• سجل عضوية للتمتع بالمنتدى واكتساب مميزات حصريه منها عدم ظهور الإعلانات

متسلسلة مدينة الرماد - حتي الجزء الثاني 11/6/2026 (1 عدد المشاهدين)

ابو دومة

ميلفاوي أبلودر
عضو
ناشر قصص
إنضم
11 يوليو 2024
المشاركات
675
مستوى التفاعل
618
نقاط
1,623
النوع
ذكر
الميول
طبيعي
كان اسمه سليم، شاب عنده أربعة وعشرين سنة، عايش في حي قديم على أطراف مدينة كبيرة اسمها مدينة الرماد. المدينة دي كانت غريبة، طول الوقت مغطاة بطبقة خفيفة من الدخان والتراب، لدرجة إن الناس اتعودت تشوف السما رمادية أكتر ما تشوفها زرقا. سليم كان عايش مع جدته في بيت صغير ورثوه عن أبوه. حياته كلها كانت ماشية بنفس الروتين. يصحى الصبح، يشرب الشاي مع جدته، يروح شغله في مخزن للبضائع، يرجع بالليل تعبان، يتعشى وينام. مفيش مغامرات، مفيش أحلام كبيرة، ومفيش أي حاجة مميزة. لكن الحاجة الوحيدة اللي كانت بتشغل دماغه دايمًا هي وفاة أبوه. أبوه مات وهو عنده أربعة عشر سنة، وكل ما كان يسأل عن الحقيقة ياخد إجابة مختلفة. مرة يقولوا حادثة، مرة يقولوا مشكلة في الشغل، ومرة يقولوا قدر ومكتوب. ومع مرور السنين بدأ يحس إن الحقيقة أكبر من كل الكلام ده.
في ليلة من ليالي الشتاء، كانت الدنيا بتمطر بشكل عنيف. سليم رجع البيت متأخر بعد يوم شغل طويل. أول ما دخل البيت حس إن فيه حاجة غريبة. البيت هادي أكتر من المعتاد. نادى على جدته فردت عليه من المطبخ. طلع أوضته علشان يغير هدومه، لكنه وقف مكانه فجأة. فوق السرير كان فيه ظرف بني قديم. قرب منه ببطء. رفعه بإيده. كان مكتوب عليه اسمه بخط غريب. فتح الظرف ولقي جواه صورة قديمة ومفتاح حديد صدئ. أول ما بص للصورة اتسعت عينيه. الصورة كانت لأبوه. واقف قدام مبنى ضخم ومهجور، وعلى وشه نفس الابتسامة اللي سليم كان فاكرها من طفولته. قلب الصورة لقى جملة مكتوبة بخط اليد: "لو وصلتلك الصورة دي، يبقى الوقت جه تعرف الحقيقة." فضل واقف مكانه لدقايق مش مستوعب أي حاجة. مين اللي دخل البيت؟ مين اللي حط الظرف؟ وليه دلوقتي؟ قبل ما يلاقي إجابة سمع خبط عنيف على باب البيت. نزل بسرعة. جدته كانت واقفة متوترة. الخبط اتكرر. سليم فتح الباب بسرعة لكنه ملقاش حد. الشارع كان فاضي والمطر بينزل بغزارة. لكنه لمح صندوق صغير محطوط قدام الباب. أخده ودخل. فتحه فوق الترابيزة. جواه كان فيه جهاز تسجيل قديم. ضغط زر التشغيل. وبعد ثواني طلع صوت راجل. سليم اتجمد. كان صوت أبوه. الصوت قال: "لو بتسمع الرسالة دي يا سليم، يبقى أنا فشلت. وفي الحالة دي لازم تعرف إن الحقيقة اللي عشت بيها طول عمرك كانت كذبة." قلب سليم بدأ يدق بسرعة. التسجيل كمل: "أنا ما متش في حادثة. ولو وصلتلك الرسالة دي يبقى في ناس لسه بتدور على الحاجة اللي خبيناها." فجأة التسجيل وقف. كأن الشريط اتقطع. سليم بص لجدته. كانت قاعدة على الكرسي ووشها شاحب. سألها: "إنتي كنتي عارفة؟" سكتت شوية وبعدين قالت: "كنت عارفة إن اليوم ده هييجي." سليم حس بالغضب. "يعني إيه؟" ردت بصوت مرتعش: "أبوك اتقتل يا سليم." الجملة نزلت عليه زي الصاعقة. لأول مرة يسمع الحقيقة بشكل مباشر. قعد مكانه وهو حاسس إن الدنيا كلها اتقلبت. كل اللي عرفه طول عمره طلع كذب.
في الليلة دي محدش نام. سليم فضل قاعد يقلب الصورة والمفتاح في إيده. كان عارف إن المفتاح ده أكيد بيفتح حاجة مهمة. ومع أول ضوء للشمس خرج من البيت. بدأ يدور على المبنى اللي ظاهر في الصورة. بعد ساعات من السؤال والبحث عرف إن المكان ده مصنع قديم مقفول من أكتر من عشر سنين في المنطقة الصناعية المهجورة. ركب مواصلة وراح هناك. أول ما وصل حس بقشعريرة. المبنى كان ضخم ومتهالك. الشبابيك مكسورة، والأبواب مليانة صدأ. فضل يلف حواليه لحد ما لقى باب صغير مستخبي ورا أكوام خردة. جرب المفتاح. اتفتح الباب بسهولة كأنه مستنيه من سنين. دخل بحذر. المكان كله كان ضلمة. استخدم كشاف الموبايل ومشى بين الممرات. بعد دقائق وصل لأوضة صغيرة فيها مكتب قديم. بدأ يفتش الأدراج. في آخر درج لقى دفتر جلد قديم. أول صفحة كانت مكتوب فيها اسم أبوه. سليم حس إن أنفاسه اتسارعت. فتح الصفحة التانية. كانت مليانة أسماء وأرقام وملاحظات غامضة. قبل ما يقرأ أكتر سمع صوت حاجة وقعت في آخر الممر. رفع راسه بسرعة. سكت. بعدها سمع صوت خطوات. حد كان موجود معاه جوه المصنع. قفل الدفتر بسرعة وخباه تحت الجاكيت. الخطوات قربت أكتر. سليم جرى ناحية الباب. خرج من المصنع وهو بيجري بكل قوته. أول ما وصل للشارع وقف فجأة. كانت فيه عربية سودا واقفة بعيد. ورجلين واقفين جنبها وبيراقبوه. أول ما شافوه ركبوا العربية وبدأوا يتحركوا ناحيته. قلبه دق بعنف. لف وجري في الاتجاه التاني. ومن اللحظة دي، عرف إن حياته القديمة انتهت، وإن الطريق اللي بدأه علشان يعرف حقيقة موت أبوه هيجره لحاجة أكبر وأخطر بكتير مما كان يتخيل
سليم جرى بأقصى سرعة وهو سامع صوت العربية وراه. الشارع كان شبه فاضي، والمصانع المهجورة حوالينه عاملة زي أشباح ضخمة واقفة في الصمت. كان بيبص وراه كل ثانيتين، وكل مرة يلاقي العربية بتقرب أكتر. لف في شارع جانبي ضيق ودخل بين مجموعة مخازن قديمة. أنفاسه كانت بتتقطع وقلبه بيدق بعنف، لكنه مكانش مستعد يقف. فجأة لمح بوابة حديد نصها مكسور. دخل منها بسرعة واستخبى ورا كومة صناديق خشب قديمة. بعد ثواني عدت العربية من قدام المكان من غير ما تلاحظه. فضل ساكت لدقايق طويلة لحد ما اتأكد إنهم بعدوا. وقتها بس خرج من مخبأه ومسح العرق من على وشه. كان أول سؤال بيدور في دماغه: مين الناس دي؟ وإزاي عرفوا إنه راح المصنع؟
رجع البيت قبل المغرب وهو مرهق. أول ما دخل قفل الباب وطلع أوضته. طلع الدفتر من تحت الجاكيت وحطه قدامه. المرة دي بدأ يقراه بهدوء. أغلب الصفحات كانت مليانة أسماء وأرقام وعناوين. لكن بعد شوية لقى صفحة مختلفة. الصفحة كان مكتوب فيها بخط أبوه: "لو وصلت للدفتر ده، يبقى متثقش في أي حد مهما كان قريب منك." سليم قرأ الجملة أكتر من مرة. بعدها كمل. لقى اسم متكرر في صفحات كتير: "مروان". الاسم كان مكتوب جنبه علامات واستفهامات وملاحظات كتيرة. واضح إن الشخص ده كان مهم جدًا.
في آخر الدفتر لقى خريطة صغيرة مرسومة بالقلم. وعليها علامة حمرا عند مكان بعيد عن المدينة. وهو بيبص للخريطة سمع صوت جدته بتناديه. نزل عندها. كانت قاعدة في الصالة ووشها متوتر. أول ما شافته قالت: "في راجل جه وسأل عليك النهارده." سليم اتجمد مكانه. "مين؟" هزت رأسها وقالت: "معرفش، لكن شكله مكنش مريح." سليم حس إن الخطر بيقرب أكتر.
في نفس الليلة، وبعد ما نامت جدته، سمع صوت خافت جاي من برا البيت. قرب من الشباك بحذر. لمح شخص واقف تحت عمود النور في آخر الشارع. الشخص كان باصص ناحية البيت مباشرة. فضل واقف كده دقائق طويلة. بعدها لف ومشى. سليم ساعتها أخد قرار. لازم يتحرك بسرعة قبل ما الناس دي تسبقه.
الصبح جهز شنطة صغيرة، حط فيها الدفتر والخريطة وشوية هدوم، وخرج من غير ما يقول لحد رايح فين. ركب أتوبيس متجه للمنطقة اللي عليها العلامة الحمرا. الرحلة استمرت ساعات طويلة. كل ما كان يقرب، الإحساس بالغموض بيزيد. المكان كان بعيد عن العمران، أرض واسعة فيها تلال صغيرة ومباني قديمة متهدمة. نزل من الأتوبيس ومشى على رجليه مستعين بالخريطة. الشمس كانت قربت تغيب لما وصل لمبنى حجري قديم محاط بسور مكسور.
وقف قدامه وهو بيحاول يفهم ليه أبوه كان مهتم بالمكان ده. دخل من فتحة في السور وبدأ يستكشف. المبنى كان فاضي تقريبًا، لكن واضح إن حد زاره قريب. كان فيه آثار أقدام جديدة على الأرض. تتبعها لحد ما وصل لأوضة صغيرة في آخر المبنى. أول ما دخل اتفاجئ بوجود صندوق حديد قديم في الركن. قرب منه بحذر. الصندوق كان مقفول بقفل صدئ. حاول يفتحه لكن معرفش.
وهو بيفكر يعمل إيه، سمع صوت جاي من وراه.
"كنت متأكد إنك هتوصل لهنا."
سليم لف بسرعة وقلبه كاد يوقف. كان فيه راجل واقف عند الباب. عمره حوالي خمسين سنة، طويل، وعلى وشه ندبة واضحة جنب عينه الشمال.
الراجل بصله بهدوء وقال: "إنت ابن سامح... صح؟"
سليم ضيق عينه وقال: "إنت مين؟"
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "واحد كان المفروض يموت من سنين."
سليم فضل واقف مكانه مستعد لأي حركة.
الراجل كمل: "أبوك كان صاحبي."
الجملة دي خلت سليم يتجمد.
لأول مرة من بداية الرحلة يقابل شخص بيقول إنه عرف أبوه فعلًا.
لكن قبل ما يسأله أي سؤال، سمعوا مع بعض صوت عربيات بتقرب بسرعة من خارج المبنى.
الراجل صاحب الندبة اتغيرت ملامحه فجأة وقال:
"يبدو إن وقت الأسئلة خلص... لأنهم وصلوا."
الراجل صاحب الندبة جرى ناحية الشباك المكسور وبص بره بسرعة، وبعدها شتم بصوت واطي. سليم قرب منه وقال: "مين اللي وصل؟" الراجل رد وهو بيبعد عن الشباك: "ناس لو مسكوك مش هتلحق تسأل أي سؤال تاني." سليم حس إن كل ما يقرب من الحقيقة الدنيا بتتعقد أكتر. برا المبنى كانت أصوات العربيات بتعلى، وبعد ثواني سمعوا أبواب بتتفتح وصوت خطوات كتير. الراجل مسك الصندوق الحديد بسرعة وشاور لسليم يتبعه. دخلوا ممر ضيق ورا الأوضة كان مستخبي ورا مكتبة قديمة واقعة. الممر نازل تحت الأرض بدرج حجري قديم. أول ما نزلوا قفل الراجل الباب السري وراهم. الظلام كان شديد لدرجة إن سليم مكانش شايف إيده. الراجل طلع كشاف صغير وشغله. النور كشف عن نفق طويل ممتد تحت المبنى. سليم وهو ماشي وراه قال: "إنت لسه مقولتليش اسمك." الراجل رد من غير ما يبصله: "اسمي عادل." سليم كرر الاسم في دماغه. عادل كمل المشي وقال: "أبوك كان يثق فيا أكتر من أي حد." سليم وقف فجأة وقال بعصبية: "لو كنت فعلاً صاحبه يبقى احكيلي الحقيقة." عادل وقف هو كمان. فضل ساكت ثواني وكأنه بيجمع أفكاره. بعدها قال: "الحقيقة أكبر من اللي تتخيله. أبوك مكانش مجرد موظف أو تاجر زي ما الناس كانت فاكرة. كان جزء من مجموعة صغيرة اشتغلت على مشروع سري من سنين طويلة." سليم سأل: "مشروع إيه؟" عادل هز رأسه: "لسه بدري تعرف." سليم اتعصب: "كل الناس بتقول نفس الكلام." عادل بصله وقال: "عشان لو عرفت كل حاجة دلوقتي ممكن تموت قبل بكرة."
كملوا المشي لحد ما وصلوا لباب حديد قديم. عادل فتحه بمفتاح صغير كان معاه. خرجوا لمنطقة مليانة أشجار وتلال. الشمس كانت غابت والظلام بدأ ينتشر. في البعيد كانوا سامعين أصوات الرجالة اللي بيدوروا عليهم. عادل قال: "لازم نتحرك بسرعة." فضلوا ماشيين أكتر من ساعة لحد ما وصلوا لكوخ خشبي قديم وسط الأشجار. دخلوا وقفلو الباب. المكان كان بسيط جدًا، ترابيزة صغيرة وسريرين قداميين وخزانة خشب. واضح إن عادل كان بيستخدمه من وقت للتاني.
سليم قعد على كرسي مكسور وقال: "دلوقتي مفيش حد ورانا. احكي." عادل قعد قصاده وحط الصندوق الحديد على الترابيزة. فضل باصص له شوية قبل ما يقول: "من أكتر من عشرين سنة كان فيه أربع رجال. أبوك كان واحد منهم. كانوا بيشتغلوا على حاجة مهمة جدًا. حاجة ناس كتير كانت مستعدة تقتل عشان توصلها." سليم سأل: "إيه هي الحاجة دي؟" عادل رد: "ملفات." سليم استغرب. "ملفات؟" عادل قال: "مش أي ملفات. ملفات فيها أسرار عن شخصيات كبيرة جدًا. ناس عندها سلطة وفلوس ونفوذ. لو الملفات دي ظهرت للنور، إمبراطوريات كاملة ممكن تقع." سليم حس إن الموضوع أكبر بكتير مما كان متوقع. عادل كمل: "في يوم واحد من الأربعة خان الباقيين. حاول يبيع الملفات. ومن ساعتها بدأت المطاردات." سليم سأله بسرعة: "وأبويا؟" عادل نزل عينه وقال: "أبوك حاول يمنعه. وده كان السبب الحقيقي في موته."
الكلام وقع على سليم زي الحجر. لأول مرة يحس إنه قريب من الحقيقة فعلًا. لكن في نفس الوقت الأسئلة زادت. مين الخاين؟ مين قتل أبوه؟ وفين الملفات دلوقتي؟
عادل مد إيده ناحية الصندوق الحديد وقال: "جيت هنا عشان ده." بدأ يحاول يفتح القفل. بعد محاولات قدر يفتحه أخيرًا. الصندوق اتفتح ببطء. سليم قرب وهو مستني يشوف كنز أو أوراق مهمة. لكن اللي كان جواه حاجة أغرب بكتير. كانت فيه مجموعة صور قديمة، ومفكرة صغيرة، ومفتاح غريب مصنوع من معدن أسود.
عادل أول ما شاف المحتويات اتغير لون وشه. سليم لاحظ ده فورًا. قال: "إيه؟" عادل مسك صورة من الصور وفضل باصص عليها. بعدها رفعها قدام سليم. الصورة كانت لأبوه واقف جنب تلات رجالة. اتنين منهم شافهم قبل كده في الصور القديمة. لكن الراجل الرابع كان جديد عليه.
سليم قال: "مين ده؟"
عادل رد بصوت منخفض:
"ده الخاين."
وقبل ما يكمل كلامه سمعوا صوت طلقة نار ضربت في حائط الكوخ من بره.
الاتنين انتفضوا في نفس اللحظة.
وبعدها سمعوا صوت راجل بيصرخ من الخارج:
"المرة دي مفيش هروب يا عادل!"
عادل قبض على الصورة بقوة وبص لسليم وقال:
"واضح إن الحرب بدأت فعلًا."

سليم رفع عينه ناحية عادل، وعادل لأول مرة من ساعة ما قابله ظهر عليه القلق الحقيقي، لأنه كان يعرف العنوان ده، وكان يعرف إن المكان المكتوب فيه أخطر مكان ممكن يروحوله. سليم مد إيده وخطف المفكرة من قدامه وبص على العنوان. المكان كان عبارة عن اسم منطقة قديمة مهجورة على أطراف مدينة الرماد اسمها "حي السكة". المنطقة دي كانت زمان مليانة مصانع وورش، لكن بعد حريق ضخم حصل من سنين اتحولت لمكان شبه مهجور. سليم رفع عينه وقال: "إيه اللي هناك؟" عادل أخد نفس طويل وقال: "هناك بدأت المصيبة كلها." سليم حس إن كل إجابة بياخدها بتفتح عشر أسئلة جديدة. قال بعصبية: "يعني إيه بدأت هناك؟" عادل قعد على الكرسي المقابل وقال: "أبوك وآخرين كانوا بيستخدموا مخزن قديم في حي السكة. المخزن ده كان نقطة البداية لكل حاجة. آخر مرة شفت فيها أبوك قبل موته كانت هناك."
الغرفة سكتت لثواني. صوت مروحة السقف القديمة كان هو الصوت الوحيد. سليم فضل باصص للمفكرة وبعدها قال: "يبقى نروح." عادل هز رأسه فورًا. "لا." سليم اتفاجئ. "لا إيه؟" عادل قال: "كمال أكيد متوقع إننا هنروح هناك. لو اتحركنا دلوقتي هنمشي برجولنا للموت." سليم وقف وقال: "وأفضل أستخبى لحد إمتى؟ من ساعة ما بدأت أدور على الحقيقة وأنا بجري. مرة من عربية، مرة من رجالة مسلحين، ومرة من ناس معرفهاش. أنا تعبت." عادل بصله شوية وبعدين قال: "وأبوك كان تعبان هو كمان. ومع ذلك كمل." الجملة دي خلت سليم يسكت.
عدت ساعات قليلة من غير كلام كتير. كل واحد كان غرقان في أفكاره. مع أول ضوء شمس، نزل عادل يجيب أكل. سليم فضل في الأوضة لوحده. وهو قاعد سرحان لمح حاجة غريبة في آخر صفحات المفكرة. الصفحة الأخيرة كانت لازقة في اللي قبلها كأن حد حط بينها مادة معينة. بدأ يفصلها بحذر. وبعد دقائق قدر يفتحها. أول ما فتحها لقى ورقة مطوية مخبية جواها. قلبه بدأ يدق بسرعة. فتح الورقة. كانت عبارة عن رسالة قصيرة بخط أبوه.
"لو وصلت للرسالة دي، يبقى عادل لسه عايش. لو كان معاك، اسمعه. ولو مش معاك، اعرف إنه حاول يحميك."
سليم قرأ السطر أكتر من مرة. بعدها نزل بعينه لباقي الرسالة.
"الشخص اللي خانا مش كمال لوحده."
سليم اتجمد.
كمل القراءة بسرعة.
"كمال كان مجرد واحد من اتنين."
الرسالة انتهت عند الجملة دي.
سليم حس إن الدنيا بتلف حواليه. لو الكلام ده صحيح، يبقى فيه خاين تاني لسه مستخبي. يمكن يكون عايش. يمكن يكون قريب أكتر مما يتخيل.
في اللحظة دي رجع عادل للأوضة. أول ما شاف الورقة في إيد سليم فهم إن فيه حاجة حصلت. سليم رفع الرسالة وقال: "مين الخاين التاني؟"
ملامح عادل اتغيرت.
ولأول مرة سليم شاف التوتر الحقيقي على وشه.
عادل قعد ببطء وقال: "كنت خايف توصل للجزء ده."
سليم قرب منه.
"جاوب."
عادل أخد نفس طويل وقال: "معرفش."
سليم زعق: "متكدبش عليا!"
عادل ضرب بإيده على الترابيزة وقال: "بقولك معرفش! أبوك كان الوحيد اللي عرف اسمه. وبعدها بأيام مات."
الغرفة رجعت للهدوء.
لكن الشك دخل قلب سليم.
لأول مرة بدأ يسأل نفسه سؤال خطير.
هل عادل بيقول الحقيقة فعلًا؟
ولا بيخبي حاجة؟
بعد الضهر أخدوا قرار يتحركوا ناحية حي السكة. الطريق كان طويل، لكنهم كانوا عارفين إنهم مش هيفضلوا يهربوا للأبد. رجعوا مدينة الرماد في وقت متأخر. أول ما دخلوا أطراف المدينة حس سليم بإحساس غريب. كأنه راجع لشخص تاني غير اللي خرج من هنا من أيام.
وصلوا المنطقة المهجورة بعد المغرب. الشوارع كانت فاضية تقريبًا. المصانع القديمة واقفة زي هياكل ضخمة وسط الضباب والتراب. عادل وقف العربية بعيد وقال: "من هنا نكمل مشي."
بدأوا يتحركوا بين المباني المتهالكة لحد ما وصلوا لمخزن ضخم صدئ. الباب الرئيسي كان مقفول بسلاسل قديمة. لفوا من الجنب ودخلوا من فتحة مكسورة.
الظلام كان مالي المكان.
سليم شغل كشاف الموبايل.
النور كشف عن صفوف من الرفوف القديمة وصناديق متكسرة.
بدأوا يفتشوا.
دقائق.
ثم نصف ساعة.
ومفيش حاجة.
سليم بدأ يفقد الأمل.
لكن فجأة عادل نادى عليه.
"تعالى."
جري ناحيته.
لقى عادل واقف قدام حائط خرساني.
في الحائط كان فيه رمز مرسوم باللون الأحمر.
سليم اتسعت عينه.
لأنه شاف نفس الرمز قبل كده في أوراق أبوه.
عادل بدأ يتحسس الحائط.
وبعد لحظات ضغط على جزء معين.
فجأة طلع صوت ميكانيكي قديم.
وجزء من الحائط اتحرك ببطء.
ورا الحائط ظهر ممر سري.
سليم وقف مذهول.
عادل بصله وقال: "واضح إننا وصلنا لأول سر حقيقي."
دخلوا الممر.
كان ضيق ومليان تراب.
وفي نهايته أوضة صغيرة مقفولة.
فتحوا الباب.
أول ما دخلوها وقفوا مكانهم.
الأوضة كانت متقفلة من سنين.
لكن محتوياتها لسه موجودة.
ترابيزة.
ملفات.
خرائط.
وصور معلقة على الحيطان.
وفي منتصف الأوضة كان فيه صندوق معدني كبير.
سليم قرب منه.
على غطاه كان مكتوب اسم أبوه.
بخط واضح.
سامح.
سليم حس بقشعريرة ماشية في جسمه.
مد إيده ببطء.
ورفع الغطا.
وأول ما بص جواه...
عرف إن حياته عمرها ما هترجع زي الأول.
سليم مد إيده جوه الصندوق وهو حاسس إن قلبه هيخرج من صدره. عادل كان واقف جنبه مستني يشوف اللي جواه بنفس التوتر. أول حاجة طلعت كانت مجموعة ملفات قديمة متربطة بحزام جلدي. بعدها ظرف أسود سميك عليه اسم سامح بخط واضح. لكن اللي لفت انتباه سليم أكتر كان جهاز صغير معدني شكله غريب، كأنه جزء من آلة أكبر. مسك الجهاز وقلبه بين إيده. مكنش فاهم هو إيه، لكن واضح إنه مهم جدًا. عادل خطف نظره ناحيته واتغيرت ملامحه فورًا. قال: "مستحيل." سليم بصله وقال: "إيه ده؟" عادل فضل ساكت ثواني وبعدها قال: "الحاجة اللي كانوا بيموتوا الناس علشانها." سليم اتجمد مكانه. فتح الظرف بسرعة. كان جواه مجموعة صور وأوراق مكتوبة بخط أبوه. أول صورة كانت لأربعة رجال واقفين جنب بعض. أبوه كان واحد منهم. عادل كان واحد منهم. كمال كان واحد منهم. أما الرابع فكان واقف مبتسم كأنه واثق من نفسه بشكل غريب. قلب الصورة ولقي مكتوب وراها: "الخيانة بدأت قبل ما نعرف." سليم حس إن دماغه هتنفجر من كتر الأسئلة. بدأ يقلب باقي الصور. صورة لاجتماعات. صورة لمخازن. صورة لمستندات. وبعدها وصل لصورة خلت أنفاسه تقف. الصورة كانت لشخص يعرفه كويس جدًا. شخص شافه مئات المرات في حياته. سليم فضل باصص للصورة ومش مصدق. عادل قرب منه وأول ما شافها وشه شحب. سليم قال بصوت منخفض: "مستحيل." لأن الراجل اللي في الصورة كان عم جابر، صاحب محل الأدوات اللي جنب بيتهم. الراجل اللي عرفه طول عمره على إنه شخص بسيط وعادي. عادل أخد الصورة وقال: "يبقى هو." سليم بصله بسرعة. "إنت تعرفه؟" عادل هز رأسه وقال: "لا، لكن دي نفس ملامح الراجل الرابع بعد ما كبر." الصمت ملأ الأوضة. سليم افتكر كل مرة شاف فيها عم جابر. كل مرة سلم عليه. كل مرة سأله عن أحواله. لو الكلام ده صح يبقى الراجل ده كان قريب منه طول عمره. وقبل ما حد فيهم يتكلم سمعوا صوت حركة برا الغرفة السرية. الاتنين سكتوا فورًا. بعدها صوت خطوات. وبعدين صوت تاني. حد كان داخل المخزن. عادل طفى الكشاف بسرعة. المكان غرق في الظلام. سليم كان سامع أنفاسه وأنفاس عادل بس. الخطوات قربت أكتر. شخص أو أكتر كانوا بيفتشوا المكان. سمعوا صوت صناديق بتتحرك وبراميل بتقع. واضح إنهم بيدوروا عليهم. عادل همس: "خد الملفات والظرف." سليم لم كل حاجة بسرعة. بعدها بدأوا يتحركوا ناحية آخر الممر السري. لكن قبل ما يوصلوا للمخرج سمعوا صوت راجل بيقول: "لقيت الباب." الاتنين بصوا لبعض. الشخص اكتشف المدخل السري. ثواني قليلة وباب الغرفة اتفتح. نور كشاف قوي دخل الأوضة. سليم وعادل جريوا في الممر بأقصى سرعة. وراهم أصوات صراخ ورجالة بتجري. الممر كان طويل ومظلم. فجأة وصلوا لطريق مسدود. سليم قال: "خلصنا." لكن عادل ضرب الحائط بكتفه. جزء منه اتحرك وفتح فتحة ضيقة. خرجوا منها قبل ما المسلحين يوصلوا بلحظات. لقوا نفسهم برا المخزن من الجهة التانية. الهواء البارد ضرب وشهم. جريوا بين المباني القديمة لحد ما وصلوا للعربية. ركبوا بسرعة. عادل شغل المحرك وانطلق. وبعد دقائق كانوا خارج المنطقة كلها. سليم كان ماسك الصورة بإيده ومش قادر يشيل عينه منها. أخيرًا قال: "أنا لازم أشوف عم جابر." عادل رد فورًا: "ممنوع." سليم بصله بعصبية. "ليه؟" عادل قال: "لو هو فعلًا الراجل الرابع يبقى أخطر من كمال نفسه. وأول ما يعرف إنك وصلت للصورة هيحاول يقتلك." سليم سكت لكنه كان عارف جواه إنه مش هيسيب الموضوع. لأن لأول مرة من بداية الرحلة بقى عنده اسم حقيقي ووجه حقيقي للخيانة اللي دمرت حياة أبوه. والليلة دي، وهو قاعد في العربية وسط الظلام، كان فيه قرار بيتكون جواه بهدوء. قرار هيغير كل حاجة في الأيام الجاية.سليم فضل باصص للصورة طول الطريق. نور أعمدة الشارع كان بيعدي على وشه كل شوية وهو غرقان في التفكير. عم جابر. الاسم نفسه كان صعب يتصدق. الراجل ده موجود في حياته من وهو ***. كان دايمًا يقف قدام المحل بتاعه الصغير، يشرب شاي، يهزر مع الناس، ويسأل على أحوال الجيران. عمره ما شاف منه أي حاجة تخليه يشك فيه. لكن الصورة كانت واضحة. مفيش مجال للغلط. نفس العينين، نفس شكل الفك، وحتى العلامة الصغيرة اللي جنب ودنه كانت موجودة. عادل كان سايق في صمت، لكن واضح إنه هو كمان بيفكر في نفس الحاجة. بعد حوالي ساعة وقف العربية قدام عمارة قديمة في حي بعيد عن وسط المدينة. نزل وقال: "هنقعد هنا الليلة." سليم نزل وراه من غير نقاش. طلعوا لشقة صغيرة في الدور الرابع. المكان كان واضح إنه مستخدم كمخبأ من زمان. أثاث قليل، شبابيك مقفولة، وستاير سميكة. أول ما دخلوا قفل عادل الباب بالمفتاح وحط سلسلة حديد كمان. بعدها قعد على كرسي قديم وقال: "وريني باقي الملفات."
سليم حط كل اللي أخده من الصندوق على الترابيزة. بدأوا يفتحوا الملفات واحدة واحدة. أغلبها كان عبارة عن مستندات قديمة وأسماء وشركات. لكن وسط الورق لقوا ملف مختلف. الغلاف بتاعه أسود وعليه حرف واحد مكتوب باللون الأحمر: "ر". عادل أول ما شافه سكت. سليم قال: "إيه ده؟" عادل رد: "ده الملف اللي أبوك كان مستعد يموت علشانه." سليم فتحه بسرعة. أول صفحة كانت فيها صور لرجال أعمال معروفين. الصفحة اللي بعدها فيها أسماء وتواريخ وتحويلات مالية ضخمة. ومع كل صفحة كان سليم بيكتشف إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد جريمة قتل قديمة. كان فيه شبكة كاملة شغالة في الخفاء. ناس عندها سلطة ونفوذ. ناس محدش يتخيل إنها متورطة في أي حاجة. في آخر الملف لقوا ورقة مكتوب فيها بخط سامح: "لو وصلت للملف ده، اعرف إن الحقيقة أخطر من اللي كنت فاكره."
سليم قفل الملف وقال: "أنا مش فاهم. أبويا كان بيعمل إيه أصلًا؟" عادل أخد نفس طويل وقال: "أبوك زمان كان شغال محاسب في شركة كبيرة. لكن بالصدفة اكتشف حاجات مكنش المفروض يشوفها. بدل ما يسكت، بدأ يجمع الأدلة. بعدها قابلني وقابل كمال وقابل الراجل الرابع. في الأول كلنا كنا في صف واحد. لكن الطمع بيغير الناس." سليم بصله وقال: "وكمال خانكم." عادل هز رأسه. "أيوة. بس واضح إنه مكانش لوحده."
الليل كان قرب ينتصف لما سليم أخيرًا نام شوية. لكنه صحي فجأة على صوت خبط خفيف. فتح عينه بسرعة. الأوضة كانت ضلمة. بص ناحية عادل فلقاه صاحي هو كمان. الخبط اتكرر. مرة. واتنين. وتلاتة. عادل قام بهدوء ومسح بإيده على السلاح اللي جنبه. قرب من الباب من غير صوت. سليم كان واقف وراه. الخبط وقف. وبعدها سمعوا صوت خطوات بتبعد. عادل فتح جزء صغير من الستارة وبص من الشباك. الشارع كان فاضي. لكن على باب العمارة كان فيه ظرف أبيض.
بعد عشر دقائق نزلوا بحذر وجابوا الظرف. رجعوا الشقة وفتحوه. جواه ورقة واحدة. مكتوب عليها جملة قصيرة:
"لو عايز تعرف مين قتل أبوك، تعال لوحدك."
وتحت الجملة كان فيه عنوان.
سليم رفع عينه فورًا.
عادل قال: "فخ."
سليم رد: "أكيد."
عادل قال: "يبقى مش هنروح."
لكن سليم كان باصص للعنوان. المكان كان قريب. مستودع قديم على أطراف الميناء. سليم قال: "ولو مشينا ورا كل قاعدة من قواعد الاختباء عمرنا ما هنوصل لحاجة."
عادل رد بعصبية: "ولو روحنا ممكن منوصلش لبكرة أصلًا."
فضلوا يتناقشوا أكتر من ساعة. وفي النهاية اتفقوا يراقبوا المكان الأول. قبل الفجر خرجوا من الشقة وتحركوا ناحية الميناء. المنطقة كانت شبه مهجورة في الوقت ده. المخازن القديمة واقفة في صفوف طويلة، والهواء مليان ريحة البحر والزيت. وقفوا بعيد يراقبوا المستودع المكتوب في الرسالة. في البداية مكنش فيه أي حاجة غريبة. لكن بعد شوية ظهرت عربية سودا. وبعدها عربية تانية. نزل منها رجالة وبدأوا يدخلوا المستودع.
عادل قال: "شوفت؟ فخ."
لكن سليم كان مركز في حاجة تانية.
في آخر عربية نزل شخص لابس معطف غامق.
وأول ما شاف وشه اتجمد.
كان عم جابر.
سليم حس إن الدم جمد في عروقه.
الراجل اللي كان بيشوفه كل يوم تقريبًا واقف دلوقتي وسط مجموعة مسلحين.
عم جابر دخل المستودع واختفى.
سليم قبض على إيده بقوة.
عادل بصله وقال: "دلوقتي صدقت؟"
سليم مردش.
كل اللي كان بيفكر فيه إنه لازم يعرف الحقيقة من الراجل ده بنفسه.
لكن في اللحظة دي بالذات، ومن غير ما ياخدوا بالهم، كان فيه شخص بيراقبهم من فوق سطح مبنى قريب.
الشخص رفع منظار صغير وبص ناحيتهم.
وبعدها ابتسم.
وقال في جهاز لاسلكي:
"لقيتهم."
الشخص اللي فوق السطح فضل متابعهم بالمنظار لثواني، وبعدها رجع خطوة لورا وقال في الجهاز اللاسلكي: "الهدف مع عادل. الاتنين عند الميناء." على الطرف التاني من الاتصال جه صوت هادي: "خليك مكانك. متتحركش لحد ما توصلك الأوامر." الرجل قفل الجهاز وكمل مراقبة. في نفس الوقت كان سليم مركز بكل انتباهه على باب المستودع. عم جابر اختفى جواه من أكتر من عشر دقايق ومخرجش. سليم قال: "أنا داخل." عادل لفله بسرعة وقال: "إنت اتهبلت؟" سليم رد: "فرصة زي دي مش هتتكرر." عادل شده من دراعه وقال: "لو دخلت دلوقتي هتموت قبل ما تعرف أي حاجة." لكن سليم كان عناده بدأ يشتغل. من أول ما شاف عم جابر وهو حاسس إن كل الخيوط أخيرًا بدأت تتجمع. وبعد دقائق من الجدال اتفقوا يقربوا أكتر ويشوفوا اللي بيحصل من غير ما يدخلوا.
بدأوا يتحركوا بين الحاويات المعدنية القديمة. المكان كان واسع ومليان أماكن للاختباء. كل ما يقربوا أكتر كانوا يسمعوا أصوات رجالة بتتكلم جوه المستودع. وصلوا لحد شباك جانبي مكسور. عادل بص من فتحة صغيرة، وبعدها وسع المجال لسليم. أول ما سليم بص جوه شاف مشهد خلى قلبه يدق بسرعة. كان فيه حوالي عشرة رجال متجمعين حوالين ترابيزة كبيرة. عم جابر واقف في النص. لكن المفاجأة مش كانت فيه. المفاجأة كانت في الراجل اللي واقف جنبه.
كمال.
أول مرة سليم يشوفه على الحقيقة.
رجل في أواخر الخمسينات، شعره أبيض جزئيًا، لابس بدلة غالية، وملامحه هادية بشكل مستفز. الراجل كان بيتكلم بثقة كأنه صاحب المكان وصاحب القرار. سليم سمع جزء من الكلام.
كمال قال: "لازم نلاقي الملفات قبل ما الولد يوصل لباقي الحقيقة."
عم جابر رد: "هو قرب أكتر مما كنا متوقعين."
كمال ضحك وقال: "سيبه يقرب. في الآخر هيجيبنا للحاجة اللي بندور عليها."
سليم حس بقشعريرة. هما عارفين إنه بيتحرك. وعارفين إنه بيدور. ويمكن كمان عارفين خطواته الجاية.
عادل شده بعيد عن الشباك وقال: "كفاية."
لكن قبل ما يتحركوا سمعوا اسم جديد.
اسم خلا عادل نفسه يتجمد.
واحد من الرجال قال: "وماذا عن فارس؟"
كمال سكت ثواني.
وبعدين قال: "فارس ميت من زمان."
ملامح عادل اتغيرت فورًا.
سليم لاحظ ده.
أول ما بعدوا عن المستودع قال: "مين فارس؟"
عادل مردش.
سليم كرر السؤال.
المرة دي عادل وقف مكانه.
وقال: "الشخص الخامس."
سليم اتفاجئ.
"خامس؟ مش قولتلي إنكم كنتوا أربعة؟"
عادل بص للأرض ثواني.
وبعدين قال: "لأننا كنا بنعتبره ميت."
الصمت سيطر على المكان.
سليم حس إنه كل ما يعرف معلومة يكتشف إن فيه عشر معلومات مخبية وراها.
عادل كمل: "فارس كان أقرب شخص لأبوك. وأذكى واحد فينا كلنا."
"ومات إزاي؟"
"اختفى."
"وده معناه؟"
"معناه إننا لقينا عربيته محروقة. لكن عمرنا ما لقينا جثته."
سليم سكت.
لأول مرة يفكر إن ممكن يكون فيه لاعب تالت في اللعبة غير كمال وعم جابر.
وفجأة...
رن تليفون عادل.
عادل بص للشاشة واتجمد.
سليم قال: "مين؟"
عادل رد بصوت منخفض:
"مستحيل."
"في إيه؟"
عادل رفع الشاشة قدامه.
الرقم كان مجهول.
لكن اسم المتصل كان ظاهر.
فارس.
سليم حس إن جسمه كله اتجمد.
عادل فضل باصص للشاشة كأنه شايف شبح.
الرنة فضلت شغالة.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
وفي الآخر عادل رد.
حط التليفون على ودنه.
وسكت.
ثواني طويلة عدت.
بعدها سمع هو وسليم صوت راجل.
صوت هادي جدًا.
قال:
"لو عايزين تعيشوا... اخرجوا من الميناء حالًا."
المكالمة اتقفلت.
بس.
ولا كلمة زيادة.
عادل وسليم بصوا لبعض.
وفي نفس اللحظة سمعوا صوت انفجار ضخم هز المنطقة كلها.
المستودع اللي كان فيه كمال وعم جابر انفجر بعنف.
النار طلعت من الشبابيك.
والحديد اتطاير في كل اتجاه.
موجة الانفجار رمت سليم على الأرض.
ودخانه غطى المكان بالكامل.
لثواني محدش فهم إيه اللي حصل.
لكن حاجة واحدة كانت أكيدة.
الشخص اللي اتصل بيهم عرف الانفجار قبل ما يحصل.
وده معناه إنه إما ورا اللي حصل...
أو أخطر من كل الموجودين في اللعبة دي.
سليم حاول يقوم من على الأرض وهو سامع صفارة في ودنه من قوة الانفجار. الدخان كان مالي المكان بالكامل، والنار طالعة من المستودع بشكل مرعب. قطع الحديد كانت متبعثرة في كل اتجاه، وصوت الناس وهي بتجري وتصرخ جاي من بعيد. عادل قام بصعوبة ومسح التراب من على وشه. أول حاجة عملها إنه بص للتليفون اللي لسه في إيده. الرقم اختفى. كأن المكالمة محصلتش أصلًا. سليم قال وهو بيكح: "مين ده؟" عادل هز رأسه ببطء. "لو ده فارس فعلًا... يبقى في حاجات كتير كنا غلطانين فيها." قبل ما يكملوا كلامهم سمعوا أصوات عربيات شرطة وإسعاف بدأت تقرب من المنطقة. عادل قال بسرعة: "لازم نمشي." اتحركوا بعيد عن الميناء قبل ما حد يلاحظ وجودهم.
بعد حوالي ساعة كانوا قاعدين في شقة مهجورة قديمة استخدمها عادل كمخبأ قبل كده. المكان كان ضيق ومليان تراب، لكنه آمن مؤقتًا. سليم كان قاعد قدام الشباك المكسور وباصص للشارع. كل اللي حصل خلال الساعات الأخيرة كان أكبر من إنه يستوعبه. عم جابر، كمال، فارس، الانفجار... كل حاجة بقت متشابكة بشكل جنوني. عادل كان قاعد يقلب في الملفات مرة تانية. فجأة وقف عند ورقة معينة. عينه ضاقت وهو بيقرأها. سليم لاحظ ده وقال: "في إيه؟" عادل رفع الورقة. "في عنوان تاني."
سليم قرب منه.
العنوان كان لمكان خارج المدينة.
مزرعة قديمة مهجورة.
وفي أسفل الورقة كان مكتوب بخط سامح:
"لو فشلت الخطة الأولى، المفتاح هناك."
سليم قال: "مفتاح إيه؟"
عادل رد: "معرفش."
لكن الواضح إن سامح كان مخطط لكل خطوة قبل موته بسنين.
قرروا يتحركوا الصبح بدري. الليل عدى ببطء. سليم نام ساعتين بالعافية، وكل ما يقفل عينه يشوف صورة أبوه وصورة عم جابر والانفجار. مع أول ضوء خرجوا بالعربية. الطريق للمزرعة كان طويل ويمر وسط أراضي زراعية قديمة. بعد ساعات وصلوا لمكان شبه منسي. سور متهدم. بيت ريفي قديم. وأشجار جافة متفرقة.
نزلوا وبدأوا يفتشوا.
المكان كان فاضي تمامًا.
بعد ساعة من البحث، سليم بدأ يحس إنهم جايين على الفاضي.
لكن وهو ماشي جنب بئر قديم، لمح حاجة غريبة.
علامة محفورة على الحجر.
نفس الرمز الأحمر اللي شافه في المخزن السري.
نادى على عادل.
الاتنين بدأوا يفحصوا المكان.
بعد دقائق اكتشفوا لوح حجري كبير متحرك بصعوبة.
زقوه مع بعض.
وتحته ظهر صندوق معدني صغير.
سليم فتحه بسرعة.
جواه مفتاح نحاسي قديم.
وورقة مطوية.
فتح الورقة.
كانت رسالة قصيرة جدًا.
"اللي يدور على الحقيقة لازم يعرف الثمن."
وتحت الجملة عنوان جديد.
سليم ضحك رغم التوتر.
"واضح إن أبويا كان بيحب الألغاز."
لكن عادل مكانش بيضحك.
لأنه كان عارف العنوان ده.
وقال بصوت منخفض:
"ده مش عنوان."
سليم بصله.
"أمال إيه؟"
عادل بلع ريقه.
"ده اسم بنك."
الصمت نزل على المكان.
سليم قال: "وبعدين؟"
عادل رد: "لو المفتاح ده تابع للبنك، يبقى غالبًا بيفتح خزنة."
لأول مرة من أيام طويلة حسوا إنهم قربوا من حاجة حقيقية.
مش مجرد صور أو ذكريات.
حاجة ملموسة.
رجعوا المدينة بسرعة.
لكن من غير ما يعرفوا، كان فيه شخص واقف بعيد فوق تلة صغيرة بيراقب المزرعة بمنظار.
أول ما شافهم وهم خارجين رفع تليفونه.
وقال:
"لقوا المفتاح."
على الطرف التاني جه الرد فورًا:
"خليهم يكملوا."
الرجل سكت لحظة.
وبعدين قال:
"حتى الخزنة؟"
الرد جه ببرود:
"خصوصًا الخزنة."
في اليوم التالي وصل سليم وعادل للبنك. المبنى كان قديم لكنه معروف. دخلوا بحذر. عادل تكلم مع موظف كبير في السن وأراه بعض الأوراق الموجودة مع المفتاح. الموظف اتغيرت ملامحه فورًا. طلب منهم الانتظار.
بعد عشر دقائق رجع.
وقال:
"الخزنة موجودة."
سليم حس بقلبه بيدق بعنف.
الموظف قادهم لغرفة خاصة تحت الأرض.
صفوف طويلة من الخزن المعدنية كانت ممتدة على الجانبين.
وقف عند خزنة رقم 317.
وقال:
"اتفضلوا."
دخل المفتاح.
ودار.
وصوت القفل القديم اتفتح.
سليم فتح الباب ببطء.
وجواه كان فيه صندوق خشبي صغير.
أخرجه وحطه على الطاولة.
إيده كانت بتترعش.
فتح الصندوق.
هو وعادل بصوا جواه في نفس اللحظة.
وفي اللحظة دي اتغيرت ملامحهم.
لأن الصندوق مكانش فيه فلوس.
ولا أوراق.
ولا ملفات.
كان فيه شريط فيديو قديم.
وصورة حديثة نسبيًا.
صورة لرجل واقف أمام البحر.
الرجل كان أكبر سنًا من الصور القديمة.
لكن ملامحه واضحة جدًا.
سليم فضل باصص للصورة ثواني طويلة.
وبعدين قال بصوت شبه هامس:
"مستحيل..."
لأن الرجل اللي في الصورة كان فارس.
حي. ولم يمت أبدًا.
سليم فضل ماسك الصورة بإيده ومش قادر يشيل عينه منها. كل حاجة كانوا مؤمنين بيها بدأت تقع واحدة ورا التانية. فارس اللي المفروض مات من سنين طلع عايش. والراجل اللي اتصل بيهم قبل انفجار الميناء كان غالبًا هو نفسه. عادل أخد الصورة وقربها من وشه كأنه بيتأكد إنها مش خدعة. بعدها قعد على الكرسي وهو ساكت تمامًا. سليم لأول مرة يشوفه بالشكل ده. الراجل اللي كان دايمًا عنده إجابة لكل حاجة بقى عاجز عن الكلام. بعد دقيقة طويلة قال: "أنا شفت العربية المحروقة بنفسي." سليم رد: "يبقى حد كان عايزكم تفتكروا إنه مات." عادل هز رأسه ببطء. "وده معناه إنه كان شغال لوحده طول السنين دي كلها."
الصندوق كان لسه فيه شريط الفيديو القديم. الموظف سابهم في الغرفة الخاصة وخرج. عادل طلع الشريط بحذر. على الملصق الصغير اللي عليه كان مكتوب بخط سامح: "إلى من يصل أولًا." سليم قال: "لازم نشوفه." المشكلة إن الشريط كان من نوع قديم جدًا ومحتاج جهاز تشغيل خاص. خرجوا من البنك بسرعة ومعاهم الصندوق. بقية اليوم قضوه بيدوروا على أي مكان يقدر يشغل النوع ده من الأشرطة. بعد ساعات طويلة من البحث وصلوا لمحل إلكترونيات قديم في شارع جانبي مهمل. صاحب المحل كان راجل عجوز اسمه حمدي. أول ما شاف الشريط قال: "من زمان مشفتش النوع ده." وبعد شوية قدر يطلع جهاز قديم من المخزن الخلفي.
في أوضة صغيرة ورا المحل شغلوا الشريط.
الصورة ظهرت مشوشة في الأول.
وبعدين بدأت تستقر.
وفجأة ظهر سامح.
والد سليم.
سليم حس إن أنفاسه وقفت.
كان شايف أبوه بيتحرك وبيتكلم قدامه لأول مرة من سنين طويلة.
سامح كان قاعد قدام كاميرا بسيطة. وشه كان متعب لكن عينه ثابتة.
قال:
"لو بتشوف التسجيل ده، يبقى الأمور وصلت لمرحلة أخطر مما توقعت."
سليم قرب من الشاشة أكتر.
سامح كمل:
"أنا عارف إن في ناس هتحاول تمنع الحقيقة. وعارف إن في ناس ممكن تكون ماتت بالفعل."
عادل فضل ساكت وهو مركز.
بعدها سامح قال جملة خلت الاتنين يتجمدوا:
"لو عادل معاك، متلوموش."
سليم بص ناحية عادل.
لكن التسجيل استمر.
"عادل غلط. لكن مش هو الخاين."
عادل نزل عينه للأرض.
أما سليم فبدأ يحس إن فيه أسرار أكتر مخبية.
سامح كمل:
"كمال خاننا علشان السلطة. لكن في شخص تاني كان بيلعب لعبة أكبر مننا كلنا."
سليم همس:
"فارس."
على الشاشة، سامح كأنه سمع الكلمة.
وقال:
"فارس اختفى بإرادته."
الغرفة كلها سكتت.
سامح أكمل:
"لأن فارس اكتشف حاجة خلتنا كلنا مجرد بيادق."
التسجيل بدأ يشوش لحظة.
لكن الصوت فضل واضح.
"لو لسه عايش، فهو الوحيد اللي يعرف مكان الملف الأصلي."
عادل رفع رأسه بسرعة.
"الملف الأصلي؟"
سامح أكمل:
"كل اللي معاكم نسخ. أما الأصل... فهو اللي فيه الحقيقة كاملة."
بعدها الصورة اهتزت.
ثم ظهر سامح واقف.
كأنه كان بيقفل الكاميرا.
لكن قبل ما التسجيل ينتهي التفت ناحية العدسة وقال آخر جملة:
"ومتثقوش في اللي بيظهرلكم كعدو دايمًا."
وبعدين انتهى الشريط.
الشاشة بقت سودة.
محدش اتكلم لدقيقة كاملة.
سليم كان بيحاول يفهم آخر جملة.
أما عادل فكان مركز على حاجة تانية.
"الملف الأصلي."
قالها بصوت منخفض.
سليم سأله:
"إيه أهميته؟"
عادل رد:
"لو النسخ اللي معانا عملت كل الفوضى دي... تخيل الأصل فيه إيه."
خرجوا من المحل قبل المغرب.
لكن وهم ماشيين في الشارع، سليم لاحظ عربية سودا واقفة بعيد.
العربية دي بقت مألوفة جدًا بالنسبة له.
كانت نفس النوع اللي شافه أكتر من مرة.
ونفس اللحظة تقريبًا، العربية بدأت تتحرك.
ببطء.
وراهم.
سليم قال:
"عادل."
عادل بص ناحية العربية.
وشه اتغير فورًا.
"اركب."
الاتنين جريوا ناحية العربية بتاعتهم.
لكن قبل ما يوصلوا ظهرت عربية تانية من الاتجاه المقابل.
وبعدها عربية تالتة.
فجأة بقوا محاصرين.
أبواب العربيات اتفتحت.
ونزل منها رجال مسلحين.
الناس في الشارع بدأت تجري وتبعد.
واحد من الرجال رفع سلاحه وقال:
"خلصوها بسرعة."
سليم حس إن النهاية قربت.
لكن في نفس اللحظة...
سمع صوت محرك قوي جدًا.
عربية رمادية اندفعت بأقصى سرعة من آخر الشارع.
وضربت واحدة من العربيات السودا بعنف.
الاصطدام كان قوي لدرجة إنه قلبها على جنب.
الرجال اتفاجئوا.
والعربية الرمادية وقفت فجأة قدام سليم وعادل.
الزجاج نزل.
وشخص جواها صرخ:
"اركبوا!"
سليم لمح وش السواق.
واتصدم.
لأنه كان نفس الرجل الموجود في الصورة عند البحر.
فارس.
سليم وقف مكانه للحظة كأنه فقد القدرة على الحركة. فارس بنفسه قدامه. مش صورة، ومش تسجيل، ومش اسم بيتكرر في الملفات. راجل حقيقي قاعد ورا الدركسيون وبيبصله بعينين ثابتتين. فارس صرخ تاني: "اركبوا حالًا!" الرصاص بدأ يضرب في العربيات حوالينهم. عادل كان أول واحد فاق من الصدمة، شد سليم من كتفه وفتح الباب الخلفي. الاتنين ركبوا بسرعة. فارس ضغط على البنزين بعنف والعربية انطلقت وسط الشارع. وراهم مباشرة بدأت عربيتين سودا في المطاردة.
الشارع كان زحمة، لكن فارس كان سايق كأنه حافظ كل متر في المدينة. لف يمين، شمال، دخل شوارع ضيقة، وعدى من أماكن مستحيل حد يتوقعها. سليم كان ماسك الكرسي قدامه من قوة السرعة. أخيرًا بعد حوالي عشرين دقيقة من المطاردة قدروا يبعدوا عن العربيات التانية. فارس دخل نفق قديم مهجور تحت جزء من المدينة، وبعدها وقف العربية في مخزن مهدم مقفول من سنين.
المكان كان هادي.
مفيش صوت غير صوت المحرك وهو بيبرد.
فارس نزل من العربية.
سليم وعادل نزلوا وراه.
ولثواني محدش اتكلم.
أخيرًا سليم قال:
"إنت حي."
فارس ابتسم ابتسامة خفيفة.
"واضح إن دي أول معلومة وصلتلك صح."
عادل كان واقف ساكت.
باصص لفارس كأنه شايف شبح.
بعد لحظات قال:
"كل السنين دي؟"
فارس رد:
"كل السنين دي."
الصمت رجع تاني.
وفي الآخر عادل قال:
"إحنا دفناك."
فارس ضحك ضحكة قصيرة.
"اللي اتدفن كان شخص تاني."
سليم حس إن دماغه هتنفجر من كمية الأسرار.
قرب منهم وقال:
"حد يفهمني!"
فارس بصله مباشرة.
"أبوك كان عارف إن اليوم ده هييجي."
الجملة دي خلت سليم يسكت فورًا.
فارس كمل:
"سامح كان أذكى واحد فينا. من أول يوم اكتشف إن في حد أكبر من كمال بيحرك اللعبة كلها."
عادل قال:
"مين؟"
فارس هز رأسه.
"لسه."
عادل اتعصب.
"لسه إيه؟ إحنا بنموت من عشرين سنة بسبب الموضوع ده."
فارس قرب منه.
"وأنا عايش في الظل من عشرين سنة بسبب نفس السبب."
بعدها مشي ناحية طاولة قديمة في المخزن وحط عليها شنطة جلد.
فتحها.
طلع منها مجموعة أوراق وصور.
ورماهم قدامهم.
سليم بدأ يقلب الصور.
كل صورة كانت لشخصية مهمة.
رجال أعمال.
سياسيين.
أصحاب شركات.
لكن كلهم متوصلين بخطوط ورسومات وملاحظات.
شبكة ضخمة جدًا.
أكبر من أي حاجة تخيلها.
فارس أشار على صورة في المنتصف.
"ده."
سليم بص للصورة.
واتفاجئ.
كان راجل كبير في السن.
ملامحه هادية وعادية جدًا.
سليم عمره ما شافه قبل كده.
قال:
"مين ده؟"
فارس رد:
"الاسم اللي الناس تعرفه هو يوسف المنشاوي."
عادل اتغير وشه فورًا.
واضح إنه يعرف الاسم.
سليم لاحظ ده.
"مين يوسف ده؟"
عادل رد ببطء:
"لو نص اللي سمعته عنه صح... يبقى هو أخطر واحد في القصة كلها."
فارس هز رأسه.
"ومش نصه."
بعدها طلع ملف رفيع من الشنطة.
وحطه قدام سليم.
على الغلاف كان مكتوب:
"الأصل."
الغرفة كلها سكتت.
سليم بص للملف.
الملف الأصلي.
الحاجة اللي الكل بيدور عليها.
كمال.
عم جابر.
فارس.
وأبوه مات علشانها.
مد إيده ببطء.
وفتح أول صفحة.
لكن قبل ما يقرأ أي كلمة...
فجأة دوى انفجار ضخم خارج المخزن.
الأرض اهتزت تحت رجليهم.
والحيطة الخلفية اتشققت.
فارس لف بسرعة.
وعرف فورًا اللي حصل.
قال كلمة واحدة:
"لقونا."
ثواني.
وبدأت أصوات إطلاق نار كثيف من الخارج.
المخزن كله اترج.
التراب نزل من السقف.
وسليم لسه واقف والملف المفتوح في إيده.
لكنه لمح أول سطر مكتوب في الصفحة الأولى قبل ما يقفلها بسرعة.
وكان السطر ده كفاية يخليه ينسى الرصاص والانفجارات للحظة.
لأن أول جملة في الملف كانت:
"سامح لم يُقتل في الليلة التي يعتقدها الجميع."
سليم رفع عينه بصدمة.
أبوه...
مات في يوم تاني؟
ولا يمكن...
ما ماتش أصلًا؟!
سليم فضل باصص للسطر اللي لمحُه في الملف وكأن الزمن وقف حواليه. الرصاص برا كان بيضرب في الحيطان، والانفجارات كانت بتهز المخزن، لكن عقله اتثبت عند جملة واحدة: "سامح لم يُقتل في الليلة التي يعتقدها الجميع." حس إن الأرض بتتهز تحته. طول الرحلة دي كلها كانت قائمة على حقيقة واحدة، إن أبوه مات واتقتل. لكن دلوقتي حتى الحقيقة دي بقت محل شك. فارس شد الملف من إيده بسرعة وقال: "مش وقته!" وبعدها رماه جوه الشنطة الجلد وقفّلها. عادل كان واقف عند شباك مكسور بيراقب الخارج. بص لفارس وقال: "كام واحد؟" فارس رد وهو بيفك سلاح من جوه الشنطة: "أكتر من اللي نقدر نواجههم." بعدها شاور ناحية باب جانبي صغير في آخر المخزن. "لازم نتحرك."
خرج التلاتة من الباب الجانبي قبل ما المسلحين يقتحموا المكان بثواني. أول ما خرجوا لقوا نفسهم في ممر ضيق بين مباني قديمة. أصوات الرجال كانت بتقرب بسرعة. فارس كان ماشي قدامهم كأنه حافظ المنطقة كلها. لف يمين وشمال لحد ما وصلوا لفتحة نازلة تحت الأرض. نزلوا بسرعة وقفّل الغطا الحديد فوقهم. الظلام رجع يحيط بيهم. سليم كان لسه مش قادر يطلع السطر من دماغه. أخيرًا قال: "أنا عايز أعرف معنى الجملة دي." فارس مردش. فضل ماشي في النفق. سليم كرر السؤال بعصبية أكبر. المرة دي فارس وقف. لف ناحيته وقال: "في وقت مناسب هتعرف." سليم اتعصب وقال: "بقالكم أيام بتقولوا الجملة دي." عادل تدخل بسرعة: "مش هنا." لكن سليم كان وصل لمرحلة الانفجار. "كل شوية سر جديد. كل شوية كدبة جديدة. أنا تعبت."
فارس بصله شوية طويلة. وبعدها قال: "تمام. هقولك حاجة واحدة." سليم سكت. فارس كمل: "أبوك اختفى قبل إعلان موته بثلاثة أيام." الصمت ملأ النفق. عادل نفسه اتصدم. "إيه؟" فارس هز رأسه. "اللي الناس افتكرته يوم مقتله مكانش اليوم الحقيقي اللي فقدناه فيه." سليم حس بقلبه بيدق بعنف. "يعني كان عايش؟" فارس رد: "معرفش." الكلمة دي كانت أصعب من أي إجابة. معناه إن حتى فارس مش متأكد من مصير سامح.
كملوا المشي لحد ما وصلوا لغرفة قديمة تحت الأرض. واضح إنها كانت محطة مهجورة من زمن بعيد. هناك أخيرًا وقفوا يرتاحوا. فارس حط الشنطة على طاولة حديد وفتح الملف الأصلي. لأول مرة سليم شاف محتواه بوضوح. الصفحات كانت مليانة معلومات وصور وأسماء. لكن في منتصف الملف كانت فيه صفحة مختلفة. صفحة فيها صورة جماعية قديمة. سليم قرب منها. الصورة كانت تضم سامح وعادل وفارس وكمال... وشخص خامس.
شخص سليم عمره ما شافه قبل كده.
تحت الصورة كان مكتوب:
"البداية."
فارس أشار للشخص الخامس وقال: "من هنا بدأت كل المصيبة."
عادل ضيق عينه.
"مين ده؟"
فارس رد بصوت منخفض:
"أول واحد اختفى."
قبل ما يكمل كلامه سمعوا صوت بعيد جاي من داخل الأنفاق.
صوت خطوات.
بطيئة.
لكن واضحة.
التلاتة سكتوا.
الصوت قرب أكتر.
خطوة.
خطوة.
خطوة.
فارس مسك سلاحه.
عادل عمل نفس الشيء.
أما سليم فكان واقف مكانه مركز على مدخل الغرفة.
بعد ثواني ظهر ظل شخص عند نهاية الممر.
الشخص وقف ساكت.
مش باين منه غير ملامحه العامة.
وبعدين اتكلم.
وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقهم:
"واضح إنكم أخيرًا فتحتوا الملف الصح."
الصوت كان مألوفًا بشكل مرعب.
وسليم أول ما سمعه حس إنه يعرفه.
لكن عقله رفض يصدق.
لأن الصوت كان يشبه صوت أبوه... بشكل مخيف.
نهاية الجزء الثاني.
 

المستخدمون الذين يشاهدون هذا الموضوع

من قرأ هذا الموضوع خلال 30 يوم ؟ (Total readers: 4)
أعلى أسفل