• سجل عضوية للتمتع بالمنتدى واكتساب مميزات حصريه منها عدم ظهور الإعلانات

فصحي متسلسلة فانتازيا وخيال رواية انا والكساندرا - بقلم جدو سامى (2 عدد المشاهدين)

جدو سامى 🕊️ 𓁈

مساعد المدير
إدارة ميلفات
مساعد المدير
اداري مؤسس
إداري
حكمدار صور
كاتب حصري
كاتب برنس
ملك الحصريات
أوسكار ميلفات
فارس الكلمة الماسية
مؤلف الأساطير
ملك المزاج العالي
ميلفاوي VIP
نجم الفضفضة
مستر ميلفاوي
ميلفاوي أكسلانس
ميلفاوي ديكتاتور
كاتب ماسي
ميلفاوي واكل الجو
ميلفاوي كاريزما
ميلفاوي حكيم
ناشر قصص
ناشر صور
ناشر أفلام
صقر العام
ميلفاوي حريف سكس
ميلفاوي كوميدي
إستشاري مميز
شاعر ميلفات
ناشر موسيقي
ميلفاوي سينماوي
ميلفاوي نشيط
ناشر قصص مصورة
ملك المحتوي
مترجم قصص
نجم ميلفات
ملك الصور
ناقد قصصي
صائد الحصريات
فضفضاوي أسطورة
كوماندا الحصريات
ميتادور النشر
ميلفاوي مثقف
ميلفاوي كابيتانو ⚽
ناشر عدد
ناقد مجلة
ميلفاوي علي قديمو
ميلفاوي ساحر
ميلفاوي متفاعل
ميلفاوي دمه خفيف
كاتب مميز
كاتب خبير
ميلفاوي خواطري
ميلفاوي فنان
الذئب الأسود
إنضم
20 يوليو 2023
المشاركات
12,386
مستوى التفاعل
4,390
نقاط
103,829
النوع
ذكر
الميول
طبيعي
الفصل الأول: الملاك ذو العينين الزرقاوين The angel with the blue eyes

اسمي لا يهم كثيرًا في بداية هذه الحكاية. ما يهم أنني رجل مصري، ولدت في منتصف سبتمبر عام 1981، وأعيش وحدي في شقة هادئة بعد أن رحل والداي عن الدنيا. في الرابعة والأربعين من عمري، كنت أظن أن حياتي أصبحت سلسلة من الأيام المتشابهة؛ أستيقظ، أتناول قهوتي، أقرأ الأخبار، ثم أعود إلى وحدتي التي أصبحت رفيقتي الدائمة.

لكن كل شيء بدأ يتغير بسبب امرأة لم أقابلها يومًا.

كانت البداية عندما شاهدت فيلم "بيرسي جاكسون: لص البرق". لم تكن مجرد ممثلة تؤدي دورًا على الشاشة. منذ اللحظة الأولى التي ظهرت فيها، شعرت بشيء غريب لا أستطيع تفسيره. كانت هناك تلك العينان الزرقاوان اللامعتان، وذلك الوجه الذي جمع بين البراءة والشباب، وذلك الصوت الرقيق الذي بدا وكأنه يأتي من عالم آخر.

بعدها شاهدت أعمالًا أخرى لها. في كل مرة كنت أقول لنفسي إن الأمر مجرد إعجاب بفنانة موهوبة مولودة في 16 مارس 1986، لكن الإعجاب كان يكبر بصمت. كنت أراقب أداءها في كل مشهد، وأندهش من قدرتها على التعبير عن المشاعر بتفصيلة صغيرة أو نظرة عابرة.

مع مرور الأشهر، بدأت صورها تملأ غرفتي. طبعت عشرات اللقطات من الإنترنت وعلقتها على الجدران. كانت هناك صورة فوق المكتب، وأخرى قرب المكتبة، وثالثة إلى جوار السرير. كل صباح كنت أنظر إليها قبل أن أبدأ يومي.

كنت أعلم أن هذا مجرد إعجاب بشخصية فنية بعيدة آلاف الكيلومترات عني، لكن الخيال لا يعترف بالمسافات.

أحيانًا كنت أتخيل حياة مختلفة تمامًا. أتخيل أنني لم أولد في القاهرة، بل في مدينة أمريكية هادئة. أتخيل أننا كنا جارين منذ الطفولة، نذهب إلى المدرسة نفسها، ونجلس في الفصل ذاته. أتخيل أننا كبرنا معًا عامًا بعد عام، نتشارك الأسرار والأحلام والمخاوف الصغيرة التي لا يعرفها سوانا.

في تلك الأحلام كنت أعرف كل شيء عنها؛ ما الكتب التي تحبها، وما الموسيقى التي تستمع إليها، وما الذي يجعلها تضحك، وما الذي يجعلها تبكي. وكنت أتخيل أنها تعرف عني الأشياء نفسها.

ثم بدأت الأحلام تصبح أكثر غرابة.

في البداية كانت مجرد رؤى عابرة أثناء النوم. أراها تمشي على شاطئ واسع تحت ضوء القمر. أراها تلتفت نحوي وتبتسم. ثم تستيقظ ذاكرتي فجأة مع رنين المنبه فأجد نفسي وحدي في غرفتي.

لكن في إحدى الليالي حدث شيء مختلف.

استيقظت عند الثالثة فجرًا على ضوء أزرق خافت يملأ الغرفة.

جلست على السرير مذعورًا.

لم يكن الضوء قادمًا من المصباح ولا من الشارع. كان ينبعث من إحدى الصور المعلقة على الجدار المقابل.

فركت عيني غير مصدق.

لكن الضوء ازداد سطوعًا.

بدأت الصورة تهتز ببطء، كأن سطحها تحول إلى صفحة ماء ساكنة تحركها نسمة خفيفة.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي كله.

وقفت مترددًا واقتربت خطوة.

ثم خطوة أخرى.

كل قوانين العقل كانت تخبرني أن ما أراه مستحيل.

لكنني كنت أراه بعيني.

عندما أصبحت على بعد متر واحد فقط من الصورة، سمعت صوتًا خافتًا.

صوت امرأة.

صوتًا أعرفه جيدًا.

قالت كلمة واحدة فقط:

"أخيرًا..."

وتجمدت مكاني.

لأن الصوت كان يشبه صوت ألكسندرا تمامًا.

وفي تلك اللحظة، انفتح داخل الصورة باب من الضوء الأزرق لم أرَ مثله في حياتي قط.



الفصل الثاني: أول لقاء First meeting​

لم أنم تلك الليلة.

بعد أن ظهرت البوابة الزرقاء داخل غرفتي، ظللت جالسًا على حافة السرير أحدق فيها لساعات.

لم أجرؤ على الاقتراب أكثر.

وفي المقابل لم أستطع إبعاد نظري عنها.

مع اقتراب الفجر، عاد الضوء يزداد لمعانًا.

ثم ظهرت الغرفة الأخرى من جديد.

لكنها لم تكن مختبرًا أو مكانًا غريبًا كما تخيلت.

كانت غرفة معيشة عادية ودافئة.

مكتبة خشبية.

أريكة كبيرة.

صور عائلية معلقة على الجدران.

وأمام البوابة وقفت هي.

ألكسندرا.

كانت ترتدي ملابس منزلية بسيطة، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها.

بدا عليها التوتر نفسه الذي أشعر به.

قالت مبتسمة:

"صباح الخير... أو ربما مساء الخير عندك."

ضحكت لأول مرة منذ ظهور البوابة.

قلت:

"أعتقد أنه صباح عندي."

ترددت للحظة ثم أضفت:

"هل أنت حقيقية فعلًا؟"

ضحكت هي الأخرى.

وقالت:

"كنت سأطرح عليك السؤال نفسه."

ساد صمت قصير.

ثم بدأنا نتحدث.

في البداية كانت أسئلة بسيطة.

ما اسمك؟

أين تعيش؟

ماذا تعمل؟

كم عمرك؟

أخبرتها أنني مصري أعيش وحدي بعد وفاة والديّ.

رأيت التعاطف يظهر في عينيها.

وقالت بصوت هادئ:

"أنا آسفة."

ثم أخبرتني عن حياتها في عالمها.

كانت شابة عادية تعيش مع أسرتها في مدينة أمريكية تشبه كثيرًا المدن التي أعرفها من الأفلام.

لا توجد شهرة ولا هوليوود.

ولا توجد ممثلة مشهورة تحمل اسمها.

كانت مجرد فتاة تعيش حياة طبيعية.

وفجأة سمعت صوت رجل من خلفها.

"أليكس؟ هل ما زلت تتحدثين مع الرجل القادم من الكون الآخر؟"

ظهر رجل طويل القامة ذو شعر رمادي خفيف وملامح وقورة.

ابتسمت ألكسندرا وقالت:

"هذا والدي، ريتشارد."

اقترب الرجل من البوابة وهو يحدق بي بدهشة.

ثم رفع يده محييًا.

فرفعت يدي بدوري.

قال ضاحكًا:

"لم أتخيل يومًا أنني سأتعرف إلى شخص من عالم آخر."

بعد دقائق ظهرت امرأة جميلة الملامح تشبه ألكسندرا إلى حد كبير.

عرفت فورًا أنها والدتها.

قدمت نفسها باسم كريستينا.

بدت أكثر حذرًا من ريتشارد.

لكنها كانت لطيفة للغاية.

وأخذت تسألني عن مصر.

عن القاهرة.

عن النيل.

وعن الأهرامات.

شعرت كأنني ضيف في منزلهم رغم أن آلاف الأكوان كانت تفصل بيننا.

وبعد قليل ظهر شاب يقترب من البوابة وهو يبتسم ابتسامة واسعة.

قال:

"إذن هذا هو الرجل المصري."

ضحكت ألكسندرا.

وقالت:

"هذا أخي ماثيو."

صافحني من بعيد عبر البوابة كأنها نافذة بين منزلين متجاورين.

ثم ظهرت أخيرًا فتاة شابة تشبه ألكسندرا في بعض الملامح.

كانت كاثارين.

نظرت إلي عدة ثوانٍ.

ثم قالت:

"هذا أغرب شيء حدث لعائلتنا منذ ولدت."

فضحك الجميع.

وبدأت أشعر بالراحة للمرة الأولى.

مر الوقت سريعًا.

تحدثنا عن الكتب.

وعن الطعام.

وعن الموسيقى.

وعن الاختلافات بين عالمينا.

وأكثر ما أدهشهم أن بعض الأشخاص الموجودين في عالمي غير موجودين أصلًا في عالمهم.

بينما كانت هناك شخصيات معروفة لديهم لم أسمع عنها قط.

قبل أن تغلق البوابة في نهاية اليوم، نظرت ألكسندرا نحوي.

وقالت:

"سنتحدث غدًا؟"

شعرت بسعادة غريبة وأنا أجيب:

"بالطبع."

ابتسمت ابتسامتها الهادئة التي حفظتها من أحلامي القديمة.

لكن هذه المرة لم تكن صورة على جدار.

ولا لقطة من فيلم.

ولا حلمًا أثناء النوم.

كانت إنسانة حقيقية.

في عالم آخر.

تنتظر حديثي في اليوم التالي.

وعندما اختفت البوابة أخيرًا، أدركت أن حياتي التي ظننتها انتهت إلى الوحدة قد بدأت من جديد بطريقة لم يتخيلها أي كاتب للخيال العلمي.



الفصل الثالث: عبور البوابة Crossing the gate​

لم أستطع التفكير في شيء آخر طوال اليوم.

كنت أجلس في شقتي بالإسكندرية، لكن عقلي كان هناك.

في ذلك العالم البعيد.

تحت السماء البنفسجية.

بين الأبراج الشفافة والأقمار الثلاثة.

كل بضع دقائق كنت أنظر نحو البوابة المغلقة منتظرًا أن تعود للحياة.

وعندما حل المساء، بدأت الصورة المعلقة على الجدار تضيء من جديد.

ظهر الضوء الأزرق المألوف.

ثم اتسعت الدائرة المضيئة حتى أصبحت بوابة كاملة.

وظهرت ألكسندرا.

كانت ترتدي الثوب الأبيض اللامع نفسه الذي رأيته الليلة الماضية.

شعرها الأسود الطويل ينسدل فوق كتفيها.

وعيناها الزرقاوان الواسعتان تعكسان أضواء الأجهزة المحيطة بها.

ابتسمت عندما رأتني.

وقالت:

"كنت أعلم أنك ستكون هنا."

ضحكت.

وقلت:

"كنت أنتظر منذ ساعات."

بدت السعادة على وجهها.

ثم قالت فجأة:

"هل تثق بي؟"

ترددت لثوان.

ثم أومأت برأسي.

رفعت يدها نحو البوابة.

وقالت:

"إذن حان الوقت لترى عالمي بنفسك."

تسارعت دقات قلبي.

نظرت إلى الدائرة الزرقاء.

ثم إلى ألكسندرا.

ثم أخذت نفسًا عميقًا.

وخطوت.

في اللحظة الأولى شعرت وكأنني أعبر ماءً باردًا جدًا.

ثم اختفى الإحساس فجأة.

ووجدت نفسي واقفًا إلى جوارها.

في عالم آخر.

رفعت رأسي ببطء.

وكان المشهد أعظم مما تخيلت.

فوقنا امتدت السماء البنفسجية العميقة.

وكانت الأقمار الثلاثة معلقة في الأفق بأحجام مختلفة.

أحدها فضي ضخم.

والثاني أزرق صغير.

أما الثالث فكان يلمع بلون ذهبي خافت.

حولنا ارتفعت أبراج شفافة بدت كأنها منحوتة من الزجاج والضوء معًا.

وفي الأرض نمت نباتات مضيئة ترسل خيوطًا رقيقة من النور الأخضر والأزرق.

شعرت أنني دخلت حلمًا من أحلام الطفولة.

راقبتني ألكسندرا بابتسامة.

وقالت:

"أعرف هذا التعبير."

"أي تعبير؟"

"كل شخص يزور المدينة لأول مرة ينظر هكذا."

ضحكت رغم ذهولي.

ثم بدأت نسير.

وأثناء الطريق راحت تشرح لي تفاصيل عالمها.

حدثتني عن وسائل النقل الصامتة التي تنزلق فوق المجال المغناطيسي.

وعن المباني التي تنتج طاقتها بنفسها.

وعن الجامعات العلمية المنتشرة بين الأبراج.

وعن عملها كباحثة في فيزياء الأكوان المتعددة.

كنت أستمع إليها مأخوذًا أكثر بصوتها من الكلمات نفسها.

وبعد نحو نصف ساعة وصلنا إلى منزل عائلتها.

كان منزلًا جميلًا تحيط به أشجار ذات أوراق فضية لامعة.

وما إن دخلنا حتى سمعت صوت رجل يقول:

"إذن وصل ضيفنا أخيرًا."

كان ريتشارد.

وقف مبتسمًا ومد يده مصافحًا.

صافحته وأنا أحاول استيعاب غرابة الموقف كله.

رجل من عالم آخر يستقبلني في بيته وكأنني صديق قديم.

ثم ظهرت كريستينا.

ورحبت بي بحرارة جعلتني أشعر أنني فرد من العائلة.

بعدها حضر ماثيو.

وكان أكثرهم فضولًا.

ظل يمطرني بالأسئلة عن الأرض.

وعن مصر.

وعن التاريخ.

وعن سبب وجود هذا العدد الهائل من الأفلام في عالمنا.

أما كاثارين فكانت تراقبني بصمت في البداية.

ثم جلست إلى جواري.

وقالت مبتسمة:

"ألكسندرا لم تتحدث عن أحد بهذه الطريقة من قبل."

شعرت بالحرج.

أما ألكسندرا نفسها فاحمر وجهها قليلًا.

وحاولت تغيير الموضوع بسرعة.

فضحك الجميع.

وفي تلك الليلة جلسنا جميعًا حول مائدة العشاء.

كنت أستمع إلى أحاديثهم وأراقبهم.

وللمرة الأولى منذ وفاة والديّ شعرت بشيء افتقدته طويلًا.

دفء العائلة.

شعور الانتماء.

وشعرت أنني لا أنظر إلى ألكسندرا فقط.

بل إلى حياة كاملة كنت أتمنى يومًا أن أعيشها.

وعندما حان وقت العودة إلى عالمي، رافقتني ألكسندرا إلى البوابة.

وقفنا أمام الضوء الأزرق المتراقص.

ثم قالت بصوت هادئ:

"أنا سعيدة لأنك عبرت."

نظرت إليها.

إلى عينيها الزرقاوين.

وإلى ابتسامتها الخجولة.

وقلت:

"وأنا سعيد لأنني وجدتك."

لثانية واحدة ساد الصمت بيننا.

صمت لم يكن محرجًا.

بل كان مريحًا بصورة غريبة.

ثم ابتسمت.

وأشارت نحو البوابة.

فعبرت عائدًا إلى عالمي.

لكنني كنت أعلم أن جزءًا مني بقي هناك.

تحت السماء البنفسجية.

في المدينة ذات الأبراج الشفافة.

وبجوار الفتاة التي كان القدر قد وضعها في كون آخر بالكامل.



الفصل الرابع: هبة العقول Gift of the Minds​

بعد عدة زيارات إلى عالم ألكسندرا، بدأت أكتشف أن الأشياء الغريبة هناك لا تنتهي.

في إحدى الأمسيات، كنا نجلس فوق شرفة زجاجية مرتفعة تطل على المدينة ذات الأبراج الشفافة.

كانت الأقمار الثلاثة تملأ السماء البنفسجية بضوئها الهادئ.

سألت ألكسندرا:

"هل كل ما في عالمكم يعتمد على التكنولوجيا؟"

ابتسمت ابتسامة غامضة.

وقالت:

"ليس كله."

ثم نظرت إلي مباشرة.

وفجأة سمعتها داخل رأسي.

ليس بأذني.

بل داخل عقلي نفسه.

"هل تسمعني الآن؟"

قفزت من مكاني مذعورًا.

أما هي فانفجرت ضاحكة.

قلت:

"أنت لم تتكلمي!"

"بلى. لكن ليس بصوتي."

احتجت عدة دقائق حتى أستوعب ما حدث.

ثم شرحت لي أن بعض البشر في عالمها يملكون قدرات ذهنية نادرة نتيجة تغيرات تطورية حدثت عبر قرون طويلة.

أما هي فكانت تملك قدرة استثنائية على التواصل العقلي المباشر.

ولم يقتصر الأمر على ذلك.

فخلال الأسابيع التالية اكتشفت قدرتها الثانية.

كانت قادرة على إسقاط وعي شخص آخر داخل نقاط زمنية مختلفة.

ليس لتغيير الماضي.

ولا للتلاعب بالأحداث.

بل لمشاهدتها والعيش فيها مؤقتًا كأنها واقع حي.

قالت لي ذات مساء:

"أعرف أنك تحمل أمنية قديمة."

سألتها:

"أي أمنية؟"

ابتسمت.

"أنت تفكر فيها منذ سنوات."

ثم أضافت وهي تنظر إلي بعينيها الزرقاوين:

"وأعرف ذلك لأنني أستطيع قراءة أفكارك."

شعرت بالحرج.

لكنها أكملت بلطف:

"كنت تتمنى دائمًا أن ترى حياة ألكسندرا الموجودة في عالمك بعينيك، لا من خلال الصور والشاشات."

صمتُّ.

لأنها كانت محقة.

رفعت يدها نحو جهاز بلوري صغير فوق الطاولة.

وقالـت:

"أستطيع أن أحقق ذلك."

بدأ الضوء الأزرق يحيط بنا.

وتحولت المدينة من حولي إلى ضباب من الألوان.

ثم سمعتها تقول:

"لن تذهب إلى الماضي لتغييره."

"إذن ماذا سيحدث؟"

"ستصبح شاهدًا عليه فقط."

ازداد الضوء سطوعًا.

وشعرت أن وعيي يبتعد عن المكان.

بعيدًا عن الأبراج الشفافة.

بعيدًا عن الأقمار الثلاثة.

بعيدًا عن عالمها كله.

وقبل أن يبتلعني الضوء بالكامل سمعت صوتها للمرة الأخيرة:

"استعد يا أحمد... سترى عالمك كما لم تره من قبل."

ثم اختفى كل شيء.



الفصل الخامس: نوافذ الزمن Windows of Time

عندما انقشع الضوء من حولي، وجدت نفسي أقف في شارع هادئ تحيط به الأشجار.

نظرت إلى ملابسي.

كانت مختلفة.

ثم نظرت إلى يدي.

لكنني لم أكن شخصًا آخر.

كنت ما زلت أنا.

فقط غير مرئي لمن حولي.

سمعت صوت ألكسندرا الموازية داخل رأسي.

"لا تقلق. أنت مجرد مراقب."

سألتها:

"أين أنا؟"

أجابت:

"في إحدى نقاط الماضي في عالمك."

بدأت أسير في الشارع.

وفجأة خرجت فتاة صغيرة من أحد المنازل وهي تضحك وتحمل حقيبة مدرسية.

عرفتها فورًا.

كانت ألكسندرا في سنوات طفولتها.

لم تكن نجمة سينما.

ولا شخصية معروفة.

مجرد **** عادية عائدة من المدرسة.

شاهدتها تتحدث مع والدتها وتضحك على شيء لم أسمعه.

ثم تركت الحقيبة ودخلت إلى المنزل مسرعة.

ساد المشهد هدوء غريب.

ولأول مرة أدركت أن حياة أي إنسان تبدأ ببساطة شديدة قبل أن يعرفه العالم.


تغير المشهد حولي.

وكأن الزمن يقلب صفحاته بسرعة.

وجدت نفسي في مرحلة أخرى.

في إحدى الساحات الرياضية.

كانت ألكسندرا أكبر سنًا بقليل.

تتحدث مع أصدقاء من عمرها.

تضحك.

تمزح.

وتناقش أمورًا عادية جدًا.

لم تكن تعلم أن ملايين البشر سيعرفون اسمها بعد سنوات.

كانت تعيش يومها فقط.

قالت ألكسندرا الموازية:

"كثيرًا ما ننسى أن المشاهير كانوا أشخاصًا عاديين قبل الشهرة."

أومأت برأسي.

وأنا أتابع المشهد بصمت.


ثم انتقل الزمن مرة أخرى.

هذه المرة إلى سنوات الشباب المبكرة.

رأيت ألكسندرا البالغة وهي تحضر أحد اختبارات التمثيل.

بدت متوترة.

وأقل ثقة مما عرفها الجمهور لاحقًا.

كانت تقرأ بعض السطور من نص أمام لجنة صغيرة.

بعد انتهاء المشهد سمعت ألكسندرا الموازية تقول:

"هذه إحدى اللحظات التي صنعت مستقبلها."

سألت:

"هل نجحت يومها؟"

ضحكت.

"ستعرف بعد قليل."


توالت المشاهد أمامي.

كأنني أشاهد ألبوم حياة كاملًا.

سنوات الدراسة.

الأصدقاء.

البدايات المهنية.

النجاحات الصغيرة.

والخيبات الصغيرة أيضًا.

ولم تكن الغاية أن أقترب منها.

بل أن أفهمها كإنسانة.

إنسانة لها تاريخ طويل من التجارب قبل أن تصبح الوجه الذي يعرفه الجمهور.


وأخيرًا عاد الضوء الأزرق يحيط بي من جديد.

وشعرت أن وعيي يعود إلى العالم الموازي.

فتحت عيني لأجد ألكسندرا الأخرى جالسة أمامي.

تنظر إلي باهتمام.

سألت:

"كيف كانت الرحلة؟"

فكرت طويلًا قبل أن أجيب.

ثم قلت:

"الغريب أنني لم أتعرف إلى ممثلة مشهورة."

ابتسمت.

"إذن إلى من تعرفت؟"

نظرت إلى الأقمار الثلاثة المعلقة في السماء البنفسجية.

ثم قلت:

"إلى إنسانة."

ولأول مرة منذ بدأ كل هذا، شعرت أنني بدأت أفهم سر ارتباط مصيري بذلك الاسم الذي رافق أحلامي سنوات طويلة.



الفصل السادس: الاستثناء الوحيد The only exception


بعد عودتي من رحلة نوافذ الزمن، ظللت أيامًا أفكر فيما رأيته.

كنت أظن أن قدرة ألكسندرا الموازية تقتصر على المشاهدة فقط.

لكنني كنت مخطئًا.

في إحدى الأمسيات، كنا نجلس في مختبرها المطل على المدينة المضيئة.

كانت الشاشات الثلاثية الأبعاد تدور حولنا ببطء.

وفجأة قالت:

"هناك شيء لم أخبرك به."

نظرت إليها باهتمام.

"ماذا؟"

سكتت لحظة.

ثم قالت:

"النظام الذي استخدمناه لمشاهدة الماضي يملك وضعًا آخر."

لم أفهم.

فشرحت:

"يمكنني أن أزرع وعيك وجسدًا مطابقًا لك داخل عالمك في نقطة زمنية محددة."

"ولكنني كنت مجرد مراقب."

"هذه المرة لن تكون مراقبًا."

حدقت فيها غير مصدق.

"تقصد أنني سأصبح موجودًا فعلًا؟"

أومأت برأسها.

"موجودًا وقادرًا على الحديث والتفاعل."

ساد الصمت بيننا.

ثم سألتها:

"ولماذا تفعلين ذلك؟"

نظرت إلى إحدى النوافذ الشفافة حيث كانت الأقمار الثلاثة تلمع في السماء.

وقالت بهدوء:

"لأنني أعرف كم تمنيت أن تتحدث معها يومًا."


بعد أسابيع من الحسابات والتجارب، أعلنت أن النظام أصبح جاهزًا.

جلست داخل مقصورة زجاجية وسط المختبر.

وكانت ألكسندرا الموازية تقف أمام لوحة تحكم مضيئة.

قالت:

"تذكر."

"ماذا؟"

"لن نغير التاريخ."

أومأت برأسي.

فأكملت:

"ستعيش بعض الأيام هناك فقط. لن تتدخل في القرارات المصيرية لحياتها. ولن تؤثر في مستقبلها المعروف."

قلت:

"أفهم."

ثم بدأ الضوء الأزرق يزداد سطوعًا.


عندما فتحت عيني، كنت في عالم مختلف.

عالمي.

لكن في زمن سابق.

وكانت ألكسندرا قد أصبحت شابة بالغة في بداية مسيرتها المهنية.

هذه المرة لم أكن شبحًا.

كنت موجودًا بالفعل.

أتنفس.

أتحرك.

وأتحدث.

بعد سلسلة من المصادفات التي رتبتها التقنية العجيبة، وجدنا أنفسنا نتعارف بصورة طبيعية.

في البداية كنت مجرد شخص جديد في حياتها.

ثم أصبحنا صديقين.

كانت تسألني كثيرًا عن مصر.

وعن طفولتي.

وعن الكتب التي أحبها.

وكنت أستمع إلى أحلامها ومخاوفها وطموحاتها.

شيئًا فشيئًا نشأت بيننا مودة خاصة.

لم تكن علاقة تملك.

ولا محاولة لتغيير مستقبلها.

بل لحظات إنسانية قصيرة اقتطعها القدر من بين آلاف الاحتمالات.


في إحدى الأمسيات، كنا نسير بمحاذاة الشاطئ بينما كانت الشمس تقترب من الأفق.

كان الهواء لطيفًا، وكانت الأمواج تتكسر برفق على الرمال.

توقفت ألكسندرا فجأة ونظرت إلي.

لم تقل شيئًا في البداية.

اكتفت بالنظر.

كانت عيناها الزرقاوان تحملان دفئًا جعلني أشعر وكأن الزمن توقف من حولنا.

شعرت بدقات قلبي تتسارع.

ولأول مرة لم أجد الكلمات المناسبة.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

ثم اقتربت خطوة واحدة.

وقالت بصوت هادئ:

"أشعر براحة غريبة عندما أكون معك."

ابتسمت وقلت:

"وأنا أيضًا."

ساد صمت قصير.

لكنه كان من ذلك الصمت الجميل الذي لا يحتاج إلى كلمات.

ثم مدت يديها نحوي وعانقتني.

كان عناقًا دافئًا وصادقًا.

شعرت خلاله أن سنوات الوحدة كلها تبتعد عني للحظات.

وأحسست بأن قلبي وروحي يمتلئان بسكينة لم أعرفها منذ زمن طويل.

عندما ابتعدت قليلًا، ظلت تنظر إلي.

وكان في عينيها بريق رقيق لم أره من قبل.

ثم اقتربت أكثر.

وتبادلنا قبلة قصيرة هادئة.

لم تكن سوى لحظة عابرة في عمر الزمن.

لكنها بدت لي وكأنها عالم كامل.

شعرت بعدها بقشعريرة دافئة تسري في جسدي.

وكأن روحي كلها تستيقظ على نور جديد.

ثم تشابكت أصابعها مع أصابعي.

وواصلنا السير بمحاذاة البحر بينما كانت الشمس تغيب ببطء خلف الأفق.


مرت الأيام سريعًا.

أسرع بكثير مما تمنيت.

وأصبحت لقاءاتنا جزءًا من حياتي اليومية.

كنا نتحدث لساعات طويلة.

نضحك.

ونتبادل القصص.

ونجلس أحيانًا صامتين نراقب البحر أو السماء.

وكان يكفيني أن تكون موجودة بقربي.


لكن الزمن لا يتوقف لأحد.

وفي أحد الأيام وصلني صوت ألكسندرا الموازية عبر جهاز الاتصال الكمي.

كانت نبرتها أكثر جدية من المعتاد.

قالت:

"اقترب موعد عودتك."

أغمضت عيني.

كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي.

لكنني لم أكن مستعدًا لها.


في آخر لقاء جمعني بألكسندرا من عالمي، جلسنا طويلًا نتحدث عن أشياء كثيرة.

عن الأحلام.

وعن السفر.

وعن الصداقات التي تغير حياة الإنسان.

ثم حل الصمت بيننا.

نظرت إلي مبتسمة.

وقالت:

"سأفتقد أحاديثنا."

أجبت بصوت خافت:

"وأنا أيضًا."

وقفت أمامي.

ثم عانقتني مرة أخيرة.

عناقًا طويلًا هادئًا مليئًا بالمشاعر التي لم يحتج أي منا إلى شرحها.

وعندما ابتعدنا، بقيت أنظر إلى عينيها للحظات.

كنت أحاول أن أحفظ تلك الصورة في ذاكرتي إلى الأبد.


بعد دقائق عاد الضوء الأزرق يحيط بي.

وبدأ العالم يتلاشى.

وكان آخر ما رأيته ابتسامتها الهادئة وهي تلوح مودعة.

ثم عدت إلى عالمي الآخر.

إلى المدينة ذات الأبراج الشفافة.

وإلى السماء البنفسجية التي تتلألأ فيها الأقمار الثلاثة.

حيث كانت ألكسندرا الموازية تنتظرني.

نظرت إلى وجهي طويلًا.

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وكأنها قرأت كل ما مررت به دون أن أسرد كلمة واحدة.

وقالت:

"الآن فقط أصبحت مستعدًا للمرحلة التالية."

ولم أكن أعلم أن الأسرار الحقيقية للأكوان المتعددة لم تبدأ بعد.





الفصل السابع: شقوق بين النجوم Cracks between stars

بعد عودتي إلى عالم ألكسندرا الموازية، لم أستطع النوم.

جلست وحدي أمام النافذة البلورية العريضة في الغرفة التي خصصتها لي العائلة.

كانت الأقمار الثلاثة معلقة في السماء البنفسجية.

لكن عقلي كان في مكان آخر.

في عالمي.

مع ألكسندرا الأخرى.

استعدت عشرات الذكريات التي عشتها معها خلال الأيام القليلة التي سمحت بها التجربة.

تذكرت ضحكتها.

طريقة حديثها.

نظراتها الهادئة عندما كنا نجلس على الشاطئ.

تذكرت نزهاتنا الطويلة.

وأحاديثنا التي كانت تمتد لساعات دون أن نشعر بالوقت.

كانت التفاصيل الصغيرة هي الأكثر حضورًا في ذاكرتي.

حركة يديها أثناء الكلام.

خصلات شعرها التي كانت تتحرك مع نسيم البحر.

ابتسامتها عندما تسمع مزحة بسيطة.

والدفء الإنساني الذي جعلني أشعر للمرة الأولى منذ سنوات أنني لست وحيدًا

جلست أمام النافذة البلورية أحدق في الأقمار الثلاثة.

لكن ذهني لم يكن هناك.

كان يعود مرارًا إلى تلك الأيام القليلة التي قضيتها مع ألكسندرا في عالمي.

أيام بدت قصيرة جدًا مقارنة بما تركته من أثر داخلي.

تذكرت إحدى الأمسيات على الشاطئ عندما كنا نستمتع بالطقس الدافئ وصوت الأمواج.

كانت ترتدي ملابس صيفية بسيطة مناسبة للشاطئ.

وكنا نتبادل الحديث والضحكات لساعات طويلة.

ما بقي في ذاكرتي لم يكن مظهرًا بعينه بقدر ما كان الصورة الكاملة لها.

طريقة تحريك يديها أثناء الكلام.

ابتسامتها التي كانت تظهر فجأة ثم تختفي.

عيناها الزرقاوان اللتان كانتا تعكسان ضوء البحر والسماء.

خصلات شعرها الداكنة التي كانت تتحرك مع النسيم.

وذلك التعبير الهادئ على وجهها عندما تنصت باهتمام إلى حديث شخص آخر.

كنت أستعيد تفاصيل كثيرة صغيرة.

شكل خطواتها على الرمال.

طريقة جلوسها وهي تنظر إلى الأفق.

صوت ضحكتها عندما تسمع شيئًا يروق لها.

حتى اللحظات العادية جدًا أصبحت في ذاكرتي أثمن مما توقعت.

ربما لأنني كنت أعلم منذ البداية أن الوقت محدود.

وأن تلك الأيام لن تتكرر.

شعرت حينها بمزيج غريب من السعادة والحنين.

سعادة لأنني عشت تلك الذكريات.

وحزن لأنني كنت أعيش الآن على ذكراها فقط.

في تلك الليالي الهادئة أمام النافذة البلورية،

كنت أجتر الذكريات بتفاصيلها الدقيقة.

تذكرت إحدى الأمسيات على شاطئ عالمي،

حيث كانت ألكسندرا ترتدي البيكيني الأزرق الخفيف الذي يبرز جمال جسدها النحيل والمشدود.

كانت مستلقية على منشفة ناعمة تحت أشعة الشمس الدافئة،

وعيناها الزرقاوان مغمضتان قليلاً بابتسامة هادئة.

بدأت أدلك كتفيها بلطف،

ثم نزلت إلى ظهرها الناعم.

كانت بشرتها ناعمة كالحرير،

دافئة تحت أصابعي.

حركت يديّ ببطء على طول عمودها الفقري، ثم إلى جانبي خصرها،

أشعر بمرونة عضلاتها ودفء جسدها.

نزلت أكثر إلى ساقيها الطويلتين الممدودتين،

دلكت فخذيها بقوة لطيفة،

ثم ساقيها حتى كاحليها.

كانت ساقاها ملساء، مشدودة،

مع منحنيات أنثوية تجعل القلب يخفق.

ثم استدارت على ظهرها،

مبتسمة بخجل خفيف.

دلكت بطنها المسطح الناعم،

أشعر بنعومة جلدها وارتفاع تنفسها الهادئ.

صعدت إلى عنقها الرشيق،

أدلك المنطقة الحساسة بعنقها بلطف،

فارتجفت قليلاً تحت لمسي.

وصلت إلى وجهها:

خديها الورديين،

شفتيها الممتلئتين،

وعينيها الزرقاوين اللتين فتحتهما لتنظر إليّ بتلك النظرة التي تذيب الروح.

شعرها الأسود الطويل المنسدل على كتفيها كان يتمايل مع كل حركة،

يفوح منه عطر خفيف يخلط مع رائحة البحر.

نزلت إلى يديها الرقيقتين،

دلكت أصابعها الطويلة واحدة تلو الأخرى،

ثم إلى قدميها الصغيرتين المعتنى بهما جيدًا،

أصابع قدميها الناعمة وقوس قدمها المقوس بلطف.

كل تفصيلة كانت محفورة في ذاكرتي:

نعومة بشرتها،

دفء جسدها،

طريقة تنهداتها الهادئة أثناء المساج،

والابتسامة التي كانت تظهر على وجهها كلما شعرت بالراحة.

كانت تلك اللحظات سرًا خاصًا بيننا،

لحظات إنسانية دافئة

اقتطعناها من زمن محدود،

وهي الآن تُشعل في داخلي نار الحنين

تحت سماء الأقمار الثلاثة.



.

كنت غارقًا في تلك الذكريات عندما سمعت صوتًا خلفي.

"ما زلت تفكر فيها."

التفت.

كانت ألكسندرا الموازية.

وقفت عند الباب تنظر إلي بهدوء.

ثم أضافت بابتسامة باهتة:

"لا داعي للإنكار. أستطيع قراءة أفكارك."

شعرت بالحرج.

لكنها لم تكن غاضبة.

فقط حزينة قليلًا.

جلست إلى جواري.

ونظرت نحو الأقمار الثلاثة.

وقالت:

"أعرف أنها مهمة بالنسبة لك."

صمتت لحظة.

ثم أضافت:

"لكن أحيانًا أنسى أنني أنا من منحتك تلك الفرصة."

كانت المرة الأولى التي أسمع فيها شيئًا يشبه الغيرة في صوتها.

نظرت إليها بدهشة.

فأدارت وجهها بعيدًا.

وقالت بصوت منخفض:

"أعرف أنها ليست أنا."

"وأنت تعرفين أنك مهمة بالنسبة لي."

ابتسمت.

لكن الابتسامة لم تدم طويلًا.

لأن أحد الأجهزة المثبتة على الجدار أطلق فجأة إنذارًا حادًا.

تبادلنا النظرات.

وفي اللحظة نفسها تغير كل شيء.


هرعنا إلى المختبر.

كان ريتشارد وكريستينا وماثيو وكاثارين موجودين بالفعل.

وعلى الشاشات الثلاثية الأبعاد ظهرت خرائط كونية معقدة لم أفهم منها شيئًا.

لكنني أدركت من وجوههم أن الأمر خطير.

قال ريتشارد:

"ازدادت الشقوق مرة أخرى."

سألت:

"أي شقوق؟"

اقتربت ألكسندرا من إحدى الشاشات.

وأشارت إلى خطوط مضيئة متعرجة بين عدد هائل من الأكوان.

ثم قالت:

"الحاجز الذي يفصل العوالم لم يعد مستقرًا."

ظهرت نقاط حمراء كثيرة على الشاشة.

أكثر مما رأيت في السابق.

قالت كاثارين:

"قبل أشهر كانت هناك ثلاث نقاط فقط."

وأضاف ماثيو:

"الآن أصبح عددها بالمئات."

شعرت بقشعريرة باردة.

وسألت:

"لكن لماذا يحدث هذا أصلًا؟"

ساد الصمت.

ثم نظر أفراد العائلة إلى بعضهم.

وأخيرًا قالت ألكسندرا:

"لأننا اكتشفنا شيئًا لم يكن ينبغي اكتشافه."

اقتربت من لوحة التحكم.

فظهرت صورة لمجسم كروي ضخم يطفو في الفضاء.

لم يكن كوكبًا.

ولا نجمًا.

ولا أي شيء عرفته من قبل.

قالت:

"قبل عشر سنوات عثر فريقنا العلمي على هذه البنية."

"ما هي؟"

تنهدت.

وأجابت:

"لا نعرف."

ثم أضافت:

"لكننا نعرف أنها أقدم من جميع الحضارات المعروفة في الكون."

شعرت بأن الموقف يزداد غرابة.

وأكملت:

"عندما بدأنا دراستها، اكتشفنا أنها متصلة بكل الأكوان المتوازية في الوقت نفسه."

توقف قلبي لحظة.

"كل الأكوان؟"

أومأت برأسها.

"نعم."

ثم قالت الجملة التي غيرت كل شيء:

"ومنذ اللحظة التي فتحنا فيها أول قناة اتصال معها... بدأ الحاجز بين العوالم ينهار."

ساد الصمت داخل المختبر.

ولأول مرة أدركت أن الأمر لم يعد مجرد تجربة علمية.

ولا مجرد قصة حب مستحيلة بين عالمين.

كان هناك شيء مجهول.

شيء قديم للغاية.

شيء يراقب الأكوان كلها منذ زمن لا يمكن تخيله.

وربما... كان قد بدأ يلاحظ وجودنا.



الفصل الثامن: ملكة الأمواج الثلاثة Queen of the Three Waves

بعد أيام من اكتشاف الشقوق الكونية، اقترحت ألكسندرا أن نبتعد قليلًا عن المختبرات والشاشات والإنذارات.

قالت لي صباحًا:

"أريد أن أريك مكانًا لا يعرفه معظم سكان المدينة."

غادرنا الأبراج الشفافة خلفنا.

وسرنا عبر سهول خضراء امتدت كأنها بلا نهاية.

كلما ابتعدنا عن المدينة، أصبحت الطبيعة أكثر حضورًا.

أشجار عملاقة.

طيور بألوان لم أر مثلها من قبل.

وجداول ماء تعكس لون السماء البنفسجية.

بعد ساعات من السير وصلنا إلى غابة جميلة.

ومن خلفها ظهر المحيط.

امتد الرمل الأبيض على طول الساحل.

وكانت الأمواج تتلألأ تحت ضوء الأقمار الثلاثة.

ابتسمت ألكسندرا.

وقالت:

"هنا أهرب عندما أريد أن أنسى العالم كله."

وللمرة الأولى رأيتها بعيدة تمامًا عن شخصية العالمة.

هنا لم تكن باحثة في الأكوان المتعددة.

كانت رياضية.

وقائدة.

وشخصًا يعشق البحر.

... كانت ألكسندرا الموازية تختلف أيضًا عن ألكسندرا عالمي

في أنها متعددة المواهب إلى درجة مذهلة.

بالإضافة إلى السباحة التوقيعية

التي كانت تؤديها مع فريق صديقاتها

كأنهن فراشات ملونة ترفرف فوق المياه المضيئة،

كانت تعزف الموسيقى الكلاسيكية ببراعة على البيانو والكمان،

وتجيد الرسم والنحت بمهارة تجعل لوحاتها وتماثيلها تحكي قصص الأكوان.

كما تتقن التحدث بعدة لغات بطلاقة تامة:

الإنجليزية والعربية

والألمانية والفرنسية

والإيطالية والروسية

والصينية واليابانية

والإسبانية والبرتغالية

والهندية والفارسية

واليونانية واللاتينية،

وحتى المصرية القديمة

بخطوطها الهيروغليفية والديموطيقية والهيراطيقية.

فهي ذكية جدًا جدًا،

وبينما كانت ألكسندرا عالمي مجرد ممثلة موهوبة،

كانت ألكسندرا الموازية متعددة المواهب

في الرياضة والفنون واللغات والعلوم،

مما جعلها شخصية استثنائية في عالمها المتقدم.



ع مرور الوقت بدأ أحمد يدرك أن ألكسندرا آنا لورا لم تكن مجرد نسخة أخرى من ألكسندرا التي عرفها في عالمه.

كان هناك شبه كبير في الملامح والوجه والعينين والصوت.

لكن التشابه كان يتوقف عند هذا الحد.

ففي حين أن ألكسندرا عالمه اشتهرت أساسًا كممثلة ناجحة، كانت ألكسندرا آنا لورا واحدة من أكثر الأشخاص استثنائية في عالمها.

فهي:

  • عالمة متخصصة في فيزياء الأكوان المتعددة.
  • بطلة سباحة توقيعية وقائدة لفريق رياضي مشهور.
  • عازفة موسيقى كلاسيكية بارعة.
  • رسامة موهوبة.
  • نحاتة محترفة.
  • باحثة في اللغات القديمة والحديثة.
أما أكثر ما أدهش أحمد فكان قدراتها اللغوية.

كانت تتحدث بطلاقة شبه كاملة:

  • الإنجليزية
  • العربية
  • الألمانية
  • الفرنسية
  • الإيطالية
  • الروسية
  • الصينية
  • اليابانية
  • الهندية
  • الإسبانية
  • البرتغالية
  • الفارسية
  • اليونانية
  • اللاتينية
ولم يتوقف الأمر عند ذلك.

فقد كانت قادرة على قراءة وكتابة اللغة المصرية القديمة بأنظمتها المختلفة:

  • الهيروغليفية
  • الهيراطيقية
  • الديموطيقية
وفي إحدى الأمسيات داخل مكتبة عائلتها، فوجئ أحمد بها تكتب فقرة كاملة بالهيروغليفية على شاشة ضوئية شفافة ثم تترجمها مباشرة إلى العربية والإنجليزية واللاتينية دون تردد.

عندها قال لها مازحًا:

"هل يوجد شيء لا تعرفين فعله؟"

فضحكت.

وأجابت:

"بالتأكيد."

"مثل ماذا؟"

سكتت لحظة.

ثم قالت مبتسمة:

"فهم البشر."

فضحك أحمد.

لكن جزءًا منه كان يعلم أن الإجابة لم تكن مزحة بالكامل.

كلما تعرف إليها أكثر، أدرك أن تفوقها لم يكن مجرد ذكاء أو موهبة.

بل كان شيئًا أعمق.

وكأن عالمها نفسه منح أبناءه فرصًا للتطور لم يعرفها عالمه قط.

ولهذا السبب بالذات بدأت الشكوك تراوده.

هل كانت ألكسندرا آنا لورا مجرد إنسانة موهوبة؟

أم أن هناك سرًا أكبر يقف وراء قدراتها الاستثنائية؟

سر قد يكون مرتبطًا باللغز الذي بدأ يمزق الحواجز بين الأكوان؟






لم نكن وحدنا.

فبعد دقائق ظهرت مجموعة من الشابات يلوحن لها من بعيد.

قالت:

"فريقي."

ثم عرفتني بهن.

كن أعضاء فريق السباحة التوقيعية الذي تقوده.

وقد بدت العلاقة بينهن أقرب إلى الصداقة منها إلى مجرد الرياضة.

ما إن اجتمع الفريق حتى بدأ التدريب.

نزلن إلى الماء.

وبإشارة واحدة من ألكسندرا بدأ العرض.

كنت أظن أن السباحة التوقيعية في عالمي جميلة.

لكن ما رأيته هناك تجاوز كل شيء.

كانت الحركات منسقة بدقة مذهلة.

تتحرك المجموعة كلها كأنها عقل واحد.

ترتفع الأذرع فوق سطح الماء في اللحظة نفسها.

وتنعكس الأضواء على الأمواج في أشكال هندسية ساحرة.

وفي الوسط كانت ألكسندرا تقود الجميع.

توجه الإشارات.

وتحافظ على الإيقاع.

وتصحح الأخطاء بابتسامة هادئة.

لم يكن واضحًا أنها القائدة بسبب الأوامر.

بل لأن الجميع كان يثق بها.


بعد انتهاء التدريب الجماعي، بقيت وحدها في الماء.

راحت تسبح لمسافات طويلة بمحاذاة الساحل.

بهدوء وثقة.

كأن البحر نفسه يعرفها.

ثم استدارت وعادت نحو الشاطئ.

وقالت ضاحكة:

"العلم جيد... لكن الماء أفضل."

جلست بجواري فوق أحد المقاعد المطلة على المحيط.

وكان النسيم يداعب الأشجار القريبة.


على الشاطئ، سارعت بالتجرد من ملابسها لتصبح ببيكيني بلون علم أمريكا، أزرق وأبيض وأحمر، يبرز جمال جسدها النحيل. جلست على مقعد شاطئي خشبي بطريقة أنيقة تمامًا كما في صورة شهيرة لألكسندرا عالمي. نظرت إليّ بنظرة اغراء واضحة وقالت بصوت رقيق:

"أنا أجمل أم هي؟"

ابتسمت وأجبت فورًا:

"أنت طبعًا."

ضحكت بلطف وقالت:

"كيف، وأنا هي وهي أنا؟"

نظرت إليها بعمق وقلت:

"أنت تحبينني."

احمر وجهها خجلاً، وأدارت نظرها قليلاً وقالت:

"من قال هذا؟"

اقتربت منها وقلت بهدوء:

"أعلم وأنا أبادلك الحب."

ترددت للحظة ثم قالت:

"ألست تحب ألكسندرا عالمك؟"

أجبتها بثقة:

"لا، هي تحب آخر. أما أنت فتحبينني وأنا أحبك."



ساد الصمت بيننا للحظات.

ثم سألتني فجأة:

"من الأجمل في نظرك؟"

نظرت إليها متفاجئًا.

فأكملت:

"أنا... أم النسخة الأخرى؟"

ابتسمت.

وقلت:

"سؤال غير عادل."

قالت:

"أجب فقط."

فكرت قليلًا.

ثم قلت:

"أنت."

رفعت حاجبيها بدهشة.

"كيف وأنا وهي ننحدر من الأصل نفسه؟"

نظرت نحو المحيط.

ثم قلت:

"لأنك أنت من عرفني."

سكتت.

فأضفت:

"وأنت من وقفت إلى جواري."

احمر وجهها قليلًا.

وحاولت النظر بعيدًا.

ثم قالت:

"ومن قال إنني..."

وتوقفت.

ابتسمت.

وقلت:

"لأنني أعرف."


في تلك اللحظة حدث شيء غريب.

شعرت بطاقة دافئة تسري في أطراف أصابعي.

رفعت يدي دون وعي.

فتوقفت ألكسندرا عن الكلام.

ونظرت إلى البحر.

الأمواج أمامنا بدأت ترتفع ببطء.

ثم انفصلت منها قطرات ماء لا حصر لها.

ارتفعت في الهواء.

وتجمعت فوق رؤوسنا.

كأن قوة خفية تتحكم بها.

تراجعت ألكسندرا خطوة إلى الخلف.

"أحمد... هل ترى ما أرى؟"

لكنني لم أستطع الإجابة.

لأنني لم أكن أفهم ما يحدث.


تحولت القطرات إلى بلورات زرقاء شفافة. يواقيت زرقاء.

ثم أخذت تدور حول رأس ألكسندرا.

وتشكلت في هيئة إكليل لامع.

استقر فوق شعرها كأنه تاج صُنع من نور البحر ومن الفضة .

بعدها تجمعت مياه أخرى فوق كفها.

وتحولت إلى كرة صغيرة تمثل عالمًا كاملًا.

قارات.

ومحيطات.

وسحب تدور ببطء.

وفي يدها الأخرى تشكل عمود بلوري طويل يشبه صولجانًا ملكيًا.

وقفنا مذهولين.

أنا وهي.

انحنيتُأمامها بخشوع وحب قائلا: مليكتي وإلهتي..


همست:

"من أين جاءت هذه القدرة؟"

هززت رأسي.

"لا أعلم."

نظرت إلى التاج المائي فوق رأسها.

ثم إلى الكرة المتوهجة في يدها.

وقالت:

"هذا لم يحدث من قبل."

ابتسمت وقالت:

"أكسبك عالمي قدرات."



شعرت أن الهواء من حولنا امتلأ بطاقة غريبة.

كأن شيئًا ما في الكون قد استيقظ.


نظرت إلي.

ثم قالت فجأة:

"هناك شيء لم أخبرك به."

"ماذا؟"

ابتسمت.

"اسمي ليس مثل اسمها تمامًا."

تجمدت في مكاني.

"ماذا تقصدين؟"

قالت:

"في عالمك اسمها ألكسندرا آنا فقط مركب ثنائي."

ثم وضعت يدها على صدرها.

وأضافت:

"أما أنا..."

وسكتت لحظة.

"مركب ثلاثي ... فأنا ألكسندرا آنا لورا. "


في تلك اللحظة اهتز السوار الكمي حول معصمها.

وأطلق إنذارًا أحمر حادًا.

اختفى المرح من وجهها فورًا.

ونظرت إلى شاشة صغيرة ظهرت في الهواء.

ثم شحب لونها.

قلت بقلق:

"ما الأمر؟"

رفعت رأسها نحوي ببطء.

وقالت:

"لقد اتسعت الشقوق الكونية مرة أخرى."

ثم نظرت إلى التاج المائي الذي صنعته دون قصد.

وأضافت بصوت خافت:

"وأظن أن ما حدث هنا الآن مرتبط بذلك."

وعندها فقط أدركت أن القدرات التي ظهرت لي فجأة...

قد لا تكون هدية.

بل علامة على أن اللغز الأكبر بدأ يكشف نفسه أخيرًا.



الفصل التاسع: الرجل الذي أصبحته في عالم آخر The man I became in another world

بعد أيام من حادثة تاج الماء والصولجان البلوري، كنت ما أزال أحاول فهم القدرات الجديدة التي ظهرت لدي.

لكن ألكسندرا آنا لورا بدت منشغلة بشيء آخر.

في إحدى الليالي استدعتني إلى المختبر.

كانت الشاشات العملاقة تعرض خرائط للأكوان المتوازية.

وعندما دخلت وجدت ريتشارد وكريستينا وماثيو وكاثارين موجودين أيضًا.

سألت:

"ماذا حدث؟"

تبادلت ألكسندرا النظرات مع والدها.

ثم قالت:

"هناك أمر أخفيناه عنك."

شعرت بالقلق.

"أي أمر؟"

أجابت:

"طوال هذه الأشهر كنا نراقب أكثر من نسخة منك."

تجمدت في مكاني.

"أكثر من نسخة؟"

أومأت برأسها.

ثم لمست إحدى الشاشات.

فامتلأت القاعة بمئات النقاط المضيئة.

قالت:

"هذه كلها أكوان يوجد فيها أحمد."

شعرت بالدوار.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تأت بعد.


اختفت معظم النقاط.

وبقيت نقطة واحدة فقط.

كبرت الصورة.

ثم ظهر منزل جميل تحيط به الأشجار.

وأمام المنزل وقف رجل.

أنا.

أو بالأحرى نسخة أخرى مني.

كان أكبر قليلًا.

وفي وجهه هدوء وثقة لم أرهما في نفسي منذ سنوات طويلة.

وقف بجواره ثلاثة *****.

فتاتان وولد.

كانوا يضحكون جميعًا.

ثم خرجت امرأة من المنزل.

وحين رأيتها شعرت أن قلبي توقف لحظة.

كانت كيرا نايتلي.

لكنها لم تكن الممثلة التي عرفتها في عالمي.

كانت امرأة مختلفة.

تشبهها في الملامح.

لكن حياتها مختلفة تمامًا.

لا وجود للسينما.

ولا للشهرة.

ولا للصحافة.

ولا للأضواء.

مجرد امرأة تعيش حياة عادية.

وزوجة لتلك النسخة الأخرى مني.


همست:

"مستحيل..."

قالت ألكسندرا بهدوء:

"إنها ليست كيرا الموجودة في عالمك."

"من تكون إذن؟"

"نسخة موازية منها."

اقتربت من الشاشة.

ورأيت الأطفال يركضون في الحديقة.

ثم رأيت الرجل الآخر يرفع أصغرهم بين ذراعيه.

كانت السعادة واضحة في عيون الجميع.

قالت ألكسندرا:

"هما متزوجان منذ أكثر من عشرين عامًا."

لم أجب.

كنت عاجزًا عن الكلام.


بعد دقائق ظهر مشهد آخر.

كانت الأسرة تجلس حول مائدة الطعام.

يتحدثون ويضحكون.

بدوا كأي عائلة سعيدة.

لكن ما صدمني لم يكن وجود كيرا.

بل وجودي أنا.

أو بالأحرى ذلك الشخص الذي كان يمكن أن أكونه.

رجل لم يعرف الوحدة.

ولم يفقد عائلته مبكرًا.

ولم يمض سنوات طويلة وحيدًا.

رجل سلك طريقًا مختلفًا بالكامل.


سألت بصوت خافت:

"هل يعرف بوجودي؟"

قالت ألكسندرا:

"لا."

"وهل سألتقيه؟"

ساد الصمت داخل المختبر.

ثم قالت:

"هذا ما نناقشه منذ أيام."

"لماذا؟"

أجابت:

"لأننا اكتشفنا شيئًا غريبًا."

ظهرت بيانات جديدة على الشاشة.

وسرعان ما اختفت ابتسامتها.

"من بين مليارات النسخ الموجودة عبر الأكوان..."

توقفت لحظة.

ثم أكملت:

"أنت وهو فقط تمتلكان البصمة الطاقية نفسها."

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

"وماذا يعني ذلك؟"

قال ريتشارد:

"يعني أن هناك رابطًا بينكما لا نفهمه."

وأضافت ألكسندرا:

"وربما يكون هذا الرابط جزءًا من السبب الذي يجعل الحواجز بين الأكوان تنهار."


عدت أنظر إلى الشاشة.

إلى ذلك الرجل الآخر.

وإلى زوجته وأطفاله.

وإلى الحياة التي لم أعشها.

فجأة شعرت بأن اللغز لم يعد يتعلق بالأكوان وحدها.

بل بالاختيارات.

وبالمصائر.

وبالطرق المختلفة التي يمكن أن تسلكها الحياة.

ثم سألت السؤال الذي كان يخيفني أكثر من أي شيء آخر:

"إذا التقيت به..."

نظرت ألكسندرا نحوي.

"... فهل سأرى نفسي؟"

ولم تجب.

لأن أحد أجهزة المختبر أطلق إنذارًا جديدًا.

وكان أشد عنفًا من كل الإنذارات السابقة.

وفي تلك اللحظة ظهر على الشاشة شيء لم يره أحد من قبل.

شيء قادم من بين الأكوان نفسها.





بينما كان أحمد يحدق في حياة نسخته الموازية، ظن أنه رأى كل شيء.

لكنه كان مخطئًا.

قالت ألكسندرا آنا لورا:

"هناك جزء آخر من حياته لم نعرضه عليك بعد."

لم تعجبه نبرة صوتها.

كانت مترددة.

وكأنها غير متأكدة مما إذا كان ينبغي له أن يعرف الحقيقة.

ظهرت صور جديدة فوق الشاشة.

وفي البداية لم يفهم ما يراه.

ثم بدأ يدرك أن حياة تلك النسخة الأخرى كانت أعقد بكثير مما تخيل.

فإلى جانب زواجه الطويل من كيرا الموازية وإنجابه ثلاثة أبناء منها، كانت هناك أسرار أخرى أخفاها ذلك الرجل عن معظم من حوله.

ظهرت امرأة أخرى.

سوناكشي سينها الموازية.

لم تكن ممثلة أو شخصية مشهورة في ذلك العالم.

بل كانت أستاذة تاريخ قديم في إحدى الجامعات الكبرى.

ثم ظهرت امرأة ثالثة.

إيميلي لورا أوليفيا بلانت الموازية.

وكانت مهندسة متخصصة في علوم الطاقة الحيوية.

تابع أحمد المشاهد بصمت.

وشعر أن حياته هو أصبحت أقل غرابة بكثير مقارنة بحياة ذلك الرجل.

قالت ألكسندرا:

"خلال مراحل مختلفة من حياته، نشأت بينه وبين كل منهما علاقة عاطفية معقدة."

ثم أضافت:

"وأثمرت كل علاقة عن ***."

ساد الصمت داخل المختبر.

نظر أحمد إلى الشاشة.

إلى الأطفال.

إلى النسخة الأخرى من نفسه.

إلى الحياة المليئة بالاختيارات والنتائج والتعقيدات.

ثم قال أخيرًا:

"وكيف تمكن من إخفاء كل ذلك؟"

أجاب ريتشارد:

"لم يكن الأمر إخفاءً بالمعنى التقليدي."

"إذن ماذا كان؟"

قال:

"في ذلك العالم توجد ترتيبات اجتماعية وقانونية مختلفة عما تعرفه في عالمك."

أطرق أحمد مفكرًا.

ثم عاد ينظر إلى الأطفال الثلاثة الآخرين الذين لم يكن يعلم بوجودهم قبل دقائق.

***** يحملون جزءًا من دمه.

وجزءًا من مصيره.

لكن في حياة لم يعشها هو قط.

عندها بدأ يدرك شيئًا مهمًا.

لم يكن يرى مجرد نسخة أخرى من نفسه.

بل كان يرى مجموعة كاملة من الاحتمالات التي كان يمكن أن يصبحها لو سلك طريقًا مختلفًا عند كل مفترق في حياته.





الفصل العاشر: لقاء النسخة الأخرى Meeting the other version

بعد الإنذار الذي هز المختبر، لم أعد أستطيع الانتظار. كانت الصور لا تزال معلقة في ذهني: ذلك الرجل الذي يشبهني، وزوجته كيرا، وأولاده، وسوناكشي وإيميلي... كل تلك الحياة المعقدة والغنية التي عاشها.

شعرت بضغط داخلي لا يُطاق. في اليوم التالي، وفي اليوم الذي بعده، ظللت ألح على ألكسندرا آنا لورا. كنت أتبعها في المختبر، في الشرفة، وحتى أثناء تدريبات السباحة.

«أريد أن أذهب إليه.» «ألكسندرا، أرجوكِ. أحتاج أن أتحدث معه.» «أريد أن أفهم كيف عاش حياته بهذه الطريقة.»

كانت تنظر إليّ بقلق واضح. في البداية رفضت تمامًا. «هذا خطر، أحمد. الحواجز بين الأكوان أصبحت أضعف، والانتقال الجسدي الكامل قد يسبب تشوهات في البصمة الطاقية. كما أن التدخل المباشر قد يؤثر على استقرار ذلك الكون.»

لكنني لم أتراجع. كنت أتوسل، أناقش، أذكّرها بكل ما فعلته لي من قبل. في النهاية، بعد ثلاث ليالٍ من الجدال والحسابات المكثفة مع ريتشارد وفريقها، استسلمت ألكسندرا.

نظرت إليّ بعينيها الزرقاوين اللتين كان فيهما مزيج من الحب والحزن والقلق. «سأنقل وعيك وجسدك معًا. لكن لمدة 48 ساعة فقط. لا تتدخل في حياته بشكل يغير مجراها. وستعود فورًا إذا لاحظنا أي اضطراب كوني.»

وافقت بسرعة.


عندما فتحت عينيّ، كنت في حديقة منزل جميلة تشبه المنزل الذي رأيته على الشاشة. الهواء دافئ، والشمس تغرب بهدوء. وقفت أمامي نسخة أخرى مني، يحمل كأسًا من الشراب وينظر إليّ بدهشة شديدة.

«...أنت.» قال بهدوء، صوته يشبه صوتي تمامًا لكنه أعمق قليلاً وأكثر ثقة. «كنت أشعر منذ أيام أن شيئًا غريبًا يحدث.»

جلسنا على مقعد خشبي في الحديقة بعيدًا عن المنزل. كان يعرف بالفعل عن فكرة الأكوان المتوازية، لكنه لم يتخيل أن يلتقي بنسخة أخرى من نفسه بهذه الطريقة.

بدأت أسأله مباشرة.

عن كيرا: «كيف هي حياتك معها بعد أكثر من عشرين عامًا؟»

ابتسم ابتسامة هادئة مليئة بالدفء. «كيرا... هي الثبات والسلام في حياتي. هي ليست الممثلة الشهيرة التي تعرفها أنت. هي معلمة تاريخ وأدب، تحب القراءة والطبيعة. ننام كل ليلة ونحن نتحدث عن يومنا. تملك صبرًا لا ينضب مع الأولاد، وتجعلني أشعر أنني الرجل الأفضل في العالم حتى في أيامي السيئة. الجنس بيننا لم يفقد حماسه. بل أصبح أعمق وأكثر حميمية مع السنين. نحب أن نأخذ وقتنا، نتحدث أثناءه، نضحك، نستعيد ذكرياتنا. هي تعرف جسدي كما أعرف جسدها، وتعرف كيف تثيرني بنظرة واحدة أو لمسة خفيفة على رقبتي.»

سألته عن الأولاد. «البنتان (ليلى 19 عامًا ونور 16) وولدنا (كريم 12). كيرا هي من ربتهم على القيم والحرية. نتحدث معهم بصراحة كبيرة. هي دائمًا تقول لي: "الأبوة ليست سلطة، بل حب يومي".»

عن سوناكشي: «سوناكشي... كانت بدايتها صداقة فكرية عميقة. هي أستاذة تاريخ قديم، ذكاؤها يفوق الوصف. علاقتنا سرية لكنها صادقة. نلتقي في شقة صغيرة نملكها بعيدًا عن المدينة. حديثنا دائمًا يبدأ بالتاريخ والفلسفة ثم يتحول إلى شيء أكثر دفئًا. تحب أن أمسكها بقوة، أن أهمس لها بالعربية أثناء العناق. ابننا (رام 8 أعوام) يعيش معها، وأزوره بانتظام. نتحدث أنا وسوناكشي كثيرًا عن تربيته، عن كيف نجعله يشعر بالأمان رغم الوضع المعقد. هي لا تطالبني بأكثر مما أعطي، وهذا ما يجعل علاقتنا مستمرة.»

عن إيميلي: «إيميلي مختلفة تمامًا. مهندسة طاقة حيوية، نشيطة، مغامرة. علاقتنا أكثر حماسًا وعفوية. نلتقي في رحلات قصيرة أو في منزلها خارج المدينة. هي تحب المغامرة حتى في اللحظات الحميمة. تضحك كثيرًا أثناء العلاقة، وتجعل كل لقاء يشبه لعبة مثيرة. ابننا (أليكس 7 أعوام) يشبهها في الطاقة. نتحدث أنا وإيميلي عن مستقبله، عن أحلامه في العلوم. هي تقول لي دائمًا: "أنت الجزء الهادئ في حياتي المجنونة".»

سألته بصراحة: «كيف تدير كل هذا دون أن ينهار كل شيء؟»

ضحك بهدوء. «بالصدق المحدود والاحترام الكبير. كيرا تعرف... ليس كل التفاصيل، لكنها تعرف أن هناك أجزاء أخرى من حياتي. لدينا اتفاق عميق مبني على الحب والثقة. لا أكذب عليها بشكل مباشر، لكنني أحمي سلامها. النساء الثلاث يعرفن بوجود بعضهن بدرجات متفاوتة. هذا ليس سهلاً، لكنه يعمل لأن كل واحدة منهن تحصل على الجزء الذي تحتاجه مني، وأنا أحصل على حب متعدد الأبعاد.»

تحدثنا ساعات طويلة. شعرت لأول مرة أنني أتحدث مع نفسي بكل صدق، بدون أقنعة. أراني فيه ما كنت أتمناه: رجل قادر على الحب بأشكال متعددة، ويستطيع بناء عائلة معقدة لكنها مليئة بالحياة.

قبل انتهاء الـ48 ساعة، عانقني بقوة وقال: «لا تخف من تعقيدات الحب. الحياة أقصر من أن تعيشها بنصف قلب.»


عندما عدت إلى عالم ألكسندرا آنا لورا، كانت تنتظرني بتوتر. احتضنتني طويلاً دون أن تسأل. لكنني أخبرتها بكل شيء.

نظرت إليّ بهدوء وقالت: «والآن... ماذا تريد أن تفعل أنت بحياتك؟»



الفصل الحادي عشر: صدى النسخ (Echoes of Selves)

عدتُ من عالم نسختي المتزوجة وأنا أشعر أن جزءًا منّي لم يعد. كأن الـ48 ساعة التي قضيتها هناك تركت شقوقًا داخل روحي، لا بين الأكوان فقط.

كنت جالسًا في غرفتي داخل منزل عائلة ألكسندرا آنا لورا، أحدق في الأقمار الثلاثة المعلقة في السماء البنفسجية، عندما بدأت الرؤى.

في البداية كانت مجرد ومضات. رأيت نفسي أقف أمام منزل آخر، أحمل ***ًا صغيرًا بين ذراعيّ، وامرأة تشبه سوناكشي تضحك في الخلفية. ثم انتقل المشهد فجأة: أنا أركض في غابة تحت أقمار مختلفة، أحاول الهرب من شيء لا أراه. ثم مشهد ثالث: أنا أبكي وحيدًا في شقة قاهرية مظلمة، لكن هذه المرة كانت يداي ملطخة بدماء لا أعرف مصدرها.

فركت عينيّ بقوة. لم يكن حلمًا. كان صدى. صدى النسخ الأخرى منّي التي عبرت الحواجز بسبب الانتقال.

هرعت إلى المختبر. كانت ألكسندرا آنا لورا هناك مع والدها ريتشارد، يدرسان بيانات جديدة. عندما رأتني شحب وجهها.

«أحمد... ماذا حدث؟»

«الرؤى... بدأت تتداخل. أرى حيوات أخرى لي. حيوات لم أعشها.»

جلست ألكسندرا بجانبي، أمسكت يدي. شعرت بدفء يدها يهدئ الاضطراب داخل رأسي قليلاً. شرحت لها التفاصيل. استمعت بهدوء، ثم نظرت إلى والدها.

قال ريتشارد بصوت ثقيل: «هذا متوقع. البصمة الطاقية لك تتفاعل مع الشقوق. كلما انتقلت، زاد التداخل.»

ثم أضاف ألكسندرا بقلق واضح: «وليس أنت فقط... نحن نراقب الآن نسخًا أخرى مني.»

فتحت إحدى الشاشات الثلاثية الأبعاد. ظهرت عشرات النقاط الحمراء.

«في بعض الأكوان... ماتت أنا. في أكوان أخرى، أصبحت... خطيرة. واحدة منهن حاولت السيطرة على كامل شبكة الأكوان باستخدام قدرات ذهنية مفرطة. أخرى أغلقت نفسها داخل حلقة زمنية لا نهائية من الحزن.»

شعرت بقشعريرة. نظرت إلى ألكسندرا آنا لورا التي تقف أمامي حية، دافئة، مليئة بالحياة. فكرة أن نسخًا منها ماتت أو تحولت إلى وحش كوني جعلتني أمسك يدها بقوة أكبر.

«لا أريد أن أفقدكِ... في أي كون.»


في المساء، أخذتني إلى الشاطئ الذي أصبح ملاذنا. كانت الأمواج تتلألأ تحت ضوء الأقمار الثلاثة، والنسيم يحمل رائحة الأزهار الفضية من الغابة القريبة.

جلسنا على الرمال الدافئة. خلعت ألكسندرا رداءها الخفيف، فبقيت ببيكيني أزرق بسيط يبرز منحنيات جسدها النحيل المشدود. استلقيت بجانبها، ورأسي على صدرها. كانت تضرب أصابعها بلطف في شعري.

ساد الصمت طويلاً. ثم همست: «أنا غيورة... أعرف أن هذا ليس عدلاً، لكنني غيورة.»

رفعت رأسي لأنظر إليها. عيناها الزرقاوان لامعتان بدموع لم تسقط بعد.

«غيورة من ألكسندرا عالمك... الممثلة التي عشقتها سنوات قبل أن تعرفني. وغيورة من كيرا... تلك التي عشت معها عشرين عامًا في حياة نسختك. أرى في عينيك كيف تأثرت بها. كيف شعرت بالدفء الذي لم تشعر به معي بعد.»

«ألكسندرا...»

وضعت إصبعها على شفتيّ. «لا تنكر. أستطيع قراءة أفكارك، تذكر؟ أرى الذكريات التي عشتها معها على الشاطئ. أرى كيف عانقتها. أرى كيف نظرت إلى أولادها... أولادك.» تنهدت بعمق. «أنا سعيدة لك، حقًا. لكن جزءًا مني يريد أن يكون هي... الوحيدة في قلبك.»

احتضنتها بقوة. شعرت بدفء جسدها يندمج مع جسدي. قبلت جبهتها، ثم عينيها، ثم شفتيها بلطف تحول تدريجيًا إلى شغف عميق.

«أنتِ لست نسخة. أنتِ ألكسندرا آنا لورا. أنتِ من منحتني عالمًا جديدًا. أنتِ من علمتني أن الحب لا يقتصر على كون واحد. وأنا... أختاركِ. الآن وفي كل انتقال.»

بكت بهدوء في حضني. ثم رفعت وجهها وقبلتني قبلة طويلة، عميقة، كأنها تحاول أن تطبع نفسها داخل روحي. أيدينا انزلقت على أجساد بعضنا، ليست بحاجة إلى كلام. كانت الأمواج تشهد على وعودنا الصامتة، والأقمار الثلاثة تضيء بشرتها كأنها تاج ملكي آخر.

في تلك اللحظة، شعرت أن الحب بيننا أقوى من أي شق كوني.


لكن الكون لم يكن يريد أن يتركنا في سلام.

فجأة، ارتجفت ألكسندرا في حضني. فتحت عينيها على وسعهما. في الوقت نفسه، شعرت أنا بصوت غريب يتردد داخل رأسي. ليس صوتًا بشريًا، بل ترددًا عميقًا، كأنه يأتي من أعماق الفضاء نفسه.

«...الرابط... مكتمل... الصدى... يبدأ...»

نظرت إلى ألكسندرا. كانت ترتجف.

«تسمعينه أيضًا؟»

أومأت برأسها ببطء.

«البنية القديمة... بدأت ترسل رسائل مباشرة. ونحن... نحن الأكثر تأثرًا.»

وقفتُ فجأة، وسحبتها معي. الأمواج حولنا بدأت تتحرك بطريقة غير طبيعية، كأنها تستجيب لشيء ما.

في السماء، ظهر خط أزرق خافت يشق السماء البنفسجية. شق جديد.

نظرت ألكسندرا إليّ، عيناها مليئتان بالمخاوف والتصميم معًا.

«الآن... بدأت اللعبة الحقيقية، أحمد.»

احتضنتها بقوة ونظرت إلى الشق في السماء.

كنت أعرف أن صدى النسخ لم يكن مجرد تأثير جانبي. كان بداية شيء أكبر. شيء سيجبرنا على مواجهة كل الاحتمالات... وكل الخسارات.





الفصل الثاني عشر: أبناء الأكوان الثلاثة (Sons of Three Worlds)

لم أنم تلك الليلة بعد عودتي من الشاطئ. كان صوت البنية القديمة يتردد في رأسي، لكن ما شغل بالي أكثر كان وجوه الأطفال الذين رأيتهم على الشاشة. أولادي... في كون آخر.

في الصباح التالي، ذهبت إلى ألكسندرا آنا لورا في المختبر وقررت. «أريد أن ألتقي بهم. بأبنائي.»

نظرت إليّ طويلاً. كان في عينيها الزرقاوين مزيج من الفهم والألم. «هذا سيكون صعبًا جدًا عليك... وعلىّ. لكن إذا كان هذا ما تحتاجه لتجد سلامك، فسأساعدك. سنذهب تحت إشراف كامل، ولمدة محدودة.»

بعد ساعات من التحضيرات والحسابات، عبرنا البوابة معًا.


وصلنا إلى حديقة المنزل الكبير في ذلك الكون. كان النسخة الأخرى مني (دعني أسميه أحمد-2) ينتظرنا. ابتسم بهدوء عندما رآني، ثم نظر إلى ألكسندرا آنا لورا بدهشة وإعجاب واضحين.

«أنتِ... مذهلة.» قال لها بابتسامة.

ابتسمت هي بلباقة، لكنني شعرت بتوترها.

بدأ اللقاء بالأطفال.

أولاً، خرجت كيرا. كانت امرأة في منتصف الأربعينيات، جميلة بهدوء ناضج، شعرها البني المموج مربوطًا ببساطة. عندما رأتني توقفت للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة دافئة لكن حذرة. «إذن أنت النسخة الأخرى... أحمد.» مدت يدها. مصافحتها كانت ثابتة ودافئة. «أحمد-2 أخبرني. هذا... غريب، لكنه ليس مخيفًا.»

شعرت بدفء غريب. كانت تنظر إليّ كأنها ترى زوجها في نسخة أصغر سنًا.

ثم جاء الأطفال: ليلى (19 عامًا)، نور (16 عامًا)، وكريم (12 عامًا). عانقوني بحرارة بعد أن شرح لهم والدهم الأمر بطريقة مبسطة. ليلى نظرت إليّ بعمق وقالت: «تبدو مثل أبي... لكن عينيك مختلفة. أكثر حزنًا.»

بكيت. لم أستطع منع نفسي.

بعد ذلك، التقينا بسوناكشي على انفراد في جناح منفصل بالحديقة. كانت امرأة هندية فاتنة، ذكية الملامح، في الأربعينيات أيضًا. عندما رأتني، اتسعت عيناها، ثم ضحكت ضحكة خفيفة مليئة بالدهشة. «يا إلهي... أنت أصغر وأكثر توترًا منه.» اقتربت ولمست ذراعي بلطف. «عرفت أحمد-2 في عام 2003، في مؤتمر تاريخي. كان خجولًا لكنه مثير للاهتمام. أنت... تشبهه في ذلك اليوم.»

باستخدام قدرة ألكسندرا الذهنية المعززة، استرجعتُ بسرعة بداية لقائهما. رأيت أحمد-2 في عام 2003، شابًا في الثانية والعشرين، يتحدث بحماس مع سوناكشي الشابة الجميلة في قاعة المؤتمر. كانت النظرة الأولى بينهما كهربائية.

«كان لقاؤنا بداية صداقة تحولت إلى شيء أعمق.» همست سوناكشي. «رام يشبهك كثيرًا.»

ثم جاء رام (8 أعوام). *** نشيط، عيونه تشبه عينيّ تمامًا. عندما رآني ركض نحوي وعانقني فجأة. «أبي الآخر!» شعرت بطاقة غريبة تنتقل منه إليّ.

أما إيميلي لورا أوليفيا بلانت، فقد كانت مختلفة. نشيطة، ذات شعر أشقر قصير، وطاقة لا تنضب. عندما رأتني، ضحكت بصوت عالٍ. «واو! نسخة شابة ووسيمة. أحمد-2 كان أكثر جدية عندما التقينا في 2003 في مشروع طاقة بيئي.»

استرجعتُ المشهد أيضًا: أحمد-2 يساعدها في إصلاح جهاز في المختبر، يتبادلان النظرات والضحكات، ثم قبلة عفوية تحت المطر.

ابنها أليكس (7 أعوام) كان الأكثر طاقة. لمس يدي فجأة، وشعرت بوميض كهربائي خفيف.


اكتشفنا خلال اللقاء أن كل الأطفال — ليلى، نور، كريم، رام، وأليكس — يحملون بصمة طاقية مشابهة جدًا لبصمتي. ظهرت قدرات كامنة صغيرة: رام يستطيع تحريك الأشياء الصغيرة بتركيزه، أليكس يرى ألوانًا حول الأشخاص (هالة طاقية)، وليلى تحلم بأحداث قبل وقوعها.

قالت ألكسندرا آنا لورا بهدوء: «هذه البصمة تنتقل عبر الأكوان. هم مرتبطون بك... وبي أيضًا الآن.»


في نهاية اليوم، جلست وحدي مع أحمد-2 بينما كانت ألكسندرا تتحدث مع النساء.

«هل تشعر بالندم؟» سألته.

«أبدًا. الحب ليس محدودًا. لكنني دفعت ثمن التعقيد.» نظر إليّ بجدية. «والآن أنت... هل تريد أن تبني عائلة مشابهة في عالمها؟»

سؤاله أثار صراعًا داخليًا عنيفًا.

أحب ألكسندرا آنا لورا بعمق. هي كل شيء: العالمة، السباحة، الفنانة، الملكة. لكن فكرة أن أعيش حياة متعددة العلاقات مثل أحمد-2... كانت تخيفني وتجذبني في الوقت نفسه. هل أستطيع أن أعطيها كل ما تحتاجه وأنا منقسم؟ أم أن حبنا يجب أن يكون حصريًا وعميقًا في كون واحد؟

عندما عدنا عبر البوابة، كانت ألكسندرا صامتة. احتضنتها طويلاً على الشاطئ تحت الأقمار الثلاثة.

«أفكر في مستقبلنا.» همست لها. «مستقبلنا... نحن.»

نظرت إليّ بعينين مليئتين بالأسئلة والحب. «وأنا أيضًا. لكن بعد كل ما رأيته اليوم... هل لا تزال تختارني أنا فقط؟»

لم أجب فورًا. الصراع داخلي كان يعصف بي.

في تلك اللحظة، شعرت بوميض آخر من البنية القديمة في رأسي: صورة لأطفال بين أحمد وألكسندرا آنا لورا، يلعبون تحت سماء بنفسجية...

كان الكون يعرض عليّ احتمالاً جديدًا.



الفصل الثالث عشر: الملكة والملاك (The Queen and the Angel)

بعد عودتنا من لقاء الأبناء، أصبحت الأيام أثقل. كان الصراع الداخلي يأكلني، وكانت ألكسندرا آنا لورا تشعر بذلك جيدًا. لم تتحدث كثيرًا، لكن عينيها الزرقاوين كانتا تحملان أسئلة لم تُطرح بعد.

في إحدى الليالي، أمسكت يدي وقالت بهدوء: «تعال معي. أريد أن أريك ما أصبحت عليه.»

ذهبنا إلى برج شفاف مرتفع يطل على المحيط، بعيدًا عن المدينة. كان البرج يتكون من بلورات حية تتفاعل مع الطاقة. داخل البرج غرفة واسعة مفتوحة على السماء البنفسجية والأقمار الثلاثة.

وقفت ألكسندرا في وسط الغرفة.

«منذ أن بدأت الشقوق تتسع... تغيرت قدراتي.»

رفعت يدها ببطء. فجأة، ارتفع الماء من المحيط في عمود شفاف هائل، يخترق النوافذ الشفافة ويدخل الغرفة. لم يبلل شيئًا، بل دار حولها كأنه حي. ثم قسمت العمود إلى عشرات الخيوط الرقيقة التي شكلت أشكالًا هندسية معقدة، ثم طيورًا مضيئة تطير حولنا.

بعد ذلك، مدت يدها نحوي. شعرت بطاقة دافئة تنتشر في جسدي، كأنها تلامس كل خلية فيه. أصبحت أستطيع رؤية هالات الطاقة حول الأشياء.

«أنا الآن أتحكم في الماء والطاقة الكونية بشكل أوسع. وأظن... أن هذا مرتبط بك.»


اقتربت مني. كانت ترتدي ثوبًا أبيض خفيفًا يتمايل مع نسيم البحر الذي يدخل من النوافذ المفتوحة. خلعته ببطء أمامي، فبقيت عارية تمامًا تحت ضوء الأقمار الثلاثة. جسدها النحيل المشدود يلمع كأنه منحوت من القمر نفسه.

«الليلة... لا أريد أن نتحدث عن الأكوان أو الأبناء أو الاختيارات. الليلة أريدك أنت فقط.»

سحبتني نحو سرير بلوري واسع في وسط الغرفة. استلقيت، واستلقت فوقي. بدأت أيديها تتحرك على جسدي، لكن هذه المرة لم تكن مجرد لمسات بشرية. كانت خيوط الماء الدافئة تتبع أصابعها، تدلك كتفيّ، صدري، بطني، وساقيّ بنعومة لا تُوصف.

شعرت وكأن آلاف الأيدي الناعمة تلمسني في الوقت نفسه.

«أغلق عينيك.» همست.

فعلت.

ثم شعرت بطاقتها تتدفق داخلي. كل ذكرى حميمة عشناها معًا عادت أقوى: قبلتنا الأولى، عناقنا على الشاطئ، كل لحظة. كانت تعيد عيشها معي داخل عقله.

فتحت عينيّ فرأيتها تبتسم بخجل وشغف. انحنت وقبلت عنقي، ثم صدري، ثم نزلت أكثر. الماء كان يدور حولنا في حلقات مضيئة، يرفع جسدها بلطف ثم يضغطها عليّ.

دخلت فيها ببطء. كانت دافئة، رطبة، وكأن طاقتها الكونية تتدفق بين أجسادنا. تحركنا معًا في إيقاع بطيء أولاً، ثم أعمق وأسرع. كانت تتحكم في الماء ليلامس نقاط حساسة في جسدي وجسدها في الوقت نفسه.

«أحمد...» تنهدت بصوت مرتجف. «أشعر بك... في كل خلية.»

أمسكت خصرها، ودفعت أعمق. كانت عيناها الزرقاوان مليئتين بالنجوم. في لحظة الذروة، انفجر العمود المائي حولنا في شلال من القطرات المتوهجة التي لم تسقط، بل دارت حولنا كنجوم صغيرة. صرخت بهدوء، وصرخت أنا معها، واندمجت طاقتنا في ومضة زرقاء واحدة أضاءت البرج كله.

بقينا متشابكين طويلاً بعد ذلك. كانت تضع رأسها على صدري، وأصابعها ترسم دوائر على بشرتي.

«أنا أحبك.» قالت ببساطة. «ليس كنسخة، ولا كملاك، بل كألكسندرا آنا لورا.»

«وأنا أحبكِ.» رددت، وقبلت شعرها.


لكن الهدوء لم يدم طويلاً.

فجأة، ارتجف البرج. ظهرت على الجدران البلورية رموز غريبة لم نرها من قبل. شعرت ألكسندرا بتوتر، ثم نهضت.

«هو... يتحدث.»

في وسط الغرفة، تشكل عمود من الطاقة النقية. من داخله خرج صوت — ليس صوتًا، بل مفهوم مباشر يتردد في عقولنا:

«أنا... الرابط... الذي كان قبل الأكوان. أتغذى على الطاقة بين العوالم... وأتواصل مع من يفتحون الشقوق.»

اتسعت عينا ألكسندرا.

«أنتم... أنتم لستم مجرد حادث. الرابط بينكما... أيقظني. أنا لست آلة. أنا كائن حي... قديم... أحاول الحفاظ على توازن الأكوان... أو... إنهاؤه.»

شعرنا بصور تتدفق: أكوان تتصادم، طاقة هائلة، وكيان عملاق يطفو في فراغ ما بين الوجود.

نظرت ألكسندرا إليّ، وجهها شاحب لكنه مصمم.

«البنية القديمة... ليست مجرد بناء. إنها كائن كوني حي. وهو الآن... يراقبنا.»

احتضنتها بقوة بينما كانت الرموز تستمر في الظهور حولنا.

كنا قد دخلنا مرحلة جديدة تمامًا. مرحلة لم تعد فيها ألكسندرا مجرد ملكة على الأمواج، ولا أنا مجرد ملاك ضائع.

بل أصبحنا جزءًا من قصة الكون نفسه.





الفصل الرابع عشر: حرب الشقوق (War of the Cracks)

لم يعد الخطر مجرد إنذارات على الشاشات.

في اليوم التالي للقاءنا مع الكائن الكوني داخل البرج، بدأت الشقوق تتسع بسرعة مرعبة. كنا في المختبر عندما اهتزت الأرض. من إحدى الشقوق الزرقاء المتشققة في السماء البنفسجية، تسرب شيء... كائنات طاقية شفافة تشبه الظلال السوداء ذات المخالب المتلألئة. كانت تتغذى على الطاقة بين الأكوان، وتترك وراءها فراغًا باردًا يحرق كل شيء.

ركض ريتشارد نحو الشاشات. «لقد بدأت الحرب! الشقوق تسمح الآن بعبور كائنات غير مستقرة.»

نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ، وجهها شاحب. «أحمد... ألكسندرا الأصلية — نسختي في عالمك — في خطر. أشعر بها. واحدة من هذه الكائنات تتجه نحوها.»

تجمدت. «يجب أن نذهب الآن.»


عبرنا البوابة بسرعة قصوى. وصلنا إلى القاهرة في عالمي الأصلي، لكن المدينة لم تعد كما كانت. السماء كانت ممزقة بشقوق زرقاء صغيرة، والناس يركضون مذعورين. توجهنا مباشرة إلى فيلا ألكسندرا الأصلية على أطراف المدينة، حيث كانت تقيم لتصوير فيلم جديد.

عندما وصلنا، كانت الكارثة قد بدأت.

ظل طاقي عملاق يحوم حول الفيلا، يمتص الألوان من كل شيء. ألكسندرا الأصلية (الممثلة) كانت تقف على الشرفة، عيناها الزرقاوان مليئتان بالرعب. كانت ترتدي روب تصوير أبيض، وشعرها الأسود منسدلًا.

«ماذا يحدث؟!» صاحت عندما رأتنا نقترب.

ثم رأت نفسها.

وقفت ألكسندرا آنا لورا أمام نسختها تمامًا. الاثنتان متطابقتان في الوجه والعينين والصوت، لكن واحدة كانت عالمة متعددة المواهب من كون متقدم، والأخرى ممثلة مشهورة من عالمي.

«هذا... مستحيل.» همست الممثلة وهي تتراجع خطوة.

«ليس مستحيلًا.» ردت ألكسندرا آنا لورا بصوت هادئ لكنه مشحون. «أنا أنتِ... من عالم آخر. وأنا هنا لأنقذك.»

شعرت بالتوتر الرومانسي يملأ الهواء. نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ للحظة، ثم إلى نسختها، وكأنها ترى جزءًا من نفسها الذي كان أحمد يحبه قبل أن يلتقي بها.

«هو... يحبكِ أيضًا؟» سألت الممثلة فجأة، وهي تنظر إليّ.

لم يكن الوقت مناسبًا للإجابة.

انقض الظل الطاقي علينا.


بدأت حرب الشقوق.

اندفعت ألكسندرا آنا لورا إلى الأمام. رفعت يديها، فانفجر عمود مائي هائل من الأرض، محاصرًا الكائن. ثم حولته إلى آلاف السهام الجليدية الحادة التي اخترقت الظل. صرخ الكائن صرخة ترددت في عقولنا.

«احمِها!» صاحت ألكسندرا آنا لورا.

جررت الممثلة بعيدًا بينما كنت أستخدم البصمة الطاقية التي اكتسبتها لأطلق موجات طاقية تصد الكائنات الصغيرة التي بدأت تتسرب من شقوق جديدة.

«اركضوا!»

اندفعنا عبر الشوارع. الكائنات تطاردنا. كانت مطاردة بين الأكوان: عبرنا بوابة صغيرة إلى عالم انتقالي، حيث كانت السماء مليئة بأطلال مدن مهجورة. هناك استخدمت ألكسندرا آنا لورا قدراتها على نطاق أوسع؛ أنشأت جسرًا مائيًا متوهجًا نعبر عليه بينما كانت الكائنات تندفع خلفنا.

في إحدى اللحظات، أمسك أحد الظلال بساق ألكسندرا الأصلية. صرخت. اندفع أحمد آنا لورا بسرعة خارقة، واستخدمت يديها لتحويل الماء المحيط إلى سيف بلوري حاد قطع الظل إلى نصفين.

وقفت الاثنتان وجهًا لوجه مرة أخرى أثناء الراحة القصيرة. كانت أنفاسهما متقاربة.

«أنتِ... أقوى مما كنت أتخيل.» قالت الممثلة بصوت مرتجف.

«وأنتِ... أكثر براءة وجمالًا مما توقعت.» ردت ألكسندرا آنا لورا، وكان في صوتها غيرة خفيفة. نظرت إليّ. «هل هذا ما أحببته سنوات؟»

لم أستطع الكذب. «كنت أحب صورتها... لكنني وقعت في حبكِ أنتِ.»

توتر واضح ظهر على وجه ألكسندرا آنا لورا، لكنها لم تقل شيئًا. أمسكت يدي بقوة.

استمرت المطاردة. عبرنا بوابة أخرى عائدين إلى عالم ألكسندرا آنا لورا، حيث كان ريتشارد وماثيو وكاثارين ينتظرون بأجهزة الدفاع. أغلقوا الشق المؤقت خلفنا بصعوبة.

استلقت ألكسندرا الأصلية على الأريكة، مصدومة من كل ما رأته.

نظرت ألكسندرا آنا لورا إليها طويلاً، ثم إليّ.

«لقد أنقذناها... لكن هذا ليس نهاية الحرب. الكائنات ستستمر في التسرب. وأنا... أنا لن أسمح لأي نسخة مني أن تأخذك مني.»

احتضنتها بقوة أمام نسختها، بينما كانت السماء خارج البرج تمتلئ بالشقوق الجديدة.

كانت حرب الشقوق قد بدأت للتو.



الفصل الخامس عشر: صرخات عبر الأكوان (Screams Across Worlds)

بعد انتهاء حرب الشقوق المؤقتة، عدنا إلى عالم ألكسندرا آنا لورا. كنت أشعر بإرهاق عميق يصل إلى العظام، لكن وجودها بجانبي كان يمنحني قوة غريبة. قضينا اليومين الأولين في الشاطئ، نحاول أن ننسى مؤقتًا الكائنات الطاقية والشقوق والاختيارات الصعبة. كانت ألكسندرا آنا لورا أكثر هدوءًا من المعتاد، لكن يدها لم تفارق يدي.

لم تمر ثلاثة أيام حتى أطلق جهاز الاتصال الكمي إنذارًا حادًا.

هرعنا إلى المختبر. ظهر وجه أحمد-2 على الشاشة الثلاثية الأبعاد، شاحبًا ومكسورًا، عيناه مليئتان بالرعب واليأس. كان شعره فوضويًا، ووجهه يحمل آثار دموع لم يحاول إخفاءها.

«أحمد... لقد اختطفوهن.»

تجمدت دمي.

«من؟»

«كيرا... وسوناكشي... وإيميلي. جميعهن في الوقت نفسه. الأطفال بخير الحمد ***، لكنهم خائفون جدًا. الخاطفون تركوا رسالة... موجهة إليك أنت.»

ظهرت الرسالة على الشاشة بأحرف متلألئة زرقاء باردة:

«الرابط بينك وبين ألكسندرا آنا لورا أيقظنا. إذا أردت عودة النساء الثلاث، تعال أنت وملكتك إلى قلب الشقوق. الكائن القديم يريد أن يرى الاختيار الحقيقي.»

شعرت بغضب هائل يغلي داخلي. نظرت إلى ألكسندرا آنا لورا. كانت وجهها شاحبًا، لكن فكها مشدود بتصميم.

«سنأتي فورًا.» قلت لأحمد-2.

نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ ثم إلى أحمد-2 عبر الشاشة، وقالت بهدوء حازم:

«سنذهب الثلاثة معًا.»


ساد صمت ثقيل للحظات. كان أحمد-2 ينظر إلينا من خلف الشاشة بامتنان واضح.

«أنا... لا أعرف كيف أشكركما. زوجتي وعشيقتي... كلهن جزء من حياتي. لا أستطيع أن أخسرهن.»

نظرت ألكسندرا آنا لورا إلى الشاشة بتعبير معقد. كانت تعرف جيدًا علاقات أحمد-2 المعقدة، وكانت تعرف أيضًا أنني رأيت حياته وتأثرت بها. شعرت بيدها تضغط على يدي بقوة أكبر، كأنها تؤكد ملكيتها لي.

«سننقذهن.» قالت بصوت هادئ لكنه حاد. «ليس فقط من أجلك... بل لأنهن لسن مجرد رهائن. هن أمهات ونساء.»

خلال ساعة واحدة فقط، أعددنا أنفسنا. ارتدت ألكسندرا آنا لورا بدلتها القتالية البلورية التي تبرز منحنيات جسدها، وأمسكت بالصولجان البلوري الذي ظهر له في الشاطئ سابقًا. وقفت أنا بجانبها، وأحمد-2 عبر البوابة ينتظرنا في عالمه.

قبل عبورنا، سحبتني ألكسندرا آنا لورا إلى زاوية هادئة في المختبر. نظرت إليّ بعينيها الزرقاوين اللتين كانتا تحملان غيرة وخوفًا واضحين.

«ستراهن مرة أخرى... كيرا، سوناكشي، إيميلي. وستكون هناك مع أحمد-2. أخبرني الآن... هل قلبك لا يزال معي؟»

احتضنتها بقوة، وقبلت جبهتها ثم شفتيها بعمق.

«قلبي معكِ. أنتِ ملكتي. أنتِ من اخترتها، وأنتِ من سأختارها دائمًا.»

ابتسمت ابتسامة خافتة، لكن التوتر لم يغادر عينيها تمامًا.


عبرنا البوابة الثلاثة معًا. وصلنا إلى منطقة الشقوق المتداخلة — مكان مرعب يتداخل فيه عدة أكوان في وقت واحد. السماء كانت ممزقة، والأرض تتغير باستمرار بين رمال وجليد وفراغ.

كان أحمد-2 ينتظرنا، مسلحًا بأجهزة عالمية. عانقني بحرارة، ثم نظر إلى ألكسندرا آنا لورا باحترام عميق.

«أنا مدين لكما بحياتي كلها.»

قالت ألكسندرا باختصار: «لا وقت للكلام. دعونا نجد نساءك.»

بدأنا التحرك داخل المنطقة المضطربة، وكان صوت الكائن القديم يتردد بين الحين والآخر في عقولنا كأنه يضحك بهدوء.

كانت الحرب الحقيقية قد بدأت الآن.





الفصل السادس عشر: الغوص في الظلام (Descent into Darkness)

عبرنا البوابات الثلاثة معًا — أنا وألكسندرا آنا لورا وأحمد-2 — إلى منطقة الشقوق المتداخلة. كان المكان كابوسًا حيًا. الفراغ يمتد إلى ما لا نهاية، ممزقًا بشقوق زرقاء متلألئة تتدفق منها طاقة فوضوية. الأرض — أو ما تبقى منها — كانت تتغير باستمرار: قطع من رمال صحراوية تطفو بجانب جليد قطبي، وأطلال مدن تظهر ثم تختفي في لحظات.

كان أحمد-2 يتقدم بتوتر واضح، وجهه شاحب ويده تمسك بجهاز تتبع طاقي. أما ألكسندرا آنا لورا فكانت هادئة كالعادة، لكن يدها لم تفارق يدي، وكأنها تؤكد وجودها بجانبي في هذا الجحيم.

«هناك!» صاح أحمد-2 فجأة.

أول من عثرنا عليها كانت سوناكشي. كانت محتجزة داخل فقاعة طاقية سوداء كبيرة تطفو في الفراغ، كأنها كرة سوداء عملاقة معلقة وسط الشقوق. داخلها، كانت سوناكشي جالسة على ركبتيها، شعرها الأسود فوضوي، وعيناها مغمضتان من شدة الألم.

عندما اقتربنا ورأت أحمد-2، انفجرت في البكاء على الفور. «أنت جئت... كنت أعرف أنك ستأتي!»

ثم فتحت عينيها ورأتني أنا. اتسعت عيناها بدهشة شديدة، كأنها ترى شبحًا. نظرت إليّ طويلاً، ثم تحولت نظرتها نحو ألكسندرا آنا لورا التي كانت تقف بجانبي. نظرة طويلة، فاحصة، مليئة بالدهشة والفضول والغيرة الخفيفة.

«أنتِ... نسختها.» همست سوناكشي بصوت مرتجف.

لم يكن الوقت مناسبًا للحوار.

اندفع أحمد-2 نحو الفقاعة، لكنها صدته بقوة طاقية. في تلك اللحظة، بدأت الكائنات الطاقية الصغيرة تتسرب من الشقوق المحيطة — ظلال سوداء سريعة ذات مخالب متلألئة تشبه الدخان الحي.

«احموا أنفسكم!» صاحت ألكسندرا آنا لورا.

رفعت يديها بسرعة. انفجر عمود مائي هائل من فراغ لا ماء فيه، كأنها استدعت الماء من عالم آخر. حولت العمود فورًا إلى مئات الأسلحة البلورية الحادة التي انطلقت كالرصاص نحو الكائنات. كلما اخترقت واحدة منها كيانًا، انفجر في ومضة طاقية باردة.

كنت أقاتل بجانب أحمد-2. كان يستخدم خبرته في عالمه ببراعة — يطلق موجات طاقية من جهازه ويستخدم حركات قتالية دقيقة. قاتلنا جنبًا إلى جنب، نسخة وأخرى من الرجل نفسه، ندافع عن المرأة التي يحبها كلانا بطريقة مختلفة.

«إلى اليسار!» صاح أحمد-2. دفعت موجة طاقية قوية، فأبعدت ثلاثة كائنات عن ألكسندرا.

في الوقت نفسه، كانت ألكسندرا آنا لورا في ذروة قوتها. حوّلت الماء إلى سيوف دوارة عملاقة، ثم إلى شبكة بلورية حاصرة، حتى تمكنت أخيرًا من شق الفقاعة السوداء.

انفجرت الفقاعة في صمت مرعب. سقطت سوناكشي في أحضان أحمد-2 الذي احتضنها بحرارة شديدة، مدفونًا وجهه في شعرها.

«أنا هنا... أنا هنا يا حبيبتي.» همس لها وهو يرتجف.

بعد لحظات، نظر أحمد-2 إليّ وإلى ألكسندرا آنا لورا، عيناه مليئتان بالامتنان.

«شكرًا... لكما. بدونكما لما كنت قادراً على إنقاذها.»

نظرت سوناكشي إلى ألكسندرا آنا لورا مرة أخرى، ثم إليّ. كان في نظرتها الكثير من المشاعر غير المنطوقة. همست بصوت ضعيف:

«أنتما... تشكلان زوجًا مخيفًا معًا.»

ابتسمت ألكسندرا آنا لورا ابتسامة خافتة، لكنني شعرت بيدها تضغط على ذراعي بقوة. كانت الغيرة تشتعل داخلها، خاصة وهي ترى أحمد-2 يحتضن سوناكشي بهذا الدفء.

«لا وقت للراحة.» قالت ألكسندرا بصوت حازم. «لا تزال كيرا وإيميلي في الخطر. والكائن القديم يراقبنا.»

التفت أحمد-2 نحونا، وهو لا يزال يحتضن سوناكشي.

«إلى أين الآن؟»

نظرت ألكسندرا آنا لورا إلى الشقوق التي كانت تتسع أكثر فأكثر.

«إلى قلب الظلام.»

كنا نغوص أعمق في الجحيم، وكل خطوة كانت تقربنا من اختبار أكبر.





الفصل السابع عشر: قلب الغيرة (Heart of Jealousy)

ثم توجهنا نحو كيرا، وكان الطريق أكثر اضطرابًا. كانت الشقوق تتكاثف حولنا، والواقع يتشوه بطريقة مرعبة. قادنا أحمد-2 بجهازه، ووجهه يعكس قلقًا عميقًا.

وصلنا أخيرًا إلى نسخة مشوهة من منزلهم العائلي. كان المنزل معلقًا في الفراغ، جدرانه تتحرك كأنها كائن حي، والأثاث يطفو ببطء شديد كأن الزمن نفسه يتسرب منه. داخل الصالة الكبيرة، كانت كيرا مربوطة بسلاسل طاقية شفافة تتوهج باللون الأزرق الباهت.

عندما رأت زوجها أحمد-2، ارتاحت ملامحها فورًا. تنهدت بعمق، وعيناها امتلأتا بدموع الارتياح.

«أنت هنا...» همست بصوت مكسور.

لكن الارتياح لم يدم طويلاً. عندما رأتني أنا واقفًا بجانبه، ثم نظرت إلى ألكسندرا آنا لورا التي كانت تمسك يدي، تغير تعبير وجهها تمامًا. ظهرت على ملامحها نظرة معقدة — مزيج من الصدمة والفهم العميق والألم الخفي. كانت تنظر إلينا كزوجين، وكأنها ترى ما كان يمكن أن يكون عليه حياتها لو اختار زوجها طريقًا مختلفًا.

«إذن... هذه هي من اخترتها.» قالت بهدوء مؤلم وهي تنظر مباشرة إلى ألكسندرا آنا لورا. «النسخة الأقوى... الملكة.»

كانت ألكسندرا آنا لورا متوترة جدًا. شعرت بجسدها مشدودًا بجانبي، وكأن كل غريزة فيها تتحداها. لكنها، بقوة إرادتها، اقتربت من كيرا بهدوء. مدت يدها، واستخدمت قدراتها لتفكيك السلاسل الطاقية واحدة تلو الأخرى. كانت حركاتها دقيقة ولطيفة، لكن التوتر بين المرأتين كان يملأ الهواء كهرباء.

وقفت كيرا على قدميها، ونظرت إلى ألكسندرا آنا لورا من مسافة قريبة جدًا. كان الشبه بينهما مخيفًا، لكن الاختلاف واضحًا: واحدة تعيش حياة هادئة زوجية، والأخرى ملكة أكوان وقوى خارقة.

«شكرًا...» قالت كيرا بصوت منخفض. «لقد جئتِ لإنقاذي... رغم كل شيء.»

لم ترد ألكسندرا، لكنني رأيت عضلات فكها تتحرك. كانت تغار. كانت تغار بشدة.


فجأة، اهتز المنزل المشوه بقوة. اندلعت من الأرض كيان طاقي كبير — ظل عملاق أسود ذو أطراف متعددة وأعين زرقاء متلألئة. صاح صرخة ترددت في عقولنا جميعًا.

«احموا أنفسكم!» صاح أحمد-2 وهو يدفع كيرا خلفه.

اندلعت معركة عنيفة. حاول أحمد-2 حماية زوجته بكل ما أوتي من قوة، مستخدمًا جهازه ليطلق حواجز طاقية. أما أنا وألكسندرا فقد هاجمنا الكيان مباشرة.

كنت أطلق موجات طاقية متتالية، بينما كانت ألكسندرا آنا لورا في قمة غضبها. خلقت عواصف مائية داخل المنزل المشوه، وحولت الماء إلى رماح بلورية حادة تخترق الظل. لكن الكيان كان قويًا. في لحظة خاطفة، امتد أحد أطرافه وضربها في كتفها بقوة.

«ألكسندرا!» صاحت.

صرخت ألكسندرا آنا لورا من الألم، وسقطت على ركبتيها. كان الجرح ينزف طاقة زرقاء متلألئة.

في تلك اللحظة، صرخت كيرا بقلق حقيقي، صوتها مليء بالخوف:

«لا! احموها! لا تتركوها تموت!»

كانت صرختها صادقة تمامًا. رغم كل التعقيدات والغيرة، لم تتمنَ لألكسندرا الأذى.

هذا الصراخ أشعل غضب ألكسندرا آنا لورا. نهضت فجأة، وعيناها تلمعان بقوة خارقة. صاحت بصوت يرج الفراغ:

«لن تأخذيه مني!»

رفعت يديها، وانفجر قدرها كاملاً. تجمدت المنطقة بأكملها في لحظة واحدة. تحولت الجدران المتحركة إلى جليد، والكيان نفسه بدأ يتصلب. ثم حولت الجليد إلى آلاف الشظايا الحادة التي اخترقت الكيان من كل الجهات حتى انفجر في ومضة طاقية هائلة.

سقطت ألكسندرا على الأرض منهكة. هرعتُ إليها واحتضنتها، بينما هرع أحمد-2 إلى كيرا.

كان الجرح في كتف ألكسندرا ينزف طاقة زرقاء ببطء، ووجهها شاحب. نظرت إليّ بعينين متعبة، لكنها حاولت أن تبتسم.

«أنا... بخير. فقط... أحتاج راحة.»

نظرت كيرا إلينا، ثم إلى زوجها. كان في عينيها الكثير من المشاعر. اقتربت من ألكسندرا ببطء، ومدت يدها لتساعدها على الوقوف.

«أنتِ قوية... أقوى مما كنت أظن.»

لم ترد ألكسندرا، لكنها أمسكت يد كيرا للحظة قصيرة. كان ذلك اعترافًا صامتًا بين المرأتين.

وقفتُ بجانب ألكسندرا آنا لورا، أدعمها، ونظرت إلى أحمد-2 الذي كان يحتضن زوجته.

«لا يزال هناك إيميلي.» قلت بهدوء.

أومأ أحمد-2 برأسه.

«نعم... وكلما أنقذنا واحدة، يزداد الكائن القديم غضبًا.»

احتضنت ألكسندرا آنا لورا بقوة، وقبلت جبهتها، بينما كانت الشقوق حولنا تتسع أكثر فأكثر.

كانت غيرتها قلب هذه الحرب... وكان حبها وقودها.





الفصل الثامن عشر: آخر الثلاثة (The Last of the Three)

كانت إيميلي الأخيرة والأصعب بلا منازع.

بعد إنقاذ كيرا، أصبحت الشقوق أكثر عنفًا وفوضى. قادنا أحمد-2 عبر منطقة شقوق متقلبة جدًا، حيث تتغير قوانين الفيزياء باستمرار. في لحظة كانت الجاذبية تسحبنا إلى الأسفل، وفي اللحظة التالية نطفو في الفراغ. النار تتحول إلى جليد، والزمن يتباطأ ثم يتسارع فجأة. كان المكان يحاول أن يجن جنونه.

«هي هناك!» صاح أحمد-2 وهو يشير إلى كرة طاقية عملاقة تطفو في وسط فوضى الشقوق. داخل الكرة، كانت إيميلي معلقة، شعرها الأشقر القصير فوضوي، ووجهها يعكس تعبًا شديدًا لكنه لا يزال يحمل تلك الروح المتمردة.

عندما اقتربنا ورأت أحمد-2، ضحكت ضحكة مريرة، ساخرة، مليئة بالألم والغضب.

«جئتَ أخيرًا... ومعك نسختك وملكتك.» قالت وهي تنظر إلينا الثلاثة. «مشهد درامي مثالي.»

لم يكن هناك وقت للرد. انفجر الكائن القديم برد فعل غاضب. اندلعت معركة أكشن عنيفة لم نشهد مثلها من قبل.

خرجت من الشقوق عشرات الكائنات الطاقية، بعضها عملاق وبعضها سريع كالبرق. تغيرت الجاذبية فجأة، فطارت الصخور والشظايا حولنا كالرصاص.

أحمد-2 قاتل بشراسة غير متوقعة. كان يحمي إيميلي بكل ما أوتي، يطلق موجات طاقية من جهازه ويستخدم حركات قتالية مُدربة لصد الكائنات التي تحاول الاقتراب من الكرة.

«لن أخسركِ أنتِ أيضًا!» صاح وهو يدمر كيانًا كاملاً بضربة مباشرة.

أما أنا وألكسندرا آنا لورا، فقد قاتلنا كوحدة واحدة. كنت أستخدم البصمة الطاقية لأفتح ثغرات صغيرة في دفاع الكائنات، بينما كانت ألكسندرا تحول كل قطرة ماء موجودة في الهواء — وحتى الرطوبة الموجودة في أجسادنا — إلى أسلحة مدمرة.

كانت المعركة فوضوية. في لحظة أصبحت الأرض تحت أقدامنا سائلة، وفي أخرى تحول الهواء إلى جليد.

في ذروة المعركة، عندما حاول كيان عملاق امتصاص طاقة الكرة التي تحتوي إيميلي، صاحت ألكسندرا آنا لورا بصوت يرج الفراغ كله:

«لن آخذه منكن... لكنني لن أتركه أبدًا!»

كانت صرختها مليئة بكل الغيرة والحب والعزم الذي يختلج في صدرها. رفعت يديها، وانفجرت قدراتها في عاصفة مائية كونية هائلة. تحولت الرطوبة والطاقة المحيطة إلى إعصار مائي عملاق يدور حول الكرة، يحمي إيميلي ويهاجم الكائنات في الوقت نفسه.

استغل أحمد-2 الفرصة، وقفز نحو الكرة وضربها بجهازه بكل قوته. في الوقت نفسه، أطلقتُ أنا موجة طاقية مركزة ساعدت في شق الكرة.

انفجرت الكرة الطاقية أخيرًا. سقطت إيميلي في أحضان أحمد-2 الذي احتضنها بقوة، مدفونًا وجهه في عنقها.

«أنا هنا... أنتِ بخير الآن.» همس لها.

كانت إيميلي منهكة تمامًا، جسدها يرتجف، لكنها كانت حية. رفعت رأسها ونظرت إلى ألكسندرا آنا لورا التي كانت تقف شاحبة، تنزف طاقة من جروحها السابقة.

«أنتِ... مجنونة.» قالت إيميلي بابتسامة ضعيفة. «لكنكِ مجنونة قوية.»

ابتسمت ألكسندرا ابتسامة متعبة، ووقفت بجانبي. احتضنتها بقوة، وشعرت بجسدها المنهار يرتكز عليّ.

نظر أحمد-2 إلينا، وهو لا يزال يحمل إيميلي، وقال بصوت خشن:

«لقد أنقذتم حياتي كلها اليوم... حياتنا.»

وقفت النساء الثلاث — كيرا وسوناكشي وإيميلي — حول ألكسندرا آنا لورا في تلك اللحظة المشحونة. كان هناك صمت ثقيل، مليء بكل المشاعر غير المنطوقة: الامتنان، الغيرة، الاحترام، والاعتراف بأن ألكسندرا أصبحت جزءًا لا يتجزأ من قصتهم.

قالت كيرا بهدوء:

«الآن... ماذا بعد؟»

نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ، ثم إلى الشقوق التي كانت لا تزال تتسع حولنا، وأجابت بصوت حازم رغم تعبها:

«الآن... نواجه الكائن القديم نفسه.»



الفصل التاسع عشر: جروح الأكوان (Wounds of Worlds)

بعد انفجار الكرة الطاقية الأخيرة وتحرير إيميلي، انهار كل شيء.

كانت ألكسندرا آنا لورا مصابة بإصابات خطيرة جدًا. الجرح في كتفها كان قد امتد إلى صدرها، وكانت تنزف طاقة زرقاء حيوية بغزارة. وجهها شاحب كالموت، وتنفسها ضعيف. لم تكن هي الوحيدة. كانت كيرا وسوناكشي وإيميلي مصابات بإصابات بالغة — حروق طاقية، كسور، ونزيف داخلي. أما أحمد-2 فكان ينزف من عدة جروح عميقة، وكان يحاول بصعوبة أن يبقى واقفًا لحماية زوجته.

«يجب أن نعود فورًا!» صاحتُ وأنا أحمل ألكسندرا آنا لورا بين ذراعيّ.

فتح أحمد-2 بوابة طارئة بآخر قوة لديه. عبرنا جميعًا إلى عالمه، متعثرين ومنهارين.


في عالم أحمد-2، هرعتُ بالنساء الأربع وأحمد-2 إلى أفضل مركز طبي متقدم. كان الأطباء والعلماء في حالة ذعر عندما رأوا حالتهم. ألكسندرا آنا لورا كانت على حافة الموت، وطاقتها الكونية تتسرب بسرعة.

«أنقذوهن... أنقذوه!» كنت أتوسل إليهم وأنا أمسك يد ألكسندرا الباردة.

امتدت الجهود الطبية لأيام، ثم أسابيع، ثم شهور. كنت غارقًا في بحر من الخوف والحزن الشديد. كنت أجلس ليالي طويلة بجانب أسرّة المرضى، أنظر إلى ألكسندرا آنا لورا الشاحبة، ثم إلى كيرا التي كانت تعاني من آلام مبرودة، وسوناكشي التي كانت تحاول أن تبتسم رغم ضعفها، وإيميلي التي كانت تئن من الألم، وأحمد-2 الذي كان يعاني من مضاعفات خطيرة.

كنت أخاف أن أفقد ألكسندرا آنا لورا — ملكتي، حبي الكوني. وكنت أخاف أيضًا على النساء الثلاث اللواتي أصبحن جزءًا من قصتي المعقدة. كنت أصلي وأتوسل إلى الكون كله أن يبقيهن على قيد الحياة.

كان الأطفال — ليلى، نور، كريم، رام، وأليكس — يحيطون بأمهاتهم كلما سمح الأطباء. كان منظرهم يمزق قلبي. كانوا يمسكون أيدي أمهاتهم ويبكون بهدوء، وأحيانًا ينظرون إليّ كأنهم يطلبون الأمان.


مرت أشهر طويلة مليئة بالتوتر والأمل المتقطع. تدريجيًا، بدأ الجميع يتماثلون للشفاء. أول من استعادت وعيها كانت إيميلي، ثم سوناكشي، ثم كيرا. أما ألكسندرا آنا لورا فقد كانت الأصعب. استغرق شفاؤها وقتًا أطول بسبب طبيعة إصاباتها الطاقية.

في أحد الأيام المشرقة، اجتمعنا أخيرًا في المنزل الكبير. كان الجميع قد خرج من المستشفى، لكنهم لا يزالون يتعافون ببطء. كنت أنا، وألكسندرا آنا لورا الشاحبة لكنها حية، وأحمد-2، وكيرا، وسوناكشي، وإيميلي.

كانت اللحظة مشحونة عاطفيًا إلى أقصى درجة. جلست النساء الثلاث ينظرن إلى ألكسندرا آنا لورا بمزيج عميق من الامتنان والفضول والغيرة المكبوتة.

قالت كيرا أخيرًا، وهي تمسك يد زوجها بقوة:

«أنتِ... أقوى مما توقعت. شكرًا لكِ على إنقاذنا. لقد كنتِ على وشك الموت... ومع ذلك قاتلتِ من أجلنا.»

نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ بعينين متعبة لكنها حازمة وقوية كعهدي بها. ثم قالت بهدوء يخفي عزمًا من الصلب:

«هذه الحرب لم تنتهِ بعد. الكائن القديم يريد من أحمد اختيارًا نهائيًا... وأنا مستعدة لأقاتل من أجله ضد كل الأكوان.»

احتضنتها بقوة أمام الجميع، مدفونًا وجهي في شعرها، وشعرت بدموعي تترقرق. كان أحمد-2 ينظر إلينا بابتسامة هادئة حزينة، كأنه يفهم كل شيء.

وقفت سوناكشي وإيميلي ببطء، واقتربتا. كانت اللحظة مليئة بالمشاعر المعقدة — حب، غيرة، احترام، واعتراف بأن مصائرنا أصبحت مرتبطة إلى الأبد.

همست إيميلي بابتسامة خافتة:

«يبدو أننا جميعًا الآن... جزء من قصة واحدة أكبر.»

خارج المنزل، كانت السماء لا تزال تحمل بعض الشقوق الخفيفة، تذكيرًا بأن الحرب لم تنتهِ.

لكن في تلك اللحظة، داخل المنزل الكبير، كنا أحياء. وهذا كان يكفي... للآن.





الفصل العشرون: ذاكرة الرجل الآخر (Memory of the Other Man)

بعد أشهر من الشفاء النسبي، عدنا أنا وألكسندرا آنا لورا إلى عالمها. كانت تحتاج إلى راحة بعيدًا عن الشقوق والتوتر العاطفي المستمر. قضينا عامًا هادئًا نسبيًا، نعيد بناء قوتها ونحاول أن نجد توازنًا في حبنا وسط كل هذا التعقيد.

لكن السلام لم يدم.

في أحد الأيام، وصلت رسالة استغاثة عاجلة من كيرا كريستينا نايتلي. كانت وجهها على الشاشة شاحبًا ومرهقًا، وعيناها منتفختين من البكاء.

«أحمد... ألكسندرا... أرجوكما. أحمد-2... فقد ذاكرته تمامًا. أصبح مثل *** رضيع. لا يتذكر شيئًا. لا يتذكرني، ولا سوناكشي، ولا إيميلي، ولا أولاده. يبكي ويصرخ ولا يفهم ما يحدث حوله. الأطباء في عالمنا عجزوا تمامًا. أرجوكما... ساعدونا.»

تجمدنا. ألكسندرا آنا لورا أغلقت عينيها للحظات طويلة، ثم فتحتهما بتصميم.

«سآتي. لدي فكرة... لكنها خطيرة.»


بعد أيام، أحضرنا كيرا إلى عالم ألكسندرا آنا لورا. كانت المرأة الرقيقة التي عرفتها من قبل قد تحولت إلى شبح من التعب واليأس. جلست أمام الجهاز الحديث الذي صممته ألكسندرا — كرسي بلوري متصل بشبكة عصبية كمية متقدمة.

نظرت ألكسندرا إليّ بجدية بالغة.

«الطريقة الوحيدة هي نقل ذكريات كيرا كاملة إليك أولاً. كل شيء. منذ لقائهما الأول في عام 2003، مرورًا بكل لحظة عاطفية... وحميمية... على مدار أكثر من عشرين عامًا. ستعيشها كأنها ذكرياتك أنت. ستكون صعبة جدًا... خاصة عليّ.»

أمسكت يدها.

«إذا كان هذا سيُنقذه... فأنا مستعد.»

جلستُ بجانب كيرا. وضعت ألكسندرا أقطاب الجهاز على رأسينا. بدأت العملية.


كانت التجربة مرعبة ومؤثرة في الوقت نفسه.

عشتُ كل شيء.

رأيت لقاء أحمد-2 الأول مع كيرا في مكتبة جامعية هادئة، النظرات الخجولة، أول قبلة تحت المطر. عشتُ ليالي زواجهما الأولى، ضحكاتهما، مشاجراتهما الصغيرة، ثم لحظات الحميمية العميقة التي استمرت أكثر من عشرين عامًا. كل تفصيلة — الطريقة التي كانت تنظر بها إليه، اللمسات، الكلمات الهامسة في الظلام، أجسادهما المتشابكة، أسرارهما الخاصة.

شعرت بكل حبه لها... وبكل حبها له.

كنت أرى كل ذلك وأنا جالس بجانب ألكسندرا آنا لورا التي كانت تراقب العملية بصمت مؤلم. كانت عيناها مليئتين بالدموع، لكنها لم تتوقف. كانت تعرف أن هذا هو الثمن.

استغرقت العملية أيامًا. كنت أستيقظ منها مرهقًا نفسيًا، غارقًا في ذكريات رجل آخر — زوجه، أب أولاده، عشيقه لنساء أخريات.

عندما اكتمل نقل ذكريات كيرا، نظرتُ إلى ألكسندرا آنا لورا بعينين دامعتين.

«أنا... آسف.»

هزت رأسها وقبلت جبهتي.

«أنت تفعل هذا لإنقاذه. هذا هو حبك... وأنا أحبك أكثر بسببه.»


بعد ذلك، أحضرنا أحمد-2. كان في حالة يرثى لها — ينظر حوله بخوف طفولي، لا يتعرف على أحد. جلسناه بجانبي، وربط ألكسندرا الجهاز بيننا.

بدأ نقل الذكريات.

شعرتُ وكأنني أفرغ كل ما حملته داخل رأسه. كل الذكريات — الزواج، الأطفال، الليالي الحميمة مع كيرا، اللحظات السرية مع سوناكشي وإيميلي — كانت تنتقل مني إليه كسيل جارف.

ارتجف أحمد-2 بعنف. ثم بدأ يبكي. ثم صاح. ثم هدأ فجأة.

فتح عينيه ببطء.

نظر إلى كيرا التي كانت تقف أمامه مرتجفة، ثم إلى ألكسندرا آنا لورا، ثم إليّ.

«أنا... أتذكر.» همس بصوت مكسور. «أتذكر كل شيء.»

انهارت كيرا في حضنه باكية. احتضنها أحمد-2 بقوة، ومد يده ليصافحني.

«أنت... أعطيتني حياتي مرة أخرى.»

نظرت ألكسندرا آنا لورا إلينا جميعًا، وجهها شاحب لكن عيناها تحملان انتصارًا مريرًا.

«لقد نجحنا... هذه المرة.»

لكنها أضافت بهمس، وهي تنظر إليّ فقط:

«لكن الكائن القديم... لا يزال ينتظر اختيارك النهائي.»



الفصل الحادي والعشرون: أعماق الذاكرة الممنوعة (Depths of the Forbidden Memory)

ظننا في البداية أن العملية نجحت تمامًا.

احتفلنا في المنزل الكبير. أحمد-2 كان يتذكر كيرا، يتذكر أولادهما، يتذكر تفاصيل حياتهما الزوجية على مدار أكثر من عشرين عامًا. كانت كيرا سعيدة، وكنا جميعًا نشعر بالارتياح.

لكن بعد يومين، عندما انفردنا به، لاحظنا الحقيقة المرة.

سألناه عن سوناكشي. نظر إلينا ببراءة طفولية وقال: «من هي سوناكشي؟»

سألناه عن إيميلي. هز رأسه بلا فهم.

كانت كيرا لا تعلم شيئًا عن علاقاته السرية، لذا لم تنتقل تلك الذكريات معها. ذكرياتها كانت مرتبطة فقط بحياتها الزوجية وأولادهما.

نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ طويلاً. كان وجهها شاحبًا، وعيناها الزرقاوان تحملان غيرة عميقة وألمًا واضحًا. لكنها، كعالمة، لم تتردد.

«سنكرر التجربة. مع سوناكشي... ثم مع إيميلي.»

اعترضتُ بشدة. «ألكسندرا... هذا سيكون صعبًا جدًا عليكِ. وعلىّ.»

نظرت إليّ بحزم، رغم أن صوتها كان يرتجف قليلاً: «إما أن نعيده كاملاً... أو نتركه نصف رجل. أنا مستعدة.»


بدأت التجربة مع سوناكشي.

جلست بجانبها على الكرسي البلوري. عندما بدأ الجهاز عمله، غرقتُ في عالم آخر.

لم يكن مجرد مشاهدة.

عشتُ كل شيء.

عشتُ لقاءهما الأول في المؤتمر التاريخي عام 2003، النقاشات الفكرية التي تحولت إلى جذب جسدي. عشتُ الليالي السرية في الشقة الصغيرة، أكل معها، أضحك معها، أناقش معها التاريخ والفلسفة. ثم جاءت اللحظات الحميمية...

شعرتُ بجسدها الناعم تحت أصابعي، بدفء بشرتها الهندية، بطريقة احتضانها لي وهي تهمس بالعربية والإنجليزية. عشتُ أكثر من عشرين عامًا من العلاقة — الشغف، السرية، الحنان، الجنس العميق والمتنوع، لحظات الحمل بابنهما رام، الخوف والسعادة معًا.

كنت أعيش كل ذلك كأنه حياتي أنا.

عندما انتهت الجلسة، كنت مرهقًا نفسيًا وجسديًا. خرجتُ من الجهاز وأنا أرتجف. ألكسندرا آنا لورا كانت تنظر إليّ بصمت، عيناها مليئتان بالدموع المكبوتة. لم أخبرها بمدى واقعية التجربة، بأنني عشتُ الجنس والحب مع سوناكشي كأنه حقيقي.


بعد أيام، كررنا العملية مع إيميلي.

كانت التجربة أكثر كثافة وعفوية. عشتُ علاقتهما الجامحة، المغامرات، الضحك أثناء الجنس، الطاقة الجسدية الهائلة. عشتُ ليالي في المنزل خارج المدينة، أجسادنا المتعرقة، أنفاسها الحارة، طريقتها في إثارته وإثارته لها. عشتُ حملها بابنهما أليكس، والحب السري الذي استمر سنوات.

خرجتُ من الجهاز منهارًا. كنت أشعر بكل تلك المشاعر تجاه سوناكشي وإيميلي كأنها جزء مني الآن.

ألكسندرا آنا لورا لم تسأل كثيرًا. كانت تعرف أن ما يحدث أعمق مما تتحمله، لكنها استمرت من أجل إنقاذ أحمد-2.


بعد نقل ذكريات سوناكشي وإيميلي، جلسنا أحمد-2 بجانبي مرة أخرى.

انتقلت الذكريات بكاملها — الجسدية، العاطفية، الحميمية. ارتجف أحمد-2 بعنف أكبر هذه المرة. ثم فتح عينيه ببطء.

نظر إلى سوناكشي، ثم إلى إيميلي. دموعه انهالت.

«أتذكر... كل شيء. أتذكركن... جميعًا.»

انهارت النساء الثلاث في حضنه. كان المشهد مؤثرًا ومؤلمًا في الوقت نفسه.

نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ من بعيد. كانت عيناها تحملان بحرًا من الغيرة والحب والألم. اقتربت مني وهمست في أذني بصوت مرتجف:

«لقد عشتَ حياته كاملة... معهن. أشعر بذلك داخلك. لكنك ما زلت هنا... معي.»

احتضنتها بقوة، وشعرت بقلبي يتمزق بين عالمين.

نجحنا في إعادة أحمد-2... لكن ثمن ذلك كان غاليًا جدًا على قلب ألكسندرا آنا لورا... وعلى قلبي.



الفصل الثاني والعشرون: الزائرون النورانيون (The Luminous Visitors)

مرت أسابيع هادئة بعد إعادة ذاكرة أحمد-2. كنا قد عدنا إلى عالم ألكسندرا آنا لورا، نحاول استعادة توازننا بعد كل ما حدث. كانت الأيام تمر ببطء، مليئة بالراحة النسبية والمحاولات اليائسة للعودة إلى الحياة الطبيعية.

كانت ألكسندرا لا تزال تعاني من آثار الغيرة العميقة التي خلفتها تجربة نقل الذكريات. كنت ألاحظها أحيانًا تنظر إليّ في صمت طويل، كأنها تبحث عن شيء ما في عينيّ — بقايا لتلك الذكريات الحميمة التي عشتها مع سوناكشي وإيميلي. لكنها حاولت إخفاء ذلك كله خلف ابتسامتها الهادئة وتفانيها الشديد في دراساتها وتدريباتها.

في إحدى الليالي الهادئة، كنا نجلس على الشرفة البلورية المطلة على المحيط تحت ضوء الأقمار الثلاثة. كانت ألكسندرا تعزف على الكمان قطعة موسيقية كلاسيكية حزينة، ألحانها تتمايل مع نسيم البحر. جلستُ أستمع إليها في صمت، أراقب انحناءات جسدها وتركيزها العميق، وأشعر بالحب يختلط بالقلق داخلي.

فجأة، توقفت الموسيقى.

ارتفع ضوء أبيض ناعم في وسط الشرفة، يتشكل تدريجيًا وببطء إلى ثلاثة مخلوقات نورانية تشبه هيئة البشر. كانت أجسادهم شفافة جزئيًا، وخلفهم أجنحة خفيفة من الضوء النقي تتمايل بلطف. لم يكن لهم وجوه واضحة الملامح، بل ملامح ناعمة متلألئة تتغير باستمرار كأنها مصنوعة من النجوم نفسها.

وقفنا مذعورين. ألكسندرا أمسكت يدي بقوة، وشعرت بأصابعها ترتجف قليلاً.

تكلم أحدهم بصوت يتردد داخل العقل مباشرة، هادئًا وعميقًا كأنه يأتي من أعماق الكون:

«ألكسندرا آنا لورا... أحمد. نحن نحرس التوازن بين الأكوان. راقبناكما طويلًا. قدراتكما في السفر عبر الشقوق، وإنقاذكما للنساء الثلاث، وتضحياتكما... جعلتكما الوحيدين القادرين على إصلاح الخلل.»

سألت ألكسندرا بصوت ثابت رغم الدهشة الواضحة: «أي خلل؟»

«في الإمبراطورية الرومانية المقدسة، في القرن السادس عشر، هناك تمزق خطير في جدران الأكوان. إذا لم يُصلح، سيؤدي إلى تصادم كارثي يمتد إلى كل العصور. نحن لا نستطيع التدخل مباشرة... لكنكما تستطيعان.»

نظرت ألكسندرا إليّ. كان في عينيها الزرقاوين مزيج من القلق والفضول العلمي الذي لا يُقاوم.

تابع المخلوق النوراني:

«ستحصلان على عملات زمنية خاصة تسمح لكما بالتكيف والثراء. ألكسندرا... مواهبك في الموسيقى والرسم والنحت واللغات ستجعلكِ شخصية مهمة هناك. أما أنت يا أحمد... فالمال والذكاء سيكونان سلاحك.»

ثم اختفت المخلوقات تدريجيًا، يتلاشى ضوؤها ببطء حتى تلاشى تمامًا، تاركة وراءها خاتمين بلوريين صغيرين يلمعان على الطاولة بضوء خافت.

نظرت ألكسندرا آنا لورا إلى الخاتمين طويلاً، ثم رفعت عينيها إليّ بهدوء عميق:

«يبدو أن القصة لم تنتهِ بعد... هل أنت مستعد للسفر إلى زمن آخر؟»

مددت يدي وأمسكت بالخاتمين، ثم أعطيتها واحدًا. شعرت بدفء غريب ينتشر في أصابعي.

«معكِ... أنا مستعد لأي زمن.»

ابتسمت ابتسامة خافتة، لكن في عينيها كان هناك وعي بأن الرحلة القادمة ستكون أكثر تعقيدًا مما نتخيل.



الفصل الثالث والعشرون: الوصول إلى الإمبراطورية (Arrival in the Empire)

كان الانتقال سلسًا، لكنه شعور غريب لا يُنسى. دارت حولنا دوامة زرقاء ناعمة من الضوء، ثم استقر بنا المكان فجأة على أرض حجرية باردة تحت سماء رمادية خفيفة المطر.

كان العام 1557 ميلاديًا، في قلب مدينة فيينا، عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة. حولنا كانت تمتد شوارع مرصوفة بالحجارة، قصور شاهقة مزينة بنقوش معقدة، وكنائس ترفع أبراجها نحو السماء كأنها تحاول الوصول إلى ****. رائحة الخبز المحمص والخيول والدخان تملأ الهواء، وأصوات الباعة والخيول والجرس تختلط في سيمفونية غريبة.

نظرت ألكسندرا آنا لورا حولها بدهشة هادئة، ثم ابتسمت لي ابتسامة متعبة لكنها مليئة بالفضول.

«لقد وصلنا فعلًا...»

باستخدام العملات الزمنية الخاصة التي أعطتنا إياها المخلوقات النورانية، تمكنا خلال أيام قليلة من شراء منزل أرستقراطي فخم في حي راقٍ من فيينا. كان المنزل قصرًا صغيرًا نسبيًا، ذا حديقة داخلية وأروقة واسعة وجدران مزينة بأعمال فنية.

بدأت ألكسندرا آنا لورا، بموهبتها الاستثنائية، في جذب الانتباه تدريجيًا وببطء.

في البداية كانت تعزف على الكمان والقيثارة في الحفلات الصغيرة التي دعيت إليها. ثم رسمت لوحة زيتية لإحدى السيدات النبيلات، فأذهلت الجميع بدقة التفاصيل وروحانية الألوان. وبعد ذلك نحت تمثالًا رخاميًا صغيرًا للإمبراطور كارلوس الخامس، بدا كأنه يتنفس. أما لغاتها المتعددة — اللاتينية بطلاقة، والألمانية القديمة، والإيطالية، والفرنسية — فقد جعلتها تتحدث في مجالس النبلاء كأنها ولدت وترعرعت في هذا الزمن.

خلال أشهر قليلة فقط، أصبحت «السيدة ألكسندرا آنا لورا» شخصية مشهورة ومطلوبة في البلاط الإمبراطوري. كان الناس يهمسون عن «الفنانة الغامضة ذات العينين الزرقاوين اللتين تبدوان كأنهما من عالم آخر». دعيت إلى الحفلات الكبرى، وطُلب منها تقديم عروض موسيقية ولوحات للنبلاء.

أما أنا، فقد استخدمت المال الزمني بحكمة وذكاء. استثمرت في التجارة مع الشرق، وفي ورش الحرفيين، وفي شراء أراضٍ وممتلكات. أصبحت تاجرًا ثريًا ومؤثرًا، يحترمه النبلاء ويخشاه بعض التجار المنافسين.

كنا نعيش حياة فخمة هادئة نسبيًا في البداية. كنت أراقب ألكسندرا في الحفلات وهي تعزف، وتشعر بالفخر يملأ قلبي. كانت تتألق بفساتين القرن السادس عشر التي صُممت خصيصًا لها، وعيناها الزرقاوان تلمعان تحت أضواء الشموع.

لكن مع الشهرة، بدأت المخاطر تلوح في الأفق تدريجيًا.

في إحدى الحفلات الكبرى في قصر إمبراطوري، لاحظتُ نبيلًا وسيمًا يدعى الكونت فيكتور فون هاغن يراقب ألكسندرا بإصرار غريب. كان رجلاً في الثلاثينيات، أنيق المظهر، ذا شعر أشقر داكن وعينين حادتين. وُلد في سبتمبر مثلي، وكان يتمتع بكاريزما قوية تجعل الجميع يلتفون حوله.

في الوقت نفسه، ظهرت في البلاط امرأة شابة جميلة جدًا تشبه إليزابيث تايلور إلى درجة مخيفة — نفس الملامح الكلاسيكية، نفس الجمال الآسر، وحتى طريقة نظراتها. كانت تُدعى الكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر.

كانت الشهرة تمنحنا الحماية... لكنها أيضًا بدأت تجذب أنظارًا خطرة.





الفصل الرابع والعشرون: ظلال النبلاء (Shadows of Nobles)

مرت الأشهر الأولى في فيينا بسلاسة نسبية، لكن الشهرة التي حصدناها بدأت تكشف عن وجهها الآخر تدريجيًا.

في إحدى الحفلات الكبرى التي أقيمت في قصر الإمبراطور، كان الحضور يفوق الخيال. الشموع المئات تضيء الصالة الواسعة، والموسيقى الكلاسيكية تملأ الهواء، والنبلاء يرتدون أفخم الملابس المطرزة بالذهب والجواهر. كنت أقف بجانب ألكسندرا، أراقبها وهي تتحدث بلباقة مع بعض السيدات، عندما شعرت بنظرة ثقيلة عليّ.

التفتُ فوجدت رجلاً وسيمًا يراقبني من بعيد. كان في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، ذو شعر أشقر داكن مصفف بعناية، وملامح نبيلة حادة. اقترب مني بهدوء، ابتسامة كاريزما قوية على وجهه.

«السيد أحمد، أليس كذلك؟» قال بصوت عميق وواثق. «أنا الكونت فيكتور فون هاغن. سمعت الكثير عن نجاحاتك التجارية... وأكثر عن سيدتك الجميلة.»

كان رجلاً جذابًا بلا شك، أنيق الملبس، ذا حضور قوي يجذب الأنظار. لكنه عندما نظر إليّ مباشرة، لاحظت في عينيه شيئًا مظلمًا — بريقًا باردًا لا يتناسب مع ابتسامته الدافئة. ولفت انتباهي أنه ولد في سبتمبر، مثلي تمامًا.

تحدثنا قليلاً عن التجارة والسياسة، لكنه كان ينظر باستمرار نحو ألكسندرا التي كانت تعزف قطعة موسيقية على الكمان في تلك الليلة. نظراته إليها كانت مختلفة... أعمق، أكثر إصرارًا.

أما ألكسندرا، فقد لفتت انتباه الجميع تقريبًا. كانت تتألق في فستان أزرق داكن يبرز عينيها، وكل حركة منها كانت تجذب الإعجاب. لم يكن فيكتور الوحيد الذي أصبح مهووسًا بها، لكنه كان الأكثر إلحاحًا.


في الوقت نفسه، حدث أمر غريب آخر.

أثناء الحفل، اقتربت مني امرأة شابة جميلة بشكل مذهل. كانت ملامحها مطابقة تمامًا لإليزابيث تايلور — نفس الجمال الكلاسيكي الآسر، الشعر الداكن اللامع، العينان الزرقاوان الواسعتان، والابتسامة التي تخطف الأنفاس. حتى طريقة وقفتها ونظراتها كانت تشبهها إلى درجة مخيفة.

«الكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر» قدمت نفسها بصوت ناعم ومغري. «سمعت عنكما كثيرًا... يبدو أن فيينا أصبحت أكثر إشراقًا منذ وصولكما.»

شعرت ألكسندرا بشيء غريب فورًا. بعد انتهاء الحفل، أخذت عينة دم صغيرة من الكونتيسة بطريقة سرية أثناء حديث ودي، ثم فحصتها لاحقًا بجهازها المحمول المتقدم.

في منتصف الليل، في غرفة نومنا بالقصر، همست لي وهي تنظر إلى النتائج بذهول:

«يا إلهي... الحمض النووي مطابق تمامًا. هي نسخة موازية حقيقية لإليزابيث تايلور. حتى تاريخ ميلادها مطابق — 27 فبراير.»


منذ تلك الليلة، بدأت الأمور تتعقد ببطء.

أصبحت الكونتيسة إليزابيث تقترب مني بشكل ملحوظ في كل حفل. كانت تبتسم لي بطريقة خاصة، تتحدث معي عن الفن والموسيقى، وأحيانًا تلمح إلى رغبتها في لقاءات أكثر خصوصية. كانت ساحرة بطريقة لا تقاوم، وكنت أشعر بجاذبية غريبة تجاهها.

في المقابل، أصبح الكونت فيكتور أكثر إصرارًا مع ألكسندرا. كان يرسل لها هدايا فاخرة، يطلب حضورها في حفلات خاصة، ويحاول الاقتراب منها بإلحاح يقترب تدريجيًا من الضغط. كانت نظراته إليها تحمل شيئًا يشبه الهوس.

كنت أشعر بالتوتر يتصاعد يومًا بعد يوم. الشهرة التي كانت تحمينا أصبحت تجذب ظلالاً خطيرة.

في إحدى الليالي، بعد عودتنا من حفل، قالت ألكسندرا وهي تنظر من النافذة:

«هناك شيء غير طبيعي في هذا المكان... أشعر أن الشقوق الكونية ليست الخطر الوحيد هنا.»

احتضنتها من الخلف، لكنني لم أستطع نفي شعوري بأن الخطر كان يقترب... وأنه سيأتي قريبًا جدًا.

الفصل الخامس والعشرون: ليالي فيينا (Nights of Vienna)

مرت الأسابيع التالية في فيينا بوتيرة بطيئة وخادعة. كانت الحياة اليومية تبدو هادئة من الخارج، مليئة بالحفلات والموسيقى واللقاءات الأرستقراطية، لكن تحت السطح كانت التوترات تتصاعد تدريجيًا.

أصبح الكونت فيكتور فون هاغن يحضر كل حفل تعزف فيه ألكسندرا آنا لورا. كان يجلس في الصفوف الأمامية، عيناه لا تفارقانها لحظة. بعد كل عزف، كان يقترب منها، يمدحها بكلمات مبالغ فيها، ويرسل لها باقات ورد نادرة ومجوهرات فاخرة. في البداية كان الأمر يبدو مجرد إعجاب نبيل، لكنه سرعان ما تحول إلى إلحاح غير مريح.

أما أنا، فقد وجدت نفسي محاطًا بالكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر.

كانت تظهر في كل مناسبة أحضرها، تبتسم لي بتلك الابتسامة الآسرة التي تشبه إليزابيث تايلور تمامًا. كانت ذكية، مرحة، وجريئة في حديثها. في إحدى الليالي، بعد حفل موسيقي كبير، اقتربت مني في الحديقة الخارجية للقصر تحت ضوء القمر.

«أنت مختلف عن كل الرجال هنا، أحمد.» همست وهي تقف قريبًا جدًا. «هناك في عينيك شيء... من زمن آخر.»

لم أستطع مقاومة سحرها. كانت تشبه إليزابيث تايلور في كل شيء — حتى في طريقة نظراتها الجريئة وصوتها الدافئ. بدأت لقاءاتنا الخاصة تتكرر تدريجيًا. في البداية كانت مجرد حديث طويل في حدائق القصور، ثم أصبحت أكثر خصوصية.

في إحدى الليالي، دعتني إلى قصرها الصغير. كانت ترتدي رداءً حريريًا أحمر يبرز جمال جسدها. لم يدم الأمر طويلاً حتى وجدنا أنفسنا متشابكين. كانت شغوفة، جريئة، وممتعة بطريقة تجعل الإنسان ينسى الزمن. عشتُ معها ليالٍ من المتعة الجسدية والعاطفية، أغوص في جمالها وأنفاسها، وأشعر بجاذبية لا تقاوم. كانت كل ليلة معها تعيد إليّ صدى تلك الذكريات التي نقلتها من أحمد-2، لكن هذه المرة كانت حقيقية، حية، وخطرة.


في الوقت نفسه، كانت ألكسندرا آنا لورا تعاني.

الكونت فيكتور كان يزداد إصرارًا. في إحدى الحفلات، حاول أن يأخذها إلى جناح خاص، لكنها رفضت بهدوء. لاحظتُ توترها عندما تعود إلى المنزل. كانت تقول لي:

«هناك شيء خطأ في عينيه... ينظر إليّ كأنني ملك له.»

حاولتُ حمايتها، لكن الشهرة والمجتمع النبيل كان له قوانينه. لم نستطع رفض الدعوات دون إثارة شبهات.


ذروة الأحداث جاءت في ليلة ممطرة.

بعد حفل كبير في البلاط، اختفت ألكسندرا فجأة. بحثت عنها في كل مكان، وسألت الخدم، لكن أحدهم قال إن الكونت فيكتور عرض عليها مركبة خاصة لإعادتها إلى المنزل... ولم تعد.

شعرت بالدم يغلي في عروقي. كنت أعرف أنه اختطفها.

في الوقت نفسه، كانت الكونتيسة إليزابيث تنتظرني في منزلها، غير مدركة لما يحدث، أو ربما كانت تعرف وتستمتع باللعبة.

كانت الأمور قد خرجت عن السيطرة تمامًا.





الفصل السادس والعشرون: أيام الظلام (Days of Darkness)

اختفت ألكسندرا آنا لورا في تلك الليلة الممطرة، ولم يعد هناك أثر لها.

بحثت عنها طوال الليل وفي اليوم التالي بكل الوسائل المتاحة. أرسلت الخدم، سألت النبلاء، وحتى هددت بعض التجار الذين يعملون معي. لكن الكل كان يقول الشيء نفسه: «رآها الكونت فيكتور فون هاغن وهي تغادر معه في مركبته الخاصة... ثم لم يرها أحد بعد ذلك.»

كنت أعرف أنه اختطفها.


في قصر الكونت فيكتور

كانت ألكسندرا مستيقظة عندما استيقظت في الغرفة الفاخرة المغلقة. الأبواب محكمة، والنوافذ مزودة بقضبان حديدية مزخرفة. كان الكونت جالسًا على كرسي بجانب السرير، ينظر إليها بنظرة هوس هادئ.

«أنتِ الآن في بيتكِ الحقيقي، سيدتي الجميلة.» قال بصوت ناعم لكنه بارد. «لقد انتظرت طويلاً لأمتلك شيئًا بهذا الكمال.»

حاولت ألكسندرا استخدام قدراتها، لكن الخاتم الزمني الذي كان يساعدها على التحكم في الطاقة كان قد أُخِذ منها. كان الكونت قد أعد العدة جيدًا — الغرفة كانت محاطة بمواد تثبط الطاقة الكونية.

بدأت أيام الظلام.

كان فيكتور مهووسًا بها إلى درجة مرعبة. كان يعاملها كأنها تحفة فنية يملكها. في البداية حاول إقناعها باللطف والوعود والمجوهرات، لكن عندما رفضت، تحول إلى القوة.

كان يجبرها على العزف له كل مساء، ثم يأخذها رغمًا عنها. كانت المقاومة تؤدي إلى عنف أكبر، فاضطرت ألكسندرا — بعد أيام من المعاناة — إلى الاستسلام الظاهري لتحمي نفسها. كان يضاجعها كل ليلة تقريبًا، بقوة وشهوة مرضية، وهو يهمس في أذنها أنها الآن «ملك له وحده».

كانت تمر الأيام ببطء مؤلم. أحيانًا كان يأخذها إلى حديقة القصر المغلقة، ويجبرها على الرسم أو النحت له. كانت تبكي في السر، لكنها كانت تحافظ على كرامتها بصمت، تنتظر فرصة النجاة.


في الجانب الآخر

بينما كانت ألكسندرا تعاني، كنت أنا غارقًا في دوامة أخرى.

كانت الكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر تُظهر لي اهتمامًا متزايدًا. بعد اختفاء ألكسندرا، أصبحت هي الملاذ الوحيد الذي ألجأ إليه للهروب من القلق والغضب. كانت تستمع إليّ، تعزيني، وتغريني.

في ليالي فيينا الباردة، كنت أذهب إلى قصرها. كانت تنتظرني مرتدية ملابس حريرية شفافة، وتستقبلني بابتسامة إليزابيث تايلور الكلاسيكية. كانت علاقتنا تتصاعد بسرعة. كنا نمارس الجنس بشراسة وعاطفة، كأن الزمن يضغط علينا. كانت جريئة في السرير، تعرف كيف تثير الرجل، وكنت أغرق في جسدها وجمالها، محاولًا نسيان القلق على ألكسندرا.

كل ليلة كنت أخرج من عندها وأنا أشعر بالذنب الشديد، لكن القلق على ألكسندرا كان يدفعني إلى العودة مرة أخرى بحثًا عن نسيان مؤقت.


مرت أسابيع، ثم دخلنا الشهر الثاني.

كانت ألكسندرا آنا لورا لا تزال محتجزة، تعاني في صمت، تنتظر الفرصة أو الإنقاذ.

وكنت أنا أغوص أعمق في علاقة محرمة مع نسخة إليزابيث تايلور، بينما قلبي ينزف قلقًا على حبيبتي.

كان الظلام يحيط بنا من كل جانب... ولم يكن أحد يعرف متى سينتهي.



الفصل السابع والعشرون: ليالي الاستعباد (Nights of Enslavement)

مرت الأسابيع ببطء مؤلم، كأن الزمن نفسه كان يسخر منا.


في قصر الكونت فيكتور فون هاغن

كان الكونت يستمتع بكل لحظة.

كل مساء، كان خدمه يأخذون ألكسندرا آنا لورا رغمًا عنها. كانوا يجملونها بعناية فائقة: يغسلون شعرها الأسود الطويل بالعطور النادرة، يضعون عليها أفخم الفساتين التي تبرز منحنيات جسدها، يزيّنون عنقها ورسغيها بالمجوهرات، ويضعون أحمر الشفاه على شفتيها الممتلئتين. كانت تقاوم في البداية، لكنهم كانوا أقوى، وكان الكونت قد هددها بأنه إذا قاومت بشدة فسيعاقبها بطرق أكثر قسوة.

كان فيكتور ينتظرها في غرفة نومه الفاخرة، عيناه تلمعان بهوس متزايد كل ليلة. كان يعاملها كأنها تحفة فنية حية يملكها. كان يستمتع بكل مضاجعة، يأخذ وقته ببطء مرعب، يهمس لها كلمات حب مرضية بينما يدخلها بعنف مدروس. كان يقول لها:

«أنتِ الآن ملكي... جسدكِ وروحكِ وموهبتكِ. لا أحد غيري يستحقكِ.»

كان حبه لهوس متصاعد. كان يراقبها طوال النهار، يطلب منها العزف له عارية أحيانًا، يجبرها على رسم لوحات له وهو يراقبها، وكل ليلة كان يزداد تملكه لها. كان يستمتع بمقاومتها الأولى ثم استسلامها الاضطراري، وكان يصف لها كيف سيجعلها زوجته السرية، وكيف سيحتفظ بها إلى الأبد.

ألكسندرا كانت تعاني في صمت. كانت تبكي بعد كل ليلة، لكنها كانت تحافظ على قوتها الداخلية، تنتظر الفرصة، وتتمسك بذكرى أحمد وأمل النجاة.


في قصر الكونتيسة إليزابيث

في الجانب الآخر من المدينة، كنت أنا أعيش جحيمًا مختلفًا.

كل ليلة، كانت وصيفات الكونتيسة إليزابيث يجهزني لها. كن يغسلن جسدي، يدهننه بالزيوت العطرية، يلبسني أفضل الملابس الحريرية، ويحلقن لحيتي بعناية. كن يبتسمن لي بمكر وهن يعددنني «للسيدة».

كانت إليزابيث تنتظرني في غرفتها المضاءة بالشموع. كانت أكثر جرأة وشهوة مع مرور الوقت. كانت تأخذني بكل شغف، جسدها الناري يلتصق بجسدي، شفتاها تمتصاني، وهي تتحرك فوقي أو تحتي بطريقة تجعلني أفقد السيطرة. كانت العلاقة تتصاعد لتصبح أكثر كثافة وتنوعًا — أحيانًا في الحديقة تحت القمر، وأحيانًا طوال الليل دون توقف.

كنت أستمتع بها جسديًا، لكن قلبي كان ينزف. كل ليلة كنت أخرج من عندها وأنا أشعر بالذنب الشديد، أفكر في ألكسندرا وما قد تكون تعانيه. كنت أبحث نهارًا عن أي أثر لها، أرسل جواسيس، أدفع رشاوى، لكن الكونت كان حذرًا جدًا.


محاولات الإنقاذ

حاولتُ مرتين إنقاذها.

المرة الأولى: حاولت التسلل إلى قصر الكونت مع بعض الرجال المأجورين، لكن الحراسة كانت مشددة وفشلنا.

المرة الثانية: حاولت الضغط عليه سياسيًا وماليًا، لكنه كان نبيلًا قويًا ولديه connections في البلاط جعلته محميًا.

كنت أشعر باليأس يأكلني يومًا بعد يوم. كنت أزور إليزابيث ليلًا لأنسى، وأبحث عن ألكسندرا نهارًا بكل ما أملك.


في إحدى الليالي، وبينما كانت ألكسندرا محتجزة منذ أكثر من شهرين، جلستُ مع إليزابيث بعد ليلة حميمية طويلة. كانت تضع رأسها على صدري وقالت بصوت ناعم:

«أنت تبحث عنها كل يوم... أليس كذلك؟»

لم أجب. لكن في قلبي كنت أعرف أنني لا أستطيع الاستمرار هكذا.

كان الوقت قد حان لخطوة أكثر خطورة.



الفصل الثامن والعشرون: قيود الشهوة والذنب (Chains of Lust and Guilt)

مرت ثلاثة أشهر كاملة على اختطاف ألكسندرا آنا لورا، وكان الزمن يبدو كأنه يسير ببطء مؤلم.


في قصر الكونت فيكتور فون هاغن

أصبحت الطقوس يومية لا تتغير.

كل مساء، قبل غروب الشمس بساعة، كان خدم الكونت يأتون إلى غرفة ألكسندرا. كانوا أربعة رجال أقوياء، يعاملونها باحترام ظاهر لكنهم ينفذون أوامر سيدهم بدقة. كانوا يجردونها من ملابسها رغم مقاومة يدها الضعيفة، ثم يغسلون جسدها بالماء الدافئ المعطر بالورد والعنبر، يدلكون بشرتها، يصففون شعرها الطويل، ويضعون عليها فساتين شفافة أو مكشوفة الصدر تبرز جمال جسدها النحيل المشدود.

كانت ألكسندرا تبكي في صمت أثناء تحضيرهم لها، لكنها تعلمت أن المقاومة الشديدة تؤدي فقط إلى عنف أكبر.

ثم كانوا يأخذونها إلى غرفة الكونت.

كان فيكتور ينتظرها دائمًا بنفس الطريقة: جالسًا على كرسي فخم، يرتدي رداءً حريريًا، عيناه تلمعان بهوس متصاعد. كان حبه لها قد تحول إلى مرض. كان ينظر إليها ساعات طويلة قبل أن يلمسها، يصف لها كيف أصبحت «المرأة الوحيدة التي تستحق أن تكون تحت جسده».

كان يستمتع بكل مضاجعة ببطء مرعب. كان يأخذها على السرير الكبير، أحيانًا بلطف مخادع، وأحيانًا بعنف يترك آثارًا على جسدها. كان يهمس في أذنها أثناء الإيلاج العميق:

«أنتِ لي... جسدكِ هذا صنع لي... صوتكِ عندما تئنين يثيرني أكثر...»

كان يجبرها على أوضاع مختلفة، يطيل الوقت، يستمتع بكل نظرة ألم أو استسلام في عينيها. وبعد الانتهاء، كان يحتضنها بقوة ويقول لها إنه سيجعلها زوجته السرية، وسيقتل أي شخص يحاول أخذها منه — بما في ذلك «ذلك التاجر المصري».

ألكسندرا كانت تموت داخليًا كل ليلة، لكنها كانت تحافظ على بريق صغير من الأمل في عينيها، تنتظر الفرصة.


في قصر الكونتيسة إليزابيث

في الجانب الآخر، كنت أنا أغرق أكثر فأكثر.

كل ليلة، كانت وصيفات إليزابيث يجهزني بعناية. كن يغسلن جسدي، يدهننه بالزيوت المثيرة، يحلقن لحيتي، ويلبسني ملابس حريرية خفيفة تجعلني جاهزًا لسيدتهن. كن يبتسمن بمكر وهن يتحدثن عن «مدى اشتياق السيدة لك».

كانت إليزابيث تنتظرني دائمًا في غرفتها، مرتدية ملابس مثيرة تكشف عن جسدها المخملي. علاقتنا تصاعدت إلى درجة من الجنون الجنسي. كانت تأخذني بشراهة، تتحكم في الإيقاع، تطلب مني أوضاعًا مختلفة، وتئن بصوت يشبه إليزابيث تايلور في أقوى لحظاتها.

كنت أمارس معها الجنس كل ليلة تقريبًا — أحيانًا بعنف مدفوع بالغضب والقلق على ألكسندرا، وأحيانًا باستسلام كامل. كانت تمتصني، تركبني، تتركني أدخلها من الخلف بقوة، وكانت تستمتع بكل لحظة. كنت أجد في جسدها نسيانًا مؤقتًا، لكن الذنب كان يأكلني بعد كل ليلة.

في إحدى الليالي، بعد جلسة طويلة من المتعة الجسدية، قالت إليزابيث وهي مستلقية عارية بجانبي:

«أنت تحبها... لكنك تحتاجني أيضًا. هذا ليس خطأ... هذا الطبيعة.»


كنت أخطط لعملية إنقاذ حاسمة، لكنني كنت أعرف أن أي خطأ قد يكلف ألكسندرا حياتها.

كانت فيينا تبتسم لنا من الخارج، لكنها كانت تخفي جحيمًا حقيقيًا.



الفصل التاسع والعشرون: خطة الظلام (Plan of Darkness)

مرت أربعة أشهر على اختطاف ألكسندرا آنا لورا. كان الشتاء قد حلّ على فيينا، والثلج يغطي الشوارع والقصور بطبقة بيضاء باردة.


في قصر الكونت فيكتور

أصبحت الأيام والليالي روتينًا مرعبًا من الاستعباد.

كل مساء، كان خدم الكونت يجهزون ألكسندرا آنا لورا رغمًا عنها. كانوا يغسلون جسدها بالماء الساخن المعطر، يدلكون بشرتها حتى تصبح ناعمة كالحرير، يصففون شعرها، ويضعون عليها فساتين شفافة أو مكشوفة تبرز كل منحنى في جسدها. كانت تقاوم أحيانًا بضعف، لكنهم كانوا يمسكونها بقوة حتى تستسلم.

ثم كانوا يأخذونها إلى غرفة الكونت.

كان فيكتور يزداد هوسًا بها يومًا بعد يوم. كان ينظر إليها ساعات طويلة قبل أن يلمسها، كأنه يتأمل تحفة فنية. ثم كان يأخذها بشهوة متزايدة. كان يستمتع بكل مضاجعة، يطيل الوقت، يغير الأوضاع، ويهمس لها كلمات حب مرضية:

«أنتِ أجمل امرأة رأيتها في حياتي... جسدكِ مصمم لي... صوتكِ عندما تتألمين يثيرني أكثر...»

كان يضاجعها بعنف مدروس، يترك آثار أصابعه على فخذيها وخصرها، ويجبرها على النظر في عينيه أثناء الإيلاج. بعد الانتهاء، كان يحتضنها بقوة ويقبل شعرها، ويعددها بأنه سيجعلها سيدة القصر يومًا ما.

ألكسندرا كانت تموت داخليًا. كانت تبكي في السر، تنظر إلى السماء من خلال النافذة المغلقة، وتتمسك بذكرى أحمد كطوق نجاة. كانت تحاول جمع قوتها، تنتظر لحظة ضعف في الحراسة.


في الجانب الآخر من المدينة

كنت أنا أغرق أكثر في دوامة الذنب والشهوة.

كل ليلة، كانت وصيفات الكونتيسة إليزابيث يجهزني بعناية فائقة. كن يغسلن جسدي، يدهننه بالزيوت المثيرة، يحلقن لحيتي، ويلبسني أردية حريرية خفيفة. كن يبتسمن ويقلن: «السيدة تنتظرك بفارغ الصبر.»

كانت إليزابيث أكثر جرأة وشهوة مع مرور الوقت. كانت تنتظرني عارية أو بملابس شفافة، وتسحبني إلى السرير فورًا. كانت علاقتنا قد تحولت إلى إدمان جسدي. كانت تركبني بشراسة، تتحكم في الإيقاع، تطلب مني أن أدخلها بعنف، وتئن بصوت يملأ الغرفة. كنت أمارس معها الجنس لساعات، أحيانًا في السرير، وأحيانًا أمام المرآة الكبيرة حتى أرى انعكاسنا.

كنت أستمتع بها جسديًا بشدة، لكن كل مرة كنت أخرج من قصرها وأنا أشعر بالخزي. كنت أفكر في ألكسندرا، في ما قد تكون تعانيه، وكنت أبكي في الطريق إلى المنزل.


خطة الإنقاذ

في الشهر الرابع، قررت أن أتحرك.

جمعت مجموعة صغيرة من الرجال المخلصين والمأجورين المهرة. خططت لعملية تسلل ليلية إلى قصر الكونت أثناء حفل كبير سيقيمه. كان الخطة خطيرة، لكنني لم أعد أحتمل الانتظار.

في الليلة التي سبقت العملية، ذهبت إلى إليزابيث كالمعتاد. كانت أكثر شغفًا من أي ليلة سابقة. بعد أن انتهينا، مستلقية عارية على صدري، همست:

«أعرف أنك ستذهب إليها قريبًا... كن حذرًا، حبيبي. الكونت فيكتور رجل خطير.»

لم أجب. قبلتها للمرة الأخيرة تلك الليلة، وخرجت وأنا أشعر أنني على حافة الهاوية.

كان الجميع ينتظر. كنت مستعدًا للمخاطرة بكل شيء من أجل إنقاذ ألكسندرا.

لكنني لم أكن أعلم أن الكونت فيكتور كان يتوقع شيئًا كهذا... وأنه كان يعدّ لي فخًا خاصًا به.



الفصل الثلاثون: ليلة الخلاص (Night of Deliverance)

كانت الليلة التي اخترتها للعملية ممطرة وشديدة البرودة. ثلج خفيف كان يتساقط على فيينا، مما جعل الشوارع زلقة والرؤية صعبة — وهذا بالضبط ما كنت أعتمد عليه.

جمعتُ مجموعة من ثمانية رجال موثوقين: خمسة من حراسي الخاصين، وثلاثة مرتزقة مهرة دفعتهم مبالغ طائلة. ارتدينا ملابس سوداء، وتسلحنا بالسيوف والخناجر والمسدسات الصغيرة التي أحضرتها من عالم ألكسندرا.

دخلنا قصر الكونت أثناء الحفل الكبير الذي أقامه. استغللنا الضجيج والموسيقى والخمر لنتسلل من البوابة الخلفية بمساعدة خادم رشوته مسبقًا.

كان قلبي يدق بقوة وأنا أتحرك في الأروقة المظلمة. كل خطوة كانت تقربني من ألكسندرا... أو من الموت.


وصلنا إلى الجناح الشرقي حيث كانت محتجزة. قتلنا حارسين بصمت، ثم فتحنا الباب الرئيسي للغرفة.

كانت هناك.

جالسة على حافة السرير، ترتدي رداءً حريريًا أبيض شفافًا، شعرها منسدلًا، وعيناها الزرقاوان شاحبتان من الإرهاق والألم. عندما رأتني، اتسعت عيناها، ثم انفجرت في البكاء الصامت.

«أحمد...»

هرعتُ نحوها واحتضنتها بقوة. كانت جسدها يرتجف. شعرتُ بكل الشهور الماضية في ذلك العناق.

«جئتُ لآخذكِ... لن أترككِ أبدًا.»

لم يكن لدينا وقت. سمعنا أصوات أقدام تقترب.


دخل الكونت فيكتور فون هاغن الغرفة فجأة، برفقة أربعة حراس. كان وجهه مليئًا بالغضب والدهشة.

«أنت!» صاح بصوت مرتجف من الغضب. «جريء جدًا... جئتَ إلى بيتي لتسرق ما هو لي!»

نظر إلى ألكسندرا بنظرة هوس مرعبة، ثم إليّ:

«هي ملكي الآن. جسدها... صوتها... كل ليلة كانت تنتمي لي.»

اندلعت المعركة بشراسة.

كان رجالي يقاتلون الحراس، بينما واجهتُ أنا الكونت مباشرة. كان ماهرًا في السيف، لكنه كان يقاتل بدافع الغيرة والجنون. دارت بيننا معركة عنيفة داخل الغرفة. ضربات السيوف تتصادم، والأثاث يتحطم حولنا.

في لحظة حاسمة، استغللتُ خطأه وطعنته في كتفه. سقط على ركبتيه، لكنه نظر إلى ألكسندرا وقال بصوت مكسور:

«حتى لو قتلتني... ستظلين جزءًا مني... لقد ذقتُكِ... وستتذكرين ذلك إلى الأبد.»

ضربته على رأسه بمقبض السيف فأفقده الوعي.


أمسكتُ بألكسندرا وهربنا. كان رجالي قد سيطروا على الحراس المتبقين. خرجنا من القصر تحت غطاء الثلج والظلام، وتوجهنا إلى منزلنا.

عندما وصلنا، انهارت ألكسندرا في حضني. بكت طويلاً، بكاء عميقًا يحمل كل الشهور من الألم والإذلال والاغتصاب. كنت أحتضنها وأبكي معها، أقبل شعرها وأهمس لها:

«أنتِ حرة الآن... أنتِ معي... لن يمسك أحد بعد اليوم.»


في الصباح التالي، كانت ألكسندرا مستلقية في السرير، شاحبة لكنها آمنة. جلستُ بجانبها، أمسك يدها.

نظرت إليّ بعينين متعبة، لكن فيهما بريق الأمل من جديد:

«كنتُ أعرف أنك ستأتي... لكنني خفتُ أن أموت هناك.»

قبلت جبهتها، ثم شفتيها بلطف.

«لقد انتهى الكابوس... الآن سنعود إلى عالمنا.»

لكننا كنا نعرف أن الإمبراطورية الرومانية المقدسة لم تنتهِ بعد... وأن الكونتيسة إليزابيث لا تزال تنتظرني في الظلال.



الفصل الحادي والثلاثون: جراح العودة (Wounds of Return)

بعد نجاح عملية الإنقاذ بثلاثة أيام، قررنا العودة.

كانت ألكسندرا آنا لورا لا تزال ضعيفة جسديًا ومكسورة نفسيًا. كانت تتحرك ببطء، وتنام كثيرًا، وتستيقظ أحيانًا من كوابيس تجعلها تصرخ. كنت أجلس بجانبها طوال الليل، أمسك يدها، وأحاول أن أمنحها الشعور بالأمان الذي سرق منها.

في اليوم السابق لعودتنا، ذهبتُ إلى قصر الكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر للمرة الأخيرة.


كانت تنتظرني في الصالون الكبير، مرتدية فستانًا أسود أنيقًا. عندما دخلتُ، ابتسمت ابتسامة حزينة تعرف كل شيء.

«جئتَ تودعني.» قالت بهدوء.

وقفتُ أمامها، شعرت بثقل الذنب يضغط على صدري.

«نعم. سنعود غدًا إلى... عالمنا.»

اقتربت مني، لمست وجهي بأصابعها الناعمة، بنفس الطريقة التي كانت تفعلها إليزابيث تايلور في أحلامي القديمة.

«كنتَ تعرف أن هذا سيحدث يومًا ما. لم أكن سوى ملاذ مؤقت... ملاذ لذيذ، أليس كذلك؟»

لم أستطع الكذب. «كنتِ... أكثر من ذلك. لكن قلبي ينتمي لها. وهي الآن بحاجة إليّ أكثر من أي وقت مضى.»

نظرت إليّ طويلاً، ثم قبلتني قبلة طويلة عميقة، مليئة بالشوق والوداع. عندما ابتعدت، كانت عيناها لامعتين.

«اذهب إليها. وإذا احتجتَ يومًا... فأنا هنا، في هذا الزمن.»

خرجتُ من قصرها وأنا أشعر أن جزءًا مني بقي هناك.


العودة

في الليلة التالية، فعّلنا الخاتمين البلوريين في منزلنا الفخم. دارت حولنا الدوامة الزرقاء، وعاد بنا الزمن إلى عالم ألكسندرا آنا لورا، تحت سماء الأقمار الثلاثة.

عندما وطأت أقدامنا الأرض البلورية في البرج، انهارت ألكسندرا في حضني. بكت بشدة، لأول مرة منذ الإنقاذ. كانت تبكي كل ما عانته — الاغتصاب المتكرر، الإذلال، الخوف، الوحدة.

«كان يأخذني كل ليلة...» همست بصوت مكسور. «كان يستمتع... وكان يقول إنني ملكه.»

احتضنتها بقوة، وأنا أبكي معها.

«أنا هنا... أنا هنا يا حبيبتي. لن يمسك أحد بعد الآن.»


تداعيات الإنقاذ

مرت الأيام التالية صعبة جدًا على علاقتنا.

كانت ألكسندرا تعاني من كوابيس ليلية متكررة. كانت تستيقظ مذعورة، تدفعني بعيدًا أحيانًا عندما أحاول احتضانها. كانت غيرتها من إليزابيث قد تحولت إلى جرح عميق. في إحدى الليالي، وبعد كابوس شديد، نظرت إليّ بعينين دامعتين وقالت:

«أعرف أنك كنت معها... كل تلك الليالي. كنت أشم رائحتها عليكِ عندما كنتَ تأتي لتزورني في أحلامي. كنتَ تغرق في جسدها بينما كان هو يغتصبني.»

لم أنكر. جلستُ أمامها على ركبتيّ.

«كنتُ أبحث عن نسيان... كنتُ أموت من القلق عليكِ. كانت خطأ... لكنني لم أتوقف لأنني كنت ضعيفًا.»

بكت ألكسندرا طويلاً. ثم مدّت يدها ولمست وجهي.

«أنا أحبك... لكنني أحتاج وقتًا. جسدي... لا يزال يتذكر يديه. روحي... لا تزال مجروحة.»

كنت أحترم مسافةها. كنت أنام في غرفة أخرى أحيانًا، وأقدم لها الدعم دون ضغط. كانت تعالج نفسها بمساعدة تقنيات عالمها المتقدمة، وكنت أرافقها في كل جلسة.

ببطء، بدأت تتحسن. بدأت تعود إلى عزف الكمان، ترسم، وتنحت. وبدأت تعود إليّ تدريجيًا — عناق طويل، قبلة خفيفة، ثم ليلة كاملة نمضيها متشابكين دون أن نمارس الجنس، فقط نعيد بناء الثقة.

في إحدى الليالي، بعد أن عادت إلى البرج البلوري، نظرت إليّ وقالت بهدوء:

«الجرح لا يزال موجودًا... لكنه يلتئم. وأنا لا أريد أن أخسرك.»

احتضنتها بقوة، وقبلت جبهتها.

«لن أذهب إلى أي مكان. أنتِ ملكتي... في كل زمن، وفي كل كون.»

خارج البرج، كانت الأقمار الثلاثة تشهد على بداية فصل جديد — فصل الشفاء والمصالحة... رغم أن الشقوق الكونية لا تزال تنتظر في الأفق.



الفصل الثاني والثلاثون: ثمن الشفاء (The Price of Healing)

مرت أسابيع أخرى على عودتنا إلى عالم ألكسندرا آنا لورا. كانت أيام الشفاء بطيئة ومؤلمة، لكنها كانت تحمل بصيص أمل. كنت أرافق ألكسندرا في كل خطوة، أدعمها نفسيًا وجسديًا، وأحاول أن أعيد لها الشعور بالأمان الذي سرق منها في فيينا.

في إحدى الليالي الهادئة، كنا نجلس معًا على الشرفة البلورية نفسها التي ظهرت فيها المخلوقات النورانية لأول مرة. كانت ألكسندرا مستلقية على صدري، شعرها الطويل منسدلًا، وعيناها الزرقاوان تنظران إلى الأقمار الثلاثة بصمت عميق.

فجأة، ارتفع الضوء الأبيض الناعم نفسه في وسط الشرفة.

ظهرت المخلوقات النورانية الثلاثة مرة أخرى، لكن هذه المرة كان ضوؤها أكثر هدوءًا ونقاءً. تكلم الوسط منهم بصوت يتردد داخل عقولنا بهدوء:

«ألكسندرا آنا لورا... أحمد. لقد راقبناها طويلًا.»

رفعت ألكسندرا رأسها ببطء. كنت أشعر بجسدها يتوتر في حضني.

«معاناتكِ في الإمبراطورية الرومانية المقدسة... لم تكن عبثًا. التمزق الذي كان يهدد بتصادم الأكوان في القرن السادس عشر قد أُغلق تمامًا. تضحيتكِ، ألمكِ، وقوتكِ في مواجهة ذلك الهوس... كانت الطاقة اللازمة لإصلاح الشق. لقد أنقذتِ عوالم كثيرة بما تحملتِ.»

ساد صمت ثقيل. شعرت ألكسندرا بارتجافة خفيفة في جسدها. نظرت إليّ بعينين مليئتين بالدموع، ثم نظرت إلى المخلوقات.

«هل تقصدون... أن كل ما عانيته... كان ضروريًا؟»

«نعم. لم نكن نستطيع إخباركما مسبقًا. التوازن يتطلب تضحية حقيقية. ألمكِ كان مفتاح الإغلاق. والآن... الجدران بين الأكوان في ذلك الزمن أصبحت مستقرة مرة أخرى.»

شعرت بغضب هائل يغلي داخلي. «دفعتماها ثمنًا باهظًا... ******، إذلال، شهور من الجحيم... وأنتم كنتم تعرفون؟»

«لم نكن نعرف بالضبط كيف ستسير الأمور. لكننا كنا نعرف أنها ستكون مؤلمة. ومع ذلك... اخترتم أن تذهبا. ونجحتم.»

اختفت المخلوقات النورانية تدريجيًا، تاركة وراءها صمتًا ثقيلاً.

بكت ألكسندرا بهدوء على صدري. كانت دموعها ساخنة. احتضنتها بقوة، وأنا أشعر بالغضب والحزن والارتياح في الوقت نفسه.

«كل ما عانيتِه... أنقذ عوالم.» همستُ لها.

رفعت رأسها، وعيناها الزرقاوان مليئتان بالألم والقوة معًا.

«لا أريد أن أكون بطلة... أريد فقط أن أعيش معك بسلام.»

قبلت جبهتها، ثم عينيها، ثم شفتيها بلطف شديد.

«سنعيش. الآن... بعد كل هذا... سنعيش.»


في تلك الليلة، نامت ألكسندرا في حضني لأول مرة منذ أشهر دون كوابيس. كان الشفاء قد بدأ يأخذ خطواته الحقيقية.

لكن في أعماق قلبي، كنت أعرف أن الجرح الذي خلفته فيينا سيبقى جزءًا من قصتنا إلى الأبد... ثمنًا دفعته ملكتي لإنقاذ الأكوان.
 

المستخدمون الذين يشاهدون هذا الموضوع

من قرأ هذا الموضوع خلال 30 يوم ؟ (Total readers: 2)
أعلى أسفل