f͠a͠t͠m͠a͠
لو الحب وطن… فأنت وطني الوحيد 🤍
إدارة ميلفات
ملكة ميلفات
كبير الإداريين
رئيس الإداريين
إداري
رحلة فتاة مثلية
هذا العمل من كتاباتي الشخصية
@f͠a͠t͠m͠a͠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
16 - لا شتاء ولا صيف
مضت الأيام ببطء بارد، كأن الزمن ذاته فقد شهيته للاندفاع.
لم تكن هناك أحداث صاخبة، لا انفعالات درامية، ولا حتى اشتباكات لفظية فقط ذلك النوع من الصمت القاسي، الذي يُمارَس بمهارة، ويُترك كحجر ثقيل في صدر من يعرف أنه غير مرغوب به، حتى دون قول.
مارغريت، والدة آيزابيلا، لم تكن تكتفي بالرفض.
بل كانت تنسج من التجاهل خيوطًا دقيقة تحاصر بها ابنتها من كل زاوية.
نظراتها، حين التقت بعينَي آيزابيلا مصادفة، لم تكن تنطق بالغضب… بل بما هو أسوأ: النفي.
في البداية، كانت آيزابيلا تقاوم لا على هيئة تمرد، بل كبذرة خجولة تحاول أن تنبت في أرض محروقة.
همسة هنا، التفاتة هناك، انتظار على طرف مائدة الفطور، كوب قهوة محمول برعشة يد خافتة، محاولة لأن تقول “أنا ما زلت ابنتك” دون أن تنطقها.
لكن مارغريت كانت امرأة لا تؤمن بالرمزيات.
لم تكن تنتظر تبريرًا، بل خضوعًا كاملاً وغيابه، في نظرها، خيانة.
لم تنفجر، لم تعلن قطيعة.
بل اكتفت بأن تغلق بابًا في داخلها، دون صوت.
وهذا وحده، كان كافيًا.
آيزابيلا، مع الوقت، توقفت.
لم يكن ذلك قرارًا بقدر ما كان اعترافًا.
بعض الأمهات لا يمكن استعطافهن.
بعضهن حين يلفظن "لا"، لا يعنين بها لحظة غضب… بل يعنين بها حكمًا نهائيًا لا يستأنف.
وحين تكوني أنتِ ابنتها، تعرفين أن العودة لن تكون ممكنة، لا بالكلمات ولا بالدموع.
وأن لا أحد يُنعش جثة فكرة ماتت في ذهن مارغريت.
انطفأ شيء في آيزابيلا، لكن شيئًا آخر اشتعل.
ذلك الجزء الصغير الذي كان يُحب أن يُرضي، أن يُقنع، أن يتوسّل، تحوّل إلى صمت جليديٍ راقٍ.
صارت تنظر إلى والدتها كما ينظر المرء إلى قصر حجري عظيم، عتيق، جميل من الخارج، لكن بابه موصد منذ قرن.
رغم كل ما قيل، رغم الجدران التي نُصبت بينهما، رغم نبرة مارغريت الباردة، والنظرات التي تزن خطواتهما كما لو كانت خطايا تمشي على قدمين…
كانتا تلتقيان.
ليس علنًا، بل كما يلتقي المطر بخجل فوق شرفات مغلقة لحظات خاطفة، مبللة، ثم تختفي.
في ظلال الممرات الطويلة، خلف الدرج الخشبي العريض، أو بين أروقة الحديقة الخلفية حين تنام العين الرقيبة…
كانتا تسرقان الوقت كما تُسرق الرغبة: بنبض مضغوط، نفسٍ متقطّع، وشفاه تعرف أنها لا تملك غدًا.
القبلات لم تكن عابرة.
كانت مستميتة، لكنها صافية ليست نزوة، ولا تحديًا… بل نجاة.
كأنّ كل قُبلة تقول:
نحن نحب. نحب رغم كل شيء. رغم أن الحب هنا محرَّم، مربك، مرفوض… لكنه حيّ.
وكأنّ أجسادهما، كلما اقتربت، تحاول أن تهمس لبعضها:
أنا أراك. أراك حقًا، في هذا العالم الذي يرفضك.
كانت آيزابيلا، في كل مرة تضع كفّها خلف رأس سندريلا وتقرّبها منها، تشعر كأنها تتنفس للمرة الأولى منذ أيام.
وكانت سندريلا، كلما تلمست أنفاس آيزابيلا على عنقها، تشعر بأن لهذا القلب — المعذّب، الصغير، المعزول — وطنٌ لم يمت بعد.
كانتا تُخرجان ضغطًا لم يجدا له مخرجًا إلا في بعضهما.
والمفارقة؟
أن ما كان يُسمّى "خطأ"، صار بالنسبة لهما أنقى ما في هذه الحياة.
كانت لحظاتهما قصيرة، منزوعة الأمان، مخنوقة الخوف…
لكنها صادقة.
وحين يُحاصر العالم الحب، لا يبقى له سوى الصدق.
لم تتحدثا كثيرًا ليس لأن لا كلام بينهما، بل لأن القرب بينهما كان أبلغ من أي لغة.
كل لمسة كانت مقاومة، كل قُبلة تمرُّد.
لكن لا شيء فيها كان مبتذلاً.
بل رغبة نبيلة، في أن تحب… وتُحب… دون قيد.
لم تكن سندريلا كثيرة الكلام في تلك الأيام.
كلما التقت عينها بعين آيزابيلا، لم تقل شيئًا.
لكن الصمت لم يكن هدوءًا، بل نداءًا متواصلاً لا يحتاج ترجمة.
كانت تقول:
تمردي.
ارفعي رأسك.
قاتلي هذه المرأة كما قاتلتُ الزمن.
آيزابيلا تقرأ ذلك كله من طريقة جلوسها، من انحناءة كتفها الواهن، من العروق التي برزت في عنقها النحيل.
من شحوب بشرتها التي كانت بيضاء ناعمة… وصارت الآن بياض مريض، باهت، يحكي عن ليالٍ طويلة باردة.
سندريلا كانت قد نامت على أرصفة الألم حرفيًا.
على بلاط بوابة القصر الكبير، وهي تنتظر أن تُسمح لها بالدخول — لا إلى المملكة، بل إلى قلب آيزابيلا.
وها هي الآن، أمامها، بصمت مُثقَل بالحرب.
لم تكن تلمسها، لم تكن تطلب شيئًا… لكن جسدها نفسه كان رسالة.
"انظري إليّ،" كان يقول ذلك الجسد النحيل، العاجز عن الاستقامة كما كان.
"أنا هنا، صمدت. حاربت. نمتُ على البرد، بكيتُ وحدي، جعت… لكني لم أتراجع."
وبصمته، كان يهمس:
الآن، خذي السيف.
توقفت آيزابيلا مرارًا أمامها دون أن تجرؤ على النطق.
كأن بينهما لغة أخرى، تتكلمها الوجوه.
لكن سندريلا كانت واضحة، وإن صامتة.
“إلى متى ستنتظرين؟
إلى أن أراك تُنادين بـ "أم فلان"، وتناديني "يا أم فلان"، وكأننا لم نكن؟
إلى أن تذوب كل معاركنا في وعاء ماء بارد اسمه الزواج والواجب؟
بادري… قبل أن يبتلعنا الشتاء.”
وفي قلبها، كانت آيزابيلا تعرف…
أن الصمت، هذه المرة، ليس خيارًا.
وأن السكوت الآن نهاية.
في تلك الحديقة المخبّأة خلف القصر، حيث الشجيرات تسدّ الرؤية جزئياً، وحيث النسيم لا يزال يحتفظ برائحة زهرةٍ ما لم تُقلع بعد…
كانت هناك فتاتان، غارقتان في بعضهما كما يغرق الحالم في نومٍ مسروق.
شفاههما التصقت بهدوء، لا بعجلة الرغبة، بل برغبة البقاء.
قبلة واحدة، طويلة، ثقيلة، كأنها تقول كل ما لم يُقال.
شفاه رطبة، دافئة، مشتاقة، تفرغ حنين أيام متراكمة من الحرمان،
وأصابع خجولة امتدت لتلامس خط الفك، وكأنها تحاول أن تثبت:
أنتِ هنا، لا زلتِ هنا، لم تفرّقي عني رغم العالم.
كادت سندريلا أن تذوب في جسد آيزابيلا
تلتصق بها كما تلتصق ورقة خريف بزجاج نافذة ممطرة.
كانت قد عادت من ساحة حرب: وجهها شاحب، عظام كتفها بارزة، عيناها تحملان عُمرًا إضافيًا…
لكنها كانت تقبّلها كما تُقبل الحياة.
ظنتا أن العربة قد غادرت.
أن الأم رحلت.
فصوت العجلات على الحصى كان واضحًا…
لكن الصوت لم يكن عربة مارغريت.
كانت هناك.
رأت كل شيء.
قامت مارغريت فجأة من وراء شجرة الكاميليا، كأنها انشقت من الأرض.
وجهها كالحجر،
وصوتها حين دوّى في الهواء كأنما انكسر شيءٌ بين الغصون:
"أنــــــتــــما!! هل تظنّان أن هذه المرة ستمرّ؟!"
تشنج الزمن.
كأن العصافير جفلت، والأشجار انعقدت أوراقها، حتى الهواء بدا وكأنه توقف لينصت.
غضب الأم، والامرأة النبيلة، والاسم العائلي الذي شعرت أنه يذوب تحت أقدام فتاتين في حضنٍ ممنوع
كانت نبرتها جريحة كأنها طُعنت، لا من الخارج، بل من داخل فكرتها عن الشرف والسلطة والمكانة.
تقدمت بخطى مشتعلة،
نفضت الهواء بيدها وكأنها تزيح خيطاً خانقاً عن عنقها،
وعروق رقبتها برزت،
ملامحها كانت مخلوطة بالخوف، لا فقط الغضب…
ما الذي ستقوله المدينة؟ ما الذي سيقوله التاس؟ ماذا سيقول الأمير الذي كاد يختارها؟
صرخت ثانية:
"هل تريدان أن أُغلق عليكما غرفة بلا نوافذ إلى أن يهلّ الشتاء؟!
هل تنتظران فضيحة أكبر؟!
أنتم… أنتم لا تستوعبون حجم ما تفعلونه!!"
لكن شيئاً غريباً حدث.
آيزابيلا لم تتحرك.
لم تخفض رأسها كالسابق،
لم تنكمش كوردة ذابلة تحاول الهرب من الضوء.
بل رفعت رأسها.
في عينيها نار… لا وقاحة، بل حقّ ضائع.
كأنها لم تعد ترى والدتها فقط، بل ترى جدارًا فاصلًا بينها وبين كل ما تُحب، وهي مستعدة هذه المرة أن تضرب عليه بعنف.
وبصوتٍ ليس فيه رجاء… بل إعلان، قالت:
"لا صيف ولا شتاء.
هي لي.
ولن تتزوج أحدًا."
جفّت الحديقة.
توقف النسيم، وكأن أوراق الأشجار خافت أن تهمس بشيء.
حتى سندريلا — رغم اللهفة — شعرت بأن جسدها ارتعد.
أن شيئاً تغيّر.
مارغريت لم ترد فوراً.
كانت تنظر في عيني ابنتها، كأنها ترى امرأة لم تولد من رحمها، بل خرجت من فكرة مضادة لها تماماً.
+
امرأة تشبه النار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
17 - ليليان والرقم السري
لم تتحرك مارغريت خطوة بعد كلمات ابنتها،
لكن جسدها كله بدا وكأنه ارتطم بشيء لم يكن مستعدًا له —
كلمات آيزابيلا لم تكن مجرد تمرد…
بل كانت سكينًا نُزِع من غمد الطاعة وغُرِس في قلب السيطرة.
تقدّمت خطوة واحدة،
وحدقت بها مطولاً، وكأنها تحاول أن تعيدها — لا إلى عقلها، بل إلى مكانها.
قالت ببطء، كمن يلفظ حكمًا:
"إن عصيتِ أمري، إن اخترتِ أن تخذلي اسمك، وخطي، ومستقبلك... فأنتِ خارج هذا البيت."
سقطت الجملة ثقيلة،
لكن آيزابيلا لم تذرف دمعة.
لم تتوسل، لم تهتز شفتيها…
بل اكتفت بأن تنظر لأمها، وتسحب نفسًا عميقًا، مؤلمًا، كأنها تنتزع آخر جذور الطفولة من صدرها.
قالت بهدوء يشبه الخيانة للذين لا يفهمون الحب:
"كنت أعتقد أن البيت هو المكان الذي أُحَبّ فيه،
لا المكان الذي يُشترط عليّ من أُحب."
ارتعشت زاوية فم مارغريت —
تلك الاهتزازة التي تسبق الانفجار أو الانهيار، لكنها لملمت نفسها بسرعة،
أدارت وجهها عن ابنتها كأنها لا تريد أن تراها بهذا الشكل الغريب… الجديد…
ثم بصوت مشبع بالقهر، قالت:
"اذهبي معها إذن.
نامي على الأرصفة كما فعلت فتاتك.
فلتأكلك المدينة كما تأكل كل المجانين."
ثم التفتت لسندريلا — التي كانت تقف هناك، مشدوهة، كأن لا جسد لها إلا قلب يرتجف — وقالت:
"أحسنتِ.
كسرتِها كما كُسرتِ أنتِ…
لكن الفرق أنها كانت تملك كل شيء،
وأنتِ جئتِ بلا شيء… والآن، ستسقطان معًا."
ثم مشت.
لا صراخ. لا دموع. لا باب يُغلق.
فقط انسحاب امرأة تعرف أنها فقدت شيئًا…
لكنه لم يكن ابنتها، بل السيطرة عليها.
سكتت الحديقة بعد أن غادرت مارغريت،
وترك صدى خطواتها جرحاً يتنفس بين الأشجار.
وقفت سندريلا في مكانها، لم تتحرك…
كأن الأرض انطوت تحتها، وأعادت تشكيلها ككائنٍ جديد.
كان في صدرها شيء غريب،
أشبه بلذّة النصر… لكنها لذّة متقطعة، متشظية،
كأنها شربت الماء بعد عطشٍ دام أياماً…
ثم أدركت أن الكأس الذي ارتوت منه ليس لها.
نظرت إلى آيزابيلا،
رأتها تقف هناك، ثابتة في وجه العاصفة،
لكن ثمة ارتخاء بسيط في كتفيها…
تعب دفين… خوف لم يُعلن بعد.
اقتربت منها بخطوتين، بطيئتين،
ثم همست، دون أن تلمسها:
"لقد فعلتِها."
آيزابيلا لم ترد.
وجهها بدا وكأن الزمن تجمّد عليه.
شفتاها منغلقتان، لكنها كانت تتنفس من فمها،
كأن الكلمات التي خرجت منها قبل دقائق كانت أثقل مما يحتمله الجسد.
سندريلا شعرت أن هذه ليست لحظة احتضان.
ليست لحظة "شكراً لأنك دافعتِ عني"...
بل لحظة فراغ مرعب،
كأن شيئاً قد انتهى،
لكن لا أحد يعرف ما الذي سيبدأ.
همست ثانية، هذه المرة بحذر:
"آيزابيلا… هل أنتي بخير؟"
التفتت إليها ببطء، وعيناها لم تدمعا،
لكن فيهما بريق هشّ، مثل زجاج مبلّل على وشك الانزلاق.
قالت بهدوء:
"لا أعلم…
أنا فقط… لا أشعر أنني أنا."
سندريلا أرادت أن تضمها،
أن تعطيها شيئاً من دفء القلب الذي ظلّ لأشهر لا ينبض إلا من أجلها…
لكنها شعرت، للمرة الأولى،
أن الحب ليس وحده كافياً.
أن التمرّد حين ينتصر… لا يمنحك راحة، بل يُطلق لعنة الأسئلة.
وقفتا هكذا،
قريبتين جداً،
لكن بينهما مستقبل غير مكتوب،
كجسرٍ من زجاج،
وكل خطوة عليه،
قد تكون الأخيرة.
كانت آيزابيلا لا تزال تحدّق في الفراغ الذي ابتلع والدتها،
لكن الهواء من حولها تغيّر —
أصبح أكثر كثافة، أكثر ثقلاً، كأن شيئاً داخلها قد تهشَّم للتو…
واستحال شظايا صغيرة تنغرس في لحم القلب.
جَزّت على أسنانها،
ليس غضباً… بل تحدياً ممزوجاً بالألم،
كأنها تقاوم عاصفة تنفجر من الداخل.
ثم استدارت ببطء نحو سندريلا،
وصوتها خرج همساً، كأنها تخاف أن يسمعه الزمن نفسه:
"دعينا نخرج من هنا."
كانت الجملة بسيطة،
لكنها لم تكن كذلك.
كانت إعلان حرب،
ضد بيتٍ حمل اسم "العائلة"، لكنه لم يكن يوماً مأوى.
كانت انشقاقاً… لا عن والدتها، بل عن الموروث،
عن الاسم، والجدران، والنسب، وتاريخ من القوالب.
سندريلا حدّقت بها…
وسرت رعشة باردة في أطرافها.
أخيراً…
آيزابيلا التي لم تُبادر يوماً، بادرت.
ولم تُبادر همساً، بل قذفت نفسها في الجمر.
كانت هذه لحظة ولادة جديدة… مؤلمة، محفوفة بالفقد.
لكن خلف تلك الفرحة الخاطفة…
زحف قلق، كثيف، خافت، لكنه واضح كالعتمة.
اقتربت منها، وأمسكت بكفها برفق، وقالت بشيء من التوتر الذي لم تستطع إخفاءه:
"لكن… إلى أين؟
أنا لا أملك بيتاً، ولا مالاً، ولا حتى سقفاً نلجأ إليه هذه الليلة.
نحن فقط… فتاتان، في التاسعة عشرة من العمر،
نقف في العراء، نحمل حُباً جميلاً… لكنه لا يطعمنا الخبز."
آيزابيلا لم تتراجع.
كأن شيئاً ما اشتعل في عروقها…
أدركت أنها إما أن تخطو الآن، أو تُسجن للأبد.
مدّت يدها، كانت ترتجف،
لكنها حملت إصراراً نادراً —
إصرار مَن يعلم أنه يكتب خطيئته بيده… ويبتسم.
نظرت في عيني سندريلا، وفي نظرتها لمعة…
لمعة امرأةٍ لم تعُد تريد النجاة، بل الاختيار.
همست، وصوتها كحد السكين، هشّ وقاطع:
"لدي خطة…
سوف نسرق ذهب والدتي،
ونهرب."
1
لم تكن كلماتها مراهقة…
كانت هاربة من القيود، لا من المسؤولية.
وسندريلا… شعرت أنها تنظر إلى مجنونة،
لكن مجنونة أحبّتها بكل شيء،
وها هي تمد لها يدها… لا تطلب أن تتبَعها، بل أن تهرب معها.
صمتت قليلاً.
شعرت أنها تقف على حدود النار،
وكل ما يلزم لاحتراق العالم…
هو أن تقول: نعم.
أحسّت سندريلا أن أنفاسها لم تعُد تتبع إرادتها.
الحروف علِقت في حلقها كما لو كانت قطع زجاج،
تتحرّك ببطءٍ حادّ… مؤلمة.
هل تقولها؟
هل تقول نعم؟
الوقت لا يتوقف، لكنه بدا كأنه يفرمل خطواته للحظة،
كأن العالم حولها ينتظر هذه الكلمة الصغيرة…
ليفتح على إثرها باباً لا عودة بعده.
نظرت إلى يد آيزابيلا الممدودة نحوها…
ترتجف، لكن لا تتراجع.
مشتعلة، لكن لا تحترق.
تحمل في ارتجافها تصميم من يعرف أنه لا يملك رفاهية النجاة،
فكل ما يريده...
هو أن يُحبّ — ولو مرة واحدة فقط، دون قيد، دون عار، دون قفص.
سندريلا ابتلعت ريقها.
صوت بلل خافت في حنجرة جافة من الخوف.
لكن حينما عبرت في ذهنها صورة زفافٍ ليس لها فيه مكان،
آيزابيلا تتشح بالأبيض، تُسلَّم لآخر…
وهي في أقصى القاعة، تبتسم ابتسامة كاذبة،
تقول "مبارك"، بينما تتشظى في داخلها…
ضغطت يد آيزابيلا فجأة.
لا، لم تضغط… قبضت عليها.
بقوة.
كمن وجد طوق نجاة في عرض غرق داخلي،
كمن يقول:
أنا خائفة،
لكن خوفي من خسارتك… أكبر من خوفي من الضياع.
لم تقل شيئاً.
لكن آيزابيلا شعرت أن “نعم” قيلت بصمت،
بأصابع، وبدمعة معلقة لم تسقط.
وهنا، كأن الزمن التفت قليلاً…
خرج صوت من العتمة، من مكانٍ غير متوقع،
صوتٌ فيه شيء من الجرأة… وشيء من المعرفة القديمة:
"سأساعدكم."
كانت ليليان واقفة هناك،
على درجات الحديقة، قرب سياج اللبلاب،
يداها متشابكتان خلف ظهرها، ونظرتها…
نظرة مَن لم يُدعَ، لكنه كان يراقب من البداية.
وجهها الصغير مشاغب كما اعتادوا،
لكن فيه الآن نضجاً قاسياً،
تقطّر فجأة على ملامح لم تكتمل.
تابعت، بصوتٍ هادئ كأنها تقول نكتة خطيرة:
"أنا أعرف الرقم السرّي لخزنة أمي."
كانت هناك لحظة صامتة…
تفاهم صامت —
كأن الأرواح تعرف بعضها دون أن تتبادل الكلمات.
آيزابيلا حدّقت فيها،
وسندريلا انحنت قليلاً للأمام،
كأنها تلتقط مفاتيح قدرها من يد مفاجئة.
ولأول مرة منذ ولادتهن…
ثلاث فتيات من تحت سقفٍ واحد،
يحملن تمرداً مختلف الشكل… لكن ذو جوهرٍ واحد.
من هناك… من عند عتبة تلك الجملة،
بدأ الليل الحقيقي:
ليلٌ سيحمل في بطنه،
سرقة، خيانة، هروب، وربما حرية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
18 - ثلاثةُ أَشهـرٌ
في الدور الأرضي، كان المكتب ساكنًا كما عهدنه دومًا…
لكن هذه الليلة لم يكن مجرد باب مغلق.
بل بابٌ للهاوية.
ليليان تقدّمت أولًا، دون أن تنظر خلفها.
المفتاح كان في موضعه، تحت البساط الأحمر العتيق عند المدخل.
كما تركته مارغريت دائمًا، واثقة أن لا أحد سيجرؤ على استخدامه.
لكن الليلة… لم يكن فيها مكان للرهبة.
فتحت الباب.
دفعته ببطء، فصدر صرير خافت كأن الغرفة نفسها تتألم من الغدر.
الداخل: بارد، عابق برائحة الورق القديم والجلد المعتّق،
والجدران كأنها تحفظ أسماء من لُعنوا بالصمت.
هواءٌ ثقيل، كأنه لم يُحرّك منذ سنوات.
ليليان مشت إلى الجدار الخشبي خلف المكتب،
عيناها على تلك الزاوية التي تُخفي الخزنة،
كما تحفظ **** سرًا صغيرًا في أحشاء بيت ضخم لا يُؤمن لها بالحماية.
قالت همسًا وهي تمدّ يدها للوحة الخشب:
"أمي تعتقد أن لا أحد يلاحظ."
أزاحت الغطاء.
القرص المعدني كان هناك، ينتظر.
١٧… ٠٢… ٣١.
كليك.
انفتح الباب المعدني الثقيل…
وترنّح قليلًا، كما لو أن أحدًا يفتحه لأول مرة منذ زمن بعيد.
ثلاثتهن تجمّعن أمامه.
آيزابيلا حبست أنفاسها.
سندريلا عضّت شفتها بتوتر.
أما ليليان… فكانت تتأهب كأنها تفتح المستقبل نفسه.
ثم… صمت.
طويل.
صمت كأن الوقت توقف.
الخزنة…
فارغة.
لا مجوهرات.
لا مغلفات مالية.
لا وثائق.
لا جوازات سفر.
لا بطاقات.
لا شيء.
مجرد عتمة باردة، ورائحة معدن جافّ.
قالت سندريلا بصوت مبحوح:
"... هل هي… فارغة؟"
ليليان حدقت داخلها، لا تصدق.
"كانت… كانت هنا. أقسم."
آيزابيلا تراجعت نصف خطوة، وجهها شاحب،
كأنها تلقت صفعة من يد خفية.
"كيف عرفت؟"
همست.
ردت ليليان، وعيناها على الفراغ ذاته الذي طعنها في الصدر:
"كنت أراها تفتحه… رأيت المال بعيني، رأيت المجوهرات… جواز سفركِ… صورنا."
سندريلا وضعت يدها على فمها، كأنها تمنع صرخة.
آيزابيلا أغمضت عينيها،
كأنها تحاول أن لا تنكسر.
لكن الشعور كان واحدًا في القلوب الثلاثة:
مارغريت سبقتهم.
عرفت.
أفرغت الخزنة.
وسدّت الممر الأخير للهرب.
ليليان ضربت جانب الخزنة بقبضتها:
"لا يمكن… لا يمكن أن تكون أفرغتها دون أن تعرف… لا يمكن أن تكون…"
آيزابيلا قالت ببطء، وعيناها فارغتان كداخل الحديد:
"كانت تعرف… دائمًا تعرف."
سكتن جميعًا.
كأن الهواء نفسه أصبح ضيقًا.
كأن الجدران تضحك.
المكتب الذي ظنن أنه المخرج…
تحوّل إلى قفص آخر.
ثم، ببطء، جلست سندريلا على الكرسي الجلدي،
رأسها بين يديها.
"كنا نعتمد على هذا… كنا نظن أنها لحظة الخلاص."
قالت ليليان، بنبرة غضب ممزوج بخيبة:
"كانت خطتي أن نعتمد على أنفسنا، لكن… لا مال، لا هوية، لا شيء. حتى سرقتنا منها… سُرقت منا."
آيزابيلا اقتربت ببطء من الخزنة، وضعت يدها على حافتها المعدنية،
ثم همست:
"إذن… لن تكون بداية سهلة."
…وفجأة، انزلقت ضحكة.
ضحكة خفيفة، رفيعة، مشوبة بسخرية باردة كنسمة هواء في قبر.
التفتن جميعًا.
كانت مارغريت واقفة عند الباب.
جسدها مائل قليلًا وهي تتكئ بكتفها على الإطار الخشبي،
ذراعاها معقودتان على صدرها،
وطرف فمها مائل في ابتسامة لا تُفهم
ليست تهكمًا خالصًا، ولا غيظًا ظاهرًا، بل شيء أكثر خبثًا من ذلك… يقينٌ بالأسبقية.
الضوء من خلفها جعلها تبدو ظلًا لا جسدًا.
كأنها شبح الأم التي لم تكن حنونة يومًا،
تتجسّد الآن كقاضٍ منتصر.
ارتعدت البنات الثلاث.
لم يتحركن، لكن شيئًا في أعماق أجسادهن انكمش فجأة،
كأن قلوبهن تراجعت خطوة للخلف.
ليليان كانت أول من رمشت.
ثم آيزابيلا بلعت ريقها، ببطء.
أما سندريلا… فقد ثبتت عينيها على الأرض، كمن يتفادى عقوبة السماء.
قالت مارغريت، بصوت خافت… لكنه مسموع في الصمت الثقيل:
"كنت أعلم أنكم ستأتين إلى هنا."
رفعت ذقنها قليلًا، نظرت نحو ليليان تحديدًا،
كأنّ كل شيء كان موجهًا لها…
ثم أضافت، بنفس البرود:
"ماذا تفعلين هنا، ليليان؟"
لكن نبرتها لم تكن سؤالًا، بل اتهامًا.
كمن لا يطلب تفسيرًا بل يمنح لحظة اعتراف أخير.
ليليان لم ترد.
وجهها كان شاحبًا،
لكن فمها مشدود كمن يقاتل كي لا يرتجف.
تحركت مارغريت خطوة إلى الداخل،
صوت كعب حذائها على الأرض الرخامية
كأنّه مطرقة قاضٍ في نهاية محكمة خاسرة.
ثم نظرت إلى الخزنة المفتوحة —
الفراغ الذي خلفته بيديها —
وقالت بهدوء مقصود:
"هل كنتِ تظنين أنني لا أراكِ حين تنظرين إلى الخزنة؟
أم تظنين أنني أضع مفاتيحي حيث يشتهي الأطفال أن يعبثوا؟"
نظرت نظرة خاطفة إلى سندريلا، ثم إلى آيزابيلا،
كأنها تحصي كم من الخيانة تراكمت في هذا الليل.
"ظننتن أنكن أذكى؟ أنكن قادرات على سرقة البيت من سيدته؟"
سندريلا كانت على وشك أن تنطق، لكن آيزابيلا تقدّمت خطوة.
شيءٌ في داخلها اشتعل،
رغم الخوف، رغم فشل الخطة،
رغم أنهن الآن عاريات من كل حماية.
قالت بصوت مرتجف، لكنه واضح:
"كنا فقط… نحاول أن نعيش."
ضحكت مارغريت ضحكة قصيرة، قاسية.
"العيش لا يكون بالهروب… بل بالمواجهة."
ثم نظرت إلى ليليان نظرة مطوّلة،
وفيها شيء مختلف… ليس غضبًا فقط، بل خيبة.
"أنتِ، من بينهن جميعًا… أنتِ، يا ليليان.
كنت أظن أنكِ الأكثر وعيًا.
لكن ها أنتِ… تقودين انقلابًا… لصالح من؟"
ردت ليليان أخيرًا، وصوتها مشحون بكهرباء الداخل:
"ليس انقلابًا… بل محاولة تنفّس.
أنتِ من جعلتِ البيت مقبرة.
من وضعَ فينا الخوف بدل الأمومة، والقيد بدل الحضن."
سكتت، ثم أضافت، وعيناها دامعتان:
"لم نعد نريد كنوزك، بل أن نكون أنفسنا، فقط."
هنا…
لم ترد مارغريت مباشرة.
كانت تنظر إليهن،
كأنها ترى شيئًا في وجوههن الثلاثة يتغيّر.
ربما كانت لحظة الانفصال الحقيقي.
لحظة صار فيها الارتباط الدموي أضعف من أي وقت مضى.
تقدّمت نحوهن،
ومع كل خطوة، كان الهواء في الغرفة يبرد أكثر،
كأن الجدران تنكمش على الصمت، وعلى الخيانة.
وحين مرت بجانب الخزنة،
مدّت يدها، وأغلقتها بهدوء…
كليك.
صوت واحد… أنهى كل حلم.
في صمتٍ ثقيل، تقدّمت مارغريت إلى وسط الغرفة،
حركتها ناعمة وواثقة، لا تحمل أثقال العاصفة التي سبقتها…
كأنها معتادة على أن تنهار الجدران من حولها، لكنها تبقى واقفة.
جلست على المقعد الجلدي العتيق أمام المكتب.
وضعت ساقاً فوق ساق، بحركة بطيئة متقنة،
ثم أخرجت من جيب سترتها علبة سجائر نحيلة سوداء بطلاء ذهبي على الحواف،
سحبت واحدة،
أشعلتها بقدّاحة فضية صغيرة،
ثم نفثت أول سحابة دخان…
انطلقت من فمها ومضت ببطء،
كأنها تسبح في الهواء لا تهرب منه،
دوّامات خفيفة، أنيقة،
كأنها رقصة رماد على نغمة غير مسموعة.
عين مارغريت لم تكن على سندريلا،
ولا على ليليان.
كانت تنظر إلى آيزابيلا فقط.
نظرة طويلة، ثابتة، تحمل شيئًا أشبه بالتأمل… أو التقييم.
كأنها، للحظة،
رأت فيها امرأة لا ابنة.
عدوًّا لا فتاتًا.
ثم قالت، بصوت خافت كالنصل وهو يُسحب من غمده:
"دعونا نقوم بتحدٍ."
نظرت إليهن جميعًا، لكن عينيها عادت فورًا إلى آيزابيلا،
كأن التحدي وُلد لأجلها فقط.
"تُردن الهرب؟ ممتاز.
لكن قبل أن تخرجن وتكتبن نهايتكن في الأزقّة،
دعوني أفتح أمامكن باباً لا يتكرر."
سحبت نفَساً طويلاً من سيجارتها،
ثم نَفَثَته ببطء، وعيناها لا تزال مثبتة على آيزابيلا.
"أعرض عليكن اتفاقًا."
سكتت لحظة، ثم قالت:
"اجلسن. اسمعن.
ثم قررن من تريد أن تخرج، ومن تريد أن تبقى، اما ليليان انتِ خارج النقاس ايتها الطفلة المتمرة،ابقِ واقفة ان جلستِ سأكسرُ ساقيكِ."
ترددت سندريلا، لكن آيزابيلا جلست أولاً.
ببطء، كتفيها متوترتان، وعينيها مشدودتان إلى ذلك الوجه الذي تعرفه منذ الطفولة…
لكن الآن، ترى فيه شيئًا جديدًا.
ثم جلست سندريلا، آخر من قاوم، آخر من استسلم.
مارغريت مالت قليلاً إلى الأمام،
أسندت مرفقها على ساقها المعقودة،
وقالت، بنبرة تُخفي ابتسامة صغيرة:
"سوف أطرح عرضًا واحدًا.
فرصة أخيرة لتخرجن من دوريّ الضحية، لتصبحن ما تستحقن… حسب رأيي."
أما ليليان، فبقيت في الخلف، واقفة… لا تجلس.
تأخذ موقف الحدّ الفاصل.
هي هنا، نعم.
لكنها لا تهرب.
هي تُشعل الطريق لغيرها، لا تسلكه.
آيزابيلا شدّت ظهرها،
كانت يدها على ركبتيها، تهتز بخفة.
ثم رفعت عينيها، للمرة الأولى،
ونظرت مباشرة في وجه مارغريت.
لم تكن تلك نظرة تحدٍ صارخ،
ولا خضوع ناعم،
مارغريت جلست أمامهن كما تجلس سيدة مجلس على عرش حقيقي،
ظهرها مستقيم،
وساقها اليمنى تعبر فوق اليسرى برشاقة امرأة تعرف قوتها جيدًا،
تمسك سيجارتها الرفيعة بين إصبعيها،
ثم، بهدوء قاتل، نفثت سحابة دخان بيضاء —
انزلقت في الهواء كوشاح أشباح.
لكنها لم تنظر لهن جميعًا.
كانت عيناها… فقط على آيزابيلا.
كأن سندريلا وليليان قد تبخرن،
كأن العالم ضاق إلى حدّ لا يتّسع إلا لوجه ابنتها المتمرّدة.
"سأعطيكن مصروف شهر واحد."
قالتها مارغريت أخيرًا، وصوتها ناعم، ساكن، لكنه يضغط على الأعصاب كما تضغط الكف على الزجاج لتكسره دون صوت.
"لا أكثر.
تغادرن غدًا إلى المدينة المجاورة..."
صمتت للحظة، وكأنها تختار الاسم بنفس الدقة التي تختار بها سكين مطبخ.
"...نوفاليس."
اسم مدينة كأن لا وجود له،
لكن في لسان مارغريت، صار واقعًا.
"تسكنّ هناك، بلا مساعدة، بلا خدم، بلا قصر.
ثلاثة أشهر، إن نَجَيتُن…
إن وجدتن عملًا،
طعامًا،
كرامة،
و... حباً لا يُبكى عليه،
فعندها،
باسم عائلتي،
لكم مباركتي أن تعيشن كما تشأن.
لا هرب، لا فوضى، لا فضيحة."
ثم أمالت جسدها قليلاً للأمام،
عيناها لا تزالان تحدقان في آيزابيلا كمن يوقّع عقدًا غير مرئيّ على جلدها:
"أريد أن أرى ذلك الحب،
الذي ظننتهُ يستحق التمرّد،
يستحق الخيانة،
يستحق أن تسقطي من قلبي بسببه.
أريد أن أراه،
لا أن أسمعه."
نظرت بعدها إلى سندريلا،
نظرة قصيرة، لكنها مشبعة بكل شيء لم تقله لها من قبل،
كأنها تقول:
أريد أن أرى، إن كنتِ حبًا… أو مجرد وهم.
ثم… ابتسمت، بخفوت،
نفثت آخر دوامة دخان في الهواء،
وقالت:
"إن استسلمتن... فمرحب بكن هُنا،
مرةً اخرى...
ساعتبرها فترة طيش شباب "
ونهضت.
لم يكن قيامها مجرد حركة جسد،
بل إسدال ستارة على مشهد ثقيل —
نصفه اختبار، ونصفه تهديد.
ثم سارت نحو الباب،
بخطى هادئة، بطيئة،
وقبل أن تختفي خلف الإطار الخشبي،
وحين انتهى حديثها مع آيزابيلا وسندريلا،
وحين بدا أن كل شيء قد وُضع على الطاولة من العرض، إلى التحدي، إلى المصير المؤجل
استدارت مارغريت صوب الباب، لكن...
قبل أن تمسّ أصابعها المقبض، توقفت.
بهدوء يُشبِه رائحة الرماد بعد اشتعال طويل.
نظرت فوق كتفها.
لم تكن تنظر للجميع، بل لشخصٍ واحد فقط.
ليليان.
قالت، بنبرة خافتة… لا غضب فيها، ولا لوم صريح، لكنّها نغمة تعرف كيف تثقل قلبًا يعرف الذنب:
"أما أنتِ..."
تلك الوقفة جعلت كل شيء يتجمّد.
"فحسابك أعسر منهن كلتيهما."
سارت نحوها بخطى هادئة.
لا حذاء يقرع، لا صوت حاد،
فقط خطوات امرأة تقول كل شيء بصمتها.
"لأنكِ لستِ مراهقة مسحورة بكلمة حب.
ولا تائهة تتخبط بين قلبها وبيتها.
أنتِ... ابنتي. التي تعرفني."
توقفت أمامها.
نظرت إليها طويلاً، ليس كعدو، بل كأم رأت في ابنتها ذكاءها وانقلاب هذا الذكاء عليها.
"كنتِ الأذكى بينهن.
ولذلك جرحي منكِ مختلف."
اقتربت ببطء، رفعت يدها،
وللحظة، حسبت ليليان أن ضربة ستأتي…
لكنها لم تفعل.
بل، بنعومة مباغتة،
مررت أصابعها فوق كتفها، لمسة عابرة،
تشبه الوداع لا اللوم.
"ربما، يومًا ما… ستفهمين.
أن هناك حبًا… لا يمكنه أن يُقال،
ولا أن يُقبل."
ثم ابتعدت.
وقبل أن تخرج من الغرفة، قالت، بصوت عاد إلى حياده الكامل، كأن كل شيء انتهى:
"نامي الليلة جيدًا، ليليان.
لا أحد ينام بعمق بعد أن يختار."
ثم غادرت.
بهذا الهدوء… وبهذه الهيبة.
تركت الباب نصف مفتوح،
كما لو أنها تقول:
"القرار لم يُقفل… لكنه لم يعد بيدي."
وأغلقت الباب،
كمن يغلق قفصًا،
أو… يفتحه من الجهة الأخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
19 - كلا هذا لمُباركة حُبنا يا أُمي
مضت الليلة ببطءٍ خانق، كأن الزمن نفسه كان يزحف على أطرافه، يتعثر بأنفاسه. الهواء كان ساكنًا حدّ الوجل، يتردّد في الدوران كأن العالم يحبس أنفاسه في انتظار شيء لا يُسمّى.
الغيوم تكدّست في السماء كأسرارٍ لم تُقال بعد، رمادية، متشابكة، متشبثة بحواف الليل، ترفض الانسحاب. كانت خائفة من الضوء، كما يخاف الجاني من أولى خيوط الاعتراف. كأن الشمس ليست إشراقًا، بل محاكمة.
على الأفق، كان الفجر يتلوّى في ظهوره، لا يقوى على الشروق الكامل، يتسلل عبر الشقوق الضيقة بين السحاب، كمن يتلصص على مسرح لا يريد أن يكون أحد أبطاله.
وفي الأسفل، كانت المدينة ساكنة على غير عادتها. النوافذ مغلقة، الأرصفة خالية إلا من صدى الخطى المجهولة، والعصافير تلوذ بصمت الأغصان، لا تغريد ولا نشيد.
أما سندريلا، فلم تذق للراحة طعمًا تلك الليلة. عيناها بقيتا مفتوحتين على آخرهما، لا من أرقٍ عابر، بل من قلقٍ يسكن القلب ويمنع الجفون من الاستسلام.
كانت تحدّق في الأفق البعيد، حيث الغيوم تتراكم بخجل، ترفض التنحي، كأنها تحميها من شمسٍ تخشى مواجهتها، لكنها تنتظرها في الوقت ذاته.
لم تكن خائفة فحسب، كانت يقظةً، مشتعلة الداخل.
الخوف لا يُربكها، بل يشحذ انتباهها. كانت تعرف أنها تقف على حافة قرارٍ مصيري، وإن بدت المرتبكة، فإن ارتباكها ليس ضعفًا... بل صراع بين أن تنجو أو تُحب.
لم تكن تريد التراجع. لم تكن تريد أن ترضخ، أن تنحني كما اعتادت أن تفعل من قبل، حين كانت تُجبر على إخفاء نفسها خلف صمتٍ طويل. الآن، كانت ترى الحب كحرب... حرب لا يليق بها أن تُهزم فيها دون أن تحاول.
لا تريد أن تعود إلى نفسها يومًا وتقول، "يا ليتني قاتلت" او " ما الحب إلا قتالٌ نبيل، فلمَ ألقيت سيفي قبل أن تُقرع طبول الحرب؟"
ذاك السيف، الذي حملته بكل ما بقي من شجاعة، لم يكن انتقامًا... بل دفاعًا عن قلبٍ قرّر أخيرًا أن لا يُسحق بصمت
أما آيزابيلا، فقد اختارت النوم.
ليس لأنها غافلة عن الغد، ولا لأن الأفكار لم تنهش ذهنها طويلاً قبل أن تغمض عينيها... بل لأنها فكّرت كثيرًا، واستنزفت من الحذر ما يكفي لليلة كاملة. ثم قررت أن تنام، لا هروبًا، بل استعدادًا. كانت تدرك أن الغد لا يرحم المتعبين، وأن عليها أن تكون بكامل رزانتها، ثابتة، صافية، قوية.
كانت تعلم أن والدتها لن تدّخر وسيلة، لن تترك فيها ذرة حيلة إلا وتُقلبها عليها، كمن يحاصر خصمه في ساحة بلا مفر. لذلك، لم يكن النوم استراحة... بل تعبئة.
كانت تجمع قواها كما تُجمع الجنود قبل المعركة، تحشو عقلها بالهدوء، وقلبها بالصبر، كأنها تبني داخلاً محصّنًا لا تنفذ إليه السهام.
كانت تعرف أن من تقف أمامها ليست خصمًا عاديًا، بل أمٌ تعرفها من الداخل، تحفظ خلجاتها، وتقرأ صمتها كما تُقرأ صفحة مفتوحة.
لذلك، لم يكن في نيتها التراجع، بل فقط أن تتهيأ، أن تُمسك زمام نفسها، أن تبني جدارًا لا يُهدم بسهولة.
لم تكن تحمي نفسها، كانت تحمي شيئًا أرقى من الكبرياء... كانت تحمي حبها.
ذاك الحب الذي تعرف تمامًا أنه سيُواجه القمع، الإنكار، وربما الشتات، لكنها عازمة على الدفاع لا مجال للضعف، لا مكان للتردد.
الغد معركة، والنوم كان درعها الأول.
—————
جلستا أمام مارغريت، والدة آيزابيلا.
سندريلا تضمّ كفّيها إلى صدرها، كمن يعانق نفسه في لحظة عزلٍ داخلي، كمن يبحث عن دفء صغير يقيه ارتجاف هذا الموقف.
كانت تنكمش على ذاتها بهدوء، لا هربًا، بل لترميم شيء هشّ في أعماقها، كأنها تهمس لنفسها: "تماسكي."
أما آيزابيلا، فجلست كما تجلس والدتها تمامًا ولكن ليس تقليدًا، بل تحديًا. ساقٌ على ساق، وظهر مستقيم، ورأس مرفوع كأن النحت قد تم بهذا الشكل، لا يسمح بالانحناء إلا إن تهشّم الحجر وتحول إلى غبار.
مارغريت جلست وساقاها متقاطعتان نحو اليمين، بينما آيزابيلا قاطعت ساقيها نحو الشمال.
كانت الجلسة وحدها كافية لتبدأ الحرب دون كلمة.
فمنذ اللحظة الأولى، تشكّلت على المسرح علامات الانقسام.
لغة الجسد كانت فصيحة أكثر من أي حوار، كأن آيزابيلا تقول بصمتٍ جريء: "أنا هنا، لا على قواعدك... بل على أرضٍ صنعتها لنفسي."
ذلك التمرد لم يكن صاخبًا، بل متقنًا، أنيقًا، يشبه الابتسامة التي تسبق الصفعة.
مارغريت، بجلالها المعتاد، لم تغيّر جلستها، لكنها رأت... فهمت... شعرت بانزلاق خفيف في قبضة السيطرة.
أما سندريلا، فظلت صامتة، كأنها تراقب رقعة شطرنج صامتة بين ملكتين، تعلم أن كلمة واحدة قد تكسر كل البيادق
ارتفعت زوايا شفتي مارغريت بابتسامة جانبية، تلك التي اعتادتها آيزابيلا جيدًا... الابتسامة التي لا تظهر إلا حين لا يروق لها الأمر، لكنه يسلّيها بطريقة ما، كمن يرى شيئًا يجب سحقه، لكن بعد تأمل ممتع.
قالت بصوتٍ منخفضٍ فيه قسوة مغلّفة بالسخرية،
"اسمعي، أيتها المراهقة..."
قهقهت قهقة قصيرة، بلا فرح، ومدّت يدها بسلاسة باردة نحو الطاولة، وضعت عليها ظرفًا أبيض سميكًا، برفقته جوازا السفر وبطاقات الهوية الخاصة بآيزابيلا وسندريلا.
كل شيء كان منظمًا، مرتبًا، كأنها خططت للطرد بدقة فنية.
"هذا هو لقبك، الذي نلتِه في تلك الليلة، حين قررتِ أن تعبثي بخزنتي."
نظرت إلى آيزابيلا بنظرة ضيقة، لا تحتمل تأويلًا.
ثم دفعت الظرف قليلًا إلى الأمام بأطراف أصابعها، كمن يقدّم صدقة.
"فيه مال يكفي لشهرٍ ونصف... بل أكثر حتى. إيجار، طعام، مواصلات، ومصروف جيب."
سكتت لحظة، ثم تنهدت ببطء، وأشعلت سيجارة كمن يستعد لإطلاق سطرٍ قاتل.
نفثت الدخان في الهواء بطريقة بطيئة ومدروسة، وقالت بابتسامة لاذعة:
"عليكما الآن أن تعملا، إن كنتما تملكان من الكفاءة ما يكفي. اجعلاه يكفي لثلاثة أشهر. شهران مدفوعان، أما الثالث... فعليكما أن تنتزِعاه بكدّكما."
ثم مالت قليلًا للأمام، نظراتها بين السخرية والتحدي،
"أرِيانني هذا الحب، الذي كنتما على استعداد لحرق كل شيء من أجله، والهرب به. أرِيانني... كيف ينجو الحب حين تخرجانه إلى العالم بلا حماية، بلا إرث، بلا إذن."
ابتسمت آيزابيلا... ابتسامة تشبه ابتسامة مارغريت حدّ التطابق.
فكما تعرفها أمها، تعرفها هي.
ربّتها بيدها، سكبت ملامحها في وجهها، ومنحتها تلك الابتسامة الدقيقة التي لا تخطئها عين: ابتسامة لا تُعبّر عن رضا، بل عن سخطٍ مُسجّى بالأناقة. سخط ناعم، يُمرَّر بابتسامة، ثم يُستكمل بالهدم.
رفعت آيزابيلا حاجبها قليلًا، وقالت بهدوء فيه نبرة من الثقة الباردة:
"سنريكِ... بل سنؤكد لكِ بالبرهان.
لن نكتفي بجعل هذا المال يكفي لثلاثة أشهر،
ربما سنرميه جانبًا، ونعمل بكدّنا لنكسب تلك الأشهر بأنفسنا."
ثم التقطت الظرف من على الطاولة دون انفعال، كأنها تلتقط شيئًا لا يخصّها تمامًا، ووضعته بهدوء في جيب معطفها.
أضافت بابتسامة شبه شامتة، بنبرة ملساء لا تخلو من الذكاء:
"لكنّي سأعتبره... مباركتك لنا.
مباركتك لحبّنا."
تفجّرت عروق الغضب في جبين مارغريت، كما لو أن الدم اندفع فجأة ليطالب بالثأر من تمردٍ لم تتوقعه بهذا الذكاء.
كادت أن تعض على سيجارتها من شدة الغيظ، أسنانها انطبقت عليها بقوة، حتى بدا وكأن السيجارة ستنطفي لا بالدخان، بل بالغضب المحترق في أعماقها.
لكنها ضحكت—ذلك الضحك الذي لا يحمل فرحًا، بل يشبه صوتًا معدنياً يصدر عن آلة بدأت بالاهتزاز.
ضحكت وقالت بصوت متهكم، ينزّ سماجًا:
"نعم... اعتبريه مباركة.
يبدو ذلك جميلًا... في قاموس المراهقين."
شدّدت على الكلمة الأخيرة كمن يلقي سخريةً مدروسة، طعنة مقصودة، تعلم تمامًا أي وترٍ تضرب به."
ابتلعت سندريلا ريقها بصعوبة، كأن الغصة تهبط مباشرة إلى بطنها، ثقيلة، باردة،
شعرت بالتوتر يتسلّل من أطرافها، ينكمش في أحشائها، كحجرٍ صغير في معدة خاوية.
المشهد أمامها كان يحتدم.
الكلمات تُلقى كالرصاص، الابتسامات تحمل سُمًّا، والغرفة تضيق أكثر مع كل ثانية.
لم تعُد تتحمّل هذا اللهيب المشتعل بين آيزابيلا ووالدتها.
مدّت يدها بهدوء وسحبت طرف كمّ آيزابيلا، لم تنظر في عينيها، فقط همست بصوتٍ خافت، هشّ، كأنها تخشى أن يكسر الهمس الصمت المتوتّر:
"دعينا... نحزم أغراضنا."
كانت كلماتها بسيطة، لكنها حملت ما يكفي من الرجاء، والرغبة في الفرار لا من الحب، بل من هذه المعركة التي تذكّرها بكل شيء كانت تهرب منه: العنف الخفي، القسوة التي تُغلف بالعائلة، والجدران التي تبتلع أنفاس من يسكنها
——————————
تعاونتا في حزم الأغراض.
رغم أن معظم الحقائب كانت مجهّزة مسبقًا، إلا أن شيئًا ما بقي ناقصًا من الليلة الماضية، تلك الليلة التي شهدت أول محاولة للهرب… محاولة كانت على عجل، مليئة بالارتباك، مسروقة من الزمن.
أما الآن، فكان الحزم يتم بهدوء.
لا عجلة. لا همس.
فكل شيء بات مكشوفًا، لا حاجة للخوف من صوت الدولاب، ولا من خشخشة الأقمشة.
بدأتا أولًا في غرفة آيزابيلا، وكانت الجدران شاهدة صامتة على وداعٍ لطالما خُطط له في الخيال، لكنه الآن يتحقق.
انضمّت إليهن ليليان، بوجهها الهادئ، وابتسامتها التي تشبه النسيم.
لم تكن غاضبة، ولا حزينة.
بل بدت وكأنها سعيدة... لهن.
كأنها تفهم، دون أن تسأل، وتشجع دون أن تقول.
جوّها كان مختلفًا عن بقية المنزل لا يحمل صرامة مارغريت، ولا قسوة الأنظمة المفروضة على العائلة.
كأنها غريبة في هذا البيت، رغم دمها، كأنها زرعت في تربة مختلفة، فخرجت منها زهرة لا تشبه الأشجار العالية التي تظلل هذا المكان بالقوانين واللوائح.
ساعدتهما بصمتٍ لطيف، تمرّر الملابس، تطوي الأوراق، ترتّب الصناديق الصغيرة دون أن تعبث بالمحتويات.
كانت تعرف حدودها، لكن قلبها ممتدّ.
وكان في كل حركة من حركاتها دعم غير منطوق، وفي ابتسامتها مواساة، وفي عينيها وعد:
“سأبقى هنا... لكني أفهمكما. وأحبكما.”
انتهتا من ترتيب غرفة آيزابيلا، ثم انتقلتا بصمت إلى غرفة سندريلا.
في أقل من ساعتين، كانت الحقائب قد أُغلقت، وانتهى كل شيء.
لا ضجيج، لا فوضى، ولا دموع.
كأنهما كانتا تُغلقان فصلاً، لا خزانة.
يضعان الأشياء في أماكنها، كما تضع الذاكرة صورها الأخيرة قبل أن تُطفأ الأنوار.
كان التنسيق بينهما دقيقًا، بلا كلمات كثيرة، كأن الحُب منحَهما لغة أخرى، يفهمان بها الإيماءة، والنظرة، وتلك اللمسة الخفيفة على غطاءٍ طُوي بعناية.
سندريلا رتّبت آخر قطعة، نظرت إلى الغرفة للحظة... لم يكن فيها الكثير، لكن كل ما فيها حمل ثقلًا عاطفيًا.
مرآة صغيرة، كتاب، وشالٌ أزرق كانت تضعه على كتفيها كلما شعرت بالبرد.
هذه الأشياء لا تُغادر بسهولة، لكنها أيضًا لا تعيق من يريد الرحيل حقًا.
آيزابيلا أغلقت السحاب الأخير في الحقيبة الكبيرة، ثم نظرت إلى سندريلا،
لم تبتسم، لكنها أيضاً لم تحزن.
لقد تحوّل التوتر إلى تصميم، والاضطراب إلى وضوح.
في ساعتين، فقط ساعتين...
انهارت حياة، وبدأت أخرى.
كانت الشمس تتسلّق السماء ببطء، كأنها تشهد على مشهد وداع لا يُشبه غيره.
في باحة المنزل، وقفت عربة تجرّها أحصنة سوداء، تلمع حوافرها تحت الضوء الصباحي، وصوت أنفاسها يملأ الهواء بخفةٍ حاسمة، كأنها تشعر أنها على وشك حمل من هربن من قدرٍ لا يشبههن.
سندريلا وآيزابيلا وقفتا هناك، بجانب حقائبهما المرتبة بعناية، أنفاسهما متقطعة، لا من الركض… بل من كل ما تركوه خلفهما، وكل ما لا يُقال.
من الباب، ظهرت مارغريت.
نظرت إليهما نظرة طويلة، دون أن تقترب، دون أن تحرّك ساكنًا.
عيناها جامدتان، كأنها ترى غريبتين، لا بنتها وعشيقتها.
لم تنطق بكلمة… فقط أدارَت ظهرها، ودخلت إلى المنزل،
كما تفعل الجدران حين تُغلق أبوابها في وجه المطر.
كانت كمن يعرف النهاية، ستعودان تجران الخيبة خلفهما
لم تحاول أيٌّ منهن مناداة مارغريت…
لأنهن كنّ يعرفن: هذا أقصى ما تستطيع تقديمه،
وهذا كل ما تبقّى من حنانها... ظهرٌ مُدار.
قبل أن تصعدا إلى العربة، ظهرت ليليان، تمشي بخفّة كأنها لا تنتمي لهذه الأرض.
اقتربت من آيزابيلا وضمّتها للحظة،
ثم ابتسمت ابتسامةً مترددة، كمن يريد أن يقول كل شيء ولا يملك الكلمات.
قبل أن تنسحب، دست شيئًا في جيب معطف آيزابيلا، بسرعة، وبعزم لا يُردّ.
رفعت إصبعها أمام فمها كمن يطلب الصمت، ثم قالت هامسة:
"عيشي… لأجلكم، لا تلتفتي."
آيزابيلا لم تحتج أن تفتح الظرف… كانت تعرف.
مبلغ يكفي لشهر إضافي،
لكن قيمته أكبر بكثير…
كان إيمانًا، ودعمًا، وحنانًا لا يزال موجودًا، ولو في الظل.
صعدتا إلى العربة، وجلسَت كلٌّ منهما بجوار الأخرى.
أمسكت سندريلا يد آيزابيلا، ومالت برأسها على كتفها.
دون دموع،
دون كلمات وداع،
فما من شيء يصلح للقول بعد أن تقرّر المغادرة.
انطلقت العربة.
وصوت الحوافر على الأرض كان يشبه دقات قلب جديد…
بدأ لتوّه… ينبض.
هدأت العربة شيئًا فشيئًا مع اقترابها من محطة القطارات، وكأن حتى الخيول كانت تعرف أن الرحلة ستتبدّل، وأن عالماً جديداً ينتظر من سكة الحديد لا من الطريق الترابي.
محطة القطار بدت قديمة، تئنّ تحت وطأة الزمن، لكنها لا تزال قائمة، تقف هناك مثل عجوزٍ صامتة شهدت آلاف الوداعات واللقاءات، وآلاف القلوب التي حملتها العربات إلى مصائر لم تكن تتخيلها.
ترجّلتا من العربة ببطء،
كأن الخطوة على الأرض الجديدة لا تزال غريبة على أقدام تعوّدت السير على البلاط البارد للمنزل القديم.
آيزابيلا دفعت الأجرة، وسندريلا نظرت حولها بقلق الطفلة التي غادرت حكايتها ولم تدخل بعد في الحكاية التالية.
كان في المحطة قطارٌ ينتظر، بخاره يتصاعد كأنفاس كائن حديديّ يستعدّ لابتلاع الزمن والمسافات.
وفي مقدمة القطار، لافتة صغيرة من الخشب كتب عليها بخطّ يدويّ:
"نوفاليس."
أرض جديدة… مدينة تحمل اسماً لم تنطقه أيّ منهما من قبل بصوتٍ عالٍ، لكنه بدا الآن وكأنه مفتاح صغير لباب الحرية.
دون أن يتبادلا الحديث، اتجهتا نحو القطار.
أحد عمّال المحطة ساعد في تحميل الحقائب إلى العربة الأخيرة،
ثم أشار بيده وقال بلهجة رتيبة تعب منها التكرار:
"ينطلق بعد خمس دقائق."
جلسَت سندريلا قرب النافذة، نظرت إلى سكة الحديد التي تمتدّ كخيطٍ فضيّ لا نهاية له.
جلست آيزابيلا إلى جوارها، وفتحت الظرف الذي دسّته ليليان في جيبها.
ابتسمت.
كان هناك المال،
لكن أيضًا ورقة صغيرة، مطويّة، كتب عليها بخط ليليان المائل:
"لا تعودي... إلا حين تثبتِ لأمي انك لستِ مُراهقة، بل مجرد فتاة حُرة لن تنتظر الشتاء لُتُكبَل بالزواج"
بدأ القطار يهتزّ.
تحرك ببطءٍ أولاً، ثم تسارع…
وأصبح العالم خلفهنّ شيئًا يتراجع في المرآة…
منزلًا، ثم نافذة، ثم لا شيء.
كانت نوفاليس أمامهن،
وحياتهن السابقة… أصبحت مجرد محطة مضت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
20
انتعش وجه الشاب بابتسامة خجولة، كمن وجد ضالته وسط عتمة الطريق:
" آه، كيف لم أر ذلك؟ شكرًا... أنقذتما موقفي."
ضحكته الخفيفة كانت نسمة صيف عابرة، مرت عبر المكان وأشعلت لحظة من الأمل.
ثم، كطفلٍ بريءٍ ظهر من بين الظلال، خرجت فتاة صغيرة ترتدي فستانًا ورديًا ذي ذيل متسخ، وحاملة دمية مهترئة، اصطدمت بآيزابيلا برقة، همست بعذوبة:
" آسفة..."
ركضت بسرعة، خفيفة كفراشة تطير بين السلالم، تختفي في زحام المدينة المتعب.
كانت تلك الدفعة العابرة، الفوضى الطفولية، لم تدرِ آيزابيلا حينها أنها ستصبح علامة فاصلة.
استدارت لتراقب الطفلة، لكن الشاب اختفى بين الحشود، ملوحًا بيده مودعًا:
" شكراً مجددًا! "
واستمرا السير، لكن فجأة، شعرت آيزابيلا بفراغ في خاصرتها حيث حقيبتها، حاولت استجماع نفسها، لكنها لم تجدها.
وقفت في مكانها، نظرت إلى الأرض، وقلبها ينبض بعنف، محاولة إيقاف هروب الأمل.
همست بصوت مكسور:
"سندريلا..."
ردت سندريلا، يعلو صوت القلق:
" نعم؟ "
"الحقيبة...
اختفت"
1
حلّ صمتٌ قاتل، وارتسمت ظلال من الخوف على وجهيهما، كأن الزمن توقف عن الدوران.
نظرتا معًا نحو السلالم، نحو الفراغ الذي تركته الطفلة، الشاب، والدمية، والحقيبة.
ابتلعت آيزابيلا ريقها بصعوبة، والواقع الجديد ينهش أحشاءها بلا رحمة. الآن، وقفتا هناك، عاريتان من كل شيء، دون هوية، بلا مال، وبدون ورقة حجز الفندق التي كانت تمثل وعدًا بالحياة. كل ما بقي في يديهما حقائب قماشية بسيطة، تحمل بداخلها بقايا من حياة سابقة: ملابس متشابكة، وأشياء شخصية متفرقة، كأنها أشباح الماضي التي لم تُدفن بعد.
خلخلت سندريلا شعرها الداكن، عادت به إلى الخلف بعنف هادئ، كمن يحاول أن يحرر رأسه من محيط غارق فيه، من بحرٍ هائج ابتلعهما معًا في لحظة واحدة. عينيها تشتعلان بوميض من الذهول والصدمة، تعبيرها صدى داخلي لاحتراق كل الأمان.
همست، كأنها تخاطب نفسها والكون:
"يا للهول..."
تنظر سندريلا يمينًا ويسارًا، عينيها تتوهجان بقلق، تحاول أن تمسح وجوه المارين، تتحسس الزحام الذي يلتهم كل شيء، تبحث عن الشاب بعيونه الزيتية، عن الطفلة الصغيرة ذات الفستان الوردي الذي لمعت فيه أطراف الأتربة. لكن محطة القطار كانت أشبه بساحة معركة منسوبة للزمن، حيث آلاف الأرواح تتقاطر كأنها تيار لا ينقطع؛ نساء يجرّين حقائب ثقيلة، رجال يندفعون إلى وجهات مجهولة، ***** يصرخون، أصوات الأقدام تتداخل مع نداءات الباعة.
كل شيء هنا كان متحركًا، لا يتوقف، لا ينتظر، ووسط هذا البحر البشري الهائج، ضاعت أحلامهما، ضاع أثر ذلك الزوج من القلوب التي سرقت جزءًا من حياتهما.
أدارت سندريلا رأسها ببطء، نظراتها تخترق جدران المحطة الباردة، تلهث في بحثها عن بصيص أمل، ولكن عبثًا. لم يكن هناك سوى وجوه غريبة، خطوات لا تعود، وغياب يكبر كظلال تتسلل إلى أعماقهما.
لم تكد آيزابيلا تحبس دموعها، لكن سندريلا أمسكت يدها بقوة، همست بصوت مفعم بالحزم:
" لا يمكننا أن نبقى هكذا... لن نستسلم."
انطلقتا معًا، يداً بيد، في اتجاه مركز الشرطة المتهالك الواقع عند زاوية المحطة، حيث رفعت لافتة قديمة كتب عليها: "مكتب الشرطة – الطوارئ".
بدا المكان كأنه من بقايا زمن آخر، جدرانه متآكلة والدهانات متقشرة
دخلتا مركز الشرطة، حيث استقبلهما رجل شرطي في أوائل الخمسينيات من عمره، وجهه يحمل أثقال سنوات من الروتين والرتابة، وعيناه تحملان بريقًا باهتًا كأنه يكرر الكلمات بلا روح، كآلة مبرمجة.
رفع رأسه ببطء، وقال بصوت جافٍ:
" أهلاً وسهلاً، كيف أستطيع مساعدتكما؟"
آيزابيلا حاولت أن تتحكم في ارتجاف يديها، وصوتها كان يخرج بصعوبة من بين شفتيها المرتعشتين، تملأها رهبة وخوف يختلطان بالغضب:
" أريد أن أقدم بلاغ سرقة."
وقف الشرطي ينظر إليهما بلا مبالاة، وأجاب ببرود:
"حسنًا... نحتاج أولاً إلى هوياتكن الشخصية."
ابتلعت آيزابيلا ريقها بصعوبة، وصوتها يتكسر كدمعة تسقط في صمت:
" هذا هو الأمر بالضبط... سرقوا حقيبتي، وكل ما بداخلها، حتى هويتي."
توقف الشرطي قليلاً، ثم تمتم بتلك النبرة التي تخلو من أي تعاطف:
"لا يمكننا قبول أي بلاغ بدون هوية شخصية... هل أنتما قاصرتان؟"
كانت تلك الكلمات كطعنة في القلب، لكن سندريلا رفعت رأسها بثبات، وعيناها تشعان بوميض التحدي:
" لمن نذهب إذًا للشكوى؟
لقد سرقوا كل شيء، ونحن لسنا قاصرات.
عمر كل منا ثمانية عشر عامًا."
همهمة الشرطي كانت كغيمة ثقيلة تمر في صمت، يلوكها كمن يحاول تذوق فكرة لم تنضج بعد.
ثم اعتدل في جلسته ببطء، كأن ثقل العالم استقر فجأة فوق كتفيه. نظراته أصبحت أكثر جدية، وصوته عندما نطق كسر الصمت كما تكسر قطرة ماء مرآة راكدة.
رفع القلم بيده اليمنى، لا ليكتب، بل كمن يشير إلى بوابة خفية خلف الجدران:
"سأخبركم إلى أين تذهبان...
هناك مكان، ربما يساعدكما."
توقفت كلتا الفتاتين عن الحركة.
كأن جدارًا من السكون نبت فجأة بينهن وبين باقي الغرفة.
كانتا تصغيان، ليس فقط بالكلمات، بل بالأنفاس والتوجس.
عيونهما الواسعتان امتلأتا بالترقّب.
الشرطي سكت قليلًا.
أخرج ورقة بيضاء من درج مكتبه، وناولها لآيزابيلا مع قلم أزرق بالكاد ينزف حبرًا.
"اكتبي العنوان جيدًا... لا مجال للخطأ."
ثم حدّق فيهما طويلًا، عيناه تتحركان ببطء من وجه لآخر:
"أنتما جديدتان هنا، أليس كذلك؟"
هزّت آيزابيلا رأسها بخفة، همست بصوت متكسر بالكاد يخرج من بين شفتيها:
"نعم... أول مرة."
كانت يدها ترتجف وهي تمسك بالقلم.
بينما سندريلا، التي بدت أكثر تماسُكًا، تراقب بحذر، وجهها مشدود، وجسدها مائل قليلًا نحو الورقة كأنها تسترق السمع من الحبر نفسه.
بدأ الشرطي يملي، بصوت هادئ، بطيء، لا يخلو من الرهبة:
"اركبا باص رقم ستة عشر، من خلف محطة القطار. الباص المحلي، لا السريع.
تنزلان في المحطة السابعة.
هناك يبدأ الحي الرئيسي."
تابع الشرطي بصوته الغامض، وكأنما يسرد تعويذة:
"في الحي الرئيسي، ابحثا عن محل 'كريسبي فيوري'... محل دجاج مقلي.
واضح جدًا... رائحته تسبق واجهته."
تابع وهو يحرّك يده في الهواء، يرسم خريطة خيالية بإيماءات بطيئة:
"أمام المحل مباشرة شارع طويل... حاد الانحدار
كأنك تصعدين جبلًا.
تصعدانه لمدة ساعة ونصف.
لا تتوقفا.
لا تلتفتا."
كتبَت آيزابيلا الجملة الأخيرة تحتها خطًا
"وفي نهاية الشارع..."
— قالها ببطء، كمن يفتح بابًا في عقله —
"ستجدان معبدًا خشبيًا قديمًا.
لا لافتة عليه.
أبوابه رمادية...
ستعرفانه حين ترونه."
ساد صمت ثقيل، كأن كل شيء في الغرفة توقّف لوهلة، حتى ساعة الحائط.
ثم، وبصوت منخفض يحمل نبرة غامضة أقرب إلى التراتيل، أكمل:
"ادخلاه... وصَلّوا هناك... لتجدا الحقيبة."
توقفت يد آيزابيلا فجأة.
تجمّد القلم في منتصف الكلمة
كأن الزمن نفسه تعثر لحظة.
نظرت إليه ببطء، بعيون تحاول استيعاب ما سمعته
سندريلا، التي ظلت تتابع بتركيز منذ البداية، ضيّقت عينيها بشكّ عميق، التفتت إلى آيزابيلا نظرة تجمع بين السؤال والريبة، ثم عادت ببصرها إلى الشرطي.
لكنّه ظلّ هادئًا، لا تغيير على ملامحه، لم يبتسم، لم يرتجف.
كان يلوّك علكته ببطء غريب، ساخر
وعيناه...
عينا الشرطي كانتا تضحكان بخفاء، وميضٌ ساخر خاطف برز من عمقها
لقد سخر منهن
وضعت آيزابيلا القلم برفق على الطاولة، ورفعت حاجبها ببرود ممزوج بتحدٍ:
"أيها العجوز...
نُصلّي...
لكي تعود الحقيبة؟"
قالتها بنبرة ساخرة، تحمل في طياتها استهجانًا واندهاشًا
اراحَ الشرطي ظهره، وأسنده إلى الكرسي
"أيتها المراهقة..."
قالها وهو يشبك أصابعه بتململ،
"أنتم تبحثون عن المعجزات...
وهناك تُطلَب المعجزات، لا في مركز شرطة.
إن سُرق منكِ شيء، فاقرئي عليه السلام.
ثم عن أي بلاغ تتحدثين؟
حتى بطاقة هوية لا تملكين."
لم ترد.
اكتفت سندريلا بالنظر إلى الورقة التي بين يديها.
أغلقتها ببطء، وكأن كل حركة منها طقوس وداع.
طوتها إلى نصفين... ثم أرباعًا... ثم أصغر، حتى لم يبقَ منها إلا ظل مستطيل خامد.
ثم رمتها على الطاولة، لا بل أسقطتها، كمن يعلن نهاية شيء ما.
قالت بصوت خافت، لكنه كالسكين:
"إذن... تقاعد.
ما دام العمل لا يناسبك."
لم تنتظر رده.
التفتت نحو آيزابيلا، عيناها تحاولان إخفاء شرارة لم تخبُ بعد، وخرجت بخطى بطيئة، لكن ثقيلة...
ثقيلة بخيبةٍ لم تجد لها مأوى.
في الداخل، بقي الشرطي وحده.
صبّ لنفسه كوبًا من القهوة السوداء، دون أن يرف له جفن.
وبين رشفات متقطعة، تمتم بكلمات لم يسمعها أحد، وهو يحدق في نافذة مظلمة أمامه:
"****..."
ـــــــــــــــــــــــ
الغروب البرتقالي كان ينساب في السماء كقطعة حرير مشتعلة، يتلاشى برفق نحو العتمة، يبهت شيئًا فشيئًا، كأن الضوء يخجل من وداع يومٍ آخر.
وبينما لم تكتمل الظلمة بعد، ارتفع نصف القمر، شاحبًا كذكرى ناقصة، يضيء بنصف قلب، كأنما يروي حكاية توقّفت في منتصفها، حكاية حب لم تكتمل.
تحت هذا المساء المعلّق بين النور والظلال، بدت المدينة كأنها تمشي ببطء في حلمٍ دافئ.
الشوارع مبللة، والأضواء تنعكس على الأرض كأن النار تمشي على الماء.
الترام يسير بهدوء،
أضواؤه الخافتة تلامس الضباب، بينما الأشجار الممتدة على الجانبين تنحني قليلاً، كمن ينصت لشيء لا يُقال.
رجل وحيد يجلس على مقعد تحت عمود إنارة، صامتًا، كأنه ينتظر اعترافًا من الماضي.
ظله يندمج مع البلل والضوء، يذوب في المشهد، دون أن يُحدث ضجيجًا. الناس يمشون، ببطء، بخطى ثقيلة، متعبون من العمل... او من الحياة
وفي الأعلى، يواصل القمر صمته، يراقب العالم بنظرة شوق، كأنه يبحث عن نهاية لسعادة لم تكتمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
21 - مسؤولية الحُب
كانت المدينة تمتد أمامهما كمتاهة لا نهاية لها، تجوبان شوارعها بلا وجهة، تتخبطان في الفراغ بعد أن سُرقت حقيبتهما.
لم يتبقَّ لهما سوى حقيبة كبيرة مثقلة بالملابس، تئنّ تحت وطأة الأرصفة الخشنة، تتناوبان على جرّها كلما أنهك التعب إحداهما، وكأنهما تتناوبان على حمل ثقل الأيام
زمّت آيزابيلا شفتيها، كأنها تحبس في داخِلها كل ما كان يجب أن يُقال.
مدّت يدها وأمسكت بكفّ سندريلا المرتجفة، كمن يحاول لملمة أطراف نفسه قبل أن تتبعثر بالكامل.
كانت تحاول أن تبقى واقفة، من أجلها... ومن أجل سندريلا أيضاً.
حدّقت في عينيها للحظة، ثم تمتمت بصوت هادئ لكنه حازم، يحمل نبرة من لا مجال لديه للانهيار:
"لا بأس... كل شيء سيكون بخير.
سنذهب إلى الفندق الذي حجزناه، وسنرتاح قليلاً.
فقط تمسّكي بي."
تنهدت سندريلا بتعبٍ ثقيل، كأن كل خطوة خطَتْها في ذلك اليوم استقرت في رئتيها.
التعب واضح على جسدها، في انحناءة كتفها، في ثقل أنفاسها... لكن عينيها، رغم كل شيء، لا تزالا تحملان حياة. فيهما وميض صغير
اقتربت من آيزابيلا بصمتٍ تام، لا صوت إلا خرير المدينة التي بدأت تغرق في عتمة المساء.
الهواء صار أكثر برودة، والأضواء تذوب على الأرصفة كشموع توشك أن تنطفئ.
وقف الزمن لوهلة.
مدّت سندريلا يدها ببطء، وكأنها تلامس شيئًا مقدّسًا، ووضعتها أسفل فك آيزابيلا، ترفع رأسها بلطف بأطراف أصابعها.
لم تكن فقط تُجبرها على النظر، بل كانت تعيد إليها اتزانها، تذكّرها أنها ليست وحدها.
ثم، بلا أي كلمة…
ألصقت شفتيها بشفتي آيزابيلا.
قبلة واحدة.
لكنها لم تكن عابرة.
قبلة مملوءة برائحة التعب، رائحة الأرصفة، والملابس المتربة، والقلوب التي لم تجد وقتًا لتشفى.
قبلة المحبّ الذي لم يعد يملك شيئًا سوى هذا الجسد، وهذه الشفاه، وهذا الحنين.
كانت دافئة، لكنها متعبة.
ثابتة، وفيها رجفة.
عميقة بما يكفي لتُ*** النَفَس، وناعمة بما يكفي لتوقظ الجلد.
شفتي سندريلا التصقتا بشفتي آيزابيلا كأنهما تعتذران عن كل ما فاتهما، وكأنهما تطلبان الإذن بأن تبقيا… هكذا، للحظة فقط، بلا فوضى، بلا خوف.
آيزابيلا لم تتحرك.
لم تتراجع.
عيناها أُغلقتا ببطء، وكأنها أخيرًا سلّمت نفسها لما لا يُقاوم.
وكأنها ذاقت طعم الراحة بشفتين مُحبة.
وفي الخلفية، المدينة كانت تنام.
الأضواء تبهت، الأصوات تختفي.
وحدهما ظلّتا واقفتين في الهامش، داخل قبلة تكفي لتنسيهما كم كانت هذه الحياة قاسية.
ابتعدتا معًا ببطء، تحتاجان إلى هواءٍ يملأ صدريهما بعد ثقل اللحظة.
كانت شفاههما لا تزالان رطبتين، تحملان أثر الحنان الذي نسجته القبلة، وكأن دفء المشاعر لا يزال يهمس على ثغرهما بصمتٍ ناعم.
ابتسمت آيزابيلا، وعيونها تفيض بحنان الحب الذي غمر قلبها.
نظرت إلى سندريلا وكأنها ترى فيها كل الأمان والدواء.
همست بصوتٍ دافئٍ مشبع بالحب والصدق:
"لماذا لم يخبرني أحد أن قبلة الحبيب تمسح كل التعب بهذا السحر؟ يبدو أن شفتيك أصبحت دوائي الوحيد، ولن أحتاج لطبيبٍ ما دامت تلك الشفاه تهدئ روحي."
1
هربت ضحكة من صدريها، خفيفة كرفرفة قلب عاشق يسمع أجمل الألحان.
كانت ضحكة تغزل الفرح بين حناياها، تجعله يطير كالعصفور، محلقًا في سماء مشاعره المتقدة.
أمسكت بمقبض الحقيبة، وجرتها أمام آيزابيلا بخفة، كأنها تحاول أن تمنع حلاوة هذا الشعور المتدفق من أن يتحول إلى سُكر مبكر في عمرها.
قالت وهي تبتسم بتلك البساطة التي تحمل عمق الشاعر:
"هيا بنا... الشفتان لا تملكان جدرانًا، ولا وسادةً، ولا غطاءً، أيتها الشاعرة."
——————
وصلتا إلى الفندق، فتحتا الباب بحذر، وفور دخولهما دوى جرس صغير معلق فوق الباب، يرنّ كلما دخل أحد أو خرج، ليعلن حضور الزائرين بهدوء.
في الاستقبال جلست امرأة تبدو في منتصف الأربعينيات، مشدودة في هدوئها، تغرق في عالمها الخاص بين صفحات كتاب فلسفي، وقد اشتعلت أمامها شمعة صغيرة تضفي على المكان وهجًا دافئًا.
كانت ترتدي نظارات طبية تُضفي على ملامحها وقارًا هادئًا.
رفعت عينيها ببطء لترى من دخل، ثم أغلقت الكتاب بعناية بعد أن وضعت فاصلة دقيقة في الصفحة التي توقفت عندها، كأنها تعطي الأولوية للضيف على فلسفة الأفكار.
نظرت إليهما بابتسامة هادئة وقالت بصوت رقيق:
"أهلاً بكما، كيف يمكنني مساعدتكما؟"
أجابت سندريلا بصوت هادئ، بينما تنظر إلى آيزابيلا:
"لدينا حجز باسم آيزابيلا وسندريلا، والمدفوع باسم السيدة مارغريت."
أومأت المرأة في الاستقبال برقة، ثم تفتحت أمامها شاشة الكمبيوتر، فتفحّصت الحجوزات بتمعن، ثم رفعت رأسها بابتسامة خفيفة:
"نعم، الحجز موجود بالفعل."
"هوياتكم من فضلكن."
تبادلت آيزابيلا وسندريلا نظرات مترددة، ثم ردّت سندريلا:
"ليست لدينا."
تنهدت المرأة برقة، ونظرت إليهما بعينين مملوءتين بالجدية:
"لا يمكننا استقبال أحد دون نسخة من الهوية الشخصية. هذا الإجراء ضروري، وهو جزء من السجلات الأمنية للفندق."
وقف الصمت بينهن، محملاً بثقل الموقف، وكأن الكلمات لا تملك إلا أن تثقل الأجواء.
تنهدت سندريلا ببطء، وأجابت بصوت منخفض لكنه صادق:
"حقيبتنا الشخصية، التي فيها هوياتنا وجوازات السفر، سُرقت. لقد أتينا من بعيد، ولا مكان لنا لننام فيه اليوم."
راقبت المرأة وجهيهما مليئين بالقلق والصدق، وشعرت بتلك الحقيقة تغمرها.
بدا كلامهما واقعيًا، لذا تراجع بعض الحذر من عينيها لتحلّ محلّه تعاطف صادق.
نظرت إليهما برفق وقالت:
"هل قدمتم بلاغًا في مركز الشرطة؟"
ثم أضافت بسرعة، وكأنها تحاول إيجاد حل:
"إذا كان لديكم بلاغ رسمي، يمكنني أن أرفقه مع طلبكم بدلاً من الهوية، لمساعدتكن على تسجيل الدخول."
تنهدت سندريلا بهدوء، ونظرت إلى المرأة في الاستقبال:
"أردنا أن نقدم بلاغًا لدى الشرطة، لكنهم قالوا إنهم لا يقبلون البلاغات بدون هوية شخصية أيضًا."
ابتسمت المرأة بابتسامة شك، وأجابت بنبرة هادئة:
"هذا غريب قليلاً، عادةً لا يرفضون بلاغًا كهذا.
ربما كان من المفترض أن تتوجهن إلى مركز شرطة آخر."
نظرت إليهما بعناية وقالت بصراحة ودون حكم:
"وربما، بسبب مظهركن، ظن الشرطي أنكن قاصرات، فتعامل معكن بحذر وربما شكّ في قصتكن.
للأسف، أحيانًا التعامل مع هذه المواقف يكون معقدًا."
ثم اعتدلت المرأة في جلستها قليلًا، وأغلقت الملف الرقمي أمامها، وقالت بنبرة آسفة، لكن واضحة لا تحتمل الالتباس:
"آسفة... رغم وجود الحجز، إلا أنني لا أستطيع استقبالكما دون إرفاق هوياتكما الشخصية."
توقفت لحظة كأنها تمنح الفرصة لوزن الكلام، ثم تابعت بلطف مهني:
"الإجراء ليس اختياريًا، بل جزء من التزاماتنا القانونية. أتفهم موقفكما تمامًا، لكن من دون مستند رسمي أو بلاغ موثق من الشرطة، الأمر خارج صلاحياتي."
كان صوتها خافتًا، لكنه ثابت. لا جفاء فيه، فقط حدود واضحة ترسمها القوانين، حتى وإن كان قلبها يميل للتعاطف.
كان من الجليّ أن السيدة لن تساعدهما، حتى لو توسّلتا أو انكسر صوتهما من الرجاء. كانت ملامحها مغلقة، ونبرتها توحي بأن التعليمات أعلى من الشفقة، وأن النظام لا يلين أمام تعبٍ محفور في الملامح، ولا أمام نظراتٍ تسرد وحدها ما لم يُقل.
التعب استوطن أعضائهما، تغلغل في المفاصل والروح، لكن مع ذلك... لم تتركا للهوان منفذًا. غادرتا الفندق بصمتٍ يشبه الخيبة، تجرّان خلفهما الحقيبة الكبيرة فوق أرصفة مبلّطة بالحيرة، كأنها تئنّ مع كل حجر، وكأن كل لفة من عجلاتها تحكي عن يومٍ ثقيل.
وحين ابتعدتا بما يكفي، تنفست آيزابيلا الصقيع، ورفعت صوتها قليلًا لتكسر الصمت الذي بدا وكأنه لن يزول:
"لا بأس... لا يزال لدينا مال... مال ليليان الذي أعطته لي... في جيب سترتي..."
رفعت يدها تتحسّ الجيب، وكأنها تطمئن على قلبها نفسه، ثم تمتمت بنبرة امتننان خافت:
"الحمد للرب أنني لم أضعه في الحقيبة... لكان سُرق مع البقية."
نظرت أمامها، إلى مدينة لا تزال في عيون الغريب متاهة، وأضافت بعزمٍ رغم التهالك:
"سنعثر على فندق آخر... لا بأس."
وصارتا تدخلان الفنادق واحدًا تلو الآخر، بابًا بعد باب، استقبالًا تلو استقبال. نفس العيون، نفس الردّ، نفس العبارة التي صارت تلسع أكثر كل مرة تُقال.
كأن ورقة صغيرة، كأن بطاقة هوية، هي ما يفصل بين أن يُنظر إليهما كإنسانتين أو كظلّين تائهين في زقاق مدينة غريبة. ورقة تحمل اسمًا وتاريخ ميلاد، أصبحت في تلك اللحظة أثمن من المأوى، من الدفء، من النوم نفسه. صارت المفتاح الوحيد للاعتراف بوجودهما، كما لو أن حياتهما لا تبدأ إلا عندما يُكتب عليها رقم واسم وشكل رسمي.
تتابعت خطواتهما في الشوارع التي بدأت تغفو، وصارت الفنادق التي تقصداها تنحدر من مرتبة إلى أخرى، كما لو أن المدينة نفسها تنزلق بهما نحو قاعها البارد. فندق بعد فندق، وكلما ساءت الواجهة، تضاءل الأمل. وأخيرًا... وقفتا أمام ما لم يكن من المفترض أن يُسمّى فندقًا.
مبنى يلتهمه العفن كجائع محروم، لا يكتفي بالقضم بل ينهش الجدران، يزحف على الزوايا، يتسلّق النوافذ. لا، لم يكن عفنًا فقط... بل كان المبنى بأسره يعيش حالة تفسّخ.
شبابيكه محطمة كقلوب مهجورة، زجاجه المكسور يعكس شحوب الشارع، وجدرانه تطلّ كوجوه مرعبة من حكايات الطفولة.
كان الأطفال يمرّون من هناك مهرولين، يرمونه بالحجارة ثم يفرّون ضاحكين، لا لأنهم أشقياء... بل لأنه مخيف حقًا. المبنى نفسه بدا كأنه يهمس بكوابيس في آذانهم، كأنّه شيء من عالمٍ آخر.
قبضتا على أيادي بعضهما بقوة، كأنها آخر طوق نجاة في بحر من الضياع، وابتلعتا ريقهما في صمت مملوء بالخوف والبرد. الساعة كانت تشير إلى الثانية فجراً، والجو قارص البرودة، يلدغ عظامهما التي بدأت تذوب من شدة الصقيع. يبحثان عن أي مكان صغير، أي حفرة، حتى يأوي إليه دفء ولو ضئيل.
دخلتا الغرفة، حيث وقف الرجل خلف مكتب الاستقبال. كان يرتدي قميص داخلي ابيض متسخ وبجاما ملطخة ببقع كحولية بادية على القماش نتيجة سكب خاطئ.
يمشي بتثاقل، كأن الارض زلقه اسفله، يترنح في خطواته كمن فقد توازنه مع الليل.
وعندما دخلتا، رفع عينيه الضبابيتان إليهما ببطء، كأنه يرى شبحين في ظلمة الغرفة.
بصوت غاضب ومقصود، قال:
"ماذا؟"
ارتسم توتر خافت على وجه سندريلا، لكنها جمعت قواها ووضعت بين كلماتها هالة من الشجاعة المهددة بالانكسار. قالت بصوت يحمل محاولات صامدة لإخفاء الارتباك:
"ألَيْس هذا فندقًا؟ لقد رأينا اللافتة في الخارج... مكتوب أنه مفتوح، ليس مغلقًا."
تغيرت ملامح الرجل فجأة، ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة، بلهاء في بساطتها، مثل رجل تاه بين ضباب سُكره. أشار إلى المصباح القديم بجانبه وأشعله بصعوبة، فانطلقت أضواؤه المتقطعة تلهو على خطوط وجهه المحمرّ، المُعتل بالخمور.
تردد صوته، بطيئًا ومكسورًا كخشونة الليل:
"آه... نعم، هو فندق... على ما أظن... هناك غرف فارغة."
كان وجهه يحمل لطفًا متهاديًا، لكنه غارق في ثمالة واضحة.
كلماته تتعثر وتخرج متقطعة، مصحوبة بحازوقة خفيفة
ببطء سحب كتاب سجلات الحجوزات، الذي كان فارغًا كالصحراء القاحلة، ثم رفع نظره نحوهما، وابتسامة ماكرة ارتسمت على شفتيه المتهدلتين تحت وطأة الكحول.
بصوت متمهل، لكنه يحمل إيحاءً خفيًا:
"غرف... منفصلة..."
ثم أضاف مبتسمًا، بنبرة مشحونة بمعنى مزدوج:
"أم... غرفة... مشتركة؟"
كانت عينيه تتلألأ بلمحة لا تخفى، وكأنه يقترح شيئًا أكثر من مجرد ترتيب للنوم، تاركًا لخيالهما أن يملأ الفراغ بما يشاء.
قالت بسرعة آيزابيلا؛
"غرفة مشتركة... سرير مُشترك"
ثم قال، صوته محمّل بثقل السكر وتثاقل التفكير:
"الليلة بـ20 يورو فقط..."
أدار جسده ببطء متثاقل نحو درج الاستقبال، كأن ثقله يغلبه في كل حركة.
كان ثملًا بوضوح، يتأرجح بين التوازن والهبوط، وصوته يحمل ذلك الصدق الخافت الذي يخرج فقط من أفواه المخمورين الذين لا يخافون قول الحقيقة.
قال بصراحة، وكأنها نصيحة موجهة إلى اثنتين من الضيوف المنتظرين:
"لا أحتاج إلى هويتاكما... اتركوها في حقيبتكما."
وقف للحظة، عيناه تحملان تلك اللامبالاة التي تأتي مع تكرار الحياة بلا معنى، ثم أكمل:
"كما تعلمان، هذا فندق غير قانوني."
هذا المكان ليس مكانًا للراحة، بل ملاذًا هزيلاً، مهددًا بخطر يلوح في الظلام.
ببطء، مد يده المرتعشة نحو درج قديم صدئ، وأخرج مفتاحًا صغيرًا، مهترئًا، رقمه مكتوب بخط يد متعرج ومتلون. مدّه لهما وكأنما يسلمه قطعة من عالم مهجور، ضائعة بين نسيان الزمن وإهمال البشر.
تبادلت آيزابيلا وسندريلا نظرة قصيرة، تتشابك فيها مشاعر التعب والثبات، الأمل والقلق.
تقدمت سندريلا بخطوات مترددة نحو باب الغرفة، أمسكته بيد ترتجف قليلاً، بينما تسلل نسيم بارد من تحت الباب ليصاحبهما إلى داخل الظلام.
داخل الغرفة، استقبلتهما رائحة العفن الغامرة، خليط من الغبار القديم والرطوبة المتراكمة عبر السنين، الجدران متشققة وطلاؤها متقشر ينسحب كالجلد البالي.
كان السرير قديمًا، لكنه يحتفظ بوعد مؤقت بالحماية والدفء، رغم المظهر المهترئ.
أغلقت آيزابيلا الباب ببطء خلفهما، والتفتت إلى سندريلا بعينين تحملان مزيجًا من الإصرار والرهبة.
في تلك اللحظة، لم يكن بينهما مجرد صمت.
كان هناك وعي جديد فجائي، كثيف، لا يُقاوَم.
أدركتا معًا، دون كلمة واحدة،
أن ما ينتظرهما ليس مجرد ليلة أخرى في غرفة باردة
بل بداية رحلة.
قاسية.
عارية من الدلال والأحلام
حادة مثل حد السكين.
رحلة حيث لا مكان للضعف، ولا موضع آمن للهروب.
حيث الحب لا يكفي أن يُشعر، بل يجب أن يُقاتَل لأجله.
أن يُحمى، يُربّى، يُمنَح عظامًا تقوى، وأقدامًا تتعلّم الوقوف.
أن يُدفَع نحو الحياة وهو ما يزال يرتجف.
أن يُنتَشل من دائرة الحُلم ويُزرَع في أرض الواقع، الواقع الذي لا يشبه القصائد، ولا ينتظر من يُبطئ.
عليهما الآن، أن تُعَلّما هذا الحب أن يمشي للمرة الأولى...
أن يخطو بخوفه وضعفه، لكن يخطو.
وألّا يقع.
ألا يُسمَح له بالسقوط،
حتى لو تخلّت الحياة من حولهما عن الكل، وبقيتا وحدهما تُقيمانه بأيدٍ مُرتعشة... لكن مُصِرَّة.
————————————————
22 - مرضُ السرطان
استيقظتا في اللحظة نفسها، وكأن نداءًا صامتًا مرّ بين روحيهما فانتشلَهما من غياهب النوم. كانت اليقظة متزامنة، كأن التعب الذي يسكنهما واحدٌ يتوزع على جسدين. نظرات شاردة ووجوه مثقلة، فلا أثر لراحة، ولا حتى ظلّ من نومٍ يبعث على الانتعاش.
أجسادهما كأرضٍ عطشى، لم تنل ما يكفيها من مطر، لا تزال متيبّسة، مشدودة الأوصال. مرّ النوم كغيمة عابرة، لم تُمطر، لم تُظلّل، لم تلامس التعب المتجذّر فيهما.
فالتعب، يا له من خادع، لا يبوح بسرّه إلا حين يتوقف الإنسان عن الركض. لا يكشف أنيابه إلا في لحظات السكون، حين يقرر الجسد أن يستريح. آنذاك، تتزاحم آلام مؤجلة، كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة لتنفجر.
ومن يواصل الكدّ لا يشعر... التعب فوق التعب يُخدّر الإحساس. كأن الانشغال الدائم يخلق طبقة بلادة، تحميه مؤقتًا من الشعور الحقيقي بالثقل. لكن، ما إن يجلس، حتى ينهار عليه ما لم يكن يدرك كم هو ثقيل.
ويا لسحرِ الشبه بينهما... سندريلا وآيزابيلا، كأنما خُلقتا من الضوء ذاته، من النسمة نفسها التي مرّت ذات فجرٍ على قلبٍ ناعمٍ فشكّلتهما.
حين التقت النظرات، تواطأتا بصمتٍ جميل. اتفقتا دون كلام ألا تُظهرا شيئًا من التعب. كذبتا على بعضهما بحنان: ابتسامة خفيفة، توحي أن كل شيء بخير، رغم أن الأجساد لا تزال تنوء تحت أثقال الليل.
نظرت كل منهما في عيني الأخرى، فتسللت ابتسامة — ناعمة كخيط شمس أول الصباح — على شفتيهما. صغيرة، لكنها محمّلة بالطمأنينة، بالحب، وبما هو أكثر من الكلام.
ثم مالت إحداهما، ببطء، وقبّلت الأخرى قبلة خفيفة، دافئة... قبلة لا تحتاج تفسيرًا، قبلة من عاشقتين تشاركتا التعب، والليل، والحلم، دون خوف، دون قمع للشغف.
قبلة واحدة، لكنها كانت كافية لتخفّف عنهما ثقل العالم.
قهقهة صغيرة، مرحة وخجولة، أفلتت من شفتي آيزابيلا كحبة لؤلؤ انزلقت دون قصد. لم تكن تضحك بملء صوتها، بل كمن فاجأها الحب في لحظة هشّة، فاختلط فيها الخجل بالسعادة.
سندريلا، وقد اشتعلت نظرتها بجوعٍ عذب، راحت تلاحق شفتيها كمن يبحث عن الدفء في مأواه. قبّلاتها لم تكن عشوائية، بل مدفوعة بشيء يشبه الحنين... لا إلى ماضٍ، بل إلى قلبٍ مألوف كأنه عاش فيه منذ البدء.
آيزابيلا، رغم رغبتها التي تشي بها أنفاسها المرتبكة وعيناها المغلقتان بنصف استسلام، راحت تتملص بخفة، تدير وجهها، تضحك، كأنها تلعب لعبة الهروب الجميلة التي لا يُراد منها النجاة.
عندها، تمتمت سندريلا بصوتٍ خافتٍ لكنه مشبع باليقين:
"توقّفي... لن نهرب من بعض، يا فتاة..."
كانت كلماتها وعدًا، أو اعترافًا بسيطًا لكنه عميق... بأن الهروب، لم يعد خيارًا، وأن ما بينهما قد صار حقيقيًا بما يكفي ليُقاوم الخوف والخجل معًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عند الساعة الثامنة صباحًا، كانت الشمس لا تزال تتسلّق السماء بتؤدة، والشارع ينهض من سباته على مهل. خرجتا بخطى بطيئة، لا بفعل الكسل، بل بفعل الخيبة التي أثقلتهما، واتجهتا إلى مركز شرطة آخر، يعلوانه أملٌ ضئيل بأن يجدا شيئًا مما فُقد.
حين وصلتا، بدا المركز ككل مراكز المدن الكبيرة: جدران باهتة، مكاتب مزدحمة، ووجوه تعوّدت على استقبال التعب والخذلان. وقفتا أمام الضابط المناوب، وقدمتا بلاغًا عن سرقة حقيبتهما الشخصية، التي لم تكن مجرد حقيبة، بل تحمل معها كل ما يربطهما بهذا العالم: المال، الهويات، وجوازات السفر... وكل ما يُثبت أن لهما وجودًا رسميًا في هذا الكوكب.
رفع الشرطي رأسه إليهما، وفي عينيه بقايا شفقة لا يخلو منها التعب. صوته، وإن بدا رسميًا، حمل شيئًا من اللين:
"الفتاة الصغيرة، والشاب ذو العينين الزيتية... نعرفهم جيدًا هنا. لصوص معتادون، خاصة في محطة القطارات الرئيسية. يعملون بخفة يدٍ مدرّبة، ويختفون قبل أن يستدير أحدهم ليرى ماذا فُقد."
تنهّد، كأنما يحاول ألا يعد بشيءٍ يعلم أنه لن يفي به، ثم تابع:
"أريد أن أكون صريحًا معكما... لا تعلّقا آمالًا كبيرة. ما يُسرق هنا يُباع فورًا. السوق السوداء لا تنام، والحقيبة على الأغلب لم تعد حقيبتكما منذ اللحظة التي سُرقت. لكن... سنحاول ما نستطيع."
كانت كلماته كصفعة ناعمة، مؤلمة لكنها واقعية، لا تحمل وعدًا زائفًا ولا أملًا خادعًا... فقط الحقيقة، كما هي، بكل ما فيها من خيبة لا تترك للدموع مكانًا.
أومأتا برأسَيهما في صمتٍ مُستسلم، لم يكن في الأمر مفاجأة، ولا خيبة تفوق ما توقعتاه. لم تنتظرا من الشرطي أكثر مما قال، فغادرتا المكان بهدوء ثقيل، يشبه الهروب من واقعٍ لا يمنح أحدًا أكثر من كلماتٍ مُعلّبة.
في الداخل، عاد الشرطي إلى مكتبه، ومدّ يده بلا اهتمام نحو الاستمارة التي ملأتاها، وألقاها بلا مبالاة على كومة من البلاغات السابقة — تلال من أوراقٍ فقدت الأمل في أن تُقرأ، كأنها نُسخت لتُنسى.
كان العنكبوت قد خاط بيته هناك بدقةٍ هندسية، بين زوايا الأوراق والأحلام المؤجلة، يعلّق خيوطه على أطراف البلاغات كما يعلّق الزمن ثقله على قلوب المشتكين. بل لم يكن بيتًا واحدًا، بل مستوطنة كاملة من بيوت العناكب، تتراكم بجوارها الشكاوى كما لو أنها غذاءها اليومي.
لا يبدو أن ذلك البلاغ سيفتح يومًا، لم يُخزَّن في النظام، لم يُراجع، لم يُحمل إلى أي ضابط تحقيق. لقد صار منذ اللحظة الأولى... نِسيانًا، مطويًا في ركنٍ معتمٍ من مؤسسة شاخت ونسيت كيف تُنصف.
-
تمشتا في شوارع المدينة بخطى حذرة، ...
كانت آيزابيلا تضغط بيدها على حقيبة يدها بقوة، كما لو أن أصابعها وحدها هي الضمان الوحيد لبقائها.
أما يدها الأخرى، فكانت مشتبكة في يد سندريلا اشتباك لا يخلو من الحب، لكنه مشحون بحراسة صامتة.
كانت سندريلا تمسك بها كما لو أنها لا تخاف على الحقيبة، بل على آيزابيلا نفسها... كما لو أن أحدهم قد يسرقها، يخطفها، ينتزعها من كفّها في لحظة غفلة، فتختفي كما اختفت الحقيبة.
حبيبتها خرقاء، وقد يحدث هذا.
في الطريق إلى محطة القطارات، وبينما كان الضجيج اليومي يتسلل من بين السيارات والمارة، شدّ انتباه سندريلا رجلٌ انحنى فجأة على الرصيف.
التقط شيئًا من الأرض، حدّقت فيه للحظة... ثم لم يكن ما لفت انتباهها هو الرجل، بل ما كان يتناثر عند قدميه.
بطرف عينها، لمحت سندريلا أشياء صغيرة، مبعثرة، كأن أحدهم أفرغ جيوبه ونسي أن يجمعها.
انكمشت حاجباها، أبطأت خطاها، ثم توقّفت تمامًا.
نظرت إلى الأرض من حولها، واتّسعت عيناها ببطء.
كانت هناك... هويات. كثيرة.
بطاقات تعريف متناثرة كأوراق خريف يابسة.
وجوه وأسماء مرمية على الإسفلت، وجنسيات تتقاطع على الأرصفة دون أن يلتفت إليها أحد.
وكأنها مجرد قصاصات لا تعني شيئًا.
مدّت يدها وأشارت لآيزابيلا بصمت، دون أن تنطق بكلمة، فقط همست بعينيها المرتبكتين: انظري...
اقتربتا معًا، وبدأت سندريلا تنحني، تتفحّص بعينين مشككتين تلك البطاقات الكثيرة.
بدأت تجوب الأرض بعينيها، كمن يبحث عن ملامح مفقودة بين المجهولين، حتى توقفت فجأة تجمّدت لحظة، ثم مدت يدها بخفة، ورفعت بطاقةً كانت شبه مغطاة بالغبار.
هويتها.
قلبها قفز في صدرها، شهقة خرجت منها بلا صوت، ثم ما لبثت أن لمحت أخرى، أقرب قليلًا... هوية آيزابيلا، كما تركتها تمامًا، كأن الزمن لم يمسها، فقط أهملها على جانب الطريق.
لكن الأمر لم ينتهِ بعد.
ألقت سندريلا نظرة خاطفة عبر الشارع، وكان شيء ما هناك، على الرصيف المقابل، يتلألأ قليلاً في ضوء الشمس المائل.
عبرت بخطى متسارعة، آيزابيلا خلفها كأنها تمسك بخيط نجاتها. اقتربتا وهناك، بجانب جدارٍ متشقق، تحت إعلان ممزق، كانت جوازي سفرهما مستلقيين بصمت... منهكين، كما لو أنهما مرّا بنفس مقدار الخوف والضياع.
انحنتا بصمت، التقطتا أوراقهما كما تلتقط الأم ***ًا كان على وشك أن يُدهس.
لم تقولا شيئًا، لكن في عيونهما مرّت عاصفة كاملة من الدهشة، والانفعال، والامتنان، والخوف.
وكأن الحياة قرّرت، لوهلة قصيرة، أن تمنحهما لحظة إنصاف.
اقترب منهما فتى في نحو الثامنة عشرة من عمره، بخفة الراقصين، وهو يلهو بأكواب الشاي كما لو كان يؤدي عرضًا بهلوانيًا صغيرًا على مسرح الرصيف.
كان يحمل صينيةً نحاسية تتمايل بين يديه بثقة، والأكواب على سطحها ترنّ رنينًا خافتًا، كأنها تصفّق له سرًّا.
كان يبيع الشاي
تقدّم بخفة، وقد دفعه فضول مرح إلى الاقتراب منهما، وعيناه تتبعان ما تمسكان به بأصابعهما المرتجفة.
وما إن لمح البطاقات وجوازي السفر بين أيديهما، حتى انفجر بضحكة خفيفة، صادقة.
قال بعفوية:
"مباركٌ عليكما... لقد وجدتما ضالتكما! ماريو سرق محفظتي منذ شهر، وما زلت حتى اليوم أبحث عن رخصة عملي ولم أجدها! كأنها تبخّرت."
رفعت سندريلا رأسها نحوه، ونظرت إليه باستغراب مشوب بالحذر:
"ماريو؟"
ابتسم ابتسامةً تنضح بطيبة الشوارع وبساطة التعب كان شابًا وديعًا، وجهه يُشبه الوجوه التي تراها في نهاية يومٍ طويل، وتدرك أنها مرّت بما يكفي من الخيبات.
أجاب بنبرة خفيفة
"ماريو... الشاب ذو العينين الزيتية، يرافقه دومًا شقيقته الصغيرة، روزا. ألا تعرفانهما؟! هل أنتما جادّتان؟"
أومأت سندريلا وآيزابيلا معًا، وكأنهما عثرتا على من يفكّ لغزًا ظلّ معلقًا في ذهنيهما منذ الصباح.
فابتسم الشاب أكثر، كأن أحدًا أذن للسانه أخيرًا أن يكشف عن شخصيته الاجتماعية، تلك التي تنتظر مناسبةً لتتكلم، وتضحك، وتصنع حديثًا عابرًا من لا شيء.
سكب لهما كوبين من الشاي من إبريقه البسيط، وقدّمهما برقة:
"اوه جديدات اذن...
أهلًا وسهلًا بكما... هذان على حسابي طبعًا، ترحيبًا بجميلتي فالينس."
قالها وهو يغمز بعفوية.
ابتسمتا له، وشكرتاه، وقد شعرتا للمرة الأولى منذ سرقتهما أن هذا العالم لا يخلو من لطفاء.
ثم أضاف، وهو يجلس على درابزين حجري قريب منهما، مرتشفًا من كوبه:
"إنهما شقيقان، ماريو وروزا. كلما سرقا شيئًا حقيبة، محفظة، أي غرض يفتحانه، يأخذان ما يهمّهما، ويرميان الباقي. انظرا حولكما... أرض محطة فالينس مملوءة بالبطاقات والهويات، المئات منها! محفظة تلو أخرى، حقيبة بعد حقيبة، يُلقونها كما لو أنها لا تساوي شيئًا."
ضحك بخفة، تلك الضحكة التي تشبه زفير التعب
قالت آيزابيلا بعفويتها المعهودة، وهي تحدّق في وجه الشاب:
"لماذا يفعلان هذا؟ يبدو أنهما يسرقان كثيرًا... أهي هواية بالنسبة لهما؟"
أجاب الشاب وهو يومئ برأسه قليلاً:
"صحيح، أنتما لا تعرفان بعد... أخوهما الأصغر مصاب بالسرطان، وتدركان جيدًا أن تكاليف العلاج باهظة، مرهقة حتى للأثرياء.
لا يفعلان شيئًا سوى السرقة... لا حلّ أمامهما سواها."
ثم تابع، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، فيها مرارة لا تخفى، كأنما يسرد نكتة من كوميديا سوداء:
"حتى الناس هنا اعتادوا على ذلك...
حتى إنّ الرجال حين تُسرق محافظهم،
يصرخون قائلين:
ماريو، فيها هويتي،
اتركها في مكان قريب!"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
23 - صدى الأحلامِ تنكسر، ويترددُ أَلصدى
ضحكتا بخفة، واحتسيتا الشاي بصمتٍ امتنانٍ أكثر منه عطش، ثم تبادلتا نظرة قصيرة، كأنها سؤال بلا صوت: وماذا بعد؟
قالت آيزابيلا وهي تنظر إلى سندريلا من فوق حافة الكوب:
"هل تعتقدين أن أحدًا هناك يطلب مترجمة إسبانية لا تحمل شهادة؟"
أجابت سندريلا بابتسامة جانبية:
"ربما يحتاجون من يغسل الصحون. سأكون ممتازة في ذلك… حتى أنني أجيد تلميع الأواني كأنني أُعِدّها للعرض."
ضحك الشاب وهو ينهض عن الدرج الحجري، يربّت على سرواله بخفة:
"أظن أن جدار الإعلانات في المحطة قد يسمعكنّ... إذا لم تطلبكنّ وظيفة، فستطلبكنّ الحياة نفسها."
ثم أضاف، وهو يمد يده نحوهما، وكأن دفئه يسبق اسمه:
"أنا اسمي لوان، أمي كانت خبّازة في بلدة ميرالونا، بلدة صغيرة على البحر، لا أحد يعرفها إلا من ضيّعه الطريق إليها."
رفعت سندريلا حاجبًا:
"ميرالونا؟"
أجاب بابتسامة مائلة:
"جزيرة بين صقلية والحلم... لا تظهَر على الخرائط، لكنّي أقسم أن رائحة الزعتر فيها كانت تُوقظ الميناء قبل الشمس."
وصافحته:
"سندريلا."
قالت الاسم كما لو أنه مرّ عبر سنوات من التهكم والأساطير، لكنها نطقته بثقة من يعرف من هو.
ابتسم لوان نصف ابتسامة:
"جميل... أميرة بمزاج شارع."
ثم التفت نحو آيزابيلا، التي كانت تنظر إليه بنظرة فضول لا تخلو من دفء:
"وأنتِ؟"
أجابت، وهي تهز كتفها بخفة:
"آيزابيلا... كلانا من بوينس آيرس.
لكنني أُفضّل ألا أُنسب لأي مكان حاليًا."
أومأ لوان، وقال بنبرة يعرف فيها الحنين تمامًا:
"مكانك هو حيث تنامين وأنت مرتاحة البال، لا أكثر."
ثم أشار برأسه نحو باب المحطة الكبير:
"جدار الإعلانات هناك... قرب كشك الصحف. وإذا احتجتما شيئًا، اسألوا عن لوان الشاي. كل الباعة يعرفونني."
وشكرته آيزابيلا بكفٍ على القلب، ثم استدارتا ببطء، كأن تركه خلفهما كان يقتضي وداعًا أعمق من الكلمات.
خلفهما ظل لوان واقفًا على الدرابزين الحجري، يتأمل ظهرَيهما وهما تبتعدان، ويرتشف بقية الشاي من كوبه المتهالك.
دخلتا محطة نوفاليس الرئيسية، ذلك الكهف الحجري الضخم الذي بدا وكأنه يتنفس دخان المسافرين وأنفاس المتعبين.
سقف عالٍ من الحديد والزجاج، ضوء باهت يتسلل بتكاسل، وأرضية تئن تحت خطوات العابرين، وكأنها تحفظ لكل قدمٍ ذكرى مرورها.
تقدمتا دون كلام، يداً آيزابيلا لا تزال مشتبكة في يد سندريلا، لكن اشتباكًا جديدًا نشأ بينهما: اشتباك القلق.
عبرتا ممر الباعة الجانبيين، وأصوات القهوة تُسكب، والحقائب تُجر، والأطفال يُنادون أمهاتهم بأصوات مرتفعة.
ثم وصلتا إلى الجدار المطلوب.
كان جدار الإعلانات يبدو كبطن مدينة تنبض بالفوضى:
قصاصات ورق ممزقة، صور باهتة، إعلانات مكتوبة بخط اليد، بعضها قديم جداً حتى إن الشمس قد محته جزئيًا، وبعضها جديد ما زال يحمل رائحة الحبر الرخيص.
اقتربت آيزابيلا أولاً، عيناها تتنقلان بعجلة مشوبة بالرجاء.
"أنظري هنا..." همست لسندريلا.
كان هناك إعلان صغير، مكتوب على ورقة بيضاء بتجعيدات واضحة:
**مطلوب نادلة للمساعدة في حانة مسائية.
دوام جزئي، يفضَّل من تجيد الإنجليزية.
للاستفسار، التوجّه إلى حانة “La Bruma” في حيّ بونتي.”
أمسكت آيزابيلا بالقصاصة البيضاء بين أصابعها، ونظرت إليها كأنها خريطة نجاة.
"سأتوجه للحانة..." قالت، ثم التفتت نحو سندريلا وأضافت:
"أستطيع أن أكون نادلة، أراقب، أبتسم، أساير الزبائن... أحتملهم."
ابتسمت سندريلا ابتسامة صغيرة، وقالت بخفة:
"وأنا سأسير في المدينة مع الطرود، كأنني أوزّع رسائل من عالم آخر. على الأقل سأرى الشوارع، لن أبقى محبوسة."
رفعت آيزابيلا حاجبها مازحة:
"أراك سعيدة بفكرة المشي طوال النهار."
أجابت سندريلا وهي تضع قصاصتها في جيبها:
"أفضل أن أكون قدميّ من أن أكون كأسًا تُسكب أمام الغرباء."
ضحكتا بخفة، تلك الضحكة التي لا تأتي من السعادة، بل من الاصطدام الوشيك بالواقع... ضحكة تجهز القلب لما هو قادم.
ثم قالت آيزابيلا وهي تمسح على كم سترتها:
"سأذهب الآن. سأقابلهم قبل أن يملأوا المكان بشخص آخر."
أومأت سندريلا:
"وأنا سأتجه إلى ساحة سان إلفيو. العاشرة تقترب."
تقدّمت آيزابيلا بخطوتين، ثم توقفت فجأة، التفتت، وركضت نحــوها.
ضمّتها بقوة.
"نلتقي عند غروب الشمس؟ الساحة الصغيرة أمام كشك الزهور؟"
قالتها كأنها تحدد نقطة نجاة.
"هناك تمامًا." أجابت سندريلا.
ابتعدتا كلّ في اتجاه.
كلّ واحدة تمسك قصاصتها كما يُمسك الجندي رسالة المعركة.
لم تعودا فتاتين تائهتين فقط، بل صارتا باحثتين عن موقع تحت شمس العالم... ولو مؤقتًا.
كانت الحانة تقع في شارع جانبي، محشورة بين محل لبيع السجائر وآخر لإصلاح الأحذية. واجهتها زجاجية مطلية بطبقة من الغبار، واللافتة المعدنية تتدلّى بإهمال، كتب عليها: "Café Turquesa" بحروف تتقشر.
دفعَت الباب بتردّد، فاستقبلها صوت الأجراس الصغيرة المعلّقة عليه، تلاها رائحة مزيجٍ من الخشب القديم، وقهوة سوداء، ونبيذ معتّق.
لم يكن المكان مزدحمًا، فقط أربعة زبائن متفرقين، وكلٌّ منهم غارق في عالمه: رجل يقرأ صحيفة، امرأة تكتب على دفتر، شاب يحدّق في هاتفه، ورجل عجوز يراقب الشارع من خلف كوبه.
خلف البار، وقفت امرأة في الأربعين تقريبًا، ذات ملامح حادة وشعر قصير بلون النحاس، تمسح طاولة صغيرة، وعندما دخلت آيزابيلا، رفعت عينيها فورًا، كمن يشمّ رائحة غريبة.
اقتربت آيزابيلا بخطى مترددة، ومدّت الورقة الصغيرة التي انتزعتها من جدار الإعلانات.
"جئت من أجل الإعلان... العمل كنادلة، صباحية."
حدّقت فيها المرأة للحظة، ثم سحبت الورقة ونظرت إليها، قبل أن تنطق بجملة مقتضبة:
"أنتِ جديدة في فالينس."
كان سؤالًا، لكنه خرج كتصريح.
أومأت آيزابيلا:
"وصلتُ قبل أيام. أحتاج للعمل... فورًا."
نظرت إليها المرأة مطولًا، ثم أشارت إلى كرسي فارغ قرب البار:
"اجلسي."
جلست آيزابيلا، وفي داخلها خفّة أشبه بالقلق.
بدأت المرأة تتحدث وهي تملأ فنجانًا بالقهوة:
"اسمي مارلين.
أملك المكان.
لا أُحب التمثيل، ولا الكلام الكثير.
هذا مقهى قديم، ليس فاخرًا، لكنه نظيف، وزبائنه معروفون.
ستعملين من السابعة صباحًا حتى الثالثة.
راحة واحدة لعشرين دقيقة. أجر الساعة ٥ دولار."
ترددت آيزابيلا، لكنها سألت:
"هل... يمكنني البدء اليوم؟"
رفعت مارلين حاجبًا.
"أول مرة أرى شخصًا يتوسّل ليبدأ العمل."
ثم نظرت في عينيها مباشرة، وأضافت:
"هل تستطيعين حمل صينية بثلاثة أكواب؟ هل تقدّمين الطلبات دون أن تكبِّي شيئًا على أحد؟ هل تعرفين الفرق بين القهوة المرة والإسبريسو؟"
1
هزّت آيزابيلا رأسها بسرعة:
"يمكنني أن أتعلم بسرعة. أعدك."
صمتت مارلين، ثم تناولت مريولًا أسودًا من خلف البار، ومدّته لها.
"بدّليه في الحمام. ثم عودي فورًا. المطبخ على اليسار. دوناتا ستريكِ الأساسيات."
شهقت آيزابيلا، لكنّها أخفتها بابتسامة امتنان.
"شكرًا..."
"لا تشكريني بعد. انتظري لنهاية أول يوم، ثم قرّري إن كنتِ ستبقين."
------------------
ساحة سان إلفيو
تحركت سندريلا بخطى ثابتة، تحمل حقيبة صغيرة مزودة بأشرطة متينة على ظهرها، وكأنها صندوق رسائل من عالم مفقود. كانت السماء ملبدة بسحب رمادية رقيقة، والهواء يحمل رائحة المطر القادم.
أرادت أن تهرب قليلاً من الصخب، من وجع المدينة، فاختارت الطريق التي تمر عبر أزقة المدينة القديمة، حيث المباني العتيقة والمقاهي الصغيرة التي يختبئ خلف أبوابها الكثير من الحكايات.
وضعت بين يديها عدة طرود صغيرة، مكتوب عليها أسماء وأرقام، وكأنها تحمل على أكتافها قصصًا من ينتظرون شيئًا مهما كان بسيطًا، بين وجبة عشاء، رسالة حب، أو وعد قديم.
في الطريق، توقفت عند كشك الزهور القديم، حيث تتفتح ألوان باهتة من الورود واللافندر. هناك، في الزاوية، التقت بعجوز صغيرة، بملامح حادة وعينين تتوهجان بالفضول.
قالت له بصوت هادئ:
"تبدو وكأنك تحملين العالم على ظهرك، يا صغيرتي."
ابتسمت سندريلا بخجل:
"ربما... بعض الرسائل لا يمكن أن تُرسَل عبر البريد العادي."
أعطتها العجوز وردة بنفسجية، وقالت:
"خذي هذا، لتذكّركِ بأن لكل حملٍ نكهة أمل."
استمرت سندريلا في السير، والزهرة في يدها، بينما تشقّ طرقات فالينس القديمة. رغم التعب، كان في قلبها شعور خفي بأن هذا الطريق ليس فقط لتوصيل الرسائل، بل لاكتشاف ذاتها شيئًا فشيئًا.
ومع كل خطوة، تزداد قوة، وتكبر داخلها رغبة في ألا تظلّ مجرد فتاة تهرب من الماضي، بل مناضلة تواجهه.
حلّ المساء، وأصبحت أضواء الشوارع تشع بخجل، تلقي بظلالها على طرقات فالينس المتعبة.
وصلت آيزابيلا إلى الكشك، خطواتها سريعة لكنها منهكة، يداها متسختان من حمل الصواني وتنظيف الطاولات. رفعَت عينيها فورًا، ورأت سندريلا واقفة هناك، تحمل الوردة البنفسجية التي أعطتها إياها العجوز، وعيناها تلمعان بانتظارها.
اقتربتا من بعضهما، وتلاقت أنظارهما في لحظة صمت مليئة بكل ما لم يُقال طوال اليوم.
ابتسمت سندريلا بخجل، مدّت يدها لتلمس وجنة آيزابيلا بلطف، فارتجفت يداها تحت لمسة الدفء.
اقتربت آيزابيلا ببطء، نظرتها تحمل كل الحنان والخوف والاشتياق، ثم التقت شفاههما في قبلة خفيفة، دافئة، كأنها وعد بأنهما لن يكونا وحيدتين في هذه الحياة الصعبة.
كانت القبلة ليست مجرد تعبير عن الحب، بل ملاذًا من التعب، وعناقًا يثبت أن القلب لا يزال ينبض بالأمل رغم كل شيء.
ابتعدتا قليلاً، تنفسان ببطء، وأمسكت سندريلا بيد آيزابيلا وهي تهمس:
"كل شيء سيكون بخير، طالما نحن معًا."
قالت سندريلا، بصوت دافئ:
"كيف كان يومك؟"
تنهدت آيزابيلا، وأجابت:
"أصعب مما توقعت، لكن... أشعر أنني أتعلم شيئًا جديدًا. العمل هناك يختلف، لكنه... مكان يمكنني أن أكون فيه."
ابتسمت سندريلا، وأومأت:
"أنا أيضًا. الطريق كان طويلاً، والرسائل لم تكن فقط أوراقًا... كانت حكايات. لكن مع كل خطوة، شعرت أنني أستعيد نفسي."
وقفتا للحظة صمت، تستمتعان بالهدوء الذي يسبق ليل المدينة.
ثم نظرت آيزابيلا إلى الوردة البنفسجية في يد سندريلا وقالت بنبرة خافتة:
"هذه الوردة... مثل الأمل الذي لم يمت بعد."
ابتسمت سندريلا وهي تلمس أهدابها برقة:
"نعم... لن نسمح له بالرحيل."
تشابكت أيديهما، وكأنهما تتعهدان أمام ذلك الكشك بأن تظل هذه اللحظة بداية طريق جديد، فيه التعب لا يُقاس بالخسارة، بل بالانتصار على الألم.
في طريقهما العائد إلى الفندق، كانت المدينة تزداد هدوءًا، لكن قلبيهما كانا يزدادان ثقلًا مع كل خطوة.
وقفتا أمام جدار كبير مغطى بإعلانات الشقق صور براقة لشقق صغيرة، مع أسعار مكتوبة بأحجام ضخمة لا يمكن تجاهلها.
نظرت سندريلا إلى آيزابيلا، وقالت بثقة متوقعة:
"لو عملنا معًا، ربما نغطي كل شيء. الإيجار، الأكل، المواصلات... أظن أننا نستطيع."
اقتربتا أكثر، وقلبهما يتسارع مع كل رقم تراه عيناهما.
ثم وقعت عيناهما على السعر...
رقم جعل الهواء يخنق أنفاسهما.
إيجار شقة صغيرة أكثر مما يمكن أن يجمعاه في عملهما معًا خلال شهر كامل.
صمتت سندريلا، وجمدت كلماتها في حلقها، بينما تعلقت أنفاس آيزابيلا في صمت مهيب.
نظرت آيزابيلا بعيون متسعة، وكأنها لم تصدق ما تراه:
"كيف؟ كيف نُعيل أنفسنا بهذا؟"
ابتلعوا مرارة الصدمة، لكنها كانت تجرح أكثر من أي ألم سابق.
سندريلا حاولت أن تبتسم، لكن الارتباك كان يكسو وجهها:
"كنا نعتقد أن عملنا معًا يكفي... لكن هذا... هذا أكبر من أن نتخيله."
أمسكت يد آيزابيلا بإحكام، كأنها تحاول أن تثبت لنفسها أنهما ليسا وحيدتين في هذا الصراع.
قالت آيزابيلا بصوت منخفض:
"ان اعطينا المال كله للأيجار... كيف سنأكُل؟"
تراكمت الكلمات بينهما، لكنهما وجدا فقط صمت المدينة... وصدى أحلامٍ تنكسر على صخور الواقع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
24 - لحظات تُخفف ثِقل الواقع
سارتا مبتعدتين عن الجدار، وما زالتا تحت تأثير تلك الأرقام التي لا ترحم.
كانت خطواتهما متثاقلة في البداية، لكن شيئًا ما في وجه آيزابيلا بدأ يتغيّر... طرف شفتها ارتفع بخفة، ثم فجأة، وكأنها لم تعد تملك ترف السيطرة على مشاعرها، انفجرت ضاحكة.
ضحكة عالية، مجنونة، خارجة من مكانٍ عميق... كأنها طلقة نجاة.
استدارت نحو سندريلا، وضربتها بخفة على ذراعها:
"تخيّلي! نعمل كل يوم، كل يوم! عشر ساعات على الأقل...
ثم لا نكاد على نحصل مصرف اكل بعد دفع الايجار"
ضحكت سندريلا بدورها، أولاً بتردد، ثم ارتفع صوتها أيضًا.
ضحكتا معًا، بمرارة مرشوشة على وجه الضحك. ضحكة البائسين الذين لا يملكون خيارًا سوى السخرية من مأساتهم.
قالت سندريلا بين قهقهتين:
"شرّ البلية ما يُضحك، يا فتاة..."
ثم نظرت إليها بعينين تشعّان برقّة ساخرة:
"هل نُقيم في العراء وندفع نصف الإيجار للنجوم؟"
أجابت آيزابيلا، وهي تمسك بيدها بقوة أكبر، وعيناها تلمعان بشيء يشبه التحدي:
"دعينا نأكل من الحب إذًا. نقتات منه، نتدفأ به، ونمشي على رائحته!"
قالتها ومالت نحوها، قبّلتها على خدها قبلة طويلة، كأنها تطبع اعترافًا لا رجعة فيه.
ضحكت سندريلا من جديد، لكنها ضحكة أكثر ليونة، فيها شيء من الرضا رغم الفقر، من القوة رغم الهشاشة.
تمشّتا وسط الضوء الأصفر للمصابيح القديمة، وكأن لا شيء سواهما في العالم.
هدأت ضحكاتهما شيئًا فشيئًا، واكتفى الشارع بصدى ابتساماتهما المتعبة.
كانت سندريلا تلتقط أنفاسها، حين شعرت بنظرةٍ تخترق جانب وجهها.
استدارت نحو آيزابيلا، فرأتها تنظر إليها بعينين مشعتين، فيهما تلك اللمعة التي تعرفها... لمعة المزاح حين يصبح أكثر قربًا من الشغف.
رفعت آيزابيلا حاجبها بخبث، ومالت نحوها قليلًا وهي تقول بنبرة شبه هامسة، مشبعة بالغزل المتعمد:
"كلا... في الحقيقة أعتقد أن الإيجار وحده يكفينا."
ثم عضّت شفتها بخفة، وأضافت بابتسامة مائلة:
"أما مسألة الطعام؟ يمكننا أن ندبر أمرنا..."
سندريلا نظرت إليها بفضول، تتأرجح بين المزاح والتوق، لكن آيزابيلا لم تتركها تنتظر.
أكملت، وهي تقترب أكثر حتى كادت تلامس خدها:
"شفتيك موجودة... أستطيع أن أُرضي جوعي بها."
ثم همست بخفوت:
"ويمكنكِ فعل الشيء ذاته بخاصتي... لن نموت جوعًا، صدقيني."
ضحكت سندريلا، لكن هذه المرة ضحكة خافتة، متورطة... متورطة في الشعور، وفي اللعبة، وفي صدق المزاح الذي لم يعُد تمامًا مزاحًا.
مالت سندريلا برأسها نحو أذن آيزابيلا، خطواتهما توقفت للحظة، ونَفَسها الدافئ لامس خدها.
ثم همست، بنبرة أهدأ لكنها أكثر جرأة، كأنها تعيد الرمية ولكن أقوى:
"يمكنني فعل الشيء ذاته... خاصتك... لكن التي بالأسفل."
تجمدت آيزابيلا لثانية واحدة فقط، قبل أن تنفجر وجنتاها بلون قرمزي واضح في ضوء اللوحات النيونية المحيطة.
"ياللهول..."
شهقت، ثم دفعت سندريلا بخفة من كتفها، وضربتها براحَة يدها على ذراعها.
"كيف لكِ الجُرأة أن تتحدثي هكذا؟! نحن لم... لم نفعلها بعد!"
أخذت سندريلا تسير أمام آيزابيلا بخطى واثقة، ويديها في جيبيها كمن يحمل سرًا صغيرًا يرفرف في صدره.
التفتت نصف التفاتة، والابتسامة على شفتيها لا تزال ساخرة، لكنها محمّلة بمكرٍ لا يُخفى.
قالت، دون أن تنظر مباشرة في عينيها:
"أنت لم تفعليها، في ظنك... لكني فعلت."
توقّفت للحظة، وخفضت صوتها كمن يهمس بسرّ كبير:
"حين كنتِ ثملة تلك الليلة... فعلتها. أكلتكِ، بلذّة، وبكامل الوعي."
ارتجفت خطوات آيزابيلا للحظة، وقد اتسعت عيناها بذهولٍ خجول.
كأن الكلمات دخلت أعماقها دون استئذان، فتورّدت وجنتاها بحمرة داكنة، وعلقت الكلمات في حلقها.
"أنتِ..." تمتمت، ثم ضحكت بارتباك وهي تضرب كتف سندريلا بخفة، لكنها لم تستطع كبح ابتسامتها المتوتّرة.
"لم أكن أظنّكِ بهذه الجرأة!"
سندريلا، وقد توقفت تمامًا، استدارت نحوها، اقتربت حتى شعرت آيزابيلا بأنفاسها على بشرتها، ثم همست، بنبرةٍ ناعمة لكنها مشتعلة:
"ولم أكن أظنكِ بهذه اللذّة."
انهارت آيزابيلا بالضحك، تلك الضحكة التي لا تعرف إن كانت من الخجل أم من السعادة، لكنها كانت ضحكة كاملة، نقية، جعلت كل خيبةٍ قبلها تتلاشى لحظيًّا. ثم، بلا تفكير، جذبت سندريلا من قميصها، وقبّلتها قبلة واحدة، طويلة، عميقة، كأنها لا تريد شيئًا آخر من هذا العالم سوى أن تظلّ معلقة بها.
قبلة وسط الشارع، وسط ضحكهما، وسط العجز، وسط العالم الذي لا يمنحهما شيئًا... لكنها كانت كافية، في تلك اللحظة، لتُشعرهما أن الحب رغم كل شيء لا يزال الشيء الوحيد الذي يُشبعة
25 - أفراغ الضغط بين ثنايا الشراشف
مضى شهر.
ثلاثون يومًا وليلة من العمل المتواصل، من السابعة صباحًا حتى الثامنة مساءً، كأن الزمن لم يكن سوى سلسلة متكررة من الخطوات المتعبة، وصوت آلات، وصبر مرّ لا يُروى.
آيزابيلا، في الحانة، تخدم الزبائن بوجه باسِمٍ يخفي خلفه إرهاقًا لا يُحتمل، تتلقى الإكراميات بنظرة ممتنة، وتحفظ في قلبها كل قطعة نقدية كما لو كانت أملًا صغيرًا.
وسندريلا، على دراجتها الهوائية القديمة، تتنقل في شوارع المدينة كريحٍ متعبة، توصل الرسائل والطرود دون أن تأخذ لنفسها استراحة حقيقية، تكتفي بلقمة في منتصف النهار، وقارورة ماء.
كان العمل كالسلسلة الثقيلة، كل حلقة منها يوم، وكل يوم يُسحب فوق ظهريهما بلا رحمة.
آيزابيلا تستيقظ قبل شروق الشمس، تصفف شعرها على عجل، ترتدي زي النادلة المتسخ بعض الشيء رغم محاولات التنظيف، وتخرج مهرولة إلى الحانة قبل أن يمتلئ المكان بالرواد.
أما سندريلا، فكانت تنهض بعدها بدقائق، تجهز حقيبة التوصيل، وتتفقد عناوين الزبائن في جهازها المتهالك، ثم تنطلق على دراجتها، والهواء البارد يصفع وجهها منذ اللحظة الأولى.
مرّ الأسبوع تلو الآخر، دون استراحة حقيقية، ودون دفء كافٍ في الليل، أو وجبة تُشبع الجسد المنهك.
وبدأ التعب يتسلل بينهما، لا كغريب، بل كعدو يسكن البيت.
في إحدى الليالي، عادت آيزابيلا متأخرة، يداها ترتجفان من حمل الأطباق، وعيناها شبه مطفأتين. وجدت سندريلا قد وصلت قبلها، مستلقية على الأرض، لا تقوى حتى على خلع حذائها.
قالت آيزابيلا بنبرة حادة:
"هل كنتِ هنا منذ ساعة ولم تفكّري أن تطبخي شيئًا؟ أنا جائعة كالجحيم."
رفعت سندريلا رأسها ببطء، والعرق لا يزال على جبينها، وردّت بلهجة متوترة:
"كنت مشغولة بإيصال خمس طرود خارج نوفاليس، الدراجة تعطلت مرتين، و... وكنت أحاول فقط أن أتنفس."
صرخت آيزابيلا فجأة:
"أنا أيضًا أتنفس! لكنني أعمل! لا أستلقي بكسل على الأرض!"
نهضت سندريلا، الغضب في عينيها، وقالت بصوت متهدّج:
"أهذا ما تظنين؟ أنني لا أعمل؟ أنني أضيع وقتي؟!"
كادا يتشاجران، لولا أن الصمت سقط فجأة بينهما، ثقيلاً، قاسيًا.
كل واحدة نظرت في وجه الأخرى، ورأت فيها مرآةً لتعبها.
ثم، ببطء، تقدّمت آيزابيلا، وجلست إلى جوار سندريلا، وقالت هامسة:
"أنا آسفة... لم أقصد. فقط... أنا متعبة."
وضعت سندريلا يدها على يدها، وهمست وقد ترقرقت الدموع في عينيها:
"وأنا أيضًا... تعبت. جدًا."
ساد صمتٌ آخر، لكنه هذه المرة كان صمت الراحة، صمت الاعتراف والصدق.
ثم مالت آيزابيلا برأسها نحو كتف سندريلا، وضحكت بخفّة، كأنها تضحك على نفسها:
"لسنا آلة، أليس كذلك؟"
ردت سندريلا بابتسامة باهتة:
"بل فتاتان، تحاولان النجاة... وربما الحياة."
وفي تلك الليلة، لم تطبخا شيئًا.
اكتفيتا ببعض البسكويت والماء، وجلستا متعانقتين، ترممان الشقوق التي صنعها التعب، وتجددان العهد الذي لم يُكسر، مهما أثقلته الأيام.
كان السرير ضيقًا، والهواء ثقيلًا برائحة التعب والعرق والعطر الخفيف الذي تلاشى منذ ساعات طويلة.
تمدّدتا عليه بصمت،
لا ضوء في الغرفة سوى ضوء الشارع المتسلل عبر النافذة المشروخة.
صوت المدينة كان بعيدًا، كأن العالم كله انكمش حول جسديهما فقط.
زفير طويل خرج من آيزابيلا وهي تستلقي على جانبها، وتمد ذراعها ببطء نحو سندريلا.
لم يكن هناك كلمة، فقط نظرة ثقيلة، متعبة، لكنها مشبعة بشيء أعمق من الكلام.
سندريلا التفتت نحوها، وجبينها يلتصق بجبينها، قالت بهمس مبحوح، يكاد لا يُسمع:
"تعبت."
ردّت آيزابيلا، وهمسة ضاحكة تخرج مع تنهيدها:
"أنا أيضًا... لكنك هنا."
في اللحظة التالية، اقتربت الشفاه ببطء، بثقل الساعات الطويلة، والتوصيلات، والصواني المحملة، والصداع، والبرد، والعتمة. قبّلتها...
قبلة هادئة أولًا، خفيفة، كأنها تذكير بأنهما لا تزالان هنا.
ثم تعمّقت القبلة، صارت أكثر دفئًا، أكثر جوعًا...
لا جوع الجسد، بل جوع الروح التي لم تجد حضنًا طوال النهار سوى الآن.
تلاحمت الشفاه، ببطء، بحنان، بأنفاس مختلطة، أصوات خافتة ناعمة تخرج بينهما...
لم يكن هناك استعجال. كان التعب نفسه يرسم الإيقاع، الإحساس، التوق.
ذراعا سندريلا التفتا حول خصر آيزابيلا، وضغطت جسدها إليها، ببطء، وكأنها تقول:
"لا تنامِ... ليس الليلة."
وبين الشفاه المتلاصقة، والعينين المغمضتين، والنفَس الحار، لم يكن هناك ألم أو خوف أو شقاء.
كان هناك فقط... قبلة، فوق سريرٍ صغير، في فندق بارد، في مدينة لا ترحم... صنعت دفئًا يكفي لليلةٍ كاملة.
لم تكن المسافة بينهما سوى بضعة سنتيمترات، ولمس خفيف من ملابس واحدة تلامس الأخرى، علامة صامتة على الشوق المكبوت والحنين الذي ينبض في الصدر.
مدّت يدها ببطء نحو خصري آيزابيلا، تمرّرت أصابعها برقة تحت حافة القميص، تلامس الجلد الدافئ الذي ينبض بالحياة.
بخطوات حسّاسة، نزلت يدها إلى أسفل، تقترب من منطقة الفرج عبر القماش الرقيق، فتشعر بدفء المكان من خلال ملمس القماش، كأنها تلمس سرًّا خفيًا يكبر في أعماقها.
شعرت آيزابيلا باللمسة الأولى ليد سندريلا تتسلل برقة تحت القماش، فارتفعت دقات قلبها فجأة، وغمرها دفءٌ غريب يجتاح جسدها كله. كان ذلك التماس الخفيف كنبضةٍ لطيفة توقظ كل أعصابها الحسية.
تنفست ببطء، محاولةً السيطرة على موجة الشوق التي بدأت تتصاعد، لكنها لم تستطع إلا أن تُغلق عينيها للحظة، تستسلم لذلك الإحساس الذي ينمو ويكبر في عمقها.
تلمس فرج آيزابيلا بقوة مفعمة بالعاطفة، تحيط شفاه المهبل بأصابعها بثبات، تضغط على البظر بحركات سريعة ومضبوطة، كأنها تحاول أن تخرج كل ما تراكم داخلها من توتر.
تنهدت آيزابيلا بعمق، جسدها يستجيب للحركات التي تحمل بين دفتيها الرغبة في التحرر من ثقل النهار، أنفاسهما تتداخل، وأصابع سندريلا تتنقل بين دفء الجلد ورقة الأغشية، فتذوب اللحظة في شلال من الأحاسيس المكبوتة.
كانت اللمسات تتصاعد في قوتها، لكنها لم تفقد رقتها، كما لو أن كل ضغط على جسد آيزابيلا كان رسالة، صرخة صامتة تفيض بالألم والفرح، تعبير صادق عن معركة يومية مع المسؤوليات.
بعد أن شعرت آيزابيلا بدفء يد سندريلا تحت القماش، بدأت سندريلا تنتقل بلطف نحو صدر آيزابيلا، حيث ارتفعت أنفاسها قليلاً.
مدّت سندريلا يديها برقة، تلامس نسيج القميص فوق صدر آيزابيلا، ثم رفعت يدها بحذر، تكشف عن بشرة دافئة. كانت الأصابع تداعب بحساسية حلمات الثدي، التي تتصلب وتنتفض تحت لمساتها الخفيفة.
ارتفعت دقات قلب آيزابيلا، وتنفسها أصبح أثقل قليلاً، مع شعورٍ متزايد بالدفء والحنان. غمضت عينيها ببطء، مستسلمة للإحساس الذي يغمرها، بينما كانت يد سندريلا تتحرك بثقة وحب، تعانق صدرها كأنها تحرسه من كل ثقل الحياة.
مع كل نفس يتصاعد في صدريهما، تقدمت سندريلا بحنان أكثر، وأطبقت شفتيها برقة على حلمة صدر آيزابيلا. كان ملمس شفتيها دافئًا، يتناغم مع حرارة الجلد تحتها، وكأنهما ترسمان معًا سيمفونية حب صامتة.
بدأت تمتص بلطف، تنقل عبر شفتيها حنانًا واشتياقًا، في إيقاع بطيء متأني، لا يسعى إلى التعجل، بل إلى استكشاف عمق المشاعر التي تختبئ بين النبضات.
تنهدت آيزابيلا بعمق، ارتجف جسدها تحت تلك اللمسة، بينما أنفاسها تزداد تتابعًا، تحس بنبضات قلبها التي تتسارع بشوق ورغبة
بعد لحظات من الحنان العميق، ارتفعت أنفاسهما بشكل واضح، وابتسمت آيزابيلا ببطء، فتقدمت نحوها سندريلا بقوة متجددة.
تلاقت شفاههما في قبلةٍ تفيض بالشغف، قوية ومشحونة بكل الأحاسيس المكبوتة، كما لو أن الزمن توقف ليشهد لحظة انفجار الرغبة التي ظلت تكتمها الأيام.
وسط هذا الإيقاع المتسارع، انزلقت يد سندريلا بخفة وثقة إلى خصر آيزابيلا، تلتف بأصابعها حوله، تشعر بحرارة الجلد تحت القماش الناعم.
ببطء، مع كل تقارب في القبلة، انزلت يدها أكثر، تخترق حواجز الملابس، لتداعب برقة شفاه المهبل، تلامسها بلمسات دافئة تحمل بين دفتيها شغفًا مختلطًا بالحنان والرغبة الملتهبة.
كانت الأصابع تتحرك بإيقاع متمايل، كما لو أنها تعزف لحنًا خاصًا لا يسمعه سوى جسد آيزابيلا، تثير كل نقطة حساسة، تستحث كل نبضة تسكن أعماقها.
تنهدت آيزابيلا بعمق، تستسلم لهذه اللحظة التي تذوب فيها كل ضغوط العمل ومسؤوليات الحياة، كأن جسدها وروحها يترنحان بين أمواج اللذة والراحة.
كانت القبلة تزداد شدة، واليد التي تداعبها تتناغم معها كأنهما رقصة جسدية توحد بينهما لغة الحب والصمت، تعبيرًا عن كل ما لم تُقل كلمات عنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما استمرت أصابع سندريلا في تداعب فرج آيزابيلا برقة متزايدة، بدأت جسدها يستجيب برد فعلٍ لا إرادي
تسللت الرعشة إلى جسد آيزابيلا تدريجيًا، تبدأ كذبذبة خفيفة تنبعث من عمق أحشائها، تتسرب عبر عضلات الحوض وتنتقل ببطء إلى كل مفصل ووتد في جسدها. ارتجفت أنسجتها الداخلية بنشوةٍ هادئة، كأن نبضاتٍ صغيرة من الحياة تعانق أعماقها.
تتابعت تلك الارتعاشات على هيئة موجات متقطعة، تشبه الأمواج التي تتلاطم على شواطئ جسدها بلطف، تترك خلفها دفقًا من الدفء المتصاعد في كل خلية، فيظهر عليها توهجٌ ناعم يشبه إشراقة الفجر.
تمددت تلك الرعشة إلى أطراف أصابع يديها وقدميها، حيث شعرت بأنفاسها المتلاحقة تعانق صدرها، وتملأ كل أركانها بسيل من الأحاسيس.
كان جسدها يستجيب للّمسات برقة، تتلوى عضلاتها بين الاسترخاء والتوتر، بينما عينيها نصف مغمضتين تعبران عن استسلامٍ كامل للذة التي تغمرها.
وقفت سندريلا فوق آيزابيلا، عيناها تتلألأان بشغف لا يخبو، تراقب جسد حبيبتها يرتجف تحتها كما لو أنه يعزف لحنًا خفيًا من النشوة والاشتياق. كانت تلك الرعشة تتراقص على الجلد، تسري في كل عضلة، وتترك أثرها في كل نفس.
ابتسمت سندريلا برضا وحنان، شفتيها ترتسمان بابتسامة خفية تحمل بين طياتها وعدًا بالمزيد، وكأنها تقول: "هذه مجرد البداية".
ببطء، رفعت يدها لتلعق أطراف أصابعها، وكأنها تستمتع بذكريات اللمسات التي تركتها على جسد آيزابيلا، ثم نظرت إليها مباشرة وقالت بصوتٍ ناعم، مُتحكمٍ في نبرته، لكنه مليء باللذة:
"ماذا؟ لماذا أغلقتِ عينيك؟ لم ننتهِ بعد."
كانت كلماتها كهمسٍ يلهب الجو، يدعو إلى استكشاف أعماق أكثر، حيث تتلاقى الرغبة مع الحنان في رقصة لا تنتهي.
بعد الرعشة التي اجتاحت جسدها، أغلقت آيزابيلا فخذيها بقوة، وكأنها تحاول أن تحبس تلك الأمواج المتلاطمة التي تبللت بها، وعينيها تلتقيان بنظرة سندريلا المشتعلة.
تنفست بصعوبة، وصدرهـا العاري يرتفع ويهبط ببطء تحت وقع التعب، همست بصوت مبحوح، ملؤه الإحساس والضعف:
"لا أستطيع..."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابتسمت سندريلا بابتسامة مليئة بالثقة والسيطرة، اقتربت أكثر، وفتحت فخذيها برفق لكنها بحزم، كأنها تقول بلا كلمات: "الأمر ليس بيدك الآن."
ثبتت سندريلا آيزابيلا بين يديها، وجسداهما متلاصقان في دفء المساء الخافت. بدأت ساقاها تتحركان بحركة متقنة، كأنهما تعزفان على وترٍ خفي؛ فخذها الأيمن انزلق برقة فوق فخذ آيزابيلا الأيسر، بينما انحنى فخذها الأيسر برفق تحت الفخذ الأيمن، فتتشابك الأرجل كقصيدة من الحميمية.
مع كل تقاطع، كان الاحتكاك يبعث دفئًا ناعمًا يشق طريقه عبر الجلد الرقيق لمنطقة العانة، يحتضن الشفاه ويوقظ الأنسجة، فيخرج منها لحنًا صامتًا من النشوة.
كانت الحركة تتصاعد برقة، ثم بجرأة، تداعب بها سندريلا أعماق رغبة آيزابيلا، تدفعها إلى أبعد حدود الاستسلام. ومع تصاعد الإيقاع، تداخلت حرارة الجسدين مع أنفاسهما المتلاحقة، لتملأ الغرفة بهمسات من الشوق والحنان.
كان كل تقاطع للأرجل، كل احتكاك للأجساد، يتردد صداه في أعماق الروح، يهمس بلغة يفهمها القلب قبل الجسد، لغة من الحنان، القوة، والشغف المتبادل.
ارتجف جسدا آيزابيلا وسندريلا مع كل حركة متشابكة، وكأن نبضهما ينساب عبر الأعصاب ليصل إلى أقصى حدود الإحساس. كان الاحتكاك العميق بين فخذيهما يُشعل دفءً داخليًا ينتشر في كل أنحاء الجسد، يحملهما بعيدًا عن تعب اليوم وضغوطه.
في وسط هذه الرقصة المتناغمة، مدّت آيزابيلا يدها بثقة وحنان، وأمسكت بحلمة صدر سندريلا بين شفتيها، بلطفٍ مغري، تعصرها برقة ثم تتركها، ثم تعود لتحتضنها مرة أخرى في قبلة خفيفة تملؤها الشوق.
ابتسمت سندريلا بابتسامة دافئة، ضوءها يكاد يضيء الغرفة، وعيناها تلتقيان بنظرة مليئة بالرضا والرغبة، فتزداد وتيرة آيزابيلا، تضغط بحلمتها بين شفتيها أكثر، تضيف حركة لسعتها خفيفة كلسعة نحل، تُشعل النار في أعماق سندريلا.
اهتز جسداهما بقوة مع كل تصاعد، ترتعش عضلات آيزابيلا تحت تأثير الشغف، فيما تشعر سندريلا باندفاع نقي للطاقة ينبع من تلامسهما، يتردد صداه في كل خلية من جسديهما.
كان هذا الاتصال الحسي، حيث تلتقي الأعصاب مع الأحاسيس، يتناغم مع حركة الأرجل المتشابكة، ليخلق سيمفونية من اللذة والحنان، تأخذهما إلى عالم لا يعرف فيه التعب أو الحدود.
ارتفع همس الليل مع أنفاسهما المتلاحقة، تمايلت أجسادهما معًا في انسجام لا ينكسر. رفعت سندريلا رأسها، تلاقت عيناها بعيني آيزابيلا، وقالت بصوت مخنوق من الشوق:
"أشعر بأنك تحررينني من كل ثقل هذا العالم... بلمستك فقط."
ابتسمت آيزابيلا، ولم تفارق شفتيها قبلة على حلمة صدر سندريلا، وأجابت بنغمة هادئة لكنها مشبعة بالحب:
"وأنتِ وحدك تجعلين قلبي ينبض كما لم يفعل من قبل... كل تعب يتلاشى حين أكون بقربك."
تنهدت سندريلا، مستسلمة للموجة التي تجتاحها، وهمست بالقرب من أذنها:
"لا تغلقي عينيكِ، أريد أن أرى كل لحظة منك... كل نبضة من قلبك."
همست آيزابيلا مرددة:
"كل لحظة معكِ هي حياة جديدة، ودفء لا ينضب."
اجتاحهما الانفجار كدفة عاصفة من النشوة، بدأت برعشة خفيفة في أعماق الحوض، ثم تسارعت وانتشرت في كل خلية من جسديهما. ارتفعت حرارة الجسدين بشكل مفاجئ، وامتلأت عضلاتهما بتوتر متلاحق، حتى بدت كأنها تنبض من الداخل.
عانقت الرعشة آيزابيلا وسندريلا معًا، فارتجفا بقوة، وتحولت أنفاسهما المتقطعة إلى صرخات مكتومة، تحررت من أعماقهما.
نظرت سندريلا إلى عيني آيزابيلا، والدهشة والرغبة تتلألأ فيهما، وهمست بصوتٍ كاد ينكسر:
"آيزابيلا... أنتِ كل شيء."
ردت آيزابيلا بلهفة، ممسكة بوجه سندريلا بين يديها:
"وأنتِ الحياة التي أتنفسها... لا أريد أن تنتهي هذه اللحظة أبداً."
ارتفع جسديهما واهتزّا معًا، كأن الكون بأسره صار له دقات قلبيهما، يتصاعد النشوة بينهما، تنسج خيوط حب متينة من بين أنفاسهما المتلاحقة.
وبينما كانا يترنحان على حافة الاستسلام الكامل، همست سندريلا بحنان:
"ابقى معي، لنترك العالم خلفنا
تراقصت أنفاسهما الثقيلة في أرجاء الغرفة، جسدا آيزابيلا وسندريلا يلتصقان بلهفةٍ واشتياق.
لم يعد هناك فاصل بينهما سوى تلك اللحظات المتسارعة من النشوة التي غمرت كل جزء منهما.
كانت جلودهما تلمع بعرق خفيف، ومناطق العانة عندهما مبللة بقطرات النشوة الدافئة، التي شهدت على عمق الشغف وتوحدهما في هذه اللحظة.
عضلات الفخذين مشدودة ومتوردة من الاحتكاك المستمر، والأصابع تنزلق على الجلد الرقيق بلهفة حانية، تلتقط كل ذرة من إحساس النشوة المتصاعدة.
أجسادهما ترتجف وتتمايل في انسجام، وأعماق الفرج تتنفس بعمق، تستقبل كل حركة، كل لمسة، وترسل إشاراتٍ مكثفة إلى الدماغ، لتزيد من حرارة اللحظة وتوسع دائرة اللذة.
كان الدفء يملأ كل خلية، والنشوة تتدفق عبر أوردتهما كما لو كانت نهرًا لا ينتهي، يجعل كل لمسة وأداة اتصال جسدي تحمل بين طياتها عذوبة اللقاء وصدق المشاعر.
تقهقعا معًا، ضحكاتهما تهتز بين أنفاس متقطعة، كأنها انفجار صغير يخرج فيه كل التوتر والضغط الذي احتبس في أعماقهما. كان التعب مسكوتًا عنه، لكن شغفهما تكسّر كل قيود الصمت.
التقت عيناهما بنظرة تتحدى كل ما حولهما، ثم انسابتا إلى قبلة بطيئة، ثقيلة، تحترق بالشوق الذي لم يعد يُمكن كتمانه. كانت القبلة كلامًا بلا كلمات، حوارًا بين جسدين أخيرا حُررا من قيود العمل والواقع.
ابتعدتا قليلاً، تلاقت أناملهما على أجساد بعضهما، لا تخجلان من اكتشاف كل ملمس، كل نقطة ضعف تحملها الأخرى. نظرت سندريلا بحدة، وهمست بصوت منخفض:
"كنتِ عاصفة تقتحم كل جدار فيّ، والآن... أريدك أن تحطمي كل مقاومتي."
ابتسمت آيزابيلا بثقة، ضاغطة على فخذ سندريلا بلطف لكن بثبات:
"وأنتِ، يا نارًا لا تُطفأ، جعلتني أذوب حتى في أكثر لحظات ضعفي."
ضحكتا بصوت منخفض، قبل أن تغوصا في حضن بعضهما، حيث لا مجال للقيود، ولا للخجل. كانت لحظة استسلام متبادل، يمزج بين القوة والرغبة، بين التعب والاحتياج العميق.
وفي مساء الغد، وقفتا أمام باب شقتهما الجديدة
إن صحّ تسمية تلك الزاوية شقة.
غرفة ضيقة، جدرانها باهتة تتنفس رطوبة خفيفة في الزوايا، لكنها كانت ملكهما أخيرًا.
لم تعدا مجرد نزيلتين مؤقتتين في فندق صغير، بل صار لهما مأوى يحميهما من برد الدنيا وغدرها.
دخلت آيزابيلا وألقت حقيبتها جانبًا بلا مبالاة، وقالت بصوت هادئ:
"ليست واسعة، ولا جميلة، لكنها... بيتنا."
ضحكت سندريلا وجلست على الأرض مباشرة، فتحت كيسًا ورقيًا احتوى عشاءهما المتواضع:
خبز يابس قليلًا، وبعض الفاصوليا المعلبة، وقارورة عصير رخيص الثمن.
"وأخيرًا، لا نأكل ونحن واقفتان!"
قالت وهي ترفع قطعة الخبز بين أصابعها كأنها قطعة كنز ثمين.
جلست آيزابيلا إلى جانبها، تتقاسمان الطعام بصمت، ثم نظرت إليها بابتسامة باهتة وقالت:
"هل تظنين أننا سنعتاد هذا؟"
ردت سندريلا وتمضغ ببطء:
"لا أريد أن أعتاد عليه، بل أريد أن أتجاوزه... خطوة بخطوة."
أومأت آيزابيلا برأسها بهدوء، واتكأت على كتف سندريلا بصمت.
في الخارج، كان المطر يواصل هطوله كأنه يغسل المدينة كلها، بينما هما تصارعان الغرق معًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
26 - الحياة اثقلُ من الحُب
مرّ الأسبوع الأول في شقتهما كما تمرّ الساعات في عربة قطار مُسرعة، لا وقت للتفكير، لا وقت حتى للشكوى.من السابعة صباحًا حتى الثالثة ظهرًا، كانت سندريلا تقود دراجتها الهوائية المتهالكة بين شوارع الحي الصناعي، تسلم طرودًا وتوقّع على أوراقٍ، تبتسم رغم التعب، تركض أحيانًا للحاق بالحافلة، وتبتلع غبار المدينة كأنها تتنفسه.
وفي الوقت ذاته، كانت آيزابيلا تملأ الأكواب وتُنظف الطاولات في مقهى شعبي مكتظ، تصبّ القهوة بنصف وعي، وتبتسم للزبائن بوجه أنهكته الساعات المتتالية.
يعودان للشقة في تمام الرابعة تقريبًا، في صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت انزلاق الحقائب أو تنهد عميق.
ساعة واحدة فقط تفصل بين دواميهما. ساعة تُستخدم غالبًا في غفوة مُتوترة، أو في إعداد طعام سريع لا طعم له، لكنه ضروري للبقاء.
من الخامسة حتى التاسعة مساءً، يخرج كل منهما مجددًا. آيزابيلا تعمل نادلة ليلية في مطعم صغير، تطارد الطلبات، وتنظف الطاولات، وتبتسم أكثر مما تحتمل.
أما سندريلا، فقد قبلت أي عمل متاح: تنظيف مخازن، ترتيب صناديق، أو حتى رفع نفايات لا فرق.
المهم أن يدخل المال، أن يظلا واقفتين، أن لا يعودا إلى الفندق الرخيص مجددًا.
ومع مرور الأيام، تصاعد التعب شيئًا فشيئًا.
صارت الأجساد تُعلن عن ألمها، العضلات تتصلب، الأكتاف توجع، والقدمان ترفضان الاستمرار أحيانًا.
تلاشت القبلات بينهما، لا لأن الحب مات، بل لأن الوقت لم يعد يرحم، ولأن أجسادهما تطلب الراحة قبل كل شيء.
كل منهما ترنو إلى الأخرى بنظرة حب، لكنها لا تجد في نفسها طاقة للعناق، فقط تنهيدة، وربما ابتسامة خافتة قبل أن ينسيا كل شيء في نوم ثقيل.
ذات ليلة، دخلتا الشقة متأخرتين.
تبادلت آيزابيلا وسندريلا نظرة سريعة، كأنهما تحاولان أن تتذكرا تلك الشرارة الأولى، لكن كل ما نطقت به أجسادهما كان طلبًا واحدًا: "دعيني أنام."
تمدّدتا على الفراش المتهالك، متقابلتين، تتنفسان ببطء.
اقتربت إحداهما، لامست أنامل الأخرى بخفة، لكنها لم تُكمل… فالنعاس كان أسرع من الشوق.
ومع ذلك، لم يختفِ الحب.
كان لا يزال هناك، يختبئ خلف التعب، ينتظر فسحة من الوقت، أو إجازة ليوم واحد فقط… كي يطل من جديد.
لم يكونا جاهزتين.
في الثامنة عشرة من العمر، لا يُفترض أن تتحمّل الأكتاف هذا الكم من الثقل.
لا الجسد جاهز، ولا القلب مهيّأ، ولا الروح تعرف كيف تُدارك هذا الإنهاك المستمر.
كانتا تعتقدان أن العمل والمشاركة والتقشف، مجرد مرحلة تُعبر، لكن الأيام بدأت تنحت وجوههما، والخطوط الدقيقة حول عيونهما لم تأتِ من الضحك.
تعود سندريلا متأخرة قليلًا عن موعدها، مرهقة، حذاؤها متّسخ، يدها تؤلمها من حمل صناديق ثقيلة.
تجد آيزابيلا وقد سبقتها إلى البيت، تغسل الصحون بصمتٍ متوتر، البخار يتصاعد من الحوض كأنه غيظ لا يُقال.
"أين كنتِ؟"
تسألها آيزابيلا دون أن تلتفت.
"سُئلت أن أُكمل ساعة إضافية… وإلا يستبدلونني."
ترد سندريلا وهي تخلع سترتها وتدس يديها بجيبها، تتجنب النظر إليها.
كان الرد البسيط كافيًا لإشعال شرارة توتر متراكمة.
صرّت آيزابيلا على أسنانها، ثم قالت وهي ترمي الملعقة في الحوض بصوت مرتفع:
"دائمًا هناك ساعة إضافية! دائمًا هناك عذر. لا يوجد وقت نلتقي فيه دون أن نكون منهارتين!"
رفعت سندريلا حاجبيها، تعبت هي الأخرى من محاولة إرضاء العالم حولها.
"وهل تظنين أنني أذهب للرقص؟! إن لم أعمل لا نأكل!"
"لكنني لست آلة!"
قالت آيزابيلا، صوتها يرتجف، ليس من الغضب فقط، بل من الإنهاك.
"ولا أنا!"
صرخت سندريلا لأول مرة، ثم عضّت على شفتيها لتمنع الدموع من الانهمار.
"لكننا علقنا… ولا مخرج."
سقط صمت ثقيل بينهما.
كلتاهما تعبت من الأخرى، ليس كرهًا، بل لأن وجود إحداهما يُذكّر الثانية بكل ما ضاع:
الشباب، الراحة، الحلم بأن الحب وحده يكفي… حين تآمرت الحياة ليُصبح الحب نفسه عبئًا إضافيًا.
تقابلت نظراتهما في مرآة المطبخ، وكأن كلاً منهما ترى في الأخرى نفسها:
عينيها المرهقتين، جسدها المكدود، أحلامها المؤجلة.
لم تعودا عاشقتين فقط، بل شريكتين في صراع يومي ضد الجوع، وضد الانهيار.
تقدّمت آيزابيلا نحو سندريلا ببطء، ثم همست وكأنها تتحدث إلى جرح:
"أنا آسفة… لا أغضب منك… بل من كل هذا. من المدينة. من الفقر. من العجز."
ضمّتها سندريلا إلى صدرها دون كلام.
لم يكن هناك مكان لقبلات هذه الليلة، ولا لحنين،
فقط عناقٌ صامت بين فتاتين صغيرتين، خُدعتا بأن النضج يعني الحريّة، ثم اكتشفتا أن الحريّة دون قدرة… مجرد سجنٍ من نوع آخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صباح اليوم التالي، بدا كل شيء ساكنًا... أكثر من اللازم.
كان من المفترض أن تستيقظ سندريلا قبْلها، كما تفعل كل يوم، تتأفف من البرد، تتسلل إلى المطبخ الصغير لتغلي ماء الشاي، وتبحث في كيس الخبز عن أي كسرة تصلح للفطور.
لكن اليوم، كان الهدوء غريبًا. خانقًا.
اقتربت آيزابيلا من السرير المتآكل، لترى جسد سندريلا ملفوفًا بالبطانية القديمة، يتقلّب ببطء، ووجهها شاحبٌ بصورة تُشبه الغياب.
"سندريلا؟"
همست آيزابيلا، قبل أن تجثو على ركبتيها بجانب السرير وتلمس جبينها
حرارة. حرارة عالية جدًا.
أشبه بالجمر.
"سندريلا، أجيبيني، ما بك؟"
تفتحت عيناها قليلاً، مغمغمةً بكلمات غير مفهومة. نظراتها تائهة، أنفاسها ثقيلة، خدّاها محتقنان، وشفتيها جافتان بشدة.
لكن ما أفزع آيزابيلا لم يكن الحمى فحسب… بل الاصفرار في وجهها. ذلك اللون الرمادي المصفرّ الذي لا يُشبه حُمّى عادية.
شهقت آيزابيلا وهي تضع يدها على فمها، قلبها يطرق بعنف.
"لا، لا، لا... ليس الآن... ليس هكذا..."
جلست قرب السرير، تمسح جبين سندريلا بمنشفة مبللة، يداها ترتجفان.
تريد أن تبكي، لكن ليس الآن. عليها أن تتحرك. أن تفكر.
نظرت إلى الساعة. السادسة والنصف صباحًا.
دوامها يبدأ السابعة.
إن تأخرت، ستُطرد. وإن طُردت، لا مال. وإن لم يكن هناك مال، فلن تقدر على شراء دواء، ولا على زيارة الطبيب، ولا حتى على شراء حساء يدفئ جسد سندريلا المنهك.
"اللعنة..."
تمتمت، تنهض واقفة ببطء، تدفن وجهها بين يديها.
كان الموقف أكبر منها.
هي ابنة الثامنة عشرة، بالكاد تعرف كيف تعتني بنفسها، والآن... تقف وحدها في مواجهة مرض مفاجئ، فقر خانق، وخوف لا يُسمّى.
نظرت إلى سندريلا، التي تغرق في عرقها وصمتها، قلبها يخفق خفقًا متسارعًا.
"سامحيني..."
همست آيزابيلا وهي تهمّ بالخروج.
"سأعود سريعًا... سأعمل... وسأحضر لكِ الدواء... فقط اصمدي."
أغلقت الباب خلفها وهي تركض في الممر الضيق للبناية القديمة، لا تعرف ما إن كانت ستصمد هي الأخرى هذا اليوم، لكنها تعرف أنها يجب أن تفعل.
لأجلها.
لأجل سندريلا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في المساء، داخل المطبخ الخلفي للمطعم،
حيث تصاعدت رائحة الزيت المحروق والتعب من كل زاوية.
وقفت آيزابيلا أمام مديرة العمل، امرأة في أواخر الأربعينات، صارمة الوجه، تمسك بفنجان قهوتها كأنها تزن به العالم بأكمله.
كانت عيناها تتحركان بين الأوراق وبين آيزابيلا ببرود.
قالت المديرة دون أن ترفع رأسها:
"لا يمكنني صرف أي جزء من راتبك قبل موعده. هذا هو النظام."
همست آيزابيلا، وصوتها متشقق كأن فيه رمادًا: "أرجوكِ... فقط نصف المرتب... أو حتى ربع.
حبيبتي مريضة جدًا...
لا أملك حتى أجرة طبيب."
رفعت المديرة نظرها، عينيها جامدتان:
"أنا آسفة، لكننا لسنا جمعية خيرية."
هزت آيزابيلا رأسها بيأس، واقتربت خطوة، كأن قربها قد يلين شيئًا في قلب المديرة.
"أرجوكِ... أنا أعمل كل يوم، دون راحة، من السابعة حتى التاسعة مساءً، لا أتأخر، لا أشتكي... فقط هذه المرة.
إن لم أُحضر طبيبًا اليوم، قد... قد تسوء حالتها أكثر..."
صمتت لحظة، ثم خفضت رأسها قليلًا، تشابكت يداها أمام صدرها، وتكاد تنهار:
"أقسم أنني سأعوض المبلغ... فقط لا أريد أن أراها بهذا الشكل مجددًا... كانت ترتجف بين يديّ، حرارتها تحرقني ووجهها شاحب كالرماد..."
تنهّدت المديرة، ببطء، ثم وضعت فنجانها جانبًا. مدت يدها إلى الدرج، أخرجت ببطء ظرفًا أبيض اللون، ووضعت فيه نصف الراتب دون كلمة.
مدّت الظرف نحو آيزابيلا، وقالت وهي تعود لملامحها المتحفظة:
"اعتبريه سلفة لمرة واحدة. تأخرك دقيقة واحدة بعد اليوم، وسأخصمه كله."
أخذت آيزابيلا الظرف بيدين مرتجفتين، وانحنت لها باختناق:
"شكرًا... لن أنسى هذا..."
وهرعت خارجًا، ودمعة ساخنة انزلقت من عينها... لا تدري إن كانت من الذل، أم من الخوف، أم من الحب الذي جعلها تنسى كل شيء إلا سندريلا.
خرجت آيزابيلا من الصيدلية تجري، تحمل في يدها كيسًا صغيرًا فيه دواء للحمى، وعلبة مغلقة من الشوربة الجاهزة، وكيسًا صغيرًا فيه خضار وأرز. لم تنتظر الباص، لم تحتسب الطريق، كانت قدميها تلهثان قبل أن يلهث صدرها.
فتحت باب الشقة الصغيرة بقوة.
كان الهواء مشبعًا بحرارة غريبة، كأن الغرفة نفسها مريضة.
نادت بخوف:
"سندريلا؟ أنا عدت!"
لكن لا رد.
دخلت بسرعة إلى الغرفة الوحيدة في الشقة، فوجدت سندريلا على السرير، مغطاة ببطانية خفيفة، نصف جسدها خارج الغطاء، وذراعها تمتد ببطء نحو كوب ماء على الطاولة القريبة، لكنها بالكاد تستطيع تحريكه. وجهها شاحب، وجبينها يلمع من العرق، وعيناها نصف مفتوحتين، تائهتين.
ركضت آيزابيلا نحوها، وضعت الكيس جانبًا، وساعدتها فورًا على الجلوس ببطء، وسقتها رشفة من الماء وهي تهمس: "أنا هنا... أنا هنا، آسفة لتأخري."
همست سندريلا بصوت ضعيف بالكاد يُسمع:
"كنتِ... تأخرتِ... ظننتني... سأذوب."
ضحكت آيزابيلا بمرارة، ومسحت وجهها بكم قميصها: "لا تذوبي، من فضلك. ما زلنا لم ندفع فاتورة الكهرباء."
لكن قلبها كان يرتجف.
لم تكن تعرف كيف تعتني بمريضة.
لم تترك بجوارها مناشف مبللة، ولا ميزان حرارة، ولا حتى وسادة إضافية.
جلست إلى جانبها، ووضعت يدها المرتجفة على جبينها، ثم همست وهي تحاول الثبات:
"حرارتك مرتفعة جدًا... سأُعطيك الدواء، ثم أعد لك الشوربة... فقط تحمّلي قليلاً."
كانت الغرفة ضيقة، لكن ما ضاق أكثر كان صدر آيزابيلا...
شعرت بأنها صغيرة، أصغر من هذه المسؤولية بكثير.
لم تتعلم كيف يُعتنى بمن تحب حين يكون ضعيفًا.
كل ما تعرفه هو كيف تُقاتل. لكن ماذا لو لم تكن المعركة هذه المرة في الشارع، بل على سرير مهترئ؟
أخذت الدواء، وقربته إلى فم سندريلا، وسقتها بلطف، ثم عدت لتقف، تخبطت في الأكياس بحثًا عن الشوربة، وضعتها على النار، وراقبتها وهي تغلي، بينما كانت تلتفت كل دقيقة لتتأكد أن سندريلا ما زالت تتنفس.
في تلك اللحظة، أدركت شيئًا صغيرًا...
أن الحب ليس فقط قُبلة، أو حديثًا تحت المطر.
بل هو هذا الرعب الصامت، وهذا اللهاث في الصيدلية، وهذه اليد التي تحمل كوب ماء بارتباك.
مرّ يوم... ثم يومان.
الساعة تدق السابعة صباحًا، فتخرج آيزابيلا من الشقة بهدوء، تلقي نظرة خاطفة على جسد سندريلا الراقد على الفراش، ثم تغلق الباب بخفة كأنها تخشى أن توقظ الألم.
تعمل في الصباح، وتعمل في المساء.
من السابعة حتى التاسعة ليلًا، تسير بين المطاعم ومحطات التنظيف وهي لا ترى سوى وجه سندريلا كلما غابت عنها لحظة.
وحين تعود إلى البيت، لا تجد شيئًا تغيّر...
بل الأسوأ، أن سندريلا كانت تزداد خفوتًا.
لم تعد الحرارة تلهب جبينها...
بل صارت بشرتها باردة على غير العادة، كأن شيئًا انسحب منها بهدوء.
مدّت آيزابيلا يدها ذات مساء إلى جبينها، فارتعشت أصابعها، كأنها لامست الجليد.
قالت بصوت متهدج:
"باردة... لا... هذا لا يُطمئن."
كل الدواء الذي اشترته لم يعد يُجدي. كانت تظنها حمى عادية من الإرهاق، لكنها بدأت تشك.
هل كانت مريضة أصلًا قبل أن يبدآن هذا المشوار؟
هل هناك شيء لم تعرفه عنها؟
أم أن التعب والضغوطات والبرد والجوع والركض اليومي قد انهالوا عليها دفعة واحدة، فأسقطوها؟
كانت سندريلا أحيانًا تهمس بكلمات مبعثرة لا تُفهم، وأحيانًا لا تفتح عينيها لساعات.
وكلما رأت آيزابيلا هذا التدهور، كانت تشعر أنها تخونها...
لأنها لا تملك الوقت ولا المال ولا الخبرة.
في أحد الليالي، جلست آيزابيلا إلى جانبها، وضمت يدها برفق، تمسحها بإبهامها، وهمست لها، رغم أنها لا تعرف إن كانت تسمع: "سامحيني... لم أكن أعرف أن الحياة يمكن أن تكون قاسية هكذا. لم أكن أعرف أني سأفشل بهذا الشكل."
لم يكن لديها رفاهية الانهيار، فالغد ينتظرها بعبء جديد، وعمل أطول، وباب لم يُسدده أحد بعد.
في اليوم الثالث، جلست تقلب بقايا قروشها.
لم يكن هناك ما يكفي لطبيب...
لكن إن تأخرت أكثر، ربما لن يكون هناك من يحتاج الطبيب أصلًا.
في صباح اليوم الرابع، كانت عينا آيزابيلا قد تورّمتا من قلة النوم، وجسدها متعب، لكنّ قلبها صار أثقل من أن يُحتمل.
سندريلا لا تزال شاحبة... باردة كالماء... لا تبدي ردة فعل حين تناديها، لا تصرخ من الألم، فقط تُصدر همسات خافتة، كأن روحها تذوب في الصمت.
آيزابيلا لم تعد تتحمل فكرة الانتظار.
لقد سقطت فكرة "الصبر" من حساباتها تمامًا.
جمعت ما تبقى من المال في محفظتها فتات عملها لثلاثة أيام، ونصف ما أعطتها المديرة سابقًا، وبعض القطع النقدية التي كانت تخبئها للطعام.
حدّقت فيها...
لم تكن تكفي للعلاج، ولا حتى للدواء.
لكن ربما... ربما تكفي فقط للكشف.
لم يكن هناك خيار آخر.
في ظهيرة ذلك اليوم، استأذنت من العمل وخرجت مُسرعة، تحمل سندريلا، شبه غائبة عن الوعي، متكئة على كتفها.
سارت بها في طرقات نوفاليس الواسعة، تحت شمس رمادية خانقة، حتى وصلت إلى عيادة صغيرة في زقاق جانبي، سمعت من أحد الزبائن أنها "لا تأخذ الكثير"، وربما الطبيب هناك يتعاطف إن رأى المريض على حافة الانهيار.
فتحت الباب بصوت مرتجف، ودخلت.
كانت العيادة بسيطة، جدرانها باهتة، وامرأة مسنة تجلس خلف المكتب تسجّل المواعيد.
تقدّمت آيزابيلا وهمست بتعب:
"من فضلك... نحتاج فقط فحصًا. حالتها تتدهور... ليس لدينا الكثير... فقط... فقط الفحص."
السكرتيرة نظرت إليها، ثم إلى سندريلا المتكئة على كتفها، بعينٍ أرهقها التكرار... لكنها لم تقل شيئًا، فقط أشارت إلى الباب خلفها: "الدكتور مشغول. انتظري خمس دقائق."
خمس دقائق بدت كدهر.
حين دخلت أخيرًا، كانت الكلمات تخرج من فم آيزابيلا متقطعة، تحاول أن تشرح كل ما مرت به سندريلا في الأيام الماضية، كيف بدأت الحمى، كيف صارت البرودة... كيف لم تعد تأكل.
الدكتور، رجل خمسيني له نظرة صامتة، فحص سندريلا بعناية، ثم سأل أسئلة كثيرة، بعضها لم تعرف إجابته.
وحين انتهى، لم يطمئنها.
قال بصوت منخفض وهو يخلع قفازاته: "ما تمر به لا يبدو حُمّى عابرة. هناك اشتباه في عدوى عميقة، أو خلل في جهاز المناعة... قد يكون الأمر بسيطًا أو معقدًا، لكننا لن نعرف حتى تُجري فحوصات دم وصورة أشعة."
نظرت إليه بعينين دامعتين:
"لكن... ليس لدي ما يكفي."
ردّ، بنبرة لا تحتمل جدال:
"الفحص وحده كلّفك ما في جيبك، أليس كذلك؟"
أومأت.
"أنا آسف يا صغيرة... لكن دون تحاليل، لا يمكنني أن أخبرك بشيء دقيق. عليكِ أن تعتني بها جيدًا، وترتاح... الدواء الذي استخدمتيه لم يكن مناسبًا. أوقفوه فورًا."
آيزابيلا لم تقل شيئًا.
ضمّت سندريلا إليها، وخرجت بخطى متثاقلة، كأن أبواب المدينة ضاقت أكثر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أغلقت الباب خلفها بهدوء، كأنها تخشى أن يُكسر شيء في الهواء من حولها.
سندريلا نائمة أو ربما غائبة
في زاوية فراش لا يُشبه إلا البرد.
وجهها لا يزال شاحبًا، وجبينها يحترق رغم أن جسدها مثل الثلج.
آيزابيلا جلست إلى جوارها، عيناها تجوّلان على الأرض، ثم إلى جيبها...
لا شيء.
حرفيًّا لا شيء.
ولا حتى عملة معدنية صغيرة.
رأسها على الحائط، والدموع على خدّها.
جسدها منخور بالإرهاق، قلبها محطم، لكن الوقت لا ينتظر.
هي لا تستطيع التوقف.
وسندريلا بحاجة لدواء... ولطعام.
همست، وهي تقبّل جبين حبيبتها بصوت مبحوح: "آسفة... آسفة يا روحي... سأعود."
خرجت من المنزل، والشمس بدأت بالغياب، والبرد ينتفض في أطرافها.
كانت خطواتها بطيئة، مرتبكة، مترددة، حتى وصلت إلى "متجر تسوق كبير" في الحي المجاور الأكبر، والأسهل للاندساس فيه، والأكثر ازدحامًا.
وقفت أمام الباب الزجاجي، تتنفس بصعوبة، تتفحص وجوه المارة، حركتهم، الكاميرات...
أصابعها ترتجف.
صدرها يعلو ويهبط بعنف.
هي لم تسرق من قبل.
لم تمد يدها يومًا لما لا تملكه.
لكن الآن؟ الآن لا تملك أي شيء.
والجوع في البيت.
والحمى في البيت.
وسندريلا تنتظر.
دخلت السوبرماركت بخطى ثابتة ظاهريًا، منهارة داخليًا.
اختارت سلة صغيرة... لا، لا سلة. يدها فقط وحقيبة كتفها
مرت من قسم الخبز... قطعة واحدة تكفي.
دجاجةً صغيرة مجمدة
لعبة كيس شاي يهدئ الوجع، ربما يخفف من رجفة سندريلا.
ثم توقفت عند قسم الأدوية البسيطة التقطت شريطان مسكن للألم
قلبها كان يضرب كما لو أن أحدًا يركض داخله.
تجولت ببطء، وكأنها تبحث عن شيء آخر، تتفحص الأرفف، وفي حقيبة كتفها تخبئ كل ما اخذت
لم تكن خبيرة.
لم تكن لصّة.
كانت يائسة.
اقتربت من الباب.
خطوتها الأخيرة كانت الأطول في حياتها.
عينها على الحارس، على الموظفين، على المارة.
وحين خرجت...
لم يوقفها أحد.
لكن قلبها توقف.
بدأت تسير بسرعة.
ثم أسرعت أكثر.
ثم ركضت.
ركضت كمن يفر من جريمة...
ركضت كمن يهرب من خيانة لمبادئه، من خوفه، من ضعفه، من العالم.
ولمّا وصلت إلى عتبة الباب، وقفت للحظة تلهث، عيناها لا تصدقان أنها ما زالت حرّة.
فتحت الباب ببطء، ودخلت.
سندريلا لا تزال هناك. في ذات الوضع. الصمت يملأ الغرفة.
ركعت آيزابيلا إلى جوارها، وضعت الطعام والدواء جانبًا، ثم أخذت يدها الباردة بين كفّيها المرتجفين.
قالت بصوت متهدج، بالكاد يسمع:
"سامحيني... اضطررت..."
ثم ضمتها، كأنها تحاول أن تمنحها بعضًا من دفء جسدها، أو ربما بعضًا من الحياة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
27 - أمي كانت محقة
عادت آيزابيلا إلى الشقة، تركض في الممرات الضيقة للعمارة القديمة، حقيبة كتفها تهتز مع كل خطوة ثقيلة.
لم تكن تشعر بقدميها... بل كانت تمشي على خيوط من التوتر والخوف والشعور بالذنب الذي يخنق أنفاسها.
فتحت الباب بهدوء، كأنها تخشى أن توقظ العالم كله بصوت المفاتيح، لكنها لم تكن تخشى العالم... بل ما فعلته.
دخلت، والبرد كان قد تسلل إلى العظام.
وضعت الحقيبة على الأرض، ثم أسرعت نحو سندريلا.
كانت الأخيرة غارقة في عرق بارد، وجهها شاحب، أنفاسها ضعيفة، والوسادة تحتها رطبة من الحمى والتعب.
همست آيزابيلا بصوت مرتعش وهي تجثو إلى جانبها:
"أنا هنا... عدت... كل شيء سيكون بخير، فقط اصمدي قليلاً بعد..."
أخرجت من الحقيبة دجاجة مثلّجة، علبة شاي صغيرة، ودواءين لتسكين الألم، ووضعتها على الطاولة بسرعة. لم تفكر أين ستطبخ أو كيف ستسخّن الماء، فقط ركزت على أن سندريلا تحتاج إلى شيء الآن، ولو كان وهماً من الطمأنينة.
اقتربت منها، وأخذت منشفة مبللة من الحمام، وضعتها على جبينها، ثم جلست على الأرض ممسكة بيدها، لا تدري هل ترتجف من البرد أم من ما فعلته، أم من فكرة أنها ما عادت تملك شيئاً في هذا العالم...
سوى هذه الفتاة الممدة أمامها.
همست من جديد، بصوت شبه مكسور:
"من أجلك... كل شيء يهون."
ثم أسندت جبينها على ذراع سندريلا، تُقاوم دمعة تهدد بالسقوط... وداخلها، كانت تدعو ألا يكون الأوان قد فات.
في ضوء خافت تسرب من النافذة الصغيرة، جلست آيزابيلا على الأرض قرب السرير، تُطالع وجه سندريلا الذي لم يعد يشبه ملامحه القديمة.
خدودها الغائرة، بشرتها المائلة للرمادي، الشفتان اليابستان، وكل شيء فيها يصرخ بالألم.
أطعمتها ببطء... ملعقة بعد أخرى من حساء الدجاج الدافئ، صنعتها من الماء، وبعض قطع الدجاج التي بالكاد نضجت، بالكاد تماسك طعمها.
كانت سندريلا تفتح فمها بصعوبة، تبتلع بشقّ الأنفس، وكأن الجهد في الحياة نفسها بات عبئًا لا يُحتمل.
قدّمت لها حبتين من المسكن، وبعد نصف ساعة تقريبًا، بدأت ملامحها تهدأ قليلاً.
استرخت عيناها، وتنفّست بصعوبة أقل، لكن آيزابيلا كانت تعرف... هذا مجرد تسكين مؤقت.
كل مرة يعود الألم بعدها أشدّ، أعمق، وكأن سندريلا تُعاقَب على بقائها حيّة بهذا الشكل.
كانت آيزابيلا تراقبها... ساعة، وساعتين، بلا نوم، بلا دموع.
فقط ساكنة، منهارة من الداخل، تمسح جبينها بمنشفة مبللة، وتهمس بين حين وآخر بكلمات لا تصدقها:
"ستتحسنين... فقط القليل بعد..."
لكن لا تحسُّن. لا أمل. لا دواء.
لم يكن هناك شيء، لا في يديها، ولا في العالم.
وهي في الشهر والنصف منذ خروجهما من المنزل، شعرت أن الزمن قد سحب كل شيء منها.
أمانيها، شجاعتها، حبها الذي صار الآن عبئًا تخشى أن ينهار بين ذراعيها.
نظرت إلى السقف، والظلال تدور من وهج مصباحٍ بالكاد يعمل، وهمست بصوت منكسر، مبحوح:
"ما هذا الحب الذي قد يقتل صاحبه؟..."
غطّت وجهها بكفّيها، تشعر بالعجز ينهشها.
لا طعام للغد
. لا دواء.
لا قرش في الجيب.
ولا قلب قادر على التحمل بعد الآن.
كل ما تبقّى... كانت سندريلا.
وهي الآن، تحترق ببطء أمامها.
في لحظةٍ اختلط فيها كل شيء… خوفها، قلقها، إرهاقها، وانكسارها الصامت… انفجرت.
أقدمت بخطوات متعثرة نحو الزاوية، حيث تُركت الحقيبتان القديمتان، وأخذت تفتح الأدراج، تجمع الثياب بيدين ترتجفان. لم تكن تفرز شيئًا، لا تفكر. فقط تتحرك... بدافعٍ لا تعرفه سوى الغريزة.
الدموع لا تنزل، لكنها كانت على وشك، خلف عينيها مباشرة، تنتظر الإذن.
وضعت معطف سندريلا فوق الملابس المطوية، ثم حذاءها، ثم الأدوية الفارغة، وحتى قارورة الماء البلاستيكية.
"سنرحل..."
قالت بصوت متكسر، لم يسمعه أحد، فقط الجدران الكئيبة.
"سنعود..."
كانت سندريلا غارقة في أنفاس متقطعة، عيناها نصف مغمضتين، بالكاد تدرك ما يحدث حولها.
لم تسأل، لم تعترض، كانت معلّقة بين الحمى والواقع.
آيزابيلا نظرت إليها، ثم شهقت شهقة حادة، وكأن صدرها لم يحتمل ذلك الكمّ من العجز.
"إن كان هذا الحب سيجعلك هكذا..."
همست بصوت أقرب إلى الانهيار، "فأنا لا أريده. لا أريد حبًا يسلبك صحتك، يأكلك حيّة لأننا لا نملك أوراقًا تافهة تُسمى نقودًا."
سقطت على ركبتيها أمام السرير، ووضعت جبينها على حافة المرتبة البالية. مدت يدها وأمسكت بأطراف أصابع سندريلا، فكانت باردة، نحيلة، ساكنة.
همست برجاء:
"سامحيني... أنا فقط أردت أن نعيش."
كان الليل ساكنًا خارج النافذة، سوى هدير الريح، وبقعة ضوء من مصباح شارعٍ لا يكفي لتبديد ظلام غرفةٍ امتلأت بالخوف، والانكسار، وحبٍ أثقله الفقر والمرض.
لكن في كل ذلك الانهيار...
كانت هناك نبضة. ضعيفة، لكنها موجودة.
ربما تكفي ليومٍ آخر.
آيزابيلا كانت تجثو أمام الحقيبة، يدها تهتز وهي تطوي القميص تلو القميص، لا تفرق بين الملابس المطوية والدموع التي تسقط على نسيجها.
كانت تضع الأحذية، كأنها تفرّ من شيء ينهشها من الداخل، وهي تهمس بارتباك:
"لا أستطيع… لا أستطيع أن أراكِ هكذا… كل هذا فقط لأجل حُلم؟ لأجل تحدٍ؟"
وفي تلك اللحظة…
لحظة ضياع ما بين صوت تنفّس ثقيل وحقائب تُحشى،
ارتدت إلى ذاكرتها تلك الجملة…
"لن تستطيعا، يا صغيرتي… أضمن لكما شهراً واحدًا، لا أكثر."
كأن مارغريت الآن تقف في الغرفة، ليست شبحًا، بل ضميرًا حيًا.
حينها كانت تظنها جملة شك، جملة خذلان من أمّ لا تؤمن بابنتها…
لكن الآن، بين هذا السرير وهذه الحقيبة، فهمت.
همست آيزابيلا لنفسها، وظهرها للسرير:
"لم تكوني تشكين بي… كنتِ ترين الحقيقة التي أنا الآن أعيشها."
توقفت للحظة، ثم جلست على الأرض، ويدها ما زالت تقبض على الحقيبة دون وعي.
نظرت إلى جسد سندريلا الضعيف، وسمعت أنينها الخافت.
"أنا آسفة... لم أكن مستعدة. لا لهذا الجوع… ولا لهذا الحب الذي ينهك."
في تلك اللحظة… لم تكن تبكي فقط على سندريلا، بل على نفسها،
على فتاة عمرها ١٨ عامًا حاولت أن تكون أكبر من العالم…
وخسرته.
في صباح اليوم التالي، كانت السماء رمادية، كأن المدينة تعكس قلب آيزابيلا المُثقل.
ركعت أمام سندريلا، وألبستها معطفًا صوفيًا رقيقًا بالكاد يغطي نحولها، ثم ساعدتها على الجلوس في كرسي متحرك قديم استعارته من الجارة العجوز في الطابق الأرضي.
سندريلا بالكاد كانت تفتح عينيها، شفاهها جافة، وأنفاسها ضحلة، لكن ابتسامة صغيرة علت وجهها وهي تهمس بصوت مبحوح:
"إلى أين...؟"
آيزابيلا لم تُجِب.
كانت تعلم أن الإجابة ستكسرها أكثر.
حملت حقيبة سفر كبيرة بيدها اليمنى، ثقيلة بما يكفي لجعل كتفها يتأوه، وباليد اليسرى كانت تدفع الكرسي بعزم، رغم أن ساقيها بالكاد تحملانها بعد ليالٍ بلا نوم، وأيامٍ بلا راحة.
الشارع بدا أطول من المعتاد، كل خطوة تُسرق من قواها.
تجاوزتا الأرصفة، وتحت المطر الخفيف الذي بدأ يهطل، لم تكلف آيزابيلا نفسها عناء فتح مظلة.
كأنها لم تعد تخاف من البلل، فقد غرقَتْ بالفعل…
في التعب، وفي الألم، وفي الخوف.
حين وصلتا إلى محطة نوفاليس الرئيسية، كان قلب آيزابيلا يطرق جدران صدرها بجنون.
لم يكن معهما أي نقود.
لا لتذكرة، ولا لوجبة، ولا حتى لقطعة خبز.
دفعت الكرسي بخفة داخل القاعة، مارة ببوابة الدخول، تتفادى عيون الموظفين، تخفض رأسها، تسير بهدوء تام.
صوت العجلات المعدنية للكرسي كان يبدو لها أعلى من صفارات القطارات.
لكن لم يوقفهما أحد.
لا أحد يهتم.
جلست على أحد المقاعد الخشبية بجوار الرصيف، ولفّت سندريلا ببطانية رمادية كانت تحملها، ثم جلست بجوارها وهي تلهث.
نظرت إلى القطار الذي بدأ يقترب، هديره يملأ الفراغ...
"أمي كانت محقة..."
ثم التفتت إلى سندريلا، وقبلت جبهتها المحترّة بخفة.
"سنركب هذا القطار، ولن ننظر خلفنا."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
28 - نُضجٍ للُحب لا قمعاً
كانت الغرفة ساكنة، إلا من أنينٍ خافت ينبعث من السرير في الزاوية.
آيزابيلا تجلس على حافة المقعد، يداها مشدودتان على ركبتيها، وعيناها لا ترتفعان عن الأرض. خصلات شعرها ملتصقة بوجهها من العرق والتعب، وثيابها رطبة من الرحلة. صوت أنفاسها متقطّع، كأنها لا تزال تركض.
مارغريت، واقفة أمامها، يداها متشابكتان، نظرتها حادة، لكنّ وراء القسوة دفءٌ لا يظهر بسهولة.
على السرير، كانت سندريلا ترتجف، وجهها شاحب كالثلج، غارقة بين طبقات البطانيات التي لم تمنع جسدها من الارتعاش.
مرت لحظة طويلة قبل أن تقول مارغريت، بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
"إذن... فشلتما."
كلماتها سقطت كالسندان على رأس آيزابيلا، فهوت كتفاها قليلاً، لكن وجهها لم يرتفع. دموعها كانت تنزل في صمت، بطيئة، ثابتة.
لكنها لم تبكِ لأنها خَسِرت التحدي...
ولا لأنها عادت إلى بيت أمها كما توقعت الأخيرة.
بل كانت تبكي من شيء أعمق:
الخوف الذي سكنها لأيام، وهي ترى حبيبتها تذبل أمامها، وهي تعجز عن فعل شيء.
البرد الذي شعرت به كل ليلة وهي تُطعم سندريلا ما سرقته من طعام، ولا تدري إن كان الغد سيحمل عقوبة، أو موتًا، أو كليهما.
آيزابيلا رفعت رأسها أخيرًا، ببطء شديد، بعينين غائرتين، وقالت بصوتٍ مبحوح:
"لم أفشل... في حبها."
سكتت لحظة، ثم تابعت، ودموعها تسبق صوتها:
"فشلت فقط... في إنقاذها."
مارغريت لم تُجب، كانت تنظر إليها طويلاً، وكأنها ترى ابنتها لأول مرة ليست **** مدللة تهرب من البيت، بل امرأة صغيرة أرهقها الحب، وأثقلها الخوف، لكنها لم تتخلَّ.
"لم أعد لأنني ضعيفة..." قالت آيزابيلا، "عدت لأن سندريلا... كانت ستموت إن لم أعد بها. وكان الحب الذي جمعنا، هو الشيء الوحيد الذي جعلني أختار الهزيمة بشرف... لا أن أدعها تنهار على رصيف محطة."
تقدمت مارغريت نحوها خطوة، ثم جلست على المقعد المقابل بهدوء.
"وكنتِ ستبقين هناك، حتى لو متما، فقط لتُثبتا أنكِ على صواب؟"
أجابت آيزابيلا، هامسة:
"لا. لم أعد أُحارب لأُثبت شيئًا. كنت أحارب... لأحميها."
سكنت الغرفة من جديد بعد كلمات آيزابيلا. لم يعد هناك شيء يُقال.
مارغريت كانت صامتة لوهلة، ملامحها صارت أقرب للغموض منها إلى الغضب أو العتاب. لا غضب في عينيها، بل نظرة يصعب فكّ رموزها. لم تقترب، ولم تُبعد، كانت بين الحالتين كأنها تتفحص ابنتها عن بعد، لا لتدينها، بل لتفهمها.
ثم قالت، بصوت هادئ، متماسك:
"سنتحدث لاحقًا... حين تتحسن سندريلا."
أشاحت وجهها قليلًا نحو النافذة، وكأنها تبتلع مشاعر لم تكن تنوي البوح بها الآن، ثم أضافت بنبرة خافتة، لكنها واضحة:
"كما أخبرتك حين ذهبتِ... أنتما مرحّب بكما دومًا في هذا المنزل، مهما طال غيابكما.
أنا لست قاسية يا آيزابيلا.
أنا فقط أم... تريد الخير لابنتها، حتى إن بدوت عكس ذلك."
نظرت إليها آيزابيلا من مكانها، لم تقل شيئًا. كانت الدموع ما تزال على وجنتيها، لكنها لم تبكِ أكثر. اكتفت بالنظر... والنفس الثقيل الذي خرج من صدرها كأنه أفرغ شهورًا من التوتر دفعة واحدة.
مارغريت وقفت، أعادت ستر حافّة وشاحها على كتفها، ثم سارت نحو الباب بخطوات صامتة.
وغادرت.
أغلقت آيزابيلا الباب خلف أمها، ثم عادت إلى السرير.
سندريلا ما تزال غائبة في حمى متقطعة، لكن وجهها بدا أقل شحوبًا الآن...
وكأن وجود السقف المألوف فوقهما أزال طبقة من الألم.
جلست إلى جوارها، سحبت يدها الباردة بين كفيها، وهمست لها:
"لم نفز يا سندريلا...
لكننا لم نخسر بعضنا.
وهذا يكفيني الآن."
وضعت جبهتها على يدها، وأغمضت عينيها.
كانت مرهقة، مُنهكة، خالية الجيب...
لكنها كانت بجانب من تُحب.
وهذا وحده... كان يعطيها سببًا لتبقى واقفة.
لم يمضِ وقت طويل بعد مغادرة مارغريت الغرفة، حتى طُرق الباب بلطف، وفتحته خادمة المنزل لتدعُ دكتورًا مسنًّا يدخل الغرفة بخطوات هادئة، يحمل حقيبته الجلدية العتيقة.
كان في ملامحه حكمة السنوات، وعيناه تلمعان بخبرة من رأى الكثير من الألم... والقليل من النجاة.
اقترب من السرير، حيث كانت سندريلا لا تزال ممددة، وجهها شاحب، وجبينها يلمع من أثر الحمى.
آيزابيلا نهضت فورًا، ابتعدت خطوة إلى الوراء لتمنحه المجال، لكنها بقيت قريبة، قريبة بما يكفي لالتقاط أنفاسها القلقة.
وضع الطبيب يده على جبين سندريلا، تمتم بكلمات هادئة وهو يبدأ بفحص النبض والحرارة والتنفس.
ثم التفت نحو آيزابيلا بصوت خافت:
"منذ متى على هذه الحالة؟"
أجابت، تحاول التماسك:
"منذ ثلاثة أيام... أو أربعة.
كانت الحرارة شديدة، ثم تحولت إلى برودة غريبة... لا تقوى على الحركة.
أعطيتها مسكنات، وشوربة دجاج...
لم يكن لدينا ما هو أكثر."
أومأ الطبيب برأسه، وواصل فحصه ببعض الأسئلة، ثم فتح حقيبته، وأخرج منها أدوات بسيطة للفحص السريري.
لم يستغرق الأمر طويلًا، قبل أن يعيد أدواته إلى الحقيبة، ويقف بتنهيدة عميقة.
"ليست مجرد حمى.
إنها منهَكة تمامًا... الجسد مستنفد.
ضعفٌ حادّ، وسوء تغذية، وإجهاد متراكم.
إذا لم تبدأ علاجًا صحيحًا، فقد تنهار أجهزة جسدها الواحدة تلو الأخرى."
ثم نظر مباشرة إلى آيزابيلا، وأضاف بنبرة أكثر حزمًا:
"هي لا تحتاج للراحة فقط، بل لنظام تغذية حقيقي، وفيتامينات، وأدوية مخصصة.
و... بيئة آمنة."
تلك الكلمة الأخيرة كأنها كانت السكين التي أكملت القطع في صدر آيزابيلا.
"بيئة آمنة" كم بدت لها تلك الكلمة بعيدة في الأسابيع الماضية.
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•
مضى أسبوع.
سبعة أيام وليالٍ كانت خلالها آيزابيلا ظلّ سندريلا، لا تبتعد عنها لحظة، ترفع رأسها لتسقيها الماء، تمرر الملعقة إلى فمها برفق، تمسح العرق عن جبينها، وتبتسم لها رغم الدموع المتكررة في عينيها.
ولم تكن وحدها… ليليان، أخت آيزابيلا، شاركتها الاعتناء بسندريلا بهدوءٍ غير متوقع، كأن في قلبها محبة قديمة أخفتها الأيام، ولم تظهر إلا حين تطلّب الأمر رعاية، لا كلمات.
وفي نهاية الأسبوع، استعاد جسد سندريلا دفأه، واستعادت عيناها صفاءهما، وتحرك صوتها من الهَمْهَمات الخافتة إلى ضحكة خجولة تشق سكون الغرفة… كانت قد بدأت تعود.
وفي صباح اليوم الثامن، جلس الثلاثة مارغريت، آيزابيلا، وسندريلا في غرفة الجلوس العتيقة، حيث النوافذ الطويلة تطل على حديقة مرّت عليها مواسم كثيرة، وحيث الجدران تحمل صور العائلة التي لم تبتسم فيها مارغريت يومًا.
جلست مارغريت بهدوء تام، يداها متشابكتان على حجرها، وعيناها تراقبان الاثنتين أمامها بجمود، كأنها تستعد لقول جملة تعرف أنها ستؤلم، لكنها ضرورية.
آيزابيلا وسندريلا جلستا متجاورتين، متقاربتين بما يكفي ليشعر جسدهما ببعض الدفء، لكن أعينهما لم تجرؤ على التعلق بوجه مارغريت.
تحدثت الأم أخيرًا، بصوت خافت خالٍ من الغضب، لكنه كذلك خالٍ من الحنان:
"أنتما عدتما، كما توقعت…
خلال شهر، لا ثلاثة."
سكتت، تنظر إليهما، لكن لم تأتِهما القدرة على الرد.
تابعت:
"ولن أُكمل الحديث بتوبيخ… أنا لا أحتفل بفشلكما.
أنا احتفل بعودة ابنتي سالمة، ورؤية وجهك حيًا يا سندريلا، بعد ما رأيته حين دخلتما المنزل."
تنفّست آيزابيلا بعمق، لكنها بقيت صامتة، كأنها تنتظر الجزء الأصعب من الحديث.
مارغريت نظرت نحو ابنتها مباشرة، ثم قالت، بهدوء يشبه الشفرة:
"لكن يجب أن نفهم شيئًا… الآن وقد تذوقتما طعم الحياة دون حماية، هل ستعودان له؟ هل تريدان أن تبنيا مستقبلكما على هذا الشكل من الألم؟"
نظرت إلى سندريلا، نظرة طويلة ليست قاسية، لكنها لا تخلو من الشك.
"هذا الحب بينكما… جميل، لا أنكر.
لكن الجَمال لا يكفي لبناء حياة.
وأنتِ يا سندريلا… أنتِ لست مجرّد قصة حب في حياة ابنتي، بل إنسانة تحتاج من يرعاها، تمامًا كما تحتاجين أنتِ من يرعاكِ."
تبادلت آيزابيلا وسندريلا نظرة سريعة، مليئة بالأسى، ولكن أيضًا بالعناد، والعاطفة التي لم تنطفئ رغم ما مرتا به.
مارغريت أضافت، بصوت أكثر ثباتًا:
"أنا لا أرفض وجودك في حياتها، ولكن… عليكما التفكير، بعمق، هل هذا هو الطريق الذي ستكملانه؟ أم أن ما حدث كان دليلاً قاسيًا على أن الحب وحده… لا يصنع بيتًا؟"
توقّف الزمن في الغرفة، كلّ شيء بدا ساكنًا.
آيزابيلا تنظر في الفراغ، وسندريلا تشبّك يديها في حضنها كطفلة تنتظر العقوبة، لكنّ العاصفة لم تأتِ… بعد.
مرت دقائق ثقيلة، قبل أن تُفتح الباب من جديد وتعود مارغريت، هذه المرة بلا كلمات كثيرة، فقط علبة سجائرها في يدها، أشعلت واحدة بهدوء كأنها تشعل شيئًا أعمق من لفافة تبغ… كأنها تُشعل إعلان قرارٍ مصيري.
أخذت نفَسًا عميقًا، ثم نفثت الدخان ببطء، ومقلتاها الزرقاوان تستقرّان على الاثنتين.
قالت، بنبرة لم تكن قاسية، لكنها كانت كالسيف يُسلُّ من غمده:
"سأقبل بعلاقتكما."
جاءت الجملة كقنبلة فجّرت الصمت، فجأة ارتفع رأس آيزابيلا، واتسعت عينا سندريلا بذهول، لكن مارغريت رفعت إصبعها، تطلب منهما ألا تتكلّما.
"لكن… بشرط."
صوتها انخفض قليلاً، وابتسامتها جفّت حتى صارت مجرد خط مستقيم على شفتيها:
"بعيدًا عن عبث المراهقين هذا."
أخذت نفَسًا آخر، وأضافت:
"الحب ليس نزهة… ليس قبلة على السطح تحت القمر، ولا جوعًا يُحلّ بتلمّس الأيدي.
إن كنتما تُريدان البقاء معًا… تحت سقفي، أو حتى خارجَه… فعليكما أن تبرهنا لي ولنفسيكما، أن ما بينكما أكبر من الانفعال، وأعمق من الاحتياج المؤقت."
سحبت نفسًا آخر، وحدّقت في آيزابيلا بعين الأم، لا الخصم:
"هذا يعني حدودًا… احترامًا متبادلًا… لا مشاهد تذلّكما، ولا قرارات تتّخذانها تحت الحمى أو الجوع أو الغضب.
إذا أردتما أن تكونا معًا، فلتكونا راشدتين، لا مراهقتين تهربان من دفء الأسرة إلى برد الشارع، لتكتشفا بعد شهر أن الحب وحده لا يدفّئ."
نظرت هذه المرة إلى سندريلا:
"وأنتِ… إن كنتِ تُحبين ابنتي، فأريها كيف يكون الحُب سندًا، لا عبئًا."
امتدت يد مارغريت نحو المنفضة، سحبت نفسًا أخيرًا من سيجارتها، ثم أطفأتها بتأنٍ، كما لو أنها تهيئ الهدوء الذي تحتاجه لما ستقوله. الهواء كان ساكنًا، متوتّرًا، وكأن الجدران تنتظر.
جلست بثبات، وقد تشبثت عيناها بآيزابيلا وسندريلا، اللتين جلستا قبالتها بصمتٍ ثقيل، بين ارتباك النظرات وانحناءة الظهر، خصوصًا آيزابيلا التي خفضت عينيها إلى الأرض، كما لو أن ثقل كل الشهور الماضية عاد واستقرّ على كتفيها.
قالت مارغريت أخيرًا، بصوت هادئٍ، عميق، لم يكن قاسيًا، لكنه لم يحتمل التلاعب:
"اسمعاني جيدًا، ما سأقوله ليس غضبًا… بل حبٌّ على هيئة شرط."
رفعت حاجبيها قليلاً، وأكملت دون أن تترك مساحة للمقاطعة:
"سأتقبّل علاقتكما.
سأحترمها.
وسأخاطبكما من اليوم فصاعدًا باحترام كامل.
لكن…
عليكما أن تبادلان هذا الاحترام بمثله."
ثم سكتت لحظة، رمقت السيجارة المطفأة، كأنها تودّع شيئًا ما، ثم رفعت رأسها وقالت بهدوء حاسم:
"شرطي كالتالي:
تتوقف علاقتكما… الآن."
شهقت سندريلا بصمت، وارتعشت يد آيزابيلا، لكن مارغريت استمرّت دون ارتباك:
"ليس لأنني أرفض الحب بينكما، بل لأن الحب وحده لا يكفي.
ستتوقف هذه العلاقة حتى تُكملا دراستكما، حتى تنضجا تمامًا، حتى تمتلكا عملًا ثابتًا، وسقفًا يحميكما، وجسدًا لا ينهار من ثلاث نوبات عمل."
كانت كلماتها مثل طريق مستقيم، لا منحنى فيه ولا مفترق.
"إن ظلّ هذا الحب حيًّا بعد كل ذلك،
فأنا… أول من سيقف خلفكما،
أول من سيعلن علاقتكما،
وأول من يرفع رأسي بكما."
وقفت، سحبت نفسًا طويلًا، وألقت نظرة أخيرة عليهما:
"هذا ليس نفيًا للحب…
هذا نصجاً له."
ثم استدارت وخرجت من الغرفة، بصمتٍ ثقيل، تاركة الباب مواربًا…
كما لو أنها تركت أملًا صغيرًا يتنفس فيه كل ما لم يُقال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
29 - هندسه وطب
في سكون الليل، كانت الشرفة تغفو تحت نور القمر، والنجوم تتناثر في السماء الصافية مثل شهود صامتين على ما لا يُقال.
جلست مارغريت على كرسيها الخشبي العتيق، ذاك الذي يحتفظ بصوت أنينه الخفيف كلما تحركت عليه. أشعلت سيجارتها، وسرعان ما بدأ الدخان يتلوى ويتبدد في الهواء، كأنّه يحاول أن يهرب من شيءٍ أثقل من ليله.
أرخت ظهرها، ورفعت رأسها نحو السماء، ثم أغمضت عينيها لحظةً طويلة، قبل أن يتبعها تنهدٌ عميق… من أعماق لم تعتد البوح.
"ما الذي فعلته؟"
همست لنفسها، دون لوم… بل بدهشة.
مارغريت، المرأة التي قضت عمرها تصوغ صورتها أمام الناس بعناية، تبني احترامهم كما يُبنى جدارٌ من الزجاج، أنيق لكنه هشّ… كانت تخاف نظرات الناس، تخشى تعليقاتهم، تتفادى أيّ سلوك يُمكن أن يُقال عنه "مريب".
والآن… ها هي، تقبل علاقة ابنتها ـ بل ابنتيها كما اعتادت أن تفكر حين تنسى خطوط النسب ـ وتضع لهما شرط النضج لا الرفض، تؤجل الصراع بدل أن تشعله.
كان قرارها عاطفيًا.
لكن، من قال إن العاطفة ضعف؟
لقد رأت تلك الدموع في عيني آيزابيلا… ليست دموع مراهقة رفض أهلها حبيبها، بل دموع من جرّبت طعم العجز، من حملت جسد من تُحب على كرسي متحرك ولم تجد ثمن دواءها.
ورأت تلك اللوعات في وجه سندريلا، حين لم تكن تملك حتى القوة للكلام، جسدها نازف بالصمت، وروحها تمسك بالحياة فقط لأن آيزابيلا أمسكت يدها.
ليست مسألة حبٍ فقط…
بل مسؤوليّة.
تمتمت مارغريت، ورمت رماد السيجارة في المنفضة القديمة.
"كلام الناس؟ الصورة المثالية؟ السمعة التي أحافظ عليها؟…"
كل ذلك بدا تافهًا حين تذكرت تلك النظرات. لقد عادت فتاتان إلى منزلها لا لأنهما فشلتا في إثبات الحب، بل لأنهما أحبّتا فوق طاقتهما.
ذلك ما جعلها تتنازل.
لا لأجل تأييد العلاقة، بل لأجل منحها فرصة… فرصة مشروطة بالنضج، بالاستحقاق، بالبقاء.
"إن كان هذا الحب قادرًا على النجاة… فليكن.
لكنني لن أتركه وحشيًا، دون عقل."
نظرت للسماء من جديد، وابتسمت، لا لأنها مطمئنة… بل لأنها قررت أن تكون داعمًا واعيًا، لا قاضيًا صامتًا.
ثم نهضت، أغلقت باب الشرفة، وأخذت نفسًا أخيرًا من الليل، وهمست:
"سأرشدكما… لا أكرهكما."
وغابت داخل المنزل، بينما القمر ظل يراقب، كشاهدٍ على قرارات الأمّهات… تلك التي تُصنع من مزيجٍ نادر من الخوف، والحب، والحكمة.
منذ ذلك اليوم، حين أُطفئت السيجارة على طاولة خشب الشرفة، وحين نُطق ذلك الشرط الثمين، تغيّر شيء عميق في أعماق آيزابيلا وسندريلا.
لم تُصدّقا أنّهما نالتا تلك الفرصة.
فرصة للحب… ولكن مشروطة بالنضج.
تحت سقف منزلٍ، وتحت عين أمٍ لم تبطش، بل وضعت يديها حارسة لا سجّانة.
كانت تلك الفرصة، في عيونهما، أثمن من الألماس.
لم تلمع، لكنها أضاءت لهما الطريق.
احترمتا الشرط.
لم تُخالفاه.
لم يكن بينهما عناقٌ خفيّ في ممرّ المطبخ حين يغيب الجميع.
ولا قبلةٌ مستعجلة خلف الدرج.
ولا نظرات عاشقة تتسلل في زوايا البيت.
بل تحوّلت قصتهما من حبٍ مشتعل إلى صمتٍ ناضج، صمت فيه وعد، وصدق، وانتظار.
وتبدّل كل شيء...
سندريلا، تلك التي كانت تقف خلف آيزابيلا خجلاً، لم تعد كذلك.
عادت من مرضها أشجع.
بدأت تتكلم أكثر، تسأل، وتشارك. لم تعد تخشى التجربة.
كأنما المرض نزع عنها الخوف، وترَك مكانه نورًا جديدًا في عينيها.
أما آيزابيلا،
فلم تعد تلك الفتاة الكسولة المتذمرة من الاستيقاظ باكرًا.
تحولت إلى نسخة لا تهدأ.
تدرس ليلاً ونهارًا، بتركيزٍ حاد.
دفاترها تملأ الطاولة، وأقلامها الملوّنة ترسم الخطط، والهوامش، والملاحظات.
حتى مارغريت لاحظت ذلك بصمت.
كانت تمر بين الغرف، تُلقي نظرة، وتُخفي ابتسامة صغيرة في طرف شفتيها.
لم تقل "أحسنتنّ"، لكنها كانت تراها.
الحب لم يمت.
لكنه وُضع في صندوق، بحرص، على رفٍ عالٍ، وعليه قفل من الصبر.
قفل لا يفتحه الشوق وحده، بل النضج.
وفي أعماق كلّ واحدة منهما، كانت النار لا تزال تشتعل…
لكنّهما تعلّمتا كيف توجّهانها نحو النجاة أولاً، ثم الحب لاحقًا.
•
•
•
•
•
•
•
•
مضت الأيام بسرعة...
كأن الزمن قرر أن يُكافئ صبرهما بالركض نحو النضج، لا الزوال.
سندريلا...
دخلت كلية الطب البشري، في جامعة العاصمة، وقد اختارت طريقًا ليس سهلاً ولا قصيرًا.
سبع سنوات من الدراسة، ستأخذ منها كل شيء: وقتها، شبابها، وليلها الطويل.
اضطرت أن تنتقل إلى سكنٍ طلابيٍ قريب من الجامعة.
ولم تعد تنزل إلى البيت إلا في الإجازات الطويلة.
تلك التي كانت تخشى خوض المترو، وتتهيب المشي وحدها…
أصبحت تمشي بثقة، وحقيبة ظهرها تحوي أكثر من كتب؛ تحوي مسؤولية أجيال ستعالجها يومًا.
ملامحها تغيّرت.
لم تعد فقط تلك الفتاة الرقيقة ذات العيون الواسعة،
بل أصبحت امرأة بنظرة طبيبة، فيها حدّة حانية، وجدٌّ لا يخلو من دفء.
قصة شعرها صارت عند الرقبة، أنيقة وعملية، تعكس عقلًا اختار الجديّة على الزينة.
أما آيزابيلا...
فقد اختارت الهندسة.
جامعة تبعد ساعة واحدة عن بيت مارغريت،
ولم تكن بحاجة لترك المنزل، لكنها كانت تغيب عنه طويلاً.
شعرها طال حتى أسفل ظهرها،
وعيناها أصبحتا أهدأ، لكنّ خلف الهدوء إشعاعًا من فطنة لم تكن تملكها سابقًا.
وجهها نضج، ازداد جمالًا لا بالصِبا بل بالعقل، والقرارات، والصبر الطويل.
كلتاهما كبرتا،
لكن ما كبر فيهما أكثر من كل شيء…
هو الحب الذي التزم الصمت لسنوات،
يراقبهما من بعيد،
ينتظر إتمام وعدهما الذي قطعاه على نفسيهما…
وعلى مارغريت أيضًا.
كان الشتاء في منتصفه، والسماء ملبدة بالغيوم، والهواء مشبع برائحة المطر.
في ظهيرةٍ رمادية، وصلت سندريلا إلى البيت، تحمل حقيبة ثقيلة على ظهرها ودفتر ملاحظات بيدها.
وجهها بدا متعبًا، لكنه جميل، ملامحها أكثر تحديدًا، عيناها لا تزالان بنفس البريق، لكن فيهما عمقٌ إضافي لم يكن هناك من قبل.
فتحت الباب بهدوء، ودخلت.
في الداخل، كانت آيزابيلا جالسة على الأريكة، تراجع شيئًا على جهازها المحمول، شعرها مسدول على كتفيها مثل شلالٍ داكن، وملامحها مركّزة على الشاشة.
رفعت رأسها...
ثوانٍ فقط، ثم ابتسمت.
ابتسامة لم تكن مراهقة، ولا مرتبكة، بل ممتلئة بالاشتياق... محمّلة بصمت السنين.
"مرحبًا،" قالت سندريلا بصوت خافت.
ردّت آيزابيلا، تغلق جهازها وتنهض:
"أخيرًا إجازة؟"
"ثلاثة أسابيع فقط."
"تكفي."
لم يتعانقا، لم تتشابك الأيادي، ولم يتبادلا همس المحبين.
لكنّ نظراتهما تكفّلت بكل ذلك.
جلستا سويًا، يشربان الشاي، يتحدثان في شؤون الدراسة، الامتحانات، مارغريت التي كانت في الخارج تزور قريبة مريضة.
ثم، لحظة سكون.
نظرت آيزابيلا إليها وقالت بهدوء:
"لقد كبرتِ."
أجابت سندريلا، تبتسم بخجل خافت:
"وأنتِ أيضًا... كنتِ تبدين أكثر فوضى من هذا."
ضحكتا،
ضحكة قصيرة، ثم صمتٌ آخر، لكنه كان مريحًا، كأن كِلتيهما تعرف أن الحب لا يحتاج أن يُقال الآن.
هو فقط ينتظر.
ثم قالت آيزابيلا، تمسك بكوبها:
"أنا سعيدة... لأننا ما زلنا هنا. أنتِ، أنا، الوعد."
أومأت سندريلا، وعيناها إلى الأرض:
"لم نكسره، رغم كل شيء."
"بل عزّزناه... بالنضج."
في المساء، جلستا في الشرفة نفسها التي جلست بها مارغريت ذات ليلة.
كانت المدينة نائمة، لكن قلبيهما لا.
ليس بعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
30 - الحُب كالثمَرة لا يؤخذ وهو أَخضر
مرّت خمسة سنوات
آيزابيلا الآن خريجة هندسة معمارية من جامعة "نوفاليس التقنية"،
بخطى واثقة خرجت من بوابة الجامعة في يوم تخرجها تحمل ملفّها الأكاديمي بيد، والذكرى الثقيلة بيدها الأخرى.
وقفت أمام البوابة للحظات…
لم تبكِ.
بل ابتسمت بخفة، بوجهٍ أكثر نضجًا، وجسدٍ أكثر اتزانًا، وشعرٍ طويل ينسدل كستناءً داكنًا حتى أسفل ظهرها.
لم يكن التخرج يعني النهاية، بل كان بداية جديدة… من نوع آخر.
في الأيام التالية، راحت تبحث عن وظيفة بجهد حقيقي، لم تنتظر الفرص بل طرقت أبواب الشركات بيدها، وشاركت في مقابلات وظيفية عديدة.
لم تكن الأوضاع سهلة، والمنافسة شرسة، لكن اسمها الأكاديمي وإنجازاتها الجامعية جعلتها محط اهتمام بعض المكاتب التصميمية الكبرى.
وفي تلك الفترة، كانت سندريلا قد أنهت سنتها الخامسه في كلية الطب البشري، وتبقى أمامها عام واحد فقط، عام التدريب العملي، الامتياز.
انتقلت حينها إلى مستشفى جامعي كبير في العاصمة لتقضي تلك السنة بين عنابر المرضى، وضجيج غرف العمليات، وبين دفاتر الدواء وتقارير الطوارئ.
لم تعد "الفتاة الهاربة"
التي خرجت قبل سنوات خائفة من الحياة.
سندريلا اليوم، طبيبة تحت التدريب، وامرأة تحمل في نظرتها ذلك العمق الذي لا يمنحه الزمن إلا لمن خاضوا وجعًا واختاروا النجاة.
وبين مدينة وآخرى…
كانت المسافات تُقلّصها الرسائل، والمكالمات، والمواعيد التي تنتظر الإجازات لتعيد لهما لحظة واحدة من دفء المشاعر.
لكن الحب بينهما، بقي كما هو...
فقط مؤجل، مؤجّل بشرف، كما وعدتا.
•
•
•
•
•
•
•
بعد سنة
كان الصباح مشمسًا على غير عادته في العاصمة،
كأن السماء ذاتها قررت أن تبارك هذه اللحظة.
وقفوا جميعًا أمام بوابة الجامعة العريقة:
مارغريت بهدوئها وهيبة حضورها،
ليليان بابتسامتها الحاضرة دائمًا،
وآيزابيلا…
التي رغم محاولاتها الثبات، لم تستطع منع الدفء من التسلل إلى عينيها.
كلّهن جئن من أجل سندريلا.
من أجل اليوم الذي خُطّ منذ سنوات في قلبها كنجمة بعيدة.
الزحام كان كبيرًا، الطلبة يضحكون، يلوّحون بشهاداتهم،
الزهور في كل يد، والفل في كل عنق،
أما هي…
سندريلا، فكانت تمشي وسط الجموع بخطى ثابتة، بثوبٍ أبيض بسيط،
شعرها القصير يحيط بوجهها الذي نضج كأنه مرّ بقرون لا سنوات.
لم تكن طبيبة فقط…
كانت نجاةً.
نجاة من كل شيء: من الماضي، من الخوف، من الألم.
وحين رأتهنّ، أسرعت نحوهن، الشهادة بين يديها، وقلبها على كفّيها.
مارغريت تقدمت أولاً، وضعتها بين ذراعيها،
وضغطت عليها كما تفعل الأمهات حين لا يجدن كلامًا يليق.
"لقد وفيتِ بوعدكِ..."
قالتها بصوت خافت، ثم أضافت كأنها تعترف:
"وهكذا فقط… تعلّمت أن الحب لا يحتاج دائمًا موافقة، بل أحيانًا يحتاج فقط من يؤمن به في صمت."
ليليان وضعت زهرة فل في شعرها وضحكت:
"ومن قال إن الطب لا يصنع الأميرات؟"
أما آيزابيلا…
فوقفت تتأملها.
ما بينهما لم يكن يحتاج إلى كلام،
كان ذلك النوع من الحب الذي يكفيه الحضور…
يكفيه أن كلّ شيءٍ قيل،
وأن هذه اللحظة، أخيرًا، لا تُشبه الهروب ولا الوداع.
اقتربت منها، شدّت على يدها،
وبهمسٍ بينهما وحدهما، قالت آيزابيلا:
"كل ما خسرناه…
لا شيء بجانب ما كسبناه اليوم."
سندريلا نظرت إليها، ابتسمت،
"كسبناكِ أولاً…
ثم كسبنا كل شيء."
وفي الخلف، كانت مارغريت تلتفت لمدرّجات الجامعة،
تتنفس بعمق، والسيجارة لم تُشعل.
فاليوم، لا حاجة لها بالدخان…
اليوم، الدموع تفي بالغرض.
في قلب الحشود، وسط الزغاريد والتهاني،
بين الكاميرات التي تلتقط ابتسامات لا تُنسى،
وفي باحة الجامعة التي شهدت تعب السنوات…
وقفتا.
آيزابيلا، بيدها باقة ورد ناعمة،
وعيناها لا تنظران إلا إلى سندريلا،
سندريلا التي خرجت من امتحانات الحياة كما تخرج القصيدة من قلب الشاعر،
بثوب التخرج الذي لم يكن أبيضًا فقط، بل كان أبيضًا بالانتصار،
وبوجهها الذي ما زال يحتفظ بنعومة الطالبة…
لكنه الآن صار يحمل ملامح امرأة نضجت على نار التجربة.
لم تتبادلا الكلمات،
كل العبارات كانت قد قيلت في الليالي الطويلة،
حين خفُت الحب ليبقى الصبر،
وحين تسلحتا بالإرادة بدل العناق.
لكن الآن…
السماء شاهدة.
والأم مارغريت هناك، مبتسمة، صامتة.
ولم يعد ثمة ما يُخبأ،
أو يُسرق،
أو يُخشى عليه من ضوء النهار.
فعلتاها.
اقتربت آيزابيلا، ورفعت يدها تزيح خصلة من شعر سندريلا،
ثم همست لها بهدوء نصرىّ:
"لقد انتظرنا هذا كثيرًا."
فقبّلتها.
قبلة بلا وجل،
قبلة حملت في مذاقها دموع البدايات،
وتحمل على ظهرها إرث ست سنوات من العرق والتعب والعمل حتى الإنهاك،
قبلة تقول للعالم:
"لم نكسب حبنا خلسة… بل انتزعناه بشرف."
كان فخرًا أكثر منه شوقًا،
وكان إعلانًا، أكثر منه عاطفة.
قبّلتها آيزابيلا كما تُقبَّل راية تُرفع على أرضٍ حُرّرت.
وقبّلتها سندريلا كما تُقبَّل الحياة،
حين تقرر أخيرًا أن تكون عادلة.
وصفق من صفق، وابتسم من ابتسم…
لكن لم يكن في العالم أحد،
يعرف تمامًا كم استحقّتا هذه اللحظة.
والأصوات من حولهن لا تعني شيئًا.
التصفيق، الهتاف، الكاميرات، الزهور…
كل ذلك كان مجرّد خلفية
للمشهد الحقيقي الذي لا يراه أحد سواهما.
مشهد قلبين، أنهكتهما الحياة، لكن لم تنجح في كسرهما.
بل زادتهما صلابة، حتى استحقّا هذه اللحظة بكرامة.
ست سنوات،
ولم تمتد يد واحدة لتُسرق لحظة.
ست سنوات،
لم تكن فيهما قبلة واحدة إلا في الخيال أو الحُلم أو في الكتب تحت الغطاء.
والآن؟
الآن كان العالم كله يرى…
والمفارقة؟
أنه لم يعد يُهمّ.
لم يعودا تخشيان شيئًا.
لا نظرات،
ولا أحكام،
ولا أمًا صارمة لأنها الآن، صارت أول من تبتسم.
فهذا الحب،
ما عاد مراهقة عابرة.
ولا رغبة تشتعل في الظل.
هذا… كان إنجازًا.
إنجازًا مثل شهادة الطب، مثل وسام شرف،
بل أكثر.
لأن هذا الحب لم يُهدَ لهما، بل انتزعاه انتزاعًا من فم الحياة.
وعلى كتف آيزابيلا، أسندت سندريلا رأسها،
بينما ضحكتهما ارتفعت، أخفّ من السماء،
أعمق من الماضي،
وأجمل من كل الانتصارات القادمة.
•
•
•
•
•
سرنا وصمتُ الليلِ يشهدُ خطونا
والحبُّ فينا ما انحنى أو غوّى
نمضي على وعدِ الوفاءِ كأنّنا
أقسمْنَ أن نعلو بهِ، لا نهوى
كُتم الهوى، لا ضعفَ فيهِ وإنما
عِفَّةْ الكبارِ إذا رأوا أن يَسموا
قُلنا:
"إذا جاءَ التخرّجُ يومُنا،
أعلَنْـا الهوى مجدًا، وقلنا: هَا هُوَا"
ومضتْ سنينُ الحلمِ تبني ظلّها
في القلبِ نارًا، لا تُرى، لكن تُرى
ما هزَّنا لهوُ الحياةِ، وما طغى
شوقٌ يُزلزلنا، ولا أغوَى الرُجا
حتى إذا بزغَ النجاحُ كفجرِهِ
وتمايلَ النورُ الصبيُّ مُهنَّئا
قبَّلْنا هامَ المجدِ، لا بالخِلسةِ
لكنْ أمامَ الدربِ، والعلياءِ، لا
قبلةُ كالأعلامِ رفرفَ صبرُها
خَفَقَتْ: "هُنا... حُبٌّ تأبَّى أن يُخَا"
هذا الذي خفناهُ سرًّا حينَها،
أضحى نشيدًا، لا يُقالُ سِوَى!
الـــخــاتـــمــة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•
•
•
•
•
•
•
وهكذا، أُسدل الستار على رابع رواية أنشرها في هذا الحساب
الحب...
ليس شيئًا يُؤخذ خلسة،
ولا ثمرة تُنتزع من غصنها قبل أن تنضج.
إنه كالثمرة المُرّة،
لا تطيب إلا إن نضجت تحت شمس الصبر،
وتلونت بلون الوعي،
فصارت حين تُقطف…
حُلوة، لذيذة، ومستحقة.
لا تُبنَى العلاقات على الحب وحده،
فالحبُّ وحده هشٌّ، كظلٍّ على الحائط،
يسقط بسهولة…
كما سقط جسد سندريلا يوم وهنه الألم،
حين لم يكن الحب وحده كافيًا ليحملها.
العلاقات الحقيقية تُبنى بالصبر،
بالتضحية،
بالمسؤولية التي تحيط القلب
كما يحيط الغلاف هديةً ثمينة.
وحين تكتمل هذه العناصر،
يُفتح ذلك الصندوق…
ويُكتشف فيه الحب كما يليق به أن يُكتشف:
نقيًا، ناضجًا، لا يعلوه غبار،
ولا يُخشى نوره من العتمة.
أتمنى لكم حبًا كهذا…
ناضجًا، صامدًا،
لا يُولد من نزوة،
ولا يتغذى على لهو الصغار.
حبًا يعرف معنى الانتظار،
ويحترم الوقت،
ويكبر حين نكبر.
حبًا لا يختبئ في الزوايا، بل يقف في النور شامخًا…
يُعلن نفسه لا بفوضى المشاعر، بل بحكمة التجربة.
وبكثير من الحب