرادت ان تهرب فقط، تأكدت أن الحمى قد انطفأت، وأن آثار التعب انسحبت من ملامحها المتعبة، ثم بدأت بجمع آثار الليلة الطويلة.

رفعت الغطاء بلطف، طوت المنشفة المبللة، نظّفت بعناية متقشّفة آثار الشوربة وأكواب الماء، كأنها تكنس آثار عاطفة لا تريد لأحد أن يراها. كل شيء أعادته إلى مكانه، ثم انسحبت بصمت، عائدة إلى غرفتها وكأنها لم تفعل شيئًا على الإطلاق. لم تترك خلفها كلمات، ولا حتى نظرة. فقط ذلك الفراغ الهادئ، وذلك الأثر الخفي الذي لا يُمحى.

في الصباح، استيقظت سندريلا وهي تشعر بخفة لا تنبع فقط من تراجع المرض، بل من ذلك الحرج المعلق في الهواء. كانت تعرف أن إيزابيلا فعلت ما لم يكن متوقعًا… بل ما كان مستحيلًا.

أن تعتني بها؟ إيزابيلا؟

التي دائمًا ما تختبئ خلف قناع من اللامبالاة والبرود

لهذا، حين مشت نحو المطبخ ورأتها تجلس بهدوء تحت ضوء الشمس المتسلّل عبر النافذة، تدير الملعقة في فنجان قهوتها كأن شيئًا لم يكن، تظاهرت سندريلا هي الأخرى بالنسيان.

كأن لا ليلًا مرّ،
ولا حرارة أنهكت،
ولا يد كانت تمسح جبينها بحنان.






————————————————

1848a68195d570e6478665865248.jpg


4 - دعوة ملكية لحفلة بلوغ ألامير​


كان الصباح يسكب نوره فوق قمم الأشجار كأن الشمس تداعب أوراقها بإصبع من ذهب.

الأشجار تتمايل بحيوية تحت لمسات النسيم، تتنهد في صمت حيّ، وكأنها تبتهل للكون بأن الحياة لا تزال تتنفس فيها. من النافذة الخشبية المفتوحة، انسابت رائحة الأرض المبللة، وعطر أوراق الحور، ونكهة الحشائش المبتلّة بندى الليل، لتملأ البيت بألفة الطبيعة.

بدا كما لو أن الطبيعة نفسها قد تسللت إلى الداخل، عروسًا عارية القدمين، تمشي على أطراف أنفاسها.

على حافة النافذة، تجمّعت عصافير صغيرة، زاهية الريش، بلون البني الكستنائي، الأبيض الثلجي، والأسود الحالك، لا يتعدى حجمها قبضة يد ***. راحت تنقر فتات الخبز الذي نثرته سندريلا قبل قليل. زقزقتها تخللت هدوء البيت، كأنها شكرٌ موسيقي بلغة لا يفهمها البشر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت سندريلا تقف عند المجلى، تلامس الماء الدافئ بصبر الأنثى التي اعتادت أن تجد جمالها في الأشياء الصغيرة.

يدها تتحرك برشاقة فوق الصحون، تفركها بالصابون كما لو أنها تغسل شيئًا أعمق من بقايا الطعام... ربما آثار التعب، أو انعكاسات روحها. تدندِن لحناً سمعته صدفة في السوق من مغنٍ جوال؛ لحن فيه حزن شفيف، وشغف خافت، أغنية تشبهها.

شعرها الأشقر انساب على كتفيها كتيار عسل ذهبي، تتخلله خصلات عبثية التصقت برقبتها ووجنتيها من بخار الماء وحرارة المطبخ.

بدا وكأنه لا يخضع للجاذبية، بل يتراقص من تلقاء نفسه. عيناها الواسعتان، بلون الأزرق الثلجي، حملتا داخلهما صمتاً عميقاً، كما لو أنهما خزّنتا أكثر مما يليق بعينين من الأحلام المؤجلة. فيهما لمعة، لكنها مثل شرارة في غابة ثلجية...

تشتعل ثم تنطفئ قبل أن تُرى.

أما جسدها، فكان لوحة منحوتة بإتقان، رغم أن ملابسها البسيطة والمرقعة تخفي أكثر مما تُظهر، لكنها لا تنجح في قتل خيالات من يراها. كل تفصيلة فيها كانت أنوثة مقموعة، توجها التعب، لكنها لم تنكسر.

كانت مثيرة لا عن قصد، مثيرة رغم الصابون، والماء، والبخار. أنوثتها لم تكن في مظهرها فحسب، بل في طريقة وقوفها، طريقة تنهدها، وحتى في طريقة فركها لطبق دهني متعب.

بجانبها، ارتفع تلّ من الصحون المتسخة، كل بضع دقائق يتضاعف حجمه، بفضل إيزابيلا التي تدخل باستعراض واضح، وتضيف إليه طبقة جديدة. هذه المرة الثالثة،

دخلت وفي يدها طبق، وضعته على القمة بعناية متعمدة، وعلى شفتيها تلك الابتسامة...

ابتسامة **** خبثها ليس شريرًا، بل ممتع. فيها شيء من اللؤم الناعم، كأنها تتلذذ بمضايقة سندريلا فقط لترى ملامحها تتغير، لترى كيف تتجعد عيناها، وكيف تنفلت منها تنهيدة متأففة.

رفعت سندريلا رأسها نحوها، نظرة باردة لكنها نافذة. نظرة من يعرف اللعبة، ويسخر منها

إيزابيلا ارتبكت لثانية، لكنها تماسكت، رفعت حاجبيها، وهزّت كتفيها بخفة مصطنعة، وقالت ببرود لاذع:

"هاه؟ اغسلي فقط."

سندريلا لم تجب،
لكنها تنهدت بهدوء، وعادت يداها لتغوصا في الماء من جديد. غير أن شيئًا ما قد اشتعل داخلها.
شيء صغير، لكنه حي، مثل شرارة وقعت على قش جاف.

لم تكن الكراهية، ولم تكن الغضب... بل شيء آخر، مشاعر لا تجد لنفسها اسماً، لكنها بدأت تزحف، ببطء، بثبات.

الغريب أنها لم تكره إيزابيلا، بل استلطفتها. في تصرفاتها نوع من السخف الساحر، خليط من خبث مموّه بلطف، ولطف مغلّف بخبث.

رغبتها الدائمة في مضايقتها لم تكن لإيذائها، بل كأنها تلعب دورًا صغيرًا في مسرحية يومية تنتظر ردود الأفعال. هناك شيء ممتع في ذلك، شيء عذب في استفزازها.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان الرجال يرتدون عباءات قصيرة بقلادات الملكية، يتجولون بين الأزقة والحارات، ينادون بأصوات مجلجلة:
"بأمر الملك... تُوزّع الدعوات لحفلة بلوغ الأمير!"

كانوا يعلّقون الرقاع على الأبواب، ويطرقون الخشب بأصابع من سلطة، بينما يعلنون:
"الملك يدعوكم لحفلة ابنه الوحيد، الوريث المنتظر، الأمير الذي سيحمل راية المملكة بعد والده."

الملك لم يكن رجلاً مغرورًا، ولا من طبقة نبلاء تأنف من الشعب. كان محبوبًا، عاشقًا للبساطة، يبتسم في الأسواق، ويأكل مع العامة. ولهذا، قرر ألا تكون حفلة ابنه خاصة فقط بالنخبة، بل قالها صراحة:

"كل فرد في مملكتي مدعو... شعبي هم عائلتي، وفرحي لا يكتمل دونهم.

كل فتاة مدعوة للرقص مع الأمير، ومن يدري؟ قد يختار قلبه واحدة منكنّ، لتصبح أميرة، لا بل ملكة المستقبل."

هكذا، كانت الدعوة تصل لكل باب، لكل قلب.
والقدر... كان يكتب فصله الأول، بنعومة، على ظهر ورقة دعوة.

طرقات ثلاث على الباب كسرت سكون البيت...
لا بقوة، بل بثقة.

فتحت الخادمة العجوز الباب ببطء، ليتسلل منها نسيم رطب يحمل عبق المسك الملكي، وفي مقابله يقف رجل من حاشية القصر، يمدّ يدًا تحمل لفافة مختومة بخاتم الملك.

دون أن يتفوه بكلمة، وضع الرسالة في يدها واختفى كما أتى، وكأن زيارته لم تكن سوى ظل حلم عابر.

"رسالة من القصر!" نادت العجوز بصوت مبحوح، ورفعت الرسالة كأنها جلبت بشائر السماء.

أسرعت الأم، السيدة أرملة الكونت، تتبعها الابنة الصغرى، ذات الضفائر الذهبية اللامعة وفضولها الطفولي المتدفق. فُتحت الرسالة، وساد الصمت للحظة، قبل أن تقرأ الأم بصوت يزداد بهجة مع كل كلمة:

"باسم جلالة الملك، دعوة رسمية لكل بنات المملكة لحضور حفل الأمير، احتفالاً ببلوغه سن الرجولة، لاختيار شريكة قلبه..."

شهقت الأم وضمّت الرسالة إلى صدرها، وكأنها حصلت على وسام شرف.
"علينا أن نجهّز! فستانكِ الأزرق، لا... بل الأخضر المخملي سيكون أنسب، يا صغيرتي!" قالت لابنتها المدللة وهي تمسح على شعرها.

أما إيزابيلا، فقد كانت تجلس على حافة النافذة تقص أظافرها بملل، بالكاد رفعت رأسها، لم تبدُ عليها أي علامة اهتمام.

"حفلة أمير؟ ممل... كل هذا من أجل رجل مغرور يرتدي التاج؟"

تمتمت، وأعادت نظرها إلى النافذة، نحو العصافير التي تتزاحم على فتات الخبز.

في زاوية المطبخ، كانت سندريلا تراقب بصمت.

عيناها علقتا على الرسالة، ثم على كلمات الأم المتحمسة، شيء ما داخلها بدأ يتململ. قلبها، الذي طالما اعتاد الصمت، دقّ بنغمة خفيفة... كأن شيئًا غامضًا قد تحرّك في الأعماق، لا شوقًا للأمير، بل لما قد يعنيه هذا الباب الجديد: فرصة، احتمال، خروج من الحكاية التي لم تخترها.

لاحظت إيزابيلا ذلك.
لاحظت شرارة الاهتمام العابرة في عينيها.
نهضت من مكانها،
وسارت نحوها بخطوات بطيئة،
لكن باردة كأنها سكاكين تمشي على الأرض.

وقفت خلفها مباشرة، أقرب من المعتاد. همست في أذنها بصوت منخفض، خالٍ من أي نبرة دفء، لكن مشحون بشيء غريب... شيء يشبه الغيرة، ويكاد يلامس الحزن.

ويدها تسللت على خصر سندريلا،
مشاعر الملكية أجتاحت كل حركة من ايزابيلا
نحو سندريلا

"لا تفكّري... أن تذهبي حتى."

قالتها وهي تجزّ على أسنانها، كأن الكلمات خرجت بالقوة من بين فكّيها. لم تنتظر ردًا، فقط انحرفت عن طريقها ببطء، ولم تلتفت.

لكن سندريلا بقيت مكانها، شعرت بأنفاس إيزابيلا لا تزال تلامس عنقها.
شحنة غريبة عبرت في جسدها.
لم تكن خائفة.
ولم تكن مصدومة.
كانت مشوّشة. هناك شيء آخر خلف هذا التهديد... شيء لا يُقال، ولا يُفهم بسهولة.

إيزابيلا، رغم برودها الظاهري، كانت تشعر بنار لا تعرف كيف تُطفئها. نار ليست من غضب، بل من رغبة... من تناقض مرير. كانت تكره أن ترى سندريلا تحلم...

لكنها ارادت ان تراها تحلم بها ولو لمرة واحدة بها وليس بغيرها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( مظهر آيزابيلا التخيُّلي )


( مظهر آيزابيلا التخيُّلي  )



( سندريلا)


68747470733a2f2f73332e616d617a6f6e6177732e636f6d2f776174747061642d6d656469612d736572766963652f53746f7279496d6167652f55706c6173456c3653524b3479773d3d2d313534393938303938362e3138343861353064666363653439636238313337323834393430322e6a7067



(الأُخت الصُغرى ليليان)


68747470733a2f2f73332e616d617a6f6e6177732e636f6d2f776174747061642d6d656469612d736572766963652f53746f7279496d6167652f74357348484357332d386f3967513d3d2d313534393938303938362e313834386135313339346638626530313630393533363337383633302e6a7067



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


5 - الحفلة الملكية، سحر لا يدوم​


لم يكن البيت قد شهد هذا الكم من الضجيج منذ سنوات.
أصوات القماش تُقص، وأقمشة تُفرش على الأسرة، وألوان تترامى على الأرض.


الأم تتنقّل بين غرفتين، تحمل أشرطة قياس، تقيس صدراً هنا، وتضيق خصرًا هناك. والأخت الصغرى تدور حول نفسها، تتأمل شكلها في المرآة، وتضحك بفرحٍ طفولي، كأنها ذاهبة للرقص مع القمر.

أما إيزابيلا، فكانت تحدق من بعيد.
شاركت في التجهيزات بلا حماسة،
تضع شريطًا هنا، وتترك غرزة غير مكتملة هناك.

لم تكن تضحك، لكنها أيضًا لم ترفض المشاركة.
كانت كمن يراقب من الداخل،
وعينها تراقب فقط شيئًا واحدًا: سندريلا.

سندريلا، التي اختفت عن الأنظار طوال النهار، عادت في المساء، تحمل في يدها كيسًا صغيرًا، وقلبها ينبض بشيء أشبه بالخوف والسعادة.

في غرفتها العلوية الباردة، أخرجت ما اشترته بصمت:
فستان بلون الخزامى الباهت، ناعم، بسيط، لكنه مخيط بذوق. لم يكن فخمًا، لكنه جميل... مثلها.

كانت قد جمعت ثمنه على مدى أشهر، من القروش المتناثرة التي تخبّئها في زوايا المطبخ، وتحت البلاطة المكسورة قرب الموقد.
فستان لم يُهدَ لها... بل نُتِج من صبرها. من اختياراتها. من إصرارها الخفي أن تكون أكثر من مجرد ظل.

كانت تنظر إليه بعينين واسعتين، تلمعان بنور صغير. لأول مرة منذ الطفولة، بدت كأنها ترى انعكاس امرأة في المرآة، لا خادمة.

لكن... لم يمر وقت طويل.

دخلت إيزابيلا دون طرق
، كما اعتادت دومًا. نظرت إلى الفستان المفرود على السرير، فتجمدت لثانية.
صُبَ في قلبها وصدرها براكين العالم أجمع.
لم تقل شيئًا.
فقط مشت نحوه ببطء،
كما يمشي أحدهم نحو شيء خطير لكنه لا يستطيع مقاومته.

مدّت يدها، لمست القماش بين أصابعها، ثم... شدّت.

مزقته.

بيد واحدة، شقّت القماش من منتصفه، كما لو أنها تنتزع قلب شيء حيّ.

الهواء تجمّد في الغرفة.
سندريلا شهقت بصوت مكتوم، وضعت يدها على صدرها، وعيناها اتسعتا في ذهول لم يكن فقط من الألم... بل من الخيانة.

في باب الغرفة، كانت الأم واقفة، ومعها الأخت الصغيرة.
الأم رفعت حاجبًا، تجعّدت جبهتها بخط رفيع، ثم قالت ببطء، "إيزابيلا... ما الذي تفعلينه؟"

أستنكرت فعل آيزابيلا الغريب رغم انها لا تحُب سندريلا

أما الأخت، فاكتفت بالتحديق بدهشة خافتة، لم تفهم تمامًا، لكن إحساسًا غريبًا جعلها تتراجع خطوة للخلف.

إيزابيلا، لم تجب مباشرة. كانت لا تزال تمسك بقطعة من القماش الممزق، بين أناملها المرتجفة.

ثم، بصوت منخفض لكنه مشحون، قالت:
"إنه رخيص... لن يليق بالحفل."

لكن عينيها لم تقولا ذلك.

عيناها، حين التقتا بعيني سندريلا، قالتا شيئًا آخر تمامًا.
شيئًا من الذعر.
شيئًا من الضعف.
شيئًا يشبه... الحب.

انكسر فؤاد آيزابيلا ضعف كسران قلب سندريلا
غادرت بخطوات ثابتة
وكان قلبها وقلب من امامها لا يعنيها.
كذبت على نفسها قبل تكذب امام الجميع.

في تلك الليلة، لم تسمع سندريلا ضجيج البيت.

لا ضحك الأم، ولا خطوات الخادمة، ولا حديث الأخت الصغيرة عن الرقص والأميرة التي ستكون.

غادر الجميع

للحفله.
وتركت هي هُنا كشبح منسي،

كانت جالسة على العشب خلف البيت، قرب جذع شجرة التفاح القديمة، تحت ظلّها الذي صار ملاذًا لها منذ الطفولة.

الفستان الممزق في حجرها، أصابعها تتلمس الخيوط المقطوعة كأنها تحاول إصلاح الألم بأطراف أناملها. لكنه لم يكن القماش فقط ما تمزّق...
كان شيء أعمق.
حلم لم يولد بعد، قُتل قبل أن يتنفس.

الدموع لم تكن صاخبة، كانت تتساقط بصمت، تغوص في صدرها، تُبلل عنقها، وتجعل الهواء ثقيلاً كأنها تتنفس حزنًا صافياً.

هي لم تكن تطمع في أمير.
ولا في زفاف ملكي.
كل ما أرادته... أن تشعر للحظة أنها "تشبههن"، أو ربما أنها تشبه نفسها كما حلمت.


وحين اعتادت الصمت، سمعَت صوتًا مختلفًا تمامًا عن الليل...

"أتبكين على فستان... أم على ما كان سيأتي معه؟"

رفعت رأسها بفزع.
عند أطراف الحديقة، تقف امرأة... لا تشبه نساء القرية، ولا أي امرأة رأتها سندريلا من قبل.

عباءتها بلون ضوء القمر، شعرها الفضي يتماوج خلفها رغم أن الريح ساكنة. وفي يدها، عصا ملساء، منحوتة بدقة غريبة، تنتهي بنجمة خافتة التوهج.

بينما كانت سندريلا تمسح دموعها تحت الشجرة، وحولها الليل يزداد برودة وصمتًا، رفرفت العصافير الصغيرة فوقها فجأة، تحلق بدوائر وكأنها تهمس للسماء.

ابتسمت المرأة ذات الشعر الفضي، ورفعت عصاها في الهواء، وهمست بكلمات بلغة قديمة، انبعثت منها أنفاس الأرض والريح والماء.

وفجأة...

ارتجفت حبات الندى على العشب، ثم بدأ القرع الكبير على أطراف الحديقة يهتز ببطء، يتوهج بلون كهرماني حار كأن شمسًا صغيرة سُجنت داخله.

وبلمحة خاطفة من سحرها، تمددت قشرة اليقطين وانقسمت ببطء، تنفست مثل مخلوق حيّ، ثم انشقت لتكشف عن عربة ملكية مذهلة، بدعائم ذهبية، ونقوش زهرية تلتف على الزجاج كأنها نُقشت بأنفاس الربيع ذاته.
كانت تشع، لا ضوءًا فحسب، بل شعورًا... بالدهشة، بالفرح، بالأمل.

ثم نظرت الساحرة إلى العصافير، رفعت يدها الثانية، وإذا بها تخفق بأجنحتها وتدور بعنفوان حول سندريلا، قبل أن تضيء فجأة، وتنبثق منها أربعة فتيات في زيّ خادمات أنيقات، بأقمشة عاجية ناعمة، وأكمام من الحرير الشفاف، شعورهن مرتبة بدقة ووجوههن تشع حياءً وولاء.

على الأرض، خرجت الفئران من الجحر، تركض بخوف، قبل أن تتوقف فجأة... وتتصلّب.
رفعت الساحرة طرف عصاها إليهن، وقالت بابتسامة خفيفة:

"حتى الجرأة الصغيرة تستحق لحظة عظيمة."

أضاءت الأرض تحتهن، وتحولن إلى سائقين نبيلين، يرتدون سترات مزرّرة بحواف معدنية، وقبعات عالية، وعيونهم تتقد بحكمة لا تشبه الفئران التي كانوا.

أما الفستان...

كان لا يزال في حجر سندريلا، مطويًا على شكل فوضوي، مزقته يد مملوءة بالغيرة.

اقتربت الساحرة، ووضعت يدها عليه، ثم مدت يدها الأخرى ولمست كتف سندريلا... وقالت بهدوء:

"أنتِ لا تحتاجين هذا... بل هذا يحتاجك ليصبح ما يجب أن يكون."

انفجر الفستان في ومضة من الضوء الأزرق، لم تكن مجرد ومضة... بل كانت ولادة.

انسابت طبقات القماش من حول جسد سندريلا كما لو أنها جزء من جسدها.

اللون؟ أزرق سماوي عميق، ممتزج ببريق فضي دقيق يشبه نثار النجوم.

وكل طبقة من تنورته تتماوج وكأنها مصنوعة من مياه ليلية تهمس بأغنية القمر.

خصرها عانقه الشريط المخملي، وتفصّلت الياقة حول كتفيها المنحنيين بخفة، كأن النور نفسه يحتضنها.

حذاؤها؟ لم يكن زجاجًا فحسب، بل كان كريستالًا نقيًا ينبض بضوء داخلي، كل خطوة بها تعزف همسة ضوء.

وقفت سندريلا، تضع يدها على قلبها... عيناها تتسعان، لا لأنها جميلة بل لأنها لم تر نفسها يومًا حقيقية هكذا.

قالت الساحرة:
"الوقت حتى منتصف الليل... لا أكثر. اجعليه يراكِ كما أنتِ، لا كما يخبرونك أنكِ كنتِ."

وسارت سندريلا نحو العربة، والنجوم تتبعها كأنها تنحني لها.

كانت العربة تمخر عباب الليل،
تصعد الطريق الحجري المعبد المؤدي إلى القصر الملكي، تحفها أضواء المشاعل التي تنمو على جانبي الدرب مثل زهور لهبية.

العجلات تدور بسلاسة على الأرض، والخدم الصامتون الذين خُلقوا من العصافير يجلسون بهدوء، محافظين على سحر اللحظة، والهواء مليء برائحة شتوية ناعمة، وكأن الغابة كلها تتنفس تنبّهًا لهذا المساء الاستثنائي.

داخل العربة، جلست سندريلا بهدوء غير مألوف.
كانت يداها على حجرها، متشابكتين، في حين تنساب أناملها بلطف فوق ثنيات فستانها المذهل. كلما تحركت، تحرك الضوء معها.

خيوط من الفضة تنبعث من الرداء كأنه منسوج من غبار نجم. قلبها كان يخفق، نعم، لكنه لم يكن خفق الخوف... بل التوق.

الحلم. احتمالية حدوث شيء لم يكن مسموحًا حتى بأن يُفكر فيه.

وعندما وصلت العربة إلى بوابة القصر... توقف الزمن.

كان القصر كأنه مأخوذ من صفحة في قصة كتبتها الآلهة. الأعمدة العاجية تتعالى في السماء، والشمعدانات الكريستالية تنعكس على الرخام المصقول وكأن الأرض نفسها تضيء. الموسيقى تنساب من الداخل ناعمة، مرتفعة، راقصة كهمس بين عاشقين.

ترجل السائق، وفتح الباب.

نزلت سندريلا خطوة بخطوة، ببطء كأنها تخرج من حلم طويل كان يختبئ في صدرها منذ طفولتها. كعبا حذائها الكريستاليان صدرا صوتًا خفيفًا كرنّة جرس صغير، فالتفتت الرؤوس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم يكن أحد يعرف من تكون... لكن لا أحد استطاع أن يشيح بنظره عنها.

ارتفعت الهمسات، توقفت المحادثات، حتى الموسيقى خفتت في وعي الجميع.

عيناها الزرقاوان تلمعان تحت الأضواء،
وشعرها المصقول مرفوعًا بعناية،
تتدلى منه خصلات متموجة مثل خيوط شمس غاربة، وفستانها يتحرك معها في كل خطوة كأن الريح تمسك بذيله، تنثر منه بريقًا ناعمًا أشبه بالغبار السحري.

وعند أعلى الدرج... وقف هو.

الأمير.

شاب وسيم، عريض الكتفين،
لكن نظرته تلك اللحظة لم تكن نظرة رجل معتاد على الجمال أو التباهي...
بل كأنه رأى شيئًا لم يكن يتوقع أن يراه أبدًا.
لم تدهشه الفساتين، ولا الزينة، ولا النساء المتزاحمات عليه طوال الليل...
لكنه الآن واقف، تحدّق عيناه بسندريلا وهي تصعد نحوه، وكأنها اللغز الذي لم يعرف أنه يبحث عنه.

لم يلتفت لأي شخص آخر.
تحرك نحوهـا، كما لو أن قدميه تنقادان بقوة خارجة عن إرادته.

وعندما وصل أمامها، مد يده ببطء، وعيناه تبحثان في عينيها عن شيء أي شيء يخبره أنها من هذا العالم.

قال بهمس، بصوت عميق:

"هل... تسمحين لي بهذه الرقصة؟"


صمت.

ثم مدت يدها، ووضعتها في كفه.

في مكان آخر من القاعة، وقفت إيزابيلا.

يداها متصلبتان على طرف فستانها المطرز، ووجهها لا يتحرك.
رأتها... سندريلا.
لكنها لم ترَ خادمة متربة، ولا فتاة بوجه شاحب.
رأت سندريلا التي تحبها.

بفستان ساحر، بجمال جارف، لكن أكثر من ذلك... سندريلا التي تتوهج الآن كأنها تحيا للمرة الأولى. كانت تنظر إلى الأمير، وكان هو ينظر إليها... بنظرة يعرف الجميع معناها.

إيزابيلا عضّت شفتها.
تخشبت مشاعرها، تجمدت في لحظة.
لكن تحت الغيرة، وتحت الخوف، وتحت... كان هناك شيء آخر.

شيء أكثر وجعًا.

رغبة أن تقترب منها، أن تلمس يدها، أن تقول لها

"أنا هنا، لماذا لا ترينني؟، اني هنا منذ البداية"


لكنها لم تفعل.
لم تكن قادرة.

كل شيء في الداخل كان يتفجر، لكنها وقفت هناك، ساكنة، بصدر ضيق، وعينين تغرورقان بشيء لا تستطيع الاعتراف به.

وفي القاعة، رقصت سندريلا.

دارت تحت أنوار الثريات، والفستان يتحرك حولها كالليل المرصع. الأمير لا يرى أحدًا سواها. وهي، رغم كل شيء، رغم الدهشة، رغم الرهبة... شعرت أنها تنتمي.

كانت تلك اللحظة بداية كل شيء.
الليلة التي سيُذكر فيها أن القمر نزل إلى الأرض ليرقص... واختارها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

6 - الحقيقة الخام


جدرانها الشاهقة، تلمع بعروق الذهب، مزينة بثريات كأنها نجوم سقطت من السماء، لا لتضيء بل لتتباهى.

الرخام تحت قدمي، أملس، بارد، كأنني أطفو على سطح بحيرة جليدية عميقة. كل شيء كان مصقولًا، لكن مصقولًا أكثر من اللازم.

الجمال هنا كان صناعيًا. مُعدًّا للعرض، لا للعيش.

ورائحة المكان... عطرٌ مسرف، حلوٌ حدّ الغثيان. كأن الجو مشبع بأنفاس نساء يتنافسن على إثبات خصوبتهن بحجم فتحة صدر الفستان ودرجة لمعانه.

لم اكن اريد ان أبرُز لعيني الامير.

بل كان في داخلي برود يشبه برودة الجليد على جدار حجري. كل ما كان يحرّكني... كان شيء آخر.

كانت هي. آيزابيلا.

لم أكن أرتدي فستانًا فقط، بل كنت أرتدي فعلًا متعمّدًا من الإغواء الناعم، رسالة مشفّرة بلون الكريستال والحرير، موجّهة ليس للأمير، بل لعينين ظنّتا أنني لن ألاحظ ارتجافهما.


حين اقترب الأمير مني، لمحت في الخلف آيزابيلا.
كانت واقفة عند أحد الأعمدة، جسدها مشدود، كأن الهواء ثقيل من حولها، وعيناها تراقبانني ليس فقط كخصم، بل كشيء لا تفهمه... لكنها لا تستطيع تجاهله.

كنت أمشي ببطء، كأنني لا أنتمي.
والأمير؟
كان يلتهمني بعينيه.

اقترب مني بخطوات مدروسة، بطيئة، واثقة، كصيّاد تعوّد على الطرائد الوديعة.
كان وسيماً، بالطبع.
تلك الوسامة التي صممت لتبدو مهيبة لا محبوبة.
ذقنه مشذب كلوحة، عيناه واسعتان، بلون الليل حين يشتهي.

لكنه لم يرني.
رآني من الخارج فقط.


وحين وقف أمامي، انحنى قليلًا، مدّ يده.
فعلت المثل.

كانت أصابعه دافئة، لكنها ثقيلة. ولم يتركها تمسك بي، بل قبض عليها كأنها غنيمة.

"اسمكِ؟"
سألني، وهو لا ينتظر الجواب بقدر ما يتلذذ بنبرته وهو يكلمني كأنني شيء سيُملَك لاحقًا.


"غير مهم."
قلت، وابتسمت.
رأيت تلك الارتباكة الخفيفة تمرّ فوق وجهه، لكنها اختفت فور أن التصقت يده بخصري.

جذبني للرقص.

اقترب مني أكثر مما ينبغي.

لم يكن الأمر رومانسيًا... بل فاحشًا بنعومة.

أنفاسه لامست عنقي، يده انزلقت قليلًا عن ظهري نحو انحناءة الظهر السفلي.

حاول أن يقودني، وأنا أسمح له... قليلاً فقط.


حين تُنتزع حريتك من بين ضلوعك، وتُسلب روحك من داخلك، لا لتُسلَّم إلى السماء، بل لتُودَع في يد آدمي؛ حين يغدو مصيرك ورقة مطوية بين أصابعه، له أن يفردها لتُكمل أيامك كما ا...

حاولتِ أن تغطّي نهديكِ خجلاً، فكشفتِ في السترِ ألف اعتراف، وفي نظرةٍ سريعة، تشبّثت عيناي بكِ، ونسيتُ مَن كان خائناً، وبدأتُ فيكِ الاعتراف... رواية مثلية الجنس بالنساء

تمشي بين الجموع وهي تلتفت يمينآ ويسارآ . تائهة ... لا تعلم اين هي !!! أشخاص غريبة ...بملابس اغرب ...وكأنها في احدى العصور الوسطي او القصص الخيالية... فساتين رقيقة علي اج...
لكن نظراته؟
كانت لا ترقص.

كانت تنقّب عن شكل صدري من خلف الفستان، يفتش عن حدود الثديين تحت القماش اللامع، يتأمل الانفصال بينهما كأنها شقّ خُلق ليغرق فيه.

وحين مالت يده نحو خصر الفستان، قرب الورك، ثم ارتفعت برفق نحو الجانبية المكشوفة من خصري...
ثم همس:

"لديكِ جسد لا يمكن تجاهله."

نظرت إليه نظرة مائلة.

"لكنني لستُ جسد."

قلت، واقتربت بفمي من أذنه،
"وأنت لا تعرف الفرق، أليس كذلك؟"

شهق خفيف خرج منه، كأنه صُفع بلطف.

ثم... حاول تقبيلي.

كان واثقًا، أن كل شيء يقوده لذلك الموسيقى، الإضاءة، وضعية الجسد، وحتى ما تعوّد عليه من نساء يذُبنَ عند أول مبادرة.

لكنني لم أذب.

تراجعت خطوة. نظرت إليه من علٍ، رغم أنه أطول مني.

"لم تُمنح شفاهي بعد، ولن تُمنح بهذه السرعة."


ثم دارت عيناي...
وأوقفت رقصتي في منتصفها.

كان يريدني، نعم... لكن بطريقة حيوانية.


وكنت أبتسم.

لا له، بل لها.


كل ضحكة، كل نظرة، كل رقصتي معه، كانت طعنة صغيرة في قلبها.

وكنت أراها تنزف من عينيها، دون أن تسقط.


آيزابيلا، التي مزّقت فستاني بيدين راجفتين...
لم تكن غاضبة. كانت خائفة.

من نفسها.
مني.

من كمّ المشاعر التي حاولت دفنها تحت سخرية طفولية، وخبث مزيّف.

أردتها أن ترى. أردتها أن تنكسر أمامي. أردت منها شيئًا واحدًا فقط:

أن تعترف.


أن تقول لي، بلسان متردد، أو بقبلة مسروقة، أو حتى بدمعة وحيدة، ما كانت تخبئه تحت كل تصرفاتها.

لكنها لم تفعل.


حين دقّت الساعة منتصف الليل،
وكأن السحر انهار دفعة واحدة.
كل شيء عاد إلى أصله:
الأرض بردت، الزينة انطفأت، أفلتُّ يدي من يده.
ركضت.
وسمعت فوضى من خلفي. أحدهم صاح باسمي أو بالأحرى، ما أظنه اسمي.

صعدت الدرجات.

خطواتي كانت سريعة، فستاني يتطاير حولي كالضوء، لكنه بدأ يفقد بريقه، يعود رويدًا رويدًا إلى ما كان عليه.
وفي منتصف الدرج، سقط الحذاء الكريستالي من قدمي.

توقفت.

التفتُّ ببطء.

كان الأمير قد وصل أسفل الدرج. التقط الحذاء بيد مرتجفة، عيناه لا تزالان تبحثان عن شهوة الجنس، لا عنّي.

نظرت إليه، وتقدّمت خطوة... لكنه مدّ الحذاء نحوي.
ظنني سأعود.

لم أفعل.

ابتسمت، ابتسامة خفيفة، ساخرة، مائلة... ثم استدرت وركضت.

ركضت بكل قلبي.

آيزابيلا، تحدّق بي. وجهها كان شاحبًا. يدها مضمومة على صدرها، شفاهها ترتعش، وعيناها تشي بانفجار داخلي لا صوت له.

في الخارج، العربة تنتظر، لكنها بدأت تتشقق.
الخدم الذين كانوا عصافير الليل عادوا لريشهم، وطاروا مذعورين.

السائق، فأر كبير، كان يحاول السيطرة على زمام الحصان الذي لم يعد حصانًا، بل قرعًا متضخمًا يحتضر أمام عينيه.

قفزت داخله، أغلقت الباب بسرعة، وصرخت:

"إلى المنزل!"

الحصان - القرع - تحرّك.
العجلات تدحرجت بصعوبة.

الأرض تتبدل، القمر يتقلص، والفستان بدأ يتفكك.

وفي رأسي... كانت آيزابيلا فقط.

كان كل شيء قد انتهى، والكل ظنّ أن سندريلا حلمت بحفل ورجل وأمير. لكنهم لا يعلمون...

أنني كنت أحلم فقط بأن تغار آيزابيلا بما يكفي، لتقول لي: لا تذهبي. ابقي. أحبك.

هل تقولها؟ أم ستصمت إلى الأبد؟

لكني، رغم كل شيء...
كنت أضحك.

ضحكت على الأمير،
كأنني عدت إلى ما كُنت، كأنني لم أُخلق لأكون ملكة، بل لأكسر عيون الملوك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1848b8d29a516a99628472010562.jpg


1848c16545639a21881150892027.jpg


7 - ليلة بألفِ ليلة وليلة​


كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا.

سندريلا تجلس على عتبة الباب، كتفاها منكمشان من البرد، وشفتيها مضغوطتان بقلقٍ لا يهدأ.

زوجة ابيها وأختها عادتا من الحفل منذ زمن، وأخبرتاها أن آيزابيلا غادرت وحدها، مبكرًا، ولم يعرفا أين ذهبت.

ومرّ الوقت.

قلب سندريلا في صدرها كان يطرق الطرقات مثل مطرقة حديد، وعقلها يعيد السيناريوهات الأسوأ: سقطت؟ تاهت؟ هل حدث لها شيء؟

وكل فكرة كانت تقرّبها أكثر من حافة الجنون.

ثم...

سمعت الخطى.

خطى مترنّحة، كعب يضرب الأرض عشوائيًا، وصوت تذمّر ناعم، مُترنّح، ثم ظهورها من خلف الزاوية.

آيزابيلا كانت تمشي بصعوبة، ثملة حتى العظم.

شعرها مبعثر،
كحلها سال من عينيها،
فستانها المرتفع قليلاً عن فخذيها،
ويدها تمسك بالكعب الآخر بينما تسير حافية القدمين، تتمايل وكأن الشارع يدور بها.

كانت جميلة، لكن لا بطريقة متقنة... بل جميلة بطريقة فوضوية، متعبة، مثيرة بضعفها.

هرعت سندريلا نحوها، أمسكتها قبل أن تسقط، واحتضنت خصرها بذراعيها.

"آيزابيلا...!"

"شششش، أنا بخير.."

قالتها بصوت مُنكسر، ثم ضحكت ضحكة قصيرة وموجعة

"أعتقد أن الأرض تحاول أن تبتلعني."

ساعدتها على دخول البيت، يداها ملتفّتان حول خصرها، تشعر بثقلها عليها، برائحة العطر الممزوج بالكحول، بتنهّداتها المتقطعة.

أدخلتها غرفتها، وأجبرتها بلطف على الجلوس على حافة السرير.

آيزابيلا رفعت يديها، وأسندت نفسها للخلف، وسقطت فوق الفراش كأن جسدها لم يعد يحتمل الثقل.

رجلها الواحدة لا تزال مرتدية الكعب، والأخرى حافية... وضحكت مرة أخرى:

"أعتقد... أنني فقدت شيء... أو ربما كل شيء."

نظرت إليها سندريلا وهي تحاول أن تخلع الكعب من قدمها الأخرى، ثم الغطاء عن جسدها.
وفي تلك اللحظة رأتها.

آيزابيلا، المستلقية بثمالة، على ظهرها، فستانها منزلق عن كتفها الأيسر، يكشف بداية صدرها، خط العنق الناعم، بطنها المسطّح البارز قليلًا مع التنفّس المتعب، وفخذيها المنفرجين تحت الفستان القصير، بشرتها حارة، مُحمّرة، جسد ناضج، ناعم، يلمع في ضوء المصباح الخافت كمنحوتة من الرغبة.

تمشي بين الجموع وهي تلتفت يمينآ ويسارآ . تائهة ... لا تعلم اين هي !!! أشخاص غريبة ...بملابس اغرب ...وكأنها في احدى العصور الوسطي او القصص الخيالية... فساتين رقيقة علي اج...
رأتها كما تراها دائمًا، لكن بطريقة أكثر مباشرة.

لم تكن واعية، ولا غاضبة، لكنّها كانت جميلة حد الألم.

سندريلا بلعت ريقها.

برغبة

شعرت بتوتّر يتسلل إلى أسفل بطنها، نبض قلبها يتسرّع... عينها كانت لا تزال تتأمل كل جزء في آيزابيلا.

الفستان ارتفع أكثر وهي تتقلّب على السرير بتذمّر، كاشفًا عن جزء من ملابسها الداخلية السوداء، والشفافة، وحين رفعت ساقها فوق الأخرى، تنهدت تنهيدة طويلة:

"أنا... ساخنة جداً... رأسي يدور..."

سندريلا اقتربت، سحبت الغطاء لتغطيها، لكن يدها توقفت في منتصف الطريق.

لم تستطع مقاومة النظر.

عيناها مرتا ببطء على ساقيها، فخذيها، ثم على صدرها الذي ارتفع وانخفض تحت التنفس العميق، وشفتيها التي فتحتها قليلاً وكأنها تنتظر قبلة.

رغبة سندريلا لم تكن مجرد جسدية.

كانت تريدها، بكل ضعفها، بكل ضياعها، بكل نضجها وسُكرها.

اقتربت منها، جلست على طرف السرير، تمرّر أناملها على خصل شعرها المبلول بالعرق

تحاول ألا تفكر كثيرًا في كم كانت تشتهيها الآن.

ثم، فجأة، بصوت ناعم مبحوح، قالت آيزابيلا:

"سندريلا؟"

سندريلا شهقت بهدوء: "نعم، أنا هنا."

فتحت آيزابيلا عينيها نصف فتحة، نظرت باتجاهها لكنها لم تركّز، ثم ضحكت ضحكة صغيرة كسولة:

"أنا... أكيد أحلم... اليس كذلك؟"

سندريلا ابتسمت رغم الخطر في هذه الجملة. همست:

"ما الذي يجعلكِ تظنين ذلك؟"

آيزابيلا رفعت يدها، ولمست وجه سندريلا بإصبع مرتجف، تمرّر أناملها على خدها وكأنها تتحسس طيفًا.
ثم، وهم لا تزال تحت سُكرها، قالت:

"... قبّليني."

توقفت سندريلا
ذلك الطلب، البسيط والخطير...
خرج منها كأنها ترمي بنفسها على النار وهي تبتسم.

اقتربت سندريلا، ببطء، لا تزال تتحسس مدى وعي آيزابيلا، وهمست:

"هل أنتِ متأكدة؟"

لكن آيزابيلا لم تنتظر.
رفعت رأسها قليلاً، شفتاها مفتوحتان، وعيناها تتوسّلان اللمسة، وكأنها تجذبها بقوة لا تُرى.

فاستجابت سندريلا.

قبّلتها.

قبلة ناعمة أولاً،
متمهّلة، مُختبرة.

ثم اشتدت حين شعرت بشفتي آيزابيلا تتجاوب، تفتح لها الباب أكثر، تهمس لها من غير صوت: تابعي.

سندريلا لم تتردّد، يدها ارتفعت إلى عنقها، ثم إلى فكّها، تمسك وجهها بين يديها وتُعمّق القبلة، ولسانها يمرّ بخفة بين شفتيها، يستكشفها كما لو أنها تتذوق أول حب، آخر فرصة.

آيزابيلا تئن بصوتٍ خافت، جسدها يتقوّس تحت تأثير الشهوة النائمة، كأن الكحول أزاح الخجل، وترك النواة الصافية لرغبة كانت تنتظر.

همست آيزابيلا، وهي تلتقط أنفاسها:

"لماذا أنتِ حقيقية جداً... في حلمي؟"

سندريلا لم تجب.

بدأت تقبّل عنقها ببطء، شفتيها تنزلقان فوق بشرتها المحمّرة، تتوقّف عند عظم الترقوة، تمتصها قليلاً، تترك أثرًا خفيفًا.

آيزابيلا لا تمانع، بل تمتد يداها خلف رأس سندريلا.

تضمها أكثر، تشدها وكأنها تخاف أن تبتعد.

ثم همست، وهذه المرة بوضوح أكثر:

"لا توقظيني... مشاعري مرهقة، لكنها عطشى إليكِ."

توسّعت القبلة من عنقها إلى صدرها، أطراف فستانها ترتفع شيئًا فشيئًا، وسندريلا تمرر يدها بخفّة على جانب خصرها، ترسم خطوط أنوثتها دون عجلة، باحترام الرغبة المختلطة بالتعب.

آيزابيلا تتنهد، تئن، تهمس أحيانًا بكلمات غير مفهومة، لكن كل شيء في جسدها يقول "تابعي".

ولم تكن سندريلا تنوي التوقّف.

اقتربت منها سندريلا ببطء، كأنها تخشى أن تفسد شيئًا مقدّسًا. مدت يدها، تمسح وجنتها، تمرر أصابعها خلف أذنها، ثم تهبط رويدًا إلى عنقها، فتجوف صدرها، فخصرها.

لم تتكلم. لم تطلب.
لكنها انحنت بين فخذيها كما تنحني عاشقة على ضريح حبّها الأول.

مرّ شفتيها فوق بشرتها برقة مذعورة.
كانت تتحسسها كمن يقرأ كتابًا بلغة لا يتقنها بعد، لكنها تفهم كل حرف فيه.

ولما وصلت إلى موضع أنوثتها، توقّفت لحظة.

بدأت ببطء، تقبّلها، تلمسها بلسانٍ عاشق لا يبحث عن متعة، بل عن اعتراف.

كانت تُقبّلها كمن يريد أن يقول:

"ها أنا هنا... أعرفكِ. أشتهيكِ. أحبكِ... دون خوف، دون تردد."

أنين سندريلا كان خافتًا، لكنه صادق. ليس أنين جسد، بل نبض قلب تفتّح أخيرًا.

وفي تلك الليلة، لم يكن الجسد هو ما عُري، بل كل شيء آخر.

كانت آيزابيلا مستلقية على ظهرها، تنظر إلى السقف بصمتٍ ثقيل، بينما سندريلا تزحف نحوها ببطء، كما لو أن كل خطوة تقرّبها من اعترافٍ لا يمكن التراجع عنه.

بدأت سندريلا ببطء، قبّلت عنقها أولاً، ثم كتفها، ثم انزلقت بشفتيها إلى ما بين نهديها، تُقبّل، وتلعق، وتتنفس في كل جزء تمرّ به.

كان جسدها يتحرك بثقة، لا عشوائية فيه، بل طقوس محددة، مرسومة، كما لو أنها تحفظ خريطة المتعة عن ظهر قلب.

حين وصلت إلى أسفل بطنها، توقفت قليلًا

وانحنت.

بدا جسد آيزابيلا مشدودًا في اللحظة الأولى، ثم ارتخى حين شعرت بأنفاسها الحارّة تلامس فرجها.

كانت سندريلا لا تكتفي بالتقبيل، بل تتذوقها... بشغف، بمهارة، ببطء قاتل في البداية، كما لو أنها تشرب من نبع انتظرته طويلًا.

لسانها راح يداعب شفتي فرج آيزابيلا بإيقاع ناعم، تارة يمر فوقها كنسمة، وتارة يضغط كما لو أنه يبحث عن لذّة مختبئة في عمق أنوثتها.

آيزابيلا بدأت تشهق، تشهق بصوتٍ عالٍ، ويداها تتمسّكان بالمفرش أسفلها، جسدها يرتفع قليلاً مع كل حركة من سندريلا كأنها لا تحتمل هذا الكم من الشعور.

لكن سندريلا لم تكن قد بدأت بعد.

أدخلت لسانها داخلها ببطء، تذوقتها من الداخل، ثم عادت إلى الأعلى، إلى بظرها، تداعبه بإيقاعٍ تصاعدي، يتغيّر حسب ارتعاشات جسدها، تقرأها كما تقرأ نغمة موسيقية.


لم تكن تفعل شيئًا اعتباطيًا، بل كما لو أنها تعزف مقطوعة كاملة من الرغبة.

ثم بدأت تستخدم أصابعها بإتقان ونعومة تغوص بها داخلها، تدفعها، تسحبها، وتراقب بعينيها كل ردة فعل من آيزابيلا

كأنها تكتب نصًا جسديًا، سطوره من أنين، ونقاطه من شهقة، وفواصله من ارتجافة.

آيزابيلا لم تعد قادرة على حبس صوتها، كانت تنادي باسمها، تكرّره مرارًا، وتشهق بين كل نداء وآخر

وسندريلا بين فخذيها، تقبّلها بلا توقّف، تلعقها كما لو أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتقول "أنا اعشقك"

أدخلت أصابعها بعمق أكبر، بينما لسانها يضغط فوق أكثر نقطة حساسة فيها، ولم تتوقف حتى شعرت بوركي آيزابيلا يقفز، يرتجف، ينهار بين يديها.

صرخت.

مرة، واثنتين، ثم شهقت شهقة طويلة، وكأن روحها خرجت معها للحظة.

ولم تتوقّف سندريلا مباشرة، بل هدّأت إيقاعها، قبّلتها من جديد، بلطف، بعناية، كمن يعتني بجسد مقدّس بعد طقس ناري.

ارتفع جسد آيزابيلا عن السرير كما لو أن الكهرباء اجتاحته، يداها اشتدت على الوسادة، أصابعها قبضت على القماش وكأنها تحاول أن تتشبث بالواقع وهي تنهار في لذتها.

سندريلا كانت ثابتة في مكانها، بين فخذيها، تتنفس كل ارتجافة، تبتلع كل شهقة، وكل شهية ظاهرة في جسد المرأة التي تعشقها.

ثم، فجأة، جاءتها تلك الرعشة

آيزابيلا صرخت، ليس صرخة ألم، بل تلك الصرخة التي تخرج من عمق الحوض، من عمق الجسد، حين تنفجر النشوة أخيرًا.

واندفعت منها سيول رغبة، رطبة، ساخنة، لزجة، تمثل خلاصة شهواتها ومشاعرها، دون حرج، دون مقاومة.

وسندريلا

لم تتراجع.
لم تُبْعِد وجهها كما تفعل الأخريات.
كما يفعلون راغبي الشهوة فقط
رغبتها كانت آيزابيلا... كاملاً... لا تريد سوى التهامها

بل اقتربت أكثر، دفنت وجهها فيها، لسانها لم يترك نقطة، شفتاها تُغلقان على كل قطرة تسيل.

كانت تلعق كل ما نزل من آيزابيلا كما لو أنها تشرب حبها من منبعه، تبتلعه بعطش امرأة مجنونة بالعشق.

شهقت آيزابيلا من جديد، جسدها ينتفض وهو لا يزال تحت تأثير الذروة، بل زاد ذروتها ذروة ما تفعلهُ سندريلا

تمص، تلعق، تمسح ذقنها وشفتيها على كل جزء تبلّل منها، وكأنها تقول لجسدها:

"كل قطرة منكِ لي... ولن أترك شيئًا منها يضيع."

وحين فرغ الجسد من رجفته الأخيرة، رفعت سندريلا رأسها ببطء، فمها لامع، ذقنها مبتل، ونظرتها لا زالت مشتعلة، فيها شراسة أنثى لم تكتفِ بعد، وفيها أيضًا حنان امرأة وجدت اللقاء اخيراً

لعقت شفتيها ببطء، متعمّدة، كما لو كانت تحفظ المذاق،

لكن الطَعم الذي كان مُخمليًّا، مشبعًا بالشوق...

بدأ يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى مرارةٍ مُزعجة، مُنذرة، كأن شيئًا داخليًا انقلب فجأة.

ثُوانٍ من الوعي فقط، كانت كافية لتُشعل عاصفة في صدر سندريلا.

تباعدت عن آيزابيلا ببطء، جسدها لا يزال دافئًا، نائمًا، ساكنًا كزهرة أُرهقت من العاصفة.

نظرت إليها ملامحها مسترخية، بريئة، وعاجزة تمامًا عن إدراك ما حدث للتو.

امتدت يد سندريلا إلى فمها، وغطّته بارتعاش، وكأنها تحاول أن تخنق الحقيقة قبل أن تنفجر داخلها.

"ماذا فعلتُ للتو؟!"

سؤالٌ دوّى في أعماقها، لا إجابة له سوى الصمت، والعار.

لم تكن آيزابيلا واعية...
لم تطلب، لم توافق، لم تكن موجودة بكامل إرادتها.
كانت تائهة في سُكرها، وها هي الآن نائمة غافية على آثار لم تختَرها.

سندريلا أغمضت عينيها، وشعرت كأن شيئًا بداخلها يُمزَّق.
وإن كانت تُحبّها؟ وإن كانت آيزابيلا تُبادلها نفس المشاعر؟

هل الحب يكفي ليغفر تجاوزًا مثل هذا؟

أيّ فرقٍ بينها الآن وبين ذلك الأمير الشهواني الذي تسلّق أجساد النساء دون وعيهن؟

أيّ فرقٍ بينها وبين الخطيئة؟

شدّت شعرها بأصابعها المرتجفة، تنهّدت بقوة كأنها تُحاول أن تُخرج كل ما علق بروحها، ثم همست بصوتٍ مبحوح، يائس:

"أنا آسفة يا آيزابيلا... آسفة بحق الجحيم..."

نظرت إليها مرة أخرى وجهها الطفولي، شفتيها المرتخيتين، كتفيها العاريين، وثقل السكون عليها.

"ما الذي فعلتُه بفتاةٍ بريئةٍ مثلك...؟ هذا ليس شغفًا، هذا ليس حبًا... هذا مشين."

ثم مالت بجسدها إلى الأمام، وطوت نفسها كطفلة مذنبة، تحت وطأة ذنبٍ أكبر من قدرتها على الاحتمال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فتحت آيزابيلا عينيها ببطء،
كأنها تطفو من قاع حلم كثيفٍ لا يريد أن يتركها.

الضوء الخافت ينزلق عبر الستائر، والعالم هادئ حدّ الغرابة. رأسها يدور، وثقل غريب يجثم فوق صدرها.

أدارت وجهها على الوسادة، فتسلّلت رائحة ناعمة لأنفها ليست رائحتها. شيء دافئ، أنثوي، مألوف بطريقة غريبة.

حدّقت في السقف قليلًا، ثم أغمضت عينيها مجددًا...

الذكريات أو الهلوسات كانت هناك، تربض تحت الجفون:

شفاه تهمس فوق بشرتها.
أصابع تنزلق.
لهاث.
حرارة تتصاعد.
رعشة طويلة...
ثم ظلام.

"يا إلهي..."
تمتمت وهي تفتح عينيها من جديد، وقد بدأت الدماء تتجمع في خديها.

" لما احصل على حلماً جنسي كهذا.. بسني هذا"

وضعت يدها على جبينها، تحاول أن تسيطر على ضربات قلبها التي بدأت بالتسارع من جديد وهي تتذكّر.

لم يكن حلمًا عاديًا... كان واضحًا، حسيًا، فاضحًا بطريقة لم تختبرها من قبل. وكانت فيه... هي.

سندريلا.

تنهّدت بصوتٍ مرتجف، ثم دفنت وجهها في الوسادة، محاولة أن تطرد الصور التي بدأت تنساب أمامها كقطرات دافئة.

لكنها فشلت.

كل شيء يعود:
صوت سندريلا.
رائحتها.
ملمس بشرتها على بشرتها.
كيف كانت تحدّق فيها كما لو أنها كنز ضائع.

وأكثر ما أخجلها هو أن جسدها الآن... يرتجف من الأثر المتبقي.

"لا، لا، لا... لا تفكري بها بهذه الطريقة!"

همست بصوت خافت وهي تجلس على طرف السرير، تضمّ ساقيها إلى صدرها، كأنها تريد أن تطوي نفسها وتختبئ من ذاتها.

"إنها بريئة... طيبة... لا تعرف شيئًا عن هذه القذارة التي تموج في رأسي الآن..."


وضعت يدها على قلبها، كان ينبض كما لو أنها كانت تركض. الحقيقة التي تُحاول إنكارها كانت واضحة:

استيقظت مثارة.

بفخذان يسيلان منهما الشهوة.

ومصدر ذلك، لم يكن سوى حلم عن سندريلا.

أدارت وجهها بعيدًا عن المرآة، لم تحتمل فكرة أن ترى نفسها وهي بهذا الشكل جسدًا تحرّكه رغبة لم تطلب إذنًا.

ثم انهمرت دمعة صغيرة على خدها، لم تكن بسبب الحلم، بل بسبب ما اكتشفته للتوّ عن نفسها:
أنها تريد سندريلا.
ليس فقط كمأوى، كابتسامة، ككتفٍ تتكئ عليه... بل كأنثى.
ككُل.

ولم تكن جاهزة لذلك.
لا للاعتراف، ولا للرفض، ولا للرغبة.

حبُها الاولى.

مثل خطوتها الاولى

تخشى ان تخطوها وتسقط
لكنها تعرف ان سقطت لن تنهض من بعدها.
لن تستطع ان تنهض من دونها.

من دون سندريلا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


18493ff26da2f6ee844034963394.jpg

8 - جسد لا يُنسى، ووجوه تُطأطئ​


مرّ يومٌ... ثم آخر.
ولم تقولا شيئًا.

في الممرات الضيقة للبيت، تمرّ آيزابيلا كظلّ، تنظر إلى الأرض، تتجنب حتى أن تسمع وقع خطوات سندريلا.

وفي الغرفة، إن دخلت سندريلا، تتظاهر آيزابيلا بالنوم.

وإن جلست آيزابيلا في الحديقة الخلفية، خرجت سندريلا إلى السطح.

كانتا تتجنبان بعضهما بذات اللهفة،
لكن لسببين مختلفين تمامًا.

آيزابيلا، كلما رأت طرف فستان سندريلا، أو سمعت ضحكتها من خلف الباب، تشعر بحرارة غريبة ترتفع في وجهها.

تتذكر الحلم...

ذلك الحلم الملعون، الذي لم يكن بريئًا، ولم يكن مجرد شطحة خيال.


حلمٌ كانت فيه بين يدي سندريلا، تُلثَم، وتُلمَس، وتُنادى باسمها كما لو كانت معجزة.

تستيقظ كل يوم وهي تخجل من نفسها أكثر، تهمس لنفسها وهي في الحمام تغسل وجهها:

"هي لا تعلم بشيء... هي طاهرة... بريئة... وأنتِ؟... أنتِ قذرة لتفكّري بها هكذا."

كانت تهرب،
لا من سندريلا فقط،
بل من نفسها ايضاً.

أما سندريلا...

فكانت تنظر لعينَي آيزابيلا إذا التقت بهما صدفة، ثم تشيح فورًا، كأن النظر وحده خيانة.

كيف تخبرها؟ كيف تُبرّر ما لا يمكن تبريره؟

آيزابيلا كانت ثمِلة.

ضائعة.

وأنتِ، يا سندريلا...
استخدمتِ ضعفها لتُشبعي جوعًا دفينًا؟

كيف تسمحين لنفسك أن تلمسي من لا تعي أنها تُلمَس؟

تمضغ سندريلا هذا السؤال كل ليلة، حتى باتت لا تعرف له طعمًا.

فقط، تشعر بالغثيان...
من نفسها.

لكن العالم لم يتوقّف على عتبة خجلهما.

في الخارج، كانت العربة الملكية تمرّ على كل بيت.

الأمير يبحث عن الفتاة التي هربت في منتصف الليل، تاركة فردة حذاءها الكريستالي خلفها.

لكن لم يكن يبحث عن وجه.

بل عن جسد.

تمشي بين الجموع وهي تلتفت يمينآ ويسارآ . تائهة ... لا تعلم اين هي !!! أشخاص غريبة ...بملابس اغرب ...وكأنها في احدى العصور الوسطي او القصص الخيالية... فساتين رقيقة علي اج...
رآها تتلوّى تحته في الحفلة ضوء القمر ينسكب على صدرها، نهداها المشدودان كُريات من حرير مرسوم.

يتذكّر كيف قبض على خصرها، وكيف كانت مؤخرتها تحت طيات الفستان، مستديرة، طرية، تقطر شهوة.

كان يمرّ على البيوت لا ليسأل عن اسمها، ولا ليصف وجهها، لانه لا يتذكر وجهةً، ولا اسماً، بل ليقيس قدمًا.

يقيسها كمن يقيس مفتاحًا لقفل لا يفتح إلا باللحم.

وفي الغرفة الصغيرة، كانت سندريلا تراقب الأخبار من النافذة.

كلما اقترب صوت العربة من الحي، تتصلّب.
وتتساءل:

"هل يستحق هذا أن أهرب منه؟
أم أهرب من نفسي؟
من آيزابيلا... من نظرتها لو علمت؟"

وآيزابيلا، خلف الباب، كانت تسمع همسات الجيران، وخطى الجنود، واسم سندريلا يتكرر على الألسن.

تريدها رغم كل شيء.

لكنها لا تجرؤ أن تقترب...
خشية أن تنهار الورقة الوحيدة التي تغطي جسدها المشتعل:

"أنه كان مجرد حلم."

في الزاوية البعيدة من الغرفة، كانت آيزابيلا تحاول أن تلتقط أنفاسها، وكأن الهواء أصبح ثقيلاً لا يُستساغ.

العربة الملكية تتوقف أمام بيتهم.

خطى الجنود تتصاعد من الحيّ كمدّ جارف.

والناس يتهامسون خارج النوافذ:

"الأمير... الأمير هنا... يبحث عن صاحبة الحذاء الزجاجي."

لكن آيزابيلا لم تكن تسمعهم.
كانت تسمع فقط... دقات قلبها.

كل شيء في جسدها تخلّى عنها

ركبتاها ترتجفان، يداها باردتان، عيناها لا تملكان حتى القوة لتدمعا.

لقد جاء الأمير.

وأمامها، تجلس من أحبّت.

سندريلا.

هادئة، ساكنة، جميلة حدّ الإهانة.

بثوب ناعم بلون الفجر، كانت تستند إلى طرف الكرسي، وقد رفعت ساقها برشاقة ووضعت فوقها الأخرى.


تلمع في قدمها الفردة الوحيدة من الحذاء الكريستالي، كأنها جوهرة خُلقت لا لتُلبس، بل لتُبجَّل.

رفعت سندريلا نظرها، فالتقت عيناها بعيني آيزابيلا.

كانت نظرة واحدة...
لكنها كسرت كل دفاع

عينا آيزابيلا امتلأتا برجاءٍ صامت، رغبة لا تطلب شيئًا إلا أن تبقى.

أن لا تذهب.

أن لا تُسلَّم لذلك الأمير، الذي لا يرى من سندريلا سوى جسدٍ مرّ من تحته ذات لذّة.

همست آيزابيلا، بصوت يكاد يُبكي الهواء حولها:

"سندريلا... لا تذهبي."

خرجت الكلمات من حنجرتها كأنها اعتراف، كأنها صرخة يتيمة من قلب لا يريد يفقدها

حدّقت سندريلا بها طويلاً، نظرة لا تحمل قسوة، لكنها أيضاً لا تمنح عطفًا.

ثم قالت، بنبرة هادئة...

خالية من الدراما، لكنها مشبعة بالقرار:

"إن أردتِ ألّا أذهب...
افعليها بنفسك.
اجثي على ركبتيك...
وانزعي لي هذا الحذاء الزجاجي،
بنفسكِ، يا آيزابيلا."


في تلك اللحظة، لم يبقَ شيء من كبرياء آيزابيلا.

الوقت لم يعد يحتمل خرافات الاعتداد بالنفس.

المشاعر أكلت كل قناع، وكل حائطٍ أقامته بين قلبها وسندريلا.

فسقطت.

سقطت كمن أُنهك من الوقوف على أطراف الحلم.

ركعت أمامها، جثت كما لم تجثُ لأحدٍ من قبل، ولا لأحدٍ من بعد.

مدّت يديها المرتعشتين نحو قدم سندريلا، تلمسها بحذر، كأنها تمسك شيئًا هشًّا... أو مقدّسًا.

وجهها أمام ساقيها، خجولة، منكسرة، متوسّلة.

لم تقل شيئًا آخر.
لم تعد تملك كلمات.

كانت كلّها رجاءً بصريًا.

"لا تذهبي."

قالتها بكل رعشة في أناملها، بكل دمعة رفضت أن تسقط، بكل توسل يسكن بين أنفاسها المرتعشة.

وقبل أن تُكمل...

دُقَّ الباب.

ثلاث طرقات، كأنها ثلاث رصاصات.

وصوت رجولي صلب يقول:

"بأمر من الأمير، نفتّش عن الفتاة صاحبة هذا الحذاء."

سمعت صوت الخادمة العجوزة وهي وتفتح الباب.

جفّ الحلق في فم آيزابيلا.

اصفرّ وجهها، واستدار العالم في عينيها.

لكنّ يدها تحركت.

بسرعة... خوف... غريزة.

نزعت الحذاء من قدم سندريلا، كأنها تنتزعه من قَدرٍ يُريد سرقتها منها.

قبضت عليه، وضغطته على صدرها

لم تكن تحمية
بل... تخفيه.

كانت تقول بصمتها:

"لن أسمح له أن يلمسك.
لن أسمح له أن يراكِ كما رآكِ.
أنتِ لي... حتى لو لم تختاريني.
لكن لا تذهبي إليه."


وسندريلا...

كانت تنظر إليها نظرةً لم تُشبه أي شيء.

نظرة من تعرف أنها كانت مستعدة للرحيل،
لكنّ هذا الركوع...

أنقذها.

أنقذها من الجهل، من الوحدة، من التمثيل.


ولم تقل شيئًا.

لأن صمتها كان كافيًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

184951710b4473b8725981612564.jpg


9 - لُعبة القدر

ابتلعت ريقها بصعوبة، كأن الهواء نفسه يرفض الدخول إلى رئتيها، وكأن في صدرها حريقًا لا يُطفأ.


عينها كانت معلقة بذلك المشهد الذي بدا كأنه خرج من حلم بعيد أو حلم لم يكتمل.


آيزابيلا، جاثية، تمسك بكعبها الكريستالي بقبضة مرتجفة، ترفعه نحو صدرها كما لو كانت تخشى أن يُنتزع منها، كما لو أنها تحاول أن تحميه، لا من العيون، بل من الرحيل.


من سندريلا.


كان في الصورة شيء غريب، ساحر، متناقض.


لم تكن فقط محاولة للحفاظ على الحذاء...


بل كأنها كانت تحاول أن تحبس الوقت، أن تجمد اللحظة، أن تمنع سندريلا من المغادرة مجدداً كما حاولت ان تمنعها من الذهاب لحفلة الأمير


سندريلا، التي كانت جالسه، شعرت بشيء ينهار في داخلها ببطء.


كنسمة باردة تنفذ من شقوق قلبها المشتعل، خفف هذا المشهد قليلاً من وطأة ذلك الحريق. للحظة وجيزة، وسط دوامة الندم والغثيان التي ظلت تطاردها منذ الليلة الماضية، شعرت بشيء يشبه الراحة.


شعور خجول، خافت، لكنه حقيقي...


آيزابيلا تريدها.


لازالت تريدها.


كان ذلك كافيًا ليمنحها جرعة صغيرة من الثبات، من التنفس.


لكن ذلك لم يكن خلاصًا.


كان فقط مهربًا مؤقتًا من عار أثقل قلبها وأغلق حلقها كعقدة لا تُفك.


الغثيان لم يكن فقط جسديًا.


بل كان اشمئزازًا من نفسها، من تلك التي أصبحتها، من تلك التي سمحت بأن تُجر إلى فوضى ليست منها.


تمنت الهرب.


لا لأن الهرب حل، بل لأنه أسهل من مواجهة الذات، من الغوص في الذنب والإقامة فيه.


مدّت يدها، بتردد، ولمست أصابع آيزابيلا.


ارتجفت الأخرى.


كأن اللمسة أيقظت فيها خوفًا خفيًا، قديمًا، بأن تأخذ سندريلا الحذاء... وتغادر.


خافت أن يكون في قلب سندريلا غضبًا لم يُكشَف بعد، خافت أن تُحاسب على ما ظنته طيشًا، او افعال صبيانية سابقة وما كان في الحقيقة أكثر من ذلك...


إيذاء ناتج عن حب لا يُفهم، ولا يُقال.


لكن سندريلا لم تنتزع الحذاء.



بل التقطته ببطء، كأنها تحاول ان تطمئنها


شعرت آيزابيلا بثقل صغير ينتقل من يدها إلى الأخرى.
ثقل لم يكن من الزجاج، بل من شيء أعمق.


تردد. خوف.
أو ربما... حب.


حب لم يتعلم بعد كيف يولد، ولا كيف يُقال.


رفعت سندريلا الحذاء، ونظرت مباشرة في عيني آيزابيلا.


كانت نظرتها ساكنة، لكنها عميقة، تحمل سؤالاً لم يُنطق.


"ألم تَملي من الصمت؟ أليس البوح أخف؟"


لم تنطق سندريلا بتلك الكلمات، لكن شفتاها تحركتا بها كما لو أنها تلقيها للريح.


ورغم الصمت، فهمت آيزابيلا.


ارتجفت نظرتها، وكأنها على وشك السقوط في بكاء لم تسمح به من قبل.


لم ترد بكلمة، بل بنظرة، محمّلة بكل ما لم تستطع قوله يومًا.


وفي تلك النظرة، كان الاعتراف.
وكان الندم.
وكان الحب.


"سأختبئ."


قالتها سندريلا بنبرة خافتة، لكنها مشبعة بوضوح الغائب المتعمد، كأنها تقدّم نفسها قربانًا لتوازن لا بد أن يُحفظ.


كانت ابتسامتها دافئة، نعم، لكنها كانت أيضًا اليد الحانية التي امتدت إلى أعماق إيزابيلا ومسحت دمعة لم تسقط بعد دمعة ظلت معلّقة في ظلمة داخلية لم يُراد لها أن تُرى.


أومأت إيزابيلا بصمت، كأنها تبارك قرارًا إجراميًا، لا تندم عليه، بل تصرّ عليه.


وجهها شاحب، عينان زجاجيتان لا تبرقان، لكن خلف هذا السكون كان هناك يقين، وتصميمٌ مفاجئ.


كأنها أخيرًا وجدت ما يستحق أن تخاطر لأجله... أن تخسر لأجله...


واختبأت سندريلا...


واختفى الضوء من الزاوية.


نزلت إيزابيلا وحدها، والخطى على السلالم تردد صداها كأنها إعلان عن غيابٍ أثقل من الحضور.


كانت نظرات ليليان ووالدتها الأرملة تتبعها كظلال لا تصدر صوتًا، لكن امتلأت بالريبة، بالتساؤل.


أين سندريلا؟
لماذا لم تتبعها؟
هل يعقل...؟


لكن سندريلا لم تنزل.
ليس في هذا اليوم.


همست ليليان الى آيزابيلا وهي تتلفت حولها، تسأل:


"أين سندر-"


قاطعتها إيزابيلا بسرعة حادة كالسوط:


"لا تذكري اسمها مطلقًا.
لا يوجد أحد سوانا هنا.
أحذرك، ليليان."


التحذير لم يكن صوتًا فقط، بل كان زلزالًا في نظراتها، صدّع شيئًا في الهواء.


الأرملة، أمّهما، جلست تراقب، تلوّح بمروحتها المزخرفة بنقوش زهرية، وكأنها تحاول أن تبرد شيئًا لم يكن من حرّ الطقس، بل من توتر يتكثف كالدخان بين الجدران.


عيناها، العجوزة والخبيرة، كانت تسبر أغوار وجه ابنتها... لم تكن ترتبك أمام الأمير، بل أمام شيء آخر.


شيء لم تفصح عنه... لكنه كان حاضرًا، واضحًا كضوء لا يُطفأ.


لم يكن اهتمام إيزابيلا بالأمير ظاهرًا... بل لم يكن موجودًا أصلًا.


وكان هذا جليًّا في عيني الأم، التي عرفت ابنتها، وعرفت الكذب حين يسكنها.


راقبتها بصمت الأمّهات... الصمت الذي لا يعني البرود، بل الترجمة الحذرة لكل إيماءة، كل نظرة، كل التفاتة.


جرّبت ليليان الحذاء أولًا.


كل العيون عليها: الأمير، الحرس، الأم، إيزابيلا، وحتى الجيران الذين التصقوا خلف النوافذ، أعينهم تتلصص بفضول جائع ينوي سرد الحكاية لاحقًا، وتحويرها حسب النكهة.


قدما ليليان كانتا أصغر من أن تملأ الحذاء الزجاجي، فتأفّفت، بانزعاجٍ يكاد يكون طفوليًا، وهي تتلوى:


"دعوني أجرب مرة ثانية... مع الجوارب!"


تنهدت إيزابيلا بصمت، تنهيدة مثقلة، ليست سخرية بل أسىً، على طفولة لا تنوي النضوج.


ثم جاء دورها.


بلا تردد، وضعت قدمها في الحذاء...


وانزلق... بسلاسة القدر.


لقد كان مناسبًا.


تمامًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

10 - تغير موازين اللُعبة


رمشت آيزابيلا بعينين متسعتين من الذهول، كأن العالم توقّف للحظة من وقع ما حدث.


لقد انزلق الحذاء الكريستالي إلى قدمها بانسيابية مريبة، كما لو كان صُنع لها هي، خصيصًا، لا لأيّ فتاة أخرى.


شهقة غير مكتملة علقت في حلقها، وارتجفت يدها المرتخية بجانب جسدها.


شعرت بجفاف في فمها وهي تبتلع ريقها بصعوبة، كما لو أن الهواء صار أكثر ثقلًا، والأنفاس صارت ذنوبًا.


لم تكن تريد هذا.


لم يكن من المفترض أن يحدث هذا.


كل شيء انقلب بلحظة لا منطق فيها.


لم تضع احتمالًا، ولو ضئيلًا، أن يكون الحذاء مقاسها.


كانت خطتها بسيطة، واضحة:


أن تُبعد سندريلا عن أنياب الأمير، عن قبضته، عن تلك النظرات التي لا تعرف الحب بل تشتهي السيطرة.


لكنّها الآن...
أصبحت هي في الواجهة، هي في فم العاصفة.


وكل العيون من حولها تشهد.


الجيران، المتكدسون خلف النوافذ والستائر المهترئة، يتلصصون بدهشة وخبث مكتوم.


والأمير...


كان واقفًا على بعد أمتار، لكنه بدا أقرب من نبضها ذاته.


عينيه لا ترمشان، تتأملان تفاصيلها كأنها كتاب مفتوح.


ولوهلة، لم ينظر إلى وجهها، بل إلى شعرها الذي لا يشبه الذهب، بل أشبه بنار مشتعلة، خصلات تتلوى في الضوء كأنها لهب حيّ، لا يمكن ترويضه.


هي ليست الفتاة الشقراء التي انسحبت من بين ذراعيه تلك الليلة، التي تاه طيفها في رقصة غامضة،


لكنه... توقف.
تأمّل.
وشكّ.


في داخله ارتبك، كما ارتبكت هي.


هو يبحث عن طيفٍ مفقود، وهي تحاول أن تفر من نورٍ كاذب يسلط عليها الآن.


بسرعة، كأنها تحاول إصلاح خطأ لم ترتكبه، أخرجت آيزابيلا قدمها من الحذاء، كأن الزجاج لَسَعها.


حركتها كانت فوضوية، متوترة، تحاول عبثًا أن تُطفئ لحظة كُشف فيها ما لم يكن يجب أن يُكشف.


رفعت رأسها، ولم تواجه نظرات الأمير، بل اختارت أن تنظر نحو الأرض، وهمست بصوت خافت مضطرب:

"إنه ضيّق... ليس مقاسي."


كذبة واهنة، تنزلق كخرقة مبللة في وجه الحقيقة.


لكنها لم تُقال لتُصدّق... بل لتُنقذ.


لم تنقذ نفسها.


بل أنقذت من تُحب.


أنقذت سندريلا.


ابتسم الأمير ويليام.
تلك الابتسامة...


لم تكن تحمل براءة، ولا خبثًا صريحًا، بل شيئًا ثالثًا، ضبابيًا، كأنها تُخفي لغزًا لا يعرفه هو نفسه.


بعض الابتسامات لا تقول شيئًا واضحًا لكنها تخبرك بكل شيء في آنٍ واحد.


رفع يده ببطء، بإيماءة محسوبة، فأشار إلى حرّاسه.


تحركوا كظلّه، والتقط أحدهم الحذاء الكريستالي من الأرض كما لو أنه يلتقط تاجًا، أو دليلاً في مسرح جريمة.


أما هو، الأمير، فقد اقترب بخطى صلبة... واثقة، وباردة.
كل حركة من جسده كانت مدروسة بعناية قاتل محترف.


طريقة وضع قدميه، كيف يفتح كتفيه، حتى الإمالة الطفيفة في ذقنه كأن هناك مدرسة علمته كيف يُحرك جسده ليبدو وكأنه لا يُخطئ، ولا يتردد.


إلا عينيه.


نعم...
عينيه فضحتاه.


رغم كل ذلك التوازن المزيّف، كان في عينيه زلزال مكبوت، وغابة من الفوضى.


كأن كل ما في داخله يصرخ من شدة التناقض:


الفتى الذي كان يُربّى ليكون ***ًا، بينما هو لا يرى في نفسه إلا إنسانًا تائهًا في جسد من ذهب.


لقد وضعوه على عرش منذ كان ***ًا، لم يُختره، بل فُرض عليه،
وأخبروه: "أنت مرسل، لا بشر."


فنشأ وهو يكره ذلك "النقاء"، ويتمرد عليه بطريقته الوحيدة:


النساء، الشهوات، اللمسات العابرة، والهروب من القداسة التي اختنق بها.


وها هو الآن، يقف أمام آيزابيلا،
لا يعرف إن كانت هي الفتاة...


قال بصوتٍ غليظ، ثقيل، صوته لم يكن مجرد صوت
كان مرسومًا بسلطةٍ ألفها منذ المهد،
صوت لا يُناقش، بل يُنفذ.


"ضيق... لكنه جيد على قدمك."


"ستأتين معنا، فقط إلى حين أن نجد صاحبته.
ما رأيك بهذا؟"



لم يكن سؤالًا.


بل أمرًا ملفوفًا بورقة حريرية من المجاملة الزائفة.


صمتٌ تبع كلماته، كأن الهواء نفسه ينتظر رد آيزابيلا.


قضمت آيزابيلا شفتها السفلى بقوة، حتى كادت تجرحها.


الطعم المعدني لطرف الدم تسلل إلى فمها، كأنه يوقظها من وهم الحياد، من ظنها أنها تستطيع التلاعب بالقدر دون أن يُمس أحد.


عيناها، اللتان طالما كانتا هادئتين كصفحة ماء...


الآن احترقتا بغضب مكتوم، غضب من هذا الرجل المتأنق الذي يتكلم وكأن الناس دُمى،


غضب من لعبة القصور،


من الزجاج الذي يُقاس به مصير قلبين.


وفجأة، أحست بالألم.
ضغطة حادة، قوية، سريعة


كانت قدم أمها قد ضغطت على قدمها الأخرى تحت الفستان، كأنها تحاول خنق تمردها من تحت القماش.


التفتت آيزابيلا قليلًا، نظرة خاطفة على والدتها، تلك المرأة التي تعرف كيف تبتسم بينما تُقيد ابنتها في صمت.


قالت الأم بصوت متأنق، ناعم، محشو بالمجاملة المسمومة:


"أوه، ليست مشكلة كبيرة، سموّ الأمير… بالطبع تستطيع الذهاب معكم، مؤقتًا."


ثم مالت نحوها، بالكاد يُسمع صوتها بين أنفاس الناس:


"إن كنتِ خائفة… نادي على سندريلا، اجعليها تتحمل مصيرها."


"أما إذا أصررتِ على لعب دور البطلة فتحملي العواقب."


"ولا تضرينا جميعًا، مع الملك."


كلماتها كانت مثل سكين زجاجي: غير مرئي... لكنه جارح.


آيزابيلا شعرت بقلبها يشتعل، كانت تريد أن تصرخ


لكنها لم تفعل أيًّا من ذلك.


وقفت ساكنة... كأنها وسط عاصفة تُجلدها من جميع الجهات.


وجهها ناصع، لكنه مشوب بشيء يشبه العناد،
فمها مغلق، لكن عينيها تنطقان بألف رفض.


كان الأمير لا يزال واقفًا... يراقب.


بصمتٍ لا يخلو من فضولٍ غريب، وكأنّه يُشاهد مشهدًا لا يُشبه بقيّة أيامه المكرورة.


في تعابير آيزابيلا، لمح شيئًا لم يره كثيرًا في النساء اللواتي مررن بقصره:



ذلك المزيج المدهش بين التهذيب الإجباري والرفض الطفولي،
كأنها **** أُجبرت أن تكون مهذبة، أن تقول "نعم" بينما كل جوارحها تصرخ بـ"لا".


كان الأمر مسليًا له... بشدة.


ربما أكثر مما ينبغي.


رفعت آيزابيلا رأسها، وأجابت بنبرة حاولت تلوينها بالهدوء،
لكن الانزعاج كان كالموج تحت زجاج نافذة، يُرى ولا يُلمس:


"سأغيّر ملابسي... وأعود."


وهمّت بالاستدارة، حركة سريعة، كأنها تفر من ثقل الهواء نفسه.


لكن صوته استوقفها
صوت رخيم، رخاوٍ في ظاهره، لكنه يحمل أمرًا لا يُرد:


"آنسة."


توقفت. كتفاها تشنجا ببطء، قبل أن تلتفت دون أن تنظر إليه مباشرة.


ابتسم تلك الابتسامة المائلة التي تفصل بين اللطف والسخرية
وقال، وكأنه يختبر أعصابها، أو يمازحها بعناد طفوليٍ فاجأه هو شخصيًا:


"أحضري حقيبة ملابسك معك."


"يبدو أننا سنقضي وقتًا طويلاً في البحث عن صاحبة الحذاء الكريستالي... أليس كذلك؟"


لم يكن سؤالًا.


بل محاولة خفية للعب على أوتارها المشدودة.


هو نفسه دُهش من هذه النبرة التي خرجت منه
نبرة لم يستعملها منذ أن كان فتى في سن التهور،
كأن هذه الفتاة أيقظت فيه جزءًا نسيه داخل قصرٍ لا يسمح بالطفولة.


آيزابيلا جَزّت أسنانها.
بدا وجهها الجميل وكأنه خريطة لبركان على وشك الانفجار


جبينها تقطّب بشدة، وعروق رفيعة نبضت تحت الجلد، حتى حاجباها ارتفعا قليلًا في انزعاجٍ مقموع.


لكنها أجبرت شفتيها على الابتسام تلك الابتسامة الجبرية التي نحتها الغضب الصامت.


"حاضر، سموّ الأمير."


قالتها وكأنها بصقَت وردة من شوك.


ثم التفتت، وفي كل خطوة مشَتها، بدا كعب حذائها وكأنه يلكم الأرض...


ضرباتٌ ثقيلة، عنيدة، كأنها تقول:
"أنا أمشي معكم، لكنني مُجبرة."


ضحكة صغيرة، خافتة، تسربت من بين شفتي الأمير
ضحكة لم تكن للسخرية، بل لتعجبه من نفسه.
لم يعرف لماذا ابتسم...



ربما لأنه شعر، للمرة الأولى منذ زمن بعيد، أن أحدًا لم يخشَ سلطته.


بل قاومها... حتى وهو يقول "حاضر."


هبطت آيزابيلا إلى الغرفة السفلية، خطواتها تضرب الدرج الخشبي كأنها تعاقب كل درجة تحت قدميها.


في الأعلى، في الطابق الذي يعلوها بحاجز واحد من الخشب والحظ، كانت سندريلا تنتظر.


تجلس هناك تختبئ خلف الخوف والحب في آن،


لا تدري أن الأمير لم يأتِ ليأخذها،


بل يأخذ من تُحبها.


دخلت آيزابيلا غرفتها الصغيرة حيز ضيق يليق بعزلتها
وانفجرت فيها بهدوء، تمارس غضبها دون صوت.


فتحت الخزانة بخشونة، وراحت تلقي بثيابها داخل الحقيبة كما يُلقى الحطب في النار.


كل قطعة ملابس دخلت الحقيبة وكأنها صفعة لفكرة.


لم تُفكر كثيرًا، لم تُخطط، لم تُفصل بين يوم وغد،
كل ما دار في ذهنها كان:


"متى أعود؟ وهل سأعود؟"


وكل إجابة كانت أسوأ من أختها.


جرت الحقيبة خلفها على الأرض الترابية، صرير العجلات كان كشهيق مكبوت.


خرجت من باب المنزل، والفوضى في صدرها أكبر من كل ما حولها.


الأمير كان هناك، واقفًا، يراقب، يبتسم
ابتسامة مُشبعة بلذة رجل اعتاد أن يحصل على كل شيء،
لكنه فوجئ الآن... أنه يريد ما لم يكن يسعى إليه أصلًا.


أمر أحد الحرس، بإشارة من يده فقط، أن يحمل حقيبة آيزابيلا،


لكن عينيه كانت على وجهها، على فكها المتشنج، على شفتيها المطبقتين بقسوة،


وعلى تلك النيران المشتعلة خلف عينيها.


بدت له كمن يقضم على الألم بأسنانها، تبتلع المرارة في صمت،
وكانت هذه المرارة تثيره بطريقة غريبة


حين وصلت إلى العربة الملكية، تحرك بخفة نادرة لا تظهر عادة في أمراء البلاط،
مدّ يده نحوها، يحاول مساعدتها للصعود،
لكنها توقفت، نظرت إلى يده.


نظرت فقط.


ثلاثون ثانية من صمت حاد...
كأنها كانت تنظر إلى ثعبان، لا إلى يد رجل.


ثم تابعت طريقها، تجاهلته تمامًا،


وصعدت وحدها بخطوة رشيقة متعمدة.


جلست داخل العربة، أسدلت تنورتها،
ثم التفتت، وابتسمت له تلك الابتسامة التي تذبح ولا تداوي.


"أوه، لم أنتبه ليدك... المعذرة."


كلماتها خرجت حريرية ناعمة، لكن مغلفة بسُمّ شفاف،
كأنها لطمة مغلفة بشكر.


الأمير... رمش ببطء.


كان وجهه ساكنًا، لكن في صدره، شيء ما اهتز.
لم يكن قد خُذل من قبل بهذه الطريقة...


ولم يكن يتوقع أن تأتي تلك الضربة من فتاة بسيطة،
ليست من قصر، ولا من سلالة...


لم يجد ردًا.


للمرة الأولى، وجد نفسه امام من يُعارضه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

11 - كُل شيء صارَ غير متوقع


مضى أسبوع كامل وآيزابيلا ليست في المنزل.


كان الصمت في البيت خادعًا... لا هادئًا ولا مريحًا، بل أشبه بهدوءٍ يسبق الكشف،
هدوء يُعرّي، ويُسقط القشور عن الأشياء.


وفي غيابها، سقط شيء آخر


أقنعة سندريلا.


تلك البراءة المصطنعة، الضعف المغلّف بابتسامة ناعمة،
وذلك التظاهر بعدم الفهم،


كلها كانت ملامح رسمتها سندريلا بعناية حين كانت آيزابيلا حاضرة،


قناعًا يتلوّن بالودّ، لكنه يتغذّى على مشاعر فتاة وقعت في الحب كمن يسقط في بئر دون أن يرى القاع.


سندريلا... كانت تتلذّذ.


تتلذّذ بتلك النظرات التي لا تقال،
بتنهّدات آيزابيلا الصامتة،
بتلك البراءة المرتبكة في نظراتها، والتي كانت تخونها كلّما مرّت أمامها،
كأنها عذراء الحب الأولى،
وهي، سندريلا، الملكة في هذا المسرح... المتحكمة بخيوط اللعبة.


كانت لذّتها الأولى أن تُلاحَظ،
ثم أصبحت حاجتها أن تُحَب،
لكن ما لم تدركه، هو أن هذه اللذّة بدأت تنمو وتتمدّد وتتحوّل...
من متعة، إلى إدمان.
ومن إدمان... إلى هوس.


سقطت.


نعم، سقطت سندريلا في نفس الحفرة التي حفرتها.
نسيت أنها كانت ترتدي الأقنعة، نسيت اللعبة، ونسيت دورها.


وبدلاً من أن تكون سيّدة المسرح، أصبحت أسيرته.


وفي غياب آيزابيلا، أصبح كل شيء مكشوفًا.


لم تكن هناك نظرات لتخفيها، ولا قلق لتغلفه بابتسامة.
كانت سندريلا تتجول في البيت كمن يبحث عن ظلٍّ اختفى،


تحدّق في أماكن جلست فيها آيزابيلا،
تتحسس الكرسي الذي كانت تستند عليه،
وتتشمم وشاحها المتروك على حافة السرير كمن يبحث عن آثار نارٍ اشتعلت فيه ثم خمدت دون أن تترك رمادًا.


كانت عيناها فاضحتين...
عشقٌ خام، لا يختبئ.
اشتياق أشبه بجوعٍ داخلي، مَرّ عليه زمن طويل دون أن يُشبع.


وسألت نفسها، وهمسها لا يجد له صدى:


"هل اختبأتُ كي تبقى؟
أم كي أترك لها القرار أن ترحل؟"


البيت بلا آيزابيلا، كالمسرح بلا بطلة،
والحب الذي لم يُعترف به، كقصيدة بلا لحن.


كل صباح...


مع أول خيط للشمس يشقّ صدر السماء الرمادية،
كانت سندريلا تقف هناك.

عند البوابة الحديدية الثقيلة، الباردة، المغلقة على عناد القصر وجنونه.


في موضع لا يسكنه أحد إلا الحرس والصقيع... وانتظارها.


ليست واقفة وحسب،
بل موضوعة هناك كقدرٍ لا يتزحزح،
كأن جسدها أصبح نُقطة على خارطة الحكاية، لا تتحرك... لكنها تقول الكثير.


كان الهواء الفجري يلسع أنفاسها،
فتنكمش أطرافها تحت ثوبٍ خفيفٍ بالٍ لا يشبه أناقة القصر،
ولا يقيها من بردٍ يقطع العظم دون رحمة.


لكنها كانت تعود،
تعود كل يوم،
وكأنها تقطع المسافات لتكفّر عن خطيئة لم تعترف بها إلا لقلبها.


لم تأتِ لتستعيد شيئًا،
فالحقيقة سقطت كالمطر في رأسها ذات فجأة...
هي لم تملك آيزابيلا يومًا.


كل تلك القبلات التي ظنّتها حبًا،
كل تلك الهمسات، والضحكات، والركض في الظلال،
كانت تشاركها فقط مع قلبها،
ولم تكن تعرف أن آيزابيلا لم تسمع النصف الذي كانت تخبّئه عنها.


ولم تكن تلعب معها فقط...


بل كانت تُخادع نفسها، تُقنِع عقلها أن ما تشعر به قابل للبقاء،


أن الحب حين يُمنح بصمت... يُفهم،
وأن الرغبة حين تُكتم... تُقدّر.


كان الحرس الملكي يصرخون فيها في بادئ الأمر،
أصواتهم خرقاء، تلطّخ الصباح وتجرح الهواء:


"ابتعدي!"
"أنتِ لستِ على القائمة!"


سيوفهم كانت أسرع من ألسنتهم،
تبرق عند مستوى وجهها، كأنهم يريدون أن يقطعوا ما تبقى لها من كرامة.


لكن عينيها...
يا إلهي، عينيها.


كانت تقف أمامهم كأن السيوف تُشهر في وجه العاصفة،
وعزيمتها تسير في عروقها بصلابة كأنها من الفولاذ نفسه.
كانوا يبعدونها...


فتعود.


ثم يعودون ليصدّوها،


فتخترق المسافة بين رفضهم وقرارها مرّة أخرى،
وثالثة، وعاشرة، ومئة...


الرفض لا يقتل من ماتت فيه الخيبة بالفعل.


حين تدقّ ساعة منتصف الليل...


تتهاوى خطواتها، وتقرر أن تعود.


ليس عن قناعة، بل عن ضعفٍ يزحف في أطرافها كقضمة صقيع.



ترتجف.


يخونها جسدها، ويظلّ قلبها يقاتل.


وأحيانًا، تجرّ نفسها إلى إحدى الزوايا، وتخرج زجاجة صغيرة من الجيب الداخلي لمعطفها الباهت،
تأخذ رشفة من الكحول،
تحاول أن توهم نفسها أن الحرارة التي تشعر بها تكفي لتبقيها واقفة.


صدرها دافئ...
لكن أطرافها كالموت،
ترتجف كما لو كانت تودّع الحياة.


جلست هناك...
تحت عمود القصر الحجري،
أسندت رأسها إلى السور،
وكانت البوابة أمامها،
ذلك الحاجز الذي لا يتعدى طوله المترين...
لكنه صار، في عينيها،
أطول من كل المسافات التي تفصل العاشق عن من يحب.


بوابة من الفولاذ المنحوت، بزخارف فاخرة،
يقول عنها الجميع إنها تحفة فنية...
لكن سندريلا، حين تنظر إليها،
ترى أقبح شيء وُجِد على وجه الأرض.


تكرهها.


تكره كل خط فيها، كل التواء، كل حديدة تحجزها عن "آيزابيلا".


تكرر المشهد كل يوم، وكل ليلة، وكل فجر...
على مدار أسبوعٍ كامل.


حتى مَلّ الحرس من نهرها،
لم يعودوا يصرخون،
ولا يشهرون السيوف،
بل باتوا يتجاهلونها كأنها لم تكن.
كأنها تمثال من حجر...
أو صخرة تنبت من صخور الأرض لا تتحرك ولا تُشعر


لكنهم لم يروا ما تراه سندريلا.
لم يشعروا بذلك النداء الذي كان ينفجر في صدرها كل فجر:


"فقط افتحوا البوابة...
دعوني أراها... مرة واحدة... فقط."


في داخل القصر، كان كل شيء ساكنًا...
بعيدًا عن صقيع بواباته، حيث تنتصب الحجارة الباردة والأنفاس المتجمدة خلف القضبان،
كانت آيزابيلا تجلس في الدفء، يحيط بها السكون الذهبي والهدوء المترف،
لكنها لم تكن بخير.


لم تكن ترتجف من برد الشتاء،
ولا تنام على الأرصفة...
لكن قلبها، هو من بدأ يرتجف.


لم تفهم حتى الآن كيف وصلت إلى هنا.
كيف حملتها خطواتها على ذلك الكعب الكريستالي،
كيف صمتت حين كان يجب أن تصرخ،
كيف قالت "حاضر" بصوتٍ خافت بينما داخلها يصرخ "لا".


مشهدٌ واحد يكرر نفسه في رأسها كل ليلة، كلما أغمضت عينيها...


سندريلا... تجلس على الأريكة في المنزل،
تضع ساقًا على ساق بثقة متفجرة لا تشبه تواضعها المُصطنع، ترتدي فردة واحدة من الحذاء الكريستالي،
وجهها حينها لم يكن بريئًا كما اعتادت آيزابيلا أن تراه.



بل كان مزيجًا غريبًا من نشوة خفية،
ولذّة بالتحدي،
وندم مشوب بالذنب،
كأنها قررت أن ترتكب الخطيئة وتتحمل عواقبها بابتسامة.


لم تستطع آيزابيلا نسيان ذلك الوجه...
حين طلبت منها، بهدوء قاتل:


"اركعي وانزعي الحذاء من قدمي، إن أردتِ أن أبقى."


ذلك المشهد شقّ شيئًا فيها لم يلتئم حتى الآن.


منذ أن دخلت القصر، وهي معلّقة في ضياعٍ كثيف...
لا تعرف إن كانت تنتظر، أو تهرب.


أترشدهم إلى سندريلا؟
أم تصمت، وتمضي في كذبتها حتى النهاية؟
هل تخون تلك التي أحبتها؟
أم تخون نفسها؟


الغرفة التي أسكنها إياها الأمير،
كانت مقابل غرفته مباشرة.


اختار ذلك الموقع عمدًا،
ليتأكد أنها لا تغيب عن نظره،
وأن المسافة بينها وبينه لا تكفي لهروبٍ جديد.


لكنها كانت تهرب منه كل يوم،
إلى المكتبة الملكية.


وهناك...


في الزاوية الغربية، حيث تتقاطع النوافذ العالية مع أغصان الشجر التي ترسم ظلالًا مرتجفة على الرخام،
جلست آيزابيلا على كرسي مخملي بلون الياقوت المطفي،
تحيطها كتب الفلسفة والتاريخ...
لكن صفحاتها لم تُقلب،


وعيناها لم تكن تقرأ.


كانت تقاتل.


عيناها، بلون العسل العاصف،
تحملق في الأوراق لكنها ترى الأمير.


شعرها، الذي تسرّب كالنار المشتعلة على كتفيها،
يزداد وهجًا مع ضوء المصابيح المتدلّية من السقف العالي،
كأن كل شعرة فيه ترفض أن تنحني.


تزيّنه زهرة خضراء داكنة،
صارت كرمز لتمردها،
شيء بريّ، لم يذبل، ولم يروضه القصر بعد.


في مقابلها...
جلس الأمير، متظاهرًا بالهدوء،
لكنه يحدق فيها كمن يحاول فهم لغزٍ يتحدى سلطته.


كان قد بدأ يتنازل شيئًا فشيئًا عن فكرة
"الفتاة صاحبة الحذاء


وبدأ يبحث عن شيء اخر...


كأن شيئًا فيه اقتنع، أو يأس، أو وجد شيئًا آخر لم يكن يبحث عنه من الأصل.


لكن عينا آيزابيلا كانت ترسل رسائل واضحة لا تحتاج إلى ترجمة.


"أنا هنا لأني أردت... لا لأنك أمرت."



"لن تنال مني أكثر مما أريد أن أمنح."


"أنا من يختار، لا أنت."


صمتها... لم يكن خضوعًا،
بل كبرياء لا يصيح.


وفستانها الكستنائي، المطرز بخيوط ذهبية على الصدر والمنحني بانضباط عند خصرها،
لم يكن مجرد ملبس،
بل لغة صامتة تقول:
"أنا لا أنتمي لكم، لكني أعلو عليكم."


أما الأمير، فقد جلس هناك،
مسلوب الحركة،
يشرب ملامحها كما لو أنها تحفته الأخيرة.


لم يكن يعلم بعد إن كان قد وقع في حبها،
أم وقع في فخها.


لكنها، في كل مرة،
كانت تجلس هناك كملكةٍ بلا عرش،
تغلي من الداخل، وتبتسم من الخارج،
وترفض أن تنكسر...


حتى حين تُسحق.


لم يشعر الأمير ويليام في البداية.
لم ينتبه لذوبان عاداته اليومية، لتعرّي روتينه المُترف.


قميصه، الذي كان في كل ليلة ينتزع على عجل، بيدٍ أنثوية غريبة،
أصبح يظل على جسده حتى الصباح.


راحت النساء من غرفته، كما تتبخر رائحة العطر من قميص مهجور.
لم يعد يستدعي أحدًا،
لم تعد الرغبة تحكمه،
أو ربما... صار يتوق إلى شيء لا يُمنح مقابل جسد.


كانت آيزابيلا هناك، في الجهة المقابلة من جناحه،
وفي صمتها المستمر، واستفزازها الصامت،
تتسلل إلى عقله، تقتحم عزلته،
وتكسر فكرة "السلطان" داخله دون أن ترفع صوتها.


هو لم يقل لنفسه: "أنا أريدها."
لكن شيئًا فيه تغيّر،


تبدّل تدريجي، كأن قلبه نزل عن عرشه ومشى حافيًا على تراب لا يعرفه.


لم يلاحظ متى صارت خطواته تتباطأ حين يمر بجوار غرفتها،


ولا متى بدأ يبحث في صفحات الكتب عن أي سؤال يتيح له الجلوس أمامها.
ولا متى أصبح صمتها موسيقى تملأ لياليه.


وفي نهاية الأسبوع،
قال جملته، دون أن يدرك حقًا وزن ما تفوّه به.


بينما كان يقلب ملفًا فارغًا على مكتبه،
وفي نبرة لا تعبّر عن جدية ولا لامبالاة، بل شيء ثالث لا اسم له...
قال لحرسه:


"توقفوا عن البحث عن صاحبة الحذاء الكريستالي... لم يعد الأمر يهمني."


صمت الغرفة بعد كلماته كان كثيفًا،
كأن الجميع أدرك ما لم يعِه هو بعد.


سقط، ببطء، كمن ينزلق من جبل غروره،
في حب تلك الفتاة النارية...
التي لم ترَ في تاجه إلا قطعة معدنية،
وفي عرشه مجرد كرسي خشبي مرتفع.


أحبّها لا لأنها أعطته شيئًا،
بل لأنها لم تمنحه أي شيء.


لم تتسوّل عاطفته.
لم تسعَ لنظرة، ولا ابتسامة.
بل وقفت أمامه كندٍّ،
كأنها تقول:


"لن ترى مني ما اعتدتَ أن تأخذه.
فإن أردتني، لن تحصل علي ايضاً"


وكان، لأول مرة، مستعدًا أن يخسر.
أن يتعرّى من كل ألقابه،
أن يُترك وحيدًا...
فقط ليبقى في عالم توجد فيه آيزابيلا.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

12 - تعب شديد​


سندريلا، الفتاة التي كانت تضيء الدرب بخطوتها، تقف الآن خارج بوابة القصر كل يوم، كظل إنسانةٍ لم تعد تعرف مَن هي.


جسدها، الذي كان يشبه زهرةً في الربيع، انكمش كبتلة سقطت تحت المطر ثم نُسيت تحت حذاء العابرين.


الجلد الذي كان بلون الخوخ، صار باهتًا، يميل إلى الصفرة كصفحات كتاب تُرك في العتمة طويلًا.


شفاهها تشققت كما تتشقق الأرض العطشى حين يخذلها المطر...


وكانت تمرر لسانها عليها لا لتبللها، بل كأنها تُذكّر نفسها أن بها رمق حياةٍ ما زال.


الشمس لم تعد تمنحها دفئها.


كأن السماء نفسها قررت أن تعاقبها على جريمة لا تعرف إن كانت قد ارتكبتها حقًا،
والهواء... ذاك الذي كان يلعب بشعرها ويغازل رقبتها، صار كالسكاكين... يمرّ ويترك أثره.


عيناها، غارتا في محجريهما،


صارتا حفرتين من التعب،


نظراتٌ زجاجية، لا تركّز، لا تستقر، تائهة،


كأنها تعيش في عالمٍ آخر... عالم لا نوم فيه، لا دفء، لا خبز، ولا آيزابيلا.


جفونهما مثقلةٌ بأرقٍ مرير،


كل رمشة، كأنها صراع بين جسدٍ يريد السقوط، وروحٍ تصرّ على الوقوف.


أظافرها تشققت.


لا لأن الشتاء قاسٍ فقط، بل لأن سندريلا فقدت أي اعتناء بذاتها، صارت تنسى كيف كانت، وكيف يجب أن تكون.


يديها، النحيلتان، كأن الريح مرّت عليهما ألف مرّة،
عروقهما بارزة، بلونٍ أزرق يشبه الحزن العتيق...
ذاك الحزن الذي لا يبكي، لكنه يُنهك.


مشيتها لم تعد مشيًا، بل تمايُل كالغصن المنكسر،
كأن الأرض تمسك بها فقط شفقةً لا أكثر.


حتى صوتها، ذاك الذي كان يُضحك الطيور حين تغني،
صار همسًا مبحوحًا، لا يسمعه أحد، إلا هي...


حين تهمس لنفسها بأسماءٍ لم تعد تتجرأ أن تنطقها علنًا.


وكل ليلة،
حين تتوارى خلف عمودٍ حجريّ،
تُخرج من جيب معطفها زجاجة صغيرة،
لا تكفي لتدفئتها، لكنها تكفي لتنسيها لحظات من الذل.


الزجاجة ليست للهروب، بل للنجاة.
تأخذ منها رشفة واحدة، ثم تسند رأسها على الجدار،
وتغلق عينيها كمن يرجو من **** حلمًا صغيرًا...
حلمًا فيه لمسة يدٍ ناعمة، أو ضحكة من بعيد، أو حتى ظلّ.


وفي كل صباح،
تتساقط أجزاءٌ جديدة منها على الطريق،
قطعة بعد قطعة... دون أن يشعر بها أحد.


حتى الحرس لم يعودوا ينظرون إليها.


الذين كانوا يصرخون في وجهها،

يزيحونها بخشونة،
صاروا يمرّون بها كأنها تمثالٌ من زمنٍ قديم،
كأنها جزء من هذا المكان...


من بوابة القصر، ومن برده، ومن نسيانه.


لكنّ قلبها... لم ينسَ.


كان كل فجر،
يناديها بنداءٍ لا يُسمع، لكنه يُذبح.


"ربما تخرج اليوم... ربما تنظر من النافذة... فقط نظرة واحدة."


وسندريلا، كانت تفهم...
لكنها لم تعد تستطيع أن تخرج من هذا الحب


لقد علقت فيه.


والحب حين يتحوّل إلى سجن، لا يُنقذ منه أحد...
إلا من لم يدخل إليه أصلًا.


كل يوم كانت تقف عند البوابة، تتوسل، تتكلم مع الحراس، تبكي أحيانًا، تصمت أحيانًا، تسقط أحيانًا... وتنهض.


فقط كانت تريد أن تراها.
أن تسمع صوتها.


كانت تجهل أن هذا النوع من الحب يمكنه أن يقتلك ببطء... دون أن يُريق نقطة دم.


أحد الحراس همس لآخر:
أظنها مدمنة.


لكنها لم تكن مدمنة... إلا على مَن تركتها خلف الجدران.


كانت تعاني من أعراض الانسحاب، كما لو كانها تعاني من اعراض الخروج من إدمان كالمُخدرات


عيونها، المليئة بشيء لا يُفهم، كانت تحدّق أحيانًا في الأعلى، نحو النوافذ، وتقول بصوت خافت:


إنها هناك... أليس كذلك؟


وكانوا لا يجيبون.


في الداخل،
كان الأمير ويليام يقضي ساعات طويلة بجانب آيزابيلا،
يحاول لفت انتباهها بكل ما يملك من حيلة وجاذبية.


كان يتحدث بنبرة واثقة،
يروي لها قصص مغامراته، معاركه التي خاضها بشجاعة، وذكرياته الطفولية في أروقة القصر،
كأن كل كلمة منها جسرًا يُقرب بين قلبه وقلبها.


كان يُقدم لها الكتب، يمد يد العون لاختيار الأفضل منها،
يدعوها للتنزه بين حدائق القصر الواسعة،


يسألها رأيها في ألوان الزهور التي يريد أن يزرعها في الموسم القادم، وكأنه يحاول من خلال كل هذه التفاصيل الصغيرة أن يزرع بذرة حب تنمو في قلبها.


كان ذكيًا، لبقًا، وسيمًا،
لكن رغم كل جهوده، كان يتحدث وحده في الكثير من الأحيان.


أما آيزابيلا، لم تكن حقًا موجودة هناك.
نظراتها، بدت وكأنها تطير بعيدًا عن كل ما حولها،
كانت تسترق النظرات نحو النافذة،
نحو الفضاء اللامحدود،
نحو اللاشيء.


كأنها طائر صغير محبوس في قفصٍ من ذهبٍ،
تتطلع بعينيها إلى السماء،
لا إلى من يقدم لها الطعام أو الهدايا.



الأمير ويليام لم يكن غبيًا،
كان يشعر بذلك الصمت الداخلي الذي يحيط بآيزابيلا،
كان يلمس الحاجز غير المرئي الذي يفصل بينه وبين قلبها.


حاول مراتٍ ومرات،
يقترب من حواف وجدانها،
يجد طرقًا جديدة،
يبتكر طرقًا،
لكن بينه وبين قلبها، كان هناك اسمٌ لم يُذكر،


وجرحٌ عميق لم يكن هو سببُه، ولا يملك مفاتيح شفائه.


في داخله،
كان يؤمن أن الوقت كفيل بمحو الجراح،
أن الحب لا يأتي دفعة واحدة، بل تدريجيًا،
وأنه يمكن أن ينمو في صبر الانتظار.


لكنه لم يكن يعلم،


أن حب آيزابيلا الحقيقي لم يكن مع الأمير،
لم يكن في قصرٍ محاط بالحدائق والكتب،
بل كان خارج أسوار القصر،
يعاني في جسدٍ مكسور، متعب، يتلاشى شيئًا فشيئًا،
جسدٌ اسمه سندريلا.


وفي اليوم الذي عاد فيه الملك من رحلته،
كانت السماء ملبدة بالغيوم، ثقيلة، كأنها مرآة لقلب سندريلا الغارق في ظلال الخيبة والاحتراق.


لم تكن تقوى على الوقوف.


ركبتاها ترتجفان، كأن الأرض تتفلّت من تحت قدميها.
خطواتها متعثّرة، كأن جسدها يجرّ ثقلاً خفيًّا أثقل من الجوع، أثقل من التعب.


بصرها مشوش، ترى الناس ولا تراهم.


وصوتها؟ لم يعد يُشبهها... صار حشرجة متقطعة، تتكسر في حلقها كما يتكسر الريح في شقوق جدرانٍ قديمة.


ثم رأت الموكب.


رأت الخيول البيضاء تتقدم، أعلام المملكة ترفرف في الهواء الرمادي، الأجراس تدقّ، والناس تهلل وتلوّح.
لكنها لم ترَ كل ذلك.


هي لم ترَ سوى مركبة الملك، عربة فاخرة مزيّنة بالذهب والخشب المُطرّز، كأنها تحوي على بابها خلاصها.


وركضت.


ركضت كما تركض أمٌ فقدت ابنها وسط الحشود،
كما يركض الغريق نحو وهم اليابسة، يركض حتى لو علم أن ما يراه سراب.


ركضت وجسدها على وشك الانهيار،
قلبها يسبق قدميها، وعقلها لا يعرف إلى أين، لكنه يعرف مَن.
ورمت بنفسها أمام العربة الملكية.


صوت الصراخ ملأ الساحة.


الخيول توقفت فجأة، ارتفعت حوافرها في الهواء، ثم هوت بقوة على الأرض، تثير الغبار والحصى، لكنها لم تدهسها.


كل شيء توقّف.


الوقت، الأصوات، الموكب، حتى الناس كأنهم تجمدوا.


سقطت.


جسدها النحيل ارتطم بحجارة الطريق، وانحنت أطرافها كزهرة ذابلة، عيناها نصف مفتوحتين، وشفتاها ترتجفان.


ثم نزل الملك.


كان رجلاً في خريف العمر، مهيبًا كأنه يحمل المملكة على كتفيه، يرتدي عباءة من المخمل الأحمر، وتعلو رأسه تاج أثقل من الذهب.


تقدم بخطوات صارمة، وجبينه متقطب من الغضب والدهشة.


من هذه المجنونة التي ألقت بنفسها تحت أقدام موكبه؟
أي جرأة، أي جنون، أي فقرٍ بالكرامة؟


لكن حين اقترب...


حين رأى وجهها، عينيها الغائرتين، بشرتها التي صارت بلون الرماد، شعرها المتلبد بالعرق والغبار،
وحين رأى شيئًا لا يُقال في ملامحها
ذلك الانكسار، ذلك الحب الذي يُذلّ الإنسان حتى العظم


تجمّد.


قال بصوت أجشّ، فيه ذهولٌ خافت:


"من هذه الفتاة؟"


اقترب أحد الحراس، تردد، ثم أجاب بصوت خفيض:


"إنها... لا تغادر بوابة القصر منذ أيام يا مولاي.


تأتي كل صباح، تقف هناك لساعات... ولا تغادر حتى يسقط الليل عليها."


ركع الملك، مدّ يده وتلمّس وجنتها بظهر أصابعه.
كانت باردة، جافة، كالتراب.


همست بصوت مختنق، كأن آخر ذرة حياة تتكلم:
"دعني... أراها. فقط... مرة واحدة."


قال الملك، محاولًا أن يسمعها بوضوح:
مَن "هي"؟


لم تُجب.


أغمضت عينيها قليلًا، شفتاها ارتجفتا كما يرتجف ضوء الشمعة قبل أن ينطفئ.


ثم، ظهرت على وجهها ابتسامة متكسّرة، مشروخة، مليئة بكل ما لا يمكن قوله.


وبصوت خافت، لا يكاد يُسمع إلا بقلبٍ منصت:


"أخبرها... أنني كنت أحبها...
أكثر من أنفاسي."


ثم سكت كل شيء.


حتى الريح، حتى العربة، حتى الملك نفسه، تجمّد كأن التاريخ توقف عند هذه اللحظة.


وسقطت الدمعة من عينها، كما يسقط الندى من زهرة ذابلة، وركّد الصمت.


لكن اسم آيزابيلا لم يُنطق.


فقد كان محفورًا في عيون سندريلا،
وفي وجعها،
وفي آخر نفسٍ خرج من صدرها المرتجف.


------------------------------------------------

13 - ان ترتقي للتاج، يعني ان تتخلى


كان الليل يوشك أن يبتلع آخر خيوط الضوء حين تحركت جفنا سندريلا ببطء، كأنها تخرج من حلمٍ ثقيل ظلّ معلقًا بين الوعي والغيبوبة.


فتحت عينيها، بتثاقل، فكان أول ما أبصرته ليس السقف العاري من الزينة، ولا الجدران البيضاء التي بدت كأنها فقدت صبرها على الانتظار، ولا الشموع التي تلفظ ضوءها الأخير بتنهيدة خافتة.


كان أول ما رأته... يد.


يد بشرية، دافئة، نابضة، كأنها تُمسك بها لا لتمنحها الأمان فحسب، بل لتُثبتها في الحياة ذاتها.


كانت تلك اليد تمسك بيدها المرتجفة كما لو أن صاحبها يخشى أن تتبخر من بين أصابعه، أن تختفي كما تختفي الأحلام إذا استيقظ النائم فجأة.


مرت لحظة، أو ربما دهر، قبل أن يصل إلى أذنها صوتٌ خافت.


لم يكن صوتًا عاليًا ولا واضحًا.
لم يكن حتى صوتًا يأتي من الحاضر.
بل بدا وكأنه صدى قديم، همس من ذاكرة بعيدة، من بيت مهدوم لم تعد جدرانه تحفظ الأصوات، من حضن دافئ نسيه الزمن لكنه لم ينسَ صاحبه.


قال الصوت، بنعومة مبلّلة بالحزن:
"أنا هنا."
كان صوت آيزابيلا.


لكن سندريلا لم ترفع رأسها.
لم تقوَ
. كانت أضعف من أن تتحرك، وأثقل من أن تبكي.


ومع ذلك، خانتها دمعة.
دمعة واحدة، خرجت ببطء من زاوية عينها، كأنها تقطر لا من الألم وحده، بل من كل التعب الذي راكمه الصمت، من كل الخسارات التي لم تجد لها كلامًا.


اقترب وجه آيزابيلا.
وفي الضوء الخافت، بدت كأنها انعكاس لذكرى أكثر من كونها إنسانة حقيقية.
وجهها شاحب، عيناها متورمتان من طول السهر والبكاء، وشعرها غير مرتب كأنها ركضت عبر الليل بلا توقف.
ومع ذلك، في تلك اللحظة، كانت أجمل من أي وقتٍ مضى.


لم تكن جميلة الجمال المعتاد، بل جميلة بتلك الهشاشة التي تجعل الإنسان يتمنى أن يحتضنها فقط، دون سؤال.


همست آيزابيلا، بصوتٍ أقرب إلى زفرة حارة خرجت من صدرٍ أُثقل بالندم:


"كنت أريد أن أراكِ كل يوم...
لكنني لم أكن أعرف كيف أخرج من قفصي...
كنت جبانة"


سندريلا لم ترد.
لم تستطع.


كان التعب يسكن كل خلية من جسدها، كأن اللغة قد غادرت أطرافها، وتركَتها عاجزة حتى عن الهمس.


لكن يدها، تلك اليد الهشة التي بالكاد تحمل وزن نفسها، تحرّكت بخفة نسمة، وشدّت قليلًا على يد آيزابيلا.

شدّة بالكاد تُلاحظ، بالكاد تُحس، لكنها كانت كافية.


كأنها تقول من دون صوت، من دون جهد:
"أنا أعذرك."
ثم أغمضت عينيها.


لم تُقاوم النعاس، لم تتشبث بالوعي كما اعتادت، بل تركت نفسها تنزلق إليه كمن يستسلم أخيرًا لذراعي أمٍ حنونة.


ولأول مرة، منذ اياماً طويلة نُهشت فيها لياليها بالألم،
نامت.


بهدوء.
بلا صراع.
بلا أنين.
نامت كما تنام زهرة صغيرة بعد عاصفة.


أما آيزابيلا، فجلست إلى جوارها بصمت.
لم تُحرّك شفتيها بكلمة، ولم تُفكّر حتى أن تشرح أو تبرّر. اكتفت بأن تكون هناك.
أن تكون شاهدة على هذه اللحظة الرقيقة، التي تنقّي كل ما سبقها من قسوة.


كانت عيناها معلّقتين بوجه سندريلا، تتأمل تفاصيله كما لو كانت تقرأ خريطة قديمة.
خريطة تعرفها عن ظهر قلب، لكنّها أضاعت الطريق إليها منذ وقتٍ طويل.
كل خط، كل ظل، كل رعشة في رمشها النائم كان مألوفًا... ومؤلمًا في آن.


وفي تلك اللحظة...
لم تكن هناك كلمات.


لا اعترافات متأخرة، ولا أعذار مغلفة بالذنب، ولا وعود يُخشى نكثها.


فقط... صمت.


صمتٌ دافئ، كثيف، يملأ الغرفة كضوءٍ غير مرئي.


وصوتان يترددان بهدوء في المكان:
نَفَسان، يعودان إلى الانتظام ببطء.


كأن الجسدين المنهكين يتعلمان معًا كيف يتنفّسان من جديد، كيف يتقاسمان الهواء بعد عزلة طويلة.


كأن الحب، حين يُكسر ويُرمم، لا يحتاج أن يُقال بصوت عالٍ.


لا يحتاج لبلاغة، ولا لتفسيرات.


يكفي أن يُلمَس بلطف،
أن يُنتظر بصبر،
أن يُمسَك بيد شخصٍ كان يحتضر...
ويُعاد إليه، ولو قليلاً، طعم الحياة.


كان ضوء المصباح الخافت يتسرّب بهدوء من زجاجه العتيق، ويهبط فوق وجه سندريلا النائمة كما لو أنه يُبارك وجودها.


انعكاسه على خديها الشاحبين بدا كهمسة نور لا تُشبه أضواء القصور الباذخة، بل ضوء دافئ، إنساني، مثل دعاءٍ صامتٍ من الغرفة بأكملها التي بدت وكأنها تحبس أنفاسها احترامًا لصمتها، احترامًا لها.


هدوء كثيف يخيّم، تُقطّعه فقط أنفاس ناعسة، ضعيفة، تُعلن أن الحياة لم تغادر بعد.


ومن عند الباب... طرقٌ خافت.


لم يكن الطرق كمن يستأذن للدخول، بل كمن يُنذر، كصوت ظلّ على العتبة يخبر بوجوده بلُطف، من دون توقّع، ومن دون حقٍ صريح. مجرد حضورٍ يطلب ألّا يُقاوَم.



آيزابيلا لم تلتفت.
لم تحتج إلى النظر.


عرفته من الصدى الخافت لخطواته، من الطريقة التي يقف بها كمن يريد أن يكون خفيفًا على المكان، ومن الطريقة التي يتنفس بها حين يُثقل صدره التردد.


الأمير ويليام.


كان يقف هناك، خلفها، كظلٍ يُحاول أن يتوارى لكنه لا يجيد ذلك.


رآها تجلس إلى جوار سندريلا، نظراتها متسمّرة على وجهها.


لم تلتفت إليه، ولم تبتسم له، لم تُظهر أدنى إشارة إلى مجاملة أو ترحيب.


كانت في عالم آخر. عالم تملكه هي وسندريلا فقط، كأن بينهما بوابة لا يُمكن عبورها.


اقترب ويليام خطوة صغيرة، وخفَض صوته، كأنّه يمشي فوق زجاج مكسور:


"هل هي بخير؟"


لم تجبه بحركة.
لم تلتفت.
لم تُبدِ انزعاجًا حتى.


همست، بصوتٍ بالكاد خرج من بين شفتيها:


"أفضل... قليلًا من الحال التي أتت به."


اقترب خطوة أخرى.
وقف على بعد كافٍ ليرى، لأول مرة، وجه سندريلا عن قُرب.
دون الزينة، دون الفساتين المبهرة، دون حذاء الكريستال كانت هناك... مجرّدة من الأسطورة، لكنها، بشكلٍ غريب، رغم انه كان يبحث عنها بكد الا انه لم ينظر لها سوى لثانية كنظرة عابرة.. ومن ثم حول عينيهِ الى آيزابيلا وكانها هي الوحيدة هنا


رآها كما لم يرها أحد.
ورأى معها الحقيقة.


قال بنبرة منخفضة، كأنّه لا يسأل بل يبوح بشيء وجده:


"سندريلا... هذه أختك، أليس كذلك؟"


كان صوته يحمل شيئًا من الفهم المتأخر.
كأنّه قضى وقتًا طويلًا يبحث في الأسماء، يقلب الخيوط، يحاول أن يحلّ اللغز الذي بقي عالقًا في قلبه منذ تلك الليلة الأولى... تلك الرقصة الوحيدة.


آيزابيلا ظلّت تمسح على يد سندريلا برفق، أناملها تتحرك كما لو أنها تُكلّمها بلغة لا يسمعها أحد.


قالت، بصوتٍ بارد قليلاً، فيه قسوة دفاعية:


"كلا... ليست أختي. لا توجد بيننا قرابة دم."


كانت الكلمات حادة كحافة سكين، لكنها نطقتها بحذر بالغ، كأنها تُبعد أي احتمال لتصنيفات جاهزة أو مسميات لا تحتمل المعنى الحقيقي.


صمت.


قهقه الأمير ضحكة قصيرة، مضطربة، تلك التي تخرج حين لا يعرف المرء كيف يتعامل مع صراحة مفاجئة.



ثم قال:
"لكنها... مثل أختك؟"


رفعت آيزابيلا عينيها إليه للمرة الأولى منذ دخوله.
كان في عينيها تعبٌ عميق،
تراكم من ليالٍ بلا نوم،
لكن خلف ذلك كله، كان هناك نور صغير...
نور عنيد، يُقاوم الانطفاء.


قالت بهدوء، لكنها قطعت الطريق على أي تأويل:
"لم أفكّر، ولن أفكر بها كذلك."


رفع ويليام حاجبه في دهشة خفيفة.
لم يُخفِ استغرابه.


كان يتوقع أن تصفها بالأخت، بالصديقة، بالمقرّبة، بأي شيء يُمنح القرب بينهما مبررًا منطقيًا.
لكنه لم يكن مستعدًا لشفافية بهذا الشكل.


قال مترددًا، يبحث عن موطئ لقدمه:


"لكنها تحبك... وأنتِ تحبينها
. لمَ لا تصفين علاقتكما بذلك الشكل؟
تبدوان... قريبتين جدًّا."


في هذه اللحظة، التقت عيناها به نظرة مختلفة تمامًا.
لم تكن نظرة سيدة نبيلة تُخاطب أميرًا، ولا حتى امرأة تُبرّر شيئًا.


كانت نظرة شخص قرر أن لا يختبئ بعد الآن، أن لا يلتفّ حول الكلمات.


قالت بصوت منخفض، ثابت، لا يرتجف:
"ولهذا السبب... لا أستطيع أن أقول عنها أختي."


توقفت لحظة، ثم عادت تنظر إلى سندريلا، وجهها، يدها، تلك الحياة الضعيفة التي ما زالت تتمسّك بها.


وهمست:


"أنا أحبها... جدًّا."


كانت الجملة كأنها نُطقت بعد صراع طويل مع الصمت.
كأنها، وحدها، تكفي لتُعلن كل شيء. بلا مجاملة، بلا تفسيرات.


حبٌ في أنقى حالاته.


وفي تلك اللحظة، شعر الأمير بشيءٍ جديد، لم يكن الغيرة، ولا الخذلان. بل الغربة.
شعر أنه الغريب في الغرفة.
الغريب في القصة.
الغريب في قلب آيزابيلا.


فقط نظر إليهما.


لم يكن نظره خاليًا، بل محمّلًا بشيء يشبه الوداع.
بشيء لا يملكه لكنه يعترف بوجوده.


كأنه، في صمته، يقدّم انحناءة غير مرئية...
ثم استدار الأمير ويليام.


بخطى بطيئة، موزونة، كما لو أنه يخشى أن يصدر عن جسده ما يعكّر سلام اللحظة.


غادر الغرفة، كما يدخل من يعرف أن لا حق له في البقاء.
خرج كما لو أن قلبه لا يزال هناك، لكنه فهم أخيرًا أن ليس كل قلب يُستعاد.



أُغلق الباب خلفه دون صوت.


وبقيت آيزابيلا وحدها.


مع جسد نائم، وروح كانت على وشك الرحيل... لكنها قرّرت أن تنتظر.


كان الوقت يتباطأ، يتكاثف، كأنه يخلق فراغًا بين كل ثانية وأخرى كي يتيح للحب أن يتنفّس.


جلست آيزابيلا قرب سندريلا.
تُمسك يدها كما لو كانت تمسك بآخر خيط من الزمن.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في الخارج، كان النهار يستعدّ للدخول.


لكنّ السماء كانت رمادية، غائمة كأنها نسيت كيف تكون زرقاء.


لا مطر، ولا شمس.
فقط سكون مبلّلٌ بالأسى.


وفي القصر، عند نهاية الرواق الطويل المؤدي إلى القاعة الكبرى، فُتح الباب بخفّة.


ودخل الملك.
لم يكن دخوله مهيبًا. لم يُرافقه حراس، ولا نُفخ في الأبواق.


لكنّ الرخام تحت قدميه استقبل خطواته بصدى ثقيل، كأنّ البلاط نفسه يعرف من جاء.


كان واقفًا، ظهره مستقيم كعادته، رغم ثقل العمر الذي لا يرحم.


ملامحه صلبة كتمثال، لكنّ عينيه...
كانت عينيه ما تزالا تُحدّقان كمن لا زال يرى ما بعد الكلمات، ما بين الحركات، ما تحت الجلد.


وفي عمق القاعة، كان ويليام ينتظر.


واقفًا أمام باب الجناح الخاص بآيزابيلا وسندريلا.
لا يتحرّك، لا يتكلم، فقط يقف كأنّه يقاوم سيلًا من الذكريات والأمنيات المهدورة.


كان هناك كمن يحرس شيئًا لن يعود، أو كمن يحاول أن يُبقي الحلم حيًّا بالتحديق فيه.


وحين اقترب الملك، لم ينحنِ له ويليام.
ولم يطلب منه شيئًا.


اكتفى بالنظر إليه، كما ينظر الابن إلى والده حين يضيق العالم، ويكبر الجرح، ولا تعود الكلمات تكفي.


قال بصوت متهدّج، ناعم، لكنه يحمل طبقة من التصميم:
"لن أدعها ترحل، أبي... لا الآن."


تلك "الآن" لم تكن مجرد وقت.
كانت حياة.
كانت محاولة أخيرة للإمساك بشيء لا اسم له، لكنه يعني كل شيء.


توقف الملك.
لم يتكلم فورًا.


نظر إلى ويليام طويلًا، بعمقٍ لا يليق إلا بأب رأى الشروخ التي لم يلتفت لها أحد.



رأى فيه الطفل الذي كان يتعثّر في أروقة القصر وهو يركض خلف فراشة.


رأى فيه الفتى الذي جلس طويلًا يراقب السماء دون أن يفهم لماذا القلب يضيق رغم كل هذا الاتساع.


ثم قال الملك، بصوتٍ هادئ لا يُجادَل، كمن يسرد حكمة جمعها من خيبات عمر بأكمله:


"القلوب يا ويليام... لا تُحب بالقوة."


كانت كلماته بسيطة، لكنها سقطت ثقيلة.


كأنها خرجت من فم رجل جرّب أن يربّي الحُب، ويمنعه، ويوجّهه...
ثم اكتشف، في النهاية، أنّ الحب لا يُؤدّب.
أنه ليس وصية، ولا أمراً ملكياً، ولا قانونًا يُسنّ.


ويليام لم يرد.


شعر أن صدره انقبض، أن شيئًا فيه تكسّر... لكنه لم يسقط.


كان يريد أن يشرح، أن يصرخ، أن يقول إن الأمر ليس كما يظنّ، إن قلبه يعرف الطريق، وإنه هذه المرّة لا يريد أن يفرّط.


لكنه تذكّر شيئًا.


تذكّر وجه آيزابيلا حين همست:
"أنا أحبها جدًّا."


تذكّر كيف كان صوته خارجًا من عمقها، صادقًا، بلا تردد.


فهم أنه كان يقف أمام باب لا يفتح له، لأنه ليس بابه.
لأن الحكاية لا تسكنه، بل هو عابر فيها، مجرد ظلّ عبر مشهدين وانتهى.


وفهم أن الحب الحقيقي لا يحتاج إذنه.


ولا ينتظر مباركته.


بل يحدث، فقط، حين يُسمَح له أن يكون.


شدّ الأمير قبضتيه حتى ابيضّت أنامله، كأن الألم الجسدي قد يعوض عن ذاك الغليان المكبوت في صدره. كانت أنفاسه مضطربة، وصوته حين نطق، لم يكن مجرد احتجاج شاب، بل نداء رجل يقف عند أسوار قلبه الأخير، يحاول حمايته من السقوط:


"أنا لا أجبرها على شيء! أنا فقط... أريد فرصة. فرصة لأثبت أنني أستحقها. أنني أستطيع أن أكون ما تحتاجه."


خرجت كلماته كمن يحارب لأجل مدينة لا تزال أعلامها ترفرف، لكنها مهددة بالسقوط، وكل ما يملكه هو صوته ونيّته.


لكن الملك لم يردّ بغضب. صوته انخفض، وهدأ، كأنه جرّ سيفًا من غمده لا ليضرب، بل ليحسم:


"إن كانت تحتاجك، لما احتجت أن تقف بين الباب وخطوتها."


كان وقع العبارة كطعنة هادئة في موضع يعرفه الأب جيدًا. لم تكن كلمات، بل مرآة وضعت أمام الابن ليشاهد فيها نفسه كما هي، لا كما يتمنى.



نظر الأمير إلى الأرض، كمن فقد فجأة توازنه.
ظل لحظة معلّقًا هناك، بين الصمت والغضب، ثم رفع رأسه.
كانت عيناه تلمعان بدموع لم تذرف بعد، مشتعلة بانفعال خام:


"لكنني أحبها، أبي. أكثر مما ظننت أنني قادر على الحب."


اقترب الملك منه خطوة.
لم يكن فيه شيء من ملامح القسوة، بل حنوّ ثقيل، حنوّ لا يُشبه العناق، بل يُشبه اليد التي تُمسك بكتفك لتمنعك من السقوط.


وضع راحته على كتف ابنه، وقال بصوت بدا كأنه يحمل وزن السنين والتجارب والخيبات:


"وأنا أصدقك. لكن هذا لا يكفي. الحب الحقيقي لا يُقاس بما نشعر، بل بما نسمح لمن نحب أن يختاروه."


ارتجف شيء ما في قلب الأمير.
تراجع خطوة إلى الوراء، كأن الكلمة قد دفعته فعلًا.


الغضب بدأ يغلي في صدره، كحمم لا تجد فوهة تثور منها، فاندفعت في صوته:


"فماذا تريدني أن أفعل؟ أن أتركها ترحل؟ أن أبتسم لها وهي تسير مع فتاة"


سكنت القاعة.
سكون كثيف، كأن الحيطان ذاتها تحبس أنفاسها.


ثم جاء صوت الملك، رقيقًا كنسمة، لكنه قاطع كحد السيف حين يُغمد:


"نعم، إن كنت تحبها... فافتح لها الباب بنفسك."


لم تكن الجملة نصيحة.
كانت حكمًا.
تعليمًا أخيرًا من أب إلى ابنه، عن الرجولة التي تتجاوز التملك، وعن الحب الذي لا يُثبت بالحماية، بل بالتحرير.


طال الصمت بعد ذلك، حتى كاد الهواء يتكثف حولهما.


ثم تابع الملك، هذه المرة بصوت أكثر حزمًا، دون أن تغيب عنه الرأفة:


"أنا لم أبنِ هذه المملكة لتكون قفصًا.
لا لآيزابيلا، ولا لسندريلا...
ولا حتى لك."


اقترب خطوة أخرى، ونظر في عيني ابنه نظرة لم تكن قاسية، لكنها لم تسمح له بالهروب:


"وإن كنت تفكر في مملكة تُدار برغبة الأمير، لا برضا الناس، فاعلم هذا: لن أكون جزءًا من ولادة طاغية، حتى لو كان من دمي."


شهق الأمير شهقة خافتة، كأن صاعقة لم تُر، ولكن سُمعت، قد ضربته.


انحنى رأسه، لا خضوعًا، بل ثقلًا.
كانت الكلمات أثقل من أن تُرد، وأصدق من أن تُنكر.


لم تُنطق بحقد، بل بحب يعرف أن التربية ليست أن تمد يدك لتدفع ابنك نحو السعادة، بل أن تكون مستعدًا أحيانًا... لكسر تلك اليد، إن كانت ستكسر قلبه لاحقًا.



ظل الأمير واقفًا، لا يتحرك، كأن الزمن توقف عند قدميه.


صوت والده كان لا يزال يرنّ في أذنه، يتردّد لا كصدى، بل كجرس إنذار، يوقظه،


مرت لحظة...
ثم لحظات.


الهواء صار أثقل، وجدران القاعة كأنها اقتربت، ضاقت عليه. شيء ما في داخله بدأ ينهار، ليس الحب... بل الفكرة القديمة عنه.


همس، وصوته بالكاد يسمع:
"لكنني لا أعرف كيف أفتح الباب... وأظل واقفًا."


تأمل الملك ملامحه، ورأى فيه مزيج الفتى والرجل؛ شظايا طفولة لم تكتمل، ورغبة رجولة تبحث عن نفسها وسط الرماد. اقترب منه، بهدوء، كمن يقترب من نار لا يريد أن يطفئها، بل يحرسها كي لا تنطفئ:


"لن تكون وحدك. الألم لن يقتلك، يا بني... لكنه سيغيّرك."


أطرق الأمير رأسه.
مرّر يده في شعره بعصبية.
كان يحاول أن يجد كلمات يعبر بها عن طوفان الداخل، عن ذلك الشعور باللاجدوى حين تضطر أن تختار بين حبك... وكبريائك.


قهقهة صغيرة انكسرت في صدره، حزينة، كأنها محاولة يائسة للهروب من حقيقة لا تقبل الضحك.


"لم أتخيل أبدًا أن البطولة الحقيقية... هي أن أتركها تذهب."


نظر إليه الملك طويلًا، ثم قال بهدوء شديد:
"لهذا أنت تستحق أن تكون أميرًا... حين تستطيع أن تخسر كل شيء، ولا تفقد نفسك."


تحرك الأمير أخيرًا.
خطا نحو الباب الكبير للقاعة، الذي كان مواربًا، كأنما ينتظر قراره.


وضع يده عليه، وتوقف. لم يلتفت. لكن صوته حين خرج، كان ساكنًا، ناضجًا، يشبه رجلًا قرر أن يخلع التاج، لا ليهرب... بل ليستحقه من جديد:


"أفهم الآن.
لن أكون ما تريده هي فقط... بل ما تحتاجه المملكة.
وما أحتاجه أنا."


فتح الباب ببطء. ضوء الشمس المسائي تسرّب من الخارج كدعوة إلى بداية جديدة.


لم يكن ضوء خلاص، بل ضوء مواجهة.
مواجهة النفس أولًا... والمصير بعدها.


خرج.


وظل الملك وحده، في تلك القاعة الواسعة. تنهد. لا بحزن، بل براحة ثقيلة. مشى نحو العرش، لم يجلس عليه. وضع يده على حافته، وحدّق في الفراغ.


همس لنفسه:
"الملوك لا يُولدون على العرش... بل في اللحظة التي يستطيعون فيها أن يبتعدوا عنه."


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



الأمير ويليام



الأمير ويليام


14 - فضيحة وعربة​


بعد أن أذن الأمير لهما بالمغادرة، صعدت سندريلا وآيزابيلا إلى العربة الملكية.


لم يحتج السائق سوى إلى نظرة من الأمير، قبل أن يُبلغاهما بأن الطريق وجهتهما.


في الداخل، واجهت آيزابيلا سندريلا، جلسَت كلٌّ منهما في صمتٍ مشحون، كأن العربة تَحمل بين جدرانها أكثر من جسدين، بل تاريخًا متوتّرًا من المقارنات والظلال.


كان وقع حوافر الحصان على الحجر المرصوف يتكرر برتابة أشبه بنبضٍ ثقيل، يُسمَع بين كل لحظة صمت. يُجرّ الحصان العربة ببطء، فيما العجلات تئنّ فوق الأرض، تصدر صوتًا خافتًا، لكنه متواصل، كأن المدينة كلها تستمع إليهما بصمتٍ ثقيل.


رغم الزحام وضوضاء الشوارع، بدا الداخل معزولًا، تُخفت أصوات الخارج في حضرة مقاعد مخملية بلون العقيق، وجدران مطعّمة بخشب داكن تُعبق منه رائحة الزمن.
ضوء المشاعل المتدلّية من العربة كان يتراقص فوق وجهيهما، يلقي بظلالٍ تتبدّل مع كل حركة، كل ارتجاج خفيف. وبرغم الزينة الملكية، ساد جو ثقيل، كأنّ العربة نفسها تعرف أنها لا تحمل فقط فتاتين... بل حكاية بأكملها.


بادرت بالحديث من لم تعتد المبادرة أبدًا... تلك الفتاة التي لطالما اختبأت خلف صمتها: آيزابيلا.


صوتها خرج مرتجفًا:


"لم أظن يومًا أنني سأعود...
لم أعرف ما عليّ فعله في القصر...
هل أُخبر الأمير؟
أم أُبقي فمي مغلقًا ؟
لم أكن أعرف كيف أقول له إنكِ..
أنتِ الفتاة التي رقص معها تلك الليلة."


تعثرت أنفاسها بين كلمة وأخرى، ومالت بعينيها إلى النافذة الصغيرة، تهرب من انعكاس وجه سندريلا في زجاجها.


كأنها تنتظر حكمًا، أو صفحًا لا تجرؤ على طلبه.


لكنها لم تفهم.
آيزابيلا لم تفهم سندريلا.


لماذا نحل جسدها بتلك الصورة؟
لماذا ذبل وجهها كأوراق الخريف، وبهتت عينُها التي كانت يومًا تلمع، حتى صار صوتها بالكاد يُسمع؟
لماذا كانت تأتي كل يوم، من الصباح حتى حلول الليل، تقف عند بوابة القصر تتوسّل الحُرّاس أن يُدخلوها؟
لماذا كل هذا الانكسار؟
كل هذا الإصرار؟


لم تفهم.


سندريلا، التي كانت يومًا تلوذ بالصمت حين تُؤذى، والتي لم تقاوم أبدًا، لم تشكُ، لم تردّ.


لماذا تمسكت بها


ولماذا… لماذا أرادت آيزابيلا، رغم كل ما فعلَته بها؟
رغم الإزعاج، والكلمات القاسية، والمضايقات التي لم تكن تنتهي…


أيُعقل أنها كانت تحبها؟
أيعقل أن ما ظنته ضعفًا… كان شيئًا آخر؟


آيزابيلا كانت تبحر في تساؤلاتها، وصوت العربة يمضي، كأن الأرض وحدها تعرف الحقيقة، ولا تبوح بها.


لم تترك سندريلا لآيزابيلا ملاذًا من الحقيقة، ولا ملجأ من صمتها المريب.


رفعت ببطء رأسها، وعيناها غارقتان ببحرٍ من الحنان والصدق الذي لم يُقال، لكنه ينبعث من كل حرف، من كل همسة.


"كنتُ أعلم،
كنتُ أقرأكِ كما يُقرأُ كتابٌ مفتوح على صفحةٍ مكتوبة بحبر القلب،
رغم صمتكِ وخوفكِ، رغم كل تلك الأشواك التي زرعتها في طريقك، ظننتِ أنها ستُخفي حُبكِ، لكنها لم تكن إلا زخرفة على قصة لم تُكتب بعد.


رأيتُ يدكِ، يا آيزابيلا، حين قطفتِ الوردة، وأشواكها تخترقُ جلدكِ كأنها تحكي قصة ألم لا يُرى،
ذلك الدمّ الصامت كان شهادتكِ الصادقة، باقة الورد التي وضعتها أمام بيتي كانت صدى قلبكِ الذي ينبض،
وأنا رأيتُ خط يدكِ على الورقة، خطكِ المرتجف، كأنما تهفين لأن يُسمع صوت حبكِ الذي لم تجرئي على نطقه.


كنتِ تعتقدين أنني غافلة، لكني كنتُ أراكِ، كنتُ أقرأ بين سطور نظراتكِ المرتجفة، في صمتكِ الذي قال أكثر مما نطق به لسانكِ،
كل شيء فيكِ كان ينطق بحبكِ لي، إلا لسانكِ الذي ظلّ يتلعثم، يخشى مواجهة الحقيقة.


لكنني لم ألومكِ، بل استمتعتُ،
استمتعتُ بهذا الحب العذري، الذي يشبه رقص قطرات الندى على أوراق الزهور في أول الصباح،
ذلك الارتباك الجميل في قلبكِ، خفقانكِ الأول، الغيرة الطفولية التي كانت تظهر في كل حركة، في كل كلمة لم تقوليها.


كنتُ أطيل النظر إليكِ، كأنني أتذوق موسيقى صامتة تخرج من أعماق قلبكِ،
كل تصرف، كل لمحة كانت ترسم لي قصة حب بريئة، لا تعرف إلا الصدق والبراءة.


وأنا… كنت أحبكِ أيضًا،
كنتُ أتنفس نفس الفوضى التي في صدركِ، أسمح لها أن تملأني،
حتى نسيتُ أنني أنا أيضًا عذراء، لأول مرة أحِب، لأول مرة أفتح قلبي هكذا بلا خوف."


انكمشت آيزابيلا داخل نفسها، وكأن كلمات سندريلا اخترقت جسدها، وعبثت بنبضات قلبها.


توقفت أنفاسها، وتجمّد الزمن حولها، وصار صوتها الداخلي يشتعل بصمتٍ مرير.


عيناها امتلأتا بالدموع قبل أن تعرف، تبللت وجنتاها بخجلٍ لا يُقاوم، ويدها ارتجفت وهي تحاول أن تمنع سقوط ما تبقى من صلابة في قلبها.


في تلك اللحظة، لم تكن تعرف كيف تصرخ، ولا كيف تلوح بالهرب، فقط عرفت أنها مفتوحة… مكشوفة… بلا دفاع.
صدمة لم تكن تنوي مواجهتها، لكنها أوقعتها في حبّ أعمق مما توقعت.



كان صوت العربة يتماهى مع نبضات قلبيهما،
وقع حوافر الحصان على الطريق المرصوف يدق بنغمة رتيبة،
كأنها تدق طبول انتظار، أو همسات لم تُقال بعد.
تئنّ العجلات بخفة على الحصى، تصدر صريرًا هادئًا يتردد بين جدران العربة المخملية،
ويرافقه دويّ خافت لأصوات المدينة البعيدة، لكن هنا داخل العربة، كل شيء يتحرك ببطء،
والصمت يملأ الفراغ، يُكثّف كل كلمة، وكل صدمة، وكل نبضة حبّ.


هامسًا، كأن الكلمات تنزف من أعماق روح مُمزقة،
قالت سندريلا بصوت متهدج يحمل ثقل عذاب الذات:


"أريد أن أعتذر لكِ…
من كل ذرة في قلبي، من كل نفسٍ أستنشقته، من كل خفقة مرت بصدري…
لو كنتِ تريدين أن تصفعيني، أن تضربي، أن تصرخي في وجهي، فسأستحق كل ذلك وأكثر.
لأني… لأنني، بحق السماء، حقيرة…
دنيئةٌ لا تستحق حتى نظرة حبّ صافية، ولا حتى ذرة من براءة مشاعركِ التي وهبتني إياها بلا شروط.


لقد اقتحمت عالمكِ بلا استئذان،
لمستك وأنتِ في أضعف حالتك، حين كان وعيك مغيبًا تحت ثقل سُكر لا يبررني ولا يخفف من خطأي.
لم أمنع نفسي، لأنني غرقت في وهم حبنا، في خداع نفسي المسموم،
ظننتُ، لوهلة، أن هذا الحب يمنحني حق الاقتراب،
حق التعدي على حدودك، على جسدك،
وأنني بذلك أحق أن أكون قريبة منك، حتى لو كان ذلك بلا إذن، بلا وعي منك


لكنني الآن، وفي كل نبضة ألم تعصف بي، أدركتُ الحقيقة المرة:
لم يكن لي أي حق، لا أدنى حق.
لمستك دون موافقة،
وحملتُ على كاهلي حملاً ثقيلاً من الذنب والعار،
أشعر به يسحق قلبي، يكبل روحي، يُجرح صدقي مع نفسي…


لقد خانتني نفسي، خانتني مشاعري، وخنتك أنتِ،
وأنا الآن، لا أطلب سوى الغفران، حتى ولو كان مستحيلاً."


احمرّ وجه آيزابيلا، وبدت كمن انكشفت أمام ضوء ساطع لا مفر منه،
اتسعت عيناها، تاهت قليلاً في المسافة بين الحلم والواقع، ثم همست، بصوت مرتجف تتخلله الدهشة:


"إذًا… كان واقعًا بالفعل؟
لم يكن حلمًا؟"


وضعت يدها على فمها بخجلٍ متورد، ثم خفضت عينيها، كأنها تخاف أن تُرى،
وكأنها **** أمسكتها السماء متلبسة بالحب.


"لم أعرف حقًا…
لم أعرف أنكِ كنتِ تحبينني بهذا الشكل،
كنتُ أظن دائمًا أن نظرتكِ لي… كانت عادية، باهتة،
لم تكن تشبه نظرتي إليكِ أبدًا…"


رفعت عينيها إليها، بعذوبة ناعمة وصدق يكاد يُبكي:
"لا تنظري لنفسكِ بتلك القسوة، أرجوكِ…
في الحقيقة…
الشيء الوحيد الذي أندم عليه حقًا،
هو أنني لم أكن واعية…
في تلك اللحظة الثمينة."



تسمرت سندريلا في مكانها، تحدّق بذهول في عيني آيزابيلا،
كأن كلماتها تسللت من حلم لا يشبه الواقع… واقع يُغفر فيه هذا كله؟
لثوانٍ لم تنبس ببنت شفة، فقط راحت تراقب ارتباك آيزابيلا وخجلها الجميل،
ذاك الخجل الذي أذاب ثلوج الذنب عن قلبها.


"أنتِ… راضية؟"


سألتها كمن يخشى أن يوقظ شيئًا ناعمًا جدًا بكلمةٍ خاطئة.


لكن آيزابيلا، بنظرتها العذبة وصوتها الدافئ، كانت كنسمة ربيع دخلت صدرها.


وفجأة، خفّ شيء ما في قلب سندريلا…
انكسر الثقل، تلاشى الخوف، وارتفعت ضحكة صغيرة منها، خافتة أولاً، ثم صافية،
ضحكة خرجت من مكان عميق في صدرها، مدهوشة، مرتاحة، وطفلة بعض الشيء.


وضعت يدها على وجهها، تضحك وتكاد تبكي، ثم نظرت إلى آيزابيلا بعينين تلمعان:


"كنتُ أظن أنني أضعتكِ إلى الأبد…
ظننت انني خسرتُ كل الحُب الذي في صدرك"


قالتها آيزابيلا ببساطة، دون تردد، دون لفّ أو دوران،
بعينين دامعتين وصوت خافت لكنه واثق،


"أنا أحبك."


الكلمات وقعت على قلب سندريلا كقطرة ماء باردة في ظهيرة عطشى.


توقفت عن الضحك، وارتجف شيء في صدرها،
كأن تلك العبارة، البسيطة حد الطفولة، الثقيلة حد المعجزة،
أعادت تشكيل العالم حولها.


لم تقل شيئًا في البداية، فقط نظرت إليها نظرة طويلة، ممتلئة بالذهول والامتنان والخوف والسعادة في آنٍ واحد.


ثم مدت يدها، بخفة، ببطء، كأنها تخشى أن تلمس الحلم فيتبدد، أخذت يد آيزابيلا بين يديها، دفنتها بين راحتيها وكأنها كنز صغير كانت تبحث عنه منذ عمر.


قالت سندريلا هامسة، بشفاه ترتجف: "أنا… أحبك.
أحبك منذ زمن، لكنني خفت.
خفت أن أفسدك، أن أجرحك، أن لا أكون ما تستحقين…
فخترت أن أختبئ خلف القسوة، خلف البرود،
لكنكِ كنتِ دائمًا هناك، حتى في صمتي."


انحنت نحوها ببطء، حتى التصقت جبهتها بجبهة آيزابيلا


" وانا لا اريد سواك، كما انتِ"


وصار صوت العربة، وصخب المدينة خارجها، مجرد خلفية باهتة لا تعني شيئًا.


كان الوقت، أخيرًا، لهما.


كان الهواء بينهما مشبعًا بما لا يُقال.
نظراتٌ تائهة، محمَّلة بألف ارتعاشة قلب، تسبح بين عينين متقابلتين كأن الزمن توقف ليمنحهما فرصة أخيرة أو أولى.
سندريلا، التي قضت عمرها تتهرّب من الشعور،
الآن... كانت تغرق فيه.



رأت الخجل يلون وجنتي آيزابيلا،
ذلك الاحمرار الطفولي الذي لا يصدر إلا عن قلبٍ نقيّ،
ثم رأت ما هو أعمق: الاستسلام، والقبول، والرغبة الصافية التي لا تشوبها شهوة مكسورة بل امتنان حيّ، متوقد.


اقتربت سندريلا...
مَسحت بأناملها خصلةً من شعر آيزابيلا سقطت على جبهتها المرتعشة،
توقفت هناك لحظة، ثم انزلقت أناملها إلى خلف عنقها برقة، تسحبها أقرب،
كأنها تضم زهرة بين يديها وتخشى أن تذبل من شدّة اللمس.


همست بنبرة عارية من كل دفاع:


"أريد أن أقبّلك... كأنني أقبّل عمري كله، إن بدأ الآن."


ولم تنتظر الإذن.
بل كان كل شيء في جسد آيزابيلا يجيز،
يطلب، ينتظر.


فانحنت إليها ببطء،
ثم طبعت على شفتيها قبلة أولى...
لكنها لم تكن خجولة.
كانت عميقة، عاشقة، مشتعلة،
قبلة امرأةٍ تعترف بكل ما لم تجرؤ على البوح به،
امرأة تمنح، وتُغفر، وتغفر لنفسها أخيرًا.


آيزابيلا شهقت في اللحظة الأولى من المفاجأة،
لكنها لم تتراجع.


بل فتحت قلبها، وشفتيها، ويديها،
وردّت القبلة بلهفة من كانت تنتظرها كل حياتها،
كأن الزمن كله انطوى في فمها،
كأنها تقول: "خذيني، كما أنا، دون شروط."


وفي تلك اللحظة، لم تكن هناك عربة،
ولا مدينة، ولا ضجيج خيول،
كان هناك جسدان،
وروحان يذوبان في شفاه بعضهما،
في صمت ناريّ، في رجفة حلوة، في بداية.


وحين افترقت شفاههما أخيرًا،
كان صدر آيزابيلا يعلو ويهبط بارتباك **** اكتشفت العالم،
وسندريلا...
كانت تحدّق بها، تضحك بخفّة، تلك الضحكة المرتجفة التي لا تخرج إلا ممن لامس الحياة لأول مرة.


همست سندريلا، متلعثمة من سعادة لم تعرف اسمها بعد:
"أنتِ... مذهلة."


فأجابت آيزابيلا، بشفاه لا تزال تلمع من القبلة:
"أردتكِ... منذ البداية"


لم تشعرا بالعربة وهي تتوقف.


العالم كان مجرد نبض متسارع، وشفاه رطبة، وأيدٍ تمسك ببعضها وكأنها إن أفلتت ستسقط في العدم.


كانت سندريلا فوق آيزابيلا تقريبًا، أنفاسهما متشابكة،
وشفاههما لا تزال تحمل طعم اعتراف متأخر،
وجسد آيزابيلا يرتجف، وصدرها يصعد ويهبط كأن كل قبلةٍ سحبت من رئتيها نَفَسًا كان بالكاد يكفيها.
كأن قلبها، بكل وقاره، قرر أن يترك صدرها الآن… أن يركض خلف سندريلا ويتركها فارغة،
ميتة، شهيدة لحظة حب وانكشاف.


لكن الباب انفتح.


وانكسر العالم.


الضوء دخل كالسيف،
وقفت هناك، عند مدخل العربة… سيدة ذات حضور صلب،
والدة آيزابيلا.


لم تكن ملامحها مصدومة بل كانت غاضبة، وهادئة بشكل مخيف،
تلك الهُدوءات التي تسبق الأعاصير.
كأنها لم تتفاجأ،
كأنها كانت تراقب الاحتمالات بصمت، واستقرّ حدسها على هذا المشهد بالضبط.


بصوت باردٍ، رزين، لكنه مشبع بشيء كثيف تحت السطح، قالت:


"ماذا تفعلان؟"


كانت كلماتها بسيطة…
لكن وقعها نزل على الفتاتين كصفعة لا تحتاج يدًا.

15 - زواجاً في الشتاء​


لم يسمعا التوقف.


كانت العربة لا تزال تمضي، أو هكذا ظنتا، حين كانت أجسادهما تمضي أيضًا نحو بعضها.


لم تكن تلك القبلة مجرد لمسة شفتين، بل انزلاقاً حميماً إلى قلبٍ مجهول


آيزابيلا، بشعرها الداكن الناري المتشابك من المطر، كانت نصف ممددة على المقعد، وسندريلا كانت فوقها، قربها، ملتصقةً بها التصاقاً لا يسمح للكلمات أن تكون وسيطاً.


شفتاهما، التي انفصلت للتو، لا تزالان رطبتين بحرارة الحب، بحرارة المفاجأة. صدرهما يصعد ويهبط كأن التنفس صار مهمة مستحيلة.


ثم انفتح الباب.


بلا صوت إنذار. بلا قرع. بلا همس.


هواء بارد ضرب وجهيهما. وواقفة هناك، كتمثالٍ من عصر لم يعُد يُشبه هذا الحاضر، كانت هي.


مارغريت.


السيدة مارغريت، والدة آيزابيلا، ابنة السلطة، والسجلات القديمة التي لا تحتمل الفوضى.


عيناها لم تومضا. بل ثبتتا، كسيفين، على المشهد.


آيزابيلا لم تتحرك. وسندريلا شلّها جسدها في لحظة، كأن الدم توقف عن الجريان.


المسافة بين جسديهما كانت لا تزال ضئيلة... مهينة. ومكشوفة.


الهواء في العربة صار خانقاً.
لا لأن المكان ضيق، بل لأن الزمن توقف.


نظرة مارغريت لم تكن مجرد غضب. لم تكن حتى صدمة.
بل كانت شيئاً أعمق: حكم.


ابتلعت الفتاتان ريقهما، حركة صغيرة تفضح ارتباكاً داخلياً بحجم زلزال.


في تلك اللحظة، لم يكن في الوجود شيء أكثر صخباً من بلع الريق، من ارتعاشة الأصابع التي كانت قبل ثوانٍ تمسك بخصر الآخر.
والخوف؟
الخوف لم يكن بسبب القبلة. بل بسبب أن القبلة، تلك العفوية، الصغيرة، لم تعد تخصّهما وحدهما.


"ها أنتما..."
قالتها مارغريت، بصوت رخيم، خالٍ من النبرة، ومع ذلك... قاتل.


سندريلا تراجعت، لا جسديًا، بل وجودياً.
تقلصت، كأنها عادت إلى جلد **** خائفة سرقت شيئاً لا يُغتفر.


آيزابيلا، ببطء ثقيل، جلست، عيناها تلمعان لا بالدموع... بل بمرارة الإدراك. لقد تم الإمساك بهما حين تجرأتا على الحُلم.


"كُنا..."
تمتمت آيزابيلا، لكن الكلمات تكسّرت بين شفتيها اللتان لا تزالان تلمعان.

"لا تتعبي نفسك بالتبرير."


قاطعتها مارغريت، وهي تصعد بخطى ثابتة داخل العربة.
الجلوس لم يكن غايتها. لم تكن بحاجة إليه.
كانت حضورها يكفي لسحق كل شيء.


"هذه العربة... كانت متجهة للمنزل. أليس كذلك؟"


قالتها ببرود، وهي تنظر نحو المقعد، نحو أثر الأجساد، والقبلة، والخطيئة الدافئة.


"لكن يبدو أنكما وصلتما قبلها."


وقفت صامتة لثوانٍ.
ثم نظرت إلى آيزابيلا كما ينظر النحات إلى التمثال الذي تحطّم فجأة تحت يده.


"انزلي."


كان المطر قد خفّ، لكن الهواء لا يزال محمّلاً بشيء ثقيل، شيء يهبط فوق الجلد كغبارٍ خفي لا يُمحى.
سارت الفتاتان خلف مارغريت كطفلتين أُمسكتا بيد الخطأ.


البيت كبير، صامت، أبوابه عالية وباردة كقبور بلا شواهد.
خطى مارغريت كانت تسبقهم، كأنها لا تسير بل تقتحم، وفي كل خطوة تقول شيئاً: لقد انتهى زمن الطيش.


دخلت إلى الصالة الكبيرة أولًا، دون أن تلتفت. ألقت قفازاتها على الأريكة الحريرية البيضاء، ثم التفتت ببطء.


"هل جننتما؟"
قالتها فجأة، بقسوة جافة.


"هل تمزحان؟ هل تلعبان على الأمير؟"


لم ترد آيزابيلا.
ولم تتنفس سندريلا.


"قبلة؟ في العربة الملكية؟"


كانت تمشي في الغرفة كما تمشي الحيوانات الجريحة التي لم تقرر بعد إن كانت ستقتل أم تهرب.


"ما الذي تفكران به؟ هل تظنان أن هذا نوع من الحُب؟ هل هذا شيء تشاركانه... سراً... كهواية مسروقة؟"


توقفت، حدّقت فيهما. ثم قالت:


"أنتما فتاتان."


"وأيضاً... أختان.
هكذا يراكم العالم.
هل تفهمان؟ أختان!"


جفّ حلق سندريلا.
شعرت بأن الأرض تسحبها لتحت، لكنها بقيت واقفة.


مارغريت أشاحت بنظرها، ضحكة مريرة خرجت منها رغماً عنها:


"هل تعرفان ماذا فعلنا لنكن بهذا المستوى؟ هذه السمعة؟"


ثم رفعت يدها، وأشارت إليهما كأنهما تهمة:


"والآن... ستجلبان لي العار؟ بعد كل ما صنعته؟"



اقتربت من آيزابيلا خطوة:


"ماذا عن الأمير؟ ها؟ أخبريني، ماذا عن خطبتك الوشيكة؟"


ثم إلى سندريلا:
"وأنتِ... ما الذي ترينه في ابنتي؟ لا أهل لكِ، لا نسب، لا مهراً، لا شيء سوى... عيون بريئة وتربيتك على يديّ!"


ارتجفت سندريلا.
ليس من الخوف فقط، بل من الظلم.
لكن مارغريت لم تنتهِ.


"أتريدان أن نُعدم؟"


صوتها ارتفع، متهشمًا:


"أتريدان أن نُحرق في الساحات؟!"


ثم بصوت خفيض، مخنوق، كمن يُكلم نفسه:
"سأُزوجكما.
سأنهي هذه المسرحية قبل أن تتحول إلى لعنة."


نظرت إلى آيزابيلا، ثم إلى سندريلا، عيناها تمتلئان بشيءٍ لم يكن غضبًا خالصًا، بل خوفاً عظيماً، مسموماً، متورطًا في الحب والعار.


"سأجد لكما أزواجًا هذا الشتاء.
من عائلاتٍ لها اسم، وختم، وصوت في البلاط.
وسينتهي كل هذا.
هل تفهمان؟ سينتهي.
اجعلوا ما تنوون فعله يتبخّر كالماء. وإلا..."


توقفت، ولم تُكمل الجملة.


لأنها لم تكن بحاجة إلى التهديد.
التهديد، كان الهواء نفسه


غادرت مارغريت الغرفة، كمن يترك وراءه ناراً مشتعلة ويظن أنه أخمدها بكلمات.


هدأت الأصوات، لكن الهواء لم يهدأ.
ظلت آيزابيلا وسندريلا صامتتين، لا تجرؤان على التلاقي بالعين.


عند حافة الدرَج، ظهرت ليليان.
قميصها القطني طويل قليلاً، شعرها مشعث من النوم أو من اللامبالاة، في يدها تفاحة قضمت منها نصفها ونسيت مضغها.


"أهلاً بكنّ من الجحيم."
قالتها وهي تنزل بخطوات واثقة، كأنها الوحيدة التي تملك حق التنفس هنا.


اقتربت، ثم توقفت.
كانت تنوي معانقتهما، لكن شيئاً في الجو جعلها تتراجع خطوة إلى الوراء.
رفعت حاجبيها.


"أوه، الجو هنا مشحون كأنكم فجّرتم قنبلة."


لم ترد آيزابيلا، بينما نظرت إليها سندريلا بنظرة متوترة.


ليليان قفزت لتجلس على طرف الطاولة كعادتها، تتأرجح قليلاً بقدميها، ثم قالت:


"لا تقلقوا... أمي تصرخ اليوم، وتنسى غداً."
ثم ضحكت ضحكة قصيرة، وأضافت:
"صدقوني... عندي خبرة."


"تتذكرون لمّا أمسكتني مع ناتاشا؟ ها؟ ذاك اليوم؟
خلف المطبخ؟
قالت لي نفس الجملة تقريباً...
"ستجلبين العار، يا ليليان!""


ضحكت لوحدها، بينما سندريلا حدّقت فيها بدهشة.


"ناتاشا من المكتبة؟"
سألت آيزابيلا وهي ترفع حاجباً.


"نعم، ناتاشا ذات الشعر المجعد والأيدي الفضولية."
ردّت ليليان وهي تتظاهر بالبراءة، ثم عضّت من تفاحتها.


"لكن على الأقل أنا لم أُمسك في عربة الملكية، أنتنّ متهورات بحق!"
غمزت، وضحكت، ثم تابعت:


"لا تقلقوا. لن أقول شيئاً. بس من باب الفضول... من بدأت أولاً؟"


تجاهلتها آيزابيلا، بينما عضّت سندريلا شفتها بإحراج.


ليليان لوّحت بيدها:
"حسنًا حسنًا، لا أحد يريد الاعتراف.
على أي حال... راح أسبقكم للنوم.
الجو هنا كئيب جداً."


ثم استدارت نحو الدرج، لكنها توقفت ونظرت إليهما من فوق كتفها:


"انني ادعم علاقتكم، المُعقدة هذة! "


واختفت.


تركت وراءها خفةً طريفة، وحضورًا يعرف كيف يعبث دون أن يُحرق.

يتبع في السلسلة الثانية
 

المستخدمون الذين يشاهدون هذا الموضوع

أعلى أسفل