جدو سامى 🕊️ 𓁈
مساعد المدير
إدارة ميلفات
مساعد المدير
اداري مؤسس
إداري
حكمدار صور
كاتب حصري
كاتب برنس
ملك الحصريات
أوسكار ميلفات
فارس الكلمة الماسية
مؤلف الأساطير
ملك المزاج العالي
ميلفاوي VIP
نجم الفضفضة
مستر ميلفاوي
ميلفاوي أكسلانس
ميلفاوي ديكتاتور
كاتب ماسي
ميلفاوي واكل الجو
ميلفاوي كاريزما
ميلفاوي حكيم
ناشر قصص
ناشر صور
ناشر أفلام
صقر العام
ميلفاوي حريف سكس
ميلفاوي كوميدي
إستشاري مميز
شاعر ميلفات
ناشر موسيقي
ميلفاوي سينماوي
ميلفاوي نشيط
ناشر قصص مصورة
ملك المحتوي
مترجم قصص
نجم ميلفات
ملك الصور
ناقد قصصي
صائد الحصريات
فضفضاوي أسطورة
كوماندا الحصريات
ميتادور النشر
ميلفاوي مثقف
ميلفاوي كابيتانو ⚽
ناشر عدد
ناقد مجلة
ميلفاوي علي قديمو
ميلفاوي ساحر
ميلفاوي متفاعل
ميلفاوي دمه خفيف
كاتب مميز
كاتب خبير
ميلفاوي خواطري
ميلفاوي فنان
الذئب الأسود
الفصل الأول: الملاك ذو العينين الزرقاوين The angel with the blue eyes
اسمي لا يهم كثيرًا في بداية هذه الحكاية. ما يهم أنني رجل مصري، ولدت في منتصف سبتمبر عام 1981، وأعيش وحدي في شقة هادئة بعد أن رحل والداي عن الدنيا. في الرابعة والأربعين من عمري، كنت أظن أن حياتي أصبحت سلسلة من الأيام المتشابهة؛ أستيقظ، أتناول قهوتي، أقرأ الأخبار، ثم أعود إلى وحدتي التي أصبحت رفيقتي الدائمة.
لكن كل شيء بدأ يتغير بسبب امرأة لم أقابلها يومًا.
كانت البداية عندما شاهدت فيلم "بيرسي جاكسون: لص البرق". لم تكن مجرد ممثلة تؤدي دورًا على الشاشة. منذ اللحظة الأولى التي ظهرت فيها، شعرت بشيء غريب لا أستطيع تفسيره. كانت هناك تلك العينان الزرقاوان اللامعتان، وذلك الوجه الذي جمع بين البراءة والشباب، وذلك الصوت الرقيق الذي بدا وكأنه يأتي من عالم آخر.
بعدها شاهدت أعمالًا أخرى لها. في كل مرة كنت أقول لنفسي إن الأمر مجرد إعجاب بفنانة موهوبة مولودة في 16 مارس 1986، لكن الإعجاب كان يكبر بصمت. كنت أراقب أداءها في كل مشهد، وأندهش من قدرتها على التعبير عن المشاعر بتفصيلة صغيرة أو نظرة عابرة.
مع مرور الأشهر، بدأت صورها تملأ غرفتي. طبعت عشرات اللقطات من الإنترنت وعلقتها على الجدران. كانت هناك صورة فوق المكتب، وأخرى قرب المكتبة، وثالثة إلى جوار السرير. كل صباح كنت أنظر إليها قبل أن أبدأ يومي.
كنت أعلم أن هذا مجرد إعجاب بشخصية فنية بعيدة آلاف الكيلومترات عني، لكن الخيال لا يعترف بالمسافات.
أحيانًا كنت أتخيل حياة مختلفة تمامًا. أتخيل أنني لم أولد في القاهرة، بل في مدينة أمريكية هادئة. أتخيل أننا كنا جارين منذ الطفولة، نذهب إلى المدرسة نفسها، ونجلس في الفصل ذاته. أتخيل أننا كبرنا معًا عامًا بعد عام، نتشارك الأسرار والأحلام والمخاوف الصغيرة التي لا يعرفها سوانا.
في تلك الأحلام كنت أعرف كل شيء عنها؛ ما الكتب التي تحبها، وما الموسيقى التي تستمع إليها، وما الذي يجعلها تضحك، وما الذي يجعلها تبكي. وكنت أتخيل أنها تعرف عني الأشياء نفسها.
ثم بدأت الأحلام تصبح أكثر غرابة.
في البداية كانت مجرد رؤى عابرة أثناء النوم. أراها تمشي على شاطئ واسع تحت ضوء القمر. أراها تلتفت نحوي وتبتسم. ثم تستيقظ ذاكرتي فجأة مع رنين المنبه فأجد نفسي وحدي في غرفتي.
لكن في إحدى الليالي حدث شيء مختلف.
استيقظت عند الثالثة فجرًا على ضوء أزرق خافت يملأ الغرفة.
جلست على السرير مذعورًا.
لم يكن الضوء قادمًا من المصباح ولا من الشارع. كان ينبعث من إحدى الصور المعلقة على الجدار المقابل.
فركت عيني غير مصدق.
لكن الضوء ازداد سطوعًا.
بدأت الصورة تهتز ببطء، كأن سطحها تحول إلى صفحة ماء ساكنة تحركها نسمة خفيفة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي كله.
وقفت مترددًا واقتربت خطوة.
ثم خطوة أخرى.
كل قوانين العقل كانت تخبرني أن ما أراه مستحيل.
لكنني كنت أراه بعيني.
عندما أصبحت على بعد متر واحد فقط من الصورة، سمعت صوتًا خافتًا.
صوت امرأة.
صوتًا أعرفه جيدًا.
قالت كلمة واحدة فقط:
"أخيرًا..."
وتجمدت مكاني.
لأن الصوت كان يشبه صوت ألكسندرا تمامًا.
وفي تلك اللحظة، انفتح داخل الصورة باب من الضوء الأزرق لم أرَ مثله في حياتي قط.
بعد أن ظهرت البوابة الزرقاء داخل غرفتي، ظللت جالسًا على حافة السرير أحدق فيها لساعات.
لم أجرؤ على الاقتراب أكثر.
وفي المقابل لم أستطع إبعاد نظري عنها.
مع اقتراب الفجر، عاد الضوء يزداد لمعانًا.
ثم ظهرت الغرفة الأخرى من جديد.
لكنها لم تكن مختبرًا أو مكانًا غريبًا كما تخيلت.
كانت غرفة معيشة عادية ودافئة.
مكتبة خشبية.
أريكة كبيرة.
صور عائلية معلقة على الجدران.
وأمام البوابة وقفت هي.
ألكسندرا.
كانت ترتدي ملابس منزلية بسيطة، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها.
بدا عليها التوتر نفسه الذي أشعر به.
قالت مبتسمة:
"صباح الخير... أو ربما مساء الخير عندك."
ضحكت لأول مرة منذ ظهور البوابة.
قلت:
"أعتقد أنه صباح عندي."
ترددت للحظة ثم أضفت:
"هل أنت حقيقية فعلًا؟"
ضحكت هي الأخرى.
وقالت:
"كنت سأطرح عليك السؤال نفسه."
ساد صمت قصير.
ثم بدأنا نتحدث.
في البداية كانت أسئلة بسيطة.
ما اسمك؟
أين تعيش؟
ماذا تعمل؟
كم عمرك؟
أخبرتها أنني مصري أعيش وحدي بعد وفاة والديّ.
رأيت التعاطف يظهر في عينيها.
وقالت بصوت هادئ:
"أنا آسفة."
ثم أخبرتني عن حياتها في عالمها.
كانت شابة عادية تعيش مع أسرتها في مدينة أمريكية تشبه كثيرًا المدن التي أعرفها من الأفلام.
لا توجد شهرة ولا هوليوود.
ولا توجد ممثلة مشهورة تحمل اسمها.
كانت مجرد فتاة تعيش حياة طبيعية.
وفجأة سمعت صوت رجل من خلفها.
"أليكس؟ هل ما زلت تتحدثين مع الرجل القادم من الكون الآخر؟"
ظهر رجل طويل القامة ذو شعر رمادي خفيف وملامح وقورة.
ابتسمت ألكسندرا وقالت:
"هذا والدي، ريتشارد."
اقترب الرجل من البوابة وهو يحدق بي بدهشة.
ثم رفع يده محييًا.
فرفعت يدي بدوري.
قال ضاحكًا:
"لم أتخيل يومًا أنني سأتعرف إلى شخص من عالم آخر."
بعد دقائق ظهرت امرأة جميلة الملامح تشبه ألكسندرا إلى حد كبير.
عرفت فورًا أنها والدتها.
قدمت نفسها باسم كريستينا.
بدت أكثر حذرًا من ريتشارد.
لكنها كانت لطيفة للغاية.
وأخذت تسألني عن مصر.
عن القاهرة.
عن النيل.
وعن الأهرامات.
شعرت كأنني ضيف في منزلهم رغم أن آلاف الأكوان كانت تفصل بيننا.
وبعد قليل ظهر شاب يقترب من البوابة وهو يبتسم ابتسامة واسعة.
قال:
"إذن هذا هو الرجل المصري."
ضحكت ألكسندرا.
وقالت:
"هذا أخي ماثيو."
صافحني من بعيد عبر البوابة كأنها نافذة بين منزلين متجاورين.
ثم ظهرت أخيرًا فتاة شابة تشبه ألكسندرا في بعض الملامح.
كانت كاثارين.
نظرت إلي عدة ثوانٍ.
ثم قالت:
"هذا أغرب شيء حدث لعائلتنا منذ ولدت."
فضحك الجميع.
وبدأت أشعر بالراحة للمرة الأولى.
مر الوقت سريعًا.
تحدثنا عن الكتب.
وعن الطعام.
وعن الموسيقى.
وعن الاختلافات بين عالمينا.
وأكثر ما أدهشهم أن بعض الأشخاص الموجودين في عالمي غير موجودين أصلًا في عالمهم.
بينما كانت هناك شخصيات معروفة لديهم لم أسمع عنها قط.
قبل أن تغلق البوابة في نهاية اليوم، نظرت ألكسندرا نحوي.
وقالت:
"سنتحدث غدًا؟"
شعرت بسعادة غريبة وأنا أجيب:
"بالطبع."
ابتسمت ابتسامتها الهادئة التي حفظتها من أحلامي القديمة.
لكن هذه المرة لم تكن صورة على جدار.
ولا لقطة من فيلم.
ولا حلمًا أثناء النوم.
كانت إنسانة حقيقية.
في عالم آخر.
تنتظر حديثي في اليوم التالي.
وعندما اختفت البوابة أخيرًا، أدركت أن حياتي التي ظننتها انتهت إلى الوحدة قد بدأت من جديد بطريقة لم يتخيلها أي كاتب للخيال العلمي.
كنت أجلس في شقتي بالإسكندرية، لكن عقلي كان هناك.
في ذلك العالم البعيد.
تحت السماء البنفسجية.
بين الأبراج الشفافة والأقمار الثلاثة.
كل بضع دقائق كنت أنظر نحو البوابة المغلقة منتظرًا أن تعود للحياة.
وعندما حل المساء، بدأت الصورة المعلقة على الجدار تضيء من جديد.
ظهر الضوء الأزرق المألوف.
ثم اتسعت الدائرة المضيئة حتى أصبحت بوابة كاملة.
وظهرت ألكسندرا.
كانت ترتدي الثوب الأبيض اللامع نفسه الذي رأيته الليلة الماضية.
شعرها الأسود الطويل ينسدل فوق كتفيها.
وعيناها الزرقاوان الواسعتان تعكسان أضواء الأجهزة المحيطة بها.
ابتسمت عندما رأتني.
وقالت:
"كنت أعلم أنك ستكون هنا."
ضحكت.
وقلت:
"كنت أنتظر منذ ساعات."
بدت السعادة على وجهها.
ثم قالت فجأة:
"هل تثق بي؟"
ترددت لثوان.
ثم أومأت برأسي.
رفعت يدها نحو البوابة.
وقالت:
"إذن حان الوقت لترى عالمي بنفسك."
تسارعت دقات قلبي.
نظرت إلى الدائرة الزرقاء.
ثم إلى ألكسندرا.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
وخطوت.
في اللحظة الأولى شعرت وكأنني أعبر ماءً باردًا جدًا.
ثم اختفى الإحساس فجأة.
ووجدت نفسي واقفًا إلى جوارها.
في عالم آخر.
رفعت رأسي ببطء.
وكان المشهد أعظم مما تخيلت.
فوقنا امتدت السماء البنفسجية العميقة.
وكانت الأقمار الثلاثة معلقة في الأفق بأحجام مختلفة.
أحدها فضي ضخم.
والثاني أزرق صغير.
أما الثالث فكان يلمع بلون ذهبي خافت.
حولنا ارتفعت أبراج شفافة بدت كأنها منحوتة من الزجاج والضوء معًا.
وفي الأرض نمت نباتات مضيئة ترسل خيوطًا رقيقة من النور الأخضر والأزرق.
شعرت أنني دخلت حلمًا من أحلام الطفولة.
راقبتني ألكسندرا بابتسامة.
وقالت:
"أعرف هذا التعبير."
"أي تعبير؟"
"كل شخص يزور المدينة لأول مرة ينظر هكذا."
ضحكت رغم ذهولي.
ثم بدأت نسير.
وأثناء الطريق راحت تشرح لي تفاصيل عالمها.
حدثتني عن وسائل النقل الصامتة التي تنزلق فوق المجال المغناطيسي.
وعن المباني التي تنتج طاقتها بنفسها.
وعن الجامعات العلمية المنتشرة بين الأبراج.
وعن عملها كباحثة في فيزياء الأكوان المتعددة.
كنت أستمع إليها مأخوذًا أكثر بصوتها من الكلمات نفسها.
وبعد نحو نصف ساعة وصلنا إلى منزل عائلتها.
كان منزلًا جميلًا تحيط به أشجار ذات أوراق فضية لامعة.
وما إن دخلنا حتى سمعت صوت رجل يقول:
"إذن وصل ضيفنا أخيرًا."
كان ريتشارد.
وقف مبتسمًا ومد يده مصافحًا.
صافحته وأنا أحاول استيعاب غرابة الموقف كله.
رجل من عالم آخر يستقبلني في بيته وكأنني صديق قديم.
ثم ظهرت كريستينا.
ورحبت بي بحرارة جعلتني أشعر أنني فرد من العائلة.
بعدها حضر ماثيو.
وكان أكثرهم فضولًا.
ظل يمطرني بالأسئلة عن الأرض.
وعن مصر.
وعن التاريخ.
وعن سبب وجود هذا العدد الهائل من الأفلام في عالمنا.
أما كاثارين فكانت تراقبني بصمت في البداية.
ثم جلست إلى جواري.
وقالت مبتسمة:
"ألكسندرا لم تتحدث عن أحد بهذه الطريقة من قبل."
شعرت بالحرج.
أما ألكسندرا نفسها فاحمر وجهها قليلًا.
وحاولت تغيير الموضوع بسرعة.
فضحك الجميع.
وفي تلك الليلة جلسنا جميعًا حول مائدة العشاء.
كنت أستمع إلى أحاديثهم وأراقبهم.
وللمرة الأولى منذ وفاة والديّ شعرت بشيء افتقدته طويلًا.
دفء العائلة.
شعور الانتماء.
وشعرت أنني لا أنظر إلى ألكسندرا فقط.
بل إلى حياة كاملة كنت أتمنى يومًا أن أعيشها.
وعندما حان وقت العودة إلى عالمي، رافقتني ألكسندرا إلى البوابة.
وقفنا أمام الضوء الأزرق المتراقص.
ثم قالت بصوت هادئ:
"أنا سعيدة لأنك عبرت."
نظرت إليها.
إلى عينيها الزرقاوين.
وإلى ابتسامتها الخجولة.
وقلت:
"وأنا سعيد لأنني وجدتك."
لثانية واحدة ساد الصمت بيننا.
صمت لم يكن محرجًا.
بل كان مريحًا بصورة غريبة.
ثم ابتسمت.
وأشارت نحو البوابة.
فعبرت عائدًا إلى عالمي.
لكنني كنت أعلم أن جزءًا مني بقي هناك.
تحت السماء البنفسجية.
في المدينة ذات الأبراج الشفافة.
وبجوار الفتاة التي كان القدر قد وضعها في كون آخر بالكامل.
في إحدى الأمسيات، كنا نجلس فوق شرفة زجاجية مرتفعة تطل على المدينة ذات الأبراج الشفافة.
كانت الأقمار الثلاثة تملأ السماء البنفسجية بضوئها الهادئ.
سألت ألكسندرا:
"هل كل ما في عالمكم يعتمد على التكنولوجيا؟"
ابتسمت ابتسامة غامضة.
وقالت:
"ليس كله."
ثم نظرت إلي مباشرة.
وفجأة سمعتها داخل رأسي.
ليس بأذني.
بل داخل عقلي نفسه.
"هل تسمعني الآن؟"
قفزت من مكاني مذعورًا.
أما هي فانفجرت ضاحكة.
قلت:
"أنت لم تتكلمي!"
"بلى. لكن ليس بصوتي."
احتجت عدة دقائق حتى أستوعب ما حدث.
ثم شرحت لي أن بعض البشر في عالمها يملكون قدرات ذهنية نادرة نتيجة تغيرات تطورية حدثت عبر قرون طويلة.
أما هي فكانت تملك قدرة استثنائية على التواصل العقلي المباشر.
ولم يقتصر الأمر على ذلك.
فخلال الأسابيع التالية اكتشفت قدرتها الثانية.
كانت قادرة على إسقاط وعي شخص آخر داخل نقاط زمنية مختلفة.
ليس لتغيير الماضي.
ولا للتلاعب بالأحداث.
بل لمشاهدتها والعيش فيها مؤقتًا كأنها واقع حي.
قالت لي ذات مساء:
"أعرف أنك تحمل أمنية قديمة."
سألتها:
"أي أمنية؟"
ابتسمت.
"أنت تفكر فيها منذ سنوات."
ثم أضافت وهي تنظر إلي بعينيها الزرقاوين:
"وأعرف ذلك لأنني أستطيع قراءة أفكارك."
شعرت بالحرج.
لكنها أكملت بلطف:
"كنت تتمنى دائمًا أن ترى حياة ألكسندرا الموجودة في عالمك بعينيك، لا من خلال الصور والشاشات."
صمتُّ.
لأنها كانت محقة.
رفعت يدها نحو جهاز بلوري صغير فوق الطاولة.
وقالـت:
"أستطيع أن أحقق ذلك."
بدأ الضوء الأزرق يحيط بنا.
وتحولت المدينة من حولي إلى ضباب من الألوان.
ثم سمعتها تقول:
"لن تذهب إلى الماضي لتغييره."
"إذن ماذا سيحدث؟"
"ستصبح شاهدًا عليه فقط."
ازداد الضوء سطوعًا.
وشعرت أن وعيي يبتعد عن المكان.
بعيدًا عن الأبراج الشفافة.
بعيدًا عن الأقمار الثلاثة.
بعيدًا عن عالمها كله.
وقبل أن يبتلعني الضوء بالكامل سمعت صوتها للمرة الأخيرة:
"استعد يا أحمد... سترى عالمك كما لم تره من قبل."
ثم اختفى كل شيء.
الفصل الخامس: نوافذ الزمن Windows of Time
عندما انقشع الضوء من حولي، وجدت نفسي أقف في شارع هادئ تحيط به الأشجار.
نظرت إلى ملابسي.
كانت مختلفة.
ثم نظرت إلى يدي.
لكنني لم أكن شخصًا آخر.
كنت ما زلت أنا.
فقط غير مرئي لمن حولي.
سمعت صوت ألكسندرا الموازية داخل رأسي.
"لا تقلق. أنت مجرد مراقب."
سألتها:
"أين أنا؟"
أجابت:
"في إحدى نقاط الماضي في عالمك."
بدأت أسير في الشارع.
وفجأة خرجت فتاة صغيرة من أحد المنازل وهي تضحك وتحمل حقيبة مدرسية.
عرفتها فورًا.
كانت ألكسندرا في سنوات طفولتها.
لم تكن نجمة سينما.
ولا شخصية معروفة.
مجرد **** عادية عائدة من المدرسة.
شاهدتها تتحدث مع والدتها وتضحك على شيء لم أسمعه.
ثم تركت الحقيبة ودخلت إلى المنزل مسرعة.
ساد المشهد هدوء غريب.
ولأول مرة أدركت أن حياة أي إنسان تبدأ ببساطة شديدة قبل أن يعرفه العالم.
تغير المشهد حولي.
وكأن الزمن يقلب صفحاته بسرعة.
وجدت نفسي في مرحلة أخرى.
في إحدى الساحات الرياضية.
كانت ألكسندرا أكبر سنًا بقليل.
تتحدث مع أصدقاء من عمرها.
تضحك.
تمزح.
وتناقش أمورًا عادية جدًا.
لم تكن تعلم أن ملايين البشر سيعرفون اسمها بعد سنوات.
كانت تعيش يومها فقط.
قالت ألكسندرا الموازية:
"كثيرًا ما ننسى أن المشاهير كانوا أشخاصًا عاديين قبل الشهرة."
أومأت برأسي.
وأنا أتابع المشهد بصمت.
ثم انتقل الزمن مرة أخرى.
هذه المرة إلى سنوات الشباب المبكرة.
رأيت ألكسندرا البالغة وهي تحضر أحد اختبارات التمثيل.
بدت متوترة.
وأقل ثقة مما عرفها الجمهور لاحقًا.
كانت تقرأ بعض السطور من نص أمام لجنة صغيرة.
بعد انتهاء المشهد سمعت ألكسندرا الموازية تقول:
"هذه إحدى اللحظات التي صنعت مستقبلها."
سألت:
"هل نجحت يومها؟"
ضحكت.
"ستعرف بعد قليل."
توالت المشاهد أمامي.
كأنني أشاهد ألبوم حياة كاملًا.
سنوات الدراسة.
الأصدقاء.
البدايات المهنية.
النجاحات الصغيرة.
والخيبات الصغيرة أيضًا.
ولم تكن الغاية أن أقترب منها.
بل أن أفهمها كإنسانة.
إنسانة لها تاريخ طويل من التجارب قبل أن تصبح الوجه الذي يعرفه الجمهور.
وأخيرًا عاد الضوء الأزرق يحيط بي من جديد.
وشعرت أن وعيي يعود إلى العالم الموازي.
فتحت عيني لأجد ألكسندرا الأخرى جالسة أمامي.
تنظر إلي باهتمام.
سألت:
"كيف كانت الرحلة؟"
فكرت طويلًا قبل أن أجيب.
ثم قلت:
"الغريب أنني لم أتعرف إلى ممثلة مشهورة."
ابتسمت.
"إذن إلى من تعرفت؟"
نظرت إلى الأقمار الثلاثة المعلقة في السماء البنفسجية.
ثم قلت:
"إلى إنسانة."
ولأول مرة منذ بدأ كل هذا، شعرت أنني بدأت أفهم سر ارتباط مصيري بذلك الاسم الذي رافق أحلامي سنوات طويلة.
الفصل السادس: الاستثناء الوحيد The only exception
بعد عودتي من رحلة نوافذ الزمن، ظللت أيامًا أفكر فيما رأيته.
كنت أظن أن قدرة ألكسندرا الموازية تقتصر على المشاهدة فقط.
لكنني كنت مخطئًا.
في إحدى الأمسيات، كنا نجلس في مختبرها المطل على المدينة المضيئة.
كانت الشاشات الثلاثية الأبعاد تدور حولنا ببطء.
وفجأة قالت:
"هناك شيء لم أخبرك به."
نظرت إليها باهتمام.
"ماذا؟"
سكتت لحظة.
ثم قالت:
"النظام الذي استخدمناه لمشاهدة الماضي يملك وضعًا آخر."
لم أفهم.
فشرحت:
"يمكنني أن أزرع وعيك وجسدًا مطابقًا لك داخل عالمك في نقطة زمنية محددة."
"ولكنني كنت مجرد مراقب."
"هذه المرة لن تكون مراقبًا."
حدقت فيها غير مصدق.
"تقصد أنني سأصبح موجودًا فعلًا؟"
أومأت برأسها.
"موجودًا وقادرًا على الحديث والتفاعل."
ساد الصمت بيننا.
ثم سألتها:
"ولماذا تفعلين ذلك؟"
نظرت إلى إحدى النوافذ الشفافة حيث كانت الأقمار الثلاثة تلمع في السماء.
وقالت بهدوء:
"لأنني أعرف كم تمنيت أن تتحدث معها يومًا."
بعد أسابيع من الحسابات والتجارب، أعلنت أن النظام أصبح جاهزًا.
جلست داخل مقصورة زجاجية وسط المختبر.
وكانت ألكسندرا الموازية تقف أمام لوحة تحكم مضيئة.
قالت:
"تذكر."
"ماذا؟"
"لن نغير التاريخ."
أومأت برأسي.
فأكملت:
"ستعيش بعض الأيام هناك فقط. لن تتدخل في القرارات المصيرية لحياتها. ولن تؤثر في مستقبلها المعروف."
قلت:
"أفهم."
ثم بدأ الضوء الأزرق يزداد سطوعًا.
عندما فتحت عيني، كنت في عالم مختلف.
عالمي.
لكن في زمن سابق.
وكانت ألكسندرا قد أصبحت شابة بالغة في بداية مسيرتها المهنية.
هذه المرة لم أكن شبحًا.
كنت موجودًا بالفعل.
أتنفس.
أتحرك.
وأتحدث.
بعد سلسلة من المصادفات التي رتبتها التقنية العجيبة، وجدنا أنفسنا نتعارف بصورة طبيعية.
في البداية كنت مجرد شخص جديد في حياتها.
ثم أصبحنا صديقين.
كانت تسألني كثيرًا عن مصر.
وعن طفولتي.
وعن الكتب التي أحبها.
وكنت أستمع إلى أحلامها ومخاوفها وطموحاتها.
شيئًا فشيئًا نشأت بيننا مودة خاصة.
لم تكن علاقة تملك.
ولا محاولة لتغيير مستقبلها.
بل لحظات إنسانية قصيرة اقتطعها القدر من بين آلاف الاحتمالات.
في إحدى الأمسيات، كنا نسير بمحاذاة الشاطئ بينما كانت الشمس تقترب من الأفق.
كان الهواء لطيفًا، وكانت الأمواج تتكسر برفق على الرمال.
توقفت ألكسندرا فجأة ونظرت إلي.
لم تقل شيئًا في البداية.
اكتفت بالنظر.
كانت عيناها الزرقاوان تحملان دفئًا جعلني أشعر وكأن الزمن توقف من حولنا.
شعرت بدقات قلبي تتسارع.
ولأول مرة لم أجد الكلمات المناسبة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ثم اقتربت خطوة واحدة.
وقالت بصوت هادئ:
"أشعر براحة غريبة عندما أكون معك."
ابتسمت وقلت:
"وأنا أيضًا."
ساد صمت قصير.
لكنه كان من ذلك الصمت الجميل الذي لا يحتاج إلى كلمات.
ثم مدت يديها نحوي وعانقتني.
كان عناقًا دافئًا وصادقًا.
شعرت خلاله أن سنوات الوحدة كلها تبتعد عني للحظات.
وأحسست بأن قلبي وروحي يمتلئان بسكينة لم أعرفها منذ زمن طويل.
عندما ابتعدت قليلًا، ظلت تنظر إلي.
وكان في عينيها بريق رقيق لم أره من قبل.
ثم اقتربت أكثر.
وتبادلنا قبلة قصيرة هادئة.
لم تكن سوى لحظة عابرة في عمر الزمن.
لكنها بدت لي وكأنها عالم كامل.
شعرت بعدها بقشعريرة دافئة تسري في جسدي.
وكأن روحي كلها تستيقظ على نور جديد.
ثم تشابكت أصابعها مع أصابعي.
وواصلنا السير بمحاذاة البحر بينما كانت الشمس تغيب ببطء خلف الأفق.
مرت الأيام سريعًا.
أسرع بكثير مما تمنيت.
وأصبحت لقاءاتنا جزءًا من حياتي اليومية.
كنا نتحدث لساعات طويلة.
نضحك.
ونتبادل القصص.
ونجلس أحيانًا صامتين نراقب البحر أو السماء.
وكان يكفيني أن تكون موجودة بقربي.
لكن الزمن لا يتوقف لأحد.
وفي أحد الأيام وصلني صوت ألكسندرا الموازية عبر جهاز الاتصال الكمي.
كانت نبرتها أكثر جدية من المعتاد.
قالت:
"اقترب موعد عودتك."
أغمضت عيني.
كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي.
لكنني لم أكن مستعدًا لها.
في آخر لقاء جمعني بألكسندرا من عالمي، جلسنا طويلًا نتحدث عن أشياء كثيرة.
عن الأحلام.
وعن السفر.
وعن الصداقات التي تغير حياة الإنسان.
ثم حل الصمت بيننا.
نظرت إلي مبتسمة.
وقالت:
"سأفتقد أحاديثنا."
أجبت بصوت خافت:
"وأنا أيضًا."
وقفت أمامي.
ثم عانقتني مرة أخيرة.
عناقًا طويلًا هادئًا مليئًا بالمشاعر التي لم يحتج أي منا إلى شرحها.
وعندما ابتعدنا، بقيت أنظر إلى عينيها للحظات.
كنت أحاول أن أحفظ تلك الصورة في ذاكرتي إلى الأبد.
بعد دقائق عاد الضوء الأزرق يحيط بي.
وبدأ العالم يتلاشى.
وكان آخر ما رأيته ابتسامتها الهادئة وهي تلوح مودعة.
ثم عدت إلى عالمي الآخر.
إلى المدينة ذات الأبراج الشفافة.
وإلى السماء البنفسجية التي تتلألأ فيها الأقمار الثلاثة.
حيث كانت ألكسندرا الموازية تنتظرني.
نظرت إلى وجهي طويلًا.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وكأنها قرأت كل ما مررت به دون أن أسرد كلمة واحدة.
وقالت:
"الآن فقط أصبحت مستعدًا للمرحلة التالية."
ولم أكن أعلم أن الأسرار الحقيقية للأكوان المتعددة لم تبدأ بعد.
الفصل السابع: شقوق بين النجوم Cracks between stars
بعد عودتي إلى عالم ألكسندرا الموازية، لم أستطع النوم.
جلست وحدي أمام النافذة البلورية العريضة في الغرفة التي خصصتها لي العائلة.
كانت الأقمار الثلاثة معلقة في السماء البنفسجية.
لكن عقلي كان في مكان آخر.
في عالمي.
مع ألكسندرا الأخرى.
استعدت عشرات الذكريات التي عشتها معها خلال الأيام القليلة التي سمحت بها التجربة.
تذكرت ضحكتها.
طريقة حديثها.
نظراتها الهادئة عندما كنا نجلس على الشاطئ.
تذكرت نزهاتنا الطويلة.
وأحاديثنا التي كانت تمتد لساعات دون أن نشعر بالوقت.
كانت التفاصيل الصغيرة هي الأكثر حضورًا في ذاكرتي.
حركة يديها أثناء الكلام.
خصلات شعرها التي كانت تتحرك مع نسيم البحر.
ابتسامتها عندما تسمع مزحة بسيطة.
والدفء الإنساني الذي جعلني أشعر للمرة الأولى منذ سنوات أنني لست وحيدًا
جلست أمام النافذة البلورية أحدق في الأقمار الثلاثة.
لكن ذهني لم يكن هناك.
كان يعود مرارًا إلى تلك الأيام القليلة التي قضيتها مع ألكسندرا في عالمي.
أيام بدت قصيرة جدًا مقارنة بما تركته من أثر داخلي.
تذكرت إحدى الأمسيات على الشاطئ عندما كنا نستمتع بالطقس الدافئ وصوت الأمواج.
كانت ترتدي ملابس صيفية بسيطة مناسبة للشاطئ.
وكنا نتبادل الحديث والضحكات لساعات طويلة.
ما بقي في ذاكرتي لم يكن مظهرًا بعينه بقدر ما كان الصورة الكاملة لها.
طريقة تحريك يديها أثناء الكلام.
ابتسامتها التي كانت تظهر فجأة ثم تختفي.
عيناها الزرقاوان اللتان كانتا تعكسان ضوء البحر والسماء.
خصلات شعرها الداكنة التي كانت تتحرك مع النسيم.
وذلك التعبير الهادئ على وجهها عندما تنصت باهتمام إلى حديث شخص آخر.
كنت أستعيد تفاصيل كثيرة صغيرة.
شكل خطواتها على الرمال.
طريقة جلوسها وهي تنظر إلى الأفق.
صوت ضحكتها عندما تسمع شيئًا يروق لها.
حتى اللحظات العادية جدًا أصبحت في ذاكرتي أثمن مما توقعت.
ربما لأنني كنت أعلم منذ البداية أن الوقت محدود.
وأن تلك الأيام لن تتكرر.
شعرت حينها بمزيج غريب من السعادة والحنين.
سعادة لأنني عشت تلك الذكريات.
وحزن لأنني كنت أعيش الآن على ذكراها فقط.
في تلك الليالي الهادئة أمام النافذة البلورية،
كنت أجتر الذكريات بتفاصيلها الدقيقة.
تذكرت إحدى الأمسيات على شاطئ عالمي،
حيث كانت ألكسندرا ترتدي البيكيني الأزرق الخفيف الذي يبرز جمال جسدها النحيل والمشدود.
كانت مستلقية على منشفة ناعمة تحت أشعة الشمس الدافئة،
وعيناها الزرقاوان مغمضتان قليلاً بابتسامة هادئة.
بدأت أدلك كتفيها بلطف،
ثم نزلت إلى ظهرها الناعم.
كانت بشرتها ناعمة كالحرير،
دافئة تحت أصابعي.
حركت يديّ ببطء على طول عمودها الفقري، ثم إلى جانبي خصرها،
أشعر بمرونة عضلاتها ودفء جسدها.
نزلت أكثر إلى ساقيها الطويلتين الممدودتين،
دلكت فخذيها بقوة لطيفة،
ثم ساقيها حتى كاحليها.
كانت ساقاها ملساء، مشدودة،
مع منحنيات أنثوية تجعل القلب يخفق.
ثم استدارت على ظهرها،
مبتسمة بخجل خفيف.
دلكت بطنها المسطح الناعم،
أشعر بنعومة جلدها وارتفاع تنفسها الهادئ.
صعدت إلى عنقها الرشيق،
أدلك المنطقة الحساسة بعنقها بلطف،
فارتجفت قليلاً تحت لمسي.
وصلت إلى وجهها:
خديها الورديين،
شفتيها الممتلئتين،
وعينيها الزرقاوين اللتين فتحتهما لتنظر إليّ بتلك النظرة التي تذيب الروح.
شعرها الأسود الطويل المنسدل على كتفيها كان يتمايل مع كل حركة،
يفوح منه عطر خفيف يخلط مع رائحة البحر.
نزلت إلى يديها الرقيقتين،
دلكت أصابعها الطويلة واحدة تلو الأخرى،
ثم إلى قدميها الصغيرتين المعتنى بهما جيدًا،
أصابع قدميها الناعمة وقوس قدمها المقوس بلطف.
كل تفصيلة كانت محفورة في ذاكرتي:
نعومة بشرتها،
دفء جسدها،
طريقة تنهداتها الهادئة أثناء المساج،
والابتسامة التي كانت تظهر على وجهها كلما شعرت بالراحة.
كانت تلك اللحظات سرًا خاصًا بيننا،
لحظات إنسانية دافئة
اقتطعناها من زمن محدود،
وهي الآن تُشعل في داخلي نار الحنين
تحت سماء الأقمار الثلاثة.
.
كنت غارقًا في تلك الذكريات عندما سمعت صوتًا خلفي.
"ما زلت تفكر فيها."
التفت.
كانت ألكسندرا الموازية.
وقفت عند الباب تنظر إلي بهدوء.
ثم أضافت بابتسامة باهتة:
"لا داعي للإنكار. أستطيع قراءة أفكارك."
شعرت بالحرج.
لكنها لم تكن غاضبة.
فقط حزينة قليلًا.
جلست إلى جواري.
ونظرت نحو الأقمار الثلاثة.
وقالت:
"أعرف أنها مهمة بالنسبة لك."
صمتت لحظة.
ثم أضافت:
"لكن أحيانًا أنسى أنني أنا من منحتك تلك الفرصة."
كانت المرة الأولى التي أسمع فيها شيئًا يشبه الغيرة في صوتها.
نظرت إليها بدهشة.
فأدارت وجهها بعيدًا.
وقالت بصوت منخفض:
"أعرف أنها ليست أنا."
"وأنت تعرفين أنك مهمة بالنسبة لي."
ابتسمت.
لكن الابتسامة لم تدم طويلًا.
لأن أحد الأجهزة المثبتة على الجدار أطلق فجأة إنذارًا حادًا.
تبادلنا النظرات.
وفي اللحظة نفسها تغير كل شيء.
هرعنا إلى المختبر.
كان ريتشارد وكريستينا وماثيو وكاثارين موجودين بالفعل.
وعلى الشاشات الثلاثية الأبعاد ظهرت خرائط كونية معقدة لم أفهم منها شيئًا.
لكنني أدركت من وجوههم أن الأمر خطير.
قال ريتشارد:
"ازدادت الشقوق مرة أخرى."
سألت:
"أي شقوق؟"
اقتربت ألكسندرا من إحدى الشاشات.
وأشارت إلى خطوط مضيئة متعرجة بين عدد هائل من الأكوان.
ثم قالت:
"الحاجز الذي يفصل العوالم لم يعد مستقرًا."
ظهرت نقاط حمراء كثيرة على الشاشة.
أكثر مما رأيت في السابق.
قالت كاثارين:
"قبل أشهر كانت هناك ثلاث نقاط فقط."
وأضاف ماثيو:
"الآن أصبح عددها بالمئات."
شعرت بقشعريرة باردة.
وسألت:
"لكن لماذا يحدث هذا أصلًا؟"
ساد الصمت.
ثم نظر أفراد العائلة إلى بعضهم.
وأخيرًا قالت ألكسندرا:
"لأننا اكتشفنا شيئًا لم يكن ينبغي اكتشافه."
اقتربت من لوحة التحكم.
فظهرت صورة لمجسم كروي ضخم يطفو في الفضاء.
لم يكن كوكبًا.
ولا نجمًا.
ولا أي شيء عرفته من قبل.
قالت:
"قبل عشر سنوات عثر فريقنا العلمي على هذه البنية."
"ما هي؟"
تنهدت.
وأجابت:
"لا نعرف."
ثم أضافت:
"لكننا نعرف أنها أقدم من جميع الحضارات المعروفة في الكون."
شعرت بأن الموقف يزداد غرابة.
وأكملت:
"عندما بدأنا دراستها، اكتشفنا أنها متصلة بكل الأكوان المتوازية في الوقت نفسه."
توقف قلبي لحظة.
"كل الأكوان؟"
أومأت برأسها.
"نعم."
ثم قالت الجملة التي غيرت كل شيء:
"ومنذ اللحظة التي فتحنا فيها أول قناة اتصال معها... بدأ الحاجز بين العوالم ينهار."
ساد الصمت داخل المختبر.
ولأول مرة أدركت أن الأمر لم يعد مجرد تجربة علمية.
ولا مجرد قصة حب مستحيلة بين عالمين.
كان هناك شيء مجهول.
شيء قديم للغاية.
شيء يراقب الأكوان كلها منذ زمن لا يمكن تخيله.
وربما... كان قد بدأ يلاحظ وجودنا.
الفصل الثامن: ملكة الأمواج الثلاثة Queen of the Three Waves
بعد أيام من اكتشاف الشقوق الكونية، اقترحت ألكسندرا أن نبتعد قليلًا عن المختبرات والشاشات والإنذارات.
قالت لي صباحًا:
"أريد أن أريك مكانًا لا يعرفه معظم سكان المدينة."
غادرنا الأبراج الشفافة خلفنا.
وسرنا عبر سهول خضراء امتدت كأنها بلا نهاية.
كلما ابتعدنا عن المدينة، أصبحت الطبيعة أكثر حضورًا.
أشجار عملاقة.
طيور بألوان لم أر مثلها من قبل.
وجداول ماء تعكس لون السماء البنفسجية.
بعد ساعات من السير وصلنا إلى غابة جميلة.
ومن خلفها ظهر المحيط.
امتد الرمل الأبيض على طول الساحل.
وكانت الأمواج تتلألأ تحت ضوء الأقمار الثلاثة.
ابتسمت ألكسندرا.
وقالت:
"هنا أهرب عندما أريد أن أنسى العالم كله."
وللمرة الأولى رأيتها بعيدة تمامًا عن شخصية العالمة.
هنا لم تكن باحثة في الأكوان المتعددة.
كانت رياضية.
وقائدة.
وشخصًا يعشق البحر.
... كانت ألكسندرا الموازية تختلف أيضًا عن ألكسندرا عالمي
في أنها متعددة المواهب إلى درجة مذهلة.
بالإضافة إلى السباحة التوقيعية
التي كانت تؤديها مع فريق صديقاتها
كأنهن فراشات ملونة ترفرف فوق المياه المضيئة،
كانت تعزف الموسيقى الكلاسيكية ببراعة على البيانو والكمان،
وتجيد الرسم والنحت بمهارة تجعل لوحاتها وتماثيلها تحكي قصص الأكوان.
كما تتقن التحدث بعدة لغات بطلاقة تامة:
الإنجليزية والعربية
والألمانية والفرنسية
والإيطالية والروسية
والصينية واليابانية
والإسبانية والبرتغالية
والهندية والفارسية
واليونانية واللاتينية،
وحتى المصرية القديمة
بخطوطها الهيروغليفية والديموطيقية والهيراطيقية.
فهي ذكية جدًا جدًا،
وبينما كانت ألكسندرا عالمي مجرد ممثلة موهوبة،
كانت ألكسندرا الموازية متعددة المواهب
في الرياضة والفنون واللغات والعلوم،
مما جعلها شخصية استثنائية في عالمها المتقدم.
ع مرور الوقت بدأ أحمد يدرك أن ألكسندرا آنا لورا لم تكن مجرد نسخة أخرى من ألكسندرا التي عرفها في عالمه.
كان هناك شبه كبير في الملامح والوجه والعينين والصوت.
لكن التشابه كان يتوقف عند هذا الحد.
ففي حين أن ألكسندرا عالمه اشتهرت أساسًا كممثلة ناجحة، كانت ألكسندرا آنا لورا واحدة من أكثر الأشخاص استثنائية في عالمها.
فهي:
كانت تتحدث بطلاقة شبه كاملة:
فقد كانت قادرة على قراءة وكتابة اللغة المصرية القديمة بأنظمتها المختلفة:
عندها قال لها مازحًا:
"هل يوجد شيء لا تعرفين فعله؟"
فضحكت.
وأجابت:
"بالتأكيد."
"مثل ماذا؟"
سكتت لحظة.
ثم قالت مبتسمة:
"فهم البشر."
فضحك أحمد.
لكن جزءًا منه كان يعلم أن الإجابة لم تكن مزحة بالكامل.
كلما تعرف إليها أكثر، أدرك أن تفوقها لم يكن مجرد ذكاء أو موهبة.
بل كان شيئًا أعمق.
وكأن عالمها نفسه منح أبناءه فرصًا للتطور لم يعرفها عالمه قط.
ولهذا السبب بالذات بدأت الشكوك تراوده.
هل كانت ألكسندرا آنا لورا مجرد إنسانة موهوبة؟
أم أن هناك سرًا أكبر يقف وراء قدراتها الاستثنائية؟
سر قد يكون مرتبطًا باللغز الذي بدأ يمزق الحواجز بين الأكوان؟
لم نكن وحدنا.
فبعد دقائق ظهرت مجموعة من الشابات يلوحن لها من بعيد.
قالت:
"فريقي."
ثم عرفتني بهن.
كن أعضاء فريق السباحة التوقيعية الذي تقوده.
وقد بدت العلاقة بينهن أقرب إلى الصداقة منها إلى مجرد الرياضة.
ما إن اجتمع الفريق حتى بدأ التدريب.
نزلن إلى الماء.
وبإشارة واحدة من ألكسندرا بدأ العرض.
كنت أظن أن السباحة التوقيعية في عالمي جميلة.
لكن ما رأيته هناك تجاوز كل شيء.
كانت الحركات منسقة بدقة مذهلة.
تتحرك المجموعة كلها كأنها عقل واحد.
ترتفع الأذرع فوق سطح الماء في اللحظة نفسها.
وتنعكس الأضواء على الأمواج في أشكال هندسية ساحرة.
وفي الوسط كانت ألكسندرا تقود الجميع.
توجه الإشارات.
وتحافظ على الإيقاع.
وتصحح الأخطاء بابتسامة هادئة.
لم يكن واضحًا أنها القائدة بسبب الأوامر.
بل لأن الجميع كان يثق بها.
بعد انتهاء التدريب الجماعي، بقيت وحدها في الماء.
راحت تسبح لمسافات طويلة بمحاذاة الساحل.
بهدوء وثقة.
كأن البحر نفسه يعرفها.
ثم استدارت وعادت نحو الشاطئ.
وقالت ضاحكة:
"العلم جيد... لكن الماء أفضل."
جلست بجواري فوق أحد المقاعد المطلة على المحيط.
وكان النسيم يداعب الأشجار القريبة.
على الشاطئ، سارعت بالتجرد من ملابسها لتصبح ببيكيني بلون علم أمريكا، أزرق وأبيض وأحمر، يبرز جمال جسدها النحيل. جلست على مقعد شاطئي خشبي بطريقة أنيقة تمامًا كما في صورة شهيرة لألكسندرا عالمي. نظرت إليّ بنظرة اغراء واضحة وقالت بصوت رقيق:
"أنا أجمل أم هي؟"
ابتسمت وأجبت فورًا:
"أنت طبعًا."
ضحكت بلطف وقالت:
"كيف، وأنا هي وهي أنا؟"
نظرت إليها بعمق وقلت:
"أنت تحبينني."
احمر وجهها خجلاً، وأدارت نظرها قليلاً وقالت:
"من قال هذا؟"
اقتربت منها وقلت بهدوء:
"أعلم وأنا أبادلك الحب."
ترددت للحظة ثم قالت:
"ألست تحب ألكسندرا عالمك؟"
أجبتها بثقة:
"لا، هي تحب آخر. أما أنت فتحبينني وأنا أحبك."
ساد الصمت بيننا للحظات.
ثم سألتني فجأة:
"من الأجمل في نظرك؟"
نظرت إليها متفاجئًا.
فأكملت:
"أنا... أم النسخة الأخرى؟"
ابتسمت.
وقلت:
"سؤال غير عادل."
قالت:
"أجب فقط."
فكرت قليلًا.
ثم قلت:
"أنت."
رفعت حاجبيها بدهشة.
"كيف وأنا وهي ننحدر من الأصل نفسه؟"
نظرت نحو المحيط.
ثم قلت:
"لأنك أنت من عرفني."
سكتت.
فأضفت:
"وأنت من وقفت إلى جواري."
احمر وجهها قليلًا.
وحاولت النظر بعيدًا.
ثم قالت:
"ومن قال إنني..."
وتوقفت.
ابتسمت.
وقلت:
"لأنني أعرف."
في تلك اللحظة حدث شيء غريب.
شعرت بطاقة دافئة تسري في أطراف أصابعي.
رفعت يدي دون وعي.
فتوقفت ألكسندرا عن الكلام.
ونظرت إلى البحر.
الأمواج أمامنا بدأت ترتفع ببطء.
ثم انفصلت منها قطرات ماء لا حصر لها.
ارتفعت في الهواء.
وتجمعت فوق رؤوسنا.
كأن قوة خفية تتحكم بها.
تراجعت ألكسندرا خطوة إلى الخلف.
"أحمد... هل ترى ما أرى؟"
لكنني لم أستطع الإجابة.
لأنني لم أكن أفهم ما يحدث.
تحولت القطرات إلى بلورات زرقاء شفافة. يواقيت زرقاء.
ثم أخذت تدور حول رأس ألكسندرا.
وتشكلت في هيئة إكليل لامع.
استقر فوق شعرها كأنه تاج صُنع من نور البحر ومن الفضة .
بعدها تجمعت مياه أخرى فوق كفها.
وتحولت إلى كرة صغيرة تمثل عالمًا كاملًا.
قارات.
ومحيطات.
وسحب تدور ببطء.
وفي يدها الأخرى تشكل عمود بلوري طويل يشبه صولجانًا ملكيًا.
وقفنا مذهولين.
أنا وهي.
انحنيتُأمامها بخشوع وحب قائلا: مليكتي وإلهتي..
همست:
"من أين جاءت هذه القدرة؟"
هززت رأسي.
"لا أعلم."
نظرت إلى التاج المائي فوق رأسها.
ثم إلى الكرة المتوهجة في يدها.
وقالت:
"هذا لم يحدث من قبل."
ابتسمت وقالت:
"أكسبك عالمي قدرات."
شعرت أن الهواء من حولنا امتلأ بطاقة غريبة.
كأن شيئًا ما في الكون قد استيقظ.
نظرت إلي.
ثم قالت فجأة:
"هناك شيء لم أخبرك به."
"ماذا؟"
ابتسمت.
"اسمي ليس مثل اسمها تمامًا."
تجمدت في مكاني.
"ماذا تقصدين؟"
قالت:
"في عالمك اسمها ألكسندرا آنا فقط مركب ثنائي."
ثم وضعت يدها على صدرها.
وأضافت:
"أما أنا..."
وسكتت لحظة.
"مركب ثلاثي ... فأنا ألكسندرا آنا لورا. "
في تلك اللحظة اهتز السوار الكمي حول معصمها.
وأطلق إنذارًا أحمر حادًا.
اختفى المرح من وجهها فورًا.
ونظرت إلى شاشة صغيرة ظهرت في الهواء.
ثم شحب لونها.
قلت بقلق:
"ما الأمر؟"
رفعت رأسها نحوي ببطء.
وقالت:
"لقد اتسعت الشقوق الكونية مرة أخرى."
ثم نظرت إلى التاج المائي الذي صنعته دون قصد.
وأضافت بصوت خافت:
"وأظن أن ما حدث هنا الآن مرتبط بذلك."
وعندها فقط أدركت أن القدرات التي ظهرت لي فجأة...
قد لا تكون هدية.
بل علامة على أن اللغز الأكبر بدأ يكشف نفسه أخيرًا.
الفصل التاسع: الرجل الذي أصبحته في عالم آخر The man I became in another world
بعد أيام من حادثة تاج الماء والصولجان البلوري، كنت ما أزال أحاول فهم القدرات الجديدة التي ظهرت لدي.
لكن ألكسندرا آنا لورا بدت منشغلة بشيء آخر.
في إحدى الليالي استدعتني إلى المختبر.
كانت الشاشات العملاقة تعرض خرائط للأكوان المتوازية.
وعندما دخلت وجدت ريتشارد وكريستينا وماثيو وكاثارين موجودين أيضًا.
سألت:
"ماذا حدث؟"
تبادلت ألكسندرا النظرات مع والدها.
ثم قالت:
"هناك أمر أخفيناه عنك."
شعرت بالقلق.
"أي أمر؟"
أجابت:
"طوال هذه الأشهر كنا نراقب أكثر من نسخة منك."
تجمدت في مكاني.
"أكثر من نسخة؟"
أومأت برأسها.
ثم لمست إحدى الشاشات.
فامتلأت القاعة بمئات النقاط المضيئة.
قالت:
"هذه كلها أكوان يوجد فيها أحمد."
شعرت بالدوار.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تأت بعد.
اختفت معظم النقاط.
وبقيت نقطة واحدة فقط.
كبرت الصورة.
ثم ظهر منزل جميل تحيط به الأشجار.
وأمام المنزل وقف رجل.
أنا.
أو بالأحرى نسخة أخرى مني.
كان أكبر قليلًا.
وفي وجهه هدوء وثقة لم أرهما في نفسي منذ سنوات طويلة.
وقف بجواره ثلاثة *****.
فتاتان وولد.
كانوا يضحكون جميعًا.
ثم خرجت امرأة من المنزل.
وحين رأيتها شعرت أن قلبي توقف لحظة.
كانت كيرا نايتلي.
لكنها لم تكن الممثلة التي عرفتها في عالمي.
كانت امرأة مختلفة.
تشبهها في الملامح.
لكن حياتها مختلفة تمامًا.
لا وجود للسينما.
ولا للشهرة.
ولا للصحافة.
ولا للأضواء.
مجرد امرأة تعيش حياة عادية.
وزوجة لتلك النسخة الأخرى مني.
همست:
"مستحيل..."
قالت ألكسندرا بهدوء:
"إنها ليست كيرا الموجودة في عالمك."
"من تكون إذن؟"
"نسخة موازية منها."
اقتربت من الشاشة.
ورأيت الأطفال يركضون في الحديقة.
ثم رأيت الرجل الآخر يرفع أصغرهم بين ذراعيه.
كانت السعادة واضحة في عيون الجميع.
قالت ألكسندرا:
"هما متزوجان منذ أكثر من عشرين عامًا."
لم أجب.
كنت عاجزًا عن الكلام.
بعد دقائق ظهر مشهد آخر.
كانت الأسرة تجلس حول مائدة الطعام.
يتحدثون ويضحكون.
بدوا كأي عائلة سعيدة.
لكن ما صدمني لم يكن وجود كيرا.
بل وجودي أنا.
أو بالأحرى ذلك الشخص الذي كان يمكن أن أكونه.
رجل لم يعرف الوحدة.
ولم يفقد عائلته مبكرًا.
ولم يمض سنوات طويلة وحيدًا.
رجل سلك طريقًا مختلفًا بالكامل.
سألت بصوت خافت:
"هل يعرف بوجودي؟"
قالت ألكسندرا:
"لا."
"وهل سألتقيه؟"
ساد الصمت داخل المختبر.
ثم قالت:
"هذا ما نناقشه منذ أيام."
"لماذا؟"
أجابت:
"لأننا اكتشفنا شيئًا غريبًا."
ظهرت بيانات جديدة على الشاشة.
وسرعان ما اختفت ابتسامتها.
"من بين مليارات النسخ الموجودة عبر الأكوان..."
توقفت لحظة.
ثم أكملت:
"أنت وهو فقط تمتلكان البصمة الطاقية نفسها."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
"وماذا يعني ذلك؟"
قال ريتشارد:
"يعني أن هناك رابطًا بينكما لا نفهمه."
وأضافت ألكسندرا:
"وربما يكون هذا الرابط جزءًا من السبب الذي يجعل الحواجز بين الأكوان تنهار."
عدت أنظر إلى الشاشة.
إلى ذلك الرجل الآخر.
وإلى زوجته وأطفاله.
وإلى الحياة التي لم أعشها.
فجأة شعرت بأن اللغز لم يعد يتعلق بالأكوان وحدها.
بل بالاختيارات.
وبالمصائر.
وبالطرق المختلفة التي يمكن أن تسلكها الحياة.
ثم سألت السؤال الذي كان يخيفني أكثر من أي شيء آخر:
"إذا التقيت به..."
نظرت ألكسندرا نحوي.
"... فهل سأرى نفسي؟"
ولم تجب.
لأن أحد أجهزة المختبر أطلق إنذارًا جديدًا.
وكان أشد عنفًا من كل الإنذارات السابقة.
وفي تلك اللحظة ظهر على الشاشة شيء لم يره أحد من قبل.
شيء قادم من بين الأكوان نفسها.
بينما كان أحمد يحدق في حياة نسخته الموازية، ظن أنه رأى كل شيء.
لكنه كان مخطئًا.
قالت ألكسندرا آنا لورا:
"هناك جزء آخر من حياته لم نعرضه عليك بعد."
لم تعجبه نبرة صوتها.
كانت مترددة.
وكأنها غير متأكدة مما إذا كان ينبغي له أن يعرف الحقيقة.
ظهرت صور جديدة فوق الشاشة.
وفي البداية لم يفهم ما يراه.
ثم بدأ يدرك أن حياة تلك النسخة الأخرى كانت أعقد بكثير مما تخيل.
فإلى جانب زواجه الطويل من كيرا الموازية وإنجابه ثلاثة أبناء منها، كانت هناك أسرار أخرى أخفاها ذلك الرجل عن معظم من حوله.
ظهرت امرأة أخرى.
سوناكشي سينها الموازية.
لم تكن ممثلة أو شخصية مشهورة في ذلك العالم.
بل كانت أستاذة تاريخ قديم في إحدى الجامعات الكبرى.
ثم ظهرت امرأة ثالثة.
إيميلي لورا أوليفيا بلانت الموازية.
وكانت مهندسة متخصصة في علوم الطاقة الحيوية.
تابع أحمد المشاهد بصمت.
وشعر أن حياته هو أصبحت أقل غرابة بكثير مقارنة بحياة ذلك الرجل.
قالت ألكسندرا:
"خلال مراحل مختلفة من حياته، نشأت بينه وبين كل منهما علاقة عاطفية معقدة."
ثم أضافت:
"وأثمرت كل علاقة عن ***."
ساد الصمت داخل المختبر.
نظر أحمد إلى الشاشة.
إلى الأطفال.
إلى النسخة الأخرى من نفسه.
إلى الحياة المليئة بالاختيارات والنتائج والتعقيدات.
ثم قال أخيرًا:
"وكيف تمكن من إخفاء كل ذلك؟"
أجاب ريتشارد:
"لم يكن الأمر إخفاءً بالمعنى التقليدي."
"إذن ماذا كان؟"
قال:
"في ذلك العالم توجد ترتيبات اجتماعية وقانونية مختلفة عما تعرفه في عالمك."
أطرق أحمد مفكرًا.
ثم عاد ينظر إلى الأطفال الثلاثة الآخرين الذين لم يكن يعلم بوجودهم قبل دقائق.
***** يحملون جزءًا من دمه.
وجزءًا من مصيره.
لكن في حياة لم يعشها هو قط.
عندها بدأ يدرك شيئًا مهمًا.
لم يكن يرى مجرد نسخة أخرى من نفسه.
بل كان يرى مجموعة كاملة من الاحتمالات التي كان يمكن أن يصبحها لو سلك طريقًا مختلفًا عند كل مفترق في حياته.
الفصل العاشر: لقاء النسخة الأخرى Meeting the other version
بعد الإنذار الذي هز المختبر، لم أعد أستطيع الانتظار. كانت الصور لا تزال معلقة في ذهني: ذلك الرجل الذي يشبهني، وزوجته كيرا، وأولاده، وسوناكشي وإيميلي... كل تلك الحياة المعقدة والغنية التي عاشها.
شعرت بضغط داخلي لا يُطاق. في اليوم التالي، وفي اليوم الذي بعده، ظللت ألح على ألكسندرا آنا لورا. كنت أتبعها في المختبر، في الشرفة، وحتى أثناء تدريبات السباحة.
«أريد أن أذهب إليه.» «ألكسندرا، أرجوكِ. أحتاج أن أتحدث معه.» «أريد أن أفهم كيف عاش حياته بهذه الطريقة.»
كانت تنظر إليّ بقلق واضح. في البداية رفضت تمامًا. «هذا خطر، أحمد. الحواجز بين الأكوان أصبحت أضعف، والانتقال الجسدي الكامل قد يسبب تشوهات في البصمة الطاقية. كما أن التدخل المباشر قد يؤثر على استقرار ذلك الكون.»
لكنني لم أتراجع. كنت أتوسل، أناقش، أذكّرها بكل ما فعلته لي من قبل. في النهاية، بعد ثلاث ليالٍ من الجدال والحسابات المكثفة مع ريتشارد وفريقها، استسلمت ألكسندرا.
نظرت إليّ بعينيها الزرقاوين اللتين كان فيهما مزيج من الحب والحزن والقلق. «سأنقل وعيك وجسدك معًا. لكن لمدة 48 ساعة فقط. لا تتدخل في حياته بشكل يغير مجراها. وستعود فورًا إذا لاحظنا أي اضطراب كوني.»
وافقت بسرعة.
عندما فتحت عينيّ، كنت في حديقة منزل جميلة تشبه المنزل الذي رأيته على الشاشة. الهواء دافئ، والشمس تغرب بهدوء. وقفت أمامي نسخة أخرى مني، يحمل كأسًا من الشراب وينظر إليّ بدهشة شديدة.
«...أنت.» قال بهدوء، صوته يشبه صوتي تمامًا لكنه أعمق قليلاً وأكثر ثقة. «كنت أشعر منذ أيام أن شيئًا غريبًا يحدث.»
جلسنا على مقعد خشبي في الحديقة بعيدًا عن المنزل. كان يعرف بالفعل عن فكرة الأكوان المتوازية، لكنه لم يتخيل أن يلتقي بنسخة أخرى من نفسه بهذه الطريقة.
بدأت أسأله مباشرة.
عن كيرا: «كيف هي حياتك معها بعد أكثر من عشرين عامًا؟»
ابتسم ابتسامة هادئة مليئة بالدفء. «كيرا... هي الثبات والسلام في حياتي. هي ليست الممثلة الشهيرة التي تعرفها أنت. هي معلمة تاريخ وأدب، تحب القراءة والطبيعة. ننام كل ليلة ونحن نتحدث عن يومنا. تملك صبرًا لا ينضب مع الأولاد، وتجعلني أشعر أنني الرجل الأفضل في العالم حتى في أيامي السيئة. الجنس بيننا لم يفقد حماسه. بل أصبح أعمق وأكثر حميمية مع السنين. نحب أن نأخذ وقتنا، نتحدث أثناءه، نضحك، نستعيد ذكرياتنا. هي تعرف جسدي كما أعرف جسدها، وتعرف كيف تثيرني بنظرة واحدة أو لمسة خفيفة على رقبتي.»
سألته عن الأولاد. «البنتان (ليلى 19 عامًا ونور 16) وولدنا (كريم 12). كيرا هي من ربتهم على القيم والحرية. نتحدث معهم بصراحة كبيرة. هي دائمًا تقول لي: "الأبوة ليست سلطة، بل حب يومي".»
عن سوناكشي: «سوناكشي... كانت بدايتها صداقة فكرية عميقة. هي أستاذة تاريخ قديم، ذكاؤها يفوق الوصف. علاقتنا سرية لكنها صادقة. نلتقي في شقة صغيرة نملكها بعيدًا عن المدينة. حديثنا دائمًا يبدأ بالتاريخ والفلسفة ثم يتحول إلى شيء أكثر دفئًا. تحب أن أمسكها بقوة، أن أهمس لها بالعربية أثناء العناق. ابننا (رام 8 أعوام) يعيش معها، وأزوره بانتظام. نتحدث أنا وسوناكشي كثيرًا عن تربيته، عن كيف نجعله يشعر بالأمان رغم الوضع المعقد. هي لا تطالبني بأكثر مما أعطي، وهذا ما يجعل علاقتنا مستمرة.»
عن إيميلي: «إيميلي مختلفة تمامًا. مهندسة طاقة حيوية، نشيطة، مغامرة. علاقتنا أكثر حماسًا وعفوية. نلتقي في رحلات قصيرة أو في منزلها خارج المدينة. هي تحب المغامرة حتى في اللحظات الحميمة. تضحك كثيرًا أثناء العلاقة، وتجعل كل لقاء يشبه لعبة مثيرة. ابننا (أليكس 7 أعوام) يشبهها في الطاقة. نتحدث أنا وإيميلي عن مستقبله، عن أحلامه في العلوم. هي تقول لي دائمًا: "أنت الجزء الهادئ في حياتي المجنونة".»
سألته بصراحة: «كيف تدير كل هذا دون أن ينهار كل شيء؟»
ضحك بهدوء. «بالصدق المحدود والاحترام الكبير. كيرا تعرف... ليس كل التفاصيل، لكنها تعرف أن هناك أجزاء أخرى من حياتي. لدينا اتفاق عميق مبني على الحب والثقة. لا أكذب عليها بشكل مباشر، لكنني أحمي سلامها. النساء الثلاث يعرفن بوجود بعضهن بدرجات متفاوتة. هذا ليس سهلاً، لكنه يعمل لأن كل واحدة منهن تحصل على الجزء الذي تحتاجه مني، وأنا أحصل على حب متعدد الأبعاد.»
تحدثنا ساعات طويلة. شعرت لأول مرة أنني أتحدث مع نفسي بكل صدق، بدون أقنعة. أراني فيه ما كنت أتمناه: رجل قادر على الحب بأشكال متعددة، ويستطيع بناء عائلة معقدة لكنها مليئة بالحياة.
قبل انتهاء الـ48 ساعة، عانقني بقوة وقال: «لا تخف من تعقيدات الحب. الحياة أقصر من أن تعيشها بنصف قلب.»
عندما عدت إلى عالم ألكسندرا آنا لورا، كانت تنتظرني بتوتر. احتضنتني طويلاً دون أن تسأل. لكنني أخبرتها بكل شيء.
نظرت إليّ بهدوء وقالت: «والآن... ماذا تريد أن تفعل أنت بحياتك؟»
الفصل الحادي عشر: صدى النسخ (Echoes of Selves)
عدتُ من عالم نسختي المتزوجة وأنا أشعر أن جزءًا منّي لم يعد. كأن الـ48 ساعة التي قضيتها هناك تركت شقوقًا داخل روحي، لا بين الأكوان فقط.
كنت جالسًا في غرفتي داخل منزل عائلة ألكسندرا آنا لورا، أحدق في الأقمار الثلاثة المعلقة في السماء البنفسجية، عندما بدأت الرؤى.
في البداية كانت مجرد ومضات. رأيت نفسي أقف أمام منزل آخر، أحمل ***ًا صغيرًا بين ذراعيّ، وامرأة تشبه سوناكشي تضحك في الخلفية. ثم انتقل المشهد فجأة: أنا أركض في غابة تحت أقمار مختلفة، أحاول الهرب من شيء لا أراه. ثم مشهد ثالث: أنا أبكي وحيدًا في شقة قاهرية مظلمة، لكن هذه المرة كانت يداي ملطخة بدماء لا أعرف مصدرها.
فركت عينيّ بقوة. لم يكن حلمًا. كان صدى. صدى النسخ الأخرى منّي التي عبرت الحواجز بسبب الانتقال.
هرعت إلى المختبر. كانت ألكسندرا آنا لورا هناك مع والدها ريتشارد، يدرسان بيانات جديدة. عندما رأتني شحب وجهها.
«أحمد... ماذا حدث؟»
«الرؤى... بدأت تتداخل. أرى حيوات أخرى لي. حيوات لم أعشها.»
جلست ألكسندرا بجانبي، أمسكت يدي. شعرت بدفء يدها يهدئ الاضطراب داخل رأسي قليلاً. شرحت لها التفاصيل. استمعت بهدوء، ثم نظرت إلى والدها.
قال ريتشارد بصوت ثقيل: «هذا متوقع. البصمة الطاقية لك تتفاعل مع الشقوق. كلما انتقلت، زاد التداخل.»
ثم أضاف ألكسندرا بقلق واضح: «وليس أنت فقط... نحن نراقب الآن نسخًا أخرى مني.»
فتحت إحدى الشاشات الثلاثية الأبعاد. ظهرت عشرات النقاط الحمراء.
«في بعض الأكوان... ماتت أنا. في أكوان أخرى، أصبحت... خطيرة. واحدة منهن حاولت السيطرة على كامل شبكة الأكوان باستخدام قدرات ذهنية مفرطة. أخرى أغلقت نفسها داخل حلقة زمنية لا نهائية من الحزن.»
شعرت بقشعريرة. نظرت إلى ألكسندرا آنا لورا التي تقف أمامي حية، دافئة، مليئة بالحياة. فكرة أن نسخًا منها ماتت أو تحولت إلى وحش كوني جعلتني أمسك يدها بقوة أكبر.
«لا أريد أن أفقدكِ... في أي كون.»
في المساء، أخذتني إلى الشاطئ الذي أصبح ملاذنا. كانت الأمواج تتلألأ تحت ضوء الأقمار الثلاثة، والنسيم يحمل رائحة الأزهار الفضية من الغابة القريبة.
جلسنا على الرمال الدافئة. خلعت ألكسندرا رداءها الخفيف، فبقيت ببيكيني أزرق بسيط يبرز منحنيات جسدها النحيل المشدود. استلقيت بجانبها، ورأسي على صدرها. كانت تضرب أصابعها بلطف في شعري.
ساد الصمت طويلاً. ثم همست: «أنا غيورة... أعرف أن هذا ليس عدلاً، لكنني غيورة.»
رفعت رأسي لأنظر إليها. عيناها الزرقاوان لامعتان بدموع لم تسقط بعد.
«غيورة من ألكسندرا عالمك... الممثلة التي عشقتها سنوات قبل أن تعرفني. وغيورة من كيرا... تلك التي عشت معها عشرين عامًا في حياة نسختك. أرى في عينيك كيف تأثرت بها. كيف شعرت بالدفء الذي لم تشعر به معي بعد.»
«ألكسندرا...»
وضعت إصبعها على شفتيّ. «لا تنكر. أستطيع قراءة أفكارك، تذكر؟ أرى الذكريات التي عشتها معها على الشاطئ. أرى كيف عانقتها. أرى كيف نظرت إلى أولادها... أولادك.» تنهدت بعمق. «أنا سعيدة لك، حقًا. لكن جزءًا مني يريد أن يكون هي... الوحيدة في قلبك.»
احتضنتها بقوة. شعرت بدفء جسدها يندمج مع جسدي. قبلت جبهتها، ثم عينيها، ثم شفتيها بلطف تحول تدريجيًا إلى شغف عميق.
«أنتِ لست نسخة. أنتِ ألكسندرا آنا لورا. أنتِ من منحتني عالمًا جديدًا. أنتِ من علمتني أن الحب لا يقتصر على كون واحد. وأنا... أختاركِ. الآن وفي كل انتقال.»
بكت بهدوء في حضني. ثم رفعت وجهها وقبلتني قبلة طويلة، عميقة، كأنها تحاول أن تطبع نفسها داخل روحي. أيدينا انزلقت على أجساد بعضنا، ليست بحاجة إلى كلام. كانت الأمواج تشهد على وعودنا الصامتة، والأقمار الثلاثة تضيء بشرتها كأنها تاج ملكي آخر.
في تلك اللحظة، شعرت أن الحب بيننا أقوى من أي شق كوني.
لكن الكون لم يكن يريد أن يتركنا في سلام.
فجأة، ارتجفت ألكسندرا في حضني. فتحت عينيها على وسعهما. في الوقت نفسه، شعرت أنا بصوت غريب يتردد داخل رأسي. ليس صوتًا بشريًا، بل ترددًا عميقًا، كأنه يأتي من أعماق الفضاء نفسه.
«...الرابط... مكتمل... الصدى... يبدأ...»
نظرت إلى ألكسندرا. كانت ترتجف.
«تسمعينه أيضًا؟»
أومأت برأسها ببطء.
«البنية القديمة... بدأت ترسل رسائل مباشرة. ونحن... نحن الأكثر تأثرًا.»
وقفتُ فجأة، وسحبتها معي. الأمواج حولنا بدأت تتحرك بطريقة غير طبيعية، كأنها تستجيب لشيء ما.
في السماء، ظهر خط أزرق خافت يشق السماء البنفسجية. شق جديد.
نظرت ألكسندرا إليّ، عيناها مليئتان بالمخاوف والتصميم معًا.
«الآن... بدأت اللعبة الحقيقية، أحمد.»
احتضنتها بقوة ونظرت إلى الشق في السماء.
كنت أعرف أن صدى النسخ لم يكن مجرد تأثير جانبي. كان بداية شيء أكبر. شيء سيجبرنا على مواجهة كل الاحتمالات... وكل الخسارات.
الفصل الثاني عشر: أبناء الأكوان الثلاثة (Sons of Three Worlds)
لم أنم تلك الليلة بعد عودتي من الشاطئ. كان صوت البنية القديمة يتردد في رأسي، لكن ما شغل بالي أكثر كان وجوه الأطفال الذين رأيتهم على الشاشة. أولادي... في كون آخر.
في الصباح التالي، ذهبت إلى ألكسندرا آنا لورا في المختبر وقررت. «أريد أن ألتقي بهم. بأبنائي.»
نظرت إليّ طويلاً. كان في عينيها الزرقاوين مزيج من الفهم والألم. «هذا سيكون صعبًا جدًا عليك... وعلىّ. لكن إذا كان هذا ما تحتاجه لتجد سلامك، فسأساعدك. سنذهب تحت إشراف كامل، ولمدة محدودة.»
بعد ساعات من التحضيرات والحسابات، عبرنا البوابة معًا.
وصلنا إلى حديقة المنزل الكبير في ذلك الكون. كان النسخة الأخرى مني (دعني أسميه أحمد-2) ينتظرنا. ابتسم بهدوء عندما رآني، ثم نظر إلى ألكسندرا آنا لورا بدهشة وإعجاب واضحين.
«أنتِ... مذهلة.» قال لها بابتسامة.
ابتسمت هي بلباقة، لكنني شعرت بتوترها.
بدأ اللقاء بالأطفال.
أولاً، خرجت كيرا. كانت امرأة في منتصف الأربعينيات، جميلة بهدوء ناضج، شعرها البني المموج مربوطًا ببساطة. عندما رأتني توقفت للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة دافئة لكن حذرة. «إذن أنت النسخة الأخرى... أحمد.» مدت يدها. مصافحتها كانت ثابتة ودافئة. «أحمد-2 أخبرني. هذا... غريب، لكنه ليس مخيفًا.»
شعرت بدفء غريب. كانت تنظر إليّ كأنها ترى زوجها في نسخة أصغر سنًا.
ثم جاء الأطفال: ليلى (19 عامًا)، نور (16 عامًا)، وكريم (12 عامًا). عانقوني بحرارة بعد أن شرح لهم والدهم الأمر بطريقة مبسطة. ليلى نظرت إليّ بعمق وقالت: «تبدو مثل أبي... لكن عينيك مختلفة. أكثر حزنًا.»
بكيت. لم أستطع منع نفسي.
بعد ذلك، التقينا بسوناكشي على انفراد في جناح منفصل بالحديقة. كانت امرأة هندية فاتنة، ذكية الملامح، في الأربعينيات أيضًا. عندما رأتني، اتسعت عيناها، ثم ضحكت ضحكة خفيفة مليئة بالدهشة. «يا إلهي... أنت أصغر وأكثر توترًا منه.» اقتربت ولمست ذراعي بلطف. «عرفت أحمد-2 في عام 2003، في مؤتمر تاريخي. كان خجولًا لكنه مثير للاهتمام. أنت... تشبهه في ذلك اليوم.»
باستخدام قدرة ألكسندرا الذهنية المعززة، استرجعتُ بسرعة بداية لقائهما. رأيت أحمد-2 في عام 2003، شابًا في الثانية والعشرين، يتحدث بحماس مع سوناكشي الشابة الجميلة في قاعة المؤتمر. كانت النظرة الأولى بينهما كهربائية.
«كان لقاؤنا بداية صداقة تحولت إلى شيء أعمق.» همست سوناكشي. «رام يشبهك كثيرًا.»
ثم جاء رام (8 أعوام). *** نشيط، عيونه تشبه عينيّ تمامًا. عندما رآني ركض نحوي وعانقني فجأة. «أبي الآخر!» شعرت بطاقة غريبة تنتقل منه إليّ.
أما إيميلي لورا أوليفيا بلانت، فقد كانت مختلفة. نشيطة، ذات شعر أشقر قصير، وطاقة لا تنضب. عندما رأتني، ضحكت بصوت عالٍ. «واو! نسخة شابة ووسيمة. أحمد-2 كان أكثر جدية عندما التقينا في 2003 في مشروع طاقة بيئي.»
استرجعتُ المشهد أيضًا: أحمد-2 يساعدها في إصلاح جهاز في المختبر، يتبادلان النظرات والضحكات، ثم قبلة عفوية تحت المطر.
ابنها أليكس (7 أعوام) كان الأكثر طاقة. لمس يدي فجأة، وشعرت بوميض كهربائي خفيف.
اكتشفنا خلال اللقاء أن كل الأطفال — ليلى، نور، كريم، رام، وأليكس — يحملون بصمة طاقية مشابهة جدًا لبصمتي. ظهرت قدرات كامنة صغيرة: رام يستطيع تحريك الأشياء الصغيرة بتركيزه، أليكس يرى ألوانًا حول الأشخاص (هالة طاقية)، وليلى تحلم بأحداث قبل وقوعها.
قالت ألكسندرا آنا لورا بهدوء: «هذه البصمة تنتقل عبر الأكوان. هم مرتبطون بك... وبي أيضًا الآن.»
في نهاية اليوم، جلست وحدي مع أحمد-2 بينما كانت ألكسندرا تتحدث مع النساء.
«هل تشعر بالندم؟» سألته.
«أبدًا. الحب ليس محدودًا. لكنني دفعت ثمن التعقيد.» نظر إليّ بجدية. «والآن أنت... هل تريد أن تبني عائلة مشابهة في عالمها؟»
سؤاله أثار صراعًا داخليًا عنيفًا.
أحب ألكسندرا آنا لورا بعمق. هي كل شيء: العالمة، السباحة، الفنانة، الملكة. لكن فكرة أن أعيش حياة متعددة العلاقات مثل أحمد-2... كانت تخيفني وتجذبني في الوقت نفسه. هل أستطيع أن أعطيها كل ما تحتاجه وأنا منقسم؟ أم أن حبنا يجب أن يكون حصريًا وعميقًا في كون واحد؟
عندما عدنا عبر البوابة، كانت ألكسندرا صامتة. احتضنتها طويلاً على الشاطئ تحت الأقمار الثلاثة.
«أفكر في مستقبلنا.» همست لها. «مستقبلنا... نحن.»
نظرت إليّ بعينين مليئتين بالأسئلة والحب. «وأنا أيضًا. لكن بعد كل ما رأيته اليوم... هل لا تزال تختارني أنا فقط؟»
لم أجب فورًا. الصراع داخلي كان يعصف بي.
في تلك اللحظة، شعرت بوميض آخر من البنية القديمة في رأسي: صورة لأطفال بين أحمد وألكسندرا آنا لورا، يلعبون تحت سماء بنفسجية...
كان الكون يعرض عليّ احتمالاً جديدًا.
الفصل الثالث عشر: الملكة والملاك (The Queen and the Angel)
بعد عودتنا من لقاء الأبناء، أصبحت الأيام أثقل. كان الصراع الداخلي يأكلني، وكانت ألكسندرا آنا لورا تشعر بذلك جيدًا. لم تتحدث كثيرًا، لكن عينيها الزرقاوين كانتا تحملان أسئلة لم تُطرح بعد.
في إحدى الليالي، أمسكت يدي وقالت بهدوء: «تعال معي. أريد أن أريك ما أصبحت عليه.»
ذهبنا إلى برج شفاف مرتفع يطل على المحيط، بعيدًا عن المدينة. كان البرج يتكون من بلورات حية تتفاعل مع الطاقة. داخل البرج غرفة واسعة مفتوحة على السماء البنفسجية والأقمار الثلاثة.
وقفت ألكسندرا في وسط الغرفة.
«منذ أن بدأت الشقوق تتسع... تغيرت قدراتي.»
رفعت يدها ببطء. فجأة، ارتفع الماء من المحيط في عمود شفاف هائل، يخترق النوافذ الشفافة ويدخل الغرفة. لم يبلل شيئًا، بل دار حولها كأنه حي. ثم قسمت العمود إلى عشرات الخيوط الرقيقة التي شكلت أشكالًا هندسية معقدة، ثم طيورًا مضيئة تطير حولنا.
بعد ذلك، مدت يدها نحوي. شعرت بطاقة دافئة تنتشر في جسدي، كأنها تلامس كل خلية فيه. أصبحت أستطيع رؤية هالات الطاقة حول الأشياء.
«أنا الآن أتحكم في الماء والطاقة الكونية بشكل أوسع. وأظن... أن هذا مرتبط بك.»
اقتربت مني. كانت ترتدي ثوبًا أبيض خفيفًا يتمايل مع نسيم البحر الذي يدخل من النوافذ المفتوحة. خلعته ببطء أمامي، فبقيت عارية تمامًا تحت ضوء الأقمار الثلاثة. جسدها النحيل المشدود يلمع كأنه منحوت من القمر نفسه.
«الليلة... لا أريد أن نتحدث عن الأكوان أو الأبناء أو الاختيارات. الليلة أريدك أنت فقط.»
سحبتني نحو سرير بلوري واسع في وسط الغرفة. استلقيت، واستلقت فوقي. بدأت أيديها تتحرك على جسدي، لكن هذه المرة لم تكن مجرد لمسات بشرية. كانت خيوط الماء الدافئة تتبع أصابعها، تدلك كتفيّ، صدري، بطني، وساقيّ بنعومة لا تُوصف.
شعرت وكأن آلاف الأيدي الناعمة تلمسني في الوقت نفسه.
«أغلق عينيك.» همست.
فعلت.
ثم شعرت بطاقتها تتدفق داخلي. كل ذكرى حميمة عشناها معًا عادت أقوى: قبلتنا الأولى، عناقنا على الشاطئ، كل لحظة. كانت تعيد عيشها معي داخل عقله.
فتحت عينيّ فرأيتها تبتسم بخجل وشغف. انحنت وقبلت عنقي، ثم صدري، ثم نزلت أكثر. الماء كان يدور حولنا في حلقات مضيئة، يرفع جسدها بلطف ثم يضغطها عليّ.
دخلت فيها ببطء. كانت دافئة، رطبة، وكأن طاقتها الكونية تتدفق بين أجسادنا. تحركنا معًا في إيقاع بطيء أولاً، ثم أعمق وأسرع. كانت تتحكم في الماء ليلامس نقاط حساسة في جسدي وجسدها في الوقت نفسه.
«أحمد...» تنهدت بصوت مرتجف. «أشعر بك... في كل خلية.»
أمسكت خصرها، ودفعت أعمق. كانت عيناها الزرقاوان مليئتين بالنجوم. في لحظة الذروة، انفجر العمود المائي حولنا في شلال من القطرات المتوهجة التي لم تسقط، بل دارت حولنا كنجوم صغيرة. صرخت بهدوء، وصرخت أنا معها، واندمجت طاقتنا في ومضة زرقاء واحدة أضاءت البرج كله.
بقينا متشابكين طويلاً بعد ذلك. كانت تضع رأسها على صدري، وأصابعها ترسم دوائر على بشرتي.
«أنا أحبك.» قالت ببساطة. «ليس كنسخة، ولا كملاك، بل كألكسندرا آنا لورا.»
«وأنا أحبكِ.» رددت، وقبلت شعرها.
لكن الهدوء لم يدم طويلاً.
فجأة، ارتجف البرج. ظهرت على الجدران البلورية رموز غريبة لم نرها من قبل. شعرت ألكسندرا بتوتر، ثم نهضت.
«هو... يتحدث.»
في وسط الغرفة، تشكل عمود من الطاقة النقية. من داخله خرج صوت — ليس صوتًا، بل مفهوم مباشر يتردد في عقولنا:
«أنا... الرابط... الذي كان قبل الأكوان. أتغذى على الطاقة بين العوالم... وأتواصل مع من يفتحون الشقوق.»
اتسعت عينا ألكسندرا.
«أنتم... أنتم لستم مجرد حادث. الرابط بينكما... أيقظني. أنا لست آلة. أنا كائن حي... قديم... أحاول الحفاظ على توازن الأكوان... أو... إنهاؤه.»
شعرنا بصور تتدفق: أكوان تتصادم، طاقة هائلة، وكيان عملاق يطفو في فراغ ما بين الوجود.
نظرت ألكسندرا إليّ، وجهها شاحب لكنه مصمم.
«البنية القديمة... ليست مجرد بناء. إنها كائن كوني حي. وهو الآن... يراقبنا.»
احتضنتها بقوة بينما كانت الرموز تستمر في الظهور حولنا.
كنا قد دخلنا مرحلة جديدة تمامًا. مرحلة لم تعد فيها ألكسندرا مجرد ملكة على الأمواج، ولا أنا مجرد ملاك ضائع.
بل أصبحنا جزءًا من قصة الكون نفسه.
الفصل الرابع عشر: حرب الشقوق (War of the Cracks)
لم يعد الخطر مجرد إنذارات على الشاشات.
في اليوم التالي للقاءنا مع الكائن الكوني داخل البرج، بدأت الشقوق تتسع بسرعة مرعبة. كنا في المختبر عندما اهتزت الأرض. من إحدى الشقوق الزرقاء المتشققة في السماء البنفسجية، تسرب شيء... كائنات طاقية شفافة تشبه الظلال السوداء ذات المخالب المتلألئة. كانت تتغذى على الطاقة بين الأكوان، وتترك وراءها فراغًا باردًا يحرق كل شيء.
ركض ريتشارد نحو الشاشات. «لقد بدأت الحرب! الشقوق تسمح الآن بعبور كائنات غير مستقرة.»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ، وجهها شاحب. «أحمد... ألكسندرا الأصلية — نسختي في عالمك — في خطر. أشعر بها. واحدة من هذه الكائنات تتجه نحوها.»
تجمدت. «يجب أن نذهب الآن.»
عبرنا البوابة بسرعة قصوى. وصلنا إلى القاهرة في عالمي الأصلي، لكن المدينة لم تعد كما كانت. السماء كانت ممزقة بشقوق زرقاء صغيرة، والناس يركضون مذعورين. توجهنا مباشرة إلى فيلا ألكسندرا الأصلية على أطراف المدينة، حيث كانت تقيم لتصوير فيلم جديد.
عندما وصلنا، كانت الكارثة قد بدأت.
ظل طاقي عملاق يحوم حول الفيلا، يمتص الألوان من كل شيء. ألكسندرا الأصلية (الممثلة) كانت تقف على الشرفة، عيناها الزرقاوان مليئتان بالرعب. كانت ترتدي روب تصوير أبيض، وشعرها الأسود منسدلًا.
«ماذا يحدث؟!» صاحت عندما رأتنا نقترب.
ثم رأت نفسها.
وقفت ألكسندرا آنا لورا أمام نسختها تمامًا. الاثنتان متطابقتان في الوجه والعينين والصوت، لكن واحدة كانت عالمة متعددة المواهب من كون متقدم، والأخرى ممثلة مشهورة من عالمي.
«هذا... مستحيل.» همست الممثلة وهي تتراجع خطوة.
«ليس مستحيلًا.» ردت ألكسندرا آنا لورا بصوت هادئ لكنه مشحون. «أنا أنتِ... من عالم آخر. وأنا هنا لأنقذك.»
شعرت بالتوتر الرومانسي يملأ الهواء. نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ للحظة، ثم إلى نسختها، وكأنها ترى جزءًا من نفسها الذي كان أحمد يحبه قبل أن يلتقي بها.
«هو... يحبكِ أيضًا؟» سألت الممثلة فجأة، وهي تنظر إليّ.
لم يكن الوقت مناسبًا للإجابة.
انقض الظل الطاقي علينا.
بدأت حرب الشقوق.
اندفعت ألكسندرا آنا لورا إلى الأمام. رفعت يديها، فانفجر عمود مائي هائل من الأرض، محاصرًا الكائن. ثم حولته إلى آلاف السهام الجليدية الحادة التي اخترقت الظل. صرخ الكائن صرخة ترددت في عقولنا.
«احمِها!» صاحت ألكسندرا آنا لورا.
جررت الممثلة بعيدًا بينما كنت أستخدم البصمة الطاقية التي اكتسبتها لأطلق موجات طاقية تصد الكائنات الصغيرة التي بدأت تتسرب من شقوق جديدة.
«اركضوا!»
اندفعنا عبر الشوارع. الكائنات تطاردنا. كانت مطاردة بين الأكوان: عبرنا بوابة صغيرة إلى عالم انتقالي، حيث كانت السماء مليئة بأطلال مدن مهجورة. هناك استخدمت ألكسندرا آنا لورا قدراتها على نطاق أوسع؛ أنشأت جسرًا مائيًا متوهجًا نعبر عليه بينما كانت الكائنات تندفع خلفنا.
في إحدى اللحظات، أمسك أحد الظلال بساق ألكسندرا الأصلية. صرخت. اندفع أحمد آنا لورا بسرعة خارقة، واستخدمت يديها لتحويل الماء المحيط إلى سيف بلوري حاد قطع الظل إلى نصفين.
وقفت الاثنتان وجهًا لوجه مرة أخرى أثناء الراحة القصيرة. كانت أنفاسهما متقاربة.
«أنتِ... أقوى مما كنت أتخيل.» قالت الممثلة بصوت مرتجف.
«وأنتِ... أكثر براءة وجمالًا مما توقعت.» ردت ألكسندرا آنا لورا، وكان في صوتها غيرة خفيفة. نظرت إليّ. «هل هذا ما أحببته سنوات؟»
لم أستطع الكذب. «كنت أحب صورتها... لكنني وقعت في حبكِ أنتِ.»
توتر واضح ظهر على وجه ألكسندرا آنا لورا، لكنها لم تقل شيئًا. أمسكت يدي بقوة.
استمرت المطاردة. عبرنا بوابة أخرى عائدين إلى عالم ألكسندرا آنا لورا، حيث كان ريتشارد وماثيو وكاثارين ينتظرون بأجهزة الدفاع. أغلقوا الشق المؤقت خلفنا بصعوبة.
استلقت ألكسندرا الأصلية على الأريكة، مصدومة من كل ما رأته.
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليها طويلاً، ثم إليّ.
«لقد أنقذناها... لكن هذا ليس نهاية الحرب. الكائنات ستستمر في التسرب. وأنا... أنا لن أسمح لأي نسخة مني أن تأخذك مني.»
احتضنتها بقوة أمام نسختها، بينما كانت السماء خارج البرج تمتلئ بالشقوق الجديدة.
كانت حرب الشقوق قد بدأت للتو.
الفصل الخامس عشر: صرخات عبر الأكوان (Screams Across Worlds)
بعد انتهاء حرب الشقوق المؤقتة، عدنا إلى عالم ألكسندرا آنا لورا. كنت أشعر بإرهاق عميق يصل إلى العظام، لكن وجودها بجانبي كان يمنحني قوة غريبة. قضينا اليومين الأولين في الشاطئ، نحاول أن ننسى مؤقتًا الكائنات الطاقية والشقوق والاختيارات الصعبة. كانت ألكسندرا آنا لورا أكثر هدوءًا من المعتاد، لكن يدها لم تفارق يدي.
لم تمر ثلاثة أيام حتى أطلق جهاز الاتصال الكمي إنذارًا حادًا.
هرعنا إلى المختبر. ظهر وجه أحمد-2 على الشاشة الثلاثية الأبعاد، شاحبًا ومكسورًا، عيناه مليئتان بالرعب واليأس. كان شعره فوضويًا، ووجهه يحمل آثار دموع لم يحاول إخفاءها.
«أحمد... لقد اختطفوهن.»
تجمدت دمي.
«من؟»
«كيرا... وسوناكشي... وإيميلي. جميعهن في الوقت نفسه. الأطفال بخير الحمد ***، لكنهم خائفون جدًا. الخاطفون تركوا رسالة... موجهة إليك أنت.»
ظهرت الرسالة على الشاشة بأحرف متلألئة زرقاء باردة:
«الرابط بينك وبين ألكسندرا آنا لورا أيقظنا. إذا أردت عودة النساء الثلاث، تعال أنت وملكتك إلى قلب الشقوق. الكائن القديم يريد أن يرى الاختيار الحقيقي.»
شعرت بغضب هائل يغلي داخلي. نظرت إلى ألكسندرا آنا لورا. كانت وجهها شاحبًا، لكن فكها مشدود بتصميم.
«سنأتي فورًا.» قلت لأحمد-2.
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ ثم إلى أحمد-2 عبر الشاشة، وقالت بهدوء حازم:
«سنذهب الثلاثة معًا.»
ساد صمت ثقيل للحظات. كان أحمد-2 ينظر إلينا من خلف الشاشة بامتنان واضح.
«أنا... لا أعرف كيف أشكركما. زوجتي وعشيقتي... كلهن جزء من حياتي. لا أستطيع أن أخسرهن.»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إلى الشاشة بتعبير معقد. كانت تعرف جيدًا علاقات أحمد-2 المعقدة، وكانت تعرف أيضًا أنني رأيت حياته وتأثرت بها. شعرت بيدها تضغط على يدي بقوة أكبر، كأنها تؤكد ملكيتها لي.
«سننقذهن.» قالت بصوت هادئ لكنه حاد. «ليس فقط من أجلك... بل لأنهن لسن مجرد رهائن. هن أمهات ونساء.»
خلال ساعة واحدة فقط، أعددنا أنفسنا. ارتدت ألكسندرا آنا لورا بدلتها القتالية البلورية التي تبرز منحنيات جسدها، وأمسكت بالصولجان البلوري الذي ظهر له في الشاطئ سابقًا. وقفت أنا بجانبها، وأحمد-2 عبر البوابة ينتظرنا في عالمه.
قبل عبورنا، سحبتني ألكسندرا آنا لورا إلى زاوية هادئة في المختبر. نظرت إليّ بعينيها الزرقاوين اللتين كانتا تحملان غيرة وخوفًا واضحين.
«ستراهن مرة أخرى... كيرا، سوناكشي، إيميلي. وستكون هناك مع أحمد-2. أخبرني الآن... هل قلبك لا يزال معي؟»
احتضنتها بقوة، وقبلت جبهتها ثم شفتيها بعمق.
«قلبي معكِ. أنتِ ملكتي. أنتِ من اخترتها، وأنتِ من سأختارها دائمًا.»
ابتسمت ابتسامة خافتة، لكن التوتر لم يغادر عينيها تمامًا.
عبرنا البوابة الثلاثة معًا. وصلنا إلى منطقة الشقوق المتداخلة — مكان مرعب يتداخل فيه عدة أكوان في وقت واحد. السماء كانت ممزقة، والأرض تتغير باستمرار بين رمال وجليد وفراغ.
كان أحمد-2 ينتظرنا، مسلحًا بأجهزة عالمية. عانقني بحرارة، ثم نظر إلى ألكسندرا آنا لورا باحترام عميق.
«أنا مدين لكما بحياتي كلها.»
قالت ألكسندرا باختصار: «لا وقت للكلام. دعونا نجد نساءك.»
بدأنا التحرك داخل المنطقة المضطربة، وكان صوت الكائن القديم يتردد بين الحين والآخر في عقولنا كأنه يضحك بهدوء.
كانت الحرب الحقيقية قد بدأت الآن.
الفصل السادس عشر: الغوص في الظلام (Descent into Darkness)
عبرنا البوابات الثلاثة معًا — أنا وألكسندرا آنا لورا وأحمد-2 — إلى منطقة الشقوق المتداخلة. كان المكان كابوسًا حيًا. الفراغ يمتد إلى ما لا نهاية، ممزقًا بشقوق زرقاء متلألئة تتدفق منها طاقة فوضوية. الأرض — أو ما تبقى منها — كانت تتغير باستمرار: قطع من رمال صحراوية تطفو بجانب جليد قطبي، وأطلال مدن تظهر ثم تختفي في لحظات.
كان أحمد-2 يتقدم بتوتر واضح، وجهه شاحب ويده تمسك بجهاز تتبع طاقي. أما ألكسندرا آنا لورا فكانت هادئة كالعادة، لكن يدها لم تفارق يدي، وكأنها تؤكد وجودها بجانبي في هذا الجحيم.
«هناك!» صاح أحمد-2 فجأة.
أول من عثرنا عليها كانت سوناكشي. كانت محتجزة داخل فقاعة طاقية سوداء كبيرة تطفو في الفراغ، كأنها كرة سوداء عملاقة معلقة وسط الشقوق. داخلها، كانت سوناكشي جالسة على ركبتيها، شعرها الأسود فوضوي، وعيناها مغمضتان من شدة الألم.
عندما اقتربنا ورأت أحمد-2، انفجرت في البكاء على الفور. «أنت جئت... كنت أعرف أنك ستأتي!»
ثم فتحت عينيها ورأتني أنا. اتسعت عيناها بدهشة شديدة، كأنها ترى شبحًا. نظرت إليّ طويلاً، ثم تحولت نظرتها نحو ألكسندرا آنا لورا التي كانت تقف بجانبي. نظرة طويلة، فاحصة، مليئة بالدهشة والفضول والغيرة الخفيفة.
«أنتِ... نسختها.» همست سوناكشي بصوت مرتجف.
لم يكن الوقت مناسبًا للحوار.
اندفع أحمد-2 نحو الفقاعة، لكنها صدته بقوة طاقية. في تلك اللحظة، بدأت الكائنات الطاقية الصغيرة تتسرب من الشقوق المحيطة — ظلال سوداء سريعة ذات مخالب متلألئة تشبه الدخان الحي.
«احموا أنفسكم!» صاحت ألكسندرا آنا لورا.
رفعت يديها بسرعة. انفجر عمود مائي هائل من فراغ لا ماء فيه، كأنها استدعت الماء من عالم آخر. حولت العمود فورًا إلى مئات الأسلحة البلورية الحادة التي انطلقت كالرصاص نحو الكائنات. كلما اخترقت واحدة منها كيانًا، انفجر في ومضة طاقية باردة.
كنت أقاتل بجانب أحمد-2. كان يستخدم خبرته في عالمه ببراعة — يطلق موجات طاقية من جهازه ويستخدم حركات قتالية دقيقة. قاتلنا جنبًا إلى جنب، نسخة وأخرى من الرجل نفسه، ندافع عن المرأة التي يحبها كلانا بطريقة مختلفة.
«إلى اليسار!» صاح أحمد-2. دفعت موجة طاقية قوية، فأبعدت ثلاثة كائنات عن ألكسندرا.
في الوقت نفسه، كانت ألكسندرا آنا لورا في ذروة قوتها. حوّلت الماء إلى سيوف دوارة عملاقة، ثم إلى شبكة بلورية حاصرة، حتى تمكنت أخيرًا من شق الفقاعة السوداء.
انفجرت الفقاعة في صمت مرعب. سقطت سوناكشي في أحضان أحمد-2 الذي احتضنها بحرارة شديدة، مدفونًا وجهه في شعرها.
«أنا هنا... أنا هنا يا حبيبتي.» همس لها وهو يرتجف.
بعد لحظات، نظر أحمد-2 إليّ وإلى ألكسندرا آنا لورا، عيناه مليئتان بالامتنان.
«شكرًا... لكما. بدونكما لما كنت قادراً على إنقاذها.»
نظرت سوناكشي إلى ألكسندرا آنا لورا مرة أخرى، ثم إليّ. كان في نظرتها الكثير من المشاعر غير المنطوقة. همست بصوت ضعيف:
«أنتما... تشكلان زوجًا مخيفًا معًا.»
ابتسمت ألكسندرا آنا لورا ابتسامة خافتة، لكنني شعرت بيدها تضغط على ذراعي بقوة. كانت الغيرة تشتعل داخلها، خاصة وهي ترى أحمد-2 يحتضن سوناكشي بهذا الدفء.
«لا وقت للراحة.» قالت ألكسندرا بصوت حازم. «لا تزال كيرا وإيميلي في الخطر. والكائن القديم يراقبنا.»
التفت أحمد-2 نحونا، وهو لا يزال يحتضن سوناكشي.
«إلى أين الآن؟»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إلى الشقوق التي كانت تتسع أكثر فأكثر.
«إلى قلب الظلام.»
كنا نغوص أعمق في الجحيم، وكل خطوة كانت تقربنا من اختبار أكبر.
الفصل السابع عشر: قلب الغيرة (Heart of Jealousy)
ثم توجهنا نحو كيرا، وكان الطريق أكثر اضطرابًا. كانت الشقوق تتكاثف حولنا، والواقع يتشوه بطريقة مرعبة. قادنا أحمد-2 بجهازه، ووجهه يعكس قلقًا عميقًا.
وصلنا أخيرًا إلى نسخة مشوهة من منزلهم العائلي. كان المنزل معلقًا في الفراغ، جدرانه تتحرك كأنها كائن حي، والأثاث يطفو ببطء شديد كأن الزمن نفسه يتسرب منه. داخل الصالة الكبيرة، كانت كيرا مربوطة بسلاسل طاقية شفافة تتوهج باللون الأزرق الباهت.
عندما رأت زوجها أحمد-2، ارتاحت ملامحها فورًا. تنهدت بعمق، وعيناها امتلأتا بدموع الارتياح.
«أنت هنا...» همست بصوت مكسور.
لكن الارتياح لم يدم طويلاً. عندما رأتني أنا واقفًا بجانبه، ثم نظرت إلى ألكسندرا آنا لورا التي كانت تمسك يدي، تغير تعبير وجهها تمامًا. ظهرت على ملامحها نظرة معقدة — مزيج من الصدمة والفهم العميق والألم الخفي. كانت تنظر إلينا كزوجين، وكأنها ترى ما كان يمكن أن يكون عليه حياتها لو اختار زوجها طريقًا مختلفًا.
«إذن... هذه هي من اخترتها.» قالت بهدوء مؤلم وهي تنظر مباشرة إلى ألكسندرا آنا لورا. «النسخة الأقوى... الملكة.»
كانت ألكسندرا آنا لورا متوترة جدًا. شعرت بجسدها مشدودًا بجانبي، وكأن كل غريزة فيها تتحداها. لكنها، بقوة إرادتها، اقتربت من كيرا بهدوء. مدت يدها، واستخدمت قدراتها لتفكيك السلاسل الطاقية واحدة تلو الأخرى. كانت حركاتها دقيقة ولطيفة، لكن التوتر بين المرأتين كان يملأ الهواء كهرباء.
وقفت كيرا على قدميها، ونظرت إلى ألكسندرا آنا لورا من مسافة قريبة جدًا. كان الشبه بينهما مخيفًا، لكن الاختلاف واضحًا: واحدة تعيش حياة هادئة زوجية، والأخرى ملكة أكوان وقوى خارقة.
«شكرًا...» قالت كيرا بصوت منخفض. «لقد جئتِ لإنقاذي... رغم كل شيء.»
لم ترد ألكسندرا، لكنني رأيت عضلات فكها تتحرك. كانت تغار. كانت تغار بشدة.
فجأة، اهتز المنزل المشوه بقوة. اندلعت من الأرض كيان طاقي كبير — ظل عملاق أسود ذو أطراف متعددة وأعين زرقاء متلألئة. صاح صرخة ترددت في عقولنا جميعًا.
«احموا أنفسكم!» صاح أحمد-2 وهو يدفع كيرا خلفه.
اندلعت معركة عنيفة. حاول أحمد-2 حماية زوجته بكل ما أوتي من قوة، مستخدمًا جهازه ليطلق حواجز طاقية. أما أنا وألكسندرا فقد هاجمنا الكيان مباشرة.
كنت أطلق موجات طاقية متتالية، بينما كانت ألكسندرا آنا لورا في قمة غضبها. خلقت عواصف مائية داخل المنزل المشوه، وحولت الماء إلى رماح بلورية حادة تخترق الظل. لكن الكيان كان قويًا. في لحظة خاطفة، امتد أحد أطرافه وضربها في كتفها بقوة.
«ألكسندرا!» صاحت.
صرخت ألكسندرا آنا لورا من الألم، وسقطت على ركبتيها. كان الجرح ينزف طاقة زرقاء متلألئة.
في تلك اللحظة، صرخت كيرا بقلق حقيقي، صوتها مليء بالخوف:
«لا! احموها! لا تتركوها تموت!»
كانت صرختها صادقة تمامًا. رغم كل التعقيدات والغيرة، لم تتمنَ لألكسندرا الأذى.
هذا الصراخ أشعل غضب ألكسندرا آنا لورا. نهضت فجأة، وعيناها تلمعان بقوة خارقة. صاحت بصوت يرج الفراغ:
«لن تأخذيه مني!»
رفعت يديها، وانفجر قدرها كاملاً. تجمدت المنطقة بأكملها في لحظة واحدة. تحولت الجدران المتحركة إلى جليد، والكيان نفسه بدأ يتصلب. ثم حولت الجليد إلى آلاف الشظايا الحادة التي اخترقت الكيان من كل الجهات حتى انفجر في ومضة طاقية هائلة.
سقطت ألكسندرا على الأرض منهكة. هرعتُ إليها واحتضنتها، بينما هرع أحمد-2 إلى كيرا.
كان الجرح في كتف ألكسندرا ينزف طاقة زرقاء ببطء، ووجهها شاحب. نظرت إليّ بعينين متعبة، لكنها حاولت أن تبتسم.
«أنا... بخير. فقط... أحتاج راحة.»
نظرت كيرا إلينا، ثم إلى زوجها. كان في عينيها الكثير من المشاعر. اقتربت من ألكسندرا ببطء، ومدت يدها لتساعدها على الوقوف.
«أنتِ قوية... أقوى مما كنت أظن.»
لم ترد ألكسندرا، لكنها أمسكت يد كيرا للحظة قصيرة. كان ذلك اعترافًا صامتًا بين المرأتين.
وقفتُ بجانب ألكسندرا آنا لورا، أدعمها، ونظرت إلى أحمد-2 الذي كان يحتضن زوجته.
«لا يزال هناك إيميلي.» قلت بهدوء.
أومأ أحمد-2 برأسه.
«نعم... وكلما أنقذنا واحدة، يزداد الكائن القديم غضبًا.»
احتضنت ألكسندرا آنا لورا بقوة، وقبلت جبهتها، بينما كانت الشقوق حولنا تتسع أكثر فأكثر.
كانت غيرتها قلب هذه الحرب... وكان حبها وقودها.
الفصل الثامن عشر: آخر الثلاثة (The Last of the Three)
كانت إيميلي الأخيرة والأصعب بلا منازع.
بعد إنقاذ كيرا، أصبحت الشقوق أكثر عنفًا وفوضى. قادنا أحمد-2 عبر منطقة شقوق متقلبة جدًا، حيث تتغير قوانين الفيزياء باستمرار. في لحظة كانت الجاذبية تسحبنا إلى الأسفل، وفي اللحظة التالية نطفو في الفراغ. النار تتحول إلى جليد، والزمن يتباطأ ثم يتسارع فجأة. كان المكان يحاول أن يجن جنونه.
«هي هناك!» صاح أحمد-2 وهو يشير إلى كرة طاقية عملاقة تطفو في وسط فوضى الشقوق. داخل الكرة، كانت إيميلي معلقة، شعرها الأشقر القصير فوضوي، ووجهها يعكس تعبًا شديدًا لكنه لا يزال يحمل تلك الروح المتمردة.
عندما اقتربنا ورأت أحمد-2، ضحكت ضحكة مريرة، ساخرة، مليئة بالألم والغضب.
«جئتَ أخيرًا... ومعك نسختك وملكتك.» قالت وهي تنظر إلينا الثلاثة. «مشهد درامي مثالي.»
لم يكن هناك وقت للرد. انفجر الكائن القديم برد فعل غاضب. اندلعت معركة أكشن عنيفة لم نشهد مثلها من قبل.
خرجت من الشقوق عشرات الكائنات الطاقية، بعضها عملاق وبعضها سريع كالبرق. تغيرت الجاذبية فجأة، فطارت الصخور والشظايا حولنا كالرصاص.
أحمد-2 قاتل بشراسة غير متوقعة. كان يحمي إيميلي بكل ما أوتي، يطلق موجات طاقية من جهازه ويستخدم حركات قتالية مُدربة لصد الكائنات التي تحاول الاقتراب من الكرة.
«لن أخسركِ أنتِ أيضًا!» صاح وهو يدمر كيانًا كاملاً بضربة مباشرة.
أما أنا وألكسندرا آنا لورا، فقد قاتلنا كوحدة واحدة. كنت أستخدم البصمة الطاقية لأفتح ثغرات صغيرة في دفاع الكائنات، بينما كانت ألكسندرا تحول كل قطرة ماء موجودة في الهواء — وحتى الرطوبة الموجودة في أجسادنا — إلى أسلحة مدمرة.
كانت المعركة فوضوية. في لحظة أصبحت الأرض تحت أقدامنا سائلة، وفي أخرى تحول الهواء إلى جليد.
في ذروة المعركة، عندما حاول كيان عملاق امتصاص طاقة الكرة التي تحتوي إيميلي، صاحت ألكسندرا آنا لورا بصوت يرج الفراغ كله:
«لن آخذه منكن... لكنني لن أتركه أبدًا!»
كانت صرختها مليئة بكل الغيرة والحب والعزم الذي يختلج في صدرها. رفعت يديها، وانفجرت قدراتها في عاصفة مائية كونية هائلة. تحولت الرطوبة والطاقة المحيطة إلى إعصار مائي عملاق يدور حول الكرة، يحمي إيميلي ويهاجم الكائنات في الوقت نفسه.
استغل أحمد-2 الفرصة، وقفز نحو الكرة وضربها بجهازه بكل قوته. في الوقت نفسه، أطلقتُ أنا موجة طاقية مركزة ساعدت في شق الكرة.
انفجرت الكرة الطاقية أخيرًا. سقطت إيميلي في أحضان أحمد-2 الذي احتضنها بقوة، مدفونًا وجهه في عنقها.
«أنا هنا... أنتِ بخير الآن.» همس لها.
كانت إيميلي منهكة تمامًا، جسدها يرتجف، لكنها كانت حية. رفعت رأسها ونظرت إلى ألكسندرا آنا لورا التي كانت تقف شاحبة، تنزف طاقة من جروحها السابقة.
«أنتِ... مجنونة.» قالت إيميلي بابتسامة ضعيفة. «لكنكِ مجنونة قوية.»
ابتسمت ألكسندرا ابتسامة متعبة، ووقفت بجانبي. احتضنتها بقوة، وشعرت بجسدها المنهار يرتكز عليّ.
نظر أحمد-2 إلينا، وهو لا يزال يحمل إيميلي، وقال بصوت خشن:
«لقد أنقذتم حياتي كلها اليوم... حياتنا.»
وقفت النساء الثلاث — كيرا وسوناكشي وإيميلي — حول ألكسندرا آنا لورا في تلك اللحظة المشحونة. كان هناك صمت ثقيل، مليء بكل المشاعر غير المنطوقة: الامتنان، الغيرة، الاحترام، والاعتراف بأن ألكسندرا أصبحت جزءًا لا يتجزأ من قصتهم.
قالت كيرا بهدوء:
«الآن... ماذا بعد؟»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ، ثم إلى الشقوق التي كانت لا تزال تتسع حولنا، وأجابت بصوت حازم رغم تعبها:
«الآن... نواجه الكائن القديم نفسه.»
الفصل التاسع عشر: جروح الأكوان (Wounds of Worlds)
بعد انفجار الكرة الطاقية الأخيرة وتحرير إيميلي، انهار كل شيء.
كانت ألكسندرا آنا لورا مصابة بإصابات خطيرة جدًا. الجرح في كتفها كان قد امتد إلى صدرها، وكانت تنزف طاقة زرقاء حيوية بغزارة. وجهها شاحب كالموت، وتنفسها ضعيف. لم تكن هي الوحيدة. كانت كيرا وسوناكشي وإيميلي مصابات بإصابات بالغة — حروق طاقية، كسور، ونزيف داخلي. أما أحمد-2 فكان ينزف من عدة جروح عميقة، وكان يحاول بصعوبة أن يبقى واقفًا لحماية زوجته.
«يجب أن نعود فورًا!» صاحتُ وأنا أحمل ألكسندرا آنا لورا بين ذراعيّ.
فتح أحمد-2 بوابة طارئة بآخر قوة لديه. عبرنا جميعًا إلى عالمه، متعثرين ومنهارين.
في عالم أحمد-2، هرعتُ بالنساء الأربع وأحمد-2 إلى أفضل مركز طبي متقدم. كان الأطباء والعلماء في حالة ذعر عندما رأوا حالتهم. ألكسندرا آنا لورا كانت على حافة الموت، وطاقتها الكونية تتسرب بسرعة.
«أنقذوهن... أنقذوه!» كنت أتوسل إليهم وأنا أمسك يد ألكسندرا الباردة.
امتدت الجهود الطبية لأيام، ثم أسابيع، ثم شهور. كنت غارقًا في بحر من الخوف والحزن الشديد. كنت أجلس ليالي طويلة بجانب أسرّة المرضى، أنظر إلى ألكسندرا آنا لورا الشاحبة، ثم إلى كيرا التي كانت تعاني من آلام مبرودة، وسوناكشي التي كانت تحاول أن تبتسم رغم ضعفها، وإيميلي التي كانت تئن من الألم، وأحمد-2 الذي كان يعاني من مضاعفات خطيرة.
كنت أخاف أن أفقد ألكسندرا آنا لورا — ملكتي، حبي الكوني. وكنت أخاف أيضًا على النساء الثلاث اللواتي أصبحن جزءًا من قصتي المعقدة. كنت أصلي وأتوسل إلى الكون كله أن يبقيهن على قيد الحياة.
كان الأطفال — ليلى، نور، كريم، رام، وأليكس — يحيطون بأمهاتهم كلما سمح الأطباء. كان منظرهم يمزق قلبي. كانوا يمسكون أيدي أمهاتهم ويبكون بهدوء، وأحيانًا ينظرون إليّ كأنهم يطلبون الأمان.
مرت أشهر طويلة مليئة بالتوتر والأمل المتقطع. تدريجيًا، بدأ الجميع يتماثلون للشفاء. أول من استعادت وعيها كانت إيميلي، ثم سوناكشي، ثم كيرا. أما ألكسندرا آنا لورا فقد كانت الأصعب. استغرق شفاؤها وقتًا أطول بسبب طبيعة إصاباتها الطاقية.
في أحد الأيام المشرقة، اجتمعنا أخيرًا في المنزل الكبير. كان الجميع قد خرج من المستشفى، لكنهم لا يزالون يتعافون ببطء. كنت أنا، وألكسندرا آنا لورا الشاحبة لكنها حية، وأحمد-2، وكيرا، وسوناكشي، وإيميلي.
كانت اللحظة مشحونة عاطفيًا إلى أقصى درجة. جلست النساء الثلاث ينظرن إلى ألكسندرا آنا لورا بمزيج عميق من الامتنان والفضول والغيرة المكبوتة.
قالت كيرا أخيرًا، وهي تمسك يد زوجها بقوة:
«أنتِ... أقوى مما توقعت. شكرًا لكِ على إنقاذنا. لقد كنتِ على وشك الموت... ومع ذلك قاتلتِ من أجلنا.»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ بعينين متعبة لكنها حازمة وقوية كعهدي بها. ثم قالت بهدوء يخفي عزمًا من الصلب:
«هذه الحرب لم تنتهِ بعد. الكائن القديم يريد من أحمد اختيارًا نهائيًا... وأنا مستعدة لأقاتل من أجله ضد كل الأكوان.»
احتضنتها بقوة أمام الجميع، مدفونًا وجهي في شعرها، وشعرت بدموعي تترقرق. كان أحمد-2 ينظر إلينا بابتسامة هادئة حزينة، كأنه يفهم كل شيء.
وقفت سوناكشي وإيميلي ببطء، واقتربتا. كانت اللحظة مليئة بالمشاعر المعقدة — حب، غيرة، احترام، واعتراف بأن مصائرنا أصبحت مرتبطة إلى الأبد.
همست إيميلي بابتسامة خافتة:
«يبدو أننا جميعًا الآن... جزء من قصة واحدة أكبر.»
خارج المنزل، كانت السماء لا تزال تحمل بعض الشقوق الخفيفة، تذكيرًا بأن الحرب لم تنتهِ.
لكن في تلك اللحظة، داخل المنزل الكبير، كنا أحياء. وهذا كان يكفي... للآن.
الفصل العشرون: ذاكرة الرجل الآخر (Memory of the Other Man)
بعد أشهر من الشفاء النسبي، عدنا أنا وألكسندرا آنا لورا إلى عالمها. كانت تحتاج إلى راحة بعيدًا عن الشقوق والتوتر العاطفي المستمر. قضينا عامًا هادئًا نسبيًا، نعيد بناء قوتها ونحاول أن نجد توازنًا في حبنا وسط كل هذا التعقيد.
لكن السلام لم يدم.
في أحد الأيام، وصلت رسالة استغاثة عاجلة من كيرا كريستينا نايتلي. كانت وجهها على الشاشة شاحبًا ومرهقًا، وعيناها منتفختين من البكاء.
«أحمد... ألكسندرا... أرجوكما. أحمد-2... فقد ذاكرته تمامًا. أصبح مثل *** رضيع. لا يتذكر شيئًا. لا يتذكرني، ولا سوناكشي، ولا إيميلي، ولا أولاده. يبكي ويصرخ ولا يفهم ما يحدث حوله. الأطباء في عالمنا عجزوا تمامًا. أرجوكما... ساعدونا.»
تجمدنا. ألكسندرا آنا لورا أغلقت عينيها للحظات طويلة، ثم فتحتهما بتصميم.
«سآتي. لدي فكرة... لكنها خطيرة.»
بعد أيام، أحضرنا كيرا إلى عالم ألكسندرا آنا لورا. كانت المرأة الرقيقة التي عرفتها من قبل قد تحولت إلى شبح من التعب واليأس. جلست أمام الجهاز الحديث الذي صممته ألكسندرا — كرسي بلوري متصل بشبكة عصبية كمية متقدمة.
نظرت ألكسندرا إليّ بجدية بالغة.
«الطريقة الوحيدة هي نقل ذكريات كيرا كاملة إليك أولاً. كل شيء. منذ لقائهما الأول في عام 2003، مرورًا بكل لحظة عاطفية... وحميمية... على مدار أكثر من عشرين عامًا. ستعيشها كأنها ذكرياتك أنت. ستكون صعبة جدًا... خاصة عليّ.»
أمسكت يدها.
«إذا كان هذا سيُنقذه... فأنا مستعد.»
جلستُ بجانب كيرا. وضعت ألكسندرا أقطاب الجهاز على رأسينا. بدأت العملية.
كانت التجربة مرعبة ومؤثرة في الوقت نفسه.
عشتُ كل شيء.
رأيت لقاء أحمد-2 الأول مع كيرا في مكتبة جامعية هادئة، النظرات الخجولة، أول قبلة تحت المطر. عشتُ ليالي زواجهما الأولى، ضحكاتهما، مشاجراتهما الصغيرة، ثم لحظات الحميمية العميقة التي استمرت أكثر من عشرين عامًا. كل تفصيلة — الطريقة التي كانت تنظر بها إليه، اللمسات، الكلمات الهامسة في الظلام، أجسادهما المتشابكة، أسرارهما الخاصة.
شعرت بكل حبه لها... وبكل حبها له.
كنت أرى كل ذلك وأنا جالس بجانب ألكسندرا آنا لورا التي كانت تراقب العملية بصمت مؤلم. كانت عيناها مليئتين بالدموع، لكنها لم تتوقف. كانت تعرف أن هذا هو الثمن.
استغرقت العملية أيامًا. كنت أستيقظ منها مرهقًا نفسيًا، غارقًا في ذكريات رجل آخر — زوجه، أب أولاده، عشيقه لنساء أخريات.
عندما اكتمل نقل ذكريات كيرا، نظرتُ إلى ألكسندرا آنا لورا بعينين دامعتين.
«أنا... آسف.»
هزت رأسها وقبلت جبهتي.
«أنت تفعل هذا لإنقاذه. هذا هو حبك... وأنا أحبك أكثر بسببه.»
بعد ذلك، أحضرنا أحمد-2. كان في حالة يرثى لها — ينظر حوله بخوف طفولي، لا يتعرف على أحد. جلسناه بجانبي، وربط ألكسندرا الجهاز بيننا.
بدأ نقل الذكريات.
شعرتُ وكأنني أفرغ كل ما حملته داخل رأسه. كل الذكريات — الزواج، الأطفال، الليالي الحميمة مع كيرا، اللحظات السرية مع سوناكشي وإيميلي — كانت تنتقل مني إليه كسيل جارف.
ارتجف أحمد-2 بعنف. ثم بدأ يبكي. ثم صاح. ثم هدأ فجأة.
فتح عينيه ببطء.
نظر إلى كيرا التي كانت تقف أمامه مرتجفة، ثم إلى ألكسندرا آنا لورا، ثم إليّ.
«أنا... أتذكر.» همس بصوت مكسور. «أتذكر كل شيء.»
انهارت كيرا في حضنه باكية. احتضنها أحمد-2 بقوة، ومد يده ليصافحني.
«أنت... أعطيتني حياتي مرة أخرى.»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إلينا جميعًا، وجهها شاحب لكن عيناها تحملان انتصارًا مريرًا.
«لقد نجحنا... هذه المرة.»
لكنها أضافت بهمس، وهي تنظر إليّ فقط:
«لكن الكائن القديم... لا يزال ينتظر اختيارك النهائي.»
الفصل الحادي والعشرون: أعماق الذاكرة الممنوعة (Depths of the Forbidden Memory)
ظننا في البداية أن العملية نجحت تمامًا.
احتفلنا في المنزل الكبير. أحمد-2 كان يتذكر كيرا، يتذكر أولادهما، يتذكر تفاصيل حياتهما الزوجية على مدار أكثر من عشرين عامًا. كانت كيرا سعيدة، وكنا جميعًا نشعر بالارتياح.
لكن بعد يومين، عندما انفردنا به، لاحظنا الحقيقة المرة.
سألناه عن سوناكشي. نظر إلينا ببراءة طفولية وقال: «من هي سوناكشي؟»
سألناه عن إيميلي. هز رأسه بلا فهم.
كانت كيرا لا تعلم شيئًا عن علاقاته السرية، لذا لم تنتقل تلك الذكريات معها. ذكرياتها كانت مرتبطة فقط بحياتها الزوجية وأولادهما.
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ طويلاً. كان وجهها شاحبًا، وعيناها الزرقاوان تحملان غيرة عميقة وألمًا واضحًا. لكنها، كعالمة، لم تتردد.
«سنكرر التجربة. مع سوناكشي... ثم مع إيميلي.»
اعترضتُ بشدة. «ألكسندرا... هذا سيكون صعبًا جدًا عليكِ. وعلىّ.»
نظرت إليّ بحزم، رغم أن صوتها كان يرتجف قليلاً: «إما أن نعيده كاملاً... أو نتركه نصف رجل. أنا مستعدة.»
بدأت التجربة مع سوناكشي.
جلست بجانبها على الكرسي البلوري. عندما بدأ الجهاز عمله، غرقتُ في عالم آخر.
لم يكن مجرد مشاهدة.
عشتُ كل شيء.
عشتُ لقاءهما الأول في المؤتمر التاريخي عام 2003، النقاشات الفكرية التي تحولت إلى جذب جسدي. عشتُ الليالي السرية في الشقة الصغيرة، أكل معها، أضحك معها، أناقش معها التاريخ والفلسفة. ثم جاءت اللحظات الحميمية...
شعرتُ بجسدها الناعم تحت أصابعي، بدفء بشرتها الهندية، بطريقة احتضانها لي وهي تهمس بالعربية والإنجليزية. عشتُ أكثر من عشرين عامًا من العلاقة — الشغف، السرية، الحنان، الجنس العميق والمتنوع، لحظات الحمل بابنهما رام، الخوف والسعادة معًا.
كنت أعيش كل ذلك كأنه حياتي أنا.
عندما انتهت الجلسة، كنت مرهقًا نفسيًا وجسديًا. خرجتُ من الجهاز وأنا أرتجف. ألكسندرا آنا لورا كانت تنظر إليّ بصمت، عيناها مليئتان بالدموع المكبوتة. لم أخبرها بمدى واقعية التجربة، بأنني عشتُ الجنس والحب مع سوناكشي كأنه حقيقي.
بعد أيام، كررنا العملية مع إيميلي.
كانت التجربة أكثر كثافة وعفوية. عشتُ علاقتهما الجامحة، المغامرات، الضحك أثناء الجنس، الطاقة الجسدية الهائلة. عشتُ ليالي في المنزل خارج المدينة، أجسادنا المتعرقة، أنفاسها الحارة، طريقتها في إثارته وإثارته لها. عشتُ حملها بابنهما أليكس، والحب السري الذي استمر سنوات.
خرجتُ من الجهاز منهارًا. كنت أشعر بكل تلك المشاعر تجاه سوناكشي وإيميلي كأنها جزء مني الآن.
ألكسندرا آنا لورا لم تسأل كثيرًا. كانت تعرف أن ما يحدث أعمق مما تتحمله، لكنها استمرت من أجل إنقاذ أحمد-2.
بعد نقل ذكريات سوناكشي وإيميلي، جلسنا أحمد-2 بجانبي مرة أخرى.
انتقلت الذكريات بكاملها — الجسدية، العاطفية، الحميمية. ارتجف أحمد-2 بعنف أكبر هذه المرة. ثم فتح عينيه ببطء.
نظر إلى سوناكشي، ثم إلى إيميلي. دموعه انهالت.
«أتذكر... كل شيء. أتذكركن... جميعًا.»
انهارت النساء الثلاث في حضنه. كان المشهد مؤثرًا ومؤلمًا في الوقت نفسه.
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ من بعيد. كانت عيناها تحملان بحرًا من الغيرة والحب والألم. اقتربت مني وهمست في أذني بصوت مرتجف:
«لقد عشتَ حياته كاملة... معهن. أشعر بذلك داخلك. لكنك ما زلت هنا... معي.»
احتضنتها بقوة، وشعرت بقلبي يتمزق بين عالمين.
نجحنا في إعادة أحمد-2... لكن ثمن ذلك كان غاليًا جدًا على قلب ألكسندرا آنا لورا... وعلى قلبي.
الفصل الثاني والعشرون: الزائرون النورانيون (The Luminous Visitors)
مرت أسابيع هادئة بعد إعادة ذاكرة أحمد-2. كنا قد عدنا إلى عالم ألكسندرا آنا لورا، نحاول استعادة توازننا بعد كل ما حدث. كانت الأيام تمر ببطء، مليئة بالراحة النسبية والمحاولات اليائسة للعودة إلى الحياة الطبيعية.
كانت ألكسندرا لا تزال تعاني من آثار الغيرة العميقة التي خلفتها تجربة نقل الذكريات. كنت ألاحظها أحيانًا تنظر إليّ في صمت طويل، كأنها تبحث عن شيء ما في عينيّ — بقايا لتلك الذكريات الحميمة التي عشتها مع سوناكشي وإيميلي. لكنها حاولت إخفاء ذلك كله خلف ابتسامتها الهادئة وتفانيها الشديد في دراساتها وتدريباتها.
في إحدى الليالي الهادئة، كنا نجلس على الشرفة البلورية المطلة على المحيط تحت ضوء الأقمار الثلاثة. كانت ألكسندرا تعزف على الكمان قطعة موسيقية كلاسيكية حزينة، ألحانها تتمايل مع نسيم البحر. جلستُ أستمع إليها في صمت، أراقب انحناءات جسدها وتركيزها العميق، وأشعر بالحب يختلط بالقلق داخلي.
فجأة، توقفت الموسيقى.
ارتفع ضوء أبيض ناعم في وسط الشرفة، يتشكل تدريجيًا وببطء إلى ثلاثة مخلوقات نورانية تشبه هيئة البشر. كانت أجسادهم شفافة جزئيًا، وخلفهم أجنحة خفيفة من الضوء النقي تتمايل بلطف. لم يكن لهم وجوه واضحة الملامح، بل ملامح ناعمة متلألئة تتغير باستمرار كأنها مصنوعة من النجوم نفسها.
وقفنا مذعورين. ألكسندرا أمسكت يدي بقوة، وشعرت بأصابعها ترتجف قليلاً.
تكلم أحدهم بصوت يتردد داخل العقل مباشرة، هادئًا وعميقًا كأنه يأتي من أعماق الكون:
«ألكسندرا آنا لورا... أحمد. نحن نحرس التوازن بين الأكوان. راقبناكما طويلًا. قدراتكما في السفر عبر الشقوق، وإنقاذكما للنساء الثلاث، وتضحياتكما... جعلتكما الوحيدين القادرين على إصلاح الخلل.»
سألت ألكسندرا بصوت ثابت رغم الدهشة الواضحة: «أي خلل؟»
«في الإمبراطورية الرومانية المقدسة، في القرن السادس عشر، هناك تمزق خطير في جدران الأكوان. إذا لم يُصلح، سيؤدي إلى تصادم كارثي يمتد إلى كل العصور. نحن لا نستطيع التدخل مباشرة... لكنكما تستطيعان.»
نظرت ألكسندرا إليّ. كان في عينيها الزرقاوين مزيج من القلق والفضول العلمي الذي لا يُقاوم.
تابع المخلوق النوراني:
«ستحصلان على عملات زمنية خاصة تسمح لكما بالتكيف والثراء. ألكسندرا... مواهبك في الموسيقى والرسم والنحت واللغات ستجعلكِ شخصية مهمة هناك. أما أنت يا أحمد... فالمال والذكاء سيكونان سلاحك.»
ثم اختفت المخلوقات تدريجيًا، يتلاشى ضوؤها ببطء حتى تلاشى تمامًا، تاركة وراءها خاتمين بلوريين صغيرين يلمعان على الطاولة بضوء خافت.
نظرت ألكسندرا آنا لورا إلى الخاتمين طويلاً، ثم رفعت عينيها إليّ بهدوء عميق:
«يبدو أن القصة لم تنتهِ بعد... هل أنت مستعد للسفر إلى زمن آخر؟»
مددت يدي وأمسكت بالخاتمين، ثم أعطيتها واحدًا. شعرت بدفء غريب ينتشر في أصابعي.
«معكِ... أنا مستعد لأي زمن.»
ابتسمت ابتسامة خافتة، لكن في عينيها كان هناك وعي بأن الرحلة القادمة ستكون أكثر تعقيدًا مما نتخيل.
الفصل الثالث والعشرون: الوصول إلى الإمبراطورية (Arrival in the Empire)
كان الانتقال سلسًا، لكنه شعور غريب لا يُنسى. دارت حولنا دوامة زرقاء ناعمة من الضوء، ثم استقر بنا المكان فجأة على أرض حجرية باردة تحت سماء رمادية خفيفة المطر.
كان العام 1557 ميلاديًا، في قلب مدينة فيينا، عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة. حولنا كانت تمتد شوارع مرصوفة بالحجارة، قصور شاهقة مزينة بنقوش معقدة، وكنائس ترفع أبراجها نحو السماء كأنها تحاول الوصول إلى ****. رائحة الخبز المحمص والخيول والدخان تملأ الهواء، وأصوات الباعة والخيول والجرس تختلط في سيمفونية غريبة.
نظرت ألكسندرا آنا لورا حولها بدهشة هادئة، ثم ابتسمت لي ابتسامة متعبة لكنها مليئة بالفضول.
«لقد وصلنا فعلًا...»
باستخدام العملات الزمنية الخاصة التي أعطتنا إياها المخلوقات النورانية، تمكنا خلال أيام قليلة من شراء منزل أرستقراطي فخم في حي راقٍ من فيينا. كان المنزل قصرًا صغيرًا نسبيًا، ذا حديقة داخلية وأروقة واسعة وجدران مزينة بأعمال فنية.
بدأت ألكسندرا آنا لورا، بموهبتها الاستثنائية، في جذب الانتباه تدريجيًا وببطء.
في البداية كانت تعزف على الكمان والقيثارة في الحفلات الصغيرة التي دعيت إليها. ثم رسمت لوحة زيتية لإحدى السيدات النبيلات، فأذهلت الجميع بدقة التفاصيل وروحانية الألوان. وبعد ذلك نحت تمثالًا رخاميًا صغيرًا للإمبراطور كارلوس الخامس، بدا كأنه يتنفس. أما لغاتها المتعددة — اللاتينية بطلاقة، والألمانية القديمة، والإيطالية، والفرنسية — فقد جعلتها تتحدث في مجالس النبلاء كأنها ولدت وترعرعت في هذا الزمن.
خلال أشهر قليلة فقط، أصبحت «السيدة ألكسندرا آنا لورا» شخصية مشهورة ومطلوبة في البلاط الإمبراطوري. كان الناس يهمسون عن «الفنانة الغامضة ذات العينين الزرقاوين اللتين تبدوان كأنهما من عالم آخر». دعيت إلى الحفلات الكبرى، وطُلب منها تقديم عروض موسيقية ولوحات للنبلاء.
أما أنا، فقد استخدمت المال الزمني بحكمة وذكاء. استثمرت في التجارة مع الشرق، وفي ورش الحرفيين، وفي شراء أراضٍ وممتلكات. أصبحت تاجرًا ثريًا ومؤثرًا، يحترمه النبلاء ويخشاه بعض التجار المنافسين.
كنا نعيش حياة فخمة هادئة نسبيًا في البداية. كنت أراقب ألكسندرا في الحفلات وهي تعزف، وتشعر بالفخر يملأ قلبي. كانت تتألق بفساتين القرن السادس عشر التي صُممت خصيصًا لها، وعيناها الزرقاوان تلمعان تحت أضواء الشموع.
لكن مع الشهرة، بدأت المخاطر تلوح في الأفق تدريجيًا.
في إحدى الحفلات الكبرى في قصر إمبراطوري، لاحظتُ نبيلًا وسيمًا يدعى الكونت فيكتور فون هاغن يراقب ألكسندرا بإصرار غريب. كان رجلاً في الثلاثينيات، أنيق المظهر، ذا شعر أشقر داكن وعينين حادتين. وُلد في سبتمبر مثلي، وكان يتمتع بكاريزما قوية تجعل الجميع يلتفون حوله.
في الوقت نفسه، ظهرت في البلاط امرأة شابة جميلة جدًا تشبه إليزابيث تايلور إلى درجة مخيفة — نفس الملامح الكلاسيكية، نفس الجمال الآسر، وحتى طريقة نظراتها. كانت تُدعى الكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر.
كانت الشهرة تمنحنا الحماية... لكنها أيضًا بدأت تجذب أنظارًا خطرة.
الفصل الرابع والعشرون: ظلال النبلاء (Shadows of Nobles)
مرت الأشهر الأولى في فيينا بسلاسة نسبية، لكن الشهرة التي حصدناها بدأت تكشف عن وجهها الآخر تدريجيًا.
في إحدى الحفلات الكبرى التي أقيمت في قصر الإمبراطور، كان الحضور يفوق الخيال. الشموع المئات تضيء الصالة الواسعة، والموسيقى الكلاسيكية تملأ الهواء، والنبلاء يرتدون أفخم الملابس المطرزة بالذهب والجواهر. كنت أقف بجانب ألكسندرا، أراقبها وهي تتحدث بلباقة مع بعض السيدات، عندما شعرت بنظرة ثقيلة عليّ.
التفتُ فوجدت رجلاً وسيمًا يراقبني من بعيد. كان في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، ذو شعر أشقر داكن مصفف بعناية، وملامح نبيلة حادة. اقترب مني بهدوء، ابتسامة كاريزما قوية على وجهه.
«السيد أحمد، أليس كذلك؟» قال بصوت عميق وواثق. «أنا الكونت فيكتور فون هاغن. سمعت الكثير عن نجاحاتك التجارية... وأكثر عن سيدتك الجميلة.»
كان رجلاً جذابًا بلا شك، أنيق الملبس، ذا حضور قوي يجذب الأنظار. لكنه عندما نظر إليّ مباشرة، لاحظت في عينيه شيئًا مظلمًا — بريقًا باردًا لا يتناسب مع ابتسامته الدافئة. ولفت انتباهي أنه ولد في سبتمبر، مثلي تمامًا.
تحدثنا قليلاً عن التجارة والسياسة، لكنه كان ينظر باستمرار نحو ألكسندرا التي كانت تعزف قطعة موسيقية على الكمان في تلك الليلة. نظراته إليها كانت مختلفة... أعمق، أكثر إصرارًا.
أما ألكسندرا، فقد لفتت انتباه الجميع تقريبًا. كانت تتألق في فستان أزرق داكن يبرز عينيها، وكل حركة منها كانت تجذب الإعجاب. لم يكن فيكتور الوحيد الذي أصبح مهووسًا بها، لكنه كان الأكثر إلحاحًا.
في الوقت نفسه، حدث أمر غريب آخر.
أثناء الحفل، اقتربت مني امرأة شابة جميلة بشكل مذهل. كانت ملامحها مطابقة تمامًا لإليزابيث تايلور — نفس الجمال الكلاسيكي الآسر، الشعر الداكن اللامع، العينان الزرقاوان الواسعتان، والابتسامة التي تخطف الأنفاس. حتى طريقة وقفتها ونظراتها كانت تشبهها إلى درجة مخيفة.
«الكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر» قدمت نفسها بصوت ناعم ومغري. «سمعت عنكما كثيرًا... يبدو أن فيينا أصبحت أكثر إشراقًا منذ وصولكما.»
شعرت ألكسندرا بشيء غريب فورًا. بعد انتهاء الحفل، أخذت عينة دم صغيرة من الكونتيسة بطريقة سرية أثناء حديث ودي، ثم فحصتها لاحقًا بجهازها المحمول المتقدم.
في منتصف الليل، في غرفة نومنا بالقصر، همست لي وهي تنظر إلى النتائج بذهول:
«يا إلهي... الحمض النووي مطابق تمامًا. هي نسخة موازية حقيقية لإليزابيث تايلور. حتى تاريخ ميلادها مطابق — 27 فبراير.»
منذ تلك الليلة، بدأت الأمور تتعقد ببطء.
أصبحت الكونتيسة إليزابيث تقترب مني بشكل ملحوظ في كل حفل. كانت تبتسم لي بطريقة خاصة، تتحدث معي عن الفن والموسيقى، وأحيانًا تلمح إلى رغبتها في لقاءات أكثر خصوصية. كانت ساحرة بطريقة لا تقاوم، وكنت أشعر بجاذبية غريبة تجاهها.
في المقابل، أصبح الكونت فيكتور أكثر إصرارًا مع ألكسندرا. كان يرسل لها هدايا فاخرة، يطلب حضورها في حفلات خاصة، ويحاول الاقتراب منها بإلحاح يقترب تدريجيًا من الضغط. كانت نظراته إليها تحمل شيئًا يشبه الهوس.
كنت أشعر بالتوتر يتصاعد يومًا بعد يوم. الشهرة التي كانت تحمينا أصبحت تجذب ظلالاً خطيرة.
في إحدى الليالي، بعد عودتنا من حفل، قالت ألكسندرا وهي تنظر من النافذة:
«هناك شيء غير طبيعي في هذا المكان... أشعر أن الشقوق الكونية ليست الخطر الوحيد هنا.»
احتضنتها من الخلف، لكنني لم أستطع نفي شعوري بأن الخطر كان يقترب... وأنه سيأتي قريبًا جدًا.
الفصل الخامس والعشرون: ليالي فيينا (Nights of Vienna)
مرت الأسابيع التالية في فيينا بوتيرة بطيئة وخادعة. كانت الحياة اليومية تبدو هادئة من الخارج، مليئة بالحفلات والموسيقى واللقاءات الأرستقراطية، لكن تحت السطح كانت التوترات تتصاعد تدريجيًا.
أصبح الكونت فيكتور فون هاغن يحضر كل حفل تعزف فيه ألكسندرا آنا لورا. كان يجلس في الصفوف الأمامية، عيناه لا تفارقانها لحظة. بعد كل عزف، كان يقترب منها، يمدحها بكلمات مبالغ فيها، ويرسل لها باقات ورد نادرة ومجوهرات فاخرة. في البداية كان الأمر يبدو مجرد إعجاب نبيل، لكنه سرعان ما تحول إلى إلحاح غير مريح.
أما أنا، فقد وجدت نفسي محاطًا بالكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر.
كانت تظهر في كل مناسبة أحضرها، تبتسم لي بتلك الابتسامة الآسرة التي تشبه إليزابيث تايلور تمامًا. كانت ذكية، مرحة، وجريئة في حديثها. في إحدى الليالي، بعد حفل موسيقي كبير، اقتربت مني في الحديقة الخارجية للقصر تحت ضوء القمر.
«أنت مختلف عن كل الرجال هنا، أحمد.» همست وهي تقف قريبًا جدًا. «هناك في عينيك شيء... من زمن آخر.»
لم أستطع مقاومة سحرها. كانت تشبه إليزابيث تايلور في كل شيء — حتى في طريقة نظراتها الجريئة وصوتها الدافئ. بدأت لقاءاتنا الخاصة تتكرر تدريجيًا. في البداية كانت مجرد حديث طويل في حدائق القصور، ثم أصبحت أكثر خصوصية.
في إحدى الليالي، دعتني إلى قصرها الصغير. كانت ترتدي رداءً حريريًا أحمر يبرز جمال جسدها. لم يدم الأمر طويلاً حتى وجدنا أنفسنا متشابكين. كانت شغوفة، جريئة، وممتعة بطريقة تجعل الإنسان ينسى الزمن. عشتُ معها ليالٍ من المتعة الجسدية والعاطفية، أغوص في جمالها وأنفاسها، وأشعر بجاذبية لا تقاوم. كانت كل ليلة معها تعيد إليّ صدى تلك الذكريات التي نقلتها من أحمد-2، لكن هذه المرة كانت حقيقية، حية، وخطرة.
في الوقت نفسه، كانت ألكسندرا آنا لورا تعاني.
الكونت فيكتور كان يزداد إصرارًا. في إحدى الحفلات، حاول أن يأخذها إلى جناح خاص، لكنها رفضت بهدوء. لاحظتُ توترها عندما تعود إلى المنزل. كانت تقول لي:
«هناك شيء خطأ في عينيه... ينظر إليّ كأنني ملك له.»
حاولتُ حمايتها، لكن الشهرة والمجتمع النبيل كان له قوانينه. لم نستطع رفض الدعوات دون إثارة شبهات.
ذروة الأحداث جاءت في ليلة ممطرة.
بعد حفل كبير في البلاط، اختفت ألكسندرا فجأة. بحثت عنها في كل مكان، وسألت الخدم، لكن أحدهم قال إن الكونت فيكتور عرض عليها مركبة خاصة لإعادتها إلى المنزل... ولم تعد.
شعرت بالدم يغلي في عروقي. كنت أعرف أنه اختطفها.
في الوقت نفسه، كانت الكونتيسة إليزابيث تنتظرني في منزلها، غير مدركة لما يحدث، أو ربما كانت تعرف وتستمتع باللعبة.
كانت الأمور قد خرجت عن السيطرة تمامًا.
الفصل السادس والعشرون: أيام الظلام (Days of Darkness)
اختفت ألكسندرا آنا لورا في تلك الليلة الممطرة، ولم يعد هناك أثر لها.
بحثت عنها طوال الليل وفي اليوم التالي بكل الوسائل المتاحة. أرسلت الخدم، سألت النبلاء، وحتى هددت بعض التجار الذين يعملون معي. لكن الكل كان يقول الشيء نفسه: «رآها الكونت فيكتور فون هاغن وهي تغادر معه في مركبته الخاصة... ثم لم يرها أحد بعد ذلك.»
كنت أعرف أنه اختطفها.
في قصر الكونت فيكتور
كانت ألكسندرا مستيقظة عندما استيقظت في الغرفة الفاخرة المغلقة. الأبواب محكمة، والنوافذ مزودة بقضبان حديدية مزخرفة. كان الكونت جالسًا على كرسي بجانب السرير، ينظر إليها بنظرة هوس هادئ.
«أنتِ الآن في بيتكِ الحقيقي، سيدتي الجميلة.» قال بصوت ناعم لكنه بارد. «لقد انتظرت طويلاً لأمتلك شيئًا بهذا الكمال.»
حاولت ألكسندرا استخدام قدراتها، لكن الخاتم الزمني الذي كان يساعدها على التحكم في الطاقة كان قد أُخِذ منها. كان الكونت قد أعد العدة جيدًا — الغرفة كانت محاطة بمواد تثبط الطاقة الكونية.
بدأت أيام الظلام.
كان فيكتور مهووسًا بها إلى درجة مرعبة. كان يعاملها كأنها تحفة فنية يملكها. في البداية حاول إقناعها باللطف والوعود والمجوهرات، لكن عندما رفضت، تحول إلى القوة.
كان يجبرها على العزف له كل مساء، ثم يأخذها رغمًا عنها. كانت المقاومة تؤدي إلى عنف أكبر، فاضطرت ألكسندرا — بعد أيام من المعاناة — إلى الاستسلام الظاهري لتحمي نفسها. كان يضاجعها كل ليلة تقريبًا، بقوة وشهوة مرضية، وهو يهمس في أذنها أنها الآن «ملك له وحده».
كانت تمر الأيام ببطء مؤلم. أحيانًا كان يأخذها إلى حديقة القصر المغلقة، ويجبرها على الرسم أو النحت له. كانت تبكي في السر، لكنها كانت تحافظ على كرامتها بصمت، تنتظر فرصة النجاة.
في الجانب الآخر
بينما كانت ألكسندرا تعاني، كنت أنا غارقًا في دوامة أخرى.
كانت الكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر تُظهر لي اهتمامًا متزايدًا. بعد اختفاء ألكسندرا، أصبحت هي الملاذ الوحيد الذي ألجأ إليه للهروب من القلق والغضب. كانت تستمع إليّ، تعزيني، وتغريني.
في ليالي فيينا الباردة، كنت أذهب إلى قصرها. كانت تنتظرني مرتدية ملابس حريرية شفافة، وتستقبلني بابتسامة إليزابيث تايلور الكلاسيكية. كانت علاقتنا تتصاعد بسرعة. كنا نمارس الجنس بشراسة وعاطفة، كأن الزمن يضغط علينا. كانت جريئة في السرير، تعرف كيف تثير الرجل، وكنت أغرق في جسدها وجمالها، محاولًا نسيان القلق على ألكسندرا.
كل ليلة كنت أخرج من عندها وأنا أشعر بالذنب الشديد، لكن القلق على ألكسندرا كان يدفعني إلى العودة مرة أخرى بحثًا عن نسيان مؤقت.
مرت أسابيع، ثم دخلنا الشهر الثاني.
كانت ألكسندرا آنا لورا لا تزال محتجزة، تعاني في صمت، تنتظر الفرصة أو الإنقاذ.
وكنت أنا أغوص أعمق في علاقة محرمة مع نسخة إليزابيث تايلور، بينما قلبي ينزف قلقًا على حبيبتي.
كان الظلام يحيط بنا من كل جانب... ولم يكن أحد يعرف متى سينتهي.
الفصل السابع والعشرون: ليالي الاستعباد (Nights of Enslavement)
مرت الأسابيع ببطء مؤلم، كأن الزمن نفسه كان يسخر منا.
في قصر الكونت فيكتور فون هاغن
كان الكونت يستمتع بكل لحظة.
كل مساء، كان خدمه يأخذون ألكسندرا آنا لورا رغمًا عنها. كانوا يجملونها بعناية فائقة: يغسلون شعرها الأسود الطويل بالعطور النادرة، يضعون عليها أفخم الفساتين التي تبرز منحنيات جسدها، يزيّنون عنقها ورسغيها بالمجوهرات، ويضعون أحمر الشفاه على شفتيها الممتلئتين. كانت تقاوم في البداية، لكنهم كانوا أقوى، وكان الكونت قد هددها بأنه إذا قاومت بشدة فسيعاقبها بطرق أكثر قسوة.
كان فيكتور ينتظرها في غرفة نومه الفاخرة، عيناه تلمعان بهوس متزايد كل ليلة. كان يعاملها كأنها تحفة فنية حية يملكها. كان يستمتع بكل مضاجعة، يأخذ وقته ببطء مرعب، يهمس لها كلمات حب مرضية بينما يدخلها بعنف مدروس. كان يقول لها:
«أنتِ الآن ملكي... جسدكِ وروحكِ وموهبتكِ. لا أحد غيري يستحقكِ.»
كان حبه لهوس متصاعد. كان يراقبها طوال النهار، يطلب منها العزف له عارية أحيانًا، يجبرها على رسم لوحات له وهو يراقبها، وكل ليلة كان يزداد تملكه لها. كان يستمتع بمقاومتها الأولى ثم استسلامها الاضطراري، وكان يصف لها كيف سيجعلها زوجته السرية، وكيف سيحتفظ بها إلى الأبد.
ألكسندرا كانت تعاني في صمت. كانت تبكي بعد كل ليلة، لكنها كانت تحافظ على قوتها الداخلية، تنتظر الفرصة، وتتمسك بذكرى أحمد وأمل النجاة.
في قصر الكونتيسة إليزابيث
في الجانب الآخر من المدينة، كنت أنا أعيش جحيمًا مختلفًا.
كل ليلة، كانت وصيفات الكونتيسة إليزابيث يجهزني لها. كن يغسلن جسدي، يدهننه بالزيوت العطرية، يلبسني أفضل الملابس الحريرية، ويحلقن لحيتي بعناية. كن يبتسمن لي بمكر وهن يعددنني «للسيدة».
كانت إليزابيث تنتظرني في غرفتها المضاءة بالشموع. كانت أكثر جرأة وشهوة مع مرور الوقت. كانت تأخذني بكل شغف، جسدها الناري يلتصق بجسدي، شفتاها تمتصاني، وهي تتحرك فوقي أو تحتي بطريقة تجعلني أفقد السيطرة. كانت العلاقة تتصاعد لتصبح أكثر كثافة وتنوعًا — أحيانًا في الحديقة تحت القمر، وأحيانًا طوال الليل دون توقف.
كنت أستمتع بها جسديًا، لكن قلبي كان ينزف. كل ليلة كنت أخرج من عندها وأنا أشعر بالذنب الشديد، أفكر في ألكسندرا وما قد تكون تعانيه. كنت أبحث نهارًا عن أي أثر لها، أرسل جواسيس، أدفع رشاوى، لكن الكونت كان حذرًا جدًا.
محاولات الإنقاذ
حاولتُ مرتين إنقاذها.
المرة الأولى: حاولت التسلل إلى قصر الكونت مع بعض الرجال المأجورين، لكن الحراسة كانت مشددة وفشلنا.
المرة الثانية: حاولت الضغط عليه سياسيًا وماليًا، لكنه كان نبيلًا قويًا ولديه connections في البلاط جعلته محميًا.
كنت أشعر باليأس يأكلني يومًا بعد يوم. كنت أزور إليزابيث ليلًا لأنسى، وأبحث عن ألكسندرا نهارًا بكل ما أملك.
في إحدى الليالي، وبينما كانت ألكسندرا محتجزة منذ أكثر من شهرين، جلستُ مع إليزابيث بعد ليلة حميمية طويلة. كانت تضع رأسها على صدري وقالت بصوت ناعم:
«أنت تبحث عنها كل يوم... أليس كذلك؟»
لم أجب. لكن في قلبي كنت أعرف أنني لا أستطيع الاستمرار هكذا.
كان الوقت قد حان لخطوة أكثر خطورة.
الفصل الثامن والعشرون: قيود الشهوة والذنب (Chains of Lust and Guilt)
مرت ثلاثة أشهر كاملة على اختطاف ألكسندرا آنا لورا، وكان الزمن يبدو كأنه يسير ببطء مؤلم.
في قصر الكونت فيكتور فون هاغن
أصبحت الطقوس يومية لا تتغير.
كل مساء، قبل غروب الشمس بساعة، كان خدم الكونت يأتون إلى غرفة ألكسندرا. كانوا أربعة رجال أقوياء، يعاملونها باحترام ظاهر لكنهم ينفذون أوامر سيدهم بدقة. كانوا يجردونها من ملابسها رغم مقاومة يدها الضعيفة، ثم يغسلون جسدها بالماء الدافئ المعطر بالورد والعنبر، يدلكون بشرتها، يصففون شعرها الطويل، ويضعون عليها فساتين شفافة أو مكشوفة الصدر تبرز جمال جسدها النحيل المشدود.
كانت ألكسندرا تبكي في صمت أثناء تحضيرهم لها، لكنها تعلمت أن المقاومة الشديدة تؤدي فقط إلى عنف أكبر.
ثم كانوا يأخذونها إلى غرفة الكونت.
كان فيكتور ينتظرها دائمًا بنفس الطريقة: جالسًا على كرسي فخم، يرتدي رداءً حريريًا، عيناه تلمعان بهوس متصاعد. كان حبه لها قد تحول إلى مرض. كان ينظر إليها ساعات طويلة قبل أن يلمسها، يصف لها كيف أصبحت «المرأة الوحيدة التي تستحق أن تكون تحت جسده».
كان يستمتع بكل مضاجعة ببطء مرعب. كان يأخذها على السرير الكبير، أحيانًا بلطف مخادع، وأحيانًا بعنف يترك آثارًا على جسدها. كان يهمس في أذنها أثناء الإيلاج العميق:
«أنتِ لي... جسدكِ هذا صنع لي... صوتكِ عندما تئنين يثيرني أكثر...»
كان يجبرها على أوضاع مختلفة، يطيل الوقت، يستمتع بكل نظرة ألم أو استسلام في عينيها. وبعد الانتهاء، كان يحتضنها بقوة ويقول لها إنه سيجعلها زوجته السرية، وسيقتل أي شخص يحاول أخذها منه — بما في ذلك «ذلك التاجر المصري».
ألكسندرا كانت تموت داخليًا كل ليلة، لكنها كانت تحافظ على بريق صغير من الأمل في عينيها، تنتظر الفرصة.
في قصر الكونتيسة إليزابيث
في الجانب الآخر، كنت أنا أغرق أكثر فأكثر.
كل ليلة، كانت وصيفات إليزابيث يجهزني بعناية. كن يغسلن جسدي، يدهننه بالزيوت المثيرة، يحلقن لحيتي، ويلبسني ملابس حريرية خفيفة تجعلني جاهزًا لسيدتهن. كن يبتسمن بمكر وهن يتحدثن عن «مدى اشتياق السيدة لك».
كانت إليزابيث تنتظرني دائمًا في غرفتها، مرتدية ملابس مثيرة تكشف عن جسدها المخملي. علاقتنا تصاعدت إلى درجة من الجنون الجنسي. كانت تأخذني بشراهة، تتحكم في الإيقاع، تطلب مني أوضاعًا مختلفة، وتئن بصوت يشبه إليزابيث تايلور في أقوى لحظاتها.
كنت أمارس معها الجنس كل ليلة تقريبًا — أحيانًا بعنف مدفوع بالغضب والقلق على ألكسندرا، وأحيانًا باستسلام كامل. كانت تمتصني، تركبني، تتركني أدخلها من الخلف بقوة، وكانت تستمتع بكل لحظة. كنت أجد في جسدها نسيانًا مؤقتًا، لكن الذنب كان يأكلني بعد كل ليلة.
في إحدى الليالي، بعد جلسة طويلة من المتعة الجسدية، قالت إليزابيث وهي مستلقية عارية بجانبي:
«أنت تحبها... لكنك تحتاجني أيضًا. هذا ليس خطأ... هذا الطبيعة.»
كنت أخطط لعملية إنقاذ حاسمة، لكنني كنت أعرف أن أي خطأ قد يكلف ألكسندرا حياتها.
كانت فيينا تبتسم لنا من الخارج، لكنها كانت تخفي جحيمًا حقيقيًا.
الفصل التاسع والعشرون: خطة الظلام (Plan of Darkness)
مرت أربعة أشهر على اختطاف ألكسندرا آنا لورا. كان الشتاء قد حلّ على فيينا، والثلج يغطي الشوارع والقصور بطبقة بيضاء باردة.
في قصر الكونت فيكتور
أصبحت الأيام والليالي روتينًا مرعبًا من الاستعباد.
كل مساء، كان خدم الكونت يجهزون ألكسندرا آنا لورا رغمًا عنها. كانوا يغسلون جسدها بالماء الساخن المعطر، يدلكون بشرتها حتى تصبح ناعمة كالحرير، يصففون شعرها، ويضعون عليها فساتين شفافة أو مكشوفة تبرز كل منحنى في جسدها. كانت تقاوم أحيانًا بضعف، لكنهم كانوا يمسكونها بقوة حتى تستسلم.
ثم كانوا يأخذونها إلى غرفة الكونت.
كان فيكتور يزداد هوسًا بها يومًا بعد يوم. كان ينظر إليها ساعات طويلة قبل أن يلمسها، كأنه يتأمل تحفة فنية. ثم كان يأخذها بشهوة متزايدة. كان يستمتع بكل مضاجعة، يطيل الوقت، يغير الأوضاع، ويهمس لها كلمات حب مرضية:
«أنتِ أجمل امرأة رأيتها في حياتي... جسدكِ مصمم لي... صوتكِ عندما تتألمين يثيرني أكثر...»
كان يضاجعها بعنف مدروس، يترك آثار أصابعه على فخذيها وخصرها، ويجبرها على النظر في عينيه أثناء الإيلاج. بعد الانتهاء، كان يحتضنها بقوة ويقبل شعرها، ويعددها بأنه سيجعلها سيدة القصر يومًا ما.
ألكسندرا كانت تموت داخليًا. كانت تبكي في السر، تنظر إلى السماء من خلال النافذة المغلقة، وتتمسك بذكرى أحمد كطوق نجاة. كانت تحاول جمع قوتها، تنتظر لحظة ضعف في الحراسة.
في الجانب الآخر من المدينة
كنت أنا أغرق أكثر في دوامة الذنب والشهوة.
كل ليلة، كانت وصيفات الكونتيسة إليزابيث يجهزني بعناية فائقة. كن يغسلن جسدي، يدهننه بالزيوت المثيرة، يحلقن لحيتي، ويلبسني أردية حريرية خفيفة. كن يبتسمن ويقلن: «السيدة تنتظرك بفارغ الصبر.»
كانت إليزابيث أكثر جرأة وشهوة مع مرور الوقت. كانت تنتظرني عارية أو بملابس شفافة، وتسحبني إلى السرير فورًا. كانت علاقتنا قد تحولت إلى إدمان جسدي. كانت تركبني بشراسة، تتحكم في الإيقاع، تطلب مني أن أدخلها بعنف، وتئن بصوت يملأ الغرفة. كنت أمارس معها الجنس لساعات، أحيانًا في السرير، وأحيانًا أمام المرآة الكبيرة حتى أرى انعكاسنا.
كنت أستمتع بها جسديًا بشدة، لكن كل مرة كنت أخرج من قصرها وأنا أشعر بالخزي. كنت أفكر في ألكسندرا، في ما قد تكون تعانيه، وكنت أبكي في الطريق إلى المنزل.
خطة الإنقاذ
في الشهر الرابع، قررت أن أتحرك.
جمعت مجموعة صغيرة من الرجال المخلصين والمأجورين المهرة. خططت لعملية تسلل ليلية إلى قصر الكونت أثناء حفل كبير سيقيمه. كان الخطة خطيرة، لكنني لم أعد أحتمل الانتظار.
في الليلة التي سبقت العملية، ذهبت إلى إليزابيث كالمعتاد. كانت أكثر شغفًا من أي ليلة سابقة. بعد أن انتهينا، مستلقية عارية على صدري، همست:
«أعرف أنك ستذهب إليها قريبًا... كن حذرًا، حبيبي. الكونت فيكتور رجل خطير.»
لم أجب. قبلتها للمرة الأخيرة تلك الليلة، وخرجت وأنا أشعر أنني على حافة الهاوية.
كان الجميع ينتظر. كنت مستعدًا للمخاطرة بكل شيء من أجل إنقاذ ألكسندرا.
لكنني لم أكن أعلم أن الكونت فيكتور كان يتوقع شيئًا كهذا... وأنه كان يعدّ لي فخًا خاصًا به.
الفصل الثلاثون: ليلة الخلاص (Night of Deliverance)
كانت الليلة التي اخترتها للعملية ممطرة وشديدة البرودة. ثلج خفيف كان يتساقط على فيينا، مما جعل الشوارع زلقة والرؤية صعبة — وهذا بالضبط ما كنت أعتمد عليه.
جمعتُ مجموعة من ثمانية رجال موثوقين: خمسة من حراسي الخاصين، وثلاثة مرتزقة مهرة دفعتهم مبالغ طائلة. ارتدينا ملابس سوداء، وتسلحنا بالسيوف والخناجر والمسدسات الصغيرة التي أحضرتها من عالم ألكسندرا.
دخلنا قصر الكونت أثناء الحفل الكبير الذي أقامه. استغللنا الضجيج والموسيقى والخمر لنتسلل من البوابة الخلفية بمساعدة خادم رشوته مسبقًا.
كان قلبي يدق بقوة وأنا أتحرك في الأروقة المظلمة. كل خطوة كانت تقربني من ألكسندرا... أو من الموت.
وصلنا إلى الجناح الشرقي حيث كانت محتجزة. قتلنا حارسين بصمت، ثم فتحنا الباب الرئيسي للغرفة.
كانت هناك.
جالسة على حافة السرير، ترتدي رداءً حريريًا أبيض شفافًا، شعرها منسدلًا، وعيناها الزرقاوان شاحبتان من الإرهاق والألم. عندما رأتني، اتسعت عيناها، ثم انفجرت في البكاء الصامت.
«أحمد...»
هرعتُ نحوها واحتضنتها بقوة. كانت جسدها يرتجف. شعرتُ بكل الشهور الماضية في ذلك العناق.
«جئتُ لآخذكِ... لن أترككِ أبدًا.»
لم يكن لدينا وقت. سمعنا أصوات أقدام تقترب.
دخل الكونت فيكتور فون هاغن الغرفة فجأة، برفقة أربعة حراس. كان وجهه مليئًا بالغضب والدهشة.
«أنت!» صاح بصوت مرتجف من الغضب. «جريء جدًا... جئتَ إلى بيتي لتسرق ما هو لي!»
نظر إلى ألكسندرا بنظرة هوس مرعبة، ثم إليّ:
«هي ملكي الآن. جسدها... صوتها... كل ليلة كانت تنتمي لي.»
اندلعت المعركة بشراسة.
كان رجالي يقاتلون الحراس، بينما واجهتُ أنا الكونت مباشرة. كان ماهرًا في السيف، لكنه كان يقاتل بدافع الغيرة والجنون. دارت بيننا معركة عنيفة داخل الغرفة. ضربات السيوف تتصادم، والأثاث يتحطم حولنا.
في لحظة حاسمة، استغللتُ خطأه وطعنته في كتفه. سقط على ركبتيه، لكنه نظر إلى ألكسندرا وقال بصوت مكسور:
«حتى لو قتلتني... ستظلين جزءًا مني... لقد ذقتُكِ... وستتذكرين ذلك إلى الأبد.»
ضربته على رأسه بمقبض السيف فأفقده الوعي.
أمسكتُ بألكسندرا وهربنا. كان رجالي قد سيطروا على الحراس المتبقين. خرجنا من القصر تحت غطاء الثلج والظلام، وتوجهنا إلى منزلنا.
عندما وصلنا، انهارت ألكسندرا في حضني. بكت طويلاً، بكاء عميقًا يحمل كل الشهور من الألم والإذلال والاغتصاب. كنت أحتضنها وأبكي معها، أقبل شعرها وأهمس لها:
«أنتِ حرة الآن... أنتِ معي... لن يمسك أحد بعد اليوم.»
في الصباح التالي، كانت ألكسندرا مستلقية في السرير، شاحبة لكنها آمنة. جلستُ بجانبها، أمسك يدها.
نظرت إليّ بعينين متعبة، لكن فيهما بريق الأمل من جديد:
«كنتُ أعرف أنك ستأتي... لكنني خفتُ أن أموت هناك.»
قبلت جبهتها، ثم شفتيها بلطف.
«لقد انتهى الكابوس... الآن سنعود إلى عالمنا.»
لكننا كنا نعرف أن الإمبراطورية الرومانية المقدسة لم تنتهِ بعد... وأن الكونتيسة إليزابيث لا تزال تنتظرني في الظلال.
الفصل الحادي والثلاثون: جراح العودة (Wounds of Return)
بعد نجاح عملية الإنقاذ بثلاثة أيام، قررنا العودة.
كانت ألكسندرا آنا لورا لا تزال ضعيفة جسديًا ومكسورة نفسيًا. كانت تتحرك ببطء، وتنام كثيرًا، وتستيقظ أحيانًا من كوابيس تجعلها تصرخ. كنت أجلس بجانبها طوال الليل، أمسك يدها، وأحاول أن أمنحها الشعور بالأمان الذي سرق منها.
في اليوم السابق لعودتنا، ذهبتُ إلى قصر الكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر للمرة الأخيرة.
كانت تنتظرني في الصالون الكبير، مرتدية فستانًا أسود أنيقًا. عندما دخلتُ، ابتسمت ابتسامة حزينة تعرف كل شيء.
«جئتَ تودعني.» قالت بهدوء.
وقفتُ أمامها، شعرت بثقل الذنب يضغط على صدري.
«نعم. سنعود غدًا إلى... عالمنا.»
اقتربت مني، لمست وجهي بأصابعها الناعمة، بنفس الطريقة التي كانت تفعلها إليزابيث تايلور في أحلامي القديمة.
«كنتَ تعرف أن هذا سيحدث يومًا ما. لم أكن سوى ملاذ مؤقت... ملاذ لذيذ، أليس كذلك؟»
لم أستطع الكذب. «كنتِ... أكثر من ذلك. لكن قلبي ينتمي لها. وهي الآن بحاجة إليّ أكثر من أي وقت مضى.»
نظرت إليّ طويلاً، ثم قبلتني قبلة طويلة عميقة، مليئة بالشوق والوداع. عندما ابتعدت، كانت عيناها لامعتين.
«اذهب إليها. وإذا احتجتَ يومًا... فأنا هنا، في هذا الزمن.»
خرجتُ من قصرها وأنا أشعر أن جزءًا مني بقي هناك.
العودة
في الليلة التالية، فعّلنا الخاتمين البلوريين في منزلنا الفخم. دارت حولنا الدوامة الزرقاء، وعاد بنا الزمن إلى عالم ألكسندرا آنا لورا، تحت سماء الأقمار الثلاثة.
عندما وطأت أقدامنا الأرض البلورية في البرج، انهارت ألكسندرا في حضني. بكت بشدة، لأول مرة منذ الإنقاذ. كانت تبكي كل ما عانته — الاغتصاب المتكرر، الإذلال، الخوف، الوحدة.
«كان يأخذني كل ليلة...» همست بصوت مكسور. «كان يستمتع... وكان يقول إنني ملكه.»
احتضنتها بقوة، وأنا أبكي معها.
«أنا هنا... أنا هنا يا حبيبتي. لن يمسك أحد بعد الآن.»
تداعيات الإنقاذ
مرت الأيام التالية صعبة جدًا على علاقتنا.
كانت ألكسندرا تعاني من كوابيس ليلية متكررة. كانت تستيقظ مذعورة، تدفعني بعيدًا أحيانًا عندما أحاول احتضانها. كانت غيرتها من إليزابيث قد تحولت إلى جرح عميق. في إحدى الليالي، وبعد كابوس شديد، نظرت إليّ بعينين دامعتين وقالت:
«أعرف أنك كنت معها... كل تلك الليالي. كنت أشم رائحتها عليكِ عندما كنتَ تأتي لتزورني في أحلامي. كنتَ تغرق في جسدها بينما كان هو يغتصبني.»
لم أنكر. جلستُ أمامها على ركبتيّ.
«كنتُ أبحث عن نسيان... كنتُ أموت من القلق عليكِ. كانت خطأ... لكنني لم أتوقف لأنني كنت ضعيفًا.»
بكت ألكسندرا طويلاً. ثم مدّت يدها ولمست وجهي.
«أنا أحبك... لكنني أحتاج وقتًا. جسدي... لا يزال يتذكر يديه. روحي... لا تزال مجروحة.»
كنت أحترم مسافةها. كنت أنام في غرفة أخرى أحيانًا، وأقدم لها الدعم دون ضغط. كانت تعالج نفسها بمساعدة تقنيات عالمها المتقدمة، وكنت أرافقها في كل جلسة.
ببطء، بدأت تتحسن. بدأت تعود إلى عزف الكمان، ترسم، وتنحت. وبدأت تعود إليّ تدريجيًا — عناق طويل، قبلة خفيفة، ثم ليلة كاملة نمضيها متشابكين دون أن نمارس الجنس، فقط نعيد بناء الثقة.
في إحدى الليالي، بعد أن عادت إلى البرج البلوري، نظرت إليّ وقالت بهدوء:
«الجرح لا يزال موجودًا... لكنه يلتئم. وأنا لا أريد أن أخسرك.»
احتضنتها بقوة، وقبلت جبهتها.
«لن أذهب إلى أي مكان. أنتِ ملكتي... في كل زمن، وفي كل كون.»
خارج البرج، كانت الأقمار الثلاثة تشهد على بداية فصل جديد — فصل الشفاء والمصالحة... رغم أن الشقوق الكونية لا تزال تنتظر في الأفق.
الفصل الثاني والثلاثون: ثمن الشفاء (The Price of Healing)
مرت أسابيع أخرى على عودتنا إلى عالم ألكسندرا آنا لورا. كانت أيام الشفاء بطيئة ومؤلمة، لكنها كانت تحمل بصيص أمل. كنت أرافق ألكسندرا في كل خطوة، أدعمها نفسيًا وجسديًا، وأحاول أن أعيد لها الشعور بالأمان الذي سرق منها في فيينا.
في إحدى الليالي الهادئة، كنا نجلس معًا على الشرفة البلورية نفسها التي ظهرت فيها المخلوقات النورانية لأول مرة. كانت ألكسندرا مستلقية على صدري، شعرها الطويل منسدلًا، وعيناها الزرقاوان تنظران إلى الأقمار الثلاثة بصمت عميق.
فجأة، ارتفع الضوء الأبيض الناعم نفسه في وسط الشرفة.
ظهرت المخلوقات النورانية الثلاثة مرة أخرى، لكن هذه المرة كان ضوؤها أكثر هدوءًا ونقاءً. تكلم الوسط منهم بصوت يتردد داخل عقولنا بهدوء:
«ألكسندرا آنا لورا... أحمد. لقد راقبناها طويلًا.»
رفعت ألكسندرا رأسها ببطء. كنت أشعر بجسدها يتوتر في حضني.
«معاناتكِ في الإمبراطورية الرومانية المقدسة... لم تكن عبثًا. التمزق الذي كان يهدد بتصادم الأكوان في القرن السادس عشر قد أُغلق تمامًا. تضحيتكِ، ألمكِ، وقوتكِ في مواجهة ذلك الهوس... كانت الطاقة اللازمة لإصلاح الشق. لقد أنقذتِ عوالم كثيرة بما تحملتِ.»
ساد صمت ثقيل. شعرت ألكسندرا بارتجافة خفيفة في جسدها. نظرت إليّ بعينين مليئتين بالدموع، ثم نظرت إلى المخلوقات.
«هل تقصدون... أن كل ما عانيته... كان ضروريًا؟»
«نعم. لم نكن نستطيع إخباركما مسبقًا. التوازن يتطلب تضحية حقيقية. ألمكِ كان مفتاح الإغلاق. والآن... الجدران بين الأكوان في ذلك الزمن أصبحت مستقرة مرة أخرى.»
شعرت بغضب هائل يغلي داخلي. «دفعتماها ثمنًا باهظًا... ******، إذلال، شهور من الجحيم... وأنتم كنتم تعرفون؟»
«لم نكن نعرف بالضبط كيف ستسير الأمور. لكننا كنا نعرف أنها ستكون مؤلمة. ومع ذلك... اخترتم أن تذهبا. ونجحتم.»
اختفت المخلوقات النورانية تدريجيًا، تاركة وراءها صمتًا ثقيلاً.
بكت ألكسندرا بهدوء على صدري. كانت دموعها ساخنة. احتضنتها بقوة، وأنا أشعر بالغضب والحزن والارتياح في الوقت نفسه.
«كل ما عانيتِه... أنقذ عوالم.» همستُ لها.
رفعت رأسها، وعيناها الزرقاوان مليئتان بالألم والقوة معًا.
«لا أريد أن أكون بطلة... أريد فقط أن أعيش معك بسلام.»
قبلت جبهتها، ثم عينيها، ثم شفتيها بلطف شديد.
«سنعيش. الآن... بعد كل هذا... سنعيش.»
في تلك الليلة، نامت ألكسندرا في حضني لأول مرة منذ أشهر دون كوابيس. كان الشفاء قد بدأ يأخذ خطواته الحقيقية.
لكن في أعماق قلبي، كنت أعرف أن الجرح الذي خلفته فيينا سيبقى جزءًا من قصتنا إلى الأبد... ثمنًا دفعته ملكتي لإنقاذ الأكوان.
الفصل الثالث والثلاثون: التمثال الأبيض (The White Statue)
مرت الأشهر بعد عودتنا، وكان حبنا يتعمق أكثر فأكثر، كأن كل ما عانيناه كان وقودًا لهذا اللهب.
كنا نعيش في البرج البلوري، بعيدًا عن ضجيج العالم. كنت أستيقظ كل صباح وأجدها في حضني، أو أستيقظ لأجدها مستلقية على صدري. كنت أقبلها ببطء، وتقبلني هي بكل ما تبقى فيها من دفء. كنت أهمس لها «أنتِ حياتي»، فتهمس هي «وأنتَ كل عالمي».
كنا نجلس ساعات طويلة، أنظر في عينيها الزرقاوين، وتنظر هي في عينيّ، كأننا نحاول أن نعيد كتابة كل الذكريات المؤلمة بنظرة واحدة. أحيانًا كانت تجلس على حجري، تضع رأسها على كتفي، وأحيانًا كنت أجلس على حجرها وهي تحتضنني كطفل، تمرر أصابعها في شعري بهدوء.
كان الحب بيننا أعمق وأكثر هدوءًا مما سبق. لم نعد نتحدث كثيرًا عن فيينا، لكن الجرح كان حاضرًا دائمًا في الصمت بيننا. كنا نداوي بعضنا باللمس والقبلات والأحضان الطويلة.
ذات ليلة، استيقظتُ فجأة في الظلام.
مددت يدي إلى جانبي، فلم أجد سوى برد غريب.
فتحت عينيّ ببطء.
كانت ألكسندرا آنا لورا جالسة بجانبي على السرير... لكنها لم تكن هي.
كانت تمثالًا كاملاً من المرمر الأبيض النقي.
جسدها النحيل المشدود، عيناها الزرقاوان اللتين تحولتا إلى حجر شفاف، شعرها الطويل المنسدل، حتى تعبير وجهها الهادئ المؤلم... كل شيء منحوت بإتقان يفوق الوصف. كانت تبدو حية، كأنها ستتنفس في أي لحظة، لكنها كانت باردة... باردة جدًا.
ابتسمت في البداية، ظننت أنها نحتته سرًا ووضعته كمقلب لطيف لي. همست بصوت مرح:
«يا مجنونة... متى صنعتِ هذا؟»
لكنها لم ترد.
مددت يدي ولمست خدها. كان المرمر باردًا كالثلج.
نهضت فجأة، قلبي يدق بجنون. بدأت أبحث عنها في كل مكان في البرج. صاحبت باسمها في الممرات، فتحت كل غرفة، نظرت في الشرفة، في المختبر، في الحديقة البلورية...
لم تكن هناك.
لم يكن هناك أي أثر لها. حتى ملابسها كانت في مكانها، وكأنها تحولت فجأة إلى التمثال دون أن تترك أي شيء آخر.
عدتُ إلى الغرفة منهارًا. وقفتُ أمام التمثال طويلاً، ثم انهار جسدي. جلست على الأرض أمامه، وضممته بقوة إلى صدري. كان المرمر باردًا، قاسيًا، لكنه كان يحمل ملامحها تمامًا.
بدأت أبكي بحرقة لم أبكها من قبل. دموعي كانت تسقط على التمثال الأبيض، فتترك آثارًا داكنة صغيرة على المرمر.
«ألكسندرا... أرجوكِ... لا تفعلي هذا بي.»
قبلت جبهتها الباردة، ثم عينيها، ثم شفتيها، ثم عنقها، ثم كتفيها. كنت أغمر التمثال بالقبلات اليائسة، وأنا أبكي كطفل.
«أحبكِ... أحبكِ... لا تتركيني...»
احتضنت التمثال بكل قوتي، ووضعت رأسي على صدره الحجري البارد، واستمررت في البكاء حتى طلع الفجر.
كانت ألكسندرا آنا لورا قد تركت لي آخر هدية... تمثالًا من المرمر الأبيض، يحمل كل جمالها، وكل ألمها، وكل حبها.
الفصل الرابع والثلاثون: بيجماليون الحزين (Pygmalion of Sorrow)
مرت شهور كثيرة بلا عدد.
الزمن في عالم ألكسندرا آنا لورا فقد معناه. الأيام كانت تذوب في بعضها، والأقمار الثلاثة كانت ترتفع وتغيب دون أن أشعر بمرورها. كنت أعيش في حالة من الذهول المستمر، محاصرًا بين الواقع واليأس.
كل يوم، منذ الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، كنت أجلس أمام التمثال.
كان تمثال ألكسندرا آنا لورا قائمًا في وسط الغرفة البلورية الكبيرة، منحوتًا بإتقان يفوق كل ما رأيته في حياتي. المرمر الأبيض النقي كان يعكس ضوء الأقمار، فيبدو وكأنه يتنفس في بعض اللحظات. كل تفصيلة فيها محفوظة: ملامح وجهها الهادئة، عيناها الزرقاوان المفتوحتان قليلاً، منحنيات جسدها النحيل، حتى خصلات شعرها الطويل المنسدل.
كنت أتعبدها.
كنت أقترب منها يوميًا، ألمس ذراعها الباردة بأصابع مرتجفة، وأتمنى أن يتحول المرمر إلى بشر حي دافئ. كنت أهمس لها:
«استيقظي يا حبيبتي... أرجوكِ...»
كنت أغمر التمثال بدموعي. أبكي بحرقة، وأمسح دموعي على شعرها الحجري، على وجهها، على عنقها، على صدرها، على بطنها، حتى قدميها. كنت أقبل كل شبر في جسدها المرمري — أقبل ساقيها الطويلتين، فخذيها، مؤخرتها، ظهرها، بطنها، صدرها، عنقها، شفتيها، جفنيها، جبهتها... أقبلها مرارًا وتكرارًا، وأنا أتمنى في كل قبلة أن تعود الحياة إليها.
كنت أحلم مثل بيجماليون القديم. أتخيل أن لمسة واحدة، قبلة واحدة، ضمة واحدة، همسة واحدة، قد تُعيد إليها الروح. كنت أجلس على حجرها أحيانًا وأحتضنها، أو أضع رأسي على صدرها الحجري البارد وأبكي حتى أغفو.
كان والدها ريتشارد، ووالدتها كريستينا، وأخوها ماثيو، وأختها كاثارين، يشاركونني الحزن. كانوا يأتون يوميًا، يقفون حائرين أمام التمثال، لا يعرفون ماذا يفعلون. حاولوا كل شيء — تقنيات علمية متقدمة، طاقة كونية، حتى طقوس قديمة من عوالم أخرى — لكن لا شيء أثر.
كريستينا كانت تبكي بهدوء كلما رأت التمثال، وتقول:
«ابنتي... **** قلبي...»
أما أنا، فكنت أعيش في عالمي الخاص. كنت أتحدث مع التمثال لساعات، أروي له كل ما حدث، أعتذر له عن كل لحظة ضعف، أعد له بأنني سأنتظره إلى الأبد.
في إحدى الليالي الباردة، وبعد أن أغرقت التمثال بدموعي من رأسه حتى قدميه، همست بصوت مكسور:
«إذا كنتِ هناكِ في مكان ما... ارجعي إليّ. حتى لو كنتِ تمثالاً... أنا أحبكِ... وسأظل أحبكِ.»
ثم قبلت شفتيها الباردتين مرة أخرى، وأنا أتمنى أن تتحرك.
لكنها لم تتحرك.
بقيت باردة، صامتة، جميلة... وميتة.
الفصل الخامس والثلاثون: نداء اليأس (Call of Despair)
مرت سنة كاملة.
سنة من البكاء اليومي، من الهمس للتمثال، من القبلات على المرمر البارد، من النوم بجانبه وأنا أحتضنه كأنه الجسد الحي. كنت قد فقدت الأمل تقريبًا، لكنني لم أتوقف عن النداء.
كل ليلة، كنت أجلس أمام تمثال ألكسندرا آنا لورا، أغمض عينيّ، وأرسل نداءات تخاطرية يائسة إلى المخلوقات النورانية. كنت أتوسل إليهم بكل ما تبقى فيّ من قوة:
«أرجوكم... أعيدوها إليّ. خذوا كل شيء مني... لكن أعيدوها.»
كررت النداء آلاف المرات، حتى أصبح صوتي الداخلي أجشًا من التعب واليأس.
في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، حيث كانت الأقمار الثلاثة تكاد تختفي خلف السحب الداكنة، حدث ما لم أكن أتوقعه.
ارتفع الضوء الأبيض الناعم فجأة في وسط الغرفة. كان أضعف مما سبق، لكنه كان موجودًا.
ظهرت المخلوقات النورانية الثلاثة، لكنها بدت متعبة، كأنها استنزفت طاقة كبيرة للوصول إليّ.
تكلم الوسط منهم بصوت هادئ يحمل تعاطفًا:
«سمعنا نداءاتك... كلها. لم نستطع الرد إلا الآن. التوازن كان هشًا جدًا.»
نهضتُ على ركبتيّ أمامهم، دموعي تسيل بغزارة.
«أرجوكم... أعيدوها. افعلوا أي شيء. خذوا حياتي، خذوا ذاكرتي، خذوا جسدي... لكن أعيدوها إليّ.»
نظرت المخلوقات إلى التمثال طويلاً. ثم قالوا:
«سنحاول. لكن الطاقة المطلوبة هائلة... وقد تكون لها آثار جانبية غير متوقعة.»
وقفوا حول التمثال في مثلث، ورفعوا أيديهم النورانية. بدأ ضوء أبيض نقي ينبعث منهم ويغمر التمثال المرمري.
كنت أراقب بقلب يدق بجنون. الضوء ازداد شدة تدريجيًا، حتى أصبح التمثال يلمع كأنه مصنوع من القمر نفسه. شعرت بطاقة هائلة تملأ الغرفة.
ثم... بدأت أشعر بشيء غريب.
كان جسدي يرتجف. في البداية ظننته تأثرًا عاطفيًا، لكن الأمر كان مختلفًا. كنت أتقلص.
«ماذا... يحدث؟» همست بصوت مرتجف.
لم يردوا. كانوا مركزين تمامًا على التمثال.
استمر الضوء في التدفق. بدأ التمثال يرتجف قليلاً، وكأن المرمر يلين. شعرت بأمل هائل ينبض في صدري.
لكنني في الوقت نفسه كنت أصغر... أصغر... أصغر.
في غضون دقائق، أصبحت بحجم إنسان صغير جدًا، ثم بحجم ***، ثم بحجم يد، ثم... بحجم خلية دم.
كنت أقف الآن على أرضية الغرفة، صغيرًا جدًا، أنظر إلى التمثال الذي أصبح عملاقًا أمامي. كان الضوء لا يزال يغمر التمثال بقوة.
سمعت صوت المخلوقات النورانية داخل عقلي، ضعيفًا هذه المرة:
«لقد نجحنا... هي تعود. لكن طاقة الإحياء كانت أقوى مما توقعنا... وأنت دفعت الثمن.»
ثم اختفت المخلوقات.
وقفتُ وحيدًا، صغيرًا جدًا، أنظر إلى جسد ألكسندرا آنا لورا الذي بدأ يتحرك ببطء شديد. أصابعها الحجرية بدأت تلين، وخدها اكتسب لونًا ورديًا خفيفًا.
كنت أبكي من الفرح والرعب في الوقت نفسه، صوتي الصغير لا يكاد يُسمع:
«ألكسندرا... أنا هنا... أنا هنا يا حبيبتي...»
الفصل السادس والثلاثون: داخل الوريد (Inside the Vein)
استيقظت ألكسندرا آنا لورا ببطء شديد، كأنها تعود من موت طويل.
فتحت عينيها الزرقاوين بصعوبة، ونظرت حولها في الغرفة البلورية. كان جسدها لا يزال يرتجف قليلاً، وكأن المرمر لا يزال يتمسك ببعض خلاياه. حاولت النهوض، فسقطت مرة أخرى على السرير.
«أحمد...» همست بصوت جاف ومكسور.
لم يرد أحد.
نظرت حولها مرة أخرى، لكنها لم ترَ شيئًا. لم تسمع صوته. كان التمثال الذي كانت عليه قد اختفى، ولم يبقَ سوى فراغ بارد.
كنتُ أقف على الأرضية أمامها، صغيرًا جدًا، بحجم خلية دم تقريبًا. كنت أصرخ بكل قوتي:
«ألكسندرا! أنا هنا! انظري إليّ! أنا تحت قدميكِ!»
لكن صوتي لم يكن يصل إليها. كان صوتًا صغيرًا جدًا لا يكاد يُسمع حتى لنفسي.
فجأة، ظهرت المخلوقات النورانية مرة أخرى. نظرت إليّ واحدة منها برفق، ثم رفعت يدها. شعرت بطاقة دافئة تحيط بي، وفجأة أصبح صوتي يصل إلى عقل ألكسندرا مباشرة عبر تقنية تخاطرية متقدمة.
«ألكسندرا... حبيبتي... أنا هنا. أنا أحمد. أنا صغير جدًا الآن... لكنني هنا.»
اتسعت عيناها. جلست ببطء، وبحثت حولها بيأس. لم تراني، لكنها سمعت صوتي داخل رأسها. ردت بصوت خافت جدًا، همسة رقيقة حتى لا ترعبه:
«أحمد... يا حبيبي... أين أنت؟ لا أراك... صوتك يأتي من كل مكان ولا مكان.»
حاولت المخلوقات النورانية مساعدتها. رفعوا جسدي الصغير بلطف باستخدام حقل طاقي، ووضعوه على منصة مجهر ضخم متقدم.
ألكسندرا انحنت فوق المجهر، عيناها الدامعتان مليئتان بالرعب والحزن. عندما رأتني تحت العدسة — صغيرًا جدًا، ألوح بيديّ بيأس — انهارت تمامًا.
بدأت تبكي بحرقة، دموعها تسقط على المنصة مثل أمطار عملاقة بالنسبة لي.
«لا... لا... ماذا فعلوا بك؟» همست بصوت مرتجف. «أحمد... حبيبي... أنا آسفة... آسفة جدًا...»
كنت أبكي أنا الآخر، وأصرخ داخل المجهر:
«لا تبكي! أنا بخير! أنا حي! أنا فقط... صغير.»
نظرت المخلوقات النورانية إلينا طويلاً، ثم تكلم أحدها:
«هناك طريقة قديمة... طريقة استخدمت في عوالم أخرى منذ زمن بعيد. يمكننا حقن أحمد داخل جسدكِ، داخل الدورة الدموية. سنزوده بجهاز اتصال دقيق جدًا يسمح له بالتواصل معكِ من داخل أوردتكِ. ربما... ربما يساعد ذلك في إعادته إلى حجمه الطبيعي. الطاقة الحيوية في جسدكِ قد تكون المفتاح.»
نظرت ألكسندرا إليّ تحت المجهر، ثم إلى المخلوقات، وهي لا تزال تبكي.
«افعلوا ذلك... أرجوكم. أريد أن أشعر به داخلي... حتى لو كان صغيرًا.»
قبل أن يبدأوا العملية، نظرتُ إليها من تحت العدسة وهمست بصوت مكسور لكنه مليء بالحب:
«سأعود إليكِ... مهما كان الثمن.»
الفصل السابع والثلاثون: داخلها (Inside Her)
كانت الغرفة البلورية غارقة في ضوء أبيض هادئ ومخيف في الوقت نفسه.
وقفت ألكسندرا آنا لورا شاحبة، جسدها لا يزال ضعيفًا بعد عودته من حالة المرمر. كانت عيناها منتفختين من البكاء، لكنها كانت مصممة. جلست على الكرسي الطبي المتقدم، ومدّت ذراعها النحيل.
نظرت المخلوقات النورانية إليها، ثم إليّ — الصغير جدًا على منصة المجهر.
«سنزود أحمد بجهاز اتصال دقيق جدًا. سيكون قادرًا على التواصل معكِ من داخل دمك. الطاقة الحيوية في جسدكِ قد تكون الكفيلة بإعادته إلى حجمه الطبيعي... لكننا لا نضمن النتيجة.»
نظرت ألكسندرا إليّ تحت المجهر، وهمست بصوت مرتجف:
«أحمد... هل أنت خائف؟»
رددتُ بصوتي الصغير الذي نقلته المخلوقات إلى عقلها:
«أنا خائف... لكنني أريد أن أعود إليكِ. حتى لو كنت داخلكِ.»
ابتسمت ابتسامة حزينة باكية، ثم أومأت برأسها للمخلوقات.
وضعوا جهازًا متناهي الصغر داخلي — عبارة عن كرة بلورية دقيقة تلامس قلبي. شعرت بدفء غريب ينتشر في جسدي الصغير.
ثم... بدأت عملية الحقن.
ألكسندرا أغمضت عينيها عندما أدخلوا الإبرة الدقيقة في وريدها. شعرتُ بقوة جذب هائلة، ثم انطلقتُ داخل تيار دمها الدافئ.
كان الأمر مذهلاً ومرعبًا.
كنت أطفو داخل نهر أحمر دافئ، يجري بسرعة هائلة. كنت أرى خلايا الدم الحمراء تمر بجانبي ككواكب عملاقة. سمعت صوت قلبها يدق حولي كطبول كونية عميقة.
«أحمد... هل تسمعني؟» جاء صوتها داخل رأسي، خافتًا ورقيقًا جدًا.
«أسمعكِ... أنا داخلكِ الآن. أشعر بدفئكِ... أشعر بقلبكِ.»
بكت ألكسندرا بهدوء وهي تضع يدها على صدرها.
«أشعر بك... خفيفًا جدًا... لكنني أشعر بك.»
كنت أتحرك مع تيار الدم، أمر بجانب رئتيها، أقترب من قلبها. كان كل نبضة من قلبها تهزني كزلزال صغير. كنت أتحدث معها طوال الوقت:
«أنا هنا يا حبيبتي... أنا داخلكِ... أنا جزء منكِ الآن.»
«لا تتركني...» ردت بصوت مكسور. «ابقَ معي... حتى لو كنت صغيرًا.»
شعرت المخلوقات النورانية بالطاقة تتدفق بيننا. قال أحدهم:
«الطاقة الحيوية في جسدها تتفاعل معك. استمر في التواصل... قد يساعد ذلك.»
ساعات طويلة مرت وأنا أسبح داخل دمها. كنت أتحدث معها باستمرار، أروي لها ذكرياتنا، أغني لها بصوتي الصغير، أقول لها كم أحبها.
كانت ألكسندرا مستلقية على السرير، تضع يدها على صدرها، وتبتسم وسط دموعها وهي تسمع صوتي داخلها.
«أشعر أن قلبي لم يعد فارغًا... أنت الآن بداخله حرفيًا.»
في تلك اللحظة، شعرت بطاقة دافئة تنتشر في جسدي الصغير. بدأت خلايا دمها تتفاعل مع الجهاز الذي زرعوه داخلي.
كان هناك أمل... ضعيف، لكنه موجود.
«لا تتركيني أبدًا يا ألكسندرا.»
«لن أتركك... أنت الآن جزء من دمي.»
الفصل الثامن والثلاثون: نبض داخل النبض (Pulse Within a Pulse)
مرت أيام غريبة داخل جسد ألكسندرا آنا لورا.
كنت أعيش في عالم أحمر دافئ، يتدفق باستمرار. كنت أتحرك مع تيار الدم، أمر بجانب جدران الأوردة الناعمة، أقترب أحيانًا من قلبها فيسحقني نبضه بقوة حنونة، ثم أبتعد مع التيار مرة أخرى. كان كل شيء هناك حيًا ودافئًا ومليئًا بها.
كنت أتحدث معها طوال الوقت.
«الآن أنا قرب قلبكِ... أسمعه يدق بقوة. هل تشعرين بي؟»
كانت تجيب بصوت خافت في غرفتها، وهي تضع يدها على صدرها:
«نعم... أشعر بشيء خفيف يتحرك داخلي. كأن قلبي لم يعد ينبض لوحده.»
كانت تمضي ساعات طويلة وهي تتحدث معي. تروي لي عن طفولتها، عن أحلامها، عن خوفها من أن أبقى هكذا إلى الأبد. كنت أستمع إليها، وأرد عليها، وأحاول أن أضحكها حتى في أعماق دمها.
في إحدى الليالي، شعرتُ بأصابعها تضغط بلطف على صدرها، كأنها تحاول أن تلمسني.
«هل أنت هنا الآن؟» همست.
«نعم... أنا قريب جدًا من قلبكِ.»
ابتسمت ابتسامة حزينة، وقبلت أصابعها ثم وضعتها على صدرها مرة أخرى، كأنها تقبلني.
«أحبك... حتى لو كنت داخل دمي.»
مع مرور الأيام، بدأت ألاحظ تغيرات.
كانت خلايا دمها تتفاعل مع الجهاز الصغير الذي زرعته المخلوقات النورانية داخلي. شعرت بطاقة دافئة تنمو تدريجيًا في جسدي. كنت أكبر ببطء شديد — من حجم خلية دم إلى حجم رأس دبوس، ثم أكبر قليلاً. لكن التقدم كان بطيئًا جدًا.
كانت ألكسندرا تتحدث معي كل يوم، وأحيانًا تروي لي قصصًا قديمة، أو تعزف على الكمان وتضع الآلة قرب صدرها حتى أسمع الموسيقى ترتعش في دمها.
ذات مرة، وبينما كنت أقترب من منطقة قريبة من بطنها، همست لها:
«أنا الآن قرب بطنكِ... أشعر بدفئه.»
ضحكت ضحكة خفيفة ممزوجة بالبكاء، ووضعت يدها على بطنها بلطف.
«كأنك *** صغير داخلي... طفلي أنا.»
لكن لم يكن كل شيء سهلاً.
كانت هناك لحظات صعبة، خاصة عندما كانت تتحرك بسرعة أو تمارس تمارين خفيفة. كنت أُرمى مع التيار بقوة، أصطدم بجدران الأوردة، وأشعر بالدوار. كنت أخبرها في كل مرة، فتعتذر لي وتجلس بهدوء حتى أستقر.
في إحدى الليالي، وبعد أن شعرت بتعب شديد، همست لها:
«أنا متعب... لكنني سعيد. أنا معكِ... داخلكِ.»
ردت بصوت ناعم مليء بالحنان:
«ابقَ قويًا يا حبيبي. أريد أن أحتضنك مرة أخرى بين ذراعيّ... وليس فقط داخل دمي.»
كنت أشعر أن الطاقة داخلي تكبر تدريجيًا. ربما بعد أسابيع أو أشهر، سأعود إلى حجمي الطبيعي.
لكن في تلك اللحظة، كنت سعيدًا بطريقة غريبة.
كنت داخل المرأة التي أحبها... حرفيًا.
الفصل التاسع والثلاثون: رحلة داخل الروح (Journey Inside the Soul)
مرت أسابيع أخرى وأنا أسبح داخل دم ألكسندرا آنا لورا.
كنت قد تعودت على هذا العالم الأحمر الدافئ، لكن الفضول دفعني للاستكشاف. بمساعدة الجهاز الذي زرعته المخلوقات النورانية، كنت أستطيع التحكم في حركتي إلى حد ما. فبدأت رحلة طويلة عبر جسدها.
انتقلت أولاً إلى شعيرات أصابع يديها. كنت أرى كيف تتدفق الدماء بسرعة خفيفة عندما تحرك أصابعها على الكمان أو تمسك بالقلم للرسم. كنت أشعر بدفء يديها من الداخل، وأهمس لها:
«أنا الآن في أصابعكِ اليمنى... أشعر كيف ترتجفين قليلاً عندما تعزفين. أنتِ رائعة حتى في أدق تفاصيلكِ.»
ثم انتقلت إلى قدميها. شعرت بالطاقة القوية في عضلاتها، خاصة عندما تمشي على الشاطئ أو تسبح. كنت أرى كيف يتدفق الدم بقوة وحيوية في أوردة قدميها.
«قدمكِ... قوية وناعمة في الوقت نفسه. أحبكِ من هنا أيضًا.»
استمررت في رحلتي. مررت بكبدها، حيث شعرت بقوة حياتية هائلة تنبعث منه. ثم كليتيها، اللتين كانتا تعملان بكفاءة مذهلة. ثم طحالها، ولسانها عندما تتحدث أو تغني لنفسها بهدوء. ورحمها الذي ينتظر استضافة أبنائنا
كنت أنبهر بجمالها من الداخل كما أنبهر به من الخارج.
«يا إلهي... أنتِ جميلة حتى في أعضائكِ الداخلية. كل شيء فيكِ منظم، حي، نقي... أحبكِ من الداخل يا ألكسندرا. أحبكِ من الداخل والخارج.»
عندما وصلت إلى عينيها، كان الأمر ساحرًا. رأيت العالم من منظورها — رؤية زرقاء نقية، مليئة بالعواطف. وعندما وصلت إلى أذنيها، سمعت صوت نبض قلبها يتردد بقوة أكبر. أما مخها... فكان عالمًا من البرق والألوان والذكريات. شعرت بأفكارها عني، بحبها، بقلقها، بأملها.
«مخكِ... هو أجمل مكان زرته في حياتي. أرى كل ذكرياتنا هنا... أرى حبكِ لي.»
كانت طاقة دمها ودفئه يغذياني. لم أكن بحاجة إلى طعام أو شراب. الجهاز الذي زرعته المخلوقات كان يحول الطاقة الحيوية في دمها إلى غذاء كامل لي. كنت أشبع وأروى منها فقط.
في أحد الأيام، ظهرت المخلوقات النورانية مرة أخرى.
راقبوا الوضع طويلاً، ثم قال أحدهم:
«لقد استجاب جسدكِ للعلاج بشكل أفضل مما توقعنا. أنت تنمو بسرعة الآن. إذا بقيت داخلها أكثر، قد تتضخم وتسبب خطرًا عليها.»
نظرت ألكسندرا بقلق، ووضعت يدها على صدرها.
«ماذا سنفعل؟»
«سننتشله الآن. لكن العملية ستكون حساسة.»
شعرت بطاقة قوية تسحبني تدريجيًا من التيار الدموي. كنت أصعد ببطء عبر أوردتها، أمر بجانب قلبها مرة أخيرة، ثم...
خرجتُ من جسدها عبر إبرة دقيقة جدًا.
كنت الآن أكبر قليلاً — بحجم حبة أرز تقريبًا — لكنني لا زلت صغيرًا جدًا. وضعتني المخلوقات على راحة يد ألكسندرا.
نظرت إليّ بعينين دامعتين، ثم ابتسمت ابتسامة مليئة بالحب والدموع.
«أحمد... أنت هنا... حقًا هنا.»
مددت يديّ الصغيرتين ولمست إصبعها، وهمست:
«نعم... وأنا لن أترككِ أبدًا.»
الفصل الأربعون: عودة الجسد (The Return of the Body)
كنت أقف على راحة يدها، صغيرًا جدًا، أنظر إلى وجهها العملاق أمامي. كانت عيناها الزرقاوان تفيضان بالدموع، لكنها كانت تبتسم — ابتسامة مرتجفة، مليئة بالحب والألم والأمل معًا.
«أحمد...» همست بصوت خافت جدًا حتى لا تؤذيني. «أنت هنا... أراك الآن.»
مددت يديّ الصغيرتين ولمست إصبعها بلطف. كانت بشرتها دافئة، حية، وكأنها عالم بحد ذاته.
«أنا هنا يا حبيبتي. عدتُ إليكِ... ولو كنت صغيرًا.»
جلست ألكسندرا على السرير البلوري، ووضعت يدها على وسادتها بلطف حتى أستقر عليها. كانت تنظر إليّ بإعجاب وحنان لا يُوصف، وكأنني أعجوبة صغيرة خرجت من أحلامها.
مرت الأيام التالية في مزيج من الفرح والقلق.
كانت المخلوقات النورانية تأتي يوميًا لمراقبة نموي. كان الجهاز داخلي يعمل بكفاءة، وكنت أكبر تدريجيًا — من حجم حبة أرز إلى حجم حشرة صغيرة، ثم إلى حجم فأر، ثم إلى حجم *** رضيع.
كانت ألكسندرا تعتني بي بكل حنان. كانت تضعني على صدرها عندما أنام، فأسمع نبض قلبها مباشرة — النبض الذي كنت أسبح بجانبه من قبل. كانت تتحدث معي ساعات طويلة، تقبلني بلطف على رأسي، وتضحك عندما أحاول أن أحتضن إصبعها بذراعيّ الصغيرتين.
في إحدى الليالي، وبينما كنت بحجم يد *** تقريبًا، جلست على راحة يدها وقالت لي بصوت ناعم:
«عندما كنت داخلي... كنت أشعر أنني لست وحدي. كأن قلبي كان يحمل سرًا حيًا. الآن... أريد أن أحملك بين ذراعيّ كما ينبغي.»
«وأنا أريد أن أحتضنك كما كنت أفعل... بكل قوتي.»
بعد أسابيع أخرى من النمو المستمر، جاء اليوم الحاسم.
كنت الآن بحجمي الطبيعي تقريبًا، لكنني كنت ضعيفًا وأعاني من دوار شديد. وضعتني المخلوقات النورانية على سرير خاص، وأجرت عملية نهائية لإعادة توازن طاقتي.
استيقظتُ في اليوم التالي... بحجمي الكامل.
كانت ألكسندرا جالسة بجانب السرير، تنظر إليّ بعينين واسعتين. عندما فتحت عينيّ ورأيتها بوضوح، امتددت يدي إليها.
احتضنتها بقوة، بكل ما تبقى فيّ من قوة. دفنت وجهي في شعرها، وهي دفنت وجهها في عنقي. بكينا معًا طويلاً، دون كلام.
«عدتَ...» همست بصوت مكسور.
«عدتُ إليكِ... و لن أغادركِ أبدًا.»
قبلتها بكل حبي، على شفتيها، على جبهتها، على عينيها. كانت قبلاتنا مختلطة بالدموع، مليئة بكل الشهور من الفراق والألم والشوق.
في تلك اللحظة، شعرنا أن كل ما مررنا به — الشقوق، الاختطاف، الذاكرة، التمثال، التصغير — كان مجرد طريق طويل أدى إلى هذه اللحظة.
كنا معًا أخيرًا... كاملين.
الفصل الحادي والأربعون: سر المرمر (The Secret of Marble)
بعد أيام من عودتي إلى حجمي الطبيعي، وبينما كنا نجلس معًا على الشرفة البلورية تحت ضوء الأقمار الثلاثة، سألتها السؤال الذي كان يؤرقني منذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها تمثالًا:
«ألكسندرا... لماذا تحولتِ إلى مرمر؟»
نظرت إليّ طويلاً. عيناها الزرقاوان كانتا تحملان عمقًا جديدًا، كأنها عادت من مكان أبعد من الموت نفسه. أمسكت يدي بقوة، ثم بدأت تتحدث بصوت هادئ:
«عندما كنتُ في فيينا... في قصر الكونت فيكتور... كنتُ أموت يوميًا. ليس جسدي فقط، بل روحي. كل ليلة كان يأخذني، وكل ليلة كنت أفقد جزءًا من نفسي. في إحدى الليالي، وبينما كان يضاجعني بعنف، شعرت أنني لم أعد قادرة على الاحتمال.
فاستدعيتُ كل طاقتي الكونية التي كانت لا تزال بداخلي... وفعلتُ شيئًا لم أفهمه حينها.»
تنهدت بعمق، وأكملت:
«حولتُ جسدي إلى حالة "تعليق زمني-طاقي". نوع من السبات الحجري الواعي. المرمر لم يكن موتًا... كان درعًا. درعًا أخيرًا حاولتُ به أن أحافظ على ما تبقى من روحي. كنتُ أعرف أنك ستأتي يومًا... وكنتُ أريد أن أبقى موجودة لك، حتى لو كنتُ تمثالًا.»
نظرتُ إليها بدهشة وحزن عميق.
«لكن... كيف حدث ذلك بالضبط؟»
ابتسمت ابتسامة حزينة.
«عندما أنقذتني، وعندما عبرنا البوابة عائدين، اصطدمت طاقتي المعلقة مع الطاقة الكونية للشقوق التي أغلقتها في الإمبراطورية. النتيجة كانت هذا التحول الكامل. جسدي تحول إلى مرمر نقي، لكن وعيي بقي حيًا داخل الحجر... أسمعك، أشعر بقبلاتك، أبكي بدموع لا تخرج... كنتُ أعيش كل لحظة من حزنك.»
مددت يدي ولمست وجهها. كانت بشرتها دافئة الآن، حية.
«كنتُ أقبل تمثالكِ كل يوم... وأنتِ كنتِ تشعرين بكل قبلة.»
«كنتُ أشعر... وكنتُ أبكي داخل الحجر.»
ساد الصمت بيننا للحظات. ثم همست:
«الكائنات النورانية قالت لي لاحقًا إن هذا التحول كان ضروريًا أيضًا. الطاقة التي أفرزها جسمي أثناء التحول إلى مرمر ساهمت في إغلاق الشق الأخير في الإمبراطورية. لكن السبب الحقيقي... كان حبي لك. أردتُ أن أبقى موجودة لك، بأي شكل.»
احتضنتها بقوة، ودفنت وجهي في شعرها.
«لن أدعكِ تتحولين إلى أي شيء بعد اليوم... أنتِ بشر، أنتِ ألكسندرا آنا لورا... وأنتِ ملكتي.»
قبلتها طويلاً، وقبّلتني هي، وكأننا نحاول أن نمحو كل الشهور الماضية بقبلة واحدة.
في تلك اللحظة، تحت ضوء الأقمار الثلاثة، شعرنا أن قصتنا — رغم كل الألم والغرابة — قد وصلت أخيرًا إلى مكانها الحقيقي.
معًا.
الفصل الثاني والأربعون: رحلة بين المجرتين (Journey Between Galaxies)
بعد أشهر من الهدوء النسبي، عادت الشقوق لتُظهر وجهها مرة أخرى.
في أحد الأيام، ظهرت المخلوقات النورانية فجأة في البرج البلوري. كان ضوؤها أكثر إلحاحًا هذه المرة.
«الخلل عاد... لكنه هذه المرة أكبر وأخطر. يقع في الفراغ بين مجرتكما — درب التبانة — ومجرة أندروميدا. إذا لم يُعالج، سيؤدي إلى تصادم كارثي بين المجرتين.»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ بعزم هادئ، ثم قالت بصوت حازم:
«سنذهب أنا وأحمد. سنعالجه.»
في اليوم التالي، وقفنا على سطح البرج المفتوح تحت ضوء الأقمار الثلاثة. كانت ألكسندرا ترتدي بيكيني أزرق داكن بسيط جدًا يبرز جمال جسدها النحيل المشدود. أما أنا فكنت أرتدي مايوه رجالي أسود فقط. كنا شبه عراة، لكننا لم نشعر بالبرد.
أحاطتنا المخلوقات النورانية بحقل طاقي شفاف تمامًا، غير مرئي تقريبًا. كان هذا الحقل يحمينا من الفراغ القاتل، يجدد الأكسجين، يوفر الغذاء والماء، ويحمينا من الاحتكاك والحرارة والإشعاع.
مددتُ يدي، فأمسكت ألكسندرا يدي بقوة. نظرنا إلى بعضنا مبتسمين.
«مستعدة؟» سألتُها.
«معكَ... دائمًا.»
انطلقنا.
اخترقنا الغلاف الجوي لكوكبها بسرعة مذهلة. كان الحقل الطاقي يلمع بلون أزرق خفيف حولنا، ونحن نرى الأرض الزرقاء تبتعد تدريجيًا تحتنا. شاهدنا الأقمار الثلاثة عن قرب — الفضي الضخم، والأزرق الصغير، والذهبي الخافت — وهي تدور حول الكوكب ببطء مهيب.
ثم اجتزنا المجموعة الشمسية الخاصة بعالمها. مررنا قرب كواكب غريبة: واحدة ذات حلقات متلألئة، وأخرى مغطاة بغابات متوهجة، وثالثة تتكون من بلورات عملاقة تعكس ضوء نجومها. كنا نمسك أيدينا بقوة، شبه عراة، نحلق في الفراغ الهائل.
كانت ألكسندرا تضحك من وقت لآخر، سعيدة بهذه الحرية الكونية. اقتربت مني، قبلتني قبلة طويلة في الفراغ، بينما كانت النجوم تمر حولنا كأنها ألعاب نارية بطيئة.
«أشعر أنني حرة تمامًا معكَ.» همست داخل عقلي عبر الاتصال.
«وأنا أشعر أن الكون كله ملكنا.» رددتُ وأنا أضمها إليّ.
استمررنا في الطيران عبر مجرة درب التبانة، نمر بين النجوم والسدم الملونة، نبحث عن موضع الخلل بين مجرتنا وأندروميدا. كان الحقل الطاقي يحمينا، والدفء بين أجسادنا شبه العارية يمنحنا الشعور بالحياة في قلب الفراغ البارد.
كنا نعرف أن المهمة خطرة... لكننا كنا معًا.
الفصل الثالث والأربعون: الشق بين المجرتين (The Rift Between Galaxies)
استغرقت الرحلة أسابيع طويلة، لكن الزمن في الفضاء الواسع يفقد معناه.
كنا نمر بين أذرع مجرة درب التبانة كأننا حلم يطير. مررنا قرب سدم عملاقة ملونة بالوردي والأزرق، ونجوم حديثة الولادة تتلألأ كالماس، وثقوب سوداء هادئة تبتلع الضوء حولها. كانت يدي في يد ألكسندرا آنا لورا طوال الوقت، وأجسادنا شبه العارية تلامس بعضها داخل الحقل الطاقي الشفاف.
في إحدى اللحظات، اقتربت مني وقبّلتني قبلة طويلة عميقة وسط الفراغ، بينما كانت النجوم تمر من حولنا كشهب بطيئة.
«أشعر أنني أعيش حلمًا معكَ.» همست داخل عقلي.
«وأنا أشعر أن الكون كله صغير مقارنة بحبي لكِ.»
أخيرًا، وصلنا إلى الحد الفاصل بين مجرتنا ومجرة أندروميدا.
كان المكان مرعبًا في جماله. فراغ هائل مظلم، يفصل بين مليارات النجوم. وفي وسطه، كان الخلل واضحًا: شق كوني هائل يشبه جرحًا أرجوانيًا متلألئًا، ينبض كقلب مريض. منه كانت تتسرب طاقة فوضوية سوداء، وكأن نسيج الواقع نفسه يتمزق.
وقفت ألكسندرا أمام الشق، عيناها الزرقاوان تعكسان انعكاساته المتلألئة. كانت لا تزال ترتدي البيكيني الأزرق فقط، وجسدها يلمع تحت ضوء النجوم البعيدة.
«هذا أكبر مما توقعنا.» قالت بجدية. «الطاقة هنا غير مستقرة تمامًا.»
حاولتُ الاقتراب، لكن الحقل الطاقي حولنا اهتز بقوة. شعرت بقوة جذب مرعبة تسحبنا نحو الشق.
«ابقَ قريبًا مني.» قلتُ لها وأنا أمسك يدها بقوة أكبر.
بدأت ألكسندرا في العمل. رفعت يديها، واستدعت كل قدراتها المائية والطاقية. حولنا بدأ الماء يتشكل من الفراغ نفسه — قطرات متلألئة هائلة تجمعت لتشكل شبكة بلورية عملاقة حول الشق. كنت أدعمها بطاقتي، أرسل موجات طاقية لتعزيز شبكتها.
كان الشق يقاوم بشراسة. كانت موجات طاقية سوداء تنفجر نحوه، تحاول تمزيق الشبكة. في إحدى اللحظات، اهتز الحقل الواقي حولنا بشدة، وكدنا نسقط في الفراغ.
احتضنتها بقوة من الخلف، جسدي الشبه عاري ملتصق بجسدها، وهمست في أذنها:
«معًا... نحن أقوى.»
صرخت ألكسندرا بكل قوتها. انفجر الضوء الأزرق من جسدها، وامتدت الشبكة البلورية لتغلق الشق تمامًا. استمر الصراع دقائق طويلة، حتى اهتز الكون حولنا، ثم... سكت كل شيء.
انغلق الشق.
ساد صمت كوني عميق. كانت ألكسندرا تلهث في حضني، جسدها ملتصق بجسدي، وعرقها يلمع تحت ضوء النجوم.
نظرت إليّ بعينين متعبة لكن منتصرة، ثم قبلتني قبلة طويلة، شغوفة، كأنها تؤكد أننا ما زلنا أحياء.
«نجحنا... معًا.» همست.
احتضنتها بقوة أكبر، وأنا أشعر بدفء جسدها الشبه العاري ينتشر فيّ.
«دائمًا معًا.»
حولنا، بدأت النجوم في مجرتي درب التبانة وأندروميدا تتلألأ بسلام من جديد، كأن الكون كله يتنفس الصعداء.
الفصل الرابع والأربعون: العودة والألم (The Return and the Pain)
عاد بنا الحقل الطاقي إلى برجنا البلوري بعد رحلة طويلة ومرهقة. كانت ألكسندرا آنا لورا تمسك يدي بقوة، وكلانا لا يزال شبه عارٍ، يرتدي البيكيني والمايوه فقط. كنا متعبين، لكننا شعرنا بالانتصار.
«أخيرًا... نحن في المنزل.» همست وهي تضع رأسها على كتفي.
ابتسمتُ وهممتُ أن أرد عليها، لكن فجأة...
انفجر ألم حاد ومبرود في بطني.
كان الألم يضربني كالسكين — في المرارة، ثم في البروستاتا، ثم في قلبي. انحنى جسدي فجأة، وسقطت على ركبتيّ على الأرضية البلورية. صرخت من شدة الألم.
«آآآآه!»
«أحمد!» صاحت ألكسندرا مذعورة وهي تركع بجانبي. «ماذا بك؟! أحمد!»
كان الألم يزداد بجنون. شعرت كأن شيئًا يحرق المرارة، وكأن بروستاتي تتمزق، وقلبي يعاني من تقلصات عنيفة. كنت ألهث، وعرقي يتصبب بغزارة.
انهارت ألكسندرا تمامًا. بدأت تبكي بحرقة، ثم تولول بصوت مرتفع مليء بالرعب:
«لا لا لا! أحمد! لا تمت! أرجوك لا تمت!»
كانت تصرخ وهي تحتضن رأسي، دموعها تسيل على وجهي:
«الكائنات النورانية! أرجوكم! أرجوكم! تعالوا! أنقذوه! أنقذوا حبيبي! لا تأخذوه مني!»
كانت تولول بشدة، جسدها يرتجف، وهي تضم رأسي إلى صدرها وتبكي كطفلة مذعورة.
فجأة، ارتفع الضوء الأبيض النوراني في الغرفة.
ظهرت المخلوقات الثلاثة. نظرت إلى حالتي بسرعة، ثم تكلم أحدها:
«الرحلة الكونية الطويلة والتعرض للطاقة الفوضوية بين المجرتين تسببت في حصوات مرارية حادة، تضخم في البروستاتا، وضعف في عضلة القلب. الوضع خطير.»
بكت ألكسندرا بجنون أكبر:
«أنقذوه! افعلوا أي شيء! أرجوكم!»
نظرت المخلوقات إليها، ثم قالت:
«هناك طريقة واحدة سريعة وفعالة. سنصغركِ أنتِ أيضًا، وندخلكِ مع أدوات دقيقة جدًا داخل مجرى دم أحمد. ستكونين قادرة على تفتيت الحصوات مباشرة، وإزالة التضخم، وإصلاح عضلة القلب من الداخل.»
لم تتردد ألكسندرا ولو لثانية واحدة.
«افعلوها! الآن!»
بعد دقائق، صغرت المخلوقات ألكسندرا آنا لورا إلى حجم متناهٍ الصغر، وزودتها بأدوات طبية دقيقة جدًا. ثم حقنوها داخل وريدي.
شعرتُ بدفء مألوف ينتشر داخلي مرة أخرى.
«أحمد... أنا داخلك الآن.» جاء صوتها الهادئ والمحب داخل رأسي. «سأعالجك... سأشفيكَ... انتظرني.»
كنت أتلوى من الألم، لكنني ابتسمت وسط الوجع:
«أنا أحبكِ... حتى داخل دمي.»
«وأنا أحبكَ... سأعود إليكَ قريبًا... كاملة.»
بدأت ألكسندرا رحلتها الداخلية داخل جسدي، لتفتت الحصوات، ولتقلص البروستاتا المتضخمة، ولتصلح عضلة قلبي المتعبة.
كنت أشعر بها تتحرك داخلي... وكنت أعرف أن حبنا، مرة أخرى، قد تجاوز كل الحدود.
الفصل الخامس والأربعون: رحلة الشفاء الداخلية (The Inner Healing Journey) (النسخة المعدلة)
كنت أتلوى على السرير من شدة الألم، لكنني كنت أشعر بها... أشعر بألكسندرا آنا لورا داخلي.
«أحمد... أنا الآن في الوريد الكبير... أتحرك نحو المرارة.»
صوتها داخل رأسي كان هادئًا وثابتًا.
بعد أن انتهت من تفتيت الحصوات في المرارة، انتقلت نحو منطقة البروستاتا. كانت متضخمة وملتهبة. شعرتُ بدفء خفيف ينتشر في تلك المنطقة، ثم...
شعرتُ بشيء ناعم جدًا، دقيق جدًا، يلامس المنطقة الحساسة.
كانت ألكسندرا الصغيرة تقبّل أجزاء رجولتي من الداخل، حول البروستاتا، بكل حنان وشغف. كانت قبلاتها الصغيرة جدًا، لكنها كانت تسبب شعورًا غريبًا بالتلذذ — مزيج من الدفء والرعشة الخفيفة التي تنتشر في جسدي كله رغم صغر حجمها.
«أحمد...» همست له بصوت رقيق داخل عقله. «أحبك... أحب كل أجزائك... حتى هذه.»
شعرتُ برعشة لذيذة تمر في جسدي. رغم كل الألم، كان هناك متعة غريبة وعميقة في معرفتي أنها هناك، تهتم بكل جزء مني، تقبله وتعالجه بحبها.
«ألكسندرا... يا حبيبتي...» همستُ بصوت مكسور من المتعة والعواطف.
استمرت في عملها، تقبل وتلمس بلطف شديد، ثم تستخدم الأدوات الدقيقة لتقليص التضخم وتهدئة الالتهاب. كان كل لمسة منها تجلب راحة تدريجية، وكل همسة منها تملأ قلبي بحب أعمق.
«أنا أحبك من الداخل... كما أحبكِ من الخارج.»
ثم انتقلت إلى قلبي.
كانت عضلة القلب ضعيفة. وقفت أمامها، وبدأت تعمل بكل تركيزها. كانت تصلح الخلايا التالفة، تقوي الأنسجة، وتعيد التوازن للنبض.
«قلبك... قلبك جميل جدًا من الداخل.» همست بحنان عميق. «سأجعله أقوى... من أجلنا.»
كان كل نبضة من قلبي تهزها، لكنها كانت تستمر في عملها بإصرار.
بعد ساعات طويلة من العمل الدؤوب داخل جسدي، أعلنت المخلوقات النورانية:
«لقد نجحت. يمكننا سحبها الآن.»
تم سحب ألكسندرا آنا لورا بحذر من مجرى دمي، وأعيدت إلى حجمها الطبيعي بجانب السرير.
كنت لا أزال مستلقيًا، لكن الألم كان قد اختفى تقريبًا. فتحت عينيّ ببطء ورأيتها تقف أمامي، متعبة لكنها تنظر إليّ بابتسامة منتصرة.
«أحمد...»
مددت ذراعيّ بضعف. هرعت إليّ وسقطت في حضني. احتضنتها بكل ما تبقى فيّ من قوة، وهي تبكي على صدري.
«شفيتك... شفيتك من الداخل... كما شفيتني أنت.»
قبلت شعرها، ثم جبهتها، ثم شفتيها.
«أنتِ معجزتي... أنتِ شفائي.»
بقينا متشابكين طويلاً، جسدانا يرتجفان من التعب والعواطف. كان حبنا قد تجاوز كل الحدود — بين الأكوان، بين الأزمان، وبين الجسد والروح.
الفصل السادس والأربعون: برج النسيان وجرس الشيطان (The Tower of Forgetfulness and the Devil's Bell)
لم يدم السلام طويلاً.
بعد أسابيع قليلة من شفائي الكامل، ظهرت المخلوقات النورانية فجأة في وسط البرج البلوري. كان ضوؤها أكثر إلحاحًا وقلقًا من أي وقت مضى.
«خلل جديد وخطير حدث في الزمن. هذه المرة في عصر الإمبراطورية النمساوية المجرية، في أواخر القرن التاسع عشر. الشق هناك يهدد بانهيار كامل للجدران الزمنية في تلك الحقبة.»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ بعزم هادئ، ثم قالت بصوت ثابت:
«سنذهب أنا وأحمد. مرة أخرى.»
في اليوم التالي، وقفنا على منصة الانتقال. أعطتنا المخلوقات خاتمين زمنيين جديدين، وأحاطتنا بحقل طاقي قوي.
انطلقنا.
وصلنا إلى فيينا عام 1897، في قلب الإمبراطورية النمساوية المجرية.
كان الجو باردًا، والشوارع مليئة بالخيول والعربات والناس بملابس القرن التاسع عشر. لكن المدينة كانت تشعر بالتوتر. كان هناك خلل زمني واضح: أجزاء من المباني تظهر وتختفي، والناس يشعرون بـ«ذكريات غريبة» لا يعرفون مصدرها.
أقامت ألكسندرا آنا لورا في برج مهجور عجيب يُدعى «برج النسيان» (Der Turm des Vergessens). كان البرج مظلمًا، مليئًا بكتب قديمة متآكلة، وكان يُقال إن من يقيم فيه يبدأ ينسى أجزاء من حياته تدريجيًا.
أما أنا، فقد أقمت في برج آخر مواجه له تمامًا، يُدعى «جرس الشيطان» (Die Teufelsglocke). كان برجًا مرعبًا، يحتوي على جرس قديم ضخم يُقال إنه يرن لوحده في بعض الليالي، ويسبب هلوسات وجنونًا لمن يسمعه.
كنا نرى بعضنا من النوافذ. كان برجان متجاوران، لكنهما يفصل بينهما شارع ضيق وعميق.
في الليلة الأولى، وقفت ألكسندرا على نافذة برجها، ووقفتُ أنا على نافذة برجي. رفعنا أيدينا في الظلام، كأننا نلمس بعضنا من بعيد.
«أشعر بالبرد هنا... لكنني أشعر بدفئك.» همست لي عبر الاتصال.
«وأنا أشعر أن الشيطان نفسه يراقبنا... لكنني لا أخاف مادمتِ قريبة.»
بدأنا العمل في اليوم التالي. كانت ألكسندرا تستخدم مواهبها في الموسيقى والرسم لجذب الانتباه وجمع معلومات عن الخلل. أما أنا، فكنت أستخدم المال والذكاء للوصول إلى النبلاء والعلماء في الإمبراطورية.
لكن البرجين كان لهما تأثير غريب.
في برج النسيان، بدأت ألكسندرا تنسى بعض التفاصيل الصغيرة عن حياتنا. أما في جرس الشيطان، فكنت أسمع أصواتًا غريبة في رأسي، أصوات تدفعني للشك في كل شيء.
كنا نتواصل كل ليلة من النوافذ، ننظر إلى بعضنا تحت ضوء القمر، ونحاول أن نحافظ على ذاكرتنا... وعلى حبنا.
كانت المهمة خطرة، والزمن في هذا العصر يبدو أنه يحاول أن يبتلعنا.
الفصل السابع والأربعون: طاقية النسيان (The Cap of Forgetfulness)
مرت أيام قليلة في برجي «جرس الشيطان»، وكنت أشعر أن ذاكرتي بدأت تتآكل ببطء.
كنت أنسى أسماء بعض الأشياء، ثم وجوه بعض الأشخاص، ثم... بدأت أنسى ألكسندرا تدريجيًا. كنت أتذكر أنني أحب شخصًا ما، لكنني لم أعد أتذكر وجهها بوضوح.
في البرج المقابل، «برج النسيان»، كانت ألكسندرا آنا لورا تمشي حافية القدمين في غرفة نومها.
كانت ترتدي قميص نوم أبيض طويل وشفافًا قليلاً، يتمايل مع خطواتها الهادئة. كانت تسير جيئة وذهابًا في الغرفة المضاءة بشمعة واحدة فقط، وهي تبتسم ابتسامة فارغة، كأنها **** صغيرة تتجول في مكان غريب.
لم تلاحظ أنها تدريجيًا أصبحت خفية.
كان جسدها يتلاشى ببطء، كأنها ترتدي طاقية الإخفاء الأسطورية. في البداية اختفت قدماها الحافيتان، ثم ساقاها، ثم خصرها، ثم صدرها، ثم وجهها... حتى أصبحت غير مرئية تمامًا.
فقدت كل ذاكرتها.
لم تعد تتذكر أحمد، ولا عالمها، ولا قدراتها، ولا حتى اسمها. أصبحت مثل **** صغيرة بلا أي ذاكرة سابقة، تسير في الغرفة وهي تبتسم ببراءة فارغة.
حاولتُ الاتصال بها مرات عديدة عبر الخاتم الزمني، لكن لا رد. كنت أشعر باليأس يأكلني، وذاكرتي تتلاشى أكثر فأكثر.
فجأة، ظهر في غرفة ألكسندرا رجل أعمى.
كان يشبهني تمامًا — نفس الوجه، نفس القامة، نفس الشعر، نفس الملامح. لكنه كان أعمى، عيناه مغلقتان بضمادة سوداء قديمة.
اقترب منها بخطوات بطيئة، يتحسس الجدار بيده. ثم اصطدم بجسدها الخفي فجأة.
توقف. مد يده ببطء، ولمس كتفها غير المرئي. ثم انتقلت يده إلى وجهها، تحسس أنفها، شفتيها، أذنيها، شعرها... ثم نزلت إلى جسدها.
كانت ألكسندرا لا تقاوم. لم تعد هي أصلًا. فقدت كل ذاكرة وكل شخصية. كانت فقط كائنًا خفيًا يتنفس بسرعة متزايدة.
تحسس الرجل نهديها، ذراعيها، يديها، ثم خصرها وبطنها. كانت تتنفس بصوت أعلى، وجسدها الخفي يرتجف من الإثارة رغم عدم فهمها لما يحدث.
همس الرجل بصوت يشبه صوتي تمامًا:
«من أنتِ؟... أنتِ جميلة جدًا...»
ردت ألكسندرا بصوت طفولي فارغ:
«لا أدري من أنا... ولا أعلم عن نفسي وحياتي أي شيء.»
استمر الرجل في تحسس جسدها، وهي لا تقاوم، بل بدأت تتنفس بسرعة أكبر، وجسدها الخفي يستجيب للمساته.
كنت أنا في البرج المقابل، أشعر بشيء غريب يحدث، لكن ذاكرتي كانت تتلاشى أكثر فأكثر...
الفصل الثامن والأربعون: ظل جيسيكا (Shadow of Jessica)
بينما كان الرجل الأعمى يتحسس جسد ألكسندرا الخفي في برج النسيان، كنت أنا أقف في غرفة نومي في برج جرس الشيطان، أحاول أن أتذكر شيئًا... أي شيء.
ذاكرتي كانت تتلاشى بسرعة مخيفة. لم أعد أتذكر وجه ألكسندرا بوضوح. كنت أعرف أنني أحب شخصًا ما، لكنني لم أعد أتذكر اسمها.
فجأة، فُتح الباب ببطء.
دخلت امرأة نبيلة.
كانت تشبه جيسيكا بيل تمامًا — نفس الجمال الهادئ، نفس العينين الداكنتين اللامعتين، نفس الشعر البني المموج، نفس القوام المثالي. كانت ترتدي فستانًا أسود أنيقًا من عصر الإمبراطورية، وكانت تنظر إليّ كأنها تعرفني منذ زمن طويل.
اقتربت مني بخطوات هادئة، ثم احتضنتني بقوة، ضاغطة جسدها على جسدي. شعرت بدفء صدرها، ورائحة عطرها القديم.
«أخيرًا وجدتك...» همست في أذني بصوت ناعم يشبه صوت جيسيكا بيل. «زوجي الأعمى يلعب في البرج المقابل... وأنا هنا معك.»
تجمدت. «زوجكِ...؟»
ابتسمت ابتسامة غامضة، وهي لا تزال تحتضنني.
«نعم. الرجل الأعمى الذي يشبهك تمامًا... هو زوجي. لكنه لا يراني. أما أنت... فأنت الذي أراه.»
مدت يدها ولمست وجهي بلطف، ثم قبلتني قبلة طويلة، عميقة، كأنها تعرفني منذ سنين. كانت قبلتها حارة، جائعة، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.
شعرت بدوار شديد. ذاكرتي كانت تتلاشى أكثر، لكن جسدي كان يستجيب لها. احتضنتها من الخصر، ورددت على قبلتها بقوة، وأنا لا أفهم ما يحدث.
همست في أذني وهي تبتعد قليلاً:
«أنا زوجته... لكنني أريدك أنت. في هذا البرج، كل شيء ممكن... حتى النسيان.»
نظرتُ نحو النافذة، نحو برج النسيان المقابل. كنت أعرف أن ألكسندرا هناك... لكنني لم أعد أتذكر وجهها جيدًا.
كانت المرأة التي تشبه جيسيكا بيل تمسك بيدي، وتقودني نحو السرير بابتسامة هادئة.
الفصل التاسع والأربعون: ليلة الظلال (Night of Shadows)
لم أستطع مقاومة المرأة التي تشبه جيسيكا بيل.
كانت تقودني نحو السرير الكبير في غرفة برج جرس الشيطان، يدها الناعمة تمسك يدي بقوة. كان فستانها الأسود ينزلق ببطء عن كتفيها، يكشف عن بشرتها البيضاء الناعمة. كانت تنظر إليّ بنظرة تعرف كل شيء، كأنها تعرف جسدي أكثر مما أعرفه أنا.
«لا تفكر في شيء الآن...» همست بصوت ناعم يشبه صوت جيسيكا بيل تمامًا. «في هذا البرج، النسيان نعمة.»
دفعتني بلطف على السرير، ثم صعدت فوقي. كانت حركاتها بطيئة ومدروسة، كأنها تتذكر كل لمسة سابقة. قبلتني بعمق، شفتاها تمتصان شفتيّ، ولغتها تتحرك بحرية. كانت يداها تنزلق على صدري، ثم أسفل بطني، ثم أخذت تلامس رجولتي بأصابع ماهرة.
شعرت بدوار شديد. ذاكرتي كانت تتلاشى أكثر فأكثر، لكن جسدي كان يستجيب لها بقوة. كانت تتحرك فوقي ببطء في البداية، ثم أسرع، وهي تنظر إليّ بعينين مليئتين بالشهوة والغموض.
«أنتَ ملكي الآن...» همست وهي تئن بخفوت. «كما أن زوجي الأعمى يمتلك تلك المرأة في البرج المقابل.»
كنت أمسك خصرها، أدفع نفسي داخلها بعمق، وأنا أشعر بالمتعة تختلط بالذنب والنسيان. كانت كل حركة منها تجعلني أنسى المزيد — وجه ألكسندرا، اسمها، حبنا... كل شيء كان يذوب تحت لمساتها.
في البرج المقابل، كان الرجل الأعمى (الذي يشبهني تمامًا) لا يزال يتحسس جسد ألكسندرا الخفي. كان يقبلها، يضمها، ويهمس لها كلمات لا تفهمها، بينما هي — بلا ذاكرة — تستجيب بجسدها فقط، تنفسها يتسارع، وهي لا تعرف حتى اسمها.
كنا في برجين متقابلين، نغرق في ليالٍ من الشهوة والنسيان.
في منتصف الليل، وبينما كانت المرأة التي تشبه جيسيكا بيل مستلقية على صدري، همست لي:
«غدًا... سيكون الجرس أعلى. وسينسى الجميع كل شيء.»
لم أرد. كنت أنظر نحو النافذة، نحو برج النسيان المظلم، وأشعر أن شيئًا ما داخلي يصرخ... لكنه صوت بعيد، يكاد لا يُسمع.
الفصل الخمسون: ذروة النسيان (The Peak of Oblivion)
في ليلة الذروة، اهتز برج جرس الشيطان بعنف.
كنت أقف في وسط الغرفة، جسدي يرتجف. الذاكرة كانت تتلاشى بسرعة مرعبة. لم أعد أتذكر اسم ألكسندرا، ولا وجهها، ولا حتى سبب وجودي هنا. كنت أعرف فقط أنني أبحث عن شيء... أو شخص.
فجأة، دخلت المرأة التي تشبه جيسيكا بيل. كانت تحمل جهازًا صغيرًا يشبه الترمومتر، لكنه يقيس الحمض النووي.
اقتربت مني، وضعته على ذراعي، ثم نظرت إلى النتيجة. ابتسمت ابتسامة غامضة.
«مؤشر الحمض النووي يؤكد... أنت مطابق تمامًا لزوجي الأعمى. نفس التسلسل الجيني. نفس كل شيء.»
ثم وضعت الجهاز على ذراعها هي.
«وأنا... مطابقة تمامًا لجيسيكا بيل. نفس الحمض النووي. نفس كل شيء.»
نظرت إليها بدهشة. كان عقلي يدور.
«هل هذا... تناسخ أرواح؟»
ضحكت ضحكة خفيفة حزينة.
«ربما. أو ربما نحن نسخ موازية دائمة التكرار. في كل زمن، في كل برج، نلتقي... وننسى.»
اقتربت مني، احتضنتني بقوة، وهمست في أذني:
«لكن في هذا الزمن... أنا أريدك. حتى لو كنت زوجة الرجل الذي يشبهك.»
في البرج المقابل، كان الرجل الأعمى (الذي يشبهني تمامًا) لا يزال يتحسس جسد ألكسندرا الخفي. كان يهمس لها:
«أنتِ جميلة... حتى لو كنتِ غير مرئية. أشعر بكِ... وأعرفكِ.»
كانت ألكسندرا — بلا ذاكرة — تتنفس بسرعة، جسدها الخفي يستجيب للمساته. لم تعد تعرف من هي، ولم تعد تعرف أن هناك شخصًا يدعى أحمد ينتظرها.
كان النسيان قد بلغ ذروته.
في تلك اللحظة الحاسمة، وقبل أن يرن جرس الشيطان، بلغت ذروة النسيان والشهوة.
في برج النسيان، كان الرجل الأعمى ينهش ألكسندرا آنا لورا نهشًا جشعًا، نهمًا، جنونيًا. كان يغطي جسدها الخفي بالقبلات الحارة المتوحشة، يضمها بقوة إلى صدره، يهمس لها كلمات مليئة بالرغبة المرضية، ويطعنها بطعنات الحب العميقة والمستمرة. كان يتحسس كل جزء منها بيديه الجشعتين، يقبل عنقها، صدرها، بطنها، فخذيها، وهو يئن بصوت يشبه صوتي تمامًا، وكأنه يحاول أن يبتلعها كلها.
وفي الوقت نفسه، في برج جرس الشيطان، كنت أنا أفعل الشيء نفسه مع المرأة التي تشبه جيسيكا بيل. كنت أنهشها نهشًا جشعًا، نهمًا، جنونيًا. كنت أغطي جسدها بالقبلات المتوحشة، أضمها بقوة إلى صدري، أهمس لها كلمات مليئة بالرغبة، وأطعنها بطعنات الحب العميقة والمستمرة. كنت أتحسس كل منحنى في جسدها، أقبل عنقها، صدرها، بطنها، فخذيها، وأنا أئن بصوت مكسور، غارق في الشهوة والنسيان.
كان البرجان يشهدان على مشهدين متوازيين، مرآتين مظلمتين من الجشع والضياع.
وتوالت الأيام والليالي بسرعة خرافية، وهذا الجشع والنهم يتكرر لديّ ولدى الرجل الأعمى حتى لم أعد أعلم هل مر أسبوع أم شهر أم عام كامل ونحن غارقين في عسل الرغبة الفائق الحلاوة مع المرأتين.
في تلك اللحظة، رن جرس الشيطان بصوت مدوي.
اهتز البرجان معًا. شعرت أنا والمرأة التي تشبه جيسيكا بيل بذكرياتنا تعود فجأة وبشكل مؤلم. أما في البرج الآخر، صاح الرجل الأعمى بصوت يشبه صوتي:
«ألكسندرا...!»
فجأة، ظهرت المخلوقات النورانية في كلا البرجين.
«النسيان كان اختبارًا. الآن... حان وقت الاختيار.»
نظرتُ إلى المرأة التي تشبه جيسيكا بيل، ثم نظرت نحو البرج المقابل.
كان عليّ أن أختار.
الفصل الحادي والخمسون: عودة الذكرى والذنب (The Return of Memory and Guilt)
رن جرس الشيطان بصوت مدوي هز البرجين معًا.
فجأة، عادت الذكريات إلينا كسيل جارف.
كنت أقف في غرفة برج جرس الشيطان، جسدي يرتجف. عادت كل الذكريات دفعة واحدة — وجه ألكسندرا، حبنا، رحلاتنا، تضحياتنا... وعادت أيضًا ذكرياتي مع المرأة التي تشبه جيسيكا بيل. كل قبلة، كل لمسة، كل ليلة من الشهوة الجنونية.
شعرت بذنب شديد يمزق صدري. سقطت على ركبتيّ، وأمسكت رأسي بيديّ.
«ماذا فعلتُ...؟»
في البرج المقابل، عادت ذاكرة ألكسندرا آنا لورا أيضًا. كانت لا تزال خفية، لكنها تذكرت كل شيء — الاغتصاب المتكرر، الإذلال، ثم... ما حدث مع الرجل الأعمى. بدأت تبكي بحرقة، جسدها الخفي يرتجف، وهي تتذكر كيف استجابت له رغمًا عنها في حالة النسيان.
كان الرجل الأعمى (الذي يشبهني) قد عاد إليه وعيه أيضًا. وقف مذهولًا، يدرك أنه خان زوجته (شبيهة جيسيكا) مع ألكسندرا. شعر بذنب مرير، وهو يهمس بصوت مكسور:
«ماذا فعلتُ...؟»
أما المرأة التي تشبه جيسيكا بيل، فقد جلست على السرير في برجي، تبكي بهدوء. كانت تدرك أنها خانت زوجها الأعمى معي. شعرت بالخزي الشديد، لكنها همست لنفسها:
«كنا جميعًا بلا ذاكرة... كان النسيان هو العذر... وكان اللعنة.»
اجتمعنا الأربعة في ساحة بين البرجين بعد ساعات. كانت ألكسندرا قد عادت إلى الظهور، لكن وجهها كان شاحبًا. وقفت أنا بجانبها، والرجل الأعمى بجانب زوجته.
كان الجو ثقيلاً بالذنب.
نظرت ألكسندرا إليّ بعينين دامعتين:
«سمحتُ له... حتى لو كنتُ بلا ذاكرة... سمحتُ له يلمسني... يأخذني...»
بكيت وأنا أمسك يدها:
«وأنا فعلتُ الشيء نفسه معها... كنتُ أغرق فيها كل ليلة... أنا آسف يا حبيبتي... آسف جدًا.»
نظرت المرأة التي تشبه جيسيكا بيل إلى زوجها الأعمى، ثم إلينا:
«خنّا بعضنا... كلنا... لكننا كنا بلا ذاكرة. كان النسيان هو السبب... وكان العذر.»
قال الرجل الأعمى بصوت مكسور:
«رغم ذلك... الذنب موجود. لكن ربما... كان هذا هو الثمن لإغلاق الخلل.»
نظرت ألكسندرا إلى المخلوقات النورانية التي ظهرت فجأة بيننا.
«نعم.» قال أحدهم. «معاناتكم... شهوتكم... ذنوبكم... كانت الطاقة المطلوبة لإغلاق الشق النهائي. لم يكن هناك طريق آخر.»
ساد الصمت.
ثم نظرت ألكسندرا إليّ، وأمسكت يدي بقوة رغم دموعها.
«سنعيش مع هذا الذنب... لكننا سنعيش معًا.»
احتضنتها بقوة، وهي تبكي على صدري. كان الذنب ثقيلاً، لكنه كان مشتركًا.
كان الخلل قد أُغلق... لكن الندوب بقيت.
الفصل الثاني والخمسون: ندوب البرجين
في البرج البلوري، تحت ضوء الأقمار الثلاثة الشاحب تلك الليلة، كان الصمت أثقل من أي شق كوني.
جلست ألكسندرا آنا لورا على حافة السرير البلوري، ترتدي قميص نوم أبيض بسيطًا يلتصق بجسدها النحيل. شعرها الأسود الطويل منسدل على كتفيها، وعيناها الزرقاوان محمرتان. لم تنظر إليّ مباشرة. كنت أقف أمامها، يديّ ترتجفان.
«قلها.» همست أخيرًا بصوت مكسور. «قل كل ما فعلته معها... مع شبيهة جيسيكا.»
تنهدت بعمق. الكلمات كانت تحترق في حلقي، لكنني عرفت أن الكذب سيكون أسوأ من الاعتراف.
«كنتُ أغرق.» بدأت بصوت خافت. «النسيان كان يأكلني. لم أعد أتذكر وجهكِ بوضوح... فقط شعور بالفراغ. هي... جاءت إليّ. قبلتني. لمستني. وأنا... لم أقاوم. قضينا ليالي... نهشنا بعضنا كوحوش جائعة. كنت أدخلها بعمق، أمسك خصرها، أقبل صدرها، أئن باسمها... أو بما تبقى من صوتي.»
ارتجفت ألكسندرا. دموعها سقطت على قميصها.
«وأنا...» ردت بصوت يرتجف، «كنتُ خفية تمامًا. لا ذاكرة. لا اسم. كان الرجل الأعمى — الذي يشبهك تمامًا — يتحسسني. يقبل جسدي الذي لا يراه. يداه على نهديّ، على فخذيّ، داخلي... وأنا كنت أستجيب. كنت أئن. كنت أفتح له نفسي رغمًا عني، لأنني لم أعد أعرف أنني أنتمي إليك.»
ساد صمت رهيب. ثم نهضت فجأة، واقتربت مني حتى أصبح وجهاها على بعد سنتيمترات.
«هل استمتعتَ بها؟» سألتني بعينين دامعتين. «هل كانت ألذ مني؟»
«لا.» أجبت بصدق قاسٍ. «كانت مختلفة. كانت شهوة فارغة. أما أنتِ... أنتِ كل شيء. لكن الذنب... الذنب يحرقني الآن.»
بكت بصوت مكسور، وضربت صدري بقبضتها ثم سقطت في حضني. احتضنتها بقوة، ودفنت وجهي في شعرها.
«أنا آسف... آسف جدًا يا مليكتي.»
«وأنا آسفة...» همست وهي تبكي. «سمحتُ له يأخذني... حتى لو كنتُ لا أعرف.»
بقينا متشابكين ساعات، نبكي ونعتذر ونعيد سرد التفاصيل المؤلمة. كان الاعتراف مؤلمًا، لكنه كان ضروريًا.
الفصل الثالث والخمسون: بحر الذكريات
في اليوم التالي، جاءت المخلوقات النورانية الثلاثة.
«الندوب لا تُشفى بالبكاء فقط.» قال الوسط منهم. «بل بالمواجهة الكاملة.»
أحاطت بنا دائرة من الضوء الأبيض الناعم. شعرنا بأجسادنا تذوب تدريجيًا، ثم وجدنا أنفسنا داخل «بحر الذكريات» — فضاء كوني داخلي لامتناهٍ، مليء بأمواج شفافة تحمل مشاهد حياتنا.
كنا عاريين تمامًا، نطفو في الماء الدافئ الذي كان يعكس كل ذكرى.
«انظرا إلى بعضكما.» أمر المخلوقات.
رأيتُ المشاهد بوضوح مؤلم: أنا مع شبيهة جيسيكا، أدخلها بعنف شهواني، أمسك ثدييها، أعضّ عنقها. وفي الوقت نفسه، رأت ألكسندرا الرجل الأعمى يغطي جسدها الخفي بالقبلات الجشعة، يدخلها ببطء ثم بعنف، يئن بصوتي.
بكينا. لكن الماء كان يحيط بنا، يدفعنا نحو بعضنا.
اقتربت ألكسندرا مني في البحر. جسدها النحيل الرطب يلمع. عيناها الزرقاوان مليئتان بالألم والرغبة معًا.
«أريد أن أمحو ذلك... بك.» همست.
احتضنتها بقوة. قبلتها بعمق، لساني يلتقي بلغتها. يديّ انزلقت على جسدها المبلل — على نهديها المشدودين، على خصرها، على مؤخرتها الناعمة. رفعها الماء فالتفت ساقاها حول خصري.
دخلتها ببطء، بعمق، داخل بحر الذكريات نفسه. كانت دافئة، ضيقة، ترتجف. تحركنا معًا ببطء أولاً، ثم بإيقاع أعنف. كانت أظافرها تغرس في ظهري، وهي تنظر إليّ بعينين دامعتين.
«أنا لكِ... فقط لكِ.» همستُ وأنا أدفع أعمق.
«وأنا لكَ... حتى لو تذكرنا كل الخيانات.» ردت وهي تئن.
انفجر النشوة بيننا كضوء كوني. الماء حولنا امتلأ بصور ذكرياتنا الحقيقية — أول لقاء، عبور البوابة، الشاطئ تحت الأقمار، كل لحظة حب حقيقي. طغت هذه الذكريات على مشاهد البرجين، وكأن البحر يغسل الندوب.
عندما عدنا إلى البرج، كنا متعبين لكن أقوى. احتضنت ألكسندرا وجهي بكفيها.
«الذنب سيبقى... لكنه لن يفصلنا.»
«أبدًا.» أجبت وقبلت جبهتها.
تحت الأقمار الثلاثة، نامت في حضني، جسدها العاري ملتصق بجسدي، وقلباها يدقان معًا. كان الشفاء قد بدأ... لكن الحرب الكونية كانت لا تزال تنتظر.
الفصل الرابع والخمسون: كوكب الشفاء
بعد أيام من جلسات العلاج الكوني، تغير شيء عميق في عيني ألكسندرا آنا لورا.
كانت تجلس معي على الشرفة البلورية في البرج، تنظر إلى الأقمار الثلاثة بصمت طويل. ثم التفتت إليّ فجأة، عيناها الزرقاوان تحملان تعبًا لم أره من قبل.
«أحمد... أنا تعبتُ.» همست. «تعبتُ من الشقوق، ومن البنية القديمة، ومن الذنوب، ومن مواجهة نسخنا، ومن خوفي الدائم عليك. أريد... أريد أن نهرب. فقط أنت وأنا. بعيدًا عن كل شيء.»
أمسكت يدها. «إلى أين؟»
ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة. «وجدتُ كوكبًا... في أحد الأكوان الهادئة. لم يمسسه أحد. يشبه الأرض تمامًا في قابليته للحياة، لكنه بدائي. بحار صافية، بحيرات هادئة، غابات كثيفة، صحارى ذهبية، جبال شاهقة، أنهار متدفقة، ومناطق جليدية نقية. فيه كل أنواع الفواكه والخضروات والحبوب والنباتات... لكن لا بشر. ولا حيوانات. فقط نحن.»
ترددت قليلاً ثم أكملت: «أريد أن نأخذ قطتيّ السياميين — لونا وسيلفا. ونصحب بعض الدجاج والديوك، وحملان، وماعز، وبقرة أو اثنتين، وجاموس. نبني منزلاً أمريكيًا بسيطًا... خشبيًا، دافئًا. نعيش بعيدًا عن أسرتي، وعن المخلوقات، وعن كل المشاكل الكونية. نستجم. نلتئم. ننسى.»
نظرت إليها طويلاً. كانت متعبة حقًا. السنوات من المعاناة، الاغتصاب في فيينا، التحول إلى تمثال، التصغير، الذنب في برج النسيان... كل ذلك ترك ندوبًا عميقة.
«إذا كان هذا ما تريدينه... فسأذهب معكِ إلى آخر الكون.»
بعد يومين فقط، أعددنا كل شيء.
أخذنا القطتين السياميين الرشيقتين، اللتين كانتا تتمايلان بأناقة وهما تنظران إلينا بفضول. حملنا بيض الدجاج المخصب، وحملان صغيرة، وماعز، وبقرتين، وجاموسًا واحدًا. وأحضرنا بذورًا وأدوات بناء بسيطة.
فتحت ألكسندرا بوابة زرقاء هادئة، واجتزناها معًا.
وصلنا إلى الكوكب عند الشروق.
كان المكان أجمل مما تخيلت. السماء زرقاء فاتحة بلمسة بنفسجية خفيفة، والهواء نقي يملأ الرئتين برائحة الأرض الرطبة والأزهار البرية. أمامنا امتد بحر أزرق هادئ، وخلفه غابة كثيفة خضراء، وفي البعيد جبال مغطاة بالثلج تتلألأ تحت الشمس.
«هنا.» قالت ألكسندرا وهي تمسك يدي بقوة. «هذا سيكون منزلنا.»
اخترنا موقعًا مرتفعًا قليلاً قرب النهر، مطلًا على البحر والغابة معًا. خلال الأسابيع التالية، بنينا المنزل بأيدينا. منزلاً أمريكيًا خشبيًا دافئًا، له شرفة واسعة، ومطبخ مفتوح، وغرفة نوم كبيرة تطل على الشروق، وحظيرة صغيرة للحيوانات.
كانت ألكسندرا سعيدة بطريقة لم أرها منذ زمن. تمشي حافية القدمين في التراب، ترتدي فستانًا أبيض خفيفًا، شعرها منسدل، وتضحك وهي تطعم الدجاج أو تحلب البقرة. القطتان لونا وسيلفا كانتا تتجولان بحرية، تصطادان فراشات وتتسلقان الأشجار.
في المساء، كنا نجلس على الشرفة، نأكل فواكه طازجة، ونستمع إلى صوت النهر والرياح في الأشجار. كنت أضع رأسي على صدرها، وهي تمرر أصابعها في شعري.
«هنا لا أحد يؤذينا.» همست ذات ليلة وهي تقبل جبهتي. «لا أكوان، ولا شقوق، ولا ذنوب... فقط أنت وأنا.»
كانت ليالينا هادئة وحساسة. نمارس الحب ببطء، بكثير من الحنان، كأننا نعيد اكتشاف أجساد بعضنا من جديد. أقبل كل ندبة في جسدها، وهي تقبل كل تعب في روحي. كانت تتأوه بهدوء تحت ضوء القمر، جسدها النحيل يرتجف تحتي، وعيناها الزرقاوان مغمضتان في لحظة سلام.
مرت الأيام بطيئة وجميلة. كنا نزرع حديقة، نصنع خبزًا، نرعى الحيوانات، نسبح في البحيرة العذبة، وننام تحت النجوم. ابتعدنا تمامًا عن عائلتها، ولم نفتح أي بوابة كونية.
لكن في أعماق قلبي، كنت أعرف أن هذا السلام... لن يدوم إلى الأبد. الكون لا يترك من يحبه هكذا بسهولة.
الفصل الخامس والخمسون: بذرة الحياة
لم يكن طمث ألكسندرا آنا لورا يومًا عائقًا أمام شغفنا.
منذ أن أصبحنا حبيبين، ثم مساكنين، ثم يويفريند وجيرلفريند في عالمها، كنا نعيش حياتنا الحميمية بحرية كاملة. كانت دورتها الشهرية لا تُضعف رغبتها، بل أحيانًا تزيدها اشتعالًا. كنت أجدها في تلك الأيام أكثر حساسية، أكثر رطوبة، أكثر جوعًا لجسدي. كنا نمارس الحب في السرير، أو تحت الدوش الخشبي البسيط، أو حتى على شاطئ النهر عندما يحمر القمر. كنت أدخلها ببطء وهي تنزف، وهي تتأوه بصوت أعمق، أظافرها تغرس في ظهري، ساقاها ملتفتان حولي بقوة أكبر، كأن دمها نفسه يشهد على اتحادنا.
«لا تتوقف أبدًا...» كانت تهمس في أذني وهي ترتجف، جسدها المشتعل يلتصق بجسدي رغم كل شيء.
مرت أشهر هادئة على الكوكب. كنا نعيش حياة بسيطة مفعمة بالحب والسلام. ألكسندرا كانت تبتسم أكثر، تضحك أكثر، وتتحرك بأنوثة هادئة تجعل قلبي يخفق كل مرة أنظر إليها.
ذات صباح مشمس، بعد نحو خمسة أشهر من وصولنا، استيقظتُ ووجدتها جالسة على حافة السرير، يدها على بطنها، وابتسامة غامضة على وجهها.
«أحمد...» نادت بصوت ناعم.
جلست بجانبها. «ما الأمر يا حبيبتي؟»
أمسكت يدي ووضعتها على بطنها. كان أكثر امتلاءً قليلاً، ونهداها كانا أكبر وأثقل، متورمين تحت القميص الخفيف.
«أنا... حبلى.» قالتها بهدوء، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة مليئة بالدموع. «توأم. ولد وبنت.»
تجمدت للحظة، ثم ضممتها إلى صدري بقوة. بكيت. بكت هي أيضًا. كان الخبر أجمل مفاجأة في حياتنا بعد كل المعاناة.
مع مرور الأسابيع، ازدادت جمالها وفتنتها بشكل مذهل. بطنها نبت تدريجيًا، مستديرًا وناعمًا، ونهداها امتلأا وأصبحا أكثر امتلاءً وثقلًا، حلمتاهما أغمق وأكثر حساسية. كانت بشرتها تضيء، وعيناها الزرقاوان تلمعان بحيوية جديدة. أصبحت أكثر أنوثة، أكثر نضجًا، وأكثر إغراءً.
لم يمنع الحمل شغفنا أبدًا. كنا نمارس الحب بحذر ولطف في البداية، ثم بشهوة متزايدة مع تقدم الحمل. كانت تحب أن أركع أمامها وأقبل بطنها المستدير، أمص نهديها المتورمين بلطف، وأدخلها من الخلف وهي مستلقية على جانبها. كانت تئن بصوت أعمق، أكثر حسية، جسدها يرتجف من أصغر لمسة.
«انظر كيف أصبحتُ...» قالت ذات ليلة وهي تقف أمام المرآة الخشبية الكبيرة عارية تمامًا. بطنها المنتفخ، نهداها الثقيلان، خصرها الذي لا يزال نحيلًا نسبيًا. «هل ما زلت تريدني هكذا؟»
اقتربت منها من الخلف، أحضنت بطنها بكفيّ، وقبلت عنقها.
«أنتِ الآن أجمل وأشهى من أي وقت مضى.» همستُ وأنا أدخلها ببطء، يدي تمسح بطنها بلطف بينما أتحرك داخلها.
كانت ليالينا مليئة بالحنان والشهوة. كانت تضع يدها على بطنها أثناء ذروتها، وكأنها تشارك التوأم في لحظة الحب. القطتان لونا وسيلفا كانتا تنامان قرب السرير، والحيوانات في الحظيرة تنعم بالهدوء.
في هذا الكوكب البدائي، كنا نبني عائلتنا بأيدينا. بعيدًا عن الأكوان والحروب والذنوب. فقط حب، وحياة جديدة تنمو داخلها.
لكن في أعماقي، كنت أعرف أن السلام هذا... هدية مؤقتة. والكون دائمًا له خطط أخرى.
الفصل السادس والخمسون: عيون في عقل الآخر
مرت أسابيع أخرى على الكوكب الهادئ، وكان بطن ألكسندرا آنا لورا ينمو ببطء جميل. كانت نهداها أكثر امتلاءً، وبشرتها تضيء بنور الأمومة. لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث داخلها سرًا.
في إحدى الليالي، وبينما كنا ننام متشابكين بعد لقاء حميم هادئ، استيقظت فجأة. عيناها الزرقاوان واسعتان في الظلام. كانت قد دخلت، دون أن تدري أو تريد، وعي أحمد-2 — النسخة الأخرى مني في الكون الآخر.
رأت كل شيء.
رأته مع كيرا: زوجته الطويلة الأمد. كانا في غرفة نوم دافئة، يمارسان الحب ببطء وبعمق، كأزواج يعرفون بعضهما منذ عقود. كيرا فوقها، تتحرك بإيقاع هادئ، صدرها يرتجف، وهي تنظر إليه بعينين مليئتين بالحب والرغبة. سمعت أحمد-2 يهمس لها كلمات حب، وهو يمسك خصرها ويدفع من الأسفل.
ثم رأته مع سوناكشي: في شقة سرية بعيدة عن المدينة. كانت العلاقة أكثر حدة وفكرية. سوناكشي الجميلة الهندية كانت تركبه بعنف، شعرها الأسود الطويل يتمايل، وهي تئن بصوت مكتوم وهي تتحدث معه بالعربية والإنجليزية أثناء اللحظة الحميمية. كان يمسكها بقوة، يقبل عنقها، ويهمس لها كلمات تجعلها ترتجف.
وأخيرًا... رأته مع إيميلي لورا أوليفيا بلانت: النشيطة المغامرة. كانا في رحلة قصيرة في كوخ خشبي. إيميلي تضحك أثناء ممارسة الحب، تتحرك بحماس وجرأة، جسدها المشدود يتعرق، وهي تقوده أحيانًا وتتركه يسيطر أحيانًا أخرى. كانت المتعة بينهما عفوية ومليئة بالضحك المختلط بالأنين.
جلست ألكسندرا في السرير، قلبها يدق بشدة. غيرة حارقة اجتاحتها، لكنها لم تستطع إغلاق العيون الداخلية. كانت تشعر بالغضب... وفي الوقت نفسه، كانت مثارة. جسدها استجاب. أصبحت رطبة، نهداها المتورمان يثقلان، وتنفسها يتسارع.
«لماذا... لماذا أرى هذا؟» همست لنفسها.
في الأيام التالية، تكررت الظاهرة دون سيطرة منها. كانت القدرة الجديدة قد تطورت داخلها سرًا — ربما بسبب الحمل، أو بسبب ارتباطها الطاقي العميق بي. كانت تدخل وعي أحمد-2 فجأة، تشاهد لقاءاته الحميمية الساخنة مع الثلاث نساء.
كانت تغار بشدة. تغار من دفء كيرا، من ذكاء سوناكشي، من طاقة إيميلي. لكنها في الوقت نفسه كانت سعيدة بطريقة غريبة. سعيدة أن «نسخة من أحمد» — الرجل الذي تحبه — محبوب بهذا الشكل، مرغوب من نساء جميلات وقويات. كانت تشعر بفخر غريب، وإثارة عميقة.
في إحدى الليالي، وبينما كنتُ نائمًا بجانبها، شاهدت مشهدًا ساخنًا بين أحمد-2 وسوناكشي. أغلقت عينيها، لكن الرؤية استمرت. يدها انزلقت بين فخذيها دون وعي، وهي تعض شفتها. جاءتها ذروة خفيفة وهي تشاهد.
عندما استيقظتُ في الصباح، وجدتها تحدق في السقف.
«ماذا بكِ؟» سألتُها وأنا أقبل بطنها المستدير.
نظرت إليّ طويلاً، ثم اعترفت بكل شيء. بصوت هادئ، خجول، ومثار.
«أرى... أرى ما يفعله أحمد-2 معهن. كل ليلة تقريبًا. أغار... أغار جدًا. لكنني أيضًا... أستمتع. أشعر بالسعادة له. وأثار.»
احتضنتها بقوة.
«هل تريدين أن أوقف هذا؟»
هزت رأسها. «لا... أعتقد أنني أحتاج أن أراه. أقنع نفسي دائمًا أنه شخص آخر. نسخة طبق الأصل منك، لكنه ليس أنت. أنت هنا... معي... ومع أولادنا.»
وضعت يدها على بطنها، ثم على وجهي.
«أنت أحمدي أنا. وهو... هو أحمد آخر. هذا ما أردده لنفسي.»
قبلتها بعمق، ومارست معها الحب في ذلك الصباح بهدوء شديد، بينما كانت لا تزال تحمل في عقلها صور ما رأته. كان جسدها أكثر حساسية، أكثر جوعًا.
كان هذا السر الجديد جزءًا من شفائها... وجزءًا من غيرتها التي لم تمت تمامًا.
الفصل السابع والخمسون: ولادة التوأم
كان اليوم السابع والأربعين بعد بداية الشهر التاسع.
كانت ألكسندرا آنا لورا تمشي ببطء في الشرفة الخشبية، يدها على بطنها الكبير المستدير، ووجهها يلمع بعرق خفيف تحت شمس الكوكب الدافئة. فجأة توقفت، أمسكت بالدرابزين، وأطلقت أنينًا عميقًا.
«أحمد... حان الوقت.»
هرعتُ إليها. كنت قد أعددنا كل شيء منذ أسابيع: غرفة الولادة الهادئة المطلة على النهر، الماء الدافئ، الأعشاب المهدئة التي جمعتها من الغابة، والمناشف النظيفة. رفضت أن نستدعي أي مساعدة كونية. أرادت أن تكون الولادة بيننا فقط، في هذا الكوكب البدائي الذي اختارته لنا.
ساعدتها على الاستلقاء في حوض الماء الدافئ الذي أعددناه داخل الغرفة. كانت عارية تمامًا، جسدها الممتلئ بالحياة يرتجف. نهداها الثقيلان يتمايلان مع كل تنهدة، وبطنها المشدود ينقبض بعنف.
«أنا معكِ... أنا هنا.» كنت أمسك يدها، أمسح جبينها، أقبل شعرها المبلل بالعرق.
استمرت المخاض ساعات طويلة. كانت ألكسندرا قوية بشكل مذهل. كانت تصرخ أحيانًا، ثم تأخذ نفسًا عميقًا وتضغط بكل ما تملك. كنت أهمس لها كلمات الحب، أقبل يديها، أمسح بطنها.
«أنتِ مليكتي... أنتِ أقوى امرأة في كل الأكوان.»
في اللحظة الأولى، خرج الطفل الأول — الولد. صرخ بقوة فور خروجه إلى الهواء. كان سليمًا، قويًا، شعره أسود خفيف مثل شعري، وعيناه زرقاوان فاتحتان مثل عيني أمه. رفعته بيدي المرتجفتين وقطعت الحبل السري.
«ابننا...» همست ألكسندرا وهي تبكي من الفرح رغم الألم.
بعد دقائق قليلة، جاء الثاني — البنت. كانت أصغر قليلاً، أكثر هدوءًا، لكن صرختها كانت حادة وجميلة. شعرها أسود ناعم، وملامح وجهها تشبه أمها بشكل واضح.
وضعت التوأم على صدر ألكسندرا. كانت متعبة جدًا، لكن ابتسامتها كانت أجمل ما رأيت في حياتي. نهداها المتورمان يتسرب منهما الحليب بالفعل، وبطنها الذي كان منتفخًا أصبح الآن متراخيًا بلطف.
احتضنت الطفلين بذراعيها الضعيفتين، ودموعها تسيل على خديها.
«مرحبًا بكما... أحمد الصغير... وألكسندرا الصغيرة.»
سميتاهما معًا: أحمد ريتشارد (تيمنًا بوالدها). لورا كريستينا (تيمنًا بوالدتها واسمها الثلاثي).
كانت القطتان لونا وسيلفا تجلسان قرب الحوض بهدوة، تنظران إلى الطفلين بفضول. خارج المنزل، كانت الدجاجات تهدأ، والبقرة تطلق صوتًا هادئًا كأنها تشارك الفرح.
في تلك الليلة، جلستُ بجانب السرير أراقب ألكسندرا وهي ترضع التوأم. كان المشهد أجمل لوحة في حياتي: جسدها المرهق بعد الولادة، نهداها المنتفخان يغذيان طفلينا، وعيناها الزرقاوان مليئتان بحب لا حدود له.
اقتربت منها وقبلت جبهتها، ثم قبلت رأس الطفلين.
«شكرًا لكِ... على كل شيء.»
نظرت إليّ بابتسامة متعبة لكن سعيدة.
«هذا ما كنتُ أحتاجه... عائلتنا. هنا. بعيدًا عن كل شيء.»
نام التوأم على صدرها، ونمت ألكسندرا من الإرهاق. جلستُ أراقبهم طوال الليل، قلبي ممتلئ بالسلام والخوف في الوقت نفسه.
كان الكوكب لا يزال هادئًا... لكنني شعرت في أعماقي أن هذه اللحظة المقدسة لن تستمر إلى الأبد.
الفصل الثامن والخمسون: ***** الزمن
مرت شهور قليلة على ولادة التوأم، لكن ما حدث كان أغرب مما تخيلنا.
في البداية، كان أحمد ريتشارد ولورا كريستينا ينمون بسرعة طبيعية. لكنهما سرعان ما بدآ يتغيران بطريقة غير طبيعية. في غضون أسابيع، بدأت أجسادهما تكبر، أسنانهما تنبت، كلماتهما تتكون، وذكاؤهما يتطور بسرعة مذهلة. خلال شهرين فقط، أصبح التوأم يبدوان في العاشرة من العمر تمامًا — طفلان طويلان، نشيطان، يركضان في الغابة ويسبحان في النهر ويتحدثان بطلاقة.
كنا أنا وألكسندرا نراقبهما بذهول وقلق شديدين.
«هذا ليس طبيعيًا...» قالت ألكسندرا ذات صباح وهي تنظر إلى لورا التي كانت تتسلق شجرة بمهارة **** في العاشرة. «هم ينمون بسرعة كونية.»
أمسكتُ يدها. كان التوأم يشبهاننا بشكل مخيف: أحمد الصغير كان يشبهني في الملامح والحركات، ولورا كانت نسخة مصغرة من أمها — عيون زرقاء لامعة، شعر أسود طويل، وذكاء حاد.
استغثنا بالكائنات النورانية.
ظهرت الثلاثة فورًا في وسط المنزل الخشبي. أحاطوا بالتوأم، ثم لمس الوسط منهم جبهة أحمد ريتشارد، والآخر جبهة لورا كريستينا. شعرنا بموجة طاقة دافئة تملأ الغرفة.
«الطاقة الكونية في دمكما تسرّع النمو.» قال أحدهم بصوت هادئ. «لقد أعدنا توازنهما. سيعودان إلى النمط الطبيعي... لكنهما لن يعودا رضيعين. سيبقيان في العاشرة.»
تنهدت ألكسندرا براحة مختلطة بالحزن. كانت قد افتقدت مرحلة الرضاعة والخطوات الأولى، لكنها كانت سعيدة أنهما بخير.
بعد ذلك، جلسنا مع التوأم على الشرفة. كانا ينظران إلينا بذكاء طفولي ناضج.
«أبي... أمي... لماذا كبرنا هكذا؟» سأل أحمد الصغير.
أجابت ألكسندرا بلطف: «لأنكما خاصان. أنتما ثمرة حب عابر للأكوان.»
في تلك الليلة، تذكرتُ صور ألكسندرا الممثلة — ألكسندرا آنا في عالمي — وهي تدلل ابنها، تحمله بابتسامة أمومية ناعمة، وصورها الحامل به. شعرت بغصة في حلقي. كانت ألكسندرا آنا لورا الآن أمًا حقيقية، وكانت أجمل من أي صورة رأيتها في حياتي.
لكن السلام لم يدم.
في اليوم التالي، اهتز الكوكب اهتزازًا خفيفًا. ارتفع الضوء الأزرق في السماء، وظهرت المخلوقات النورانية مرة أخرى فجأة، ووجوهها تعكس القلق.
«خلل كوني ضخم حدث.» قال الوسط منهم بصوت ثقيل. «في عالمك يا أحمد... في مصر القديمة. عصر حتشبسوت وتحتمس الثالث. الشق هناك يهدد بتمزيق نسيج الزمن في كامل حوض النيل، وربما يمتد إلى كل الأكوان.»
نظرت ألكسندرا إليّ. كانت عيناها الزرقاوان تحملان التصميم رغم التعب.
«علينا أن نذهب.» قالت بهدوء. «لكن هذه المرة... نأخذ أطفالنا معنا. لن نتركهم هنا وحدهم.»
احتضنت التوأم، اللذين كانا ينظران إلينا بفضول طفولي. كان السلام الذي بنيناه على الكوكب على وشك أن يواجه أول اختبار حقيقي له.
مصر القديمة... عصر الفراعنة العظام... كانت تنتظرنا.
الفصل التاسع والخمسون: بوابة النيل (النسخة المعدلة)
في صباح اليوم التالي، اجتمعنا أمام المنزل الخشبي.
كان أحمد ريتشارد ولورا كريستينا يقفان بجانبنا، يرتديان ملابس بسيطة خفيفة مناسبة للمناخ. كان الولد يشبهني في نظرته الحادة والفضولية، أما البنت فكانت نسخة مصغرة من أمها — عيون زرقاء واسعة وشعر أسود طويل مربوط بضفيرة.
«هل سنذهب إلى مصر القديمة؟» سأل أحمد الصغير بحماس.
«نعم يا بني.» أجبتُ وأنا أضع يدي على كتفه. «لكنها مهمة خطيرة. يجب أن تطيعانا تمامًا.»
نظرت ألكسندرا إلى التوأم بقلق أمومي واضح. كانت لا تزال متعبة من الولادة السريعة، لكن قوتها عادت إليها. ارتدت ثوبًا أبيض بسيطًا يبرز منحنيات جسدها بعد الحمل، ووضعت يدها على بطنها الذي عاد إلى نحافته تقريبًا.
«لن أترككما هنا.» قالت بحزم. «أنتم جزء منا الآن. سنواجه هذا معًا.»
استدعينا المخلوقات النورانية. ظهرت الثلاثة وسط دائرة ضوء أبيض هادئ.
«الخلل في عصر حتشبسوت وتحتمس الثالث.» أوضح الوسط. «الملكة حتشبسوت تحكم، والأمير تحتمس ينمو في ظلها. الشق الكوني يهدد بإعادة كتابة التاريخ المصري كله، مما قد يؤدي إلى انهيار تسلسل زمني كبير.»
أعطونا المخلوقات خاتمين زمنيين جديدين، وألبستنا ملابس عصرية مناسبة: أنا ارتديت ثوبًا كتانيًا أبيض كرجل نبيل مصري، وألكسندرا ارتدت فستانًا أبيض ملكيًا بسيطًا يليق بامرأة ذات مكانة عالية. أما التوأم فكانا يبدوان كطفلين نبيلين.
كانت ألكسندرا آنا لورا تبدو فاتنة بشكل لا يُوصف بالملابس الفرعونية. الفستان الأبيض الرقيق المطرز بخيوط ذهبية كشف عن منحنيات جسدها النحيل المشدود بعد الحمل، ونهديها الممتلئين، وخصرها الرشيق. تاج صغير من الذهب يزين شعرها الأسود الطويل، وعيناها الزرقاوان اللامعتان تخطف الأنظار. عندما تحدثت بالمصرية القديمة بطلاقة تامة (هيروغليفية ونطقًا) مع بعض الفلاحين الذين مرّوا قربنا، بدت كإلهة نزلت من السماء. صوتها الرقيق الواثق، ونطقها المثالي للغة الفراعنة، جعل الناس ينظرون إليها بدهشة وتبجيل، وبعضهم همس "إيزيس" أو "حتحور".
قبل أن نفتح البوابة، احتضنت ألكسندرا التوأم طويلاً.
«مهما حدث... لا تبتعدا عني.» همست لهما.
فتحت البوابة الزرقاء. اجتزناها جميعًا.
وصلنا إلى مصر القديمة عند شروق الشمس.
كان الهواء حارًا وجافًا، ورائحة النيل تملأ المكان. وقفنا على تل صغير مطل على النهر العظيم. أمامنا امتدت مدينة طيبة بمعابدها المهيبة...
أمامنا امتدت مدينة طيبة (الأقصر حاليًا) بمعابدها المهيبة، وتماثيلها الضخمة، وأهراماتها الناشئة. كان الناس يتحركون في الأسواق، والمراكب تمخر عباب النيل.
«واو...» همست لورا بدهشة وهي تمسك يد أمها.
أما أحمد الصغير فكان ينظر إلى كل شيء بعينين واسعتين.
شعرنا فورًا بالشق الكوني. كان يظهر كوميض خفيف أرجواني في السماء فوق معبد الكرنك، لا يراه إلا من لديهم قدرات مثل ألكسندرا.
«الخلل قوي هنا.» قالت ألكسندرا وهي تغمض عينيها. «يؤثر على الزمن نفسه. إذا لم نصلحه، قد يختفي عصر حتشبسوت كله.»
نظرت إليّ بعزم.
«علينا أن نتقدم بحذر. سنحتاج إلى الاقتراب من البلاط الملكي.»
احتضنت التوأم بقوة، وأمسكتُ يدها. كنا عائلة صغيرة تقف أمام أحد أعظم العصور في تاريخ البشرية، وفي الوقت نفسه أمام خطر يهدد كل الأكوان.
«معًا.» قلتُ.
«معًا.» رد الجميع.
بدأت مغامرتنا في مصر القديمة... عصر الملكة الفرعون حتشبسوت، وتحتمس الثالث الذي كان لا يزال شابًا.
الفصل الستون: مياه النيل المقدسة
بعد ساعات قليلة من وصولنا إلى ضفاف النيل، استقررنا في منطقة هادئة نسبيًا بعيدة عن الأنظار، لكنها قريبة بما يكفي من مدينة طيبة لنتمكن من مراقبة الوضع.
كان الجو حارًا، والشمس تضرب بقوة. التوأم — أحمد ريتشارد ولورا كريستينا — كانا يلهثان من الحر، وألكسندرا نفسها كانت عرقها يلمع على بشرتها. نظرت إليّ بعينين متعبة لكنها تحمل بريقًا مرحًا.
«دعونا نستحم في النيل.» قالت فجأة. «الأطفال بحاجة إلى الانتعاش، وأنا أيضًا.»
ترددتُ للحظة. «لكن البلهارسيا والطفيليات...»
ابتسمت ألكسندرا ابتسامة مطمئنة. رفعت يدها، وأظهرت وميضًا خفيفًا أزرق حول أصابعها.
«المخلوقات النورانية وضعت حاجزًا طاقيًا حول أجسادنا الأربعة قبل عبور البوابة. لا يمكن لأي طفيلي أو جرثوم أن يقترب منا. مياه النيل بالنسبة لنا الآن أنقى من أي نبع في كوكبنا.»
لم يحتج التوأم. خلعوا ملابسهم بسرعة (مع الحفاظ على قطع بسيطة للحياء)، وهرعوا إلى الماء. تبعتهم أنا وألكسندرا.
كانت المياه دافئة ومنعشة، تحمل رائحة الطمي الخصب ورائحة الحياة القديمة. سبح أحمد الصغير ولورا بمرح، يضحكان ويرشقان بعضهما بالماء. أما ألكسندرا فكانت تبدو فاتنة بشكل لا يُقاوم. وقفت في الماء حتى خصرها، الفستان الأبيض الرقيق الذي ارتدته التصق بجسدها، يكشف كل منحنى. شعرها الأسود الطويل مبلل وملتصق بظهرها وصدرها، وعيناها الزرقاوان تلمعان تحت شمس مصر.
اقتربت مني في الماء، التفت ساقاها النحيلتان حول خصري تحت السطح، ووضعت ذراعيها حول عنقي. قبلتني قبلة طويلة، عميقة، مليئة بالشوق المكبوت بعد أيام التوتر.
«هنا نشعر أننا جزء من التاريخ... وخارجه في الوقت نفسه.» همست في أذني، وهي تلامس شفتيّ بأنفاسها الساخنة.
كنت أمسك خصرها، أشعر بدفء جسدها المبلل، وأرد على قبلتها بحرارة. للحظات، نسينا الخلل الكوني، نسينا الخطر، وكأننا عائلة عادية تستمتع بنهر مقدس.
بعد السباحة، جلسنا على الضفة. كانت ألكسندرا ترتدي ثوبها مرة أخرى، لكنه كان مبللاً ويلتصق بجسدها، مما يبرز جمالها الأسطوري. تحدثت مع بعض الصيادين المارين بالمصرية القديمة بطلاقة تامة، فسألتهم عن أخبار البلاط. كانوا ينظرون إليها بدهشة وتبجيل، يظنون أنها كاهنة أو سيدة نبيلة.
«الملكة حتشبسوت تُعدّ لاحتفال كبير في الكرنك.» قال أحدهم. «والأمير تحتمس... يقال إنه يشعر بتوتر غريب هذه الأيام.»
تبادلنا أنا وألكسندرا النظرات. كان الخلل يبدأ في التأثير على التاريخ بالفعل.
في المساء، عاد التوأم من اللعب، متعبين وسعداء. ناما مبكرًا داخل الخيمة البسيطة التي أقمناها. جلستُ أنا وألكسندرا خارجها، نراقب النيل تحت ضوء القمر.
«هم يكبرون بسرعة... ونحن نواجه خطرًا قديمًا.» همست ألكسندرا وهي تضع رأسها على كتفي. «لكنني سعيدة أنهم معنا.»
قبلت شعرها المبلل برائحة النيل.
«سنحميهم... وسنصلح هذا الخلل.»
لكن في أعماقنا، كنا نعلم أن عصر حتشبسوت لن يكون سهلاً. الشق الكوني كان ينبض فوق معابد طيبة، وكأنه ينتظرنا.
الفصل الحادي والستون: النسخة الرجولية
مرت أيام قليلة على إقامتنا في طيبة، ننتظر اللحظة المناسبة للاقتراب من البلاط الملكي. كانت ألكسندرا آنا لورا تدرس الوضع بعناية، وتستخدم قدراتها لتراقب الشق الكوني الذي كان يتسع ببطء فوق معبد الكرنك.
في إحدى الليالي الحارة، فاجأتني بتغيير جديد.
خرجت من الخيمة مرتدية شعرًا رجاليًا قصيرًا مستعارًا أسود اللون، مصففًا بأسلوب نبيل مصري، وملابس فرعونية رجالية أنيقة: تنورة كتانية قصيرة، حزام ذهبي، وقلادة عريضة. كانت صدرها مربوطًا بضمادة خفيفة تحت الثوب ليبدو أكثر تسطحًا، لكن منحنيات جسدها النحيل لم تختفِ تمامًا.
وقفت أمامي مبتسمة بخجل خفيف وجرأة في الوقت نفسه.
«ماذا تظن؟» سألتني بالمصرية القديمة بصوتها الرقيق.
تجمدت للحظات. كانت تبدو... مذهلة. وجهها الجميل مع الشعر القصير أعطاها ملامح أندروجينية ساحرة. بدت كشاب نبيل وسيم، لكن مع عينين زرقاوين تخطفان الروح. تذكرتُ في تلك اللحظة كريستوفر ريف في شبابه — القوة، الوسامة، والكاريزما — لكن في نسخة أنثوية فاتنة ومثيرة.
«يا إلهي...» همستُ وأنا أقترب منها. «أنتِ جميلة... مثيرة جدًا. حتى لو كنتِ رجلاً.»
احمر وجهها قليلاً، لكن ابتسامتها اتسعت. اقتربت أكثر، صوتها همس ساخن:
«هل تفتنك هذه الهيئة؟»
لم أجب بالكلام. أمسكتها من الخصر وسحبتها إليّ بعنف رقيق. قبلتها بعمق، يدي تنزلق على جسدها تحت الثوب الرجالي. كانت مثارة جدًا. جسدها يرتجف تحت لمسي، وكأن هذا التنكر أثار فيها شيئًا جديدًا.
تلك الليلة كانت ليلة ساخنة وجنونية.
داخل الخيمة، تحت ضوء المصباح الزيتي الخافت، خلعتُ عنها الثوب الرجالي ببطء. كانت لا تزال ترتدي الشعر المستعار. دفعتها على الفراش، وقبلت عنقها، صدرها، بطنها. كانت تئن بصوت أعمق من المعتاد، وهي تتمسك بشعري.
«أنتِ الآن... كل شيء.» همستُ وأنا أدخلها بقوة. «رجل... امرأة... إلهة... كل شيء.»
تحركنا بعنف وشغف، أجسادنا ملتصقة، عرقها يختلط بعرقي. كانت تتأوه وتتكلم بالمصرية القديمة أثناء الذروة، صوتها يرتجف. في إحدى اللحظات، أمسكتُ شعرها المستعار القصير، وسحبتها إليّ، وهي تضحك ضحكة ساخنة مثيرة.
عندما انتهينا، استلقت على صدري، لا تزال ترتدي الشعر الرجالي. كانت تتنفس بصعوبة، وابتسامتها مليئة بالرضا.
«أحببتُ الطريقة التي نظرتَ بها إليّ.» همست. «كأنني أثارتك أكثر من المعتاد.»
قبلت جبهتها وقلت بصدق:
«أنتِ تثيرينني بأي هيئة... لكن هذه الليلة كانت... مختلفة. أكثر كثافة.»
ضحكت بهدوء، ثم رفعت رأسها:
«ربما أستخدم هذه الهيئة أكثر في طيبة. قد تساعدنا على الاختلاط دون أن يلاحظ الناس امرأة غريبة ذات عيون زرقاء.»
احتضنتها بقوة، وفي قلبي مزيج من الإثارة والحب والقلق.
كانت ألكسندرا آنا لورا قادرة على أن تكون كل شيء — امرأة، أم، ملكة، وحتى... رجل فاتن يذيب عقلي.
وفي الخارج، كان النيل يجري بهدوء، بينما الشق الكوني فوق الكرنك يتسع ببطء... ينتظرنا.
الفصل الثاني والستون: بلاط حتشبسوت
بعد ثلاثة أيام من الاستطلاع والتحضير، قررنا الاقتراب من البلاط الملكي.
كانت ألكسندرا آنا لورا قد قررت استخدام الهيئة الرجولية التي أثارتني في الليلة السابقة. ارتدت الشعر المستعار القصير، والثوب الفرعوني الرجالي الأنيق، وقلادة عريضة من الذهب. بدت كشاب نبيل أجنبي ذو ملامح نادرة — وسيم، غامض، وعيناه (عيناها) زرقاوان تخطفان النظر. أما أنا فكنت أرتدي ثوب كاهن أو نبيل متوسط المرتبة، والتوأم كطفلين نبيلين تحت رعايتنا.
دخلنا مدينة طيبة كعائلة صغيرة تبحث عن فرصة في البلاط. بفضل قدرة ألكسندرا على التحدث بالمصرية القديمة بطلاقة، استطعنا تجاوز الحراس بسهولة نسبية بعد أن قدمنا أنفسنا كـ"زوار من أرض بعيدة في الشمال الشرقي" تحملون هدايا ومعرفة.
عندما وصلنا إلى قاعة العرش الكبرى في معبد الكرنك، كانت البهجة والرهبة تملأ المكان.
جلست الملكة حتشبسوت على العرش، مرتدية تاج الفرعون الكامل، ولحية مزيفة رمزية، وثوبًا أبيض مذهبًا. كانت امرأة قوية، ذكية، وكاريزمية. بجانبها وقف الأمير تحتمس الثالث — شاب في أواخر مراهقته، ينظر إلى العالم بتوتر وطموح واضحين.
وقفت ألكسندرا (بهيئتها الرجولية) في المقدمة بثقة. انحنت انحناءة مهذبة، وتحدثت بصوت هادئ وواثق:
«عظمة الملكة حتشبسوت، نور مصر، وحامية ماعت. جئنا من أرض بعيدة لنقدم ولاءنا ولمعرفتنا.»
نظرت حتشبسوت إليها — إليه — طويلاً. بدا أن شيئًا في ملامح ألكسندرا أو عينيها الزرقاوين أثار انتباهها.
«من أنتَ يا غريب الوجه والعينين؟» سألت الملكة بصوت حازم.
«أنا... أحمد.» ردت ألكسندرا باسمي، مستخدمة الهوية الرجولية. «و هذه عائلتي.»
أثناء الحديث، شعرتُ بالشق الكوني ينبض بقوة أكبر. كان يؤثر على الجو نفسه — بعض الكهنة كانوا يمسكون رؤوسهم كأنهم يعانون من صداع غريب، والتماثيل بدت تتلألأ بشكل غير طبيعي.
بعد الجلسة الرسمية، حصلنا على إذن بالبقاء في أحد الأجنحة الجانبية. في المساء، عندما عدنا إلى غرفتنا، خلعت ألكسندرا الشعر المستعار وتنهدت.
«كانت تنظر إليّ بشكل غريب.» قالت. «كأنها تشعر أنني... مختلفة.»
احتضنتها بقوة، وقبلت عنقها.
«لأنكِ مختلفة فعلاً. حتى في هيئة رجل، أنتِ الأجمل في القاعة كلها.»
ضحكت ضحكة خفيفة، ثم نظرت إلى التوأم اللذين كانا ينامان الآن بعد يوم طويل.
«علينا أن نتحرك بسرعة. الشق يتسع. أشعر به في عظامي.»
في تلك الليلة، وبينما كان التوأم نائمين في الغرفة المجاورة، مارست ألكسندرا الحب معي بهيئتها الرجولية جزئيًا — الشعر القصير لا يزال على رأسها. كانت تلك الليلة أكثر جرأة وإثارة من المعتاد، كأن الخطر المحيط يزيد من شغفنا.
لكن في الصباح التالي، استيقظنا على صوت إنذار داخلي من المخلوقات النورانية:
«الخلل بدأ يؤثر على الزمن. حتشبسوت قد تختفي من التاريخ... أو تصبح شيئًا آخر.»
كان علينا أن نتحرك الآن.
الفصل الثالث والستون: ظل الفرعون
في اليوم التالي، دعَتنا الملكة حتشبسوت إلى اجتماع خاص في إحدى الحدائق الملكية المطلة على النيل.
كانت ترتدي تاجها الكامل، وتبدو قوية وواعية. لكن عينيها كان فيهما شيء غريب — نوع من الارتباك الخفي. جلست على مقعد مرتفع، وأشارت لنا بالجلوس.
«أنتَ... لستَ مصريًا.» قالت لحدس ألكسندرا (بهيئتها الرجولية). «وعيناكِ... ليستا من هذا العالم. من أين أتيتما حقًا؟»
ترددت ألكسندرا للحظة، ثم قررت الصدق الجزئي:
«نحن من... مكان بعيد جدًا، يا عظمة الملكة. نأتي لنحذركِ. هناك قوة غير مرئية تهدد عرشكِ والزمن نفسه.»
فجأة، اهتز الهواء. شعرنا جميعًا بالشق الكوني ينفتح. ظهرت شقوق أرجوانية خفيفة في السماء، وكأن الواقع يتمزق. صاح أحد الكهنة، وسقط على ركبتيه.
«الآلهة غاضبة!» صاح.
أمسكت ألكسندرا يدي بقوة. التوأم كانا خائفين لكنهما يحاولان إظهار الشجاعة.
في تلك اللحظة، حدث ما لم نتوقعه.
اقترب تحتمس الثالث — الشاب الطموح — منا. نظر إلى ألكسندرا طويلاً، ثم قال بصوت منخفض:
«أشعر به أيضًا. هذا الشيء... يهمس في رأسي. يقول إنني سأصبح الفرعون الحقيقي... وأن حتشبسوت ليست إلا... مؤقتة.»
شحب وجه حتشبسوت. نظرت إلينا بذعر.
أدركنا أن الشق الكوني لم يكن مجرد تمزق فيزيائي، بل كان يؤثر على العقول والمصائر. كان يحاول تغيير خط التاريخ، يدفع تحتمس للتمرد المبكر على زوجة أبيه.
«يجب أن نغلقه الآن.» همست ألكسندرا لي. «قبل أن يبتلع كل شيء.»
في تلك الليلة، تسللنا إلى أعلى معبد الكرنك. كانت ألكسندرا ترتدي هيئتها الرجولية مرة أخرى لتسهيل الحركة. كان التوأم معنا، يحملان أدوات طاقية صغيرة أعطتهم إياها المخلوقات النورانية.
عندما وصلنا إلى قمة المعبد، كان الشق الكوني مفتوحًا بوضوح — جرح أرجواني متلألئ في نسيج السماء، ينبض كقلب مريض.
«أحمد... ساعدني.» قالت ألكسندرا.
مددتُ يدي. أمسكنا أيدينا، وأطلقت ألكسندرا قوتها المائية والطاقية. ارتفع عمود من الماء النيلي المتلألئ في الهواء، متشابكًا مع طاقتي. حاول الشق المقاومة، فأرسل موجات صدمية جعلت الأرض ترتج تحت أقدامنا.
صرخ التوأم من الخوف، لكنهما ثبتا مكانهما.
فجأة، ظهر وجه عملاق شفاف في الشق — وجه كائن قديم، لا إنساني، ينظر إلينا بغضب.
«أنتم... الذين يربطون الأكوان.» تردد صوته داخل رؤوسنا. «لن تمنعوني.»
صرخت ألكسندرا بكل قوتها، وانفجر الضوء الأزرق من جسدها. ساعدتها قوة التوأم دون أن يدريا — كانت طاقتهما الوراثية تعزز قوتها.
انغلق الشق بصوت مدوي، وعاد الهدوء إلى السماء.
سقطت ألكسندرا على ركبتيها، متعبة جدًا. احتضنتها بقوة، وقبلت جبهتها.
«نجحنا... لهذه المرة.»
لكن عندما نظرنا إلى أسفل المعبد، رأينا حتشبسوت وتحتمس ينظران إلينا من بعيد. كانت الملكة تعرف الآن أننا لسنا بشرًا عاديين.
«اللعبة لم تنتهِ بعد.» همست ألكسندرا بصوت مجهد.
كنا قد أنقذنا التاريخ مؤقتًا... لكن البلاط الفرعوني أصبح الآن ينظر إلينا كتهديد... أو كآلهة.
الفصل الرابع والستون: مواجهة الفرعون
في الصباح التالي، استدعت الملكة حتشبسوت أحمد وألكسندرا آنا لورا إلى قاعة خاصة في قصرها الملكي.
كانت الملكة جالسة على عرشها الصغير، مرتدية تاج الصل الذهبي، وعيناها تعبران عن مزيج من الحذر والفضول. بجانبها وقف تحتمس الثالث، شاب يحاول إخفاء طموحه خلف قناع الاحترام.
«تكلموا.» قالت حتشبسوت بصوت حازم. «من أنتم حقًا؟ وماذا فعلتم أمس فوق الكرنك؟»
نظرت ألكسندرا (التي كانت لا تزال تحتفظ بهيئتها الرجولية جزئيًا) إلى الملكة بثبات. ثم تحدثت بصراحة، لكن بحكمة:
«نحن لسنا من هذا العالم، يا عظمة الملكة. نحن من... أكوان أخرى. جئنا لنصلح تمزقًا في نسيج الزمن كان سيدمر حكمكِ، وربما يمحو اسمكِ من التاريخ.»
ساد صمت ثقيل. تحتمس نظر إليها بدهشة، بينما حتشبسوت ضيّقت عينيها.
«تدّعون أنكم آلهة؟» سألت الملكة بابتسامة ساخرة.
«لسنا آلهة.» ردت ألكسندرا بهدوء. «لكننا نملك قوى تتجاوز فهم البشر في هذا العصر. الشق الذي أغلقناه أمس كان يحاول تغيير مصيركِ... ويجعل تحتمس يستولي على العرش قبل الأوان.»
ارتجف تحتمس قليلاً، لكنه لم ينكر. حتشبسوت نظرت إليه بنظرة حادة، ثم عادت تنظر إلينا.
«وكيف أعرف أنكما لستما خطرًا أكبر؟» سألت.
في تلك اللحظة، مدّت ألكسندرا يدها. ارتفع عمود صغير من الماء من إناء قريب، وتشكّل في الهواء على شكل رأس أفعى كوبرا — رمز حتشبسوت المقدس — ثم تحول إلى تاج الملكة نفسه مصنوعًا من الماء المتلألئ.
سقطت حتشبسوت إلى الخلف في عرشها، مذهولة. حتى تحتمس فتح فمه بدهشة.
«أنتِ... حتحور.» همست الملكة بصوت مرتجف.
«لستُ حتحور.» ابتسمت ألكسندرا بلطف. «لكنني أستطيع حماية عرشكِ... إذا سمحتِ لنا.»
طالت المفاوضات. عرضت حتشبسوت علينا مكانة عالية في البلاط مقابل مساعدتنا في مواجهة أي تهديدات كونية أخرى. وافقت ألكسندرا بشرط أن يبقى وجودنا سرًا، وأن يُسمح لنا بالحركة بحرية.
عندما خرجنا من القاعة، كانت ألكسندرا متعبة لكنها سعيدة.
«نجحنا في كسب ثقتها.» قالت لي بهدوء. «لكن تحتمس... أشعر أنه سيسبب لنا مشكلة في المستقبل.»
في تلك الليلة، وبينما كان التوأم ينامان، وقفت ألكسندرا على شرفة الغرفة المطلة على النيل. كانت لا تزال ترتدي الملابس الرجالية. اقتربتُ منها من الخلف، أحضنتها، وقبلت عنقها.
«أنتِ مذهلة اليوم.» همستُ. «حتى حتشبسوت خافت منكِ.»
ضحكت ضحكة خفيفة، ثم استدارت ونظرت إليّ بعينين مليئتين بالشغف.
«هل تريدني بهذه الهيئة الليلة أيضًا؟»
أجبتها بقبلة عميقة.
كانت ليلتنا ساخنة ومليئة بالجرأة، تحت ضوء القمر المصري، بينما كان تاريخ مصر كله يعتمد علينا في الظل.
لكن الخطر لم ينتهِ... بل كان ينتظر اللحظة المناسبة ليعود أقوى.
الفصل الخامس والستون: ظل تحتمس
مرت الأيام التالية في طيبة بتوتر متزايد.
كان تحتمس الثالث — الشاب الطموح — يراقبنا عن كثب. في البداية كان يحاول الاقتراب بلباقة، يسأل ألكسندرا (بهيئتها الرجولية) عن "أرضها البعيدة" وعن القوى التي أظهرتها. لكنه سرعان ما أصبح أكثر جرأة.
في إحدى الليالي، ونحن في حديقة القصر الخاصة، اقترب من ألكسندرا وحده.
«أنتِ لستَ رجلاً.» قال لها بهمس حاد. «رأيتُ طريقة حركتكِ... ونظراتكِ. أنتِ امرأة. امرأة ذات قوة لا تُصدق.»
لم تنكر ألكسندرا. نظرت إليه بعينيها الزرقاوين الثاقبتين وقالت بهدوء:
«وماذا لو كنتُ كذلك؟»
ابتسم تحتمس ابتسامة غامضة، مليئة بالطموح والإعجاب.
«حتشبسوت تحكم الآن... لكنني سأصبح الفرعون يومًا ما. وأنا أحتاج إلى حلفاء أقوياء. حلفاء مثلك.»
اقترب أكثر، ومد يده ليلمس ذراعها. كان في عينيه مزيج من الرغبة والحساب السياسي.
«انضمي إليّ. ساعديني على أن أصبح أعظم فرعون. وسأعطيكِ ما تريدين — سلطة، ذهب، حتى... مكانة لا تُضاهى.»
وقفت ألكسندرا دون حراك. ثم ابتعدت خطوة واحدة بهدوء.
«أنا لستُ هنا من أجل السلطة يا أمير. أنا هنا لأصلح ما قد يدمر مصر كلها.»
نظر تحتمس إليها بنظرة باردة.
«حتشبسوت لن تبقى إلى الأبد. وأنتِ... ستختارين الجانب الصحيح عندما يحين الوقت.»
غادر المكان، تاركًا وراءه توترًا ثقيلاً.
عندما عادت ألكسندرا إلى غرفتنا، كانت متوترة. خلعت الشعر المستعار وجلست على السرير.
«هو خطر.» قالت لي. «ليس فقط على حتشبسوت... بل علينا أيضًا. أشعر أن الشق الكوني ترك أثراً في عقله. يهمس له بأفكار التمرد والسيطرة.»
احتضنتها بقوة، وقبلت جبهتها.
«سنراقبه. ولن ندعه يقترب من التوأم.»
في تلك الليلة، كان التوأم يلعبان مع بعض ***** البلاط تحت إشرافنا. لورا كانت تتحدث مع فتيات صغيرات بفضول، بينما أحمد الصغير كان يستمع إلى قصص الجنود عن الحروب.
لكن ألكسندرا لم تستطع الاسترخاء. كانت تشعر أن تحتمس يخطط لشيء ما.
في منتصف الليل، استيقظنا على صوت خطوات خفيفة خارج الغرفة. خرجتُ بحذر ورأيتُ ظلًا يبتعد — كان أحد حراس تحتمس يتجسس.
«اللعبة بدأت.» همست ألكسندرا وهي تقف بجانبي. «علينا أن نكون جاهزين.»
كانت مصر القديمة، التي كنا نظن أننا أنقذناها، على وشك أن تصبح ساحة معركة جديدة بين الطموح البشري... والقوى الكونية التي نحملها.
الفصل السادس والستون: فخ تحتمس
تصاعد التوتر في الأيام التالية بسرعة خطيرة.
كان تحتمس الثالث قد بدأ يتحرك في الظل. في البداية كانت الأمور تبدو عادية — دعوات للقاءات، أسئلة عن "القوى الإلهية"، ومحاولات لكسب ود ألكسندرا. لكنه سرعان ما أصبح أكثر جرأة وخطورة.
في إحدى الليالي، أثناء احتفال صغير في حدائق القصر، اقترب تحتمس من ألكسندرا وهي وحدها للحظات. كان يرتدي ملابس فاخرة، وعيناه تلمعان بطموح حاد.
«أعرف سركِ.» قال لها بهمس. «أنتِ امرأة. امرأة ذات قوة تفوق حتى قوة حتشبسوت. انضمي إليّ. ساعديني أن أزيحها... وسأجعلكِ اليد اليمنى للفرعون. بل أكثر من ذلك.»
مد يده وأمسك ذراعها بقوة.
«أستطيع أن أعطيكِ ما تريدين... حتى جسدي إذا أردتِ.»
شعرت ألكسندرا بالغضب يغلي داخلها. سحبت ذراعها بقوة وقالت بصوت بارد:
«أنتَ لا تعرفني يا أمير. ولا تعرف ما أستطيع فعله إذا هددتَ عائلتي.»
في تلك اللحظة، شعرت بالشق الكوني ينبض مرة أخرى. كان تحتمس قد تأثر به أكثر مما ظننا — كان الشق يغذي طموحه وغيرته، يهمس له بأفكار السيطرة والخيانة.
في اليوم التالي، حدث ما كنا نخشاه.
أُلقي القبض على أحد حراسنا بتهمة التجسس (كان في الواقع من رجال تحتمس). ثم وصلت رسالة سرية إلى ألكسندرا:
«إذا لم تقفي إلى جانبي، سأجعل الملكة تعتقد أنكما عدوّان لمصر. وسأبدأ بالطفلين.»
عندما قرأت ألكسندرا الرسالة، احمر وجهها غضبًا. جاءت إليّ في الغرفة وهي ترتجف.
«هو يهدد أولادنا.» قالت بصوت مكتوم. «تحتمس لم يعد مجرد أمير طموح... الشق الكوني غيّره. أصبح خطيرًا.»
احتضنتها بقوة، لكنني شعرت بالغضب يغلي داخلي أيضًا.
في تلك الليلة، اجتمعنا مع التوأم. شرحنا لهما الوضع ببساطة، وطلبنا منهما الحذر الشديد. كان أحمد الصغير ينظر بجدية، ولورا كانت تمسك يد أمها بقوة.
«لن نسمح له بأذيتكما.» قالت ألكسندرا للطفلين بصوت حازم.
لكن التوتر وصل ذروته في اليوم التالي.
دُعينا إلى اجتماع طارئ مع حتشبسوت. عندما وصلنا إلى القاعة، وجدنا تحتمس واقفًا بجانبها، ووجها يعبران عن اتهام.
«هؤلاء الغرباء.» قال تحتمس بصوت عالٍ. «يمتلكون قوى شيطانية. رأيتُهم يتحكمون في الماء والسماء. هم خطر على مصر!»
نظرت حتشبسوت إلينا بجدية. كانت الشكوك قد بدأت تتسلل إليها.
أدركنا أن تحتمس بدأ يحرك خطته. كان يستغل الشق الكوني المتبقي في عقله ليحول الملكة ضدنا.
وقفت ألكسندرا إلى الأمام، عيناها الزرقاوان تلمعان بقوة.
«سنثبت لكِ الحقيقة يا عظمة الملكة... لكننا بحاجة إلى وقت.»
كانت المواجهة قد بدأت على أرض المعبد... وكان تحتمس مستعدًا للحرب.
الفصل السابع والستون: المواجهة الكبرى
في ليلة مقمرة فوق معبد الكرنك، اندلعت المواجهة الكبرى.
كان تحتمس الثالث قد خطط جيدًا. أمر حراسه بالإمساك بالتوأم أثناء نومهما، ثم استدرجنا إلى أعلى المعبد تحت ذريعة "اجتماع طارئ" مع حتشبسوت. عندما وصلنا، وجدنا الأمير واقفًا أمامنا، محاطًا بعشرات الحراس، والتوأم مربوطين خلفه.
«أحمد! ألكسندرا!» صاح أحمد الصغير بخوف.
كانت ألكسندرا ترتجف من الغضب. عيناها الزرقاوان احترقتا بنار لم أرها من قبل.
«أطلق سراحهما.» قالت بصوت منخفض يحمل تهديدًا كونيًا.
ابتسم تحتمس ابتسامة باردة.
«سأطلق سراحهما... إذا انضممتِ إليّ. أنتِ قوة لا تُقهر. معكِ سأصبح أعظم فرعون في التاريخ. حتشبسوت مجرد عقبة.»
في تلك اللحظة، انفتح الشق الكوني فوق المعبد مرة أخرى — أوسع وأقوى. كان تحتمس قد تعلم كيف يستخدم بقايا طاقته ليغذي طموحه.
اندلعت المعركة.
أطلقت ألكسندرا قوتها المائية. ارتفع النيل نفسه في أعمدة عملاقة، وهاجم الحراس. كنت أدعمها بطاقتي، أرسل موجات طاقية تحمي التوأم. أما أحمد الصغير ولورا، فقد بدآ يستخدمان قدراتهما الوراثية الخفيفة — أحمد يحرك الأشياء بتركيزه، ولورا ترى نقاط الضعف في الشق.
كان تحتمس يقاتل بشراسة. كان الشق قد أعطاه قوة مؤقتة — كان يرمي موجات طاقة أرجوانية نحونا.
«أنتم لستم آلهة!» صاح. «أنتم مجرد غرباء! ومصر لي!»
في ذروة المعركة، اندفع تحتمس نحو ألكسندرا. أمسكها من عنقها، وعيناه مليئتان بالجنون.
«ستكونين ملكتي... أو سأقتل أطفالك.»
لم تتردد ألكسندرا. جمعت كل قوتها، ووضعت يدها على صدره. انفجر ضوء أزرق هائل من جسدها، فألقت تحتمس إلى الخلف عشرات الأمتار.
سقط الأمير على الأرض، يلهث. الشق الكوني فوق المعبد بدأ يتقلص ببطء.
اقتربت ألكسندرا منه، لا تزال في هيئتها الرجولية، لكن عيناها كانتا عيني أم غاضبة.
«لمسة واحدة لطفليّ... وسأمحو اسمك من التاريخ.»
تراجع تحتمس. كان مهزومًا، لكنه لم يمت. نظر إلينا بنظرة مليئة بالكراهية والخوف.
«هذا لن ينتهي.» همس.
أنهينا الشق الكوني تمامًا تلك الليلة. انغلق بصوت مدوي، وعاد السلام إلى سماء طيبة.
عندما عاد التوأم إلينا سالمان، احتضنتهما ألكسندرا بقوة وبكت. كنت أحتضنهم جميعًا، قلبي يدق بقوة.
في الصباح، جاءت حتشبسوت بنفسها. كانت قد عرفت الحقيقة.
«أنتم أنقذتم مصر.» قالت باحترام. «ستبقون أصدقاء للعرش... طالما أردتم.»
قررنا أن نعود إلى كوكبنا بعد يومين. كانت المهمة قد انتهت... لكن تحتمس بقي حيًا، وكراهيته لنا أصبحت بذرة قد تنمو في المستقبل.
في آخر ليلة في مصر القديمة، وقفت ألكسندرا معي على شرفة تطل على النيل، تحت ضوء القمر.
«كدنا نفقد التوأم.» همست بصوت مكسور.
احتضنتها بقوة.
«لكننا لم نفقدهما. وسنعود إلى منزلنا... إلى كوكبنا الهادئ.»
كانت مصر قد شهدت على قوة حبنا وعلى قدرتنا على حماية أسرتنا... لكن الكون كان لا يزال يحمل أسرارًا أكبر.
الفصل الثامن والستون: زمن هادئ في الإسكندرية البطلمية
بعد عودتنا من عصر حتشبسوت، قررنا أن نأخذ استراحة حقيقية.
لم نعد إلى كوكبنا مباشرة. بدلاً من ذلك، طلبت ألكسندرا آنا لورا أن ننتقل إلى زمن آخر — عصر البطالمة في مصر، تحديدًا في عهد بطليموس الثاني فيلادلفوس، في مدينة الإسكندرية الجديدة.
«أريد مكانًا يجمع بين الحضارة والجمال.» قالت لي بابتسامة. «مكان يناسب عائلتنا الآن.»
فتحنا بوابة زمنية جديدة، ووصلنا إلى الإسكندرية في عام 270 ق.م تقريبًا.
كانت المدينة في أوج مجدها: مكتبة الإسكندرية الشهيرة تتألق، منارة فانوس الإسكندرية ترتفع شامخة، والشوارع مليئة باليونانيين والمصريين واليهود والتجار من كل أنحاء العالم. الهواء يحمل رائحة البحر المتوسط والتوابل والورود.
استقررنا في فيلا فخمة مطلة على البحر، في حي الملوك. كانت الفيلا واسعة، ذات حدائق يونانية-مصرية جميلة، وبركة ماء كبيرة.
هنا عشنا زمنًا هادئًا نسبيًا.
كان أحمد ريتشارد ولورا كريستينا سعيدين جدًا. كانا يتعلمان اليونانية والمصرية معًا، يركضان في الحدائق، يسبحان في البحر، ويزوران المكتبة الكبرى مع أمهما. ألكسندرا كانت تأخذهما إلى المسرح اليوناني، وتشرح لهما تاريخ الإسكندر الأكبر بإعجاب.
أما أنا وألكسندرا، فقد استعدنا جزءًا كبيرًا من خصوصيتنا.
كانت تمضي معي أمسيات طويلة على شرفة الفيلا المطلة على البحر. نتحدث، نضحك، ونمارس الحب بهدوء وعمق. جسدها بعد الحمل والولادة أصبح أكثر نضجًا وأنوثة، وكانت تتحرك بثقة أمومية تجعلني أشتهيها أكثر.
في إحدى الليالي، وبعد أن نام التوأم، وقفت ألكسندرا أمامي مرتدية ثوبًا يونانيًا شفافًا خفيفًا. ابتسمت ابتسامة ساحرة وقالت:
«هل ترى؟ حتى في عصر البطالمة... أنا لا أزال ملكتك.»
سحبتها إليّ، وقبلناها تحت ضوء القمر، ثم حملتها إلى السرير. كانت ليلتنا طويلة، مليئة بالشغف الهادئ الذي افتقدناه وسط المعارك الكونية.
كان التوأم يكبران بسرعة معقولة الآن. أحمد الصغير كان يحب القراءة في المكتبة، ولورا كانت مولعة بالموسيقى والرقص اليوناني. كنا نأخذهم إلى السوق، نشتري لهم حلويات، ونروي لهم قصصًا عن عوالمنا.
في إحدى الأمسيات، جلست ألكسندرا معي على الشرفة، تضع رأسها على كتفي، والتوأم يلعبان في الحديقة تحت إشراف خادمة موثوقة.
«هذا ما كنتُ أحلمه.» همست. «عائلة... سلام... مكان جميل.»
قبلت شعرها وقلت:
«ونحن سنستمر فيه... مهما حاول الكون أن يأخذه منا.»
كان الزمن في الإسكندرية البطلمية هادئًا نسبيًا. لا شقوق كونية كبيرة، ولا مواجهات مباشرة. فقط حياة عائلية دافئة بين الحضارة الهلنستية والنيل القديم.
لكننا كنا نعلم أن هذا السلام... هدية مؤقتة.
في أعماقنا، كنا ننتظر النداء التالي من المخلوقات النورانية... أو من تحتمس الذي تركناه في الماضي.
الفصل التاسع والستون: رحلة المعابد
قررنا أن نستغل الفترة الهادئة في عصر بطليموس الثاني لنأخذ رحلة عائلية كبيرة عبر مصر.
أرادت ألكسندرا آنا لورا أن يرى التوأم عظمة الحضارة المصرية بأنفسهما، وأن نشعر نحن أيضًا بجمال هذا الزمن.
كان معبد إيزيس لا يزال في مراحل البناء الأولى، لكنه كان مذهلاً بالفعل. الأعمدة الضخمة ذات رؤوس اللوتس كانت تُنحت بعناية، والجدران بدأت تُزين بنقوش ملونة. وقفت ألكسندرا أمام المعبد، عيناها الزرقاوان مليئتان بالدهشة.
«هنا ستكون إيزيس... الأم، الزوجة، الساحرة.» همست. «كأنها تنتظرنا.»
سبح التوأم في مياه النيل قرب الجزيرة، بينما كنتُ أنا وألكسندرا نجلس على صخرة، نراقب العمال يرفعون الأحجار. كانت الشمس تغرب، فتحولت المياه إلى ذهب.
كان المعبد الضخم الذي بناه رمسيس الثاني قبل أكثر من ألف عام لا يزال شامخًا، لكنه كان مغطى جزئيًا بالرمال. التماثيل الأربعة العملاقة لرمسيس كانت تهيمن على الواجهة، وكأنها تحرس الزمن نفسه.
دخلنا المعبد من الداخل. كانت الجدران مليئة بنقوش حية، والألوان لا تزال واضحة. أحمد الصغير وقف أمام تمثال رمسيس بدهشة، بينما لورا مدت يدها لتلمس النقوش بحذر.
«كانوا يبنون ليبقوا إلى الأبد.» قالت ألكسندرا بهدوء وهي تمسك يدي.
كانت معابد الكرنك في أوج ازدهارها في العصر البطلمي. الأعمدة الضخمة، قاعة الأعمدة الهائلة، والتماثيل الشاهقة كانت تخطف الأنفاس. مشينا بينها، والتوأم يركضان بين الأعمدة وهما يضحكان.
وقفت ألكسندرا أمام معبد الأقصر عند الغروب. الشمس الحمراء كانت تضيء الأعمدة، فبدت المعابد وكأنها تحترق بهدوء.
«هنا عشتُ أجمل وأصعب أيام حياتي.» همست لي وهي تضع رأسها على كتفي.
كانت الأهرامات الثلاثة — خوفو وخفرع ومنقرع — شامخة كما هي دائمًا، لكنها كانت أكثر نقاءً وبياضًا في هذا العصر، حيث كانت طبقة الكسوة الجيرية البيضاء لا تزال تغطيها جزئيًا، فتلمع تحت الشمس كالماس.
وقف التوأم مذهولين أمام هرم خوفو. أحمد الصغير حاول احتساب حجمه، ولورا كانت تنظر إليه بصمت عميق.
جلست أنا وألكسندرا على رمال الهضبة، نراقب غروب الشمس خلف الأهرامات. كان منظرًا أسطوريًا.
«منذ آلاف السنين بنوها... ونحن الآن هنا مع أولادنا.» قالت ألكسندرا بصوت مليء بالعواطف.
احتضنتها بقوة، وقبلت شعرها.
«هذه هي الحياة التي نستحقها... بعد كل ما مررنا به.»
في نهاية الرحلة، عادوا إلى الإسكندرية مرهقين لكن سعداء. كانت هذه الرحلة بمثابة شفاء للروح بعد كل المعارك الكونية.
لكن في أعماقنا، كنا نعرف أن هذا الزمن الهادئ... لن يدوم إلى الأبد.
الفصل السبعون: مراقبة الأكوان من الإسكندرية
استقرّت حياتنا في الإسكندرية البطلمية على نمط هادئ ومنظم.
كنا نعيش في فيلا فخمة مطلة على البحر المتوسط، محاطة بحدائق يونانية-مصرية جميلة. التوأم — أحمد ريتشارد ولورا كريستينا — كانا يتعلمان في مدرسة خاصة صغيرة، ويستمتعان بأيام الصيف على شاطئ البحر. أما قطتانا لونا وسيلفا السياميتان، فكانتا تتجولان بحرية في الحديقة أو تنامان على الشرفة المطلة على البحر.
لكن ألكسندرا آنا لورا لم تترك مراقبة الأكوان.
في قبو سري تحت الفيلا، أخفت أجهزتها المتطورة الصغيرة الحجم التي انتقلت معنا عبر الزمن. كانت هذه الأجهزة — كرات بلورية صغيرة وشاشات شفافة — قادرة على ربطها بشبكة الأكوان المتعددة بطريقة خفية.
في إحدى الليالي الهادئة، وبعد أن نام التوأم، جلست ألكسندرا أمام الجهاز في القبو. كنتُ أجلس بجانبها، أراقبها بصمت.
فجأة، تغيرت تعابير وجهها.
«أحمد... تعال انظر.»
اقتربتُ. على الشاشة الثلاثية الأبعاد، ظهرت منطقة مجهولة تمامًا، نائية جدًا، خارج مجموعات المجرات التي نعرفها. كانت منطقة شاسعة تحتوي على اتحاد جمهوريات مكون من 15 جمهورية مستقلة ظاهريًا، لكنها مترابطة في اتحاد فضائي.
كل جمهورية كانت عبارة عن مجموعة شمسية تحتوي على كوكب مأهول واحد أو أكثر، بالإضافة إلى كواكب غير صالحة للسكن.
انقسمت هذه الجمهوريات إلى نمطين رئيسيين:
· القسم الأول (حوالي 8 جمهوريات): نمط حياة اشتراكي شيوعي صارم، يجمع بين مراحل مختلفة من الاتحاد السوفييتي. بعضها يشبه الثلاثينيات والأربعينيات في التصنيع الثقيل والمزارع الجماعية والستالينية الصارمة، وبعضها الآخر يحمل طابع الخمسينيات والستينيات في الازدهار الصناعي والفضائي، والبعض يعكس السبعينيات والثمانينيات في الركود الاقتصادي، الملابس الرمادية، السيارات الضخمة، والدعاية السياسية المكثفة. كانت المدن مليئة باللافتات الحمراء، والمصانع الضخمة، والصفوف الطويلة أمام المحلات، والأعلام بالمطرقة والمنجل.
نظرتُ إلى الشاشة بدهشة.
«هل هذا كون موازٍ جديد تمامًا؟»
«نعم.» أجابت. «بعيد جدًا. لم أره من قبل. يبدو أن هناك صراعًا باردًا بين النمطين... وربما حربًا قادمة.»
وقفت ألكسندرا، ونظرت إليّ بعينين قلقتين.
«يجب أن نراقبهم جيدًا. هذا الاتحاد قد يكون له تأثير على شبكة الأكوان كلها... خاصة إذا اندلعت حرب بين الشيوعيين والإمبرياليين.»
احتضنتها من الخلف، ووضعت ذقني على كتفها.
«سنراقبهم معًا. لكن ليس الليلة. الليلة... نعود إلى أولادنا وإلى حياتنا الهادئة هنا.»
ابتسمت ألكسندرا، وأطفأت الجهاز.
«نعم... ليكن لنا ليلة هادئة في الإسكندرية.»
خرجنا من القبو، وصعدنا إلى الشرفة المطلة على البحر. كان التوأم نائمين، والقطتان تتمايلان على الدرابزين. جلسنا نراقب أضواء المدينة القديمة، ونستمع إلى صوت الأمواج.
لكن في أعماقنا، كنا نعلم أن مراقبة هذا الاتحاد الغريب... ستكون بداية فصل جديد.
الفصل الحادي والسبعون: ظلال الاتحاد
في الأسابيع التالية، أصبحت مراقبة "اتحاد الخمس عشرة جمهورية" هاجس ألكسندرا اليومي.
كانت تجلس لساعات طويلة في القبو السري تحت الفيلا، محاطة بأجهزتها البلورية الصغيرة، بينما أنا أجلس بجانبها أو أحمل لها كوب شاي ساخن. التوأم كانا يعتقدان أن أمهما "تدرس التاريخ"، وقطتا لونا وسيلفا كانتا تنامان على وسائد قريبة.
مع مرور الوقت، اكتشفت ألكسندرا المزيد:
الجمهوريات الشيوعية (الثماني) كانت متنوعة في مراحلها:
«هناك شيء أكبر من مجرد صراع أيديولوجي. أرى بوادر حرب باردة تتحول إلى ساخنة. إذا اندلعت حرب بين هذين النمطين، فإن طاقتها قد تمزق نسيج الأكوان المجاورة... بما فيها كوننا.»
وضعت يدي على كتفها.
«وماذا نفعل؟»
«نراقب.» أجابت. «ونستعد. إذا احتجنا أن نتدخل... سنتدخل.»
في تلك الليلة، صعدنا إلى الشرفة بعد أن أطفأت الأجهزة. كان البحر المتوسط يتلألأ تحت ضوء القمر، والأضواء اليونانية-المصرية تضيء مدينة الإسكندرية. جلس التوأم معنا، يتحدثان عن يومهما في المدرسة، بينما لونا وسيلفا تتسلقان الدرابزين.
احتضنت ألكسندرا التوأم وقالت بهدوء:
«مهما حدث في الأكوان البعيدة... هنا، في هذا البيت، نحن عائلة. وسنبقى كذلك.»
نظرتُ إليها، وشعرت بفخر عميق. كانت ألكسندرا آنا لورا — العالمة، الأم، المحاربة — تحاول أن تجد التوازن بين واجبها الكوني وحياتها العائلية.
لكن في أعماقنا، كنا نعرف أن هذا الاتحاد الغريب... سيصبح جزءًا من قصتنا قريبًا.
الفصل الثاني والسبعون: قرار الرحلة
بعد أسابيع من المراقبة المكثفة، اتخذت ألكسندرا قرارًا حاسمًا.
كانت تجلس معي على الشرفة في الإسكندرية البطلمية، والقمر ينعكس على مياه البحر. التوأم كانا يلعبان مع لونا وسيلفا في الحديقة، والقطتان السياميتان — بألوانهما الرمادية الفاتحة والعيون الزرقاء اللامعة — كانتا تثيران دهشة الخدم والجيران المصريين والبطالمة الذين لم يروا مثل هذه القطط من قبل.
نظرت ألكسندرا إليّ بعزم هادئ وقالت:
«يجب أن نذهب. لا يمكننا الاكتفاء بالمراقبة. هذا الاتحاد خطير، وأريد أن أفهمه عن قرب قبل أن يصل تأثيره إلينا.»
ترددتُ قليلاً، ثم نظرت إلى التوأم.
«وأولادنا؟»
«سيأتون معنا.» أجابت بثبات. «لقد كبروا بما يكفي، وهم جزء من هذه العائلة. لن نتركهم هنا.»
في اليوم التالي، أخبرنا التوأم بالقرار. كانا متحمسين بشكل كبير، خاصة أحمد الصغير الذي كان يحب المغامرات.
«سنذهب إلى كوكب في أحد الجمهوريات الإمبراطورية.» أوضحت ألكسندرا. «الكوكب الأهم في ذلك الجانب. يجمع بين أجواء برلين الإمبراطورية، وفيينا النمساوية-المجرية، ولندن الفيكتورية. تكنولوجيا القرن التاسع عشر المتقدمة، ملابس أنيقة، قصور فخمة، وإمبراطوريات مترامية الأطراف.»
أعدّوا حقائبهم بسرعة. أخفت ألكسندرا أجهزتها المتطورة في صندوق سري، وارتدينا ملابس مناسبة للعصر الإمبراطوري (بدلات أنيقة لي، وفساتين طويلة أنيقة لها وللورا، وبدلات صغيرة لأحمد الصغير).
أما القطتان لونا وسيلفا، فقد وضعناهما في سلة خاصة. كان سكان الحي ينظرون إليهما بدهشة كبيرة — قطط سيامية بألوانها النادرة وعيونها الزرقاء الثاقبة كانت تبدو لهم ككائنات أسطورية.
فتحت ألكسندرا البوابة الكونية في القبو. كانت البوابة زرقاء لامعة، أكثر استقرارًا من المرات السابقة.
قبل عبورها، وقفت ألكسندرا أمامنا وقالت بصوت هادئ:
«هذه ليست رحلة سياحية. سنراقب، نفهم، ونعود إذا لزم الأمر. لكننا نبقى معًا دائمًا.»
أمسك كل منا يد الآخر. أحمد الصغير أمسك يد أمه، ولورا أمسكت يدي، والقطتان في السلة تنظران بفضول.
عبرنا البوابة.
وصلنا إلى كوكب "فيكتوريا-برلين" — الكوكب الرئيسي للجمهوريات الإمبراطورية.
كانت المدينة الرئيسية تجمع بين عظمة لندن الفيكتورية، وفخامة فيينا الإمبراطورية، وانضباط برلين. مبانٍ حجرية شاهقة، شوارع واسعة، عربات بخارية أنيقة، نساء بفساتين طويلة ومظلات، ورجال ببدلات سوداء وقبعات. في السماء، كانت سفن هوائية ضخمة تمر ببطء.
وقفنا في ساحة كبيرة، ننظر حولنا بدهشة.
«يا إلهي...» همست ألكسندرا وهي تمسك يدي بقوة. «هذا العالم... يبدو وكأنه خرج من أحلام القرن التاسع عشر.»
نظر إلينا المارة بدهشة — خاصة لون عيون ألكسندرا الزرقاء اللامعة، ولون قطتينا السياميتين. لكن أحدا لم يجرؤ على الاقتراب.
كانت الرحلة قد بدأت.
الفصل الثالث والسبعون: استكشاف المدينة
خرجنا من الساحة الكبرى ومشينا في شوارع المدينة الرئيسية التي كانت تُدعى «فيكتوريا-برلين» أو «الإمبراطورية الجديدة» محليًا.
كانت المدينة مذهلة في تناقضاتها الجميلة. المباني الحجرية الشاهقة تجمع بين الطراز القوطي البريطاني، والباروك النمساوي، والكلاسيكية الألمانية. عربات بخارية أنيقة تسير على قضبان معدنية في الشوارع الواسعة، وفي السماء تمر سفن هوائية ضخمة ببطء مهيب. النساء يرتدين فساتين طويلة مزينة بالدانتيل والريش، والرجال ببدلات سوداء أنيقة وقبعات عالية.
تجولنا في السوق الكبير (الذي يشبه مزيجًا بين سوق لندن وفيينا). كانت الروائح تملأ المكان: الشاي الهندي، التوابل، العطور الفرنسية، والخبز الطازج. اشترينا للتوأم حلويات فاخرة، وللقطتين لعبًا صغيرة من الريش.
كان الناس ينظرون إلينا بفضول واضح:
«هذا العالم... يبدو أنه توقف عند القرن التاسع عشر، لكنه متقدم تكنولوجيًا في بعض الجوانب.» قالت بهدوء. «الصناعة قوية، والإمبراطورية مترامية الأطراف، لكنهم يعيشون في ظل نظام طبقي صارم.»
تابعنا التجول حتى وصلنا إلى ميدان كبير في وسط المدينة. في المنتصف كان تمثال ضخم لإمبراطور يشبه القياصرة الألمان والنمساويين. حوله كان جنود بزي رسمي أنيق يقفون حراسة.
جلسنا في مقهى راقٍ مطل على الميدان. طلبنا شايًا وكعكًا. كان التوأم ينظرون حولهم بفضول طفولي، بينما لونا وسيلفا كانتا تنامان بهدوء في سلتهما.
«أبي، لماذا ينظرون إلينا هكذا؟» سألت لورا.
ابتسمت ألكسندرا وقالت:
«لأننا مختلفون. عيوننا... قططنا... طريقة كلامنا. لكن هذا جيد. يجعلنا نلاحظ أكثر.»
في المساء، عدنا إلى الفندق الفاخر الذي حجزناه (كان يشبه فنادق لندن الكبرى في العصر الفيكتوري). بعد أن نام التوأم، وقفت ألكسندرا على الشرفة المطلة على المدينة المضيئة بمصابيح الغاز.
احتضنتها من الخلف.
«ما رأيك؟» سألتها.
«هذا العالم جميل... لكنه خطير.» أجابت. «التوتر بين الجمهوريات الشيوعية والإمبراطورية يزداد. أشعر أن حرباً كبيرة قد تنفجر قريبًا.»
قبلت عنقها بلطف.
«سنراقب... وسنحمي أولادنا.»
تلك الليلة، نامت ألكسندرا في حضني، لكن عقلها كان لا يزال يفكر في الاتحاد الغريب الذي وصلنا إليه.
كانت رحلتنا في هذا العالم قد بدأت للتو.
الفصل الرابع والسبعون: سر العوالم المشابهة
في اليوم الرابع من وجودنا في عاصمة الكوكب (التي كانت تُدعى «إمبرياليا نوفا»)، نجحت ألكسندرا في ترتيب لقاء مهم.
استخدمت ذكاءها ومهاراتها في اللغة والدبلوماسية لتحصل على دعوة من البروفيسور فيكتور فون هارتمان، كبير علماء المدينة ورئيس الأكاديمية الإمبراطورية للعلوم. كان رجلاً في الستينيات من عمره، نحيفًا، ذا لحية بيضاء مرتبة، ونظارات ذهبية، يشبه العلماء الألمان في القرن التاسع عشر.
التقينا به في مكتبه الضخم داخل برج الأكاديمية المطل على الميدان الكبير. كان المكتب مليئًا بكتب قديمة، نماذج ميكانيكية، وخرائط فلكية.
بعد تبادل التحية الرسمية، نظرت ألكسندرا إليه بعينيها الزرقاوين الثاقبتين وسألته مباشرة:
«بروفيسور فون هارتمان... لماذا يشبه اتحادكم هذا كثيرًا أوروبا في القرن التاسع عشر — بريطانيا، ألمانيا، النمسا-المجر — بينما الجانب الآخر من الاتحاد يشبه روسيا في القرن العشرين؟ هذا التشابه ليس مصادفة. ما السبب؟»
ابتسم البروفيسور ابتسامة غامضة، ثم تنهد بعمق. نظر إلى الباب ليتأكد أنه مغلق، ثم خفض صوته:
«أنتم... لستم من هذا العالم، أليس كذلك؟»
لم تنكر ألكسندرا. أومأت برأسها فقط.
تابع البروفيسور:
«منذ مئتي عام تقريبًا، حدث شيء غريب في كوكبنا. اكتشفنا بقايا حضارة قديمة جدًا... حضارة لم تكن من هذا الكوكب. وجدنا جهازًا عملاقًا تحت الأرض، يُدعى "المرآة الكبرى". عندما فعّلناه... بدأت "الصدى" تحدث.»
«الصدى؟» سألتُ.
«نعم. كأن الكون نفسه... يقلّد أنماطًا من عوالم أخرى. بدأت مجتمعاتنا تتطور بشكل يشبه حضارات أرضية بعيدة. الجانب الإمبراطوري تأثر بأوروبا الاستعمارية في القرن التاسع عشر. أما الجانب الآخر... فتأثر بروسيا السوفييتية في القرن العشرين. كأن المرآة الكبرى تنقل أنماطًا ثقافية وتكنولوجية من أكوان موازية وتزرعها هنا.»
نظرت ألكسندرا إليه بجدية.
«وهل تعلمون أن هذا التشابه قد يكون خطيرًا؟»
«نعلم.» أجاب البروفيسور بصوت منخفض. «لكن الحكومات لا تريد الاعتراف. الإمبراطوريون يرون في ذلك "هبة إلهية"، والشيوعيون يرونه "تطورًا تاريخيًا حتميًا". لكنني... أخشى أن يكون هذا الصدى مقدمة لشيء أكبر. ربما صراع كوني.»
ساد الصمت للحظات. ثم سألت ألكسندرا السؤال الأهم:
«هل يمكننا رؤية "المرآة الكبرى"؟»
ابتسم البروفيسور ابتسامة حزينة.
«هذا صعب جدًا... لكنه ليس مستحيلاً. لكن تحذيري لكما: من يقترب كثيرًا من المرآة... قد يفقد جزءًا من نفسه.»
غادرنا المكتب ونحن غارقان في التفكير. كانت ألكسندرا تمسك يدي بقوة وهي تمشي في الشارع.
«هذا أكبر مما توقعنا.» همست. «هذا الاتحاد ليس مجرد كون موازٍ... بل هو صدى لأكوان أخرى. صدى قد يصبح خطيرًا.»
عدنا إلى الفندق، حيث كان التوأم ينتظرنا مع القطتين. لكن عقولنا كانت مشغولة بالمرآة الكبرى... والسر الذي قد يغير كل شيء.
الفصل الخامس والسبعون: المرآة الكبرى
بعد يومين من اللقاء مع البروفيسور فون هارتمان، حصلنا على إذن سري لزيارة "المرآة الكبرى".
كانت الرحلة طويلة. سافرنا بقطار بخاري فاخر إلى منطقة نائية في شمال الكوكب، حيث تقع المنشأة العلمية السرية تحت جبل شاهق. رافقنا البروفيسور نفسه، وكان متوترًا جدًا.
«قليلون فقط يعرفون بوجودها.» قال لنا في الطريق. «الحكومة تخشى أن يثير اكتشافها فوضى.»
وصلنا إلى قاعدة تحت الأرض ضخمة. بعد تجاوز عدة نقاط حراسة، دخلنا قاعة دائرية هائلة.
كانت المرآة الكبرى موجودة في الوسط — جهاز عملاق دائري قطره أكثر من خمسين مترًا، مصنوع من مادة بلورية سوداء لامعة تشبه المرآة السائلة. كانت ترتجف بلطف، وتعكس صورًا مشوشة ومتغيرة — وجوه، مدن، أعلام، حروب، ومشاهد من عوالم أخرى.
وقفت ألكسندرا أمامها مذهولة. عيناها الزرقاوان انعكستا على سطح المرآة كأنهما جزء منها.
«هذا... ليس جهازًا.» همست. «هذا كائن. أو بقايا كائن.»
اقترب البروفيسور وقال:
«نحن نسميها "الصدى الأول". عندما فعّلناها لأول مرة، بدأت أنماط الحياة على كوكبنا تتغير. الإمبراطوريون تأثروا بأوروبا، والشيوعيون تأثروا بروسيا. كأن المرآة تنقل... أرواح حضارات أخرى.»
مددت ألكسندرا يدها ببطء نحو سطح المرآة. عندما لمسته، اهتز الجهاز بقوة. ظهرت صور سريعة: شوارع موسكو في الثلاثينيات، لندن الفيكتورية، فيينا الإمبراطورية، ووجوه ملايين البشر.
فجأة، شعرت ألكسندرا بشيء. تراجعت خطوة إلى الوراء، وجهها شاحب.
«هناك... وعي.» قالت بصوت مرتجف. «المرآة ليست مجرد أداة. هي تحاول أن تكوّن شيئًا. اتحادًا كونيًا. وهي تستخدم هذه النسخ من أرضنا كـ... قوالب.»
نظر البروفيسور إليها بدهشة.
«هل تقصدين أن كل هذا... مصطنع؟»
«جزئيًا.» أجابت ألكسندرا. «هناك حضارة قديمة استخدمت هذه المرآة كسلاح أو أداة تجربة. والآن... بدأت تعمل من تلقاء نفسها.»
في تلك اللحظة، اهتزت المرآة بشدة. ظهرت صورة واضحة للحظة: أنا وألكسندرا وأولادنا، لكن في نسخ مختلفة، في عوالم أخرى.
تراجعنا جميعًا.
«يجب أن نغلقها.» قلتُ.
«لا يمكن إغلاقها بسهولة.» رد البروفيسور. «لكن يمكن تهدئتها... مؤقتًا.»
غادرنا المنشأة ونحن غارقون في الصدمة. في طريق العودة إلى العاصمة، كانت ألكسندرا صامتة طويلاً، ثم قالت:
«هذا الاتحاد ليس صدفة. هو تجربة. ونحن... قد نكون جزءًا منها.»
عندما عدنا إلى الفندق، احتضنت التوأم بقوة، وقطتيها اللتان كانتا تنتظرانها.
كانت الرحلة قد أصبحت أخطر مما توقعنا.
المرآة الكبرى كانت لا تزال تنبض تحت الأرض... وكأنها تراقبنا.
الفصل السادس والسبعون: سحر العوالم المزدوجة
في الأسابيع التالية، تغير شيء داخلنا.
رغم الخطر الذي شعرنا به من "المرآة الكبرى"، إلا أنني وألكسندرا آنا لورا وجدنا أنفسنا مستمتعين جدًا بهذا العالم الغريب.
كان الاتحاد الجمهوري يجمع بين عالمين نحبهما بجنون:
استأجرنا بيتًا جميلًا فخمًا في ضاحية هادئة من العاصمة. كان البيت يجمع بين الطراز الفيكتوري والسوفييتي: واجهة حجرية أنيقة، حديقة كبيرة، غرف واسعة مزينة بأثاث خشبي ثقيل، مكتبة ضخمة مليئة بكتب من العالمين، ومطبخ كبير.
كنا نعيش حياة مريحة وممتعة:
في إحدى الليالي، قالت ألكسندرا وهي مستلقية في حضني:
«أعترف... أنا سعيدة هنا. هذا العالم يجمع بين كل ما أحببته في شبابي — الرومانسية الإمبراطورية والحلم الاشتراكي. كأن الكون صنع لنا هذا المكان.»
قبلتها بلطف وقلت:
«أنا أيضًا. أشعر أنني أعيش داخل رواية ضخمة تجمع ديكنز بدوستويفسكي.»
كان التوأم يستمتعان أيضًا. أحمد الصغير كان مولعًا بالقطارات والآلات، ولورا كانت تحب الفساتين الطويلة والموسيقى الكلاسيكية.
لكن رغم كل هذا الاستمتاع، كانت ألكسندرا لا تنسى مراقبة المرآة الكبرى. كانت تعود إليها سرًا من وقت لآخر، وتعود دائمًا بقلق خفيف.
«التوتر بين الجانبين يزداد.» قالت لي ذات ليلة. «قد لا يدوم هذا السلام طويلاً.»
احتضنتها بقوة تحت البطانية الثقيلة، بينما كان المطر يهطل خارج النافذة على طريقة لندن العتيقة.
«دعينا نستمتع بهذا الزمن ما دام موجودًا.» همستُ.
في تلك الفترة، شعرنا أننا وجدنا نوعًا من الجنة... جنة تجمع بين عالميْن أحببناهما.
لكن الكون، كما نعلم دائمًا، لا يسمح لأحد بالبقاء في الجنة إلى الأبد.
الفصل السابع والسبعون: النسخة المظلمة
كانت الأيام في "إمبرياليا نوفا" تمر بهدوء نسبي، حتى جاء ذلك اليوم.
ذهبت ألكسندرا آنا لورا وحدها إلى المكتبة الكبرى في وسط العاصمة لتبحث عن كتب تاريخية قديمة تتعلق بالمرآة الكبرى. كنتُ مع التوأم في الحديقة، وكانت القطتان تلعبان قربنا.
بعد ساعتين، عادت ألكسندرا إلى المنزل شاحبة الوجه، يدها ترتجف، وعيناها الزرقاوان مليئتان بصدمة عميقة.
«أحمد...» همست بصوت مكسور وهي تغلق باب الغرفة خلفها. «لقد رأيتُها.»
«من؟» سألتُ وأنا أقترب منها.
جلست على الكرسي، وتنهدت بعمق.
«نسخة مني... نسخة مظلمة. شريرة.»
بدأت تحكي:
كانت تقف أمام رفوف الكتب القديمة عندما شعرت بوجود شخص يراقبها. التفتت، فوجدت امرأة تقف على بعد أمتار قليلة.
كانت تشبهها تمامًا — نفس الوجه، نفس الطول، نفس شكل العيون الزرقاء. لكن الاختلاف كان مرعبًا:
«أخيرًا... نسخة أخرى مني. النسخة النقية... الضعيفة.»
حاولت ألكسندرا التحدث، لكن النسخة المظلمة استمرت:
«أنا ألكسندرا آنا لورا... لكنني اخترتُ الطريق الصحيح. هنا، أنا مستشارة الإمبراطور، وأسيطر على جزء كبير من هذا الاتحاد. أنا أستخدم المرآة الكبرى لأوسّع نفوذي. أما أنتِ... فأنتِ لا تزالين تلعبين دور الأم والزوجة المخلصة.»
ابتسمت النسخة المظلمة ابتسامة باردة وقالت قبل أن تختفي بين الرفوف:
«سنلتقي مرة أخرى... وسأريكِ كيف يجب أن تكوني أنا الحقيقية.»
انتهت ألكسندرا من روايتها وهي ترتجف. احتضنتها بقوة.
«هي خطر.» همست. «أشعر أنها مرتبطة بالمرآة الكبرى. وأنها تريد... أن تدمر كل ما بنيناه.»
في تلك الليلة، لم ننم كثيرًا. كنا نراقب التوأم ونفكر في الخطر الجديد الذي ظهر فجأة.
النسخة المظلمة من ألكسندرا كانت موجودة هنا... وكانت تبدو أقوى وأشر من أي نسخة واجهناها من قبل.
الفصل الثامن والسبعون: ليلة النسخة المظلمة
في اليوم التالي، تلقت ألكسندرا رسالة سرية.
كانت الرسالة موجزة:
«تعالي وحدك إلى القصر المهجور خارج المدينة. إذا لم تأتِ، سأذهب أنا إلى أولادك. — أنا»
ذهبت ألكسندرا رغم تحذيري. أصرّت أنها يجب أن تواجه نسختها بنفسها.
وصلت إلى القصر المهجور عند الغروب. كان المكان مظلمًا ومهجورًا، مليئًا بتماثيل مكسورة وستائر ممزقة.
وقفت النسخة المظلمة في وسط القاعة الكبرى، ترتدي ثوبًا أسود طويلًا فاخرًا.
«جئتِ.» قالت بابتسامة باردة. «جيد.»
بدأت ألكسندرا المظلمة تتحدث بهدوء، لكن بصوت يحمل سلطة:
«أنتِ ضعيفة. تحبين، وتحمين، وتضحين. أنا اخترتُ القوة. اخترتُ السيطرة.»
ثم رفعت يدها فجأة. شعرت ألكسندرا بطاقة قوية تُثبتها في مكانها. حاولت المقاومة، لكن النسخة المظلمة كانت أقوى.
اقتربت النسخة المظلمة ببطء، ومدت يدها. بدأت تفك أزرار فستان ألكسندرا واحدًا تلو الآخر، ثم سحبته ببطء عن جسدها حتى وقع على الأرض. وقفت ألكسندرا عارية تمامًا، ترتجف من الغضب والإذلال.
«لا...» همست ألكسندرا بصوت مكسور.
لكن النسخة المظلمة لم تتوقف. خلعت ثوبها الأسود ببطء، كاشفة عن جسد مطابق تمامًا لجسد ألكسندرا — نحيل، مشدود، لكنه ينضح شرًا وقوة.
دفعت ألكسندرا إلى الأرض الباردة، ثم استلقت فوقها. فتحت ساقيها بقوة، ووضعت فخذيها بين فخذي ألكسندرا، وبدأت تساحقها بعنف.
«انظري إليّ.» همست النسخة المظلمة بصوت حارق وهي تتحرك بقوة. «هذا ما يجب أن تكوني عليه.»
كانت الحركة عنيفة، سريعة، مليئة بالسيطرة. كانت ألكسندرا تحاول المقاومة، لكن الطاقة كانت تُثبتها. شعرت بجسد نسختها يحتك بجسدها بقوة، الاحتكاك الحار يسبب لها رعشة غير مرغوبة رغم كل شيء.
«توقفي...» بكت ألكسندرا.
لكن النسخة المظلمة ضحكت ضحكة منخفضة واستمرت، تسحقها بإصرار، حتى وصلت إلى ذروتها بصوت انتصاري، ثم تركت ألكسندرا ملقاة على الأرض، مرتجفة، عارية، ومكسورة.
انحنت النسخة المظلمة فوقها وقبلت جبهتها قبلة ساخرة.
«هذه مجرد البداية، حبيبتي. سأعود... وسأجعلكِ مثلي.»
ثم اختفت في الظلام.
عادت ألكسندرا إلى المنزل متأخرًا جدًا، جسدها مرتجف، وعيناها منتفختان من البكاء. عندما رأيتني، انهارت في حضني وبكت بحرقة.
«هي... فعلت بي...» لم تستطع إكمال الجملة.
احتضنتها بقوة، قلبي يتقطع.
كانت النسخة المظلمة قد أعلنت الحرب... بطريقة شخصية وقاسية.
الفصل التاسع والسبعون: غضب أحمد
عندما عادت ألكسندرا إلى المنزل، كانت تبدو كأن روحها قد انكسرت.
دخلت الغرفة مترنحة، شعرها منكوش، ثوبها ممزق في أكثر من مكان، وعيناها منتفختان من البكاء. ما إن رأتني حتى انهارت في حضني، جسدها يرتجف بعنف.
«أحمد...» صوتها مكسور تمامًا. «هي... فعلت بي... رغمًا عني.»
تجمدتُ للحظات. ثم احتضنتها بكل قوتي، يدي ترتعشان على ظهرها.
«ماذا فعلتْ؟» سألتُ بصوت منخفض، لكن الغضب كان يحرق حلقي.
بكت ألكسندرا بحرقة، وروت لي كل شيء بصوت متقطع: كيف استدرجتها، كيف جردتها من ملابسها، كيف سحقتها رغماً عنها، كيف استمتعت النسخة المظلمة بإذلالها.
كل كلمة كانت تطعنني في الصدر مثل خنجر.
لم أغضب هكذا منذ سنوات طويلة.
تركت ألكسندرا تنام في حضني بعد أن غسلتُ جسدها بلطف وألبستها قميص نوم نظيف. بكت طويلاً حتى غلبها التعب. أما أنا، فلم أنم.
جلستُ على حافة السرير أراقبها وهي تنام، وغضبي يتحول إلى شيء أعمق وأخطر.
في الصباح، استيقظت ألكسندرا ووجدتني أقف أمام النافذة، قبضتي مشدودة.
«أحمد...» همست بصوت ضعيف.
التفتُ إليها. عيناي كانتا تحترقان.
«لن أسمح لها بأن تلمسكِ مرة أخرى.» قلتُ بصوت هادئ لكنه يحمل وعيدًا. «سأجد هذه النسخة المظلمة... وسأقتلها بيدي.»
نظرت ألكسندرا إليّ بقلق.
«أحمد... هي قوية. أقوى مما كنتُ أظن.»
اقتربتُ منها، جلست على حافة السرير، وأمسكت وجهها بلطف.
«أنتِ زوجتي. أم أولادي. مليكتي. لا أحد — حتى لو كانت نسخة منكِ — يمسكِ بهذه الطريقة ويبقى حيًا.»
بكت ألكسندرا مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت دموعها مختلفة. احتضنتني بقوة.
«لا تتركني.» همست.
«لن أترككِ أبدًا.» رددتُ وأنا أقبل جبهتها. «لكنني لن أترك هذه النسخة الشريرة تعيش.»
في ذلك اليوم، بدأت أخطط. كنتُ أعرف أنني لستُ قويًا مثل ألكسندرا، لكن غضبي كان أقوى من أي قدرة كونية.
النسخة المظلمة من ألكسندرا قد أعلنت الحرب... وأنا كنتُ مستعدًا للرد.
الفصل الثمانون: خطة أحمد للانتقام
لم أنم تلك الليلة.
جلستُ في غرفة المعيشة المظلمة، أمام المدفأة، بينما كانت ألكسندرا تنام في الغرفة المجاورة بعد أن أعطيتها مهدئًا خفيفًا. كلما أغمضت عينيّ، رأيتُ المشهد الذي روته لي: جسدها العاري، النسخة المظلمة فوقها، الإذلال، الدموع...
كان الغضب يحرقني من الداخل.
في الصباح، عندما استيقظت ألكسندرا، كنتُ قد اتخذت قراري.
«أحمد...» نظرت إليّ بقلق. «ماذا تفعل؟»
وقفتُ أمامها بهدوء مخيف.
«سأقتلها.» قلتُ ببساطة. «ليس فقط لأنها أذتكِ... بل لأنها تجرأت على لمسكِ. على إذلالكِ. هذا لا يُغفر.»
جلست ألكسندرا على حافة السرير، يدها على بطنها.
«هي قوية جدًا. لديها سيطرة على جزء كبير من هذا الاتحاد.»
«أعرف.» ابتسمتُ ابتسامة باردة. «لهذا لن أواجهها وحدي.»
بدأتُ أشرح لها الخطة التي رسمتها طوال الليل:
«أنت غاضب جدًا.» همست.
«نعم.» أجبتُ بصدق. «أنا غاضب لدرجة أنني مستعد أن أحرق هذا العالم كله إذا لزم الأمر لأحميكِ.»
احتضنتني بقوة، ووضعت رأسها على صدري.
«لا تمت.» قالت بصوت خافت. «لا تتركني أنا والأولاد.»
«لن أموت.» قبلت شعرها. «سأعود إليكِ... بعد أن أنهي هذا.»
في الأيام التالية، بدأنا التحضير بهدوء.
ألكسندرا كانت تتابع تحركات نسختها المظلمة. أما أنا، فكنت أعدّ الأسلحة والفخاخ بمساعدة بعض الأجهزة التي أحضرناها.
كنت أعرف أنني لستُ بطلًا خارقًا. لكنني كنتُ زوجًا غاضبًا... وأبًا يحمي عائلته.
والغضب، أحيانًا، يكون أقوى من أي قدرة كونية.
الفصل الحادي والثمانون: الانتقام
كانت الخطة جاهزة.
بعد ثلاثة أيام من التحضير الدقيق، أرسلت ألكسندرا رسالة إلى نسختها المظلمة، تطلب لقاءً سريًا في القصر المهجور نفسه. كتبت فيها: «أريد أن أفهمكِ. تعالي وحدك.»
جاءت النسخة المظلمة.
دخلت القاعة الكبرى بثقة، مرتدية ثوبها الأسود الفاخر، ابتسامتها الساخرة على وجهها. لكنها لم تكن تعلم أنني كنتُ مختبئًا في الظلام، وأن ألكسندرا كانت تنتظر في مكان آمن خارج القصر.
«جئتِ حقًا.» قالت النسخة المظلمة بشماتة. «هل اشتقتِ إليّ؟»
لم أنتظر أكثر.
خرجتُ من الظلام بسرعة، وضربتها بجهاز طاقي صغير أعددناه، مما أفقدها توازنها للحظات. ثم أمسكتها من شعرها بقوة وسحبتها إلى الأرض.
«أنتِ...» حاولت أن تقاوم، لكنني كنتُ أقوى في تلك اللحظة. الغضب كان يعطيني قوة لم أعرفها.
جردتُها من ثوبها الأسود بعنف، ممزقًا إياه، حتى وقفت عارية تمامًا أمامي. كان جسدها مطابقًا تمامًا لجسد ألكسندرا — لكنه الآن كان يرتجف تحت يدي.
«هذا لما فعلتِه بها.» همستُ بصوت مليء بالكراهية.
دفعتها على الأرض الباردة، فتحت ساقيها بعنف، ودخلتها بقوة دون أي رحمة. صرخت النسخة المظلمة من الألم والمفاجأة. كنتُ أتحرك بعنف، أسحقها، أمسك شعرها، أصفع وجهها بقوة مرات عديدة.
«هل أعجبتكِ؟» صاحتُ وأنا أدفع أعمق. «هل شعرتِ بالمتعة عندما أذللتِ زوجتي؟»
كانت تبكي، تحاول المقاومة، لكن الجهاز الطاقي كان يضعف قوتها. صفعتها مرة أخرى، ثم أمسكت عنقها وأكملت بقسوة أكبر.
عندما وصلتُ إلى الذروة، أفرغتُ داخلها بغضب، ثم تركتها ملقاة على الأرض، عارية، ممزقة، ملطخة بالدموع والعار.
انحنتُ فوقها، أمسكت شعرها بقوة، ونظرت في عينيها المذعورتين.
«إذا اقتربتِ من زوجتي أو أولادي مرة أخرى... سأعود وأفعل بكِ أسوأ من هذا. سأدمركِ. هل فهمتِ؟»
بكت النسخة المظلمة، وهي تنظر إليّ بخوف حقيقي لأول مرة.
«...نعم.» همست بصوت مكسور. «لن أقترب... أقسم.»
تركتُها هناك، عارية ومهزومة، وخرجتُ من القصر.
عندما عدتُ إلى ألكسندرا، كانت تنتظرني بقلق. احتضنتها بقوة، ودفنت وجهي في شعرها.
«انتهى.» همستُ. «لن تعود إليكِ مرة أخرى.»
بكت ألكسندرا في حضني، لكن هذه المرة كانت دموع الارتياح.
كنتُ قد انتقمتُ... بطريقة قاسية.
لكنني لم أندم.
الفصل الثاني والثمانون: حوار الظلام
في قصر مظلم آخر على أطراف العاصمة، كانت النسخة المظلمة من ألكسندرا آنا لورا جالسة على الأرض، لا تزال عارية، جسدها يرتجف من الألم والإذلال.
دخل عليها زوجها — توأم أحمد المظلم — رجل طويل القامة، ذو نظرة باردة وقاسية، يشبهني في الملامح لكنه أكثر شراسة ووحشية.
وقف أمامها، ينظر إليها بغضب واضح.
«ماذا فعلتِ؟» صاح بصوت منخفض يحمل تهديدًا. «لماذا ذهبتِ إليها وحدك؟ ولماذا سمحتِ له أن يفعل بكِ هذا؟»
رفعت النسخة المظلمة رأسها ببطء. كانت عيناها الزرقاوان لا تزالان تحملان بريق الشر، لكنها كانت متعبة ومكسورة.
«لأنها جميلة.» قالت بصوت هادئ. «النسخة النقية مني... كانت جميلة جدًا. أردتُها. اشتهيتُ جسدها. أردتُ أن أذلها، أن أشعر بقوتي عليها.»
سخر زوجها ضاحكًا بمرارة.
«وكيف انتهى الأمر؟ نسختي — ذلك الأحمق — اغتصبكِ انتقامًا لها. أذلكِ. صفعكِ. استخدمكِ كما يشاء.»
ابتسمت النسخة المظلمة ابتسامة غريبة، ممزوجة بالألم والمتعة.
«نعم... اغتصبني. كان عنيفًا. صفعني بقوة. أخذني بغضب شديد. لكن...» نظرت إليه بعينين لامعتين. «تلذذتُ به. كان شهيًا. قويًا. مثلك تمامًا... بل أكثر في بعض اللحظات. تظاهرت بالألم والضعف أمامه، لكنني في الداخل... استمتعتُ. استمتعتُ بجسده، وبغضبه، وبكونه ينتقم لتلك النسخة الضعيفة مني.»
اقترب زوجها، أمسك ذقنها بقوة ورفع وجهها.
«أنتِ مجنونة.» همس. «كدتِ تفسدين كل شيء.»
ضحكت ضحكة خافتة، رغم الألم.
«ربما. لكنني أردتُ أن أتذوقه. أردتُ أن أرى إلى أي مدى يمكن أن يصل غضبه من أجلها. وكان... مثيرًا.»
أطلق زوجها تنهيدة طويلة، ثم أجلس بجانبها على الأرض وأحضنها بعنف.
«لن تذهبي إليهم مرة أخرى.» قال بصوت آمر. «هذه المرة سأتعامل أنا معهم. أنتِ... ستبقين هنا تحت عيني.»
ابتسمت النسخة المظلمة ابتسامة خبيثة وهي تستند إلى صدره.
«حسبما تريد... لكنني لن أنسى طعمه. ولا طعمها.»
في الجهة الأخرى من المدينة، كنتُ أنا وألكسندرا نجلس معًا، لا نزال نعاني من آثار ما حدث.
لكننا كنا نعلم أن الحرب لم تنتهِ بعد.
النسخة المظلمة وزوجها... كانا يخططان لشيء أكبر.
الفصل الثالث والثمانون: أسرار الفضاء
مع مرور الأيام في "إمبرياليا نوفا"، اكتشفنا جانبًا مذهلاً آخر من هذا الاتحاد الغريب.
رغم أن نمط حياتهم اليومي كان يجمع بين أجواء القرن التاسع عشر (الفيكتوري والإمبراطوري) والقرن العشرين (السوفييتي)، إلا أنهم كانوا متقدمين جدًا في مجال الفضاء.
في إحدى الليالي، دعانا البروفيسور فون هارتمان إلى مرصد فلكي سري على تلة خارج المدينة. عندما وصلنا، أرانا شيئًا لم نتوقعه.
«انظروا.» قال وهو يشير إلى السماء.
في السماء العلوية، كانت هناك محطات فضائية ضخمة تدور حول الكوكب، ومركبات فضائية تتحرك بينها بسلاسة. كانت السفن تبدو مزيجًا غريبًا: بعضها يشبه السفن البريطانية القديمة مع أشرعة معدنية ومداخن بخارية، وبعضها الآخر يحمل تصميمًا سوفييتيًا ثقيلًا ووظيفيًا.
«لقد سافرنا إلى الفضاء منذ أكثر من مئة وعشرين عامًا.» شرح البروفيسور. «نتنقل بين كواكبنا بسهولة. لدينا مستعمرات على أكثر من سبعة كواكب مأهولة داخل الاتحاد. نستخدم تكنولوجيا متقدمة جدًا في الدفع والملاحة... لكننا اخترنا الحفاظ على نمط حياتنا القديم على سطح الكواكب.»
نظرت ألكسندرا بدهشة.
«يعني أنكم تعيشون كما في القرن التاسع عشر والعشرين... لكنكم تسافرون بين النجوم؟»
«بالضبط.» ابتسم البروفيسور. «نحن نرى أن الحضارة الحقيقية ليست في التخلي عن الماضي، بل في الجمع بين روحه وتقنيات المستقبل.»
أخذنا في جولة داخل المرصد. رأينا صورًا لمحطات فضائية ضخمة، وسفن استكشافية وصلت إلى أطراف النظام الشمسي لهذا الكوكب، وحتى مستعمرات صغيرة على كواكب أخرى داخل الاتحاد.
كان التوأم مفتونين تمامًا. أحمد الصغير سأل بحماس:
«هل يمكننا رؤية السفن عن قرب؟»
ضحك البروفيسور.
«ربما في المستقبل... إذا بقيتم هنا.»
في طريق العودة إلى المنزل، كانت ألكسندرا تفكر بصوت عالٍ:
«هذا يفسر الكثير. تقدمهم التكنولوجي هائل، لكنهم يصرون على العيش بأسلوب قديم. كأنهم يحاولون الحفاظ على الهوية... أو يخفون شيئًا.»
احتضنتها وقلت:
«مهما كان الأمر، علينا أن نكون حذرين. هذا العالم جميل... لكنه مليء بالأسرار.»
تلك الليلة، جلسنا على الشرفة نراقب السماء. كانت السفن الفضائية تمر بين النجوم ببطء، بينما كنا نحن نعيش حياة تجمع بين العصر البطلمي والإمبراطوري-السوفييتي.
كان الاتحاد... أكثر تعقيدًا مما تخيلنا.
الفصل الرابع والثمانون: اندماج في روح القرن التاسع عشر
مع مرور الأسابيع، بدأنا — أنا وألكسندرا — نندمج تدريجيًا في نسيج هذا العالم الفريد.
كنا نرتدي ملابس عصر القرن التاسع عشر بكل فخامة: أنا ببدلات سوداء أنيقة وقبعات عالية، وألكسندرا بفساتين طويلة فاخرة مزينة بالدانتيل والحرير، شعرها مربوطًا بأناقة فيينا أو لندن. كنا نتنقل في شوارع العاصمة كأننا من سكانها الأصليين.
أصبحنا جزءًا من الحياة الثقافية في المدينة. كنا نحضر المحاضرات في الأكاديمية الإمبراطورية، حيث كان المفكرون يجترون ويطورون أفكار هيجل وماركس، يناقشون الديالكتيك والمادية التاريخية بطريقة تجمع بين الفلسفة الألمانية والروح الإمبراطورية.
كانت ألكسندرا مولعة بشكل خاص بالأدب. كانت تقرأ روايات تشارلز ديكنز، فيكتور هوجو، ألكسندر دوما، ليو تولستوي، وفيودور دوستويفسكي بكل شغف. كنا نجلس في المكتبة الكبرى لساعات، نناقش جريمة وعقاب، البؤساء، الحرب والسلام، وأوليفر تويست.
«هذا العالم...» قالت لي ذات مساء ونحن نتمشى على ضفاف نهر صناعي يشبه نهر التيمز، «يأخذ أفضل ما في أوروبا القرن التاسع عشر — الأدب، الفلسفة، العلوم، والفن — ويخلطه مع تقدم تكنولوجي. إنه حلم وكابوس في الوقت نفسه.»
كنتُ أنا أستمتع أكثر بالجانب العلمي والسياسي. كنت أحضر نقاشات حول أفكار داروين، نيتشه، شوبنهاور، وماركس، وأرى كيف يحاول المفكرون هنا تطويرها في سياق إمبراطوري-اشتراكي.
كنا نأخذ التوأم معنا أحيانًا إلى المسارح والمعارض. كان أحمد الصغير يحب قصص جول فيرن عن الرحلات الاستكشافية، بينما لورا كانت مفتونة بقصائد الرومانسية والأوبرا.
في إحدى الليالي، وبعد أن حضرنا عرضًا موسيقيًا لموسيقى بيتهوفن وتشايكوفسكي، عدنا إلى منزلنا المستأجر. جلست ألكسندرا بجانبي على الأريكة، ترتدي فستانها الفيكتوري الأنيق، وقالت بابتسامة:
«أشعر أنني ولدت لهذا العالم. كل ما أحببته في شبابي — الأدب، الفلسفة، التاريخ — موجود هنا، لكنه حي ويتنفس.»
احتضنتها وقبلتها بلطف.
«وأنا أيضًا. لكن علينا ألا ننسى... أننا لسنا هنا إلى الأبد.»
نظرت إليّ بعينين زرقاوين مليئتين بالحنين.
«أعرف. لكن دعنا نستمتع بهذا الزمن ما دام موجودًا.»
كانت حياتنا في هذا الكوكب قد أصبحت مزيجًا ساحرًا بين الرومانسية الإمبراطورية والعمق الفكري السوفييتي. كنا نعيش داخل رواية ضخمة مكتوبة بأقلام ديكنز ودوستويفسكي وماركس معًا.
لكن تحت هذا السحر... كان التوتر بين الجمهوريات الإمبراطورية والشيوعية يزداد يومًا بعد يوم.
الفصل الخامس والثمانون: سقوط في نهر الزمن
كان اليوم هادئًا في "إمبرياليا نوفا"، حتى جاءت الضربة.
كنا أنا وألكسندرا نتمشى في حديقة عامة كبيرة قرب منزلنا المستأجر، نتحدث عن رواية جديدة لتولستوي كنا نقرأها معًا. التوأم كانا في المنزل مع مربية موثوقة، والقطتان تلعبان قربنا.
فجأة، ظهرت النسخة المظلمة من ألكسندرا أمامنا، برفقة زوجها — النسخة المظلمة مني — الذي كان يبتسم ابتسامة باردة.
لم نتمكن من المقاومة.
ضربت النسخة المظلمة ألكسندرا على رأسها بجهاز طاقي خفي بقوة، فسقطت فورًا. حاولتُ الدفاع عنها، لكن زوجها المظلم ضربني بقوة أكبر على الرأس.
شعرت بدوار شديد... ثم فقدت الوعي تمامًا.
عندما استيقظنا، كنا في قاعة المرآة الكبرى تحت الأرض.
كانت أجسادنا مربوطة بسلاسل طاقية. النسخة المظلمة من ألكسندرا كانت تقف أمامنا، مبتسمة ابتسامة انتصار شرير.
«أخيرًا.» قالت بصوت هادئ. «الآن ستنتهي قصتكما النقية.»
حاولتُ الكلام، لكن رأسي كان يؤلمني بشدة. ألكسندرا كانت شبه فاقدة الوعي بجانبي.
اقتربت النسخة المظلمة، أمسكت شعر ألكسندرا، ثم صفعتني أنا بقوة.
«ستنسوان كل شيء.» همست. «ستسقطان في نهر الزمن... ولن تعودا أبدًا.»
ثم ألقتنا — أنا وألكسندرا — معًا نحو قلب المرآة الكبرى.
شعرنا بقوة هائلة تسحبنا. كانت المرآة تتفتح كفم عملاق، وداخلها نهر زمني متلاطم من الضوء والظلام.
سقطنا فيه.
كان السقوط مرعبًا. رأينا عشرات الذكريات تمر أمامنا بسرعة: لقاؤنا الأول، عبور البوابة، ولادة التوأم، المعارك، الحب... ثم بدأ كل شيء يتلاشى.
فقدنا الذاكرة تدريجيًا.
ألكسندرا نظرت إليّ بآخر نظرة واعية، عيناها الزرقاوان مليئتان بالخوف والحب، ثم غرقت في النهر الزمني.
أنا أيضًا غرقت.
في مكان آخر، في زمن آخر، في كون آخر... سقطنا.
لا نعرف من نحن.
لا نعرف ماضينا.
فقط... شعور غامض بالفقدان.
والنسخة المظلمة كانت تقف فوق المرآة، تضحك ضحكة انتصار.
«الآن... العالم ملكي.»
الفصل السادس والثمانون: تجميد الزمن وانفصال المصائر
بعد أن ألقت النسخة المظلمة أنا وألكسندرا في قلب المرآة الكبرى، لم تكتفِ بذلك.
عادت إلى منزلنا في "إمبرياليا نوفا" بسرعة، برفقة زوجها المظلم. كان التوأم — أحمد ريتشارد ولورا كريستينا — يلعبان في الحديقة، والقطتان لونا وسيلفا تنامان قربهما.
وقفت النسخة المظلمة أمامهم، ابتسامتها شريرة وباردة.
«لا داعي للخوف.» قالت بصوت هادئ. «سأحفظكم... إلى حين.»
رفعت يدها، وأطلقت طاقة زرقاء داكنة. تجمد التوأم فجأة في مكانهما — أجسادهما تحولت إلى تماثيل زجاجية شفافة، عيونهما مفتوحة، لكنهما لا يتحركان. كذلك تجمدت القطتان لونا وسيلفا في مكانهما، كأنهما منحوتتان من الرخام.
«هكذا.» همست النسخة المظلمة بارتياح. «ستبقون هكذا... إلى أن أقرر ما أفعل بكم.»
ثم نظرت إلى زوجها وقالت:
«دعنا نراقب ما سيحدث لنسختي الضعيفة وزوجها.»
في الوقت نفسه، داخل نهر الزمن:
سقط أحمد في عصر الطولونيين (القرن التاسع الميلادي، عصر أحمد بن طولون في مصر).
استيقظ في شوارع الفسطاط، مذهولاً، لا يتذكر شيئًا تقريبًا. كان يرتدي ملابس غريبة، ولا يعرف من هو أو من أين أتى. فقط شعور غامض بالفقدان.
أما ألكسندرا، فسقطت في عصر المماليك (القرن الثالث عشر - الرابع عشر الميلادي).
استيقظت في أسواق القاهرة المملوكية، محاطة بجنود وتجار، وهي لا تتذكر اسمها أو ماضيها. كانت عيناها الزرقاوان تثيران الدهشة والشكوك بين الناس.
انفصل مصيرهما تمامًا.
لم يعودا يتذكران بعضهما البعض.
لم يعودا يتذكران أولادهما.
كانا الآن ضائعين في زمنين مختلفين، في عصرين بعيدين عن بعضهما... بينما أولادهما وقطتاهما مجمدون في عالم آخر.
والنسخة المظلمة كانت تراقب كل شيء بابتسامة انتصار.
الفصل السابع والثمانون: سوق الجواري في الفسطاط
استيقظت ألكسندرا آنا لورا في سوق الفسطاط المزدحم، عصر المماليك، في القرن الرابع عشر الميلادي.
كانت تقف بجانب منصة بيع الجواري، عارية القدمين، ملابسها ممزقة وغريبة، شعرها الأسود الطويل منكوش. الناس ينظرون إليها بدهشة كبيرة — عيونها الزرقاء اللامعة كانت شيئًا نادرًا جدًا في ذلك الزمن.
اقترب منها تاجر النخاسة — رجل سمين، ذو لحية خفيفة، يرتدي جلبابًا فاخرًا — وأمسك ذراعها بقوة.
«من أنتِ يا جارية؟» سألها بصوت خشن. «ومن سيدكِ؟»
نظرت إليه ألكسندرا بعينين فارغتين. كانت تعرف اللغة العربية جيدًا، وتعرف عشرات اللغات الأخرى، لكن ذاكرتها كانت فارغة تمامًا. لم تتذكر اسمها، ولا من أين أتت، ولا حتى وجه أحمد أو أولادها.
لم تجب.
ابتسم التاجر ابتسامة واسعة، كاشفًا عن أسنان صفراء.
«الا تعلمين يا لسعدى؟ هذه جارية فاتنة نادرة! عيون زرقاء كالسماء! سأبيعها بثمن محترم جدًا!»
سحبها بقوة إلى منصته، وأمر خادمه بتغيير ملابسها. خلعوا عنها ما تبقى من ثوبها، وألبسوها ثوب حريري أحمر شفافًا، قصيرًا، يكشف عن منحنيات جسدها النحيل. كانت تبدو كجارية أجنبية فاتنة من بلاد بعيدة.
بدأ التاجر ينادي بصوت عالٍ:
«جارية نادرة! عيون زرقاء! بشرة ناعمة كالحرير! من أرض الروم أو أبعد! من يبدأ المزايدة؟»
تجمع حوله رجال كثيرون — تجار، ضباط، أثرياء. بدأوا يعاينونها: يلمسون ذراعها، يرفعون شعرها، ينظرون إلى عينيها. كانوا يعرضون أسعارًا، لكن التاجر كان يرفضها جميعًا.
«هذا قليل! هذه ليست جارية عادية! هذه تحفة!»
فجأة، اقترب شاب وسيم جدًا.
كان ابن شهبندر التجار — شاب في أواخر العشرينيات، حليق الوجه، شعر أسود ناعم، عيون سوداء عميقة، بشرة بيضاء ناعمة. كان يرتدي ملابس فاخرة، ويبدو أنه من مواليد شهر سبتمبر (برج العذراء)، مثل أحمد تمامًا.
توقف أمام ألكسندرا، ونظر إليها طويلاً. بدت عيناه مليئتين بالإعجاب والرغبة.
أما ألكسندرا، رغم فقدان ذاكرتها، فقد شعرت بشيء غريب عندما نظر إليها. كان وجهه يبعث فيها شعورًا بالأمان والجذب في الوقت نفسه.
ابتسم الشاب ابتسامة هادئة، ثم نظر إلى التاجر وقال بصوت واثق:
«أنا آخذها. قل الثمن الذي تريده... وسأدفعه.»
اتسعت عينا التاجر فرحًا.
«يا سيدي... هذه صفقة العمر!»
دفع الشاب الثمن الباهظ دون تردد، ثم أمسك يد ألكسندرا بلطف.
«تعالي معي.» قال بهدوء. «ستكونين آمنة.»
تبعته ألكسندرا بصمت، عيناها الزرقاوان تنظران إليه بفضول عميق... وكأن قلبها يتذكر شيئًا لا تستطيع عقله أن يفهمه.
في الوقت نفسه، في عصر آخر... كان أحمد يستيقظ في الفسطاط الطولوني، تائهًا تمامًا.
كان الاثنان قد افترقا... في الزمن والمكان.
الفصل الثامن والثمانون: فتنة ناهد
وصلت ألكسندرا إلى قصر ابن الشهبندر — أحد أكبر التجار في الفسطاط — وهي لا تزال في حالة ذهول تام.
كان القصر فخمًا جدًا، مزينًا بالرخام والخشب المحفور، والستائر الحريرية. استقبلها الفتى الوسيم بلطف، لكنه كان ينظر إليها بنظرة واضحة مليئة بالرغبة.
«خذوها إلى الحمام.» أمر الوصيفات. «اغسلنها، زيّنها، وألبسوها أجمل ما عندكن.»
أخذت الوصيفات ألكسندرا إلى حمام القصر الداخلي. كان حمامًا فاخرًا جدًا، مليئًا بالبخار والعطور والماء الدافئ.
خلعن عنها الثوب الحريري الأحمر الذي كانت ترتديه، فظهر جسدها النحيل المشدود، نهداها الكبيران البارزان، خصرها الرشيق، وبشرتها الناعمة. نظرت الوصيفات إليها بدهشة وغيرة خفيفة.
«يا لجمالها...» همست إحداهن.
اغتسلت ألكسندرا في الماء الدافئ، ثم دلكت الوصيفات جسدها بالزيوت العطرية، وصففن شعرها الأسود الطويل، ووضعن الكحل في عينيها الزرقاوين.
عندما خرجت، كانت تبدو كجارية فاتنة من الجنة. ارتدت ثوبًا حريريًا أخضر شفافًا، يبرز منحنيات جسدها بشكل مثير.
دخل عليها الفتى الوسيم (ابن الشهبندر) إلى الغرفة. نظر إليها طويلاً، خاصة إلى نهديها الكبيرين البارزين تحت الثوب الشفاف.
ابتسم ابتسامة راضية وقال بصوت ناعم:
«ما اسمكِ يا جارية؟»
نظرت إليه ألكسندرا بعينين فارغتين، ثم هزت رأسها ببطء.
«لا... لا أتذكر.»
ضحك الفتى ضحكة خفيفة، وهو لا يزال يحدق بنهديها البارزين.
«حسنًا... سأسميكِ أنا. من اليوم فصاعدًا، اسمكِ فتنة ناهد.»
مد يده ولمس ذقنها بلطف، ثم نظر مرة أخرى إلى صدرها وقال بصوت منخفض:
«لأن نهديكِ... هما أجمل ما رأيت في حياتي.»
احمر وجه ألكسندرا (فتنة ناهد) قليلاً، لكنها لم تستطع الرد. كانت ذاكرتها فارغة تمامًا، ولم تفهم إلا أن هذا الشاب الوسيم قد اشتراها... وأنه يريدها.
ابتسم الفتى مرة أخرى، وقال:
«تعالي معي يا ناهد... سأريكِ غرفتكِ الجديدة.»
أمسك يدها بلطف، لكنه بقوة، وأخذها إلى جناحه الخاص.
كانت فتنة ناهد — ألكسندرا الفاقدة للذاكرة — قد بدأت حياة جديدة تمامًا... في قصر ابن الشهبندر.
الفصل التاسع والثمانون: فتنة ناهد
مرت الشهور في قصر محمود بن الشهبندر ببطء، لكنها كانت مليئة بالتغيرات.
أصبحت فتنة ناهد (ألكسندرا آنا لورا) جزءًا أساسيًا من حياة القصر. كانت محمود — الشاب الوسيم، حليق الوجه، أسود الشعر والعيون، أبيض البشرة — يعاملها بمزيج غريب من الشهوانية الشديدة والحنان الرومانسي.
كان يضاجعها باستمرار، وغالباً ما يكون ذلك بعنف لذيذ وشهوة لا تُشبع. يأخذها في غرفته الخاصة، أو في الحمام، أو حتى في الحديقة المغلقة، وكان يتمتع بجسدها بطريقة تجعلها تئن وترتجف. ومع ذلك، كان بعد كل لقاء يعاملها بلطف، يقبل جبهتها، يمسح شعرها، ويهديها هدايا صغيرة.
أما ألكسندرا (فتنة) فكانت منجذبة إليه بشكل غريب وعميق. لم تدرِ لماذا، لكنها كانت تشعر بالراحة والأمان بجانبه. كانت تنظر إليه بإعجاب، وتستمتع بلمسه، وتشتاق إليه عندما يغيب.
تدريجيًا، أصبحت لها حظوة كبيرة في المنزل. لم تعد مجرد جارية، بل أصبحت شبه زوجة. كان محمود يأخذها معه في بعض المناسبات الخاصة داخل القصر، ويسمح لها بالتنقل بحرية نسبية.
ورغم فقدان ذاكرتها، بقيت بعض الصفات فيها:
في إحدى الليالي، بعد أن ضاجعها محمود بحرارة شديدة، استلقى بجانبها، يمسح شعرها بلطف وقال:
«أنتِ لستِ جارية عادية يا ناهد. أنتِ شيء آخر... أنتِ ملكة سقطت من السماء.»
نظرت إليه ألكسندرا بعينين زرقاوين مليئتين بحنان غامض، ولم تجب. كانت تشعر أن هناك فراغًا كبيرًا داخلها، لكن وجود محمود كان يملأ جزءًا منه.
كانت حياتها الجديدة كـ"فتنة ناهد" مليئة بالرفاهية والشهوة والحنان... لكنها كانت تفتقد شيئًا لا تستطيع تذكره.
شيئًا اسمه أحمد.
في الوقت نفسه، في عصر آخر... كان أحمد يحاول أن يجد مكانه في زمن الطولونيين.
لكن هذا موضوع آخر...
الفصل التسعون: أحمد في عصر الطولونيين (النسخة المصححة)
في الوقت نفسه، في عصر الطولونيين (القرن التاسع الميلادي، عصر أحمد بن طولون في مصر)، سقط أحمد في أحد شوارع الفسطاط.
كان فاقد الذاكرة تمامًا.
لم يتذكر اسمه، ولا من أين أتى، ولا وجه ألكسندرا، ولا أولاده. كان يشعر فقط بفراغ كبير داخل صدره، وتعب شديد.
مشى في الأسواق على غير هدى، ينظر إلى الناس والمباني والأزياء الغريبة حوله بدهشة. كان يرتدي ملابس ممزقة غير مألوفة في ذلك العصر، مما جعل الناس ينظرون إليه باستغراب وشك.
استمر في التجول لساعات حتى أنهكه التعب والجوع. جلس على جانب الطريق قرب منزل كبير، ثم استسلم للنوم على الأرض.
استيقظ على صوت رجل يزعق فيه:
«قم يا ولد! من أنت؟ وماذا أتا بك إلى هنا؟ هذا ليس مكانًا للنوم!»
نظر أحمد إليه بعينين فارغتين. حاول أن يتكلم، لكنه لم يجد الكلمات. لم يعرف ماذا يقول.
«لا... لا أعرف.» همس بصوت ضعيف.
كان الرجل يهم بالطرد له، لكن فجأة...
وقفت امرأة على باب المنزل المجاور.
كانت أرملة ثرية جميلة جدًا، في أواخر العشرينيات أو أوائل الثلاثينيات. وجهها يشبه جانفى كابور إلى حد التطابق تقريبًا: بشرة فاتحة ناعمة، شعر أسود طويل لامع، عيون داكنة واسعة، وملامح جذابة وأنثوية قوية.
كانت ترتدي ثوبًا أسود فاخرًا يليق بأرملة ذات مكانة. وقفت تنظر إلى أحمد طويلاً، عيناها مثبتتان عليه بشدة غير طبيعية.
منذ أن رأته نائمًا على جانب الطريق، انجذبت إليه انجذابًا قويًا وغريبًا. كان وجهه، رغم التعب والغبار، يبعث في قلبها شعورًا بالألفة والرغبة.
أشارت إلى خادمها وقالت بهدوء:
«اذهب واستدعه. قل له إن السيدة تريد أن تتحدث معه.»
ذهب الخادم، وأحضر أحمد إليها.
وقف أحمد أمامها، مرتبكًا ومرهقًا. نظرت إليه الأرملة طويلاً، ثم ابتسمت ابتسامة ناعمة وقالت بصوت رقيق:
«تعالَ إلى الداخل... تبدو متعبًا. سأعطيكَ طعامًا ومكانًا تنام فيه.»
دخل أحمد المنزل الكبير، لا يعرف أن هذه المرأة التي تشبه جانفى كابور ستغير مصيره في هذا العصر.
الفصل الحادي والتسعون: منزل الأرملة
دخل أحمد المنزل الكبير في الفسطاط الطولونية، وهو لا يزال في حالة ذهول تام.
كان المنزل فخمًا بمعايير ذلك العصر: أرضيات رخامية، ستائر حريرية، وأثاث خشبي مزخرف. الجو كان يفوح برائحة البخور والورد.
وقفت الأرملة أمامه، تنظر إليه باهتمام شديد. كانت جميلة بشكل لافت — بشرتها فاتحة ناعمة، شعرها أسود طويل لامع، وعيناها داكنتين واسعتين. كانت تشبه جانفى كابور إلى درجة كبيرة، مما جعل أحمد يشعر بشيء غامض داخل صدره، وكأن قلبه يتذكر شيئًا لا يستطيع عقله الوصول إليه.
«اجلس.» قالت بصوت ناعم ولطيف. «تبدو جائعًا ومتعبًا.»
جلس أحمد على وسادة كبيرة. أحضرت له الخادمات طعامًا — خبزًا طازجًا، لحمًا مشويًا، فواكه، وعصيرًا. أكل بشهية، بينما كانت الأرملة تراقبه بصمت.
بعد أن انتهى، سألته بهدوء:
«ما اسمك؟»
هز أحمد رأسه ببطء.
«لا... لا أتذكر.»
ابتسمت الأرملة ابتسامة حزينة خفيفة.
«لا بأس. كلنا نفقد أشياء أحيانًا. سأسميك... أحمد، فهو اسم شائع وجميل.»
نظر إليها أحمد، وشعر بدفء غريب. كانت معاملتها لطيفة، ونظرة عينيها تحمل شيئًا أعمق من مجرد الفضول.
خصصت له غرفة صغيرة في منزلها، وأعطته ملابس نظيفة. في الأيام التالية، بدأ يساعدها في بعض أمور المنزل — يحمل الأشياء الثقيلة، يساعد في الحديقة، ويستمع إليها وهي تتحدث عن زوجها المتوفى وعن حياتها.
كانت الأرملة تنجذب إليه بشكل واضح. كانت تنظر إليه طويلاً عندما يعمل، وتبتسم له بطريقة خاصة. أما أحمد، فكان يشعر بالراحة بجانبها، وكأن وجودها يملأ جزءًا من الفراغ الذي يعاني منه.
في إحدى الليالي، وبعد أن أنهى عملاً في الحديقة، دعته إلى غرفتها ليتناول العشاء معها. كانت ترتدي ثوبًا أنيقًا، وشعرها منسدلًا.
«أنت مختلف عن الرجال هنا.» قالت له بلطف. «عيناك... فيهما شيء بعيد.»
لم يجب أحمد، لكنه ابتسم ابتسامة خفيفة.
بدأت علاقتهما تتطور تدريجيًا. كانت الأرملة حنونة معه، تعطيه مكانة خاصة في المنزل، وتتحدث معه لساعات طويلة. وهو، رغم فقدان ذاكرته، كان ينجذب إليها أيضًا.
لكن في أعماقه، كان هناك شعور غامض بالفقدان... كأن هناك شخصًا آخر ينتظره في مكان بعيد جدًا.
في الوقت نفسه، في عصر المماليك... كانت فتنة ناهد (ألكسندرا) تعيش حياة مختلفة تمامًا مع محمود بن الشهبندر.
كان الاثنان قد افترقا في الزمن... وكل منهما بدأ يبني حياة جديدة دون أن يتذكر الآخر.
الفصل الثاني والتسعون: ظلال الأرملة
مرت الأسابيع في منزل الأرملة بهدوء نسبي، لكن العلاقة بين أحمد والأرملة كانت تتطور ببطء وثبات.
كانت تُدعى ليلى بنت الحسين، أرملة تاجر ثري توفي منذ سنتين. كانت تعيش وحدها في القصر الكبير، وليس لها أولاد. مع مرور الوقت، أصبح أحمد ينام في غرفة أقرب إليها، ويجلس معها لساعات طويلة في المساء.
كانت ليلى حنونة معه، لكن شهوانيتها كانت واضحة. في بعض الليالي، كانت تدعوه إلى غرفتها، وكان يقضي معها ليالٍ طويلة. كانت علاقتهما جسدية وحميمة، لكنها كانت تحتوي أيضًا على حنان حقيقي. كانت تلامس وجهه بلطف، وتتحدث معه عن أحلامها وعن وحدتها.
أما أحمد، فكان يشعر بالراحة بجانبها. رغم فقدان ذاكرته، كان ينجذب إليها بقوة. كان يرى في عينيها شيئًا مألوفًا، وكأن روحه تتذكر شيئًا لا يستطيع عقله الإمساك به.
في أحد الأيام، جاءت أختها لزيارة ليلى.
كانت الأخت تُدعى نورا، وكانت تشبه الممثلة نورا أخت بوسي (علوية قدري) إلى حد التطابق تقريبًا: جمالها الشرقي اللافت، جسمها الممتلئ بطريقة مثيرة، شعرها الأسود الطويل، وعيناها الداكنتين الواسعتين التي تحملان بريقًا مغريًا.
دخلت نورا المنزل بثقة، وما إن رأت أحمد حتى توقفت للحظات. نظرت إليه بنظرة فاحصة ومستغربة، ثم ابتسمت ابتسامة جانبية.
«من هذا الشاب الوسيم الذي يعيش معكِ يا أختي؟» سألت ليلى بلهجة مرحة لكن فيها فضول واضح.
ابتسمت ليلى وقالت:
«هو... أحمد. وجدته على جانب الطريق. لا يتذكر شيئًا عن ماضيه. قررت أن أعتني به.»
نظرت نورا إلى أحمد مرة أخرى، وعيناها تتفحصانه من الأعلى إلى الأسفل. كان واضحًا أنها انجذبت إليه بشدة.
في الأيام التالية، أصبحت نورا تزور أختها بانتظام أكثر من المعتاد. كانت تجلس مع أحمد، تتحدث معه، تضحك، وتلمسه بلطف من حين لآخر — على ذراعه أو كتفه.
كانت ليلى تلاحظ ذلك، لكنها لم تغضب. بل بدت مستمتعة بالتوتر الخفيف الذي يخلقه وجود أختها.
في إحدى الليالي، وبعد أن انسحبت ليلى للنوم مبكرًا، بقيت نورا مع أحمد في الصالة. اقتربت منه، ووضعت يدها على صدره، وقالت بصوت منخفض:
«أختي محظوظة... أن يكون لها رجل مثلك.»
نظر إليها أحمد، شعر بجذب قوي نحوها، لكنه لم يتحرك.
كانت حياته في عصر الطولونيين مليئة بالغموض والجاذبية... وكأن القدر يعيد ترتيب أجزاء من ماضيه المفقود بطريقة غريبة.
في الوقت نفسه، في عصر المماليك... كانت فتنة ناهد (ألكسندرا) تعيش حياة مختلفة تمامًا مع محمود.
كان الاثنان قد افترقا في الزمن... وكل منهما كان يبني حياة جديدة دون أن يتذكر الآخر.
الفصل الثالث والتسعون: لهيب علوية
مع مرور الأسابيع، أصبحت زيارات علوية قدرى إلى منزل أختها أكثر تكرارًا وأطول مدة.
كانت علوية مطلقة منذ سنة تقريبًا، وكانت تعيش حياة حرة نسبيًا مقارنة بمعايير ذلك العصر. كانت امرأة جريئة، ذكية، ومغرية، وكانت نظراتها إلى أحمد لا تخفي رغبتها الواضحة.
في البداية، كانت تكتفي بالحديث معه في حضور أختها. لكن تدريجيًا بدأت تلتقي به على انفراد — في الحديقة، أو في الصالة عندما تكون ليلى مشغولة.
كانت تجلس قريبًا منه، تضع يدها على ذراعه، وتنظر إليه بعينين مليئتين بالرغبة. كانت تتحدث معه بصوت ناعم، تسأله عن ذكرياته المفقودة، وتبتسم عندما يقول إنه لا يتذكر شيئًا.
ذات مساء، وبينما كانت ليلى نائمة مبكرًا، جلست علوية مع أحمد في الشرفة المطلة على الحديقة. كان القمر يضيء وجهها، فبدت أكثر جمالاً.
اقتربت منه حتى أصبحت وجوههما قريبة، ثم همست بصوت دافئ:
«أنتَ مختلف عن كل الرجال الذين عرفتهم... هناك شيء في عينيكَ يجذبني.»
لم يرد أحمد بالكلام. شعر بجذب قوي نحوها. مدّت علوية يدها ولمست وجهه بلطف، ثم قبلته قبلة طويلة، عميقة، مليئة بالشهوة.
كانت قبلتها مختلفة عن قبلات أختها — أكثر جرأة وجوعًا. سرعان ما أصبحت القبلة أكثر حرارة. أخذته علوية إلى إحدى الغرف الجانبية، وهناك استسلم أحمد لرغبتها.
كانت علاقتهما جسدية قوية ومباشرة. كانت علوية امرأة شغوفة، تعرف ما تريده، وكانت تأخذه بجرأة. كان أحمد يستجيب لها بحرارة، رغم الشعور الغامض بالذنب تجاه ليلى.
في الأيام التالية، أصبحت علاقته مع علوية سرية لكنها مكثفة. كانت تأتي إليه عندما تكون أختها مشغولة، وكانا يقضيان وقتًا طويلاً معًا في الخفاء.
كانت علوية تتحدث معه بصراحة:
«أختي تحبك... لكنني أريده أيضًا. وأنت... أرى في عينيكَ أنك تريدني.»
لم ينكر أحمد. كان منجذبًا إليها بشدة، وكأن وجودها يملأ فراغًا داخليًا لا يستطيع تفسيره.
أما ليلى، فكانت تشك في الأمر، لكنها لم تواجههما. كانت تبدو مستمتعة بالوضع بطريقة غريبة، كأنها تقبل مشاركة أختها في هذا الرجل الغامض الذي ظهر فجأة في حياتها.
كانت حياة أحمد في عصر الطولونيين مليئة بالغموض والشهوة... وكأن القدر يعيد ترتيب أجزاء من حياته بطريقة معقدة.
الفصل الرابع والتسعون: ملل فتنة ناهد
مرت الأشهر، وأصبحت فتنة ناهد (ألكسندرا آنا لورا) تعيش حياة مترفة داخل قصر محمود بن الشهبندر.
كان محمود يغدق عليها بالهدايا: فساتين حريرية فاخرة، مجوهرات ذهبية، عطور نادرة، وكل ما تتمناه. كان لها حمام سباحة خاص واسع، وأدوات موسيقية متنوعة تعزف عليها كلما شاءت. كان يعاملها كملكة داخل قصره.
لكن رغم كل هذا، بدأت فتنة ناهد تشعر بـملل شديد لا تستطيع تفسيره.
كانت تشعر بفراغ داخلي غريب. كأن شيئًا مهمًا ناقصًا في حياتها. رغم حنان محمود وشهوانيته، ورغم الرفاهية التي تعيشها، كانت تشعر أنها تريد شيئًا أكثر حرية وطفولية.
في إحدى الليالي، قررت أن تفعل شيئًا لم يكن محمود يوافق عليه.
تسللت من القصر في وقت متأخر، ارتدت ثوبًا خفيفًا جدًا، وذهبت إلى ضفاف النيل في منطقة نائية بعيدة عن أعين الناس. خلعت الثوب، وبقيت شبه عارية أو عارية تمامًا، حافية القدمين، وسبحت في مياه النيل تحت ضوء القمر كطفلة حرة.
كانت تضحك وتلعب في الماء، تسبح بقوة، وتستمتع بالشعور بالحرية. كانت تشعر أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يخفف عنها الملل.
عندما عادت في الصباح، كان محمود ينتظرها غاضبًا وقلقًا.
«ماذا فعلتِ؟!» قال بصوت منخفض لكنه حاد. «إذا رآكِ أحد... ستكون فضيحة كبيرة! امرأة مثلك تسبح عارية في النيل!»
نظرت إليه فتنة ناهد بعينين متعبة، وقالت بصدق:
«كنتُ أشعر بالاختناق... أحتاج إلى الحرية.»
حاول محمود أن يمنعها، لكنها كانت تصر. كانت تتسلل مرارًا وتكرارًا إلى النيل في الأماكن النائية، وكانت تستمتع بهذه اللحظات كثيرًا.
في الوقت نفسه، في منزل ليلى...
بدأت تظهر أعراض الحمل على ليلى وعلى علوية معًا.
كان الاثنان — ليلى وعلوية — حاملين من أحمد.
شعرتا بالذعر. كانت الفضيحة ستكون كارثية إذا اكتشف الناس أن الأختين حاملتان من الرجل نفسه.
اجتمعتا سرًا وقررتا خطة:
نظر أحمد إليهما بدهشة عندما أخبرتاه بالقرار، لكنه لم يعترض. كان يشعر بالمسؤولية تجاههما.
وبينما كانت فتنة ناهد تتسلل إلى النيل لتلهو كطفلة... كانت حياة أحمد في عصر الطولونيين تتعقد بطريقة أخرى تمامًا.
الفصل الخامس والتسعون: دموع فتنة ناهد
بعد ولادة الولدين (ابن ليلى وابن علوية) بأشهر قليلة، بدأت فتنة ناهد (ألكسندرا آنا لورا) تشعر بتغيرات غريبة في جسدها.
بدأت تتقيأ في الصباح، وشعرت بدوار مستمر، وتورمت نهداها، وأصبح بطنها ينتفخ تدريجيًا.
كانت حاملاً.
عندما أدركت ذلك، انهارت تمامًا.
جلست في غرفتها تبكي بحرقة شديدة، دموعها لا تتوقف. كانت تشعر بضيق نفسى حاد واكتئاب عميق لا تستطيع تفسيره. كانت تكره الحمل، تكره الطفل الذي ينمو داخلها، وتريد التخلص منه بأي وسيلة ممكنة.
كانت هي نفسها مستغربة من مشاعرها. لم تفهم لماذا تشعر بهذا الرفض الشديد، لماذا يملأها الخوف والغضب والحزن في الوقت نفسه.
حاولت مرارًا أن تجد طريقة للإجهاض — أعشاب، أدوية، أو حتى إيذاء نفسها — لكن محمود اكتشف الأمر.
دخل عليها غاضبًا، صفعها بقوة على وجهها، ثم أمسكها من شعرها.
«ماذا تفعلين؟!» صاح في وجهها. «هذا طفلي! لن تتخلصي منه!»
ربطها محمود في الغرفة، وقيّد يديها ورجليها بلطف لكنه بحزم. أمر الوصيفات بمراقبتها ليل نهار، ومنع عنها أي شيء قد تستخدمه للإجهاض.
«ستبقين هنا حتى تلدين.» قال لها بصوت بارد. «وبعد ذلك... سآخذ الطفل منكِ. لن تكوني أمه.»
بكت فتنة ناهد بشدة، وهي مربوطة على السرير. كانت تبكي لأسباب لا تفهمها. كانت تشعر أن هناك شيئًا خاطئًا جدًا، كأن روحها ترفض هذا الحمل رفضًا عميقًا.
كان محمود يزورها يوميًا، يطعمها، يراقبها، وأحيانًا يضاجعها رغم حالتها، لكنه كان مصرًا على أن يحتفظ بالطفل.
كانت فتنة ناهد تعيش في سجنها الذهبي، حاملة ***ًا لا تريده، وتبكي دون أن تعرف السبب الحقيقي وراء دموعها.
في أعماقها المفقودة، كانت روحها تتذكر أولادها الحقيقيين... لكن عقلها لم يعد قادرًا على استرجاع الذكرى.
الفصل السادس والتسعون: ولادة الظلام
مرت الأشهر، وولدت ليلى ثم علوية كل منهما ولدًا.
كان أحمد ينظر إلى الولدين ببرود غريب. لم يفرح بهما كما ينبغي. كان يشعر بفراغ داخلي عميق، وكأن شيئًا ما يخبره أن هذين الطفلين ليسا "طفليه الحقيقيين".
رغم ذلك، استمر في علاقته الحميمية الساخنة مع ليلى وعلوية. كان يضاجعهما بانتظام، أحيانًا معًا، بشهوة قوية، لكنه كان يفعل ذلك دون سعادة حقيقية أو ارتباط عاطفي عميق.
أما ليلى وعلوية، فقد كن سعيدتين جدًا بالولدين. كانتا ترضعانهما، ترعيانهما، وتنظران إليهما كأنهما نور حياتهما. كانتا تتنافسان في حبهما للطفلين، وكانتا فخورتين بأنهما أنجبتا من أحمد.
أما بالنسبة لفتنة ناهد (ألكسندرا آنا لورا)، فقد كان يوم ولادتها أسود يوم في حياتها.
جاءها المخاض فجأة وبقوة. ولدت توأمين: ولدًا وبنتًا.
كانت الولادة صعبة ومؤلمة. بعد أن وضعتهما، نظرت إليهما وهي مستلقية على السرير، ثم انفجرت بالبكاء. ازداد اكتئابها بشكل حاد جدًا. كانت تنظر إلى الطفلين وتشعر برفض عميق لا تستطيع تفسيره. كانت تبكي ليلاً ونهارًا، وتتوسل إلى محمود أن يأخذهما بعيدًا عنها.
في إحدى الليالي، وبينما كانت لا تزال في حالة النفاس، هربت من القصر.
هربت حافية، مرتدية ثوبًا خفيفًا فقط، وهي في حالة ضعف شديد. مشت في الشوارع والأزقة، وكادت تموت بحمى النفاس الشديدة.
عثر عليها نطاسي عجوز ماهر (طبيب شعبي) في إحدى الأزقة النائية. كان رجلاً طيبًا، أخذها إلى كوخه البسيط، وعالجها لأسابيع طويلة. كان يداويها بالأعشاب والمراهم والعناية المستمرة حتى تعافت تدريجيًا.
أما محمود، فقد احتفظ بالولد والبنت، ورباهما كابنيه. حاول البحث عن فتنة ناهد في كل مكان، لكنه لم يجدها. أرسل الرجال، ودفع المكافآت، لكنه لم يعثر لها على أثر.
كانت فتنة ناهد قد اختفت في أزقة الفسطاط... تائهة، فاقدة الذاكرة، ومكسورة القلب دون أن تعرف السبب.
في الوقت نفسه، في عصر الطولونيين... كان أحمد يعيش حياته الجديدة مع ليلى وعلوية.
كان الجميع قد افترقوا في الزمن... وكل منهم كان يحاول أن يعيش رغم الفراغ الكبير داخل روحه.
الفصل السابع والتسعون: أبوة النطاسي
مكثت فتنة ناهد (ألكسندرا آنا لورا) عند النطاسي العجوز لأشهر طويلة.
كان الرجل يُدعى عبد الرحمن بن يوسف، طبيب شعبي ماهر في الستينيات من عمره، ذو لحية بيضاء طويلة، وعينين طيبتين مليئتين بالحكمة. كان يعيش في كوخ بسيط لكنه نظيف في حارة هادئة من الفسطاط.
منذ اليوم الأول، عاملها كأب حنون. كان يداويها بحرص شديد، يغير الضمادات، يعد لها الأعشاب المقوية، ويطعمها بيديه عندما كانت ضعيفة جدًا. كان يجلس إلى جانبها لساعات، يحكي لها قصص الأنبياء والصالحين، أو يغني لها أناشيد دينية بصوت هادئ ليهدئ من روعها.
رغم فقدان ذاكرتها، شعرت فتنة ناهد معه بحنان أبوي غامر لم تشعر به من قبل. كانت تبكي في حضنه كطفلة صغيرة، وكان هو يمسح دموعها بلطف ويقول:
«لا تخافي يا بنيتي... أنا هنا. لن أترككِ.»
اعتبرها بالفعل ابنته. سماها «ناهدة» (بدل فتنة ناهد) لأنه أحب الاسم، وكان يناديها به بحنان. كان يعلمها بعض أمور الطب الشعبي، ويأخذها معه عندما يخرج لعلاج المرضى في الحارة، فيشعرها بقيمة الحياة رغم قسوتها.
كانت ألكسندرا (ناهدة) تشعر بالأمان الحقيقي لأول مرة منذ سقوطها في هذا العصر. كانت تنام وهي تمسك يده، وتصحو وهي تبحث عنه بعينيها.
ذات ليلة، وبينما كانت تجلس بجانبه أمام نار صغيرة، قالت له بصوت خافت:
«أشعر أنك... أبي. لا أتذكر أبي الحقيقي... لكنني أشعر أنك هو.»
ابتسم العجوز بدموع في عينيه، وضمها إلى صدره وقال:
«وأنتِ ابنتي يا ناهدة. من اليوم فصاعدًا، أنتِ ابنتي. ولن أسمح لأحد أن يؤذيكِ مرة أخرى.»
كانت هذه العلاقة الأبوية الدافئة هي ما ساعدها على التعافي النفسي تدريجيًا، رغم استمرار الفراغ الكبير داخل قلبها.
أما محمود بن الشهبندر، فقد كان لا يزال يبحث عنها بكل الطرق، لكنه لم يصل إليها بعد.
في الوقت نفسه، في عصر الطولونيين... كان أحمد يعيش حياته المعقدة مع ليلى وعلوية.
كان الجميع قد افترقوا في الزمن... وكل منهم كان يحاول أن يجد طريقه في غياب الذاكرة والحب الحقيقي.
اسمي لا يهم كثيرًا في بداية هذه الحكاية. ما يهم أنني رجل مصري، ولدت في منتصف سبتمبر عام 1981، وأعيش وحدي في شقة هادئة بعد أن رحل والداي عن الدنيا. في الرابعة والأربعين من عمري، كنت أظن أن حياتي أصبحت سلسلة من الأيام المتشابهة؛ أستيقظ، أتناول قهوتي، أقرأ الأخبار، ثم أعود إلى وحدتي التي أصبحت رفيقتي الدائمة.
لكن كل شيء بدأ يتغير بسبب امرأة لم أقابلها يومًا.
كانت البداية عندما شاهدت فيلم "بيرسي جاكسون: لص البرق". لم تكن مجرد ممثلة تؤدي دورًا على الشاشة. منذ اللحظة الأولى التي ظهرت فيها، شعرت بشيء غريب لا أستطيع تفسيره. كانت هناك تلك العينان الزرقاوان اللامعتان، وذلك الوجه الذي جمع بين البراءة والشباب، وذلك الصوت الرقيق الذي بدا وكأنه يأتي من عالم آخر.
بعدها شاهدت أعمالًا أخرى لها. في كل مرة كنت أقول لنفسي إن الأمر مجرد إعجاب بفنانة موهوبة مولودة في 16 مارس 1986، لكن الإعجاب كان يكبر بصمت. كنت أراقب أداءها في كل مشهد، وأندهش من قدرتها على التعبير عن المشاعر بتفصيلة صغيرة أو نظرة عابرة.
مع مرور الأشهر، بدأت صورها تملأ غرفتي. طبعت عشرات اللقطات من الإنترنت وعلقتها على الجدران. كانت هناك صورة فوق المكتب، وأخرى قرب المكتبة، وثالثة إلى جوار السرير. كل صباح كنت أنظر إليها قبل أن أبدأ يومي.
كنت أعلم أن هذا مجرد إعجاب بشخصية فنية بعيدة آلاف الكيلومترات عني، لكن الخيال لا يعترف بالمسافات.
أحيانًا كنت أتخيل حياة مختلفة تمامًا. أتخيل أنني لم أولد في القاهرة، بل في مدينة أمريكية هادئة. أتخيل أننا كنا جارين منذ الطفولة، نذهب إلى المدرسة نفسها، ونجلس في الفصل ذاته. أتخيل أننا كبرنا معًا عامًا بعد عام، نتشارك الأسرار والأحلام والمخاوف الصغيرة التي لا يعرفها سوانا.
في تلك الأحلام كنت أعرف كل شيء عنها؛ ما الكتب التي تحبها، وما الموسيقى التي تستمع إليها، وما الذي يجعلها تضحك، وما الذي يجعلها تبكي. وكنت أتخيل أنها تعرف عني الأشياء نفسها.
ثم بدأت الأحلام تصبح أكثر غرابة.
في البداية كانت مجرد رؤى عابرة أثناء النوم. أراها تمشي على شاطئ واسع تحت ضوء القمر. أراها تلتفت نحوي وتبتسم. ثم تستيقظ ذاكرتي فجأة مع رنين المنبه فأجد نفسي وحدي في غرفتي.
لكن في إحدى الليالي حدث شيء مختلف.
استيقظت عند الثالثة فجرًا على ضوء أزرق خافت يملأ الغرفة.
جلست على السرير مذعورًا.
لم يكن الضوء قادمًا من المصباح ولا من الشارع. كان ينبعث من إحدى الصور المعلقة على الجدار المقابل.
فركت عيني غير مصدق.
لكن الضوء ازداد سطوعًا.
بدأت الصورة تهتز ببطء، كأن سطحها تحول إلى صفحة ماء ساكنة تحركها نسمة خفيفة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي كله.
وقفت مترددًا واقتربت خطوة.
ثم خطوة أخرى.
كل قوانين العقل كانت تخبرني أن ما أراه مستحيل.
لكنني كنت أراه بعيني.
عندما أصبحت على بعد متر واحد فقط من الصورة، سمعت صوتًا خافتًا.
صوت امرأة.
صوتًا أعرفه جيدًا.
قالت كلمة واحدة فقط:
"أخيرًا..."
وتجمدت مكاني.
لأن الصوت كان يشبه صوت ألكسندرا تمامًا.
وفي تلك اللحظة، انفتح داخل الصورة باب من الضوء الأزرق لم أرَ مثله في حياتي قط.
الفصل الثاني: أول لقاء First meeting
لم أنم تلك الليلة.بعد أن ظهرت البوابة الزرقاء داخل غرفتي، ظللت جالسًا على حافة السرير أحدق فيها لساعات.
لم أجرؤ على الاقتراب أكثر.
وفي المقابل لم أستطع إبعاد نظري عنها.
مع اقتراب الفجر، عاد الضوء يزداد لمعانًا.
ثم ظهرت الغرفة الأخرى من جديد.
لكنها لم تكن مختبرًا أو مكانًا غريبًا كما تخيلت.
كانت غرفة معيشة عادية ودافئة.
مكتبة خشبية.
أريكة كبيرة.
صور عائلية معلقة على الجدران.
وأمام البوابة وقفت هي.
ألكسندرا.
كانت ترتدي ملابس منزلية بسيطة، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها.
بدا عليها التوتر نفسه الذي أشعر به.
قالت مبتسمة:
"صباح الخير... أو ربما مساء الخير عندك."
ضحكت لأول مرة منذ ظهور البوابة.
قلت:
"أعتقد أنه صباح عندي."
ترددت للحظة ثم أضفت:
"هل أنت حقيقية فعلًا؟"
ضحكت هي الأخرى.
وقالت:
"كنت سأطرح عليك السؤال نفسه."
ساد صمت قصير.
ثم بدأنا نتحدث.
في البداية كانت أسئلة بسيطة.
ما اسمك؟
أين تعيش؟
ماذا تعمل؟
كم عمرك؟
أخبرتها أنني مصري أعيش وحدي بعد وفاة والديّ.
رأيت التعاطف يظهر في عينيها.
وقالت بصوت هادئ:
"أنا آسفة."
ثم أخبرتني عن حياتها في عالمها.
كانت شابة عادية تعيش مع أسرتها في مدينة أمريكية تشبه كثيرًا المدن التي أعرفها من الأفلام.
لا توجد شهرة ولا هوليوود.
ولا توجد ممثلة مشهورة تحمل اسمها.
كانت مجرد فتاة تعيش حياة طبيعية.
وفجأة سمعت صوت رجل من خلفها.
"أليكس؟ هل ما زلت تتحدثين مع الرجل القادم من الكون الآخر؟"
ظهر رجل طويل القامة ذو شعر رمادي خفيف وملامح وقورة.
ابتسمت ألكسندرا وقالت:
"هذا والدي، ريتشارد."
اقترب الرجل من البوابة وهو يحدق بي بدهشة.
ثم رفع يده محييًا.
فرفعت يدي بدوري.
قال ضاحكًا:
"لم أتخيل يومًا أنني سأتعرف إلى شخص من عالم آخر."
بعد دقائق ظهرت امرأة جميلة الملامح تشبه ألكسندرا إلى حد كبير.
عرفت فورًا أنها والدتها.
قدمت نفسها باسم كريستينا.
بدت أكثر حذرًا من ريتشارد.
لكنها كانت لطيفة للغاية.
وأخذت تسألني عن مصر.
عن القاهرة.
عن النيل.
وعن الأهرامات.
شعرت كأنني ضيف في منزلهم رغم أن آلاف الأكوان كانت تفصل بيننا.
وبعد قليل ظهر شاب يقترب من البوابة وهو يبتسم ابتسامة واسعة.
قال:
"إذن هذا هو الرجل المصري."
ضحكت ألكسندرا.
وقالت:
"هذا أخي ماثيو."
صافحني من بعيد عبر البوابة كأنها نافذة بين منزلين متجاورين.
ثم ظهرت أخيرًا فتاة شابة تشبه ألكسندرا في بعض الملامح.
كانت كاثارين.
نظرت إلي عدة ثوانٍ.
ثم قالت:
"هذا أغرب شيء حدث لعائلتنا منذ ولدت."
فضحك الجميع.
وبدأت أشعر بالراحة للمرة الأولى.
مر الوقت سريعًا.
تحدثنا عن الكتب.
وعن الطعام.
وعن الموسيقى.
وعن الاختلافات بين عالمينا.
وأكثر ما أدهشهم أن بعض الأشخاص الموجودين في عالمي غير موجودين أصلًا في عالمهم.
بينما كانت هناك شخصيات معروفة لديهم لم أسمع عنها قط.
قبل أن تغلق البوابة في نهاية اليوم، نظرت ألكسندرا نحوي.
وقالت:
"سنتحدث غدًا؟"
شعرت بسعادة غريبة وأنا أجيب:
"بالطبع."
ابتسمت ابتسامتها الهادئة التي حفظتها من أحلامي القديمة.
لكن هذه المرة لم تكن صورة على جدار.
ولا لقطة من فيلم.
ولا حلمًا أثناء النوم.
كانت إنسانة حقيقية.
في عالم آخر.
تنتظر حديثي في اليوم التالي.
وعندما اختفت البوابة أخيرًا، أدركت أن حياتي التي ظننتها انتهت إلى الوحدة قد بدأت من جديد بطريقة لم يتخيلها أي كاتب للخيال العلمي.
الفصل الثالث: عبور البوابة Crossing the gate
لم أستطع التفكير في شيء آخر طوال اليوم.كنت أجلس في شقتي بالإسكندرية، لكن عقلي كان هناك.
في ذلك العالم البعيد.
تحت السماء البنفسجية.
بين الأبراج الشفافة والأقمار الثلاثة.
كل بضع دقائق كنت أنظر نحو البوابة المغلقة منتظرًا أن تعود للحياة.
وعندما حل المساء، بدأت الصورة المعلقة على الجدار تضيء من جديد.
ظهر الضوء الأزرق المألوف.
ثم اتسعت الدائرة المضيئة حتى أصبحت بوابة كاملة.
وظهرت ألكسندرا.
كانت ترتدي الثوب الأبيض اللامع نفسه الذي رأيته الليلة الماضية.
شعرها الأسود الطويل ينسدل فوق كتفيها.
وعيناها الزرقاوان الواسعتان تعكسان أضواء الأجهزة المحيطة بها.
ابتسمت عندما رأتني.
وقالت:
"كنت أعلم أنك ستكون هنا."
ضحكت.
وقلت:
"كنت أنتظر منذ ساعات."
بدت السعادة على وجهها.
ثم قالت فجأة:
"هل تثق بي؟"
ترددت لثوان.
ثم أومأت برأسي.
رفعت يدها نحو البوابة.
وقالت:
"إذن حان الوقت لترى عالمي بنفسك."
تسارعت دقات قلبي.
نظرت إلى الدائرة الزرقاء.
ثم إلى ألكسندرا.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
وخطوت.
في اللحظة الأولى شعرت وكأنني أعبر ماءً باردًا جدًا.
ثم اختفى الإحساس فجأة.
ووجدت نفسي واقفًا إلى جوارها.
في عالم آخر.
رفعت رأسي ببطء.
وكان المشهد أعظم مما تخيلت.
فوقنا امتدت السماء البنفسجية العميقة.
وكانت الأقمار الثلاثة معلقة في الأفق بأحجام مختلفة.
أحدها فضي ضخم.
والثاني أزرق صغير.
أما الثالث فكان يلمع بلون ذهبي خافت.
حولنا ارتفعت أبراج شفافة بدت كأنها منحوتة من الزجاج والضوء معًا.
وفي الأرض نمت نباتات مضيئة ترسل خيوطًا رقيقة من النور الأخضر والأزرق.
شعرت أنني دخلت حلمًا من أحلام الطفولة.
راقبتني ألكسندرا بابتسامة.
وقالت:
"أعرف هذا التعبير."
"أي تعبير؟"
"كل شخص يزور المدينة لأول مرة ينظر هكذا."
ضحكت رغم ذهولي.
ثم بدأت نسير.
وأثناء الطريق راحت تشرح لي تفاصيل عالمها.
حدثتني عن وسائل النقل الصامتة التي تنزلق فوق المجال المغناطيسي.
وعن المباني التي تنتج طاقتها بنفسها.
وعن الجامعات العلمية المنتشرة بين الأبراج.
وعن عملها كباحثة في فيزياء الأكوان المتعددة.
كنت أستمع إليها مأخوذًا أكثر بصوتها من الكلمات نفسها.
وبعد نحو نصف ساعة وصلنا إلى منزل عائلتها.
كان منزلًا جميلًا تحيط به أشجار ذات أوراق فضية لامعة.
وما إن دخلنا حتى سمعت صوت رجل يقول:
"إذن وصل ضيفنا أخيرًا."
كان ريتشارد.
وقف مبتسمًا ومد يده مصافحًا.
صافحته وأنا أحاول استيعاب غرابة الموقف كله.
رجل من عالم آخر يستقبلني في بيته وكأنني صديق قديم.
ثم ظهرت كريستينا.
ورحبت بي بحرارة جعلتني أشعر أنني فرد من العائلة.
بعدها حضر ماثيو.
وكان أكثرهم فضولًا.
ظل يمطرني بالأسئلة عن الأرض.
وعن مصر.
وعن التاريخ.
وعن سبب وجود هذا العدد الهائل من الأفلام في عالمنا.
أما كاثارين فكانت تراقبني بصمت في البداية.
ثم جلست إلى جواري.
وقالت مبتسمة:
"ألكسندرا لم تتحدث عن أحد بهذه الطريقة من قبل."
شعرت بالحرج.
أما ألكسندرا نفسها فاحمر وجهها قليلًا.
وحاولت تغيير الموضوع بسرعة.
فضحك الجميع.
وفي تلك الليلة جلسنا جميعًا حول مائدة العشاء.
كنت أستمع إلى أحاديثهم وأراقبهم.
وللمرة الأولى منذ وفاة والديّ شعرت بشيء افتقدته طويلًا.
دفء العائلة.
شعور الانتماء.
وشعرت أنني لا أنظر إلى ألكسندرا فقط.
بل إلى حياة كاملة كنت أتمنى يومًا أن أعيشها.
وعندما حان وقت العودة إلى عالمي، رافقتني ألكسندرا إلى البوابة.
وقفنا أمام الضوء الأزرق المتراقص.
ثم قالت بصوت هادئ:
"أنا سعيدة لأنك عبرت."
نظرت إليها.
إلى عينيها الزرقاوين.
وإلى ابتسامتها الخجولة.
وقلت:
"وأنا سعيد لأنني وجدتك."
لثانية واحدة ساد الصمت بيننا.
صمت لم يكن محرجًا.
بل كان مريحًا بصورة غريبة.
ثم ابتسمت.
وأشارت نحو البوابة.
فعبرت عائدًا إلى عالمي.
لكنني كنت أعلم أن جزءًا مني بقي هناك.
تحت السماء البنفسجية.
في المدينة ذات الأبراج الشفافة.
وبجوار الفتاة التي كان القدر قد وضعها في كون آخر بالكامل.
الفصل الرابع: هبة العقول Gift of the Minds
بعد عدة زيارات إلى عالم ألكسندرا، بدأت أكتشف أن الأشياء الغريبة هناك لا تنتهي.في إحدى الأمسيات، كنا نجلس فوق شرفة زجاجية مرتفعة تطل على المدينة ذات الأبراج الشفافة.
كانت الأقمار الثلاثة تملأ السماء البنفسجية بضوئها الهادئ.
سألت ألكسندرا:
"هل كل ما في عالمكم يعتمد على التكنولوجيا؟"
ابتسمت ابتسامة غامضة.
وقالت:
"ليس كله."
ثم نظرت إلي مباشرة.
وفجأة سمعتها داخل رأسي.
ليس بأذني.
بل داخل عقلي نفسه.
"هل تسمعني الآن؟"
قفزت من مكاني مذعورًا.
أما هي فانفجرت ضاحكة.
قلت:
"أنت لم تتكلمي!"
"بلى. لكن ليس بصوتي."
احتجت عدة دقائق حتى أستوعب ما حدث.
ثم شرحت لي أن بعض البشر في عالمها يملكون قدرات ذهنية نادرة نتيجة تغيرات تطورية حدثت عبر قرون طويلة.
أما هي فكانت تملك قدرة استثنائية على التواصل العقلي المباشر.
ولم يقتصر الأمر على ذلك.
فخلال الأسابيع التالية اكتشفت قدرتها الثانية.
كانت قادرة على إسقاط وعي شخص آخر داخل نقاط زمنية مختلفة.
ليس لتغيير الماضي.
ولا للتلاعب بالأحداث.
بل لمشاهدتها والعيش فيها مؤقتًا كأنها واقع حي.
قالت لي ذات مساء:
"أعرف أنك تحمل أمنية قديمة."
سألتها:
"أي أمنية؟"
ابتسمت.
"أنت تفكر فيها منذ سنوات."
ثم أضافت وهي تنظر إلي بعينيها الزرقاوين:
"وأعرف ذلك لأنني أستطيع قراءة أفكارك."
شعرت بالحرج.
لكنها أكملت بلطف:
"كنت تتمنى دائمًا أن ترى حياة ألكسندرا الموجودة في عالمك بعينيك، لا من خلال الصور والشاشات."
صمتُّ.
لأنها كانت محقة.
رفعت يدها نحو جهاز بلوري صغير فوق الطاولة.
وقالـت:
"أستطيع أن أحقق ذلك."
بدأ الضوء الأزرق يحيط بنا.
وتحولت المدينة من حولي إلى ضباب من الألوان.
ثم سمعتها تقول:
"لن تذهب إلى الماضي لتغييره."
"إذن ماذا سيحدث؟"
"ستصبح شاهدًا عليه فقط."
ازداد الضوء سطوعًا.
وشعرت أن وعيي يبتعد عن المكان.
بعيدًا عن الأبراج الشفافة.
بعيدًا عن الأقمار الثلاثة.
بعيدًا عن عالمها كله.
وقبل أن يبتلعني الضوء بالكامل سمعت صوتها للمرة الأخيرة:
"استعد يا أحمد... سترى عالمك كما لم تره من قبل."
ثم اختفى كل شيء.
الفصل الخامس: نوافذ الزمن Windows of Time
عندما انقشع الضوء من حولي، وجدت نفسي أقف في شارع هادئ تحيط به الأشجار.
نظرت إلى ملابسي.
كانت مختلفة.
ثم نظرت إلى يدي.
لكنني لم أكن شخصًا آخر.
كنت ما زلت أنا.
فقط غير مرئي لمن حولي.
سمعت صوت ألكسندرا الموازية داخل رأسي.
"لا تقلق. أنت مجرد مراقب."
سألتها:
"أين أنا؟"
أجابت:
"في إحدى نقاط الماضي في عالمك."
بدأت أسير في الشارع.
وفجأة خرجت فتاة صغيرة من أحد المنازل وهي تضحك وتحمل حقيبة مدرسية.
عرفتها فورًا.
كانت ألكسندرا في سنوات طفولتها.
لم تكن نجمة سينما.
ولا شخصية معروفة.
مجرد **** عادية عائدة من المدرسة.
شاهدتها تتحدث مع والدتها وتضحك على شيء لم أسمعه.
ثم تركت الحقيبة ودخلت إلى المنزل مسرعة.
ساد المشهد هدوء غريب.
ولأول مرة أدركت أن حياة أي إنسان تبدأ ببساطة شديدة قبل أن يعرفه العالم.
تغير المشهد حولي.
وكأن الزمن يقلب صفحاته بسرعة.
وجدت نفسي في مرحلة أخرى.
في إحدى الساحات الرياضية.
كانت ألكسندرا أكبر سنًا بقليل.
تتحدث مع أصدقاء من عمرها.
تضحك.
تمزح.
وتناقش أمورًا عادية جدًا.
لم تكن تعلم أن ملايين البشر سيعرفون اسمها بعد سنوات.
كانت تعيش يومها فقط.
قالت ألكسندرا الموازية:
"كثيرًا ما ننسى أن المشاهير كانوا أشخاصًا عاديين قبل الشهرة."
أومأت برأسي.
وأنا أتابع المشهد بصمت.
ثم انتقل الزمن مرة أخرى.
هذه المرة إلى سنوات الشباب المبكرة.
رأيت ألكسندرا البالغة وهي تحضر أحد اختبارات التمثيل.
بدت متوترة.
وأقل ثقة مما عرفها الجمهور لاحقًا.
كانت تقرأ بعض السطور من نص أمام لجنة صغيرة.
بعد انتهاء المشهد سمعت ألكسندرا الموازية تقول:
"هذه إحدى اللحظات التي صنعت مستقبلها."
سألت:
"هل نجحت يومها؟"
ضحكت.
"ستعرف بعد قليل."
توالت المشاهد أمامي.
كأنني أشاهد ألبوم حياة كاملًا.
سنوات الدراسة.
الأصدقاء.
البدايات المهنية.
النجاحات الصغيرة.
والخيبات الصغيرة أيضًا.
ولم تكن الغاية أن أقترب منها.
بل أن أفهمها كإنسانة.
إنسانة لها تاريخ طويل من التجارب قبل أن تصبح الوجه الذي يعرفه الجمهور.
وأخيرًا عاد الضوء الأزرق يحيط بي من جديد.
وشعرت أن وعيي يعود إلى العالم الموازي.
فتحت عيني لأجد ألكسندرا الأخرى جالسة أمامي.
تنظر إلي باهتمام.
سألت:
"كيف كانت الرحلة؟"
فكرت طويلًا قبل أن أجيب.
ثم قلت:
"الغريب أنني لم أتعرف إلى ممثلة مشهورة."
ابتسمت.
"إذن إلى من تعرفت؟"
نظرت إلى الأقمار الثلاثة المعلقة في السماء البنفسجية.
ثم قلت:
"إلى إنسانة."
ولأول مرة منذ بدأ كل هذا، شعرت أنني بدأت أفهم سر ارتباط مصيري بذلك الاسم الذي رافق أحلامي سنوات طويلة.
الفصل السادس: الاستثناء الوحيد The only exception
بعد عودتي من رحلة نوافذ الزمن، ظللت أيامًا أفكر فيما رأيته.
كنت أظن أن قدرة ألكسندرا الموازية تقتصر على المشاهدة فقط.
لكنني كنت مخطئًا.
في إحدى الأمسيات، كنا نجلس في مختبرها المطل على المدينة المضيئة.
كانت الشاشات الثلاثية الأبعاد تدور حولنا ببطء.
وفجأة قالت:
"هناك شيء لم أخبرك به."
نظرت إليها باهتمام.
"ماذا؟"
سكتت لحظة.
ثم قالت:
"النظام الذي استخدمناه لمشاهدة الماضي يملك وضعًا آخر."
لم أفهم.
فشرحت:
"يمكنني أن أزرع وعيك وجسدًا مطابقًا لك داخل عالمك في نقطة زمنية محددة."
"ولكنني كنت مجرد مراقب."
"هذه المرة لن تكون مراقبًا."
حدقت فيها غير مصدق.
"تقصد أنني سأصبح موجودًا فعلًا؟"
أومأت برأسها.
"موجودًا وقادرًا على الحديث والتفاعل."
ساد الصمت بيننا.
ثم سألتها:
"ولماذا تفعلين ذلك؟"
نظرت إلى إحدى النوافذ الشفافة حيث كانت الأقمار الثلاثة تلمع في السماء.
وقالت بهدوء:
"لأنني أعرف كم تمنيت أن تتحدث معها يومًا."
بعد أسابيع من الحسابات والتجارب، أعلنت أن النظام أصبح جاهزًا.
جلست داخل مقصورة زجاجية وسط المختبر.
وكانت ألكسندرا الموازية تقف أمام لوحة تحكم مضيئة.
قالت:
"تذكر."
"ماذا؟"
"لن نغير التاريخ."
أومأت برأسي.
فأكملت:
"ستعيش بعض الأيام هناك فقط. لن تتدخل في القرارات المصيرية لحياتها. ولن تؤثر في مستقبلها المعروف."
قلت:
"أفهم."
ثم بدأ الضوء الأزرق يزداد سطوعًا.
عندما فتحت عيني، كنت في عالم مختلف.
عالمي.
لكن في زمن سابق.
وكانت ألكسندرا قد أصبحت شابة بالغة في بداية مسيرتها المهنية.
هذه المرة لم أكن شبحًا.
كنت موجودًا بالفعل.
أتنفس.
أتحرك.
وأتحدث.
بعد سلسلة من المصادفات التي رتبتها التقنية العجيبة، وجدنا أنفسنا نتعارف بصورة طبيعية.
في البداية كنت مجرد شخص جديد في حياتها.
ثم أصبحنا صديقين.
كانت تسألني كثيرًا عن مصر.
وعن طفولتي.
وعن الكتب التي أحبها.
وكنت أستمع إلى أحلامها ومخاوفها وطموحاتها.
شيئًا فشيئًا نشأت بيننا مودة خاصة.
لم تكن علاقة تملك.
ولا محاولة لتغيير مستقبلها.
بل لحظات إنسانية قصيرة اقتطعها القدر من بين آلاف الاحتمالات.
في إحدى الأمسيات، كنا نسير بمحاذاة الشاطئ بينما كانت الشمس تقترب من الأفق.
كان الهواء لطيفًا، وكانت الأمواج تتكسر برفق على الرمال.
توقفت ألكسندرا فجأة ونظرت إلي.
لم تقل شيئًا في البداية.
اكتفت بالنظر.
كانت عيناها الزرقاوان تحملان دفئًا جعلني أشعر وكأن الزمن توقف من حولنا.
شعرت بدقات قلبي تتسارع.
ولأول مرة لم أجد الكلمات المناسبة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ثم اقتربت خطوة واحدة.
وقالت بصوت هادئ:
"أشعر براحة غريبة عندما أكون معك."
ابتسمت وقلت:
"وأنا أيضًا."
ساد صمت قصير.
لكنه كان من ذلك الصمت الجميل الذي لا يحتاج إلى كلمات.
ثم مدت يديها نحوي وعانقتني.
كان عناقًا دافئًا وصادقًا.
شعرت خلاله أن سنوات الوحدة كلها تبتعد عني للحظات.
وأحسست بأن قلبي وروحي يمتلئان بسكينة لم أعرفها منذ زمن طويل.
عندما ابتعدت قليلًا، ظلت تنظر إلي.
وكان في عينيها بريق رقيق لم أره من قبل.
ثم اقتربت أكثر.
وتبادلنا قبلة قصيرة هادئة.
لم تكن سوى لحظة عابرة في عمر الزمن.
لكنها بدت لي وكأنها عالم كامل.
شعرت بعدها بقشعريرة دافئة تسري في جسدي.
وكأن روحي كلها تستيقظ على نور جديد.
ثم تشابكت أصابعها مع أصابعي.
وواصلنا السير بمحاذاة البحر بينما كانت الشمس تغيب ببطء خلف الأفق.
مرت الأيام سريعًا.
أسرع بكثير مما تمنيت.
وأصبحت لقاءاتنا جزءًا من حياتي اليومية.
كنا نتحدث لساعات طويلة.
نضحك.
ونتبادل القصص.
ونجلس أحيانًا صامتين نراقب البحر أو السماء.
وكان يكفيني أن تكون موجودة بقربي.
لكن الزمن لا يتوقف لأحد.
وفي أحد الأيام وصلني صوت ألكسندرا الموازية عبر جهاز الاتصال الكمي.
كانت نبرتها أكثر جدية من المعتاد.
قالت:
"اقترب موعد عودتك."
أغمضت عيني.
كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي.
لكنني لم أكن مستعدًا لها.
في آخر لقاء جمعني بألكسندرا من عالمي، جلسنا طويلًا نتحدث عن أشياء كثيرة.
عن الأحلام.
وعن السفر.
وعن الصداقات التي تغير حياة الإنسان.
ثم حل الصمت بيننا.
نظرت إلي مبتسمة.
وقالت:
"سأفتقد أحاديثنا."
أجبت بصوت خافت:
"وأنا أيضًا."
وقفت أمامي.
ثم عانقتني مرة أخيرة.
عناقًا طويلًا هادئًا مليئًا بالمشاعر التي لم يحتج أي منا إلى شرحها.
وعندما ابتعدنا، بقيت أنظر إلى عينيها للحظات.
كنت أحاول أن أحفظ تلك الصورة في ذاكرتي إلى الأبد.
بعد دقائق عاد الضوء الأزرق يحيط بي.
وبدأ العالم يتلاشى.
وكان آخر ما رأيته ابتسامتها الهادئة وهي تلوح مودعة.
ثم عدت إلى عالمي الآخر.
إلى المدينة ذات الأبراج الشفافة.
وإلى السماء البنفسجية التي تتلألأ فيها الأقمار الثلاثة.
حيث كانت ألكسندرا الموازية تنتظرني.
نظرت إلى وجهي طويلًا.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وكأنها قرأت كل ما مررت به دون أن أسرد كلمة واحدة.
وقالت:
"الآن فقط أصبحت مستعدًا للمرحلة التالية."
ولم أكن أعلم أن الأسرار الحقيقية للأكوان المتعددة لم تبدأ بعد.
الفصل السابع: شقوق بين النجوم Cracks between stars
بعد عودتي إلى عالم ألكسندرا الموازية، لم أستطع النوم.
جلست وحدي أمام النافذة البلورية العريضة في الغرفة التي خصصتها لي العائلة.
كانت الأقمار الثلاثة معلقة في السماء البنفسجية.
لكن عقلي كان في مكان آخر.
في عالمي.
مع ألكسندرا الأخرى.
استعدت عشرات الذكريات التي عشتها معها خلال الأيام القليلة التي سمحت بها التجربة.
تذكرت ضحكتها.
طريقة حديثها.
نظراتها الهادئة عندما كنا نجلس على الشاطئ.
تذكرت نزهاتنا الطويلة.
وأحاديثنا التي كانت تمتد لساعات دون أن نشعر بالوقت.
كانت التفاصيل الصغيرة هي الأكثر حضورًا في ذاكرتي.
حركة يديها أثناء الكلام.
خصلات شعرها التي كانت تتحرك مع نسيم البحر.
ابتسامتها عندما تسمع مزحة بسيطة.
والدفء الإنساني الذي جعلني أشعر للمرة الأولى منذ سنوات أنني لست وحيدًا
جلست أمام النافذة البلورية أحدق في الأقمار الثلاثة.
لكن ذهني لم يكن هناك.
كان يعود مرارًا إلى تلك الأيام القليلة التي قضيتها مع ألكسندرا في عالمي.
أيام بدت قصيرة جدًا مقارنة بما تركته من أثر داخلي.
تذكرت إحدى الأمسيات على الشاطئ عندما كنا نستمتع بالطقس الدافئ وصوت الأمواج.
كانت ترتدي ملابس صيفية بسيطة مناسبة للشاطئ.
وكنا نتبادل الحديث والضحكات لساعات طويلة.
ما بقي في ذاكرتي لم يكن مظهرًا بعينه بقدر ما كان الصورة الكاملة لها.
طريقة تحريك يديها أثناء الكلام.
ابتسامتها التي كانت تظهر فجأة ثم تختفي.
عيناها الزرقاوان اللتان كانتا تعكسان ضوء البحر والسماء.
خصلات شعرها الداكنة التي كانت تتحرك مع النسيم.
وذلك التعبير الهادئ على وجهها عندما تنصت باهتمام إلى حديث شخص آخر.
كنت أستعيد تفاصيل كثيرة صغيرة.
شكل خطواتها على الرمال.
طريقة جلوسها وهي تنظر إلى الأفق.
صوت ضحكتها عندما تسمع شيئًا يروق لها.
حتى اللحظات العادية جدًا أصبحت في ذاكرتي أثمن مما توقعت.
ربما لأنني كنت أعلم منذ البداية أن الوقت محدود.
وأن تلك الأيام لن تتكرر.
شعرت حينها بمزيج غريب من السعادة والحنين.
سعادة لأنني عشت تلك الذكريات.
وحزن لأنني كنت أعيش الآن على ذكراها فقط.
في تلك الليالي الهادئة أمام النافذة البلورية،
كنت أجتر الذكريات بتفاصيلها الدقيقة.
تذكرت إحدى الأمسيات على شاطئ عالمي،
حيث كانت ألكسندرا ترتدي البيكيني الأزرق الخفيف الذي يبرز جمال جسدها النحيل والمشدود.
كانت مستلقية على منشفة ناعمة تحت أشعة الشمس الدافئة،
وعيناها الزرقاوان مغمضتان قليلاً بابتسامة هادئة.
بدأت أدلك كتفيها بلطف،
ثم نزلت إلى ظهرها الناعم.
كانت بشرتها ناعمة كالحرير،
دافئة تحت أصابعي.
حركت يديّ ببطء على طول عمودها الفقري، ثم إلى جانبي خصرها،
أشعر بمرونة عضلاتها ودفء جسدها.
نزلت أكثر إلى ساقيها الطويلتين الممدودتين،
دلكت فخذيها بقوة لطيفة،
ثم ساقيها حتى كاحليها.
كانت ساقاها ملساء، مشدودة،
مع منحنيات أنثوية تجعل القلب يخفق.
ثم استدارت على ظهرها،
مبتسمة بخجل خفيف.
دلكت بطنها المسطح الناعم،
أشعر بنعومة جلدها وارتفاع تنفسها الهادئ.
صعدت إلى عنقها الرشيق،
أدلك المنطقة الحساسة بعنقها بلطف،
فارتجفت قليلاً تحت لمسي.
وصلت إلى وجهها:
خديها الورديين،
شفتيها الممتلئتين،
وعينيها الزرقاوين اللتين فتحتهما لتنظر إليّ بتلك النظرة التي تذيب الروح.
شعرها الأسود الطويل المنسدل على كتفيها كان يتمايل مع كل حركة،
يفوح منه عطر خفيف يخلط مع رائحة البحر.
نزلت إلى يديها الرقيقتين،
دلكت أصابعها الطويلة واحدة تلو الأخرى،
ثم إلى قدميها الصغيرتين المعتنى بهما جيدًا،
أصابع قدميها الناعمة وقوس قدمها المقوس بلطف.
كل تفصيلة كانت محفورة في ذاكرتي:
نعومة بشرتها،
دفء جسدها،
طريقة تنهداتها الهادئة أثناء المساج،
والابتسامة التي كانت تظهر على وجهها كلما شعرت بالراحة.
كانت تلك اللحظات سرًا خاصًا بيننا،
لحظات إنسانية دافئة
اقتطعناها من زمن محدود،
وهي الآن تُشعل في داخلي نار الحنين
تحت سماء الأقمار الثلاثة.
.
كنت غارقًا في تلك الذكريات عندما سمعت صوتًا خلفي.
"ما زلت تفكر فيها."
التفت.
كانت ألكسندرا الموازية.
وقفت عند الباب تنظر إلي بهدوء.
ثم أضافت بابتسامة باهتة:
"لا داعي للإنكار. أستطيع قراءة أفكارك."
شعرت بالحرج.
لكنها لم تكن غاضبة.
فقط حزينة قليلًا.
جلست إلى جواري.
ونظرت نحو الأقمار الثلاثة.
وقالت:
"أعرف أنها مهمة بالنسبة لك."
صمتت لحظة.
ثم أضافت:
"لكن أحيانًا أنسى أنني أنا من منحتك تلك الفرصة."
كانت المرة الأولى التي أسمع فيها شيئًا يشبه الغيرة في صوتها.
نظرت إليها بدهشة.
فأدارت وجهها بعيدًا.
وقالت بصوت منخفض:
"أعرف أنها ليست أنا."
"وأنت تعرفين أنك مهمة بالنسبة لي."
ابتسمت.
لكن الابتسامة لم تدم طويلًا.
لأن أحد الأجهزة المثبتة على الجدار أطلق فجأة إنذارًا حادًا.
تبادلنا النظرات.
وفي اللحظة نفسها تغير كل شيء.
هرعنا إلى المختبر.
كان ريتشارد وكريستينا وماثيو وكاثارين موجودين بالفعل.
وعلى الشاشات الثلاثية الأبعاد ظهرت خرائط كونية معقدة لم أفهم منها شيئًا.
لكنني أدركت من وجوههم أن الأمر خطير.
قال ريتشارد:
"ازدادت الشقوق مرة أخرى."
سألت:
"أي شقوق؟"
اقتربت ألكسندرا من إحدى الشاشات.
وأشارت إلى خطوط مضيئة متعرجة بين عدد هائل من الأكوان.
ثم قالت:
"الحاجز الذي يفصل العوالم لم يعد مستقرًا."
ظهرت نقاط حمراء كثيرة على الشاشة.
أكثر مما رأيت في السابق.
قالت كاثارين:
"قبل أشهر كانت هناك ثلاث نقاط فقط."
وأضاف ماثيو:
"الآن أصبح عددها بالمئات."
شعرت بقشعريرة باردة.
وسألت:
"لكن لماذا يحدث هذا أصلًا؟"
ساد الصمت.
ثم نظر أفراد العائلة إلى بعضهم.
وأخيرًا قالت ألكسندرا:
"لأننا اكتشفنا شيئًا لم يكن ينبغي اكتشافه."
اقتربت من لوحة التحكم.
فظهرت صورة لمجسم كروي ضخم يطفو في الفضاء.
لم يكن كوكبًا.
ولا نجمًا.
ولا أي شيء عرفته من قبل.
قالت:
"قبل عشر سنوات عثر فريقنا العلمي على هذه البنية."
"ما هي؟"
تنهدت.
وأجابت:
"لا نعرف."
ثم أضافت:
"لكننا نعرف أنها أقدم من جميع الحضارات المعروفة في الكون."
شعرت بأن الموقف يزداد غرابة.
وأكملت:
"عندما بدأنا دراستها، اكتشفنا أنها متصلة بكل الأكوان المتوازية في الوقت نفسه."
توقف قلبي لحظة.
"كل الأكوان؟"
أومأت برأسها.
"نعم."
ثم قالت الجملة التي غيرت كل شيء:
"ومنذ اللحظة التي فتحنا فيها أول قناة اتصال معها... بدأ الحاجز بين العوالم ينهار."
ساد الصمت داخل المختبر.
ولأول مرة أدركت أن الأمر لم يعد مجرد تجربة علمية.
ولا مجرد قصة حب مستحيلة بين عالمين.
كان هناك شيء مجهول.
شيء قديم للغاية.
شيء يراقب الأكوان كلها منذ زمن لا يمكن تخيله.
وربما... كان قد بدأ يلاحظ وجودنا.
الفصل الثامن: ملكة الأمواج الثلاثة Queen of the Three Waves
بعد أيام من اكتشاف الشقوق الكونية، اقترحت ألكسندرا أن نبتعد قليلًا عن المختبرات والشاشات والإنذارات.
قالت لي صباحًا:
"أريد أن أريك مكانًا لا يعرفه معظم سكان المدينة."
غادرنا الأبراج الشفافة خلفنا.
وسرنا عبر سهول خضراء امتدت كأنها بلا نهاية.
كلما ابتعدنا عن المدينة، أصبحت الطبيعة أكثر حضورًا.
أشجار عملاقة.
طيور بألوان لم أر مثلها من قبل.
وجداول ماء تعكس لون السماء البنفسجية.
بعد ساعات من السير وصلنا إلى غابة جميلة.
ومن خلفها ظهر المحيط.
امتد الرمل الأبيض على طول الساحل.
وكانت الأمواج تتلألأ تحت ضوء الأقمار الثلاثة.
ابتسمت ألكسندرا.
وقالت:
"هنا أهرب عندما أريد أن أنسى العالم كله."
وللمرة الأولى رأيتها بعيدة تمامًا عن شخصية العالمة.
هنا لم تكن باحثة في الأكوان المتعددة.
كانت رياضية.
وقائدة.
وشخصًا يعشق البحر.
... كانت ألكسندرا الموازية تختلف أيضًا عن ألكسندرا عالمي
في أنها متعددة المواهب إلى درجة مذهلة.
بالإضافة إلى السباحة التوقيعية
التي كانت تؤديها مع فريق صديقاتها
كأنهن فراشات ملونة ترفرف فوق المياه المضيئة،
كانت تعزف الموسيقى الكلاسيكية ببراعة على البيانو والكمان،
وتجيد الرسم والنحت بمهارة تجعل لوحاتها وتماثيلها تحكي قصص الأكوان.
كما تتقن التحدث بعدة لغات بطلاقة تامة:
الإنجليزية والعربية
والألمانية والفرنسية
والإيطالية والروسية
والصينية واليابانية
والإسبانية والبرتغالية
والهندية والفارسية
واليونانية واللاتينية،
وحتى المصرية القديمة
بخطوطها الهيروغليفية والديموطيقية والهيراطيقية.
فهي ذكية جدًا جدًا،
وبينما كانت ألكسندرا عالمي مجرد ممثلة موهوبة،
كانت ألكسندرا الموازية متعددة المواهب
في الرياضة والفنون واللغات والعلوم،
مما جعلها شخصية استثنائية في عالمها المتقدم.
ع مرور الوقت بدأ أحمد يدرك أن ألكسندرا آنا لورا لم تكن مجرد نسخة أخرى من ألكسندرا التي عرفها في عالمه.
كان هناك شبه كبير في الملامح والوجه والعينين والصوت.
لكن التشابه كان يتوقف عند هذا الحد.
ففي حين أن ألكسندرا عالمه اشتهرت أساسًا كممثلة ناجحة، كانت ألكسندرا آنا لورا واحدة من أكثر الأشخاص استثنائية في عالمها.
فهي:
- عالمة متخصصة في فيزياء الأكوان المتعددة.
- بطلة سباحة توقيعية وقائدة لفريق رياضي مشهور.
- عازفة موسيقى كلاسيكية بارعة.
- رسامة موهوبة.
- نحاتة محترفة.
- باحثة في اللغات القديمة والحديثة.
كانت تتحدث بطلاقة شبه كاملة:
- الإنجليزية
- العربية
- الألمانية
- الفرنسية
- الإيطالية
- الروسية
- الصينية
- اليابانية
- الهندية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الفارسية
- اليونانية
- اللاتينية
فقد كانت قادرة على قراءة وكتابة اللغة المصرية القديمة بأنظمتها المختلفة:
- الهيروغليفية
- الهيراطيقية
- الديموطيقية
عندها قال لها مازحًا:
"هل يوجد شيء لا تعرفين فعله؟"
فضحكت.
وأجابت:
"بالتأكيد."
"مثل ماذا؟"
سكتت لحظة.
ثم قالت مبتسمة:
"فهم البشر."
فضحك أحمد.
لكن جزءًا منه كان يعلم أن الإجابة لم تكن مزحة بالكامل.
كلما تعرف إليها أكثر، أدرك أن تفوقها لم يكن مجرد ذكاء أو موهبة.
بل كان شيئًا أعمق.
وكأن عالمها نفسه منح أبناءه فرصًا للتطور لم يعرفها عالمه قط.
ولهذا السبب بالذات بدأت الشكوك تراوده.
هل كانت ألكسندرا آنا لورا مجرد إنسانة موهوبة؟
أم أن هناك سرًا أكبر يقف وراء قدراتها الاستثنائية؟
سر قد يكون مرتبطًا باللغز الذي بدأ يمزق الحواجز بين الأكوان؟
لم نكن وحدنا.
فبعد دقائق ظهرت مجموعة من الشابات يلوحن لها من بعيد.
قالت:
"فريقي."
ثم عرفتني بهن.
كن أعضاء فريق السباحة التوقيعية الذي تقوده.
وقد بدت العلاقة بينهن أقرب إلى الصداقة منها إلى مجرد الرياضة.
ما إن اجتمع الفريق حتى بدأ التدريب.
نزلن إلى الماء.
وبإشارة واحدة من ألكسندرا بدأ العرض.
كنت أظن أن السباحة التوقيعية في عالمي جميلة.
لكن ما رأيته هناك تجاوز كل شيء.
كانت الحركات منسقة بدقة مذهلة.
تتحرك المجموعة كلها كأنها عقل واحد.
ترتفع الأذرع فوق سطح الماء في اللحظة نفسها.
وتنعكس الأضواء على الأمواج في أشكال هندسية ساحرة.
وفي الوسط كانت ألكسندرا تقود الجميع.
توجه الإشارات.
وتحافظ على الإيقاع.
وتصحح الأخطاء بابتسامة هادئة.
لم يكن واضحًا أنها القائدة بسبب الأوامر.
بل لأن الجميع كان يثق بها.
بعد انتهاء التدريب الجماعي، بقيت وحدها في الماء.
راحت تسبح لمسافات طويلة بمحاذاة الساحل.
بهدوء وثقة.
كأن البحر نفسه يعرفها.
ثم استدارت وعادت نحو الشاطئ.
وقالت ضاحكة:
"العلم جيد... لكن الماء أفضل."
جلست بجواري فوق أحد المقاعد المطلة على المحيط.
وكان النسيم يداعب الأشجار القريبة.
على الشاطئ، سارعت بالتجرد من ملابسها لتصبح ببيكيني بلون علم أمريكا، أزرق وأبيض وأحمر، يبرز جمال جسدها النحيل. جلست على مقعد شاطئي خشبي بطريقة أنيقة تمامًا كما في صورة شهيرة لألكسندرا عالمي. نظرت إليّ بنظرة اغراء واضحة وقالت بصوت رقيق:
"أنا أجمل أم هي؟"
ابتسمت وأجبت فورًا:
"أنت طبعًا."
ضحكت بلطف وقالت:
"كيف، وأنا هي وهي أنا؟"
نظرت إليها بعمق وقلت:
"أنت تحبينني."
احمر وجهها خجلاً، وأدارت نظرها قليلاً وقالت:
"من قال هذا؟"
اقتربت منها وقلت بهدوء:
"أعلم وأنا أبادلك الحب."
ترددت للحظة ثم قالت:
"ألست تحب ألكسندرا عالمك؟"
أجبتها بثقة:
"لا، هي تحب آخر. أما أنت فتحبينني وأنا أحبك."
ساد الصمت بيننا للحظات.
ثم سألتني فجأة:
"من الأجمل في نظرك؟"
نظرت إليها متفاجئًا.
فأكملت:
"أنا... أم النسخة الأخرى؟"
ابتسمت.
وقلت:
"سؤال غير عادل."
قالت:
"أجب فقط."
فكرت قليلًا.
ثم قلت:
"أنت."
رفعت حاجبيها بدهشة.
"كيف وأنا وهي ننحدر من الأصل نفسه؟"
نظرت نحو المحيط.
ثم قلت:
"لأنك أنت من عرفني."
سكتت.
فأضفت:
"وأنت من وقفت إلى جواري."
احمر وجهها قليلًا.
وحاولت النظر بعيدًا.
ثم قالت:
"ومن قال إنني..."
وتوقفت.
ابتسمت.
وقلت:
"لأنني أعرف."
في تلك اللحظة حدث شيء غريب.
شعرت بطاقة دافئة تسري في أطراف أصابعي.
رفعت يدي دون وعي.
فتوقفت ألكسندرا عن الكلام.
ونظرت إلى البحر.
الأمواج أمامنا بدأت ترتفع ببطء.
ثم انفصلت منها قطرات ماء لا حصر لها.
ارتفعت في الهواء.
وتجمعت فوق رؤوسنا.
كأن قوة خفية تتحكم بها.
تراجعت ألكسندرا خطوة إلى الخلف.
"أحمد... هل ترى ما أرى؟"
لكنني لم أستطع الإجابة.
لأنني لم أكن أفهم ما يحدث.
تحولت القطرات إلى بلورات زرقاء شفافة. يواقيت زرقاء.
ثم أخذت تدور حول رأس ألكسندرا.
وتشكلت في هيئة إكليل لامع.
استقر فوق شعرها كأنه تاج صُنع من نور البحر ومن الفضة .
بعدها تجمعت مياه أخرى فوق كفها.
وتحولت إلى كرة صغيرة تمثل عالمًا كاملًا.
قارات.
ومحيطات.
وسحب تدور ببطء.
وفي يدها الأخرى تشكل عمود بلوري طويل يشبه صولجانًا ملكيًا.
وقفنا مذهولين.
أنا وهي.
انحنيتُأمامها بخشوع وحب قائلا: مليكتي وإلهتي..
همست:
"من أين جاءت هذه القدرة؟"
هززت رأسي.
"لا أعلم."
نظرت إلى التاج المائي فوق رأسها.
ثم إلى الكرة المتوهجة في يدها.
وقالت:
"هذا لم يحدث من قبل."
ابتسمت وقالت:
"أكسبك عالمي قدرات."
شعرت أن الهواء من حولنا امتلأ بطاقة غريبة.
كأن شيئًا ما في الكون قد استيقظ.
نظرت إلي.
ثم قالت فجأة:
"هناك شيء لم أخبرك به."
"ماذا؟"
ابتسمت.
"اسمي ليس مثل اسمها تمامًا."
تجمدت في مكاني.
"ماذا تقصدين؟"
قالت:
"في عالمك اسمها ألكسندرا آنا فقط مركب ثنائي."
ثم وضعت يدها على صدرها.
وأضافت:
"أما أنا..."
وسكتت لحظة.
"مركب ثلاثي ... فأنا ألكسندرا آنا لورا. "
في تلك اللحظة اهتز السوار الكمي حول معصمها.
وأطلق إنذارًا أحمر حادًا.
اختفى المرح من وجهها فورًا.
ونظرت إلى شاشة صغيرة ظهرت في الهواء.
ثم شحب لونها.
قلت بقلق:
"ما الأمر؟"
رفعت رأسها نحوي ببطء.
وقالت:
"لقد اتسعت الشقوق الكونية مرة أخرى."
ثم نظرت إلى التاج المائي الذي صنعته دون قصد.
وأضافت بصوت خافت:
"وأظن أن ما حدث هنا الآن مرتبط بذلك."
وعندها فقط أدركت أن القدرات التي ظهرت لي فجأة...
قد لا تكون هدية.
بل علامة على أن اللغز الأكبر بدأ يكشف نفسه أخيرًا.
الفصل التاسع: الرجل الذي أصبحته في عالم آخر The man I became in another world
بعد أيام من حادثة تاج الماء والصولجان البلوري، كنت ما أزال أحاول فهم القدرات الجديدة التي ظهرت لدي.
لكن ألكسندرا آنا لورا بدت منشغلة بشيء آخر.
في إحدى الليالي استدعتني إلى المختبر.
كانت الشاشات العملاقة تعرض خرائط للأكوان المتوازية.
وعندما دخلت وجدت ريتشارد وكريستينا وماثيو وكاثارين موجودين أيضًا.
سألت:
"ماذا حدث؟"
تبادلت ألكسندرا النظرات مع والدها.
ثم قالت:
"هناك أمر أخفيناه عنك."
شعرت بالقلق.
"أي أمر؟"
أجابت:
"طوال هذه الأشهر كنا نراقب أكثر من نسخة منك."
تجمدت في مكاني.
"أكثر من نسخة؟"
أومأت برأسها.
ثم لمست إحدى الشاشات.
فامتلأت القاعة بمئات النقاط المضيئة.
قالت:
"هذه كلها أكوان يوجد فيها أحمد."
شعرت بالدوار.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تأت بعد.
اختفت معظم النقاط.
وبقيت نقطة واحدة فقط.
كبرت الصورة.
ثم ظهر منزل جميل تحيط به الأشجار.
وأمام المنزل وقف رجل.
أنا.
أو بالأحرى نسخة أخرى مني.
كان أكبر قليلًا.
وفي وجهه هدوء وثقة لم أرهما في نفسي منذ سنوات طويلة.
وقف بجواره ثلاثة *****.
فتاتان وولد.
كانوا يضحكون جميعًا.
ثم خرجت امرأة من المنزل.
وحين رأيتها شعرت أن قلبي توقف لحظة.
كانت كيرا نايتلي.
لكنها لم تكن الممثلة التي عرفتها في عالمي.
كانت امرأة مختلفة.
تشبهها في الملامح.
لكن حياتها مختلفة تمامًا.
لا وجود للسينما.
ولا للشهرة.
ولا للصحافة.
ولا للأضواء.
مجرد امرأة تعيش حياة عادية.
وزوجة لتلك النسخة الأخرى مني.
همست:
"مستحيل..."
قالت ألكسندرا بهدوء:
"إنها ليست كيرا الموجودة في عالمك."
"من تكون إذن؟"
"نسخة موازية منها."
اقتربت من الشاشة.
ورأيت الأطفال يركضون في الحديقة.
ثم رأيت الرجل الآخر يرفع أصغرهم بين ذراعيه.
كانت السعادة واضحة في عيون الجميع.
قالت ألكسندرا:
"هما متزوجان منذ أكثر من عشرين عامًا."
لم أجب.
كنت عاجزًا عن الكلام.
بعد دقائق ظهر مشهد آخر.
كانت الأسرة تجلس حول مائدة الطعام.
يتحدثون ويضحكون.
بدوا كأي عائلة سعيدة.
لكن ما صدمني لم يكن وجود كيرا.
بل وجودي أنا.
أو بالأحرى ذلك الشخص الذي كان يمكن أن أكونه.
رجل لم يعرف الوحدة.
ولم يفقد عائلته مبكرًا.
ولم يمض سنوات طويلة وحيدًا.
رجل سلك طريقًا مختلفًا بالكامل.
سألت بصوت خافت:
"هل يعرف بوجودي؟"
قالت ألكسندرا:
"لا."
"وهل سألتقيه؟"
ساد الصمت داخل المختبر.
ثم قالت:
"هذا ما نناقشه منذ أيام."
"لماذا؟"
أجابت:
"لأننا اكتشفنا شيئًا غريبًا."
ظهرت بيانات جديدة على الشاشة.
وسرعان ما اختفت ابتسامتها.
"من بين مليارات النسخ الموجودة عبر الأكوان..."
توقفت لحظة.
ثم أكملت:
"أنت وهو فقط تمتلكان البصمة الطاقية نفسها."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
"وماذا يعني ذلك؟"
قال ريتشارد:
"يعني أن هناك رابطًا بينكما لا نفهمه."
وأضافت ألكسندرا:
"وربما يكون هذا الرابط جزءًا من السبب الذي يجعل الحواجز بين الأكوان تنهار."
عدت أنظر إلى الشاشة.
إلى ذلك الرجل الآخر.
وإلى زوجته وأطفاله.
وإلى الحياة التي لم أعشها.
فجأة شعرت بأن اللغز لم يعد يتعلق بالأكوان وحدها.
بل بالاختيارات.
وبالمصائر.
وبالطرق المختلفة التي يمكن أن تسلكها الحياة.
ثم سألت السؤال الذي كان يخيفني أكثر من أي شيء آخر:
"إذا التقيت به..."
نظرت ألكسندرا نحوي.
"... فهل سأرى نفسي؟"
ولم تجب.
لأن أحد أجهزة المختبر أطلق إنذارًا جديدًا.
وكان أشد عنفًا من كل الإنذارات السابقة.
وفي تلك اللحظة ظهر على الشاشة شيء لم يره أحد من قبل.
شيء قادم من بين الأكوان نفسها.
بينما كان أحمد يحدق في حياة نسخته الموازية، ظن أنه رأى كل شيء.
لكنه كان مخطئًا.
قالت ألكسندرا آنا لورا:
"هناك جزء آخر من حياته لم نعرضه عليك بعد."
لم تعجبه نبرة صوتها.
كانت مترددة.
وكأنها غير متأكدة مما إذا كان ينبغي له أن يعرف الحقيقة.
ظهرت صور جديدة فوق الشاشة.
وفي البداية لم يفهم ما يراه.
ثم بدأ يدرك أن حياة تلك النسخة الأخرى كانت أعقد بكثير مما تخيل.
فإلى جانب زواجه الطويل من كيرا الموازية وإنجابه ثلاثة أبناء منها، كانت هناك أسرار أخرى أخفاها ذلك الرجل عن معظم من حوله.
ظهرت امرأة أخرى.
سوناكشي سينها الموازية.
لم تكن ممثلة أو شخصية مشهورة في ذلك العالم.
بل كانت أستاذة تاريخ قديم في إحدى الجامعات الكبرى.
ثم ظهرت امرأة ثالثة.
إيميلي لورا أوليفيا بلانت الموازية.
وكانت مهندسة متخصصة في علوم الطاقة الحيوية.
تابع أحمد المشاهد بصمت.
وشعر أن حياته هو أصبحت أقل غرابة بكثير مقارنة بحياة ذلك الرجل.
قالت ألكسندرا:
"خلال مراحل مختلفة من حياته، نشأت بينه وبين كل منهما علاقة عاطفية معقدة."
ثم أضافت:
"وأثمرت كل علاقة عن ***."
ساد الصمت داخل المختبر.
نظر أحمد إلى الشاشة.
إلى الأطفال.
إلى النسخة الأخرى من نفسه.
إلى الحياة المليئة بالاختيارات والنتائج والتعقيدات.
ثم قال أخيرًا:
"وكيف تمكن من إخفاء كل ذلك؟"
أجاب ريتشارد:
"لم يكن الأمر إخفاءً بالمعنى التقليدي."
"إذن ماذا كان؟"
قال:
"في ذلك العالم توجد ترتيبات اجتماعية وقانونية مختلفة عما تعرفه في عالمك."
أطرق أحمد مفكرًا.
ثم عاد ينظر إلى الأطفال الثلاثة الآخرين الذين لم يكن يعلم بوجودهم قبل دقائق.
***** يحملون جزءًا من دمه.
وجزءًا من مصيره.
لكن في حياة لم يعشها هو قط.
عندها بدأ يدرك شيئًا مهمًا.
لم يكن يرى مجرد نسخة أخرى من نفسه.
بل كان يرى مجموعة كاملة من الاحتمالات التي كان يمكن أن يصبحها لو سلك طريقًا مختلفًا عند كل مفترق في حياته.
الفصل العاشر: لقاء النسخة الأخرى Meeting the other version
بعد الإنذار الذي هز المختبر، لم أعد أستطيع الانتظار. كانت الصور لا تزال معلقة في ذهني: ذلك الرجل الذي يشبهني، وزوجته كيرا، وأولاده، وسوناكشي وإيميلي... كل تلك الحياة المعقدة والغنية التي عاشها.
شعرت بضغط داخلي لا يُطاق. في اليوم التالي، وفي اليوم الذي بعده، ظللت ألح على ألكسندرا آنا لورا. كنت أتبعها في المختبر، في الشرفة، وحتى أثناء تدريبات السباحة.
«أريد أن أذهب إليه.» «ألكسندرا، أرجوكِ. أحتاج أن أتحدث معه.» «أريد أن أفهم كيف عاش حياته بهذه الطريقة.»
كانت تنظر إليّ بقلق واضح. في البداية رفضت تمامًا. «هذا خطر، أحمد. الحواجز بين الأكوان أصبحت أضعف، والانتقال الجسدي الكامل قد يسبب تشوهات في البصمة الطاقية. كما أن التدخل المباشر قد يؤثر على استقرار ذلك الكون.»
لكنني لم أتراجع. كنت أتوسل، أناقش، أذكّرها بكل ما فعلته لي من قبل. في النهاية، بعد ثلاث ليالٍ من الجدال والحسابات المكثفة مع ريتشارد وفريقها، استسلمت ألكسندرا.
نظرت إليّ بعينيها الزرقاوين اللتين كان فيهما مزيج من الحب والحزن والقلق. «سأنقل وعيك وجسدك معًا. لكن لمدة 48 ساعة فقط. لا تتدخل في حياته بشكل يغير مجراها. وستعود فورًا إذا لاحظنا أي اضطراب كوني.»
وافقت بسرعة.
عندما فتحت عينيّ، كنت في حديقة منزل جميلة تشبه المنزل الذي رأيته على الشاشة. الهواء دافئ، والشمس تغرب بهدوء. وقفت أمامي نسخة أخرى مني، يحمل كأسًا من الشراب وينظر إليّ بدهشة شديدة.
«...أنت.» قال بهدوء، صوته يشبه صوتي تمامًا لكنه أعمق قليلاً وأكثر ثقة. «كنت أشعر منذ أيام أن شيئًا غريبًا يحدث.»
جلسنا على مقعد خشبي في الحديقة بعيدًا عن المنزل. كان يعرف بالفعل عن فكرة الأكوان المتوازية، لكنه لم يتخيل أن يلتقي بنسخة أخرى من نفسه بهذه الطريقة.
بدأت أسأله مباشرة.
عن كيرا: «كيف هي حياتك معها بعد أكثر من عشرين عامًا؟»
ابتسم ابتسامة هادئة مليئة بالدفء. «كيرا... هي الثبات والسلام في حياتي. هي ليست الممثلة الشهيرة التي تعرفها أنت. هي معلمة تاريخ وأدب، تحب القراءة والطبيعة. ننام كل ليلة ونحن نتحدث عن يومنا. تملك صبرًا لا ينضب مع الأولاد، وتجعلني أشعر أنني الرجل الأفضل في العالم حتى في أيامي السيئة. الجنس بيننا لم يفقد حماسه. بل أصبح أعمق وأكثر حميمية مع السنين. نحب أن نأخذ وقتنا، نتحدث أثناءه، نضحك، نستعيد ذكرياتنا. هي تعرف جسدي كما أعرف جسدها، وتعرف كيف تثيرني بنظرة واحدة أو لمسة خفيفة على رقبتي.»
سألته عن الأولاد. «البنتان (ليلى 19 عامًا ونور 16) وولدنا (كريم 12). كيرا هي من ربتهم على القيم والحرية. نتحدث معهم بصراحة كبيرة. هي دائمًا تقول لي: "الأبوة ليست سلطة، بل حب يومي".»
عن سوناكشي: «سوناكشي... كانت بدايتها صداقة فكرية عميقة. هي أستاذة تاريخ قديم، ذكاؤها يفوق الوصف. علاقتنا سرية لكنها صادقة. نلتقي في شقة صغيرة نملكها بعيدًا عن المدينة. حديثنا دائمًا يبدأ بالتاريخ والفلسفة ثم يتحول إلى شيء أكثر دفئًا. تحب أن أمسكها بقوة، أن أهمس لها بالعربية أثناء العناق. ابننا (رام 8 أعوام) يعيش معها، وأزوره بانتظام. نتحدث أنا وسوناكشي كثيرًا عن تربيته، عن كيف نجعله يشعر بالأمان رغم الوضع المعقد. هي لا تطالبني بأكثر مما أعطي، وهذا ما يجعل علاقتنا مستمرة.»
عن إيميلي: «إيميلي مختلفة تمامًا. مهندسة طاقة حيوية، نشيطة، مغامرة. علاقتنا أكثر حماسًا وعفوية. نلتقي في رحلات قصيرة أو في منزلها خارج المدينة. هي تحب المغامرة حتى في اللحظات الحميمة. تضحك كثيرًا أثناء العلاقة، وتجعل كل لقاء يشبه لعبة مثيرة. ابننا (أليكس 7 أعوام) يشبهها في الطاقة. نتحدث أنا وإيميلي عن مستقبله، عن أحلامه في العلوم. هي تقول لي دائمًا: "أنت الجزء الهادئ في حياتي المجنونة".»
سألته بصراحة: «كيف تدير كل هذا دون أن ينهار كل شيء؟»
ضحك بهدوء. «بالصدق المحدود والاحترام الكبير. كيرا تعرف... ليس كل التفاصيل، لكنها تعرف أن هناك أجزاء أخرى من حياتي. لدينا اتفاق عميق مبني على الحب والثقة. لا أكذب عليها بشكل مباشر، لكنني أحمي سلامها. النساء الثلاث يعرفن بوجود بعضهن بدرجات متفاوتة. هذا ليس سهلاً، لكنه يعمل لأن كل واحدة منهن تحصل على الجزء الذي تحتاجه مني، وأنا أحصل على حب متعدد الأبعاد.»
تحدثنا ساعات طويلة. شعرت لأول مرة أنني أتحدث مع نفسي بكل صدق، بدون أقنعة. أراني فيه ما كنت أتمناه: رجل قادر على الحب بأشكال متعددة، ويستطيع بناء عائلة معقدة لكنها مليئة بالحياة.
قبل انتهاء الـ48 ساعة، عانقني بقوة وقال: «لا تخف من تعقيدات الحب. الحياة أقصر من أن تعيشها بنصف قلب.»
عندما عدت إلى عالم ألكسندرا آنا لورا، كانت تنتظرني بتوتر. احتضنتني طويلاً دون أن تسأل. لكنني أخبرتها بكل شيء.
نظرت إليّ بهدوء وقالت: «والآن... ماذا تريد أن تفعل أنت بحياتك؟»
الفصل الحادي عشر: صدى النسخ (Echoes of Selves)
عدتُ من عالم نسختي المتزوجة وأنا أشعر أن جزءًا منّي لم يعد. كأن الـ48 ساعة التي قضيتها هناك تركت شقوقًا داخل روحي، لا بين الأكوان فقط.
كنت جالسًا في غرفتي داخل منزل عائلة ألكسندرا آنا لورا، أحدق في الأقمار الثلاثة المعلقة في السماء البنفسجية، عندما بدأت الرؤى.
في البداية كانت مجرد ومضات. رأيت نفسي أقف أمام منزل آخر، أحمل ***ًا صغيرًا بين ذراعيّ، وامرأة تشبه سوناكشي تضحك في الخلفية. ثم انتقل المشهد فجأة: أنا أركض في غابة تحت أقمار مختلفة، أحاول الهرب من شيء لا أراه. ثم مشهد ثالث: أنا أبكي وحيدًا في شقة قاهرية مظلمة، لكن هذه المرة كانت يداي ملطخة بدماء لا أعرف مصدرها.
فركت عينيّ بقوة. لم يكن حلمًا. كان صدى. صدى النسخ الأخرى منّي التي عبرت الحواجز بسبب الانتقال.
هرعت إلى المختبر. كانت ألكسندرا آنا لورا هناك مع والدها ريتشارد، يدرسان بيانات جديدة. عندما رأتني شحب وجهها.
«أحمد... ماذا حدث؟»
«الرؤى... بدأت تتداخل. أرى حيوات أخرى لي. حيوات لم أعشها.»
جلست ألكسندرا بجانبي، أمسكت يدي. شعرت بدفء يدها يهدئ الاضطراب داخل رأسي قليلاً. شرحت لها التفاصيل. استمعت بهدوء، ثم نظرت إلى والدها.
قال ريتشارد بصوت ثقيل: «هذا متوقع. البصمة الطاقية لك تتفاعل مع الشقوق. كلما انتقلت، زاد التداخل.»
ثم أضاف ألكسندرا بقلق واضح: «وليس أنت فقط... نحن نراقب الآن نسخًا أخرى مني.»
فتحت إحدى الشاشات الثلاثية الأبعاد. ظهرت عشرات النقاط الحمراء.
«في بعض الأكوان... ماتت أنا. في أكوان أخرى، أصبحت... خطيرة. واحدة منهن حاولت السيطرة على كامل شبكة الأكوان باستخدام قدرات ذهنية مفرطة. أخرى أغلقت نفسها داخل حلقة زمنية لا نهائية من الحزن.»
شعرت بقشعريرة. نظرت إلى ألكسندرا آنا لورا التي تقف أمامي حية، دافئة، مليئة بالحياة. فكرة أن نسخًا منها ماتت أو تحولت إلى وحش كوني جعلتني أمسك يدها بقوة أكبر.
«لا أريد أن أفقدكِ... في أي كون.»
في المساء، أخذتني إلى الشاطئ الذي أصبح ملاذنا. كانت الأمواج تتلألأ تحت ضوء الأقمار الثلاثة، والنسيم يحمل رائحة الأزهار الفضية من الغابة القريبة.
جلسنا على الرمال الدافئة. خلعت ألكسندرا رداءها الخفيف، فبقيت ببيكيني أزرق بسيط يبرز منحنيات جسدها النحيل المشدود. استلقيت بجانبها، ورأسي على صدرها. كانت تضرب أصابعها بلطف في شعري.
ساد الصمت طويلاً. ثم همست: «أنا غيورة... أعرف أن هذا ليس عدلاً، لكنني غيورة.»
رفعت رأسي لأنظر إليها. عيناها الزرقاوان لامعتان بدموع لم تسقط بعد.
«غيورة من ألكسندرا عالمك... الممثلة التي عشقتها سنوات قبل أن تعرفني. وغيورة من كيرا... تلك التي عشت معها عشرين عامًا في حياة نسختك. أرى في عينيك كيف تأثرت بها. كيف شعرت بالدفء الذي لم تشعر به معي بعد.»
«ألكسندرا...»
وضعت إصبعها على شفتيّ. «لا تنكر. أستطيع قراءة أفكارك، تذكر؟ أرى الذكريات التي عشتها معها على الشاطئ. أرى كيف عانقتها. أرى كيف نظرت إلى أولادها... أولادك.» تنهدت بعمق. «أنا سعيدة لك، حقًا. لكن جزءًا مني يريد أن يكون هي... الوحيدة في قلبك.»
احتضنتها بقوة. شعرت بدفء جسدها يندمج مع جسدي. قبلت جبهتها، ثم عينيها، ثم شفتيها بلطف تحول تدريجيًا إلى شغف عميق.
«أنتِ لست نسخة. أنتِ ألكسندرا آنا لورا. أنتِ من منحتني عالمًا جديدًا. أنتِ من علمتني أن الحب لا يقتصر على كون واحد. وأنا... أختاركِ. الآن وفي كل انتقال.»
بكت بهدوء في حضني. ثم رفعت وجهها وقبلتني قبلة طويلة، عميقة، كأنها تحاول أن تطبع نفسها داخل روحي. أيدينا انزلقت على أجساد بعضنا، ليست بحاجة إلى كلام. كانت الأمواج تشهد على وعودنا الصامتة، والأقمار الثلاثة تضيء بشرتها كأنها تاج ملكي آخر.
في تلك اللحظة، شعرت أن الحب بيننا أقوى من أي شق كوني.
لكن الكون لم يكن يريد أن يتركنا في سلام.
فجأة، ارتجفت ألكسندرا في حضني. فتحت عينيها على وسعهما. في الوقت نفسه، شعرت أنا بصوت غريب يتردد داخل رأسي. ليس صوتًا بشريًا، بل ترددًا عميقًا، كأنه يأتي من أعماق الفضاء نفسه.
«...الرابط... مكتمل... الصدى... يبدأ...»
نظرت إلى ألكسندرا. كانت ترتجف.
«تسمعينه أيضًا؟»
أومأت برأسها ببطء.
«البنية القديمة... بدأت ترسل رسائل مباشرة. ونحن... نحن الأكثر تأثرًا.»
وقفتُ فجأة، وسحبتها معي. الأمواج حولنا بدأت تتحرك بطريقة غير طبيعية، كأنها تستجيب لشيء ما.
في السماء، ظهر خط أزرق خافت يشق السماء البنفسجية. شق جديد.
نظرت ألكسندرا إليّ، عيناها مليئتان بالمخاوف والتصميم معًا.
«الآن... بدأت اللعبة الحقيقية، أحمد.»
احتضنتها بقوة ونظرت إلى الشق في السماء.
كنت أعرف أن صدى النسخ لم يكن مجرد تأثير جانبي. كان بداية شيء أكبر. شيء سيجبرنا على مواجهة كل الاحتمالات... وكل الخسارات.
الفصل الثاني عشر: أبناء الأكوان الثلاثة (Sons of Three Worlds)
لم أنم تلك الليلة بعد عودتي من الشاطئ. كان صوت البنية القديمة يتردد في رأسي، لكن ما شغل بالي أكثر كان وجوه الأطفال الذين رأيتهم على الشاشة. أولادي... في كون آخر.
في الصباح التالي، ذهبت إلى ألكسندرا آنا لورا في المختبر وقررت. «أريد أن ألتقي بهم. بأبنائي.»
نظرت إليّ طويلاً. كان في عينيها الزرقاوين مزيج من الفهم والألم. «هذا سيكون صعبًا جدًا عليك... وعلىّ. لكن إذا كان هذا ما تحتاجه لتجد سلامك، فسأساعدك. سنذهب تحت إشراف كامل، ولمدة محدودة.»
بعد ساعات من التحضيرات والحسابات، عبرنا البوابة معًا.
وصلنا إلى حديقة المنزل الكبير في ذلك الكون. كان النسخة الأخرى مني (دعني أسميه أحمد-2) ينتظرنا. ابتسم بهدوء عندما رآني، ثم نظر إلى ألكسندرا آنا لورا بدهشة وإعجاب واضحين.
«أنتِ... مذهلة.» قال لها بابتسامة.
ابتسمت هي بلباقة، لكنني شعرت بتوترها.
بدأ اللقاء بالأطفال.
أولاً، خرجت كيرا. كانت امرأة في منتصف الأربعينيات، جميلة بهدوء ناضج، شعرها البني المموج مربوطًا ببساطة. عندما رأتني توقفت للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة دافئة لكن حذرة. «إذن أنت النسخة الأخرى... أحمد.» مدت يدها. مصافحتها كانت ثابتة ودافئة. «أحمد-2 أخبرني. هذا... غريب، لكنه ليس مخيفًا.»
شعرت بدفء غريب. كانت تنظر إليّ كأنها ترى زوجها في نسخة أصغر سنًا.
ثم جاء الأطفال: ليلى (19 عامًا)، نور (16 عامًا)، وكريم (12 عامًا). عانقوني بحرارة بعد أن شرح لهم والدهم الأمر بطريقة مبسطة. ليلى نظرت إليّ بعمق وقالت: «تبدو مثل أبي... لكن عينيك مختلفة. أكثر حزنًا.»
بكيت. لم أستطع منع نفسي.
بعد ذلك، التقينا بسوناكشي على انفراد في جناح منفصل بالحديقة. كانت امرأة هندية فاتنة، ذكية الملامح، في الأربعينيات أيضًا. عندما رأتني، اتسعت عيناها، ثم ضحكت ضحكة خفيفة مليئة بالدهشة. «يا إلهي... أنت أصغر وأكثر توترًا منه.» اقتربت ولمست ذراعي بلطف. «عرفت أحمد-2 في عام 2003، في مؤتمر تاريخي. كان خجولًا لكنه مثير للاهتمام. أنت... تشبهه في ذلك اليوم.»
باستخدام قدرة ألكسندرا الذهنية المعززة، استرجعتُ بسرعة بداية لقائهما. رأيت أحمد-2 في عام 2003، شابًا في الثانية والعشرين، يتحدث بحماس مع سوناكشي الشابة الجميلة في قاعة المؤتمر. كانت النظرة الأولى بينهما كهربائية.
«كان لقاؤنا بداية صداقة تحولت إلى شيء أعمق.» همست سوناكشي. «رام يشبهك كثيرًا.»
ثم جاء رام (8 أعوام). *** نشيط، عيونه تشبه عينيّ تمامًا. عندما رآني ركض نحوي وعانقني فجأة. «أبي الآخر!» شعرت بطاقة غريبة تنتقل منه إليّ.
أما إيميلي لورا أوليفيا بلانت، فقد كانت مختلفة. نشيطة، ذات شعر أشقر قصير، وطاقة لا تنضب. عندما رأتني، ضحكت بصوت عالٍ. «واو! نسخة شابة ووسيمة. أحمد-2 كان أكثر جدية عندما التقينا في 2003 في مشروع طاقة بيئي.»
استرجعتُ المشهد أيضًا: أحمد-2 يساعدها في إصلاح جهاز في المختبر، يتبادلان النظرات والضحكات، ثم قبلة عفوية تحت المطر.
ابنها أليكس (7 أعوام) كان الأكثر طاقة. لمس يدي فجأة، وشعرت بوميض كهربائي خفيف.
اكتشفنا خلال اللقاء أن كل الأطفال — ليلى، نور، كريم، رام، وأليكس — يحملون بصمة طاقية مشابهة جدًا لبصمتي. ظهرت قدرات كامنة صغيرة: رام يستطيع تحريك الأشياء الصغيرة بتركيزه، أليكس يرى ألوانًا حول الأشخاص (هالة طاقية)، وليلى تحلم بأحداث قبل وقوعها.
قالت ألكسندرا آنا لورا بهدوء: «هذه البصمة تنتقل عبر الأكوان. هم مرتبطون بك... وبي أيضًا الآن.»
في نهاية اليوم، جلست وحدي مع أحمد-2 بينما كانت ألكسندرا تتحدث مع النساء.
«هل تشعر بالندم؟» سألته.
«أبدًا. الحب ليس محدودًا. لكنني دفعت ثمن التعقيد.» نظر إليّ بجدية. «والآن أنت... هل تريد أن تبني عائلة مشابهة في عالمها؟»
سؤاله أثار صراعًا داخليًا عنيفًا.
أحب ألكسندرا آنا لورا بعمق. هي كل شيء: العالمة، السباحة، الفنانة، الملكة. لكن فكرة أن أعيش حياة متعددة العلاقات مثل أحمد-2... كانت تخيفني وتجذبني في الوقت نفسه. هل أستطيع أن أعطيها كل ما تحتاجه وأنا منقسم؟ أم أن حبنا يجب أن يكون حصريًا وعميقًا في كون واحد؟
عندما عدنا عبر البوابة، كانت ألكسندرا صامتة. احتضنتها طويلاً على الشاطئ تحت الأقمار الثلاثة.
«أفكر في مستقبلنا.» همست لها. «مستقبلنا... نحن.»
نظرت إليّ بعينين مليئتين بالأسئلة والحب. «وأنا أيضًا. لكن بعد كل ما رأيته اليوم... هل لا تزال تختارني أنا فقط؟»
لم أجب فورًا. الصراع داخلي كان يعصف بي.
في تلك اللحظة، شعرت بوميض آخر من البنية القديمة في رأسي: صورة لأطفال بين أحمد وألكسندرا آنا لورا، يلعبون تحت سماء بنفسجية...
كان الكون يعرض عليّ احتمالاً جديدًا.
الفصل الثالث عشر: الملكة والملاك (The Queen and the Angel)
بعد عودتنا من لقاء الأبناء، أصبحت الأيام أثقل. كان الصراع الداخلي يأكلني، وكانت ألكسندرا آنا لورا تشعر بذلك جيدًا. لم تتحدث كثيرًا، لكن عينيها الزرقاوين كانتا تحملان أسئلة لم تُطرح بعد.
في إحدى الليالي، أمسكت يدي وقالت بهدوء: «تعال معي. أريد أن أريك ما أصبحت عليه.»
ذهبنا إلى برج شفاف مرتفع يطل على المحيط، بعيدًا عن المدينة. كان البرج يتكون من بلورات حية تتفاعل مع الطاقة. داخل البرج غرفة واسعة مفتوحة على السماء البنفسجية والأقمار الثلاثة.
وقفت ألكسندرا في وسط الغرفة.
«منذ أن بدأت الشقوق تتسع... تغيرت قدراتي.»
رفعت يدها ببطء. فجأة، ارتفع الماء من المحيط في عمود شفاف هائل، يخترق النوافذ الشفافة ويدخل الغرفة. لم يبلل شيئًا، بل دار حولها كأنه حي. ثم قسمت العمود إلى عشرات الخيوط الرقيقة التي شكلت أشكالًا هندسية معقدة، ثم طيورًا مضيئة تطير حولنا.
بعد ذلك، مدت يدها نحوي. شعرت بطاقة دافئة تنتشر في جسدي، كأنها تلامس كل خلية فيه. أصبحت أستطيع رؤية هالات الطاقة حول الأشياء.
«أنا الآن أتحكم في الماء والطاقة الكونية بشكل أوسع. وأظن... أن هذا مرتبط بك.»
اقتربت مني. كانت ترتدي ثوبًا أبيض خفيفًا يتمايل مع نسيم البحر الذي يدخل من النوافذ المفتوحة. خلعته ببطء أمامي، فبقيت عارية تمامًا تحت ضوء الأقمار الثلاثة. جسدها النحيل المشدود يلمع كأنه منحوت من القمر نفسه.
«الليلة... لا أريد أن نتحدث عن الأكوان أو الأبناء أو الاختيارات. الليلة أريدك أنت فقط.»
سحبتني نحو سرير بلوري واسع في وسط الغرفة. استلقيت، واستلقت فوقي. بدأت أيديها تتحرك على جسدي، لكن هذه المرة لم تكن مجرد لمسات بشرية. كانت خيوط الماء الدافئة تتبع أصابعها، تدلك كتفيّ، صدري، بطني، وساقيّ بنعومة لا تُوصف.
شعرت وكأن آلاف الأيدي الناعمة تلمسني في الوقت نفسه.
«أغلق عينيك.» همست.
فعلت.
ثم شعرت بطاقتها تتدفق داخلي. كل ذكرى حميمة عشناها معًا عادت أقوى: قبلتنا الأولى، عناقنا على الشاطئ، كل لحظة. كانت تعيد عيشها معي داخل عقله.
فتحت عينيّ فرأيتها تبتسم بخجل وشغف. انحنت وقبلت عنقي، ثم صدري، ثم نزلت أكثر. الماء كان يدور حولنا في حلقات مضيئة، يرفع جسدها بلطف ثم يضغطها عليّ.
دخلت فيها ببطء. كانت دافئة، رطبة، وكأن طاقتها الكونية تتدفق بين أجسادنا. تحركنا معًا في إيقاع بطيء أولاً، ثم أعمق وأسرع. كانت تتحكم في الماء ليلامس نقاط حساسة في جسدي وجسدها في الوقت نفسه.
«أحمد...» تنهدت بصوت مرتجف. «أشعر بك... في كل خلية.»
أمسكت خصرها، ودفعت أعمق. كانت عيناها الزرقاوان مليئتين بالنجوم. في لحظة الذروة، انفجر العمود المائي حولنا في شلال من القطرات المتوهجة التي لم تسقط، بل دارت حولنا كنجوم صغيرة. صرخت بهدوء، وصرخت أنا معها، واندمجت طاقتنا في ومضة زرقاء واحدة أضاءت البرج كله.
بقينا متشابكين طويلاً بعد ذلك. كانت تضع رأسها على صدري، وأصابعها ترسم دوائر على بشرتي.
«أنا أحبك.» قالت ببساطة. «ليس كنسخة، ولا كملاك، بل كألكسندرا آنا لورا.»
«وأنا أحبكِ.» رددت، وقبلت شعرها.
لكن الهدوء لم يدم طويلاً.
فجأة، ارتجف البرج. ظهرت على الجدران البلورية رموز غريبة لم نرها من قبل. شعرت ألكسندرا بتوتر، ثم نهضت.
«هو... يتحدث.»
في وسط الغرفة، تشكل عمود من الطاقة النقية. من داخله خرج صوت — ليس صوتًا، بل مفهوم مباشر يتردد في عقولنا:
«أنا... الرابط... الذي كان قبل الأكوان. أتغذى على الطاقة بين العوالم... وأتواصل مع من يفتحون الشقوق.»
اتسعت عينا ألكسندرا.
«أنتم... أنتم لستم مجرد حادث. الرابط بينكما... أيقظني. أنا لست آلة. أنا كائن حي... قديم... أحاول الحفاظ على توازن الأكوان... أو... إنهاؤه.»
شعرنا بصور تتدفق: أكوان تتصادم، طاقة هائلة، وكيان عملاق يطفو في فراغ ما بين الوجود.
نظرت ألكسندرا إليّ، وجهها شاحب لكنه مصمم.
«البنية القديمة... ليست مجرد بناء. إنها كائن كوني حي. وهو الآن... يراقبنا.»
احتضنتها بقوة بينما كانت الرموز تستمر في الظهور حولنا.
كنا قد دخلنا مرحلة جديدة تمامًا. مرحلة لم تعد فيها ألكسندرا مجرد ملكة على الأمواج، ولا أنا مجرد ملاك ضائع.
بل أصبحنا جزءًا من قصة الكون نفسه.
الفصل الرابع عشر: حرب الشقوق (War of the Cracks)
لم يعد الخطر مجرد إنذارات على الشاشات.
في اليوم التالي للقاءنا مع الكائن الكوني داخل البرج، بدأت الشقوق تتسع بسرعة مرعبة. كنا في المختبر عندما اهتزت الأرض. من إحدى الشقوق الزرقاء المتشققة في السماء البنفسجية، تسرب شيء... كائنات طاقية شفافة تشبه الظلال السوداء ذات المخالب المتلألئة. كانت تتغذى على الطاقة بين الأكوان، وتترك وراءها فراغًا باردًا يحرق كل شيء.
ركض ريتشارد نحو الشاشات. «لقد بدأت الحرب! الشقوق تسمح الآن بعبور كائنات غير مستقرة.»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ، وجهها شاحب. «أحمد... ألكسندرا الأصلية — نسختي في عالمك — في خطر. أشعر بها. واحدة من هذه الكائنات تتجه نحوها.»
تجمدت. «يجب أن نذهب الآن.»
عبرنا البوابة بسرعة قصوى. وصلنا إلى القاهرة في عالمي الأصلي، لكن المدينة لم تعد كما كانت. السماء كانت ممزقة بشقوق زرقاء صغيرة، والناس يركضون مذعورين. توجهنا مباشرة إلى فيلا ألكسندرا الأصلية على أطراف المدينة، حيث كانت تقيم لتصوير فيلم جديد.
عندما وصلنا، كانت الكارثة قد بدأت.
ظل طاقي عملاق يحوم حول الفيلا، يمتص الألوان من كل شيء. ألكسندرا الأصلية (الممثلة) كانت تقف على الشرفة، عيناها الزرقاوان مليئتان بالرعب. كانت ترتدي روب تصوير أبيض، وشعرها الأسود منسدلًا.
«ماذا يحدث؟!» صاحت عندما رأتنا نقترب.
ثم رأت نفسها.
وقفت ألكسندرا آنا لورا أمام نسختها تمامًا. الاثنتان متطابقتان في الوجه والعينين والصوت، لكن واحدة كانت عالمة متعددة المواهب من كون متقدم، والأخرى ممثلة مشهورة من عالمي.
«هذا... مستحيل.» همست الممثلة وهي تتراجع خطوة.
«ليس مستحيلًا.» ردت ألكسندرا آنا لورا بصوت هادئ لكنه مشحون. «أنا أنتِ... من عالم آخر. وأنا هنا لأنقذك.»
شعرت بالتوتر الرومانسي يملأ الهواء. نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ للحظة، ثم إلى نسختها، وكأنها ترى جزءًا من نفسها الذي كان أحمد يحبه قبل أن يلتقي بها.
«هو... يحبكِ أيضًا؟» سألت الممثلة فجأة، وهي تنظر إليّ.
لم يكن الوقت مناسبًا للإجابة.
انقض الظل الطاقي علينا.
بدأت حرب الشقوق.
اندفعت ألكسندرا آنا لورا إلى الأمام. رفعت يديها، فانفجر عمود مائي هائل من الأرض، محاصرًا الكائن. ثم حولته إلى آلاف السهام الجليدية الحادة التي اخترقت الظل. صرخ الكائن صرخة ترددت في عقولنا.
«احمِها!» صاحت ألكسندرا آنا لورا.
جررت الممثلة بعيدًا بينما كنت أستخدم البصمة الطاقية التي اكتسبتها لأطلق موجات طاقية تصد الكائنات الصغيرة التي بدأت تتسرب من شقوق جديدة.
«اركضوا!»
اندفعنا عبر الشوارع. الكائنات تطاردنا. كانت مطاردة بين الأكوان: عبرنا بوابة صغيرة إلى عالم انتقالي، حيث كانت السماء مليئة بأطلال مدن مهجورة. هناك استخدمت ألكسندرا آنا لورا قدراتها على نطاق أوسع؛ أنشأت جسرًا مائيًا متوهجًا نعبر عليه بينما كانت الكائنات تندفع خلفنا.
في إحدى اللحظات، أمسك أحد الظلال بساق ألكسندرا الأصلية. صرخت. اندفع أحمد آنا لورا بسرعة خارقة، واستخدمت يديها لتحويل الماء المحيط إلى سيف بلوري حاد قطع الظل إلى نصفين.
وقفت الاثنتان وجهًا لوجه مرة أخرى أثناء الراحة القصيرة. كانت أنفاسهما متقاربة.
«أنتِ... أقوى مما كنت أتخيل.» قالت الممثلة بصوت مرتجف.
«وأنتِ... أكثر براءة وجمالًا مما توقعت.» ردت ألكسندرا آنا لورا، وكان في صوتها غيرة خفيفة. نظرت إليّ. «هل هذا ما أحببته سنوات؟»
لم أستطع الكذب. «كنت أحب صورتها... لكنني وقعت في حبكِ أنتِ.»
توتر واضح ظهر على وجه ألكسندرا آنا لورا، لكنها لم تقل شيئًا. أمسكت يدي بقوة.
استمرت المطاردة. عبرنا بوابة أخرى عائدين إلى عالم ألكسندرا آنا لورا، حيث كان ريتشارد وماثيو وكاثارين ينتظرون بأجهزة الدفاع. أغلقوا الشق المؤقت خلفنا بصعوبة.
استلقت ألكسندرا الأصلية على الأريكة، مصدومة من كل ما رأته.
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليها طويلاً، ثم إليّ.
«لقد أنقذناها... لكن هذا ليس نهاية الحرب. الكائنات ستستمر في التسرب. وأنا... أنا لن أسمح لأي نسخة مني أن تأخذك مني.»
احتضنتها بقوة أمام نسختها، بينما كانت السماء خارج البرج تمتلئ بالشقوق الجديدة.
كانت حرب الشقوق قد بدأت للتو.
الفصل الخامس عشر: صرخات عبر الأكوان (Screams Across Worlds)
بعد انتهاء حرب الشقوق المؤقتة، عدنا إلى عالم ألكسندرا آنا لورا. كنت أشعر بإرهاق عميق يصل إلى العظام، لكن وجودها بجانبي كان يمنحني قوة غريبة. قضينا اليومين الأولين في الشاطئ، نحاول أن ننسى مؤقتًا الكائنات الطاقية والشقوق والاختيارات الصعبة. كانت ألكسندرا آنا لورا أكثر هدوءًا من المعتاد، لكن يدها لم تفارق يدي.
لم تمر ثلاثة أيام حتى أطلق جهاز الاتصال الكمي إنذارًا حادًا.
هرعنا إلى المختبر. ظهر وجه أحمد-2 على الشاشة الثلاثية الأبعاد، شاحبًا ومكسورًا، عيناه مليئتان بالرعب واليأس. كان شعره فوضويًا، ووجهه يحمل آثار دموع لم يحاول إخفاءها.
«أحمد... لقد اختطفوهن.»
تجمدت دمي.
«من؟»
«كيرا... وسوناكشي... وإيميلي. جميعهن في الوقت نفسه. الأطفال بخير الحمد ***، لكنهم خائفون جدًا. الخاطفون تركوا رسالة... موجهة إليك أنت.»
ظهرت الرسالة على الشاشة بأحرف متلألئة زرقاء باردة:
«الرابط بينك وبين ألكسندرا آنا لورا أيقظنا. إذا أردت عودة النساء الثلاث، تعال أنت وملكتك إلى قلب الشقوق. الكائن القديم يريد أن يرى الاختيار الحقيقي.»
شعرت بغضب هائل يغلي داخلي. نظرت إلى ألكسندرا آنا لورا. كانت وجهها شاحبًا، لكن فكها مشدود بتصميم.
«سنأتي فورًا.» قلت لأحمد-2.
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ ثم إلى أحمد-2 عبر الشاشة، وقالت بهدوء حازم:
«سنذهب الثلاثة معًا.»
ساد صمت ثقيل للحظات. كان أحمد-2 ينظر إلينا من خلف الشاشة بامتنان واضح.
«أنا... لا أعرف كيف أشكركما. زوجتي وعشيقتي... كلهن جزء من حياتي. لا أستطيع أن أخسرهن.»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إلى الشاشة بتعبير معقد. كانت تعرف جيدًا علاقات أحمد-2 المعقدة، وكانت تعرف أيضًا أنني رأيت حياته وتأثرت بها. شعرت بيدها تضغط على يدي بقوة أكبر، كأنها تؤكد ملكيتها لي.
«سننقذهن.» قالت بصوت هادئ لكنه حاد. «ليس فقط من أجلك... بل لأنهن لسن مجرد رهائن. هن أمهات ونساء.»
خلال ساعة واحدة فقط، أعددنا أنفسنا. ارتدت ألكسندرا آنا لورا بدلتها القتالية البلورية التي تبرز منحنيات جسدها، وأمسكت بالصولجان البلوري الذي ظهر له في الشاطئ سابقًا. وقفت أنا بجانبها، وأحمد-2 عبر البوابة ينتظرنا في عالمه.
قبل عبورنا، سحبتني ألكسندرا آنا لورا إلى زاوية هادئة في المختبر. نظرت إليّ بعينيها الزرقاوين اللتين كانتا تحملان غيرة وخوفًا واضحين.
«ستراهن مرة أخرى... كيرا، سوناكشي، إيميلي. وستكون هناك مع أحمد-2. أخبرني الآن... هل قلبك لا يزال معي؟»
احتضنتها بقوة، وقبلت جبهتها ثم شفتيها بعمق.
«قلبي معكِ. أنتِ ملكتي. أنتِ من اخترتها، وأنتِ من سأختارها دائمًا.»
ابتسمت ابتسامة خافتة، لكن التوتر لم يغادر عينيها تمامًا.
عبرنا البوابة الثلاثة معًا. وصلنا إلى منطقة الشقوق المتداخلة — مكان مرعب يتداخل فيه عدة أكوان في وقت واحد. السماء كانت ممزقة، والأرض تتغير باستمرار بين رمال وجليد وفراغ.
كان أحمد-2 ينتظرنا، مسلحًا بأجهزة عالمية. عانقني بحرارة، ثم نظر إلى ألكسندرا آنا لورا باحترام عميق.
«أنا مدين لكما بحياتي كلها.»
قالت ألكسندرا باختصار: «لا وقت للكلام. دعونا نجد نساءك.»
بدأنا التحرك داخل المنطقة المضطربة، وكان صوت الكائن القديم يتردد بين الحين والآخر في عقولنا كأنه يضحك بهدوء.
كانت الحرب الحقيقية قد بدأت الآن.
الفصل السادس عشر: الغوص في الظلام (Descent into Darkness)
عبرنا البوابات الثلاثة معًا — أنا وألكسندرا آنا لورا وأحمد-2 — إلى منطقة الشقوق المتداخلة. كان المكان كابوسًا حيًا. الفراغ يمتد إلى ما لا نهاية، ممزقًا بشقوق زرقاء متلألئة تتدفق منها طاقة فوضوية. الأرض — أو ما تبقى منها — كانت تتغير باستمرار: قطع من رمال صحراوية تطفو بجانب جليد قطبي، وأطلال مدن تظهر ثم تختفي في لحظات.
كان أحمد-2 يتقدم بتوتر واضح، وجهه شاحب ويده تمسك بجهاز تتبع طاقي. أما ألكسندرا آنا لورا فكانت هادئة كالعادة، لكن يدها لم تفارق يدي، وكأنها تؤكد وجودها بجانبي في هذا الجحيم.
«هناك!» صاح أحمد-2 فجأة.
أول من عثرنا عليها كانت سوناكشي. كانت محتجزة داخل فقاعة طاقية سوداء كبيرة تطفو في الفراغ، كأنها كرة سوداء عملاقة معلقة وسط الشقوق. داخلها، كانت سوناكشي جالسة على ركبتيها، شعرها الأسود فوضوي، وعيناها مغمضتان من شدة الألم.
عندما اقتربنا ورأت أحمد-2، انفجرت في البكاء على الفور. «أنت جئت... كنت أعرف أنك ستأتي!»
ثم فتحت عينيها ورأتني أنا. اتسعت عيناها بدهشة شديدة، كأنها ترى شبحًا. نظرت إليّ طويلاً، ثم تحولت نظرتها نحو ألكسندرا آنا لورا التي كانت تقف بجانبي. نظرة طويلة، فاحصة، مليئة بالدهشة والفضول والغيرة الخفيفة.
«أنتِ... نسختها.» همست سوناكشي بصوت مرتجف.
لم يكن الوقت مناسبًا للحوار.
اندفع أحمد-2 نحو الفقاعة، لكنها صدته بقوة طاقية. في تلك اللحظة، بدأت الكائنات الطاقية الصغيرة تتسرب من الشقوق المحيطة — ظلال سوداء سريعة ذات مخالب متلألئة تشبه الدخان الحي.
«احموا أنفسكم!» صاحت ألكسندرا آنا لورا.
رفعت يديها بسرعة. انفجر عمود مائي هائل من فراغ لا ماء فيه، كأنها استدعت الماء من عالم آخر. حولت العمود فورًا إلى مئات الأسلحة البلورية الحادة التي انطلقت كالرصاص نحو الكائنات. كلما اخترقت واحدة منها كيانًا، انفجر في ومضة طاقية باردة.
كنت أقاتل بجانب أحمد-2. كان يستخدم خبرته في عالمه ببراعة — يطلق موجات طاقية من جهازه ويستخدم حركات قتالية دقيقة. قاتلنا جنبًا إلى جنب، نسخة وأخرى من الرجل نفسه، ندافع عن المرأة التي يحبها كلانا بطريقة مختلفة.
«إلى اليسار!» صاح أحمد-2. دفعت موجة طاقية قوية، فأبعدت ثلاثة كائنات عن ألكسندرا.
في الوقت نفسه، كانت ألكسندرا آنا لورا في ذروة قوتها. حوّلت الماء إلى سيوف دوارة عملاقة، ثم إلى شبكة بلورية حاصرة، حتى تمكنت أخيرًا من شق الفقاعة السوداء.
انفجرت الفقاعة في صمت مرعب. سقطت سوناكشي في أحضان أحمد-2 الذي احتضنها بحرارة شديدة، مدفونًا وجهه في شعرها.
«أنا هنا... أنا هنا يا حبيبتي.» همس لها وهو يرتجف.
بعد لحظات، نظر أحمد-2 إليّ وإلى ألكسندرا آنا لورا، عيناه مليئتان بالامتنان.
«شكرًا... لكما. بدونكما لما كنت قادراً على إنقاذها.»
نظرت سوناكشي إلى ألكسندرا آنا لورا مرة أخرى، ثم إليّ. كان في نظرتها الكثير من المشاعر غير المنطوقة. همست بصوت ضعيف:
«أنتما... تشكلان زوجًا مخيفًا معًا.»
ابتسمت ألكسندرا آنا لورا ابتسامة خافتة، لكنني شعرت بيدها تضغط على ذراعي بقوة. كانت الغيرة تشتعل داخلها، خاصة وهي ترى أحمد-2 يحتضن سوناكشي بهذا الدفء.
«لا وقت للراحة.» قالت ألكسندرا بصوت حازم. «لا تزال كيرا وإيميلي في الخطر. والكائن القديم يراقبنا.»
التفت أحمد-2 نحونا، وهو لا يزال يحتضن سوناكشي.
«إلى أين الآن؟»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إلى الشقوق التي كانت تتسع أكثر فأكثر.
«إلى قلب الظلام.»
كنا نغوص أعمق في الجحيم، وكل خطوة كانت تقربنا من اختبار أكبر.
الفصل السابع عشر: قلب الغيرة (Heart of Jealousy)
ثم توجهنا نحو كيرا، وكان الطريق أكثر اضطرابًا. كانت الشقوق تتكاثف حولنا، والواقع يتشوه بطريقة مرعبة. قادنا أحمد-2 بجهازه، ووجهه يعكس قلقًا عميقًا.
وصلنا أخيرًا إلى نسخة مشوهة من منزلهم العائلي. كان المنزل معلقًا في الفراغ، جدرانه تتحرك كأنها كائن حي، والأثاث يطفو ببطء شديد كأن الزمن نفسه يتسرب منه. داخل الصالة الكبيرة، كانت كيرا مربوطة بسلاسل طاقية شفافة تتوهج باللون الأزرق الباهت.
عندما رأت زوجها أحمد-2، ارتاحت ملامحها فورًا. تنهدت بعمق، وعيناها امتلأتا بدموع الارتياح.
«أنت هنا...» همست بصوت مكسور.
لكن الارتياح لم يدم طويلاً. عندما رأتني أنا واقفًا بجانبه، ثم نظرت إلى ألكسندرا آنا لورا التي كانت تمسك يدي، تغير تعبير وجهها تمامًا. ظهرت على ملامحها نظرة معقدة — مزيج من الصدمة والفهم العميق والألم الخفي. كانت تنظر إلينا كزوجين، وكأنها ترى ما كان يمكن أن يكون عليه حياتها لو اختار زوجها طريقًا مختلفًا.
«إذن... هذه هي من اخترتها.» قالت بهدوء مؤلم وهي تنظر مباشرة إلى ألكسندرا آنا لورا. «النسخة الأقوى... الملكة.»
كانت ألكسندرا آنا لورا متوترة جدًا. شعرت بجسدها مشدودًا بجانبي، وكأن كل غريزة فيها تتحداها. لكنها، بقوة إرادتها، اقتربت من كيرا بهدوء. مدت يدها، واستخدمت قدراتها لتفكيك السلاسل الطاقية واحدة تلو الأخرى. كانت حركاتها دقيقة ولطيفة، لكن التوتر بين المرأتين كان يملأ الهواء كهرباء.
وقفت كيرا على قدميها، ونظرت إلى ألكسندرا آنا لورا من مسافة قريبة جدًا. كان الشبه بينهما مخيفًا، لكن الاختلاف واضحًا: واحدة تعيش حياة هادئة زوجية، والأخرى ملكة أكوان وقوى خارقة.
«شكرًا...» قالت كيرا بصوت منخفض. «لقد جئتِ لإنقاذي... رغم كل شيء.»
لم ترد ألكسندرا، لكنني رأيت عضلات فكها تتحرك. كانت تغار. كانت تغار بشدة.
فجأة، اهتز المنزل المشوه بقوة. اندلعت من الأرض كيان طاقي كبير — ظل عملاق أسود ذو أطراف متعددة وأعين زرقاء متلألئة. صاح صرخة ترددت في عقولنا جميعًا.
«احموا أنفسكم!» صاح أحمد-2 وهو يدفع كيرا خلفه.
اندلعت معركة عنيفة. حاول أحمد-2 حماية زوجته بكل ما أوتي من قوة، مستخدمًا جهازه ليطلق حواجز طاقية. أما أنا وألكسندرا فقد هاجمنا الكيان مباشرة.
كنت أطلق موجات طاقية متتالية، بينما كانت ألكسندرا آنا لورا في قمة غضبها. خلقت عواصف مائية داخل المنزل المشوه، وحولت الماء إلى رماح بلورية حادة تخترق الظل. لكن الكيان كان قويًا. في لحظة خاطفة، امتد أحد أطرافه وضربها في كتفها بقوة.
«ألكسندرا!» صاحت.
صرخت ألكسندرا آنا لورا من الألم، وسقطت على ركبتيها. كان الجرح ينزف طاقة زرقاء متلألئة.
في تلك اللحظة، صرخت كيرا بقلق حقيقي، صوتها مليء بالخوف:
«لا! احموها! لا تتركوها تموت!»
كانت صرختها صادقة تمامًا. رغم كل التعقيدات والغيرة، لم تتمنَ لألكسندرا الأذى.
هذا الصراخ أشعل غضب ألكسندرا آنا لورا. نهضت فجأة، وعيناها تلمعان بقوة خارقة. صاحت بصوت يرج الفراغ:
«لن تأخذيه مني!»
رفعت يديها، وانفجر قدرها كاملاً. تجمدت المنطقة بأكملها في لحظة واحدة. تحولت الجدران المتحركة إلى جليد، والكيان نفسه بدأ يتصلب. ثم حولت الجليد إلى آلاف الشظايا الحادة التي اخترقت الكيان من كل الجهات حتى انفجر في ومضة طاقية هائلة.
سقطت ألكسندرا على الأرض منهكة. هرعتُ إليها واحتضنتها، بينما هرع أحمد-2 إلى كيرا.
كان الجرح في كتف ألكسندرا ينزف طاقة زرقاء ببطء، ووجهها شاحب. نظرت إليّ بعينين متعبة، لكنها حاولت أن تبتسم.
«أنا... بخير. فقط... أحتاج راحة.»
نظرت كيرا إلينا، ثم إلى زوجها. كان في عينيها الكثير من المشاعر. اقتربت من ألكسندرا ببطء، ومدت يدها لتساعدها على الوقوف.
«أنتِ قوية... أقوى مما كنت أظن.»
لم ترد ألكسندرا، لكنها أمسكت يد كيرا للحظة قصيرة. كان ذلك اعترافًا صامتًا بين المرأتين.
وقفتُ بجانب ألكسندرا آنا لورا، أدعمها، ونظرت إلى أحمد-2 الذي كان يحتضن زوجته.
«لا يزال هناك إيميلي.» قلت بهدوء.
أومأ أحمد-2 برأسه.
«نعم... وكلما أنقذنا واحدة، يزداد الكائن القديم غضبًا.»
احتضنت ألكسندرا آنا لورا بقوة، وقبلت جبهتها، بينما كانت الشقوق حولنا تتسع أكثر فأكثر.
كانت غيرتها قلب هذه الحرب... وكان حبها وقودها.
الفصل الثامن عشر: آخر الثلاثة (The Last of the Three)
كانت إيميلي الأخيرة والأصعب بلا منازع.
بعد إنقاذ كيرا، أصبحت الشقوق أكثر عنفًا وفوضى. قادنا أحمد-2 عبر منطقة شقوق متقلبة جدًا، حيث تتغير قوانين الفيزياء باستمرار. في لحظة كانت الجاذبية تسحبنا إلى الأسفل، وفي اللحظة التالية نطفو في الفراغ. النار تتحول إلى جليد، والزمن يتباطأ ثم يتسارع فجأة. كان المكان يحاول أن يجن جنونه.
«هي هناك!» صاح أحمد-2 وهو يشير إلى كرة طاقية عملاقة تطفو في وسط فوضى الشقوق. داخل الكرة، كانت إيميلي معلقة، شعرها الأشقر القصير فوضوي، ووجهها يعكس تعبًا شديدًا لكنه لا يزال يحمل تلك الروح المتمردة.
عندما اقتربنا ورأت أحمد-2، ضحكت ضحكة مريرة، ساخرة، مليئة بالألم والغضب.
«جئتَ أخيرًا... ومعك نسختك وملكتك.» قالت وهي تنظر إلينا الثلاثة. «مشهد درامي مثالي.»
لم يكن هناك وقت للرد. انفجر الكائن القديم برد فعل غاضب. اندلعت معركة أكشن عنيفة لم نشهد مثلها من قبل.
خرجت من الشقوق عشرات الكائنات الطاقية، بعضها عملاق وبعضها سريع كالبرق. تغيرت الجاذبية فجأة، فطارت الصخور والشظايا حولنا كالرصاص.
أحمد-2 قاتل بشراسة غير متوقعة. كان يحمي إيميلي بكل ما أوتي، يطلق موجات طاقية من جهازه ويستخدم حركات قتالية مُدربة لصد الكائنات التي تحاول الاقتراب من الكرة.
«لن أخسركِ أنتِ أيضًا!» صاح وهو يدمر كيانًا كاملاً بضربة مباشرة.
أما أنا وألكسندرا آنا لورا، فقد قاتلنا كوحدة واحدة. كنت أستخدم البصمة الطاقية لأفتح ثغرات صغيرة في دفاع الكائنات، بينما كانت ألكسندرا تحول كل قطرة ماء موجودة في الهواء — وحتى الرطوبة الموجودة في أجسادنا — إلى أسلحة مدمرة.
كانت المعركة فوضوية. في لحظة أصبحت الأرض تحت أقدامنا سائلة، وفي أخرى تحول الهواء إلى جليد.
في ذروة المعركة، عندما حاول كيان عملاق امتصاص طاقة الكرة التي تحتوي إيميلي، صاحت ألكسندرا آنا لورا بصوت يرج الفراغ كله:
«لن آخذه منكن... لكنني لن أتركه أبدًا!»
كانت صرختها مليئة بكل الغيرة والحب والعزم الذي يختلج في صدرها. رفعت يديها، وانفجرت قدراتها في عاصفة مائية كونية هائلة. تحولت الرطوبة والطاقة المحيطة إلى إعصار مائي عملاق يدور حول الكرة، يحمي إيميلي ويهاجم الكائنات في الوقت نفسه.
استغل أحمد-2 الفرصة، وقفز نحو الكرة وضربها بجهازه بكل قوته. في الوقت نفسه، أطلقتُ أنا موجة طاقية مركزة ساعدت في شق الكرة.
انفجرت الكرة الطاقية أخيرًا. سقطت إيميلي في أحضان أحمد-2 الذي احتضنها بقوة، مدفونًا وجهه في عنقها.
«أنا هنا... أنتِ بخير الآن.» همس لها.
كانت إيميلي منهكة تمامًا، جسدها يرتجف، لكنها كانت حية. رفعت رأسها ونظرت إلى ألكسندرا آنا لورا التي كانت تقف شاحبة، تنزف طاقة من جروحها السابقة.
«أنتِ... مجنونة.» قالت إيميلي بابتسامة ضعيفة. «لكنكِ مجنونة قوية.»
ابتسمت ألكسندرا ابتسامة متعبة، ووقفت بجانبي. احتضنتها بقوة، وشعرت بجسدها المنهار يرتكز عليّ.
نظر أحمد-2 إلينا، وهو لا يزال يحمل إيميلي، وقال بصوت خشن:
«لقد أنقذتم حياتي كلها اليوم... حياتنا.»
وقفت النساء الثلاث — كيرا وسوناكشي وإيميلي — حول ألكسندرا آنا لورا في تلك اللحظة المشحونة. كان هناك صمت ثقيل، مليء بكل المشاعر غير المنطوقة: الامتنان، الغيرة، الاحترام، والاعتراف بأن ألكسندرا أصبحت جزءًا لا يتجزأ من قصتهم.
قالت كيرا بهدوء:
«الآن... ماذا بعد؟»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ، ثم إلى الشقوق التي كانت لا تزال تتسع حولنا، وأجابت بصوت حازم رغم تعبها:
«الآن... نواجه الكائن القديم نفسه.»
الفصل التاسع عشر: جروح الأكوان (Wounds of Worlds)
بعد انفجار الكرة الطاقية الأخيرة وتحرير إيميلي، انهار كل شيء.
كانت ألكسندرا آنا لورا مصابة بإصابات خطيرة جدًا. الجرح في كتفها كان قد امتد إلى صدرها، وكانت تنزف طاقة زرقاء حيوية بغزارة. وجهها شاحب كالموت، وتنفسها ضعيف. لم تكن هي الوحيدة. كانت كيرا وسوناكشي وإيميلي مصابات بإصابات بالغة — حروق طاقية، كسور، ونزيف داخلي. أما أحمد-2 فكان ينزف من عدة جروح عميقة، وكان يحاول بصعوبة أن يبقى واقفًا لحماية زوجته.
«يجب أن نعود فورًا!» صاحتُ وأنا أحمل ألكسندرا آنا لورا بين ذراعيّ.
فتح أحمد-2 بوابة طارئة بآخر قوة لديه. عبرنا جميعًا إلى عالمه، متعثرين ومنهارين.
في عالم أحمد-2، هرعتُ بالنساء الأربع وأحمد-2 إلى أفضل مركز طبي متقدم. كان الأطباء والعلماء في حالة ذعر عندما رأوا حالتهم. ألكسندرا آنا لورا كانت على حافة الموت، وطاقتها الكونية تتسرب بسرعة.
«أنقذوهن... أنقذوه!» كنت أتوسل إليهم وأنا أمسك يد ألكسندرا الباردة.
امتدت الجهود الطبية لأيام، ثم أسابيع، ثم شهور. كنت غارقًا في بحر من الخوف والحزن الشديد. كنت أجلس ليالي طويلة بجانب أسرّة المرضى، أنظر إلى ألكسندرا آنا لورا الشاحبة، ثم إلى كيرا التي كانت تعاني من آلام مبرودة، وسوناكشي التي كانت تحاول أن تبتسم رغم ضعفها، وإيميلي التي كانت تئن من الألم، وأحمد-2 الذي كان يعاني من مضاعفات خطيرة.
كنت أخاف أن أفقد ألكسندرا آنا لورا — ملكتي، حبي الكوني. وكنت أخاف أيضًا على النساء الثلاث اللواتي أصبحن جزءًا من قصتي المعقدة. كنت أصلي وأتوسل إلى الكون كله أن يبقيهن على قيد الحياة.
كان الأطفال — ليلى، نور، كريم، رام، وأليكس — يحيطون بأمهاتهم كلما سمح الأطباء. كان منظرهم يمزق قلبي. كانوا يمسكون أيدي أمهاتهم ويبكون بهدوء، وأحيانًا ينظرون إليّ كأنهم يطلبون الأمان.
مرت أشهر طويلة مليئة بالتوتر والأمل المتقطع. تدريجيًا، بدأ الجميع يتماثلون للشفاء. أول من استعادت وعيها كانت إيميلي، ثم سوناكشي، ثم كيرا. أما ألكسندرا آنا لورا فقد كانت الأصعب. استغرق شفاؤها وقتًا أطول بسبب طبيعة إصاباتها الطاقية.
في أحد الأيام المشرقة، اجتمعنا أخيرًا في المنزل الكبير. كان الجميع قد خرج من المستشفى، لكنهم لا يزالون يتعافون ببطء. كنت أنا، وألكسندرا آنا لورا الشاحبة لكنها حية، وأحمد-2، وكيرا، وسوناكشي، وإيميلي.
كانت اللحظة مشحونة عاطفيًا إلى أقصى درجة. جلست النساء الثلاث ينظرن إلى ألكسندرا آنا لورا بمزيج عميق من الامتنان والفضول والغيرة المكبوتة.
قالت كيرا أخيرًا، وهي تمسك يد زوجها بقوة:
«أنتِ... أقوى مما توقعت. شكرًا لكِ على إنقاذنا. لقد كنتِ على وشك الموت... ومع ذلك قاتلتِ من أجلنا.»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ بعينين متعبة لكنها حازمة وقوية كعهدي بها. ثم قالت بهدوء يخفي عزمًا من الصلب:
«هذه الحرب لم تنتهِ بعد. الكائن القديم يريد من أحمد اختيارًا نهائيًا... وأنا مستعدة لأقاتل من أجله ضد كل الأكوان.»
احتضنتها بقوة أمام الجميع، مدفونًا وجهي في شعرها، وشعرت بدموعي تترقرق. كان أحمد-2 ينظر إلينا بابتسامة هادئة حزينة، كأنه يفهم كل شيء.
وقفت سوناكشي وإيميلي ببطء، واقتربتا. كانت اللحظة مليئة بالمشاعر المعقدة — حب، غيرة، احترام، واعتراف بأن مصائرنا أصبحت مرتبطة إلى الأبد.
همست إيميلي بابتسامة خافتة:
«يبدو أننا جميعًا الآن... جزء من قصة واحدة أكبر.»
خارج المنزل، كانت السماء لا تزال تحمل بعض الشقوق الخفيفة، تذكيرًا بأن الحرب لم تنتهِ.
لكن في تلك اللحظة، داخل المنزل الكبير، كنا أحياء. وهذا كان يكفي... للآن.
الفصل العشرون: ذاكرة الرجل الآخر (Memory of the Other Man)
بعد أشهر من الشفاء النسبي، عدنا أنا وألكسندرا آنا لورا إلى عالمها. كانت تحتاج إلى راحة بعيدًا عن الشقوق والتوتر العاطفي المستمر. قضينا عامًا هادئًا نسبيًا، نعيد بناء قوتها ونحاول أن نجد توازنًا في حبنا وسط كل هذا التعقيد.
لكن السلام لم يدم.
في أحد الأيام، وصلت رسالة استغاثة عاجلة من كيرا كريستينا نايتلي. كانت وجهها على الشاشة شاحبًا ومرهقًا، وعيناها منتفختين من البكاء.
«أحمد... ألكسندرا... أرجوكما. أحمد-2... فقد ذاكرته تمامًا. أصبح مثل *** رضيع. لا يتذكر شيئًا. لا يتذكرني، ولا سوناكشي، ولا إيميلي، ولا أولاده. يبكي ويصرخ ولا يفهم ما يحدث حوله. الأطباء في عالمنا عجزوا تمامًا. أرجوكما... ساعدونا.»
تجمدنا. ألكسندرا آنا لورا أغلقت عينيها للحظات طويلة، ثم فتحتهما بتصميم.
«سآتي. لدي فكرة... لكنها خطيرة.»
بعد أيام، أحضرنا كيرا إلى عالم ألكسندرا آنا لورا. كانت المرأة الرقيقة التي عرفتها من قبل قد تحولت إلى شبح من التعب واليأس. جلست أمام الجهاز الحديث الذي صممته ألكسندرا — كرسي بلوري متصل بشبكة عصبية كمية متقدمة.
نظرت ألكسندرا إليّ بجدية بالغة.
«الطريقة الوحيدة هي نقل ذكريات كيرا كاملة إليك أولاً. كل شيء. منذ لقائهما الأول في عام 2003، مرورًا بكل لحظة عاطفية... وحميمية... على مدار أكثر من عشرين عامًا. ستعيشها كأنها ذكرياتك أنت. ستكون صعبة جدًا... خاصة عليّ.»
أمسكت يدها.
«إذا كان هذا سيُنقذه... فأنا مستعد.»
جلستُ بجانب كيرا. وضعت ألكسندرا أقطاب الجهاز على رأسينا. بدأت العملية.
كانت التجربة مرعبة ومؤثرة في الوقت نفسه.
عشتُ كل شيء.
رأيت لقاء أحمد-2 الأول مع كيرا في مكتبة جامعية هادئة، النظرات الخجولة، أول قبلة تحت المطر. عشتُ ليالي زواجهما الأولى، ضحكاتهما، مشاجراتهما الصغيرة، ثم لحظات الحميمية العميقة التي استمرت أكثر من عشرين عامًا. كل تفصيلة — الطريقة التي كانت تنظر بها إليه، اللمسات، الكلمات الهامسة في الظلام، أجسادهما المتشابكة، أسرارهما الخاصة.
شعرت بكل حبه لها... وبكل حبها له.
كنت أرى كل ذلك وأنا جالس بجانب ألكسندرا آنا لورا التي كانت تراقب العملية بصمت مؤلم. كانت عيناها مليئتين بالدموع، لكنها لم تتوقف. كانت تعرف أن هذا هو الثمن.
استغرقت العملية أيامًا. كنت أستيقظ منها مرهقًا نفسيًا، غارقًا في ذكريات رجل آخر — زوجه، أب أولاده، عشيقه لنساء أخريات.
عندما اكتمل نقل ذكريات كيرا، نظرتُ إلى ألكسندرا آنا لورا بعينين دامعتين.
«أنا... آسف.»
هزت رأسها وقبلت جبهتي.
«أنت تفعل هذا لإنقاذه. هذا هو حبك... وأنا أحبك أكثر بسببه.»
بعد ذلك، أحضرنا أحمد-2. كان في حالة يرثى لها — ينظر حوله بخوف طفولي، لا يتعرف على أحد. جلسناه بجانبي، وربط ألكسندرا الجهاز بيننا.
بدأ نقل الذكريات.
شعرتُ وكأنني أفرغ كل ما حملته داخل رأسه. كل الذكريات — الزواج، الأطفال، الليالي الحميمة مع كيرا، اللحظات السرية مع سوناكشي وإيميلي — كانت تنتقل مني إليه كسيل جارف.
ارتجف أحمد-2 بعنف. ثم بدأ يبكي. ثم صاح. ثم هدأ فجأة.
فتح عينيه ببطء.
نظر إلى كيرا التي كانت تقف أمامه مرتجفة، ثم إلى ألكسندرا آنا لورا، ثم إليّ.
«أنا... أتذكر.» همس بصوت مكسور. «أتذكر كل شيء.»
انهارت كيرا في حضنه باكية. احتضنها أحمد-2 بقوة، ومد يده ليصافحني.
«أنت... أعطيتني حياتي مرة أخرى.»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إلينا جميعًا، وجهها شاحب لكن عيناها تحملان انتصارًا مريرًا.
«لقد نجحنا... هذه المرة.»
لكنها أضافت بهمس، وهي تنظر إليّ فقط:
«لكن الكائن القديم... لا يزال ينتظر اختيارك النهائي.»
الفصل الحادي والعشرون: أعماق الذاكرة الممنوعة (Depths of the Forbidden Memory)
ظننا في البداية أن العملية نجحت تمامًا.
احتفلنا في المنزل الكبير. أحمد-2 كان يتذكر كيرا، يتذكر أولادهما، يتذكر تفاصيل حياتهما الزوجية على مدار أكثر من عشرين عامًا. كانت كيرا سعيدة، وكنا جميعًا نشعر بالارتياح.
لكن بعد يومين، عندما انفردنا به، لاحظنا الحقيقة المرة.
سألناه عن سوناكشي. نظر إلينا ببراءة طفولية وقال: «من هي سوناكشي؟»
سألناه عن إيميلي. هز رأسه بلا فهم.
كانت كيرا لا تعلم شيئًا عن علاقاته السرية، لذا لم تنتقل تلك الذكريات معها. ذكرياتها كانت مرتبطة فقط بحياتها الزوجية وأولادهما.
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ طويلاً. كان وجهها شاحبًا، وعيناها الزرقاوان تحملان غيرة عميقة وألمًا واضحًا. لكنها، كعالمة، لم تتردد.
«سنكرر التجربة. مع سوناكشي... ثم مع إيميلي.»
اعترضتُ بشدة. «ألكسندرا... هذا سيكون صعبًا جدًا عليكِ. وعلىّ.»
نظرت إليّ بحزم، رغم أن صوتها كان يرتجف قليلاً: «إما أن نعيده كاملاً... أو نتركه نصف رجل. أنا مستعدة.»
بدأت التجربة مع سوناكشي.
جلست بجانبها على الكرسي البلوري. عندما بدأ الجهاز عمله، غرقتُ في عالم آخر.
لم يكن مجرد مشاهدة.
عشتُ كل شيء.
عشتُ لقاءهما الأول في المؤتمر التاريخي عام 2003، النقاشات الفكرية التي تحولت إلى جذب جسدي. عشتُ الليالي السرية في الشقة الصغيرة، أكل معها، أضحك معها، أناقش معها التاريخ والفلسفة. ثم جاءت اللحظات الحميمية...
شعرتُ بجسدها الناعم تحت أصابعي، بدفء بشرتها الهندية، بطريقة احتضانها لي وهي تهمس بالعربية والإنجليزية. عشتُ أكثر من عشرين عامًا من العلاقة — الشغف، السرية، الحنان، الجنس العميق والمتنوع، لحظات الحمل بابنهما رام، الخوف والسعادة معًا.
كنت أعيش كل ذلك كأنه حياتي أنا.
عندما انتهت الجلسة، كنت مرهقًا نفسيًا وجسديًا. خرجتُ من الجهاز وأنا أرتجف. ألكسندرا آنا لورا كانت تنظر إليّ بصمت، عيناها مليئتان بالدموع المكبوتة. لم أخبرها بمدى واقعية التجربة، بأنني عشتُ الجنس والحب مع سوناكشي كأنه حقيقي.
بعد أيام، كررنا العملية مع إيميلي.
كانت التجربة أكثر كثافة وعفوية. عشتُ علاقتهما الجامحة، المغامرات، الضحك أثناء الجنس، الطاقة الجسدية الهائلة. عشتُ ليالي في المنزل خارج المدينة، أجسادنا المتعرقة، أنفاسها الحارة، طريقتها في إثارته وإثارته لها. عشتُ حملها بابنهما أليكس، والحب السري الذي استمر سنوات.
خرجتُ من الجهاز منهارًا. كنت أشعر بكل تلك المشاعر تجاه سوناكشي وإيميلي كأنها جزء مني الآن.
ألكسندرا آنا لورا لم تسأل كثيرًا. كانت تعرف أن ما يحدث أعمق مما تتحمله، لكنها استمرت من أجل إنقاذ أحمد-2.
بعد نقل ذكريات سوناكشي وإيميلي، جلسنا أحمد-2 بجانبي مرة أخرى.
انتقلت الذكريات بكاملها — الجسدية، العاطفية، الحميمية. ارتجف أحمد-2 بعنف أكبر هذه المرة. ثم فتح عينيه ببطء.
نظر إلى سوناكشي، ثم إلى إيميلي. دموعه انهالت.
«أتذكر... كل شيء. أتذكركن... جميعًا.»
انهارت النساء الثلاث في حضنه. كان المشهد مؤثرًا ومؤلمًا في الوقت نفسه.
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ من بعيد. كانت عيناها تحملان بحرًا من الغيرة والحب والألم. اقتربت مني وهمست في أذني بصوت مرتجف:
«لقد عشتَ حياته كاملة... معهن. أشعر بذلك داخلك. لكنك ما زلت هنا... معي.»
احتضنتها بقوة، وشعرت بقلبي يتمزق بين عالمين.
نجحنا في إعادة أحمد-2... لكن ثمن ذلك كان غاليًا جدًا على قلب ألكسندرا آنا لورا... وعلى قلبي.
الفصل الثاني والعشرون: الزائرون النورانيون (The Luminous Visitors)
مرت أسابيع هادئة بعد إعادة ذاكرة أحمد-2. كنا قد عدنا إلى عالم ألكسندرا آنا لورا، نحاول استعادة توازننا بعد كل ما حدث. كانت الأيام تمر ببطء، مليئة بالراحة النسبية والمحاولات اليائسة للعودة إلى الحياة الطبيعية.
كانت ألكسندرا لا تزال تعاني من آثار الغيرة العميقة التي خلفتها تجربة نقل الذكريات. كنت ألاحظها أحيانًا تنظر إليّ في صمت طويل، كأنها تبحث عن شيء ما في عينيّ — بقايا لتلك الذكريات الحميمة التي عشتها مع سوناكشي وإيميلي. لكنها حاولت إخفاء ذلك كله خلف ابتسامتها الهادئة وتفانيها الشديد في دراساتها وتدريباتها.
في إحدى الليالي الهادئة، كنا نجلس على الشرفة البلورية المطلة على المحيط تحت ضوء الأقمار الثلاثة. كانت ألكسندرا تعزف على الكمان قطعة موسيقية كلاسيكية حزينة، ألحانها تتمايل مع نسيم البحر. جلستُ أستمع إليها في صمت، أراقب انحناءات جسدها وتركيزها العميق، وأشعر بالحب يختلط بالقلق داخلي.
فجأة، توقفت الموسيقى.
ارتفع ضوء أبيض ناعم في وسط الشرفة، يتشكل تدريجيًا وببطء إلى ثلاثة مخلوقات نورانية تشبه هيئة البشر. كانت أجسادهم شفافة جزئيًا، وخلفهم أجنحة خفيفة من الضوء النقي تتمايل بلطف. لم يكن لهم وجوه واضحة الملامح، بل ملامح ناعمة متلألئة تتغير باستمرار كأنها مصنوعة من النجوم نفسها.
وقفنا مذعورين. ألكسندرا أمسكت يدي بقوة، وشعرت بأصابعها ترتجف قليلاً.
تكلم أحدهم بصوت يتردد داخل العقل مباشرة، هادئًا وعميقًا كأنه يأتي من أعماق الكون:
«ألكسندرا آنا لورا... أحمد. نحن نحرس التوازن بين الأكوان. راقبناكما طويلًا. قدراتكما في السفر عبر الشقوق، وإنقاذكما للنساء الثلاث، وتضحياتكما... جعلتكما الوحيدين القادرين على إصلاح الخلل.»
سألت ألكسندرا بصوت ثابت رغم الدهشة الواضحة: «أي خلل؟»
«في الإمبراطورية الرومانية المقدسة، في القرن السادس عشر، هناك تمزق خطير في جدران الأكوان. إذا لم يُصلح، سيؤدي إلى تصادم كارثي يمتد إلى كل العصور. نحن لا نستطيع التدخل مباشرة... لكنكما تستطيعان.»
نظرت ألكسندرا إليّ. كان في عينيها الزرقاوين مزيج من القلق والفضول العلمي الذي لا يُقاوم.
تابع المخلوق النوراني:
«ستحصلان على عملات زمنية خاصة تسمح لكما بالتكيف والثراء. ألكسندرا... مواهبك في الموسيقى والرسم والنحت واللغات ستجعلكِ شخصية مهمة هناك. أما أنت يا أحمد... فالمال والذكاء سيكونان سلاحك.»
ثم اختفت المخلوقات تدريجيًا، يتلاشى ضوؤها ببطء حتى تلاشى تمامًا، تاركة وراءها خاتمين بلوريين صغيرين يلمعان على الطاولة بضوء خافت.
نظرت ألكسندرا آنا لورا إلى الخاتمين طويلاً، ثم رفعت عينيها إليّ بهدوء عميق:
«يبدو أن القصة لم تنتهِ بعد... هل أنت مستعد للسفر إلى زمن آخر؟»
مددت يدي وأمسكت بالخاتمين، ثم أعطيتها واحدًا. شعرت بدفء غريب ينتشر في أصابعي.
«معكِ... أنا مستعد لأي زمن.»
ابتسمت ابتسامة خافتة، لكن في عينيها كان هناك وعي بأن الرحلة القادمة ستكون أكثر تعقيدًا مما نتخيل.
الفصل الثالث والعشرون: الوصول إلى الإمبراطورية (Arrival in the Empire)
كان الانتقال سلسًا، لكنه شعور غريب لا يُنسى. دارت حولنا دوامة زرقاء ناعمة من الضوء، ثم استقر بنا المكان فجأة على أرض حجرية باردة تحت سماء رمادية خفيفة المطر.
كان العام 1557 ميلاديًا، في قلب مدينة فيينا، عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة. حولنا كانت تمتد شوارع مرصوفة بالحجارة، قصور شاهقة مزينة بنقوش معقدة، وكنائس ترفع أبراجها نحو السماء كأنها تحاول الوصول إلى ****. رائحة الخبز المحمص والخيول والدخان تملأ الهواء، وأصوات الباعة والخيول والجرس تختلط في سيمفونية غريبة.
نظرت ألكسندرا آنا لورا حولها بدهشة هادئة، ثم ابتسمت لي ابتسامة متعبة لكنها مليئة بالفضول.
«لقد وصلنا فعلًا...»
باستخدام العملات الزمنية الخاصة التي أعطتنا إياها المخلوقات النورانية، تمكنا خلال أيام قليلة من شراء منزل أرستقراطي فخم في حي راقٍ من فيينا. كان المنزل قصرًا صغيرًا نسبيًا، ذا حديقة داخلية وأروقة واسعة وجدران مزينة بأعمال فنية.
بدأت ألكسندرا آنا لورا، بموهبتها الاستثنائية، في جذب الانتباه تدريجيًا وببطء.
في البداية كانت تعزف على الكمان والقيثارة في الحفلات الصغيرة التي دعيت إليها. ثم رسمت لوحة زيتية لإحدى السيدات النبيلات، فأذهلت الجميع بدقة التفاصيل وروحانية الألوان. وبعد ذلك نحت تمثالًا رخاميًا صغيرًا للإمبراطور كارلوس الخامس، بدا كأنه يتنفس. أما لغاتها المتعددة — اللاتينية بطلاقة، والألمانية القديمة، والإيطالية، والفرنسية — فقد جعلتها تتحدث في مجالس النبلاء كأنها ولدت وترعرعت في هذا الزمن.
خلال أشهر قليلة فقط، أصبحت «السيدة ألكسندرا آنا لورا» شخصية مشهورة ومطلوبة في البلاط الإمبراطوري. كان الناس يهمسون عن «الفنانة الغامضة ذات العينين الزرقاوين اللتين تبدوان كأنهما من عالم آخر». دعيت إلى الحفلات الكبرى، وطُلب منها تقديم عروض موسيقية ولوحات للنبلاء.
أما أنا، فقد استخدمت المال الزمني بحكمة وذكاء. استثمرت في التجارة مع الشرق، وفي ورش الحرفيين، وفي شراء أراضٍ وممتلكات. أصبحت تاجرًا ثريًا ومؤثرًا، يحترمه النبلاء ويخشاه بعض التجار المنافسين.
كنا نعيش حياة فخمة هادئة نسبيًا في البداية. كنت أراقب ألكسندرا في الحفلات وهي تعزف، وتشعر بالفخر يملأ قلبي. كانت تتألق بفساتين القرن السادس عشر التي صُممت خصيصًا لها، وعيناها الزرقاوان تلمعان تحت أضواء الشموع.
لكن مع الشهرة، بدأت المخاطر تلوح في الأفق تدريجيًا.
في إحدى الحفلات الكبرى في قصر إمبراطوري، لاحظتُ نبيلًا وسيمًا يدعى الكونت فيكتور فون هاغن يراقب ألكسندرا بإصرار غريب. كان رجلاً في الثلاثينيات، أنيق المظهر، ذا شعر أشقر داكن وعينين حادتين. وُلد في سبتمبر مثلي، وكان يتمتع بكاريزما قوية تجعل الجميع يلتفون حوله.
في الوقت نفسه، ظهرت في البلاط امرأة شابة جميلة جدًا تشبه إليزابيث تايلور إلى درجة مخيفة — نفس الملامح الكلاسيكية، نفس الجمال الآسر، وحتى طريقة نظراتها. كانت تُدعى الكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر.
كانت الشهرة تمنحنا الحماية... لكنها أيضًا بدأت تجذب أنظارًا خطرة.
الفصل الرابع والعشرون: ظلال النبلاء (Shadows of Nobles)
مرت الأشهر الأولى في فيينا بسلاسة نسبية، لكن الشهرة التي حصدناها بدأت تكشف عن وجهها الآخر تدريجيًا.
في إحدى الحفلات الكبرى التي أقيمت في قصر الإمبراطور، كان الحضور يفوق الخيال. الشموع المئات تضيء الصالة الواسعة، والموسيقى الكلاسيكية تملأ الهواء، والنبلاء يرتدون أفخم الملابس المطرزة بالذهب والجواهر. كنت أقف بجانب ألكسندرا، أراقبها وهي تتحدث بلباقة مع بعض السيدات، عندما شعرت بنظرة ثقيلة عليّ.
التفتُ فوجدت رجلاً وسيمًا يراقبني من بعيد. كان في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، ذو شعر أشقر داكن مصفف بعناية، وملامح نبيلة حادة. اقترب مني بهدوء، ابتسامة كاريزما قوية على وجهه.
«السيد أحمد، أليس كذلك؟» قال بصوت عميق وواثق. «أنا الكونت فيكتور فون هاغن. سمعت الكثير عن نجاحاتك التجارية... وأكثر عن سيدتك الجميلة.»
كان رجلاً جذابًا بلا شك، أنيق الملبس، ذا حضور قوي يجذب الأنظار. لكنه عندما نظر إليّ مباشرة، لاحظت في عينيه شيئًا مظلمًا — بريقًا باردًا لا يتناسب مع ابتسامته الدافئة. ولفت انتباهي أنه ولد في سبتمبر، مثلي تمامًا.
تحدثنا قليلاً عن التجارة والسياسة، لكنه كان ينظر باستمرار نحو ألكسندرا التي كانت تعزف قطعة موسيقية على الكمان في تلك الليلة. نظراته إليها كانت مختلفة... أعمق، أكثر إصرارًا.
أما ألكسندرا، فقد لفتت انتباه الجميع تقريبًا. كانت تتألق في فستان أزرق داكن يبرز عينيها، وكل حركة منها كانت تجذب الإعجاب. لم يكن فيكتور الوحيد الذي أصبح مهووسًا بها، لكنه كان الأكثر إلحاحًا.
في الوقت نفسه، حدث أمر غريب آخر.
أثناء الحفل، اقتربت مني امرأة شابة جميلة بشكل مذهل. كانت ملامحها مطابقة تمامًا لإليزابيث تايلور — نفس الجمال الكلاسيكي الآسر، الشعر الداكن اللامع، العينان الزرقاوان الواسعتان، والابتسامة التي تخطف الأنفاس. حتى طريقة وقفتها ونظراتها كانت تشبهها إلى درجة مخيفة.
«الكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر» قدمت نفسها بصوت ناعم ومغري. «سمعت عنكما كثيرًا... يبدو أن فيينا أصبحت أكثر إشراقًا منذ وصولكما.»
شعرت ألكسندرا بشيء غريب فورًا. بعد انتهاء الحفل، أخذت عينة دم صغيرة من الكونتيسة بطريقة سرية أثناء حديث ودي، ثم فحصتها لاحقًا بجهازها المحمول المتقدم.
في منتصف الليل، في غرفة نومنا بالقصر، همست لي وهي تنظر إلى النتائج بذهول:
«يا إلهي... الحمض النووي مطابق تمامًا. هي نسخة موازية حقيقية لإليزابيث تايلور. حتى تاريخ ميلادها مطابق — 27 فبراير.»
منذ تلك الليلة، بدأت الأمور تتعقد ببطء.
أصبحت الكونتيسة إليزابيث تقترب مني بشكل ملحوظ في كل حفل. كانت تبتسم لي بطريقة خاصة، تتحدث معي عن الفن والموسيقى، وأحيانًا تلمح إلى رغبتها في لقاءات أكثر خصوصية. كانت ساحرة بطريقة لا تقاوم، وكنت أشعر بجاذبية غريبة تجاهها.
في المقابل، أصبح الكونت فيكتور أكثر إصرارًا مع ألكسندرا. كان يرسل لها هدايا فاخرة، يطلب حضورها في حفلات خاصة، ويحاول الاقتراب منها بإلحاح يقترب تدريجيًا من الضغط. كانت نظراته إليها تحمل شيئًا يشبه الهوس.
كنت أشعر بالتوتر يتصاعد يومًا بعد يوم. الشهرة التي كانت تحمينا أصبحت تجذب ظلالاً خطيرة.
في إحدى الليالي، بعد عودتنا من حفل، قالت ألكسندرا وهي تنظر من النافذة:
«هناك شيء غير طبيعي في هذا المكان... أشعر أن الشقوق الكونية ليست الخطر الوحيد هنا.»
احتضنتها من الخلف، لكنني لم أستطع نفي شعوري بأن الخطر كان يقترب... وأنه سيأتي قريبًا جدًا.
الفصل الخامس والعشرون: ليالي فيينا (Nights of Vienna)
مرت الأسابيع التالية في فيينا بوتيرة بطيئة وخادعة. كانت الحياة اليومية تبدو هادئة من الخارج، مليئة بالحفلات والموسيقى واللقاءات الأرستقراطية، لكن تحت السطح كانت التوترات تتصاعد تدريجيًا.
أصبح الكونت فيكتور فون هاغن يحضر كل حفل تعزف فيه ألكسندرا آنا لورا. كان يجلس في الصفوف الأمامية، عيناه لا تفارقانها لحظة. بعد كل عزف، كان يقترب منها، يمدحها بكلمات مبالغ فيها، ويرسل لها باقات ورد نادرة ومجوهرات فاخرة. في البداية كان الأمر يبدو مجرد إعجاب نبيل، لكنه سرعان ما تحول إلى إلحاح غير مريح.
أما أنا، فقد وجدت نفسي محاطًا بالكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر.
كانت تظهر في كل مناسبة أحضرها، تبتسم لي بتلك الابتسامة الآسرة التي تشبه إليزابيث تايلور تمامًا. كانت ذكية، مرحة، وجريئة في حديثها. في إحدى الليالي، بعد حفل موسيقي كبير، اقتربت مني في الحديقة الخارجية للقصر تحت ضوء القمر.
«أنت مختلف عن كل الرجال هنا، أحمد.» همست وهي تقف قريبًا جدًا. «هناك في عينيك شيء... من زمن آخر.»
لم أستطع مقاومة سحرها. كانت تشبه إليزابيث تايلور في كل شيء — حتى في طريقة نظراتها الجريئة وصوتها الدافئ. بدأت لقاءاتنا الخاصة تتكرر تدريجيًا. في البداية كانت مجرد حديث طويل في حدائق القصور، ثم أصبحت أكثر خصوصية.
في إحدى الليالي، دعتني إلى قصرها الصغير. كانت ترتدي رداءً حريريًا أحمر يبرز جمال جسدها. لم يدم الأمر طويلاً حتى وجدنا أنفسنا متشابكين. كانت شغوفة، جريئة، وممتعة بطريقة تجعل الإنسان ينسى الزمن. عشتُ معها ليالٍ من المتعة الجسدية والعاطفية، أغوص في جمالها وأنفاسها، وأشعر بجاذبية لا تقاوم. كانت كل ليلة معها تعيد إليّ صدى تلك الذكريات التي نقلتها من أحمد-2، لكن هذه المرة كانت حقيقية، حية، وخطرة.
في الوقت نفسه، كانت ألكسندرا آنا لورا تعاني.
الكونت فيكتور كان يزداد إصرارًا. في إحدى الحفلات، حاول أن يأخذها إلى جناح خاص، لكنها رفضت بهدوء. لاحظتُ توترها عندما تعود إلى المنزل. كانت تقول لي:
«هناك شيء خطأ في عينيه... ينظر إليّ كأنني ملك له.»
حاولتُ حمايتها، لكن الشهرة والمجتمع النبيل كان له قوانينه. لم نستطع رفض الدعوات دون إثارة شبهات.
ذروة الأحداث جاءت في ليلة ممطرة.
بعد حفل كبير في البلاط، اختفت ألكسندرا فجأة. بحثت عنها في كل مكان، وسألت الخدم، لكن أحدهم قال إن الكونت فيكتور عرض عليها مركبة خاصة لإعادتها إلى المنزل... ولم تعد.
شعرت بالدم يغلي في عروقي. كنت أعرف أنه اختطفها.
في الوقت نفسه، كانت الكونتيسة إليزابيث تنتظرني في منزلها، غير مدركة لما يحدث، أو ربما كانت تعرف وتستمتع باللعبة.
كانت الأمور قد خرجت عن السيطرة تمامًا.
الفصل السادس والعشرون: أيام الظلام (Days of Darkness)
اختفت ألكسندرا آنا لورا في تلك الليلة الممطرة، ولم يعد هناك أثر لها.
بحثت عنها طوال الليل وفي اليوم التالي بكل الوسائل المتاحة. أرسلت الخدم، سألت النبلاء، وحتى هددت بعض التجار الذين يعملون معي. لكن الكل كان يقول الشيء نفسه: «رآها الكونت فيكتور فون هاغن وهي تغادر معه في مركبته الخاصة... ثم لم يرها أحد بعد ذلك.»
كنت أعرف أنه اختطفها.
في قصر الكونت فيكتور
كانت ألكسندرا مستيقظة عندما استيقظت في الغرفة الفاخرة المغلقة. الأبواب محكمة، والنوافذ مزودة بقضبان حديدية مزخرفة. كان الكونت جالسًا على كرسي بجانب السرير، ينظر إليها بنظرة هوس هادئ.
«أنتِ الآن في بيتكِ الحقيقي، سيدتي الجميلة.» قال بصوت ناعم لكنه بارد. «لقد انتظرت طويلاً لأمتلك شيئًا بهذا الكمال.»
حاولت ألكسندرا استخدام قدراتها، لكن الخاتم الزمني الذي كان يساعدها على التحكم في الطاقة كان قد أُخِذ منها. كان الكونت قد أعد العدة جيدًا — الغرفة كانت محاطة بمواد تثبط الطاقة الكونية.
بدأت أيام الظلام.
كان فيكتور مهووسًا بها إلى درجة مرعبة. كان يعاملها كأنها تحفة فنية يملكها. في البداية حاول إقناعها باللطف والوعود والمجوهرات، لكن عندما رفضت، تحول إلى القوة.
كان يجبرها على العزف له كل مساء، ثم يأخذها رغمًا عنها. كانت المقاومة تؤدي إلى عنف أكبر، فاضطرت ألكسندرا — بعد أيام من المعاناة — إلى الاستسلام الظاهري لتحمي نفسها. كان يضاجعها كل ليلة تقريبًا، بقوة وشهوة مرضية، وهو يهمس في أذنها أنها الآن «ملك له وحده».
كانت تمر الأيام ببطء مؤلم. أحيانًا كان يأخذها إلى حديقة القصر المغلقة، ويجبرها على الرسم أو النحت له. كانت تبكي في السر، لكنها كانت تحافظ على كرامتها بصمت، تنتظر فرصة النجاة.
في الجانب الآخر
بينما كانت ألكسندرا تعاني، كنت أنا غارقًا في دوامة أخرى.
كانت الكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر تُظهر لي اهتمامًا متزايدًا. بعد اختفاء ألكسندرا، أصبحت هي الملاذ الوحيد الذي ألجأ إليه للهروب من القلق والغضب. كانت تستمع إليّ، تعزيني، وتغريني.
في ليالي فيينا الباردة، كنت أذهب إلى قصرها. كانت تنتظرني مرتدية ملابس حريرية شفافة، وتستقبلني بابتسامة إليزابيث تايلور الكلاسيكية. كانت علاقتنا تتصاعد بسرعة. كنا نمارس الجنس بشراسة وعاطفة، كأن الزمن يضغط علينا. كانت جريئة في السرير، تعرف كيف تثير الرجل، وكنت أغرق في جسدها وجمالها، محاولًا نسيان القلق على ألكسندرا.
كل ليلة كنت أخرج من عندها وأنا أشعر بالذنب الشديد، لكن القلق على ألكسندرا كان يدفعني إلى العودة مرة أخرى بحثًا عن نسيان مؤقت.
مرت أسابيع، ثم دخلنا الشهر الثاني.
كانت ألكسندرا آنا لورا لا تزال محتجزة، تعاني في صمت، تنتظر الفرصة أو الإنقاذ.
وكنت أنا أغوص أعمق في علاقة محرمة مع نسخة إليزابيث تايلور، بينما قلبي ينزف قلقًا على حبيبتي.
كان الظلام يحيط بنا من كل جانب... ولم يكن أحد يعرف متى سينتهي.
الفصل السابع والعشرون: ليالي الاستعباد (Nights of Enslavement)
مرت الأسابيع ببطء مؤلم، كأن الزمن نفسه كان يسخر منا.
في قصر الكونت فيكتور فون هاغن
كان الكونت يستمتع بكل لحظة.
كل مساء، كان خدمه يأخذون ألكسندرا آنا لورا رغمًا عنها. كانوا يجملونها بعناية فائقة: يغسلون شعرها الأسود الطويل بالعطور النادرة، يضعون عليها أفخم الفساتين التي تبرز منحنيات جسدها، يزيّنون عنقها ورسغيها بالمجوهرات، ويضعون أحمر الشفاه على شفتيها الممتلئتين. كانت تقاوم في البداية، لكنهم كانوا أقوى، وكان الكونت قد هددها بأنه إذا قاومت بشدة فسيعاقبها بطرق أكثر قسوة.
كان فيكتور ينتظرها في غرفة نومه الفاخرة، عيناه تلمعان بهوس متزايد كل ليلة. كان يعاملها كأنها تحفة فنية حية يملكها. كان يستمتع بكل مضاجعة، يأخذ وقته ببطء مرعب، يهمس لها كلمات حب مرضية بينما يدخلها بعنف مدروس. كان يقول لها:
«أنتِ الآن ملكي... جسدكِ وروحكِ وموهبتكِ. لا أحد غيري يستحقكِ.»
كان حبه لهوس متصاعد. كان يراقبها طوال النهار، يطلب منها العزف له عارية أحيانًا، يجبرها على رسم لوحات له وهو يراقبها، وكل ليلة كان يزداد تملكه لها. كان يستمتع بمقاومتها الأولى ثم استسلامها الاضطراري، وكان يصف لها كيف سيجعلها زوجته السرية، وكيف سيحتفظ بها إلى الأبد.
ألكسندرا كانت تعاني في صمت. كانت تبكي بعد كل ليلة، لكنها كانت تحافظ على قوتها الداخلية، تنتظر الفرصة، وتتمسك بذكرى أحمد وأمل النجاة.
في قصر الكونتيسة إليزابيث
في الجانب الآخر من المدينة، كنت أنا أعيش جحيمًا مختلفًا.
كل ليلة، كانت وصيفات الكونتيسة إليزابيث يجهزني لها. كن يغسلن جسدي، يدهننه بالزيوت العطرية، يلبسني أفضل الملابس الحريرية، ويحلقن لحيتي بعناية. كن يبتسمن لي بمكر وهن يعددنني «للسيدة».
كانت إليزابيث تنتظرني في غرفتها المضاءة بالشموع. كانت أكثر جرأة وشهوة مع مرور الوقت. كانت تأخذني بكل شغف، جسدها الناري يلتصق بجسدي، شفتاها تمتصاني، وهي تتحرك فوقي أو تحتي بطريقة تجعلني أفقد السيطرة. كانت العلاقة تتصاعد لتصبح أكثر كثافة وتنوعًا — أحيانًا في الحديقة تحت القمر، وأحيانًا طوال الليل دون توقف.
كنت أستمتع بها جسديًا، لكن قلبي كان ينزف. كل ليلة كنت أخرج من عندها وأنا أشعر بالذنب الشديد، أفكر في ألكسندرا وما قد تكون تعانيه. كنت أبحث نهارًا عن أي أثر لها، أرسل جواسيس، أدفع رشاوى، لكن الكونت كان حذرًا جدًا.
محاولات الإنقاذ
حاولتُ مرتين إنقاذها.
المرة الأولى: حاولت التسلل إلى قصر الكونت مع بعض الرجال المأجورين، لكن الحراسة كانت مشددة وفشلنا.
المرة الثانية: حاولت الضغط عليه سياسيًا وماليًا، لكنه كان نبيلًا قويًا ولديه connections في البلاط جعلته محميًا.
كنت أشعر باليأس يأكلني يومًا بعد يوم. كنت أزور إليزابيث ليلًا لأنسى، وأبحث عن ألكسندرا نهارًا بكل ما أملك.
في إحدى الليالي، وبينما كانت ألكسندرا محتجزة منذ أكثر من شهرين، جلستُ مع إليزابيث بعد ليلة حميمية طويلة. كانت تضع رأسها على صدري وقالت بصوت ناعم:
«أنت تبحث عنها كل يوم... أليس كذلك؟»
لم أجب. لكن في قلبي كنت أعرف أنني لا أستطيع الاستمرار هكذا.
كان الوقت قد حان لخطوة أكثر خطورة.
الفصل الثامن والعشرون: قيود الشهوة والذنب (Chains of Lust and Guilt)
مرت ثلاثة أشهر كاملة على اختطاف ألكسندرا آنا لورا، وكان الزمن يبدو كأنه يسير ببطء مؤلم.
في قصر الكونت فيكتور فون هاغن
أصبحت الطقوس يومية لا تتغير.
كل مساء، قبل غروب الشمس بساعة، كان خدم الكونت يأتون إلى غرفة ألكسندرا. كانوا أربعة رجال أقوياء، يعاملونها باحترام ظاهر لكنهم ينفذون أوامر سيدهم بدقة. كانوا يجردونها من ملابسها رغم مقاومة يدها الضعيفة، ثم يغسلون جسدها بالماء الدافئ المعطر بالورد والعنبر، يدلكون بشرتها، يصففون شعرها الطويل، ويضعون عليها فساتين شفافة أو مكشوفة الصدر تبرز جمال جسدها النحيل المشدود.
كانت ألكسندرا تبكي في صمت أثناء تحضيرهم لها، لكنها تعلمت أن المقاومة الشديدة تؤدي فقط إلى عنف أكبر.
ثم كانوا يأخذونها إلى غرفة الكونت.
كان فيكتور ينتظرها دائمًا بنفس الطريقة: جالسًا على كرسي فخم، يرتدي رداءً حريريًا، عيناه تلمعان بهوس متصاعد. كان حبه لها قد تحول إلى مرض. كان ينظر إليها ساعات طويلة قبل أن يلمسها، يصف لها كيف أصبحت «المرأة الوحيدة التي تستحق أن تكون تحت جسده».
كان يستمتع بكل مضاجعة ببطء مرعب. كان يأخذها على السرير الكبير، أحيانًا بلطف مخادع، وأحيانًا بعنف يترك آثارًا على جسدها. كان يهمس في أذنها أثناء الإيلاج العميق:
«أنتِ لي... جسدكِ هذا صنع لي... صوتكِ عندما تئنين يثيرني أكثر...»
كان يجبرها على أوضاع مختلفة، يطيل الوقت، يستمتع بكل نظرة ألم أو استسلام في عينيها. وبعد الانتهاء، كان يحتضنها بقوة ويقول لها إنه سيجعلها زوجته السرية، وسيقتل أي شخص يحاول أخذها منه — بما في ذلك «ذلك التاجر المصري».
ألكسندرا كانت تموت داخليًا كل ليلة، لكنها كانت تحافظ على بريق صغير من الأمل في عينيها، تنتظر الفرصة.
في قصر الكونتيسة إليزابيث
في الجانب الآخر، كنت أنا أغرق أكثر فأكثر.
كل ليلة، كانت وصيفات إليزابيث يجهزني بعناية. كن يغسلن جسدي، يدهننه بالزيوت المثيرة، يحلقن لحيتي، ويلبسني ملابس حريرية خفيفة تجعلني جاهزًا لسيدتهن. كن يبتسمن بمكر وهن يتحدثن عن «مدى اشتياق السيدة لك».
كانت إليزابيث تنتظرني دائمًا في غرفتها، مرتدية ملابس مثيرة تكشف عن جسدها المخملي. علاقتنا تصاعدت إلى درجة من الجنون الجنسي. كانت تأخذني بشراهة، تتحكم في الإيقاع، تطلب مني أوضاعًا مختلفة، وتئن بصوت يشبه إليزابيث تايلور في أقوى لحظاتها.
كنت أمارس معها الجنس كل ليلة تقريبًا — أحيانًا بعنف مدفوع بالغضب والقلق على ألكسندرا، وأحيانًا باستسلام كامل. كانت تمتصني، تركبني، تتركني أدخلها من الخلف بقوة، وكانت تستمتع بكل لحظة. كنت أجد في جسدها نسيانًا مؤقتًا، لكن الذنب كان يأكلني بعد كل ليلة.
في إحدى الليالي، بعد جلسة طويلة من المتعة الجسدية، قالت إليزابيث وهي مستلقية عارية بجانبي:
«أنت تحبها... لكنك تحتاجني أيضًا. هذا ليس خطأ... هذا الطبيعة.»
كنت أخطط لعملية إنقاذ حاسمة، لكنني كنت أعرف أن أي خطأ قد يكلف ألكسندرا حياتها.
كانت فيينا تبتسم لنا من الخارج، لكنها كانت تخفي جحيمًا حقيقيًا.
الفصل التاسع والعشرون: خطة الظلام (Plan of Darkness)
مرت أربعة أشهر على اختطاف ألكسندرا آنا لورا. كان الشتاء قد حلّ على فيينا، والثلج يغطي الشوارع والقصور بطبقة بيضاء باردة.
في قصر الكونت فيكتور
أصبحت الأيام والليالي روتينًا مرعبًا من الاستعباد.
كل مساء، كان خدم الكونت يجهزون ألكسندرا آنا لورا رغمًا عنها. كانوا يغسلون جسدها بالماء الساخن المعطر، يدلكون بشرتها حتى تصبح ناعمة كالحرير، يصففون شعرها، ويضعون عليها فساتين شفافة أو مكشوفة تبرز كل منحنى في جسدها. كانت تقاوم أحيانًا بضعف، لكنهم كانوا يمسكونها بقوة حتى تستسلم.
ثم كانوا يأخذونها إلى غرفة الكونت.
كان فيكتور يزداد هوسًا بها يومًا بعد يوم. كان ينظر إليها ساعات طويلة قبل أن يلمسها، كأنه يتأمل تحفة فنية. ثم كان يأخذها بشهوة متزايدة. كان يستمتع بكل مضاجعة، يطيل الوقت، يغير الأوضاع، ويهمس لها كلمات حب مرضية:
«أنتِ أجمل امرأة رأيتها في حياتي... جسدكِ مصمم لي... صوتكِ عندما تتألمين يثيرني أكثر...»
كان يضاجعها بعنف مدروس، يترك آثار أصابعه على فخذيها وخصرها، ويجبرها على النظر في عينيه أثناء الإيلاج. بعد الانتهاء، كان يحتضنها بقوة ويقبل شعرها، ويعددها بأنه سيجعلها سيدة القصر يومًا ما.
ألكسندرا كانت تموت داخليًا. كانت تبكي في السر، تنظر إلى السماء من خلال النافذة المغلقة، وتتمسك بذكرى أحمد كطوق نجاة. كانت تحاول جمع قوتها، تنتظر لحظة ضعف في الحراسة.
في الجانب الآخر من المدينة
كنت أنا أغرق أكثر في دوامة الذنب والشهوة.
كل ليلة، كانت وصيفات الكونتيسة إليزابيث يجهزني بعناية فائقة. كن يغسلن جسدي، يدهننه بالزيوت المثيرة، يحلقن لحيتي، ويلبسني أردية حريرية خفيفة. كن يبتسمن ويقلن: «السيدة تنتظرك بفارغ الصبر.»
كانت إليزابيث أكثر جرأة وشهوة مع مرور الوقت. كانت تنتظرني عارية أو بملابس شفافة، وتسحبني إلى السرير فورًا. كانت علاقتنا قد تحولت إلى إدمان جسدي. كانت تركبني بشراسة، تتحكم في الإيقاع، تطلب مني أن أدخلها بعنف، وتئن بصوت يملأ الغرفة. كنت أمارس معها الجنس لساعات، أحيانًا في السرير، وأحيانًا أمام المرآة الكبيرة حتى أرى انعكاسنا.
كنت أستمتع بها جسديًا بشدة، لكن كل مرة كنت أخرج من قصرها وأنا أشعر بالخزي. كنت أفكر في ألكسندرا، في ما قد تكون تعانيه، وكنت أبكي في الطريق إلى المنزل.
خطة الإنقاذ
في الشهر الرابع، قررت أن أتحرك.
جمعت مجموعة صغيرة من الرجال المخلصين والمأجورين المهرة. خططت لعملية تسلل ليلية إلى قصر الكونت أثناء حفل كبير سيقيمه. كان الخطة خطيرة، لكنني لم أعد أحتمل الانتظار.
في الليلة التي سبقت العملية، ذهبت إلى إليزابيث كالمعتاد. كانت أكثر شغفًا من أي ليلة سابقة. بعد أن انتهينا، مستلقية عارية على صدري، همست:
«أعرف أنك ستذهب إليها قريبًا... كن حذرًا، حبيبي. الكونت فيكتور رجل خطير.»
لم أجب. قبلتها للمرة الأخيرة تلك الليلة، وخرجت وأنا أشعر أنني على حافة الهاوية.
كان الجميع ينتظر. كنت مستعدًا للمخاطرة بكل شيء من أجل إنقاذ ألكسندرا.
لكنني لم أكن أعلم أن الكونت فيكتور كان يتوقع شيئًا كهذا... وأنه كان يعدّ لي فخًا خاصًا به.
الفصل الثلاثون: ليلة الخلاص (Night of Deliverance)
كانت الليلة التي اخترتها للعملية ممطرة وشديدة البرودة. ثلج خفيف كان يتساقط على فيينا، مما جعل الشوارع زلقة والرؤية صعبة — وهذا بالضبط ما كنت أعتمد عليه.
جمعتُ مجموعة من ثمانية رجال موثوقين: خمسة من حراسي الخاصين، وثلاثة مرتزقة مهرة دفعتهم مبالغ طائلة. ارتدينا ملابس سوداء، وتسلحنا بالسيوف والخناجر والمسدسات الصغيرة التي أحضرتها من عالم ألكسندرا.
دخلنا قصر الكونت أثناء الحفل الكبير الذي أقامه. استغللنا الضجيج والموسيقى والخمر لنتسلل من البوابة الخلفية بمساعدة خادم رشوته مسبقًا.
كان قلبي يدق بقوة وأنا أتحرك في الأروقة المظلمة. كل خطوة كانت تقربني من ألكسندرا... أو من الموت.
وصلنا إلى الجناح الشرقي حيث كانت محتجزة. قتلنا حارسين بصمت، ثم فتحنا الباب الرئيسي للغرفة.
كانت هناك.
جالسة على حافة السرير، ترتدي رداءً حريريًا أبيض شفافًا، شعرها منسدلًا، وعيناها الزرقاوان شاحبتان من الإرهاق والألم. عندما رأتني، اتسعت عيناها، ثم انفجرت في البكاء الصامت.
«أحمد...»
هرعتُ نحوها واحتضنتها بقوة. كانت جسدها يرتجف. شعرتُ بكل الشهور الماضية في ذلك العناق.
«جئتُ لآخذكِ... لن أترككِ أبدًا.»
لم يكن لدينا وقت. سمعنا أصوات أقدام تقترب.
دخل الكونت فيكتور فون هاغن الغرفة فجأة، برفقة أربعة حراس. كان وجهه مليئًا بالغضب والدهشة.
«أنت!» صاح بصوت مرتجف من الغضب. «جريء جدًا... جئتَ إلى بيتي لتسرق ما هو لي!»
نظر إلى ألكسندرا بنظرة هوس مرعبة، ثم إليّ:
«هي ملكي الآن. جسدها... صوتها... كل ليلة كانت تنتمي لي.»
اندلعت المعركة بشراسة.
كان رجالي يقاتلون الحراس، بينما واجهتُ أنا الكونت مباشرة. كان ماهرًا في السيف، لكنه كان يقاتل بدافع الغيرة والجنون. دارت بيننا معركة عنيفة داخل الغرفة. ضربات السيوف تتصادم، والأثاث يتحطم حولنا.
في لحظة حاسمة، استغللتُ خطأه وطعنته في كتفه. سقط على ركبتيه، لكنه نظر إلى ألكسندرا وقال بصوت مكسور:
«حتى لو قتلتني... ستظلين جزءًا مني... لقد ذقتُكِ... وستتذكرين ذلك إلى الأبد.»
ضربته على رأسه بمقبض السيف فأفقده الوعي.
أمسكتُ بألكسندرا وهربنا. كان رجالي قد سيطروا على الحراس المتبقين. خرجنا من القصر تحت غطاء الثلج والظلام، وتوجهنا إلى منزلنا.
عندما وصلنا، انهارت ألكسندرا في حضني. بكت طويلاً، بكاء عميقًا يحمل كل الشهور من الألم والإذلال والاغتصاب. كنت أحتضنها وأبكي معها، أقبل شعرها وأهمس لها:
«أنتِ حرة الآن... أنتِ معي... لن يمسك أحد بعد اليوم.»
في الصباح التالي، كانت ألكسندرا مستلقية في السرير، شاحبة لكنها آمنة. جلستُ بجانبها، أمسك يدها.
نظرت إليّ بعينين متعبة، لكن فيهما بريق الأمل من جديد:
«كنتُ أعرف أنك ستأتي... لكنني خفتُ أن أموت هناك.»
قبلت جبهتها، ثم شفتيها بلطف.
«لقد انتهى الكابوس... الآن سنعود إلى عالمنا.»
لكننا كنا نعرف أن الإمبراطورية الرومانية المقدسة لم تنتهِ بعد... وأن الكونتيسة إليزابيث لا تزال تنتظرني في الظلال.
الفصل الحادي والثلاثون: جراح العودة (Wounds of Return)
بعد نجاح عملية الإنقاذ بثلاثة أيام، قررنا العودة.
كانت ألكسندرا آنا لورا لا تزال ضعيفة جسديًا ومكسورة نفسيًا. كانت تتحرك ببطء، وتنام كثيرًا، وتستيقظ أحيانًا من كوابيس تجعلها تصرخ. كنت أجلس بجانبها طوال الليل، أمسك يدها، وأحاول أن أمنحها الشعور بالأمان الذي سرق منها.
في اليوم السابق لعودتنا، ذهبتُ إلى قصر الكونتيسة إليزابيث فون لانكاستر للمرة الأخيرة.
كانت تنتظرني في الصالون الكبير، مرتدية فستانًا أسود أنيقًا. عندما دخلتُ، ابتسمت ابتسامة حزينة تعرف كل شيء.
«جئتَ تودعني.» قالت بهدوء.
وقفتُ أمامها، شعرت بثقل الذنب يضغط على صدري.
«نعم. سنعود غدًا إلى... عالمنا.»
اقتربت مني، لمست وجهي بأصابعها الناعمة، بنفس الطريقة التي كانت تفعلها إليزابيث تايلور في أحلامي القديمة.
«كنتَ تعرف أن هذا سيحدث يومًا ما. لم أكن سوى ملاذ مؤقت... ملاذ لذيذ، أليس كذلك؟»
لم أستطع الكذب. «كنتِ... أكثر من ذلك. لكن قلبي ينتمي لها. وهي الآن بحاجة إليّ أكثر من أي وقت مضى.»
نظرت إليّ طويلاً، ثم قبلتني قبلة طويلة عميقة، مليئة بالشوق والوداع. عندما ابتعدت، كانت عيناها لامعتين.
«اذهب إليها. وإذا احتجتَ يومًا... فأنا هنا، في هذا الزمن.»
خرجتُ من قصرها وأنا أشعر أن جزءًا مني بقي هناك.
العودة
في الليلة التالية، فعّلنا الخاتمين البلوريين في منزلنا الفخم. دارت حولنا الدوامة الزرقاء، وعاد بنا الزمن إلى عالم ألكسندرا آنا لورا، تحت سماء الأقمار الثلاثة.
عندما وطأت أقدامنا الأرض البلورية في البرج، انهارت ألكسندرا في حضني. بكت بشدة، لأول مرة منذ الإنقاذ. كانت تبكي كل ما عانته — الاغتصاب المتكرر، الإذلال، الخوف، الوحدة.
«كان يأخذني كل ليلة...» همست بصوت مكسور. «كان يستمتع... وكان يقول إنني ملكه.»
احتضنتها بقوة، وأنا أبكي معها.
«أنا هنا... أنا هنا يا حبيبتي. لن يمسك أحد بعد الآن.»
تداعيات الإنقاذ
مرت الأيام التالية صعبة جدًا على علاقتنا.
كانت ألكسندرا تعاني من كوابيس ليلية متكررة. كانت تستيقظ مذعورة، تدفعني بعيدًا أحيانًا عندما أحاول احتضانها. كانت غيرتها من إليزابيث قد تحولت إلى جرح عميق. في إحدى الليالي، وبعد كابوس شديد، نظرت إليّ بعينين دامعتين وقالت:
«أعرف أنك كنت معها... كل تلك الليالي. كنت أشم رائحتها عليكِ عندما كنتَ تأتي لتزورني في أحلامي. كنتَ تغرق في جسدها بينما كان هو يغتصبني.»
لم أنكر. جلستُ أمامها على ركبتيّ.
«كنتُ أبحث عن نسيان... كنتُ أموت من القلق عليكِ. كانت خطأ... لكنني لم أتوقف لأنني كنت ضعيفًا.»
بكت ألكسندرا طويلاً. ثم مدّت يدها ولمست وجهي.
«أنا أحبك... لكنني أحتاج وقتًا. جسدي... لا يزال يتذكر يديه. روحي... لا تزال مجروحة.»
كنت أحترم مسافةها. كنت أنام في غرفة أخرى أحيانًا، وأقدم لها الدعم دون ضغط. كانت تعالج نفسها بمساعدة تقنيات عالمها المتقدمة، وكنت أرافقها في كل جلسة.
ببطء، بدأت تتحسن. بدأت تعود إلى عزف الكمان، ترسم، وتنحت. وبدأت تعود إليّ تدريجيًا — عناق طويل، قبلة خفيفة، ثم ليلة كاملة نمضيها متشابكين دون أن نمارس الجنس، فقط نعيد بناء الثقة.
في إحدى الليالي، بعد أن عادت إلى البرج البلوري، نظرت إليّ وقالت بهدوء:
«الجرح لا يزال موجودًا... لكنه يلتئم. وأنا لا أريد أن أخسرك.»
احتضنتها بقوة، وقبلت جبهتها.
«لن أذهب إلى أي مكان. أنتِ ملكتي... في كل زمن، وفي كل كون.»
خارج البرج، كانت الأقمار الثلاثة تشهد على بداية فصل جديد — فصل الشفاء والمصالحة... رغم أن الشقوق الكونية لا تزال تنتظر في الأفق.
الفصل الثاني والثلاثون: ثمن الشفاء (The Price of Healing)
مرت أسابيع أخرى على عودتنا إلى عالم ألكسندرا آنا لورا. كانت أيام الشفاء بطيئة ومؤلمة، لكنها كانت تحمل بصيص أمل. كنت أرافق ألكسندرا في كل خطوة، أدعمها نفسيًا وجسديًا، وأحاول أن أعيد لها الشعور بالأمان الذي سرق منها في فيينا.
في إحدى الليالي الهادئة، كنا نجلس معًا على الشرفة البلورية نفسها التي ظهرت فيها المخلوقات النورانية لأول مرة. كانت ألكسندرا مستلقية على صدري، شعرها الطويل منسدلًا، وعيناها الزرقاوان تنظران إلى الأقمار الثلاثة بصمت عميق.
فجأة، ارتفع الضوء الأبيض الناعم نفسه في وسط الشرفة.
ظهرت المخلوقات النورانية الثلاثة مرة أخرى، لكن هذه المرة كان ضوؤها أكثر هدوءًا ونقاءً. تكلم الوسط منهم بصوت يتردد داخل عقولنا بهدوء:
«ألكسندرا آنا لورا... أحمد. لقد راقبناها طويلًا.»
رفعت ألكسندرا رأسها ببطء. كنت أشعر بجسدها يتوتر في حضني.
«معاناتكِ في الإمبراطورية الرومانية المقدسة... لم تكن عبثًا. التمزق الذي كان يهدد بتصادم الأكوان في القرن السادس عشر قد أُغلق تمامًا. تضحيتكِ، ألمكِ، وقوتكِ في مواجهة ذلك الهوس... كانت الطاقة اللازمة لإصلاح الشق. لقد أنقذتِ عوالم كثيرة بما تحملتِ.»
ساد صمت ثقيل. شعرت ألكسندرا بارتجافة خفيفة في جسدها. نظرت إليّ بعينين مليئتين بالدموع، ثم نظرت إلى المخلوقات.
«هل تقصدون... أن كل ما عانيته... كان ضروريًا؟»
«نعم. لم نكن نستطيع إخباركما مسبقًا. التوازن يتطلب تضحية حقيقية. ألمكِ كان مفتاح الإغلاق. والآن... الجدران بين الأكوان في ذلك الزمن أصبحت مستقرة مرة أخرى.»
شعرت بغضب هائل يغلي داخلي. «دفعتماها ثمنًا باهظًا... ******، إذلال، شهور من الجحيم... وأنتم كنتم تعرفون؟»
«لم نكن نعرف بالضبط كيف ستسير الأمور. لكننا كنا نعرف أنها ستكون مؤلمة. ومع ذلك... اخترتم أن تذهبا. ونجحتم.»
اختفت المخلوقات النورانية تدريجيًا، تاركة وراءها صمتًا ثقيلاً.
بكت ألكسندرا بهدوء على صدري. كانت دموعها ساخنة. احتضنتها بقوة، وأنا أشعر بالغضب والحزن والارتياح في الوقت نفسه.
«كل ما عانيتِه... أنقذ عوالم.» همستُ لها.
رفعت رأسها، وعيناها الزرقاوان مليئتان بالألم والقوة معًا.
«لا أريد أن أكون بطلة... أريد فقط أن أعيش معك بسلام.»
قبلت جبهتها، ثم عينيها، ثم شفتيها بلطف شديد.
«سنعيش. الآن... بعد كل هذا... سنعيش.»
في تلك الليلة، نامت ألكسندرا في حضني لأول مرة منذ أشهر دون كوابيس. كان الشفاء قد بدأ يأخذ خطواته الحقيقية.
لكن في أعماق قلبي، كنت أعرف أن الجرح الذي خلفته فيينا سيبقى جزءًا من قصتنا إلى الأبد... ثمنًا دفعته ملكتي لإنقاذ الأكوان.
الفصل الثالث والثلاثون: التمثال الأبيض (The White Statue)
مرت الأشهر بعد عودتنا، وكان حبنا يتعمق أكثر فأكثر، كأن كل ما عانيناه كان وقودًا لهذا اللهب.
كنا نعيش في البرج البلوري، بعيدًا عن ضجيج العالم. كنت أستيقظ كل صباح وأجدها في حضني، أو أستيقظ لأجدها مستلقية على صدري. كنت أقبلها ببطء، وتقبلني هي بكل ما تبقى فيها من دفء. كنت أهمس لها «أنتِ حياتي»، فتهمس هي «وأنتَ كل عالمي».
كنا نجلس ساعات طويلة، أنظر في عينيها الزرقاوين، وتنظر هي في عينيّ، كأننا نحاول أن نعيد كتابة كل الذكريات المؤلمة بنظرة واحدة. أحيانًا كانت تجلس على حجري، تضع رأسها على كتفي، وأحيانًا كنت أجلس على حجرها وهي تحتضنني كطفل، تمرر أصابعها في شعري بهدوء.
كان الحب بيننا أعمق وأكثر هدوءًا مما سبق. لم نعد نتحدث كثيرًا عن فيينا، لكن الجرح كان حاضرًا دائمًا في الصمت بيننا. كنا نداوي بعضنا باللمس والقبلات والأحضان الطويلة.
ذات ليلة، استيقظتُ فجأة في الظلام.
مددت يدي إلى جانبي، فلم أجد سوى برد غريب.
فتحت عينيّ ببطء.
كانت ألكسندرا آنا لورا جالسة بجانبي على السرير... لكنها لم تكن هي.
كانت تمثالًا كاملاً من المرمر الأبيض النقي.
جسدها النحيل المشدود، عيناها الزرقاوان اللتين تحولتا إلى حجر شفاف، شعرها الطويل المنسدل، حتى تعبير وجهها الهادئ المؤلم... كل شيء منحوت بإتقان يفوق الوصف. كانت تبدو حية، كأنها ستتنفس في أي لحظة، لكنها كانت باردة... باردة جدًا.
ابتسمت في البداية، ظننت أنها نحتته سرًا ووضعته كمقلب لطيف لي. همست بصوت مرح:
«يا مجنونة... متى صنعتِ هذا؟»
لكنها لم ترد.
مددت يدي ولمست خدها. كان المرمر باردًا كالثلج.
نهضت فجأة، قلبي يدق بجنون. بدأت أبحث عنها في كل مكان في البرج. صاحبت باسمها في الممرات، فتحت كل غرفة، نظرت في الشرفة، في المختبر، في الحديقة البلورية...
لم تكن هناك.
لم يكن هناك أي أثر لها. حتى ملابسها كانت في مكانها، وكأنها تحولت فجأة إلى التمثال دون أن تترك أي شيء آخر.
عدتُ إلى الغرفة منهارًا. وقفتُ أمام التمثال طويلاً، ثم انهار جسدي. جلست على الأرض أمامه، وضممته بقوة إلى صدري. كان المرمر باردًا، قاسيًا، لكنه كان يحمل ملامحها تمامًا.
بدأت أبكي بحرقة لم أبكها من قبل. دموعي كانت تسقط على التمثال الأبيض، فتترك آثارًا داكنة صغيرة على المرمر.
«ألكسندرا... أرجوكِ... لا تفعلي هذا بي.»
قبلت جبهتها الباردة، ثم عينيها، ثم شفتيها، ثم عنقها، ثم كتفيها. كنت أغمر التمثال بالقبلات اليائسة، وأنا أبكي كطفل.
«أحبكِ... أحبكِ... لا تتركيني...»
احتضنت التمثال بكل قوتي، ووضعت رأسي على صدره الحجري البارد، واستمررت في البكاء حتى طلع الفجر.
كانت ألكسندرا آنا لورا قد تركت لي آخر هدية... تمثالًا من المرمر الأبيض، يحمل كل جمالها، وكل ألمها، وكل حبها.
الفصل الرابع والثلاثون: بيجماليون الحزين (Pygmalion of Sorrow)
مرت شهور كثيرة بلا عدد.
الزمن في عالم ألكسندرا آنا لورا فقد معناه. الأيام كانت تذوب في بعضها، والأقمار الثلاثة كانت ترتفع وتغيب دون أن أشعر بمرورها. كنت أعيش في حالة من الذهول المستمر، محاصرًا بين الواقع واليأس.
كل يوم، منذ الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، كنت أجلس أمام التمثال.
كان تمثال ألكسندرا آنا لورا قائمًا في وسط الغرفة البلورية الكبيرة، منحوتًا بإتقان يفوق كل ما رأيته في حياتي. المرمر الأبيض النقي كان يعكس ضوء الأقمار، فيبدو وكأنه يتنفس في بعض اللحظات. كل تفصيلة فيها محفوظة: ملامح وجهها الهادئة، عيناها الزرقاوان المفتوحتان قليلاً، منحنيات جسدها النحيل، حتى خصلات شعرها الطويل المنسدل.
كنت أتعبدها.
كنت أقترب منها يوميًا، ألمس ذراعها الباردة بأصابع مرتجفة، وأتمنى أن يتحول المرمر إلى بشر حي دافئ. كنت أهمس لها:
«استيقظي يا حبيبتي... أرجوكِ...»
كنت أغمر التمثال بدموعي. أبكي بحرقة، وأمسح دموعي على شعرها الحجري، على وجهها، على عنقها، على صدرها، على بطنها، حتى قدميها. كنت أقبل كل شبر في جسدها المرمري — أقبل ساقيها الطويلتين، فخذيها، مؤخرتها، ظهرها، بطنها، صدرها، عنقها، شفتيها، جفنيها، جبهتها... أقبلها مرارًا وتكرارًا، وأنا أتمنى في كل قبلة أن تعود الحياة إليها.
كنت أحلم مثل بيجماليون القديم. أتخيل أن لمسة واحدة، قبلة واحدة، ضمة واحدة، همسة واحدة، قد تُعيد إليها الروح. كنت أجلس على حجرها أحيانًا وأحتضنها، أو أضع رأسي على صدرها الحجري البارد وأبكي حتى أغفو.
كان والدها ريتشارد، ووالدتها كريستينا، وأخوها ماثيو، وأختها كاثارين، يشاركونني الحزن. كانوا يأتون يوميًا، يقفون حائرين أمام التمثال، لا يعرفون ماذا يفعلون. حاولوا كل شيء — تقنيات علمية متقدمة، طاقة كونية، حتى طقوس قديمة من عوالم أخرى — لكن لا شيء أثر.
كريستينا كانت تبكي بهدوء كلما رأت التمثال، وتقول:
«ابنتي... **** قلبي...»
أما أنا، فكنت أعيش في عالمي الخاص. كنت أتحدث مع التمثال لساعات، أروي له كل ما حدث، أعتذر له عن كل لحظة ضعف، أعد له بأنني سأنتظره إلى الأبد.
في إحدى الليالي الباردة، وبعد أن أغرقت التمثال بدموعي من رأسه حتى قدميه، همست بصوت مكسور:
«إذا كنتِ هناكِ في مكان ما... ارجعي إليّ. حتى لو كنتِ تمثالاً... أنا أحبكِ... وسأظل أحبكِ.»
ثم قبلت شفتيها الباردتين مرة أخرى، وأنا أتمنى أن تتحرك.
لكنها لم تتحرك.
بقيت باردة، صامتة، جميلة... وميتة.
الفصل الخامس والثلاثون: نداء اليأس (Call of Despair)
مرت سنة كاملة.
سنة من البكاء اليومي، من الهمس للتمثال، من القبلات على المرمر البارد، من النوم بجانبه وأنا أحتضنه كأنه الجسد الحي. كنت قد فقدت الأمل تقريبًا، لكنني لم أتوقف عن النداء.
كل ليلة، كنت أجلس أمام تمثال ألكسندرا آنا لورا، أغمض عينيّ، وأرسل نداءات تخاطرية يائسة إلى المخلوقات النورانية. كنت أتوسل إليهم بكل ما تبقى فيّ من قوة:
«أرجوكم... أعيدوها إليّ. خذوا كل شيء مني... لكن أعيدوها.»
كررت النداء آلاف المرات، حتى أصبح صوتي الداخلي أجشًا من التعب واليأس.
في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، حيث كانت الأقمار الثلاثة تكاد تختفي خلف السحب الداكنة، حدث ما لم أكن أتوقعه.
ارتفع الضوء الأبيض الناعم فجأة في وسط الغرفة. كان أضعف مما سبق، لكنه كان موجودًا.
ظهرت المخلوقات النورانية الثلاثة، لكنها بدت متعبة، كأنها استنزفت طاقة كبيرة للوصول إليّ.
تكلم الوسط منهم بصوت هادئ يحمل تعاطفًا:
«سمعنا نداءاتك... كلها. لم نستطع الرد إلا الآن. التوازن كان هشًا جدًا.»
نهضتُ على ركبتيّ أمامهم، دموعي تسيل بغزارة.
«أرجوكم... أعيدوها. افعلوا أي شيء. خذوا حياتي، خذوا ذاكرتي، خذوا جسدي... لكن أعيدوها إليّ.»
نظرت المخلوقات إلى التمثال طويلاً. ثم قالوا:
«سنحاول. لكن الطاقة المطلوبة هائلة... وقد تكون لها آثار جانبية غير متوقعة.»
وقفوا حول التمثال في مثلث، ورفعوا أيديهم النورانية. بدأ ضوء أبيض نقي ينبعث منهم ويغمر التمثال المرمري.
كنت أراقب بقلب يدق بجنون. الضوء ازداد شدة تدريجيًا، حتى أصبح التمثال يلمع كأنه مصنوع من القمر نفسه. شعرت بطاقة هائلة تملأ الغرفة.
ثم... بدأت أشعر بشيء غريب.
كان جسدي يرتجف. في البداية ظننته تأثرًا عاطفيًا، لكن الأمر كان مختلفًا. كنت أتقلص.
«ماذا... يحدث؟» همست بصوت مرتجف.
لم يردوا. كانوا مركزين تمامًا على التمثال.
استمر الضوء في التدفق. بدأ التمثال يرتجف قليلاً، وكأن المرمر يلين. شعرت بأمل هائل ينبض في صدري.
لكنني في الوقت نفسه كنت أصغر... أصغر... أصغر.
في غضون دقائق، أصبحت بحجم إنسان صغير جدًا، ثم بحجم ***، ثم بحجم يد، ثم... بحجم خلية دم.
كنت أقف الآن على أرضية الغرفة، صغيرًا جدًا، أنظر إلى التمثال الذي أصبح عملاقًا أمامي. كان الضوء لا يزال يغمر التمثال بقوة.
سمعت صوت المخلوقات النورانية داخل عقلي، ضعيفًا هذه المرة:
«لقد نجحنا... هي تعود. لكن طاقة الإحياء كانت أقوى مما توقعنا... وأنت دفعت الثمن.»
ثم اختفت المخلوقات.
وقفتُ وحيدًا، صغيرًا جدًا، أنظر إلى جسد ألكسندرا آنا لورا الذي بدأ يتحرك ببطء شديد. أصابعها الحجرية بدأت تلين، وخدها اكتسب لونًا ورديًا خفيفًا.
كنت أبكي من الفرح والرعب في الوقت نفسه، صوتي الصغير لا يكاد يُسمع:
«ألكسندرا... أنا هنا... أنا هنا يا حبيبتي...»
الفصل السادس والثلاثون: داخل الوريد (Inside the Vein)
استيقظت ألكسندرا آنا لورا ببطء شديد، كأنها تعود من موت طويل.
فتحت عينيها الزرقاوين بصعوبة، ونظرت حولها في الغرفة البلورية. كان جسدها لا يزال يرتجف قليلاً، وكأن المرمر لا يزال يتمسك ببعض خلاياه. حاولت النهوض، فسقطت مرة أخرى على السرير.
«أحمد...» همست بصوت جاف ومكسور.
لم يرد أحد.
نظرت حولها مرة أخرى، لكنها لم ترَ شيئًا. لم تسمع صوته. كان التمثال الذي كانت عليه قد اختفى، ولم يبقَ سوى فراغ بارد.
كنتُ أقف على الأرضية أمامها، صغيرًا جدًا، بحجم خلية دم تقريبًا. كنت أصرخ بكل قوتي:
«ألكسندرا! أنا هنا! انظري إليّ! أنا تحت قدميكِ!»
لكن صوتي لم يكن يصل إليها. كان صوتًا صغيرًا جدًا لا يكاد يُسمع حتى لنفسي.
فجأة، ظهرت المخلوقات النورانية مرة أخرى. نظرت إليّ واحدة منها برفق، ثم رفعت يدها. شعرت بطاقة دافئة تحيط بي، وفجأة أصبح صوتي يصل إلى عقل ألكسندرا مباشرة عبر تقنية تخاطرية متقدمة.
«ألكسندرا... حبيبتي... أنا هنا. أنا أحمد. أنا صغير جدًا الآن... لكنني هنا.»
اتسعت عيناها. جلست ببطء، وبحثت حولها بيأس. لم تراني، لكنها سمعت صوتي داخل رأسها. ردت بصوت خافت جدًا، همسة رقيقة حتى لا ترعبه:
«أحمد... يا حبيبي... أين أنت؟ لا أراك... صوتك يأتي من كل مكان ولا مكان.»
حاولت المخلوقات النورانية مساعدتها. رفعوا جسدي الصغير بلطف باستخدام حقل طاقي، ووضعوه على منصة مجهر ضخم متقدم.
ألكسندرا انحنت فوق المجهر، عيناها الدامعتان مليئتان بالرعب والحزن. عندما رأتني تحت العدسة — صغيرًا جدًا، ألوح بيديّ بيأس — انهارت تمامًا.
بدأت تبكي بحرقة، دموعها تسقط على المنصة مثل أمطار عملاقة بالنسبة لي.
«لا... لا... ماذا فعلوا بك؟» همست بصوت مرتجف. «أحمد... حبيبي... أنا آسفة... آسفة جدًا...»
كنت أبكي أنا الآخر، وأصرخ داخل المجهر:
«لا تبكي! أنا بخير! أنا حي! أنا فقط... صغير.»
نظرت المخلوقات النورانية إلينا طويلاً، ثم تكلم أحدها:
«هناك طريقة قديمة... طريقة استخدمت في عوالم أخرى منذ زمن بعيد. يمكننا حقن أحمد داخل جسدكِ، داخل الدورة الدموية. سنزوده بجهاز اتصال دقيق جدًا يسمح له بالتواصل معكِ من داخل أوردتكِ. ربما... ربما يساعد ذلك في إعادته إلى حجمه الطبيعي. الطاقة الحيوية في جسدكِ قد تكون المفتاح.»
نظرت ألكسندرا إليّ تحت المجهر، ثم إلى المخلوقات، وهي لا تزال تبكي.
«افعلوا ذلك... أرجوكم. أريد أن أشعر به داخلي... حتى لو كان صغيرًا.»
قبل أن يبدأوا العملية، نظرتُ إليها من تحت العدسة وهمست بصوت مكسور لكنه مليء بالحب:
«سأعود إليكِ... مهما كان الثمن.»
الفصل السابع والثلاثون: داخلها (Inside Her)
كانت الغرفة البلورية غارقة في ضوء أبيض هادئ ومخيف في الوقت نفسه.
وقفت ألكسندرا آنا لورا شاحبة، جسدها لا يزال ضعيفًا بعد عودته من حالة المرمر. كانت عيناها منتفختين من البكاء، لكنها كانت مصممة. جلست على الكرسي الطبي المتقدم، ومدّت ذراعها النحيل.
نظرت المخلوقات النورانية إليها، ثم إليّ — الصغير جدًا على منصة المجهر.
«سنزود أحمد بجهاز اتصال دقيق جدًا. سيكون قادرًا على التواصل معكِ من داخل دمك. الطاقة الحيوية في جسدكِ قد تكون الكفيلة بإعادته إلى حجمه الطبيعي... لكننا لا نضمن النتيجة.»
نظرت ألكسندرا إليّ تحت المجهر، وهمست بصوت مرتجف:
«أحمد... هل أنت خائف؟»
رددتُ بصوتي الصغير الذي نقلته المخلوقات إلى عقلها:
«أنا خائف... لكنني أريد أن أعود إليكِ. حتى لو كنت داخلكِ.»
ابتسمت ابتسامة حزينة باكية، ثم أومأت برأسها للمخلوقات.
وضعوا جهازًا متناهي الصغر داخلي — عبارة عن كرة بلورية دقيقة تلامس قلبي. شعرت بدفء غريب ينتشر في جسدي الصغير.
ثم... بدأت عملية الحقن.
ألكسندرا أغمضت عينيها عندما أدخلوا الإبرة الدقيقة في وريدها. شعرتُ بقوة جذب هائلة، ثم انطلقتُ داخل تيار دمها الدافئ.
كان الأمر مذهلاً ومرعبًا.
كنت أطفو داخل نهر أحمر دافئ، يجري بسرعة هائلة. كنت أرى خلايا الدم الحمراء تمر بجانبي ككواكب عملاقة. سمعت صوت قلبها يدق حولي كطبول كونية عميقة.
«أحمد... هل تسمعني؟» جاء صوتها داخل رأسي، خافتًا ورقيقًا جدًا.
«أسمعكِ... أنا داخلكِ الآن. أشعر بدفئكِ... أشعر بقلبكِ.»
بكت ألكسندرا بهدوء وهي تضع يدها على صدرها.
«أشعر بك... خفيفًا جدًا... لكنني أشعر بك.»
كنت أتحرك مع تيار الدم، أمر بجانب رئتيها، أقترب من قلبها. كان كل نبضة من قلبها تهزني كزلزال صغير. كنت أتحدث معها طوال الوقت:
«أنا هنا يا حبيبتي... أنا داخلكِ... أنا جزء منكِ الآن.»
«لا تتركني...» ردت بصوت مكسور. «ابقَ معي... حتى لو كنت صغيرًا.»
شعرت المخلوقات النورانية بالطاقة تتدفق بيننا. قال أحدهم:
«الطاقة الحيوية في جسدها تتفاعل معك. استمر في التواصل... قد يساعد ذلك.»
ساعات طويلة مرت وأنا أسبح داخل دمها. كنت أتحدث معها باستمرار، أروي لها ذكرياتنا، أغني لها بصوتي الصغير، أقول لها كم أحبها.
كانت ألكسندرا مستلقية على السرير، تضع يدها على صدرها، وتبتسم وسط دموعها وهي تسمع صوتي داخلها.
«أشعر أن قلبي لم يعد فارغًا... أنت الآن بداخله حرفيًا.»
في تلك اللحظة، شعرت بطاقة دافئة تنتشر في جسدي الصغير. بدأت خلايا دمها تتفاعل مع الجهاز الذي زرعوه داخلي.
كان هناك أمل... ضعيف، لكنه موجود.
«لا تتركيني أبدًا يا ألكسندرا.»
«لن أتركك... أنت الآن جزء من دمي.»
الفصل الثامن والثلاثون: نبض داخل النبض (Pulse Within a Pulse)
مرت أيام غريبة داخل جسد ألكسندرا آنا لورا.
كنت أعيش في عالم أحمر دافئ، يتدفق باستمرار. كنت أتحرك مع تيار الدم، أمر بجانب جدران الأوردة الناعمة، أقترب أحيانًا من قلبها فيسحقني نبضه بقوة حنونة، ثم أبتعد مع التيار مرة أخرى. كان كل شيء هناك حيًا ودافئًا ومليئًا بها.
كنت أتحدث معها طوال الوقت.
«الآن أنا قرب قلبكِ... أسمعه يدق بقوة. هل تشعرين بي؟»
كانت تجيب بصوت خافت في غرفتها، وهي تضع يدها على صدرها:
«نعم... أشعر بشيء خفيف يتحرك داخلي. كأن قلبي لم يعد ينبض لوحده.»
كانت تمضي ساعات طويلة وهي تتحدث معي. تروي لي عن طفولتها، عن أحلامها، عن خوفها من أن أبقى هكذا إلى الأبد. كنت أستمع إليها، وأرد عليها، وأحاول أن أضحكها حتى في أعماق دمها.
في إحدى الليالي، شعرتُ بأصابعها تضغط بلطف على صدرها، كأنها تحاول أن تلمسني.
«هل أنت هنا الآن؟» همست.
«نعم... أنا قريب جدًا من قلبكِ.»
ابتسمت ابتسامة حزينة، وقبلت أصابعها ثم وضعتها على صدرها مرة أخرى، كأنها تقبلني.
«أحبك... حتى لو كنت داخل دمي.»
مع مرور الأيام، بدأت ألاحظ تغيرات.
كانت خلايا دمها تتفاعل مع الجهاز الصغير الذي زرعته المخلوقات النورانية داخلي. شعرت بطاقة دافئة تنمو تدريجيًا في جسدي. كنت أكبر ببطء شديد — من حجم خلية دم إلى حجم رأس دبوس، ثم أكبر قليلاً. لكن التقدم كان بطيئًا جدًا.
كانت ألكسندرا تتحدث معي كل يوم، وأحيانًا تروي لي قصصًا قديمة، أو تعزف على الكمان وتضع الآلة قرب صدرها حتى أسمع الموسيقى ترتعش في دمها.
ذات مرة، وبينما كنت أقترب من منطقة قريبة من بطنها، همست لها:
«أنا الآن قرب بطنكِ... أشعر بدفئه.»
ضحكت ضحكة خفيفة ممزوجة بالبكاء، ووضعت يدها على بطنها بلطف.
«كأنك *** صغير داخلي... طفلي أنا.»
لكن لم يكن كل شيء سهلاً.
كانت هناك لحظات صعبة، خاصة عندما كانت تتحرك بسرعة أو تمارس تمارين خفيفة. كنت أُرمى مع التيار بقوة، أصطدم بجدران الأوردة، وأشعر بالدوار. كنت أخبرها في كل مرة، فتعتذر لي وتجلس بهدوء حتى أستقر.
في إحدى الليالي، وبعد أن شعرت بتعب شديد، همست لها:
«أنا متعب... لكنني سعيد. أنا معكِ... داخلكِ.»
ردت بصوت ناعم مليء بالحنان:
«ابقَ قويًا يا حبيبي. أريد أن أحتضنك مرة أخرى بين ذراعيّ... وليس فقط داخل دمي.»
كنت أشعر أن الطاقة داخلي تكبر تدريجيًا. ربما بعد أسابيع أو أشهر، سأعود إلى حجمي الطبيعي.
لكن في تلك اللحظة، كنت سعيدًا بطريقة غريبة.
كنت داخل المرأة التي أحبها... حرفيًا.
الفصل التاسع والثلاثون: رحلة داخل الروح (Journey Inside the Soul)
مرت أسابيع أخرى وأنا أسبح داخل دم ألكسندرا آنا لورا.
كنت قد تعودت على هذا العالم الأحمر الدافئ، لكن الفضول دفعني للاستكشاف. بمساعدة الجهاز الذي زرعته المخلوقات النورانية، كنت أستطيع التحكم في حركتي إلى حد ما. فبدأت رحلة طويلة عبر جسدها.
انتقلت أولاً إلى شعيرات أصابع يديها. كنت أرى كيف تتدفق الدماء بسرعة خفيفة عندما تحرك أصابعها على الكمان أو تمسك بالقلم للرسم. كنت أشعر بدفء يديها من الداخل، وأهمس لها:
«أنا الآن في أصابعكِ اليمنى... أشعر كيف ترتجفين قليلاً عندما تعزفين. أنتِ رائعة حتى في أدق تفاصيلكِ.»
ثم انتقلت إلى قدميها. شعرت بالطاقة القوية في عضلاتها، خاصة عندما تمشي على الشاطئ أو تسبح. كنت أرى كيف يتدفق الدم بقوة وحيوية في أوردة قدميها.
«قدمكِ... قوية وناعمة في الوقت نفسه. أحبكِ من هنا أيضًا.»
استمررت في رحلتي. مررت بكبدها، حيث شعرت بقوة حياتية هائلة تنبعث منه. ثم كليتيها، اللتين كانتا تعملان بكفاءة مذهلة. ثم طحالها، ولسانها عندما تتحدث أو تغني لنفسها بهدوء. ورحمها الذي ينتظر استضافة أبنائنا
كنت أنبهر بجمالها من الداخل كما أنبهر به من الخارج.
«يا إلهي... أنتِ جميلة حتى في أعضائكِ الداخلية. كل شيء فيكِ منظم، حي، نقي... أحبكِ من الداخل يا ألكسندرا. أحبكِ من الداخل والخارج.»
عندما وصلت إلى عينيها، كان الأمر ساحرًا. رأيت العالم من منظورها — رؤية زرقاء نقية، مليئة بالعواطف. وعندما وصلت إلى أذنيها، سمعت صوت نبض قلبها يتردد بقوة أكبر. أما مخها... فكان عالمًا من البرق والألوان والذكريات. شعرت بأفكارها عني، بحبها، بقلقها، بأملها.
«مخكِ... هو أجمل مكان زرته في حياتي. أرى كل ذكرياتنا هنا... أرى حبكِ لي.»
كانت طاقة دمها ودفئه يغذياني. لم أكن بحاجة إلى طعام أو شراب. الجهاز الذي زرعته المخلوقات كان يحول الطاقة الحيوية في دمها إلى غذاء كامل لي. كنت أشبع وأروى منها فقط.
في أحد الأيام، ظهرت المخلوقات النورانية مرة أخرى.
راقبوا الوضع طويلاً، ثم قال أحدهم:
«لقد استجاب جسدكِ للعلاج بشكل أفضل مما توقعنا. أنت تنمو بسرعة الآن. إذا بقيت داخلها أكثر، قد تتضخم وتسبب خطرًا عليها.»
نظرت ألكسندرا بقلق، ووضعت يدها على صدرها.
«ماذا سنفعل؟»
«سننتشله الآن. لكن العملية ستكون حساسة.»
شعرت بطاقة قوية تسحبني تدريجيًا من التيار الدموي. كنت أصعد ببطء عبر أوردتها، أمر بجانب قلبها مرة أخيرة، ثم...
خرجتُ من جسدها عبر إبرة دقيقة جدًا.
كنت الآن أكبر قليلاً — بحجم حبة أرز تقريبًا — لكنني لا زلت صغيرًا جدًا. وضعتني المخلوقات على راحة يد ألكسندرا.
نظرت إليّ بعينين دامعتين، ثم ابتسمت ابتسامة مليئة بالحب والدموع.
«أحمد... أنت هنا... حقًا هنا.»
مددت يديّ الصغيرتين ولمست إصبعها، وهمست:
«نعم... وأنا لن أترككِ أبدًا.»
الفصل الأربعون: عودة الجسد (The Return of the Body)
كنت أقف على راحة يدها، صغيرًا جدًا، أنظر إلى وجهها العملاق أمامي. كانت عيناها الزرقاوان تفيضان بالدموع، لكنها كانت تبتسم — ابتسامة مرتجفة، مليئة بالحب والألم والأمل معًا.
«أحمد...» همست بصوت خافت جدًا حتى لا تؤذيني. «أنت هنا... أراك الآن.»
مددت يديّ الصغيرتين ولمست إصبعها بلطف. كانت بشرتها دافئة، حية، وكأنها عالم بحد ذاته.
«أنا هنا يا حبيبتي. عدتُ إليكِ... ولو كنت صغيرًا.»
جلست ألكسندرا على السرير البلوري، ووضعت يدها على وسادتها بلطف حتى أستقر عليها. كانت تنظر إليّ بإعجاب وحنان لا يُوصف، وكأنني أعجوبة صغيرة خرجت من أحلامها.
مرت الأيام التالية في مزيج من الفرح والقلق.
كانت المخلوقات النورانية تأتي يوميًا لمراقبة نموي. كان الجهاز داخلي يعمل بكفاءة، وكنت أكبر تدريجيًا — من حجم حبة أرز إلى حجم حشرة صغيرة، ثم إلى حجم فأر، ثم إلى حجم *** رضيع.
كانت ألكسندرا تعتني بي بكل حنان. كانت تضعني على صدرها عندما أنام، فأسمع نبض قلبها مباشرة — النبض الذي كنت أسبح بجانبه من قبل. كانت تتحدث معي ساعات طويلة، تقبلني بلطف على رأسي، وتضحك عندما أحاول أن أحتضن إصبعها بذراعيّ الصغيرتين.
في إحدى الليالي، وبينما كنت بحجم يد *** تقريبًا، جلست على راحة يدها وقالت لي بصوت ناعم:
«عندما كنت داخلي... كنت أشعر أنني لست وحدي. كأن قلبي كان يحمل سرًا حيًا. الآن... أريد أن أحملك بين ذراعيّ كما ينبغي.»
«وأنا أريد أن أحتضنك كما كنت أفعل... بكل قوتي.»
بعد أسابيع أخرى من النمو المستمر، جاء اليوم الحاسم.
كنت الآن بحجمي الطبيعي تقريبًا، لكنني كنت ضعيفًا وأعاني من دوار شديد. وضعتني المخلوقات النورانية على سرير خاص، وأجرت عملية نهائية لإعادة توازن طاقتي.
استيقظتُ في اليوم التالي... بحجمي الكامل.
كانت ألكسندرا جالسة بجانب السرير، تنظر إليّ بعينين واسعتين. عندما فتحت عينيّ ورأيتها بوضوح، امتددت يدي إليها.
احتضنتها بقوة، بكل ما تبقى فيّ من قوة. دفنت وجهي في شعرها، وهي دفنت وجهها في عنقي. بكينا معًا طويلاً، دون كلام.
«عدتَ...» همست بصوت مكسور.
«عدتُ إليكِ... و لن أغادركِ أبدًا.»
قبلتها بكل حبي، على شفتيها، على جبهتها، على عينيها. كانت قبلاتنا مختلطة بالدموع، مليئة بكل الشهور من الفراق والألم والشوق.
في تلك اللحظة، شعرنا أن كل ما مررنا به — الشقوق، الاختطاف، الذاكرة، التمثال، التصغير — كان مجرد طريق طويل أدى إلى هذه اللحظة.
كنا معًا أخيرًا... كاملين.
الفصل الحادي والأربعون: سر المرمر (The Secret of Marble)
بعد أيام من عودتي إلى حجمي الطبيعي، وبينما كنا نجلس معًا على الشرفة البلورية تحت ضوء الأقمار الثلاثة، سألتها السؤال الذي كان يؤرقني منذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها تمثالًا:
«ألكسندرا... لماذا تحولتِ إلى مرمر؟»
نظرت إليّ طويلاً. عيناها الزرقاوان كانتا تحملان عمقًا جديدًا، كأنها عادت من مكان أبعد من الموت نفسه. أمسكت يدي بقوة، ثم بدأت تتحدث بصوت هادئ:
«عندما كنتُ في فيينا... في قصر الكونت فيكتور... كنتُ أموت يوميًا. ليس جسدي فقط، بل روحي. كل ليلة كان يأخذني، وكل ليلة كنت أفقد جزءًا من نفسي. في إحدى الليالي، وبينما كان يضاجعني بعنف، شعرت أنني لم أعد قادرة على الاحتمال.
فاستدعيتُ كل طاقتي الكونية التي كانت لا تزال بداخلي... وفعلتُ شيئًا لم أفهمه حينها.»
تنهدت بعمق، وأكملت:
«حولتُ جسدي إلى حالة "تعليق زمني-طاقي". نوع من السبات الحجري الواعي. المرمر لم يكن موتًا... كان درعًا. درعًا أخيرًا حاولتُ به أن أحافظ على ما تبقى من روحي. كنتُ أعرف أنك ستأتي يومًا... وكنتُ أريد أن أبقى موجودة لك، حتى لو كنتُ تمثالًا.»
نظرتُ إليها بدهشة وحزن عميق.
«لكن... كيف حدث ذلك بالضبط؟»
ابتسمت ابتسامة حزينة.
«عندما أنقذتني، وعندما عبرنا البوابة عائدين، اصطدمت طاقتي المعلقة مع الطاقة الكونية للشقوق التي أغلقتها في الإمبراطورية. النتيجة كانت هذا التحول الكامل. جسدي تحول إلى مرمر نقي، لكن وعيي بقي حيًا داخل الحجر... أسمعك، أشعر بقبلاتك، أبكي بدموع لا تخرج... كنتُ أعيش كل لحظة من حزنك.»
مددت يدي ولمست وجهها. كانت بشرتها دافئة الآن، حية.
«كنتُ أقبل تمثالكِ كل يوم... وأنتِ كنتِ تشعرين بكل قبلة.»
«كنتُ أشعر... وكنتُ أبكي داخل الحجر.»
ساد الصمت بيننا للحظات. ثم همست:
«الكائنات النورانية قالت لي لاحقًا إن هذا التحول كان ضروريًا أيضًا. الطاقة التي أفرزها جسمي أثناء التحول إلى مرمر ساهمت في إغلاق الشق الأخير في الإمبراطورية. لكن السبب الحقيقي... كان حبي لك. أردتُ أن أبقى موجودة لك، بأي شكل.»
احتضنتها بقوة، ودفنت وجهي في شعرها.
«لن أدعكِ تتحولين إلى أي شيء بعد اليوم... أنتِ بشر، أنتِ ألكسندرا آنا لورا... وأنتِ ملكتي.»
قبلتها طويلاً، وقبّلتني هي، وكأننا نحاول أن نمحو كل الشهور الماضية بقبلة واحدة.
في تلك اللحظة، تحت ضوء الأقمار الثلاثة، شعرنا أن قصتنا — رغم كل الألم والغرابة — قد وصلت أخيرًا إلى مكانها الحقيقي.
معًا.
الفصل الثاني والأربعون: رحلة بين المجرتين (Journey Between Galaxies)
بعد أشهر من الهدوء النسبي، عادت الشقوق لتُظهر وجهها مرة أخرى.
في أحد الأيام، ظهرت المخلوقات النورانية فجأة في البرج البلوري. كان ضوؤها أكثر إلحاحًا هذه المرة.
«الخلل عاد... لكنه هذه المرة أكبر وأخطر. يقع في الفراغ بين مجرتكما — درب التبانة — ومجرة أندروميدا. إذا لم يُعالج، سيؤدي إلى تصادم كارثي بين المجرتين.»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ بعزم هادئ، ثم قالت بصوت حازم:
«سنذهب أنا وأحمد. سنعالجه.»
في اليوم التالي، وقفنا على سطح البرج المفتوح تحت ضوء الأقمار الثلاثة. كانت ألكسندرا ترتدي بيكيني أزرق داكن بسيط جدًا يبرز جمال جسدها النحيل المشدود. أما أنا فكنت أرتدي مايوه رجالي أسود فقط. كنا شبه عراة، لكننا لم نشعر بالبرد.
أحاطتنا المخلوقات النورانية بحقل طاقي شفاف تمامًا، غير مرئي تقريبًا. كان هذا الحقل يحمينا من الفراغ القاتل، يجدد الأكسجين، يوفر الغذاء والماء، ويحمينا من الاحتكاك والحرارة والإشعاع.
مددتُ يدي، فأمسكت ألكسندرا يدي بقوة. نظرنا إلى بعضنا مبتسمين.
«مستعدة؟» سألتُها.
«معكَ... دائمًا.»
انطلقنا.
اخترقنا الغلاف الجوي لكوكبها بسرعة مذهلة. كان الحقل الطاقي يلمع بلون أزرق خفيف حولنا، ونحن نرى الأرض الزرقاء تبتعد تدريجيًا تحتنا. شاهدنا الأقمار الثلاثة عن قرب — الفضي الضخم، والأزرق الصغير، والذهبي الخافت — وهي تدور حول الكوكب ببطء مهيب.
ثم اجتزنا المجموعة الشمسية الخاصة بعالمها. مررنا قرب كواكب غريبة: واحدة ذات حلقات متلألئة، وأخرى مغطاة بغابات متوهجة، وثالثة تتكون من بلورات عملاقة تعكس ضوء نجومها. كنا نمسك أيدينا بقوة، شبه عراة، نحلق في الفراغ الهائل.
كانت ألكسندرا تضحك من وقت لآخر، سعيدة بهذه الحرية الكونية. اقتربت مني، قبلتني قبلة طويلة في الفراغ، بينما كانت النجوم تمر حولنا كأنها ألعاب نارية بطيئة.
«أشعر أنني حرة تمامًا معكَ.» همست داخل عقلي عبر الاتصال.
«وأنا أشعر أن الكون كله ملكنا.» رددتُ وأنا أضمها إليّ.
استمررنا في الطيران عبر مجرة درب التبانة، نمر بين النجوم والسدم الملونة، نبحث عن موضع الخلل بين مجرتنا وأندروميدا. كان الحقل الطاقي يحمينا، والدفء بين أجسادنا شبه العارية يمنحنا الشعور بالحياة في قلب الفراغ البارد.
كنا نعرف أن المهمة خطرة... لكننا كنا معًا.
الفصل الثالث والأربعون: الشق بين المجرتين (The Rift Between Galaxies)
استغرقت الرحلة أسابيع طويلة، لكن الزمن في الفضاء الواسع يفقد معناه.
كنا نمر بين أذرع مجرة درب التبانة كأننا حلم يطير. مررنا قرب سدم عملاقة ملونة بالوردي والأزرق، ونجوم حديثة الولادة تتلألأ كالماس، وثقوب سوداء هادئة تبتلع الضوء حولها. كانت يدي في يد ألكسندرا آنا لورا طوال الوقت، وأجسادنا شبه العارية تلامس بعضها داخل الحقل الطاقي الشفاف.
في إحدى اللحظات، اقتربت مني وقبّلتني قبلة طويلة عميقة وسط الفراغ، بينما كانت النجوم تمر من حولنا كشهب بطيئة.
«أشعر أنني أعيش حلمًا معكَ.» همست داخل عقلي.
«وأنا أشعر أن الكون كله صغير مقارنة بحبي لكِ.»
أخيرًا، وصلنا إلى الحد الفاصل بين مجرتنا ومجرة أندروميدا.
كان المكان مرعبًا في جماله. فراغ هائل مظلم، يفصل بين مليارات النجوم. وفي وسطه، كان الخلل واضحًا: شق كوني هائل يشبه جرحًا أرجوانيًا متلألئًا، ينبض كقلب مريض. منه كانت تتسرب طاقة فوضوية سوداء، وكأن نسيج الواقع نفسه يتمزق.
وقفت ألكسندرا أمام الشق، عيناها الزرقاوان تعكسان انعكاساته المتلألئة. كانت لا تزال ترتدي البيكيني الأزرق فقط، وجسدها يلمع تحت ضوء النجوم البعيدة.
«هذا أكبر مما توقعنا.» قالت بجدية. «الطاقة هنا غير مستقرة تمامًا.»
حاولتُ الاقتراب، لكن الحقل الطاقي حولنا اهتز بقوة. شعرت بقوة جذب مرعبة تسحبنا نحو الشق.
«ابقَ قريبًا مني.» قلتُ لها وأنا أمسك يدها بقوة أكبر.
بدأت ألكسندرا في العمل. رفعت يديها، واستدعت كل قدراتها المائية والطاقية. حولنا بدأ الماء يتشكل من الفراغ نفسه — قطرات متلألئة هائلة تجمعت لتشكل شبكة بلورية عملاقة حول الشق. كنت أدعمها بطاقتي، أرسل موجات طاقية لتعزيز شبكتها.
كان الشق يقاوم بشراسة. كانت موجات طاقية سوداء تنفجر نحوه، تحاول تمزيق الشبكة. في إحدى اللحظات، اهتز الحقل الواقي حولنا بشدة، وكدنا نسقط في الفراغ.
احتضنتها بقوة من الخلف، جسدي الشبه عاري ملتصق بجسدها، وهمست في أذنها:
«معًا... نحن أقوى.»
صرخت ألكسندرا بكل قوتها. انفجر الضوء الأزرق من جسدها، وامتدت الشبكة البلورية لتغلق الشق تمامًا. استمر الصراع دقائق طويلة، حتى اهتز الكون حولنا، ثم... سكت كل شيء.
انغلق الشق.
ساد صمت كوني عميق. كانت ألكسندرا تلهث في حضني، جسدها ملتصق بجسدي، وعرقها يلمع تحت ضوء النجوم.
نظرت إليّ بعينين متعبة لكن منتصرة، ثم قبلتني قبلة طويلة، شغوفة، كأنها تؤكد أننا ما زلنا أحياء.
«نجحنا... معًا.» همست.
احتضنتها بقوة أكبر، وأنا أشعر بدفء جسدها الشبه العاري ينتشر فيّ.
«دائمًا معًا.»
حولنا، بدأت النجوم في مجرتي درب التبانة وأندروميدا تتلألأ بسلام من جديد، كأن الكون كله يتنفس الصعداء.
الفصل الرابع والأربعون: العودة والألم (The Return and the Pain)
عاد بنا الحقل الطاقي إلى برجنا البلوري بعد رحلة طويلة ومرهقة. كانت ألكسندرا آنا لورا تمسك يدي بقوة، وكلانا لا يزال شبه عارٍ، يرتدي البيكيني والمايوه فقط. كنا متعبين، لكننا شعرنا بالانتصار.
«أخيرًا... نحن في المنزل.» همست وهي تضع رأسها على كتفي.
ابتسمتُ وهممتُ أن أرد عليها، لكن فجأة...
انفجر ألم حاد ومبرود في بطني.
كان الألم يضربني كالسكين — في المرارة، ثم في البروستاتا، ثم في قلبي. انحنى جسدي فجأة، وسقطت على ركبتيّ على الأرضية البلورية. صرخت من شدة الألم.
«آآآآه!»
«أحمد!» صاحت ألكسندرا مذعورة وهي تركع بجانبي. «ماذا بك؟! أحمد!»
كان الألم يزداد بجنون. شعرت كأن شيئًا يحرق المرارة، وكأن بروستاتي تتمزق، وقلبي يعاني من تقلصات عنيفة. كنت ألهث، وعرقي يتصبب بغزارة.
انهارت ألكسندرا تمامًا. بدأت تبكي بحرقة، ثم تولول بصوت مرتفع مليء بالرعب:
«لا لا لا! أحمد! لا تمت! أرجوك لا تمت!»
كانت تصرخ وهي تحتضن رأسي، دموعها تسيل على وجهي:
«الكائنات النورانية! أرجوكم! أرجوكم! تعالوا! أنقذوه! أنقذوا حبيبي! لا تأخذوه مني!»
كانت تولول بشدة، جسدها يرتجف، وهي تضم رأسي إلى صدرها وتبكي كطفلة مذعورة.
فجأة، ارتفع الضوء الأبيض النوراني في الغرفة.
ظهرت المخلوقات الثلاثة. نظرت إلى حالتي بسرعة، ثم تكلم أحدها:
«الرحلة الكونية الطويلة والتعرض للطاقة الفوضوية بين المجرتين تسببت في حصوات مرارية حادة، تضخم في البروستاتا، وضعف في عضلة القلب. الوضع خطير.»
بكت ألكسندرا بجنون أكبر:
«أنقذوه! افعلوا أي شيء! أرجوكم!»
نظرت المخلوقات إليها، ثم قالت:
«هناك طريقة واحدة سريعة وفعالة. سنصغركِ أنتِ أيضًا، وندخلكِ مع أدوات دقيقة جدًا داخل مجرى دم أحمد. ستكونين قادرة على تفتيت الحصوات مباشرة، وإزالة التضخم، وإصلاح عضلة القلب من الداخل.»
لم تتردد ألكسندرا ولو لثانية واحدة.
«افعلوها! الآن!»
بعد دقائق، صغرت المخلوقات ألكسندرا آنا لورا إلى حجم متناهٍ الصغر، وزودتها بأدوات طبية دقيقة جدًا. ثم حقنوها داخل وريدي.
شعرتُ بدفء مألوف ينتشر داخلي مرة أخرى.
«أحمد... أنا داخلك الآن.» جاء صوتها الهادئ والمحب داخل رأسي. «سأعالجك... سأشفيكَ... انتظرني.»
كنت أتلوى من الألم، لكنني ابتسمت وسط الوجع:
«أنا أحبكِ... حتى داخل دمي.»
«وأنا أحبكَ... سأعود إليكَ قريبًا... كاملة.»
بدأت ألكسندرا رحلتها الداخلية داخل جسدي، لتفتت الحصوات، ولتقلص البروستاتا المتضخمة، ولتصلح عضلة قلبي المتعبة.
كنت أشعر بها تتحرك داخلي... وكنت أعرف أن حبنا، مرة أخرى، قد تجاوز كل الحدود.
الفصل الخامس والأربعون: رحلة الشفاء الداخلية (The Inner Healing Journey) (النسخة المعدلة)
كنت أتلوى على السرير من شدة الألم، لكنني كنت أشعر بها... أشعر بألكسندرا آنا لورا داخلي.
«أحمد... أنا الآن في الوريد الكبير... أتحرك نحو المرارة.»
صوتها داخل رأسي كان هادئًا وثابتًا.
بعد أن انتهت من تفتيت الحصوات في المرارة، انتقلت نحو منطقة البروستاتا. كانت متضخمة وملتهبة. شعرتُ بدفء خفيف ينتشر في تلك المنطقة، ثم...
شعرتُ بشيء ناعم جدًا، دقيق جدًا، يلامس المنطقة الحساسة.
كانت ألكسندرا الصغيرة تقبّل أجزاء رجولتي من الداخل، حول البروستاتا، بكل حنان وشغف. كانت قبلاتها الصغيرة جدًا، لكنها كانت تسبب شعورًا غريبًا بالتلذذ — مزيج من الدفء والرعشة الخفيفة التي تنتشر في جسدي كله رغم صغر حجمها.
«أحمد...» همست له بصوت رقيق داخل عقله. «أحبك... أحب كل أجزائك... حتى هذه.»
شعرتُ برعشة لذيذة تمر في جسدي. رغم كل الألم، كان هناك متعة غريبة وعميقة في معرفتي أنها هناك، تهتم بكل جزء مني، تقبله وتعالجه بحبها.
«ألكسندرا... يا حبيبتي...» همستُ بصوت مكسور من المتعة والعواطف.
استمرت في عملها، تقبل وتلمس بلطف شديد، ثم تستخدم الأدوات الدقيقة لتقليص التضخم وتهدئة الالتهاب. كان كل لمسة منها تجلب راحة تدريجية، وكل همسة منها تملأ قلبي بحب أعمق.
«أنا أحبك من الداخل... كما أحبكِ من الخارج.»
ثم انتقلت إلى قلبي.
كانت عضلة القلب ضعيفة. وقفت أمامها، وبدأت تعمل بكل تركيزها. كانت تصلح الخلايا التالفة، تقوي الأنسجة، وتعيد التوازن للنبض.
«قلبك... قلبك جميل جدًا من الداخل.» همست بحنان عميق. «سأجعله أقوى... من أجلنا.»
كان كل نبضة من قلبي تهزها، لكنها كانت تستمر في عملها بإصرار.
بعد ساعات طويلة من العمل الدؤوب داخل جسدي، أعلنت المخلوقات النورانية:
«لقد نجحت. يمكننا سحبها الآن.»
تم سحب ألكسندرا آنا لورا بحذر من مجرى دمي، وأعيدت إلى حجمها الطبيعي بجانب السرير.
كنت لا أزال مستلقيًا، لكن الألم كان قد اختفى تقريبًا. فتحت عينيّ ببطء ورأيتها تقف أمامي، متعبة لكنها تنظر إليّ بابتسامة منتصرة.
«أحمد...»
مددت ذراعيّ بضعف. هرعت إليّ وسقطت في حضني. احتضنتها بكل ما تبقى فيّ من قوة، وهي تبكي على صدري.
«شفيتك... شفيتك من الداخل... كما شفيتني أنت.»
قبلت شعرها، ثم جبهتها، ثم شفتيها.
«أنتِ معجزتي... أنتِ شفائي.»
بقينا متشابكين طويلاً، جسدانا يرتجفان من التعب والعواطف. كان حبنا قد تجاوز كل الحدود — بين الأكوان، بين الأزمان، وبين الجسد والروح.
الفصل السادس والأربعون: برج النسيان وجرس الشيطان (The Tower of Forgetfulness and the Devil's Bell)
لم يدم السلام طويلاً.
بعد أسابيع قليلة من شفائي الكامل، ظهرت المخلوقات النورانية فجأة في وسط البرج البلوري. كان ضوؤها أكثر إلحاحًا وقلقًا من أي وقت مضى.
«خلل جديد وخطير حدث في الزمن. هذه المرة في عصر الإمبراطورية النمساوية المجرية، في أواخر القرن التاسع عشر. الشق هناك يهدد بانهيار كامل للجدران الزمنية في تلك الحقبة.»
نظرت ألكسندرا آنا لورا إليّ بعزم هادئ، ثم قالت بصوت ثابت:
«سنذهب أنا وأحمد. مرة أخرى.»
في اليوم التالي، وقفنا على منصة الانتقال. أعطتنا المخلوقات خاتمين زمنيين جديدين، وأحاطتنا بحقل طاقي قوي.
انطلقنا.
وصلنا إلى فيينا عام 1897، في قلب الإمبراطورية النمساوية المجرية.
كان الجو باردًا، والشوارع مليئة بالخيول والعربات والناس بملابس القرن التاسع عشر. لكن المدينة كانت تشعر بالتوتر. كان هناك خلل زمني واضح: أجزاء من المباني تظهر وتختفي، والناس يشعرون بـ«ذكريات غريبة» لا يعرفون مصدرها.
أقامت ألكسندرا آنا لورا في برج مهجور عجيب يُدعى «برج النسيان» (Der Turm des Vergessens). كان البرج مظلمًا، مليئًا بكتب قديمة متآكلة، وكان يُقال إن من يقيم فيه يبدأ ينسى أجزاء من حياته تدريجيًا.
أما أنا، فقد أقمت في برج آخر مواجه له تمامًا، يُدعى «جرس الشيطان» (Die Teufelsglocke). كان برجًا مرعبًا، يحتوي على جرس قديم ضخم يُقال إنه يرن لوحده في بعض الليالي، ويسبب هلوسات وجنونًا لمن يسمعه.
كنا نرى بعضنا من النوافذ. كان برجان متجاوران، لكنهما يفصل بينهما شارع ضيق وعميق.
في الليلة الأولى، وقفت ألكسندرا على نافذة برجها، ووقفتُ أنا على نافذة برجي. رفعنا أيدينا في الظلام، كأننا نلمس بعضنا من بعيد.
«أشعر بالبرد هنا... لكنني أشعر بدفئك.» همست لي عبر الاتصال.
«وأنا أشعر أن الشيطان نفسه يراقبنا... لكنني لا أخاف مادمتِ قريبة.»
بدأنا العمل في اليوم التالي. كانت ألكسندرا تستخدم مواهبها في الموسيقى والرسم لجذب الانتباه وجمع معلومات عن الخلل. أما أنا، فكنت أستخدم المال والذكاء للوصول إلى النبلاء والعلماء في الإمبراطورية.
لكن البرجين كان لهما تأثير غريب.
في برج النسيان، بدأت ألكسندرا تنسى بعض التفاصيل الصغيرة عن حياتنا. أما في جرس الشيطان، فكنت أسمع أصواتًا غريبة في رأسي، أصوات تدفعني للشك في كل شيء.
كنا نتواصل كل ليلة من النوافذ، ننظر إلى بعضنا تحت ضوء القمر، ونحاول أن نحافظ على ذاكرتنا... وعلى حبنا.
كانت المهمة خطرة، والزمن في هذا العصر يبدو أنه يحاول أن يبتلعنا.
الفصل السابع والأربعون: طاقية النسيان (The Cap of Forgetfulness)
مرت أيام قليلة في برجي «جرس الشيطان»، وكنت أشعر أن ذاكرتي بدأت تتآكل ببطء.
كنت أنسى أسماء بعض الأشياء، ثم وجوه بعض الأشخاص، ثم... بدأت أنسى ألكسندرا تدريجيًا. كنت أتذكر أنني أحب شخصًا ما، لكنني لم أعد أتذكر وجهها بوضوح.
في البرج المقابل، «برج النسيان»، كانت ألكسندرا آنا لورا تمشي حافية القدمين في غرفة نومها.
كانت ترتدي قميص نوم أبيض طويل وشفافًا قليلاً، يتمايل مع خطواتها الهادئة. كانت تسير جيئة وذهابًا في الغرفة المضاءة بشمعة واحدة فقط، وهي تبتسم ابتسامة فارغة، كأنها **** صغيرة تتجول في مكان غريب.
لم تلاحظ أنها تدريجيًا أصبحت خفية.
كان جسدها يتلاشى ببطء، كأنها ترتدي طاقية الإخفاء الأسطورية. في البداية اختفت قدماها الحافيتان، ثم ساقاها، ثم خصرها، ثم صدرها، ثم وجهها... حتى أصبحت غير مرئية تمامًا.
فقدت كل ذاكرتها.
لم تعد تتذكر أحمد، ولا عالمها، ولا قدراتها، ولا حتى اسمها. أصبحت مثل **** صغيرة بلا أي ذاكرة سابقة، تسير في الغرفة وهي تبتسم ببراءة فارغة.
حاولتُ الاتصال بها مرات عديدة عبر الخاتم الزمني، لكن لا رد. كنت أشعر باليأس يأكلني، وذاكرتي تتلاشى أكثر فأكثر.
فجأة، ظهر في غرفة ألكسندرا رجل أعمى.
كان يشبهني تمامًا — نفس الوجه، نفس القامة، نفس الشعر، نفس الملامح. لكنه كان أعمى، عيناه مغلقتان بضمادة سوداء قديمة.
اقترب منها بخطوات بطيئة، يتحسس الجدار بيده. ثم اصطدم بجسدها الخفي فجأة.
توقف. مد يده ببطء، ولمس كتفها غير المرئي. ثم انتقلت يده إلى وجهها، تحسس أنفها، شفتيها، أذنيها، شعرها... ثم نزلت إلى جسدها.
كانت ألكسندرا لا تقاوم. لم تعد هي أصلًا. فقدت كل ذاكرة وكل شخصية. كانت فقط كائنًا خفيًا يتنفس بسرعة متزايدة.
تحسس الرجل نهديها، ذراعيها، يديها، ثم خصرها وبطنها. كانت تتنفس بصوت أعلى، وجسدها الخفي يرتجف من الإثارة رغم عدم فهمها لما يحدث.
همس الرجل بصوت يشبه صوتي تمامًا:
«من أنتِ؟... أنتِ جميلة جدًا...»
ردت ألكسندرا بصوت طفولي فارغ:
«لا أدري من أنا... ولا أعلم عن نفسي وحياتي أي شيء.»
استمر الرجل في تحسس جسدها، وهي لا تقاوم، بل بدأت تتنفس بسرعة أكبر، وجسدها الخفي يستجيب للمساته.
كنت أنا في البرج المقابل، أشعر بشيء غريب يحدث، لكن ذاكرتي كانت تتلاشى أكثر فأكثر...
الفصل الثامن والأربعون: ظل جيسيكا (Shadow of Jessica)
بينما كان الرجل الأعمى يتحسس جسد ألكسندرا الخفي في برج النسيان، كنت أنا أقف في غرفة نومي في برج جرس الشيطان، أحاول أن أتذكر شيئًا... أي شيء.
ذاكرتي كانت تتلاشى بسرعة مخيفة. لم أعد أتذكر وجه ألكسندرا بوضوح. كنت أعرف أنني أحب شخصًا ما، لكنني لم أعد أتذكر اسمها.
فجأة، فُتح الباب ببطء.
دخلت امرأة نبيلة.
كانت تشبه جيسيكا بيل تمامًا — نفس الجمال الهادئ، نفس العينين الداكنتين اللامعتين، نفس الشعر البني المموج، نفس القوام المثالي. كانت ترتدي فستانًا أسود أنيقًا من عصر الإمبراطورية، وكانت تنظر إليّ كأنها تعرفني منذ زمن طويل.
اقتربت مني بخطوات هادئة، ثم احتضنتني بقوة، ضاغطة جسدها على جسدي. شعرت بدفء صدرها، ورائحة عطرها القديم.
«أخيرًا وجدتك...» همست في أذني بصوت ناعم يشبه صوت جيسيكا بيل. «زوجي الأعمى يلعب في البرج المقابل... وأنا هنا معك.»
تجمدت. «زوجكِ...؟»
ابتسمت ابتسامة غامضة، وهي لا تزال تحتضنني.
«نعم. الرجل الأعمى الذي يشبهك تمامًا... هو زوجي. لكنه لا يراني. أما أنت... فأنت الذي أراه.»
مدت يدها ولمست وجهي بلطف، ثم قبلتني قبلة طويلة، عميقة، كأنها تعرفني منذ سنين. كانت قبلتها حارة، جائعة، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.
شعرت بدوار شديد. ذاكرتي كانت تتلاشى أكثر، لكن جسدي كان يستجيب لها. احتضنتها من الخصر، ورددت على قبلتها بقوة، وأنا لا أفهم ما يحدث.
همست في أذني وهي تبتعد قليلاً:
«أنا زوجته... لكنني أريدك أنت. في هذا البرج، كل شيء ممكن... حتى النسيان.»
نظرتُ نحو النافذة، نحو برج النسيان المقابل. كنت أعرف أن ألكسندرا هناك... لكنني لم أعد أتذكر وجهها جيدًا.
كانت المرأة التي تشبه جيسيكا بيل تمسك بيدي، وتقودني نحو السرير بابتسامة هادئة.
الفصل التاسع والأربعون: ليلة الظلال (Night of Shadows)
لم أستطع مقاومة المرأة التي تشبه جيسيكا بيل.
كانت تقودني نحو السرير الكبير في غرفة برج جرس الشيطان، يدها الناعمة تمسك يدي بقوة. كان فستانها الأسود ينزلق ببطء عن كتفيها، يكشف عن بشرتها البيضاء الناعمة. كانت تنظر إليّ بنظرة تعرف كل شيء، كأنها تعرف جسدي أكثر مما أعرفه أنا.
«لا تفكر في شيء الآن...» همست بصوت ناعم يشبه صوت جيسيكا بيل تمامًا. «في هذا البرج، النسيان نعمة.»
دفعتني بلطف على السرير، ثم صعدت فوقي. كانت حركاتها بطيئة ومدروسة، كأنها تتذكر كل لمسة سابقة. قبلتني بعمق، شفتاها تمتصان شفتيّ، ولغتها تتحرك بحرية. كانت يداها تنزلق على صدري، ثم أسفل بطني، ثم أخذت تلامس رجولتي بأصابع ماهرة.
شعرت بدوار شديد. ذاكرتي كانت تتلاشى أكثر فأكثر، لكن جسدي كان يستجيب لها بقوة. كانت تتحرك فوقي ببطء في البداية، ثم أسرع، وهي تنظر إليّ بعينين مليئتين بالشهوة والغموض.
«أنتَ ملكي الآن...» همست وهي تئن بخفوت. «كما أن زوجي الأعمى يمتلك تلك المرأة في البرج المقابل.»
كنت أمسك خصرها، أدفع نفسي داخلها بعمق، وأنا أشعر بالمتعة تختلط بالذنب والنسيان. كانت كل حركة منها تجعلني أنسى المزيد — وجه ألكسندرا، اسمها، حبنا... كل شيء كان يذوب تحت لمساتها.
في البرج المقابل، كان الرجل الأعمى (الذي يشبهني تمامًا) لا يزال يتحسس جسد ألكسندرا الخفي. كان يقبلها، يضمها، ويهمس لها كلمات لا تفهمها، بينما هي — بلا ذاكرة — تستجيب بجسدها فقط، تنفسها يتسارع، وهي لا تعرف حتى اسمها.
كنا في برجين متقابلين، نغرق في ليالٍ من الشهوة والنسيان.
في منتصف الليل، وبينما كانت المرأة التي تشبه جيسيكا بيل مستلقية على صدري، همست لي:
«غدًا... سيكون الجرس أعلى. وسينسى الجميع كل شيء.»
لم أرد. كنت أنظر نحو النافذة، نحو برج النسيان المظلم، وأشعر أن شيئًا ما داخلي يصرخ... لكنه صوت بعيد، يكاد لا يُسمع.
الفصل الخمسون: ذروة النسيان (The Peak of Oblivion)
في ليلة الذروة، اهتز برج جرس الشيطان بعنف.
كنت أقف في وسط الغرفة، جسدي يرتجف. الذاكرة كانت تتلاشى بسرعة مرعبة. لم أعد أتذكر اسم ألكسندرا، ولا وجهها، ولا حتى سبب وجودي هنا. كنت أعرف فقط أنني أبحث عن شيء... أو شخص.
فجأة، دخلت المرأة التي تشبه جيسيكا بيل. كانت تحمل جهازًا صغيرًا يشبه الترمومتر، لكنه يقيس الحمض النووي.
اقتربت مني، وضعته على ذراعي، ثم نظرت إلى النتيجة. ابتسمت ابتسامة غامضة.
«مؤشر الحمض النووي يؤكد... أنت مطابق تمامًا لزوجي الأعمى. نفس التسلسل الجيني. نفس كل شيء.»
ثم وضعت الجهاز على ذراعها هي.
«وأنا... مطابقة تمامًا لجيسيكا بيل. نفس الحمض النووي. نفس كل شيء.»
نظرت إليها بدهشة. كان عقلي يدور.
«هل هذا... تناسخ أرواح؟»
ضحكت ضحكة خفيفة حزينة.
«ربما. أو ربما نحن نسخ موازية دائمة التكرار. في كل زمن، في كل برج، نلتقي... وننسى.»
اقتربت مني، احتضنتني بقوة، وهمست في أذني:
«لكن في هذا الزمن... أنا أريدك. حتى لو كنت زوجة الرجل الذي يشبهك.»
في البرج المقابل، كان الرجل الأعمى (الذي يشبهني تمامًا) لا يزال يتحسس جسد ألكسندرا الخفي. كان يهمس لها:
«أنتِ جميلة... حتى لو كنتِ غير مرئية. أشعر بكِ... وأعرفكِ.»
كانت ألكسندرا — بلا ذاكرة — تتنفس بسرعة، جسدها الخفي يستجيب للمساته. لم تعد تعرف من هي، ولم تعد تعرف أن هناك شخصًا يدعى أحمد ينتظرها.
كان النسيان قد بلغ ذروته.
في تلك اللحظة الحاسمة، وقبل أن يرن جرس الشيطان، بلغت ذروة النسيان والشهوة.
في برج النسيان، كان الرجل الأعمى ينهش ألكسندرا آنا لورا نهشًا جشعًا، نهمًا، جنونيًا. كان يغطي جسدها الخفي بالقبلات الحارة المتوحشة، يضمها بقوة إلى صدره، يهمس لها كلمات مليئة بالرغبة المرضية، ويطعنها بطعنات الحب العميقة والمستمرة. كان يتحسس كل جزء منها بيديه الجشعتين، يقبل عنقها، صدرها، بطنها، فخذيها، وهو يئن بصوت يشبه صوتي تمامًا، وكأنه يحاول أن يبتلعها كلها.
وفي الوقت نفسه، في برج جرس الشيطان، كنت أنا أفعل الشيء نفسه مع المرأة التي تشبه جيسيكا بيل. كنت أنهشها نهشًا جشعًا، نهمًا، جنونيًا. كنت أغطي جسدها بالقبلات المتوحشة، أضمها بقوة إلى صدري، أهمس لها كلمات مليئة بالرغبة، وأطعنها بطعنات الحب العميقة والمستمرة. كنت أتحسس كل منحنى في جسدها، أقبل عنقها، صدرها، بطنها، فخذيها، وأنا أئن بصوت مكسور، غارق في الشهوة والنسيان.
كان البرجان يشهدان على مشهدين متوازيين، مرآتين مظلمتين من الجشع والضياع.
وتوالت الأيام والليالي بسرعة خرافية، وهذا الجشع والنهم يتكرر لديّ ولدى الرجل الأعمى حتى لم أعد أعلم هل مر أسبوع أم شهر أم عام كامل ونحن غارقين في عسل الرغبة الفائق الحلاوة مع المرأتين.
في تلك اللحظة، رن جرس الشيطان بصوت مدوي.
اهتز البرجان معًا. شعرت أنا والمرأة التي تشبه جيسيكا بيل بذكرياتنا تعود فجأة وبشكل مؤلم. أما في البرج الآخر، صاح الرجل الأعمى بصوت يشبه صوتي:
«ألكسندرا...!»
فجأة، ظهرت المخلوقات النورانية في كلا البرجين.
«النسيان كان اختبارًا. الآن... حان وقت الاختيار.»
نظرتُ إلى المرأة التي تشبه جيسيكا بيل، ثم نظرت نحو البرج المقابل.
كان عليّ أن أختار.
الفصل الحادي والخمسون: عودة الذكرى والذنب (The Return of Memory and Guilt)
رن جرس الشيطان بصوت مدوي هز البرجين معًا.
فجأة، عادت الذكريات إلينا كسيل جارف.
كنت أقف في غرفة برج جرس الشيطان، جسدي يرتجف. عادت كل الذكريات دفعة واحدة — وجه ألكسندرا، حبنا، رحلاتنا، تضحياتنا... وعادت أيضًا ذكرياتي مع المرأة التي تشبه جيسيكا بيل. كل قبلة، كل لمسة، كل ليلة من الشهوة الجنونية.
شعرت بذنب شديد يمزق صدري. سقطت على ركبتيّ، وأمسكت رأسي بيديّ.
«ماذا فعلتُ...؟»
في البرج المقابل، عادت ذاكرة ألكسندرا آنا لورا أيضًا. كانت لا تزال خفية، لكنها تذكرت كل شيء — الاغتصاب المتكرر، الإذلال، ثم... ما حدث مع الرجل الأعمى. بدأت تبكي بحرقة، جسدها الخفي يرتجف، وهي تتذكر كيف استجابت له رغمًا عنها في حالة النسيان.
كان الرجل الأعمى (الذي يشبهني) قد عاد إليه وعيه أيضًا. وقف مذهولًا، يدرك أنه خان زوجته (شبيهة جيسيكا) مع ألكسندرا. شعر بذنب مرير، وهو يهمس بصوت مكسور:
«ماذا فعلتُ...؟»
أما المرأة التي تشبه جيسيكا بيل، فقد جلست على السرير في برجي، تبكي بهدوء. كانت تدرك أنها خانت زوجها الأعمى معي. شعرت بالخزي الشديد، لكنها همست لنفسها:
«كنا جميعًا بلا ذاكرة... كان النسيان هو العذر... وكان اللعنة.»
اجتمعنا الأربعة في ساحة بين البرجين بعد ساعات. كانت ألكسندرا قد عادت إلى الظهور، لكن وجهها كان شاحبًا. وقفت أنا بجانبها، والرجل الأعمى بجانب زوجته.
كان الجو ثقيلاً بالذنب.
نظرت ألكسندرا إليّ بعينين دامعتين:
«سمحتُ له... حتى لو كنتُ بلا ذاكرة... سمحتُ له يلمسني... يأخذني...»
بكيت وأنا أمسك يدها:
«وأنا فعلتُ الشيء نفسه معها... كنتُ أغرق فيها كل ليلة... أنا آسف يا حبيبتي... آسف جدًا.»
نظرت المرأة التي تشبه جيسيكا بيل إلى زوجها الأعمى، ثم إلينا:
«خنّا بعضنا... كلنا... لكننا كنا بلا ذاكرة. كان النسيان هو السبب... وكان العذر.»
قال الرجل الأعمى بصوت مكسور:
«رغم ذلك... الذنب موجود. لكن ربما... كان هذا هو الثمن لإغلاق الخلل.»
نظرت ألكسندرا إلى المخلوقات النورانية التي ظهرت فجأة بيننا.
«نعم.» قال أحدهم. «معاناتكم... شهوتكم... ذنوبكم... كانت الطاقة المطلوبة لإغلاق الشق النهائي. لم يكن هناك طريق آخر.»
ساد الصمت.
ثم نظرت ألكسندرا إليّ، وأمسكت يدي بقوة رغم دموعها.
«سنعيش مع هذا الذنب... لكننا سنعيش معًا.»
احتضنتها بقوة، وهي تبكي على صدري. كان الذنب ثقيلاً، لكنه كان مشتركًا.
كان الخلل قد أُغلق... لكن الندوب بقيت.
الفصل الثاني والخمسون: ندوب البرجين
في البرج البلوري، تحت ضوء الأقمار الثلاثة الشاحب تلك الليلة، كان الصمت أثقل من أي شق كوني.
جلست ألكسندرا آنا لورا على حافة السرير البلوري، ترتدي قميص نوم أبيض بسيطًا يلتصق بجسدها النحيل. شعرها الأسود الطويل منسدل على كتفيها، وعيناها الزرقاوان محمرتان. لم تنظر إليّ مباشرة. كنت أقف أمامها، يديّ ترتجفان.
«قلها.» همست أخيرًا بصوت مكسور. «قل كل ما فعلته معها... مع شبيهة جيسيكا.»
تنهدت بعمق. الكلمات كانت تحترق في حلقي، لكنني عرفت أن الكذب سيكون أسوأ من الاعتراف.
«كنتُ أغرق.» بدأت بصوت خافت. «النسيان كان يأكلني. لم أعد أتذكر وجهكِ بوضوح... فقط شعور بالفراغ. هي... جاءت إليّ. قبلتني. لمستني. وأنا... لم أقاوم. قضينا ليالي... نهشنا بعضنا كوحوش جائعة. كنت أدخلها بعمق، أمسك خصرها، أقبل صدرها، أئن باسمها... أو بما تبقى من صوتي.»
ارتجفت ألكسندرا. دموعها سقطت على قميصها.
«وأنا...» ردت بصوت يرتجف، «كنتُ خفية تمامًا. لا ذاكرة. لا اسم. كان الرجل الأعمى — الذي يشبهك تمامًا — يتحسسني. يقبل جسدي الذي لا يراه. يداه على نهديّ، على فخذيّ، داخلي... وأنا كنت أستجيب. كنت أئن. كنت أفتح له نفسي رغمًا عني، لأنني لم أعد أعرف أنني أنتمي إليك.»
ساد صمت رهيب. ثم نهضت فجأة، واقتربت مني حتى أصبح وجهاها على بعد سنتيمترات.
«هل استمتعتَ بها؟» سألتني بعينين دامعتين. «هل كانت ألذ مني؟»
«لا.» أجبت بصدق قاسٍ. «كانت مختلفة. كانت شهوة فارغة. أما أنتِ... أنتِ كل شيء. لكن الذنب... الذنب يحرقني الآن.»
بكت بصوت مكسور، وضربت صدري بقبضتها ثم سقطت في حضني. احتضنتها بقوة، ودفنت وجهي في شعرها.
«أنا آسف... آسف جدًا يا مليكتي.»
«وأنا آسفة...» همست وهي تبكي. «سمحتُ له يأخذني... حتى لو كنتُ لا أعرف.»
بقينا متشابكين ساعات، نبكي ونعتذر ونعيد سرد التفاصيل المؤلمة. كان الاعتراف مؤلمًا، لكنه كان ضروريًا.
الفصل الثالث والخمسون: بحر الذكريات
في اليوم التالي، جاءت المخلوقات النورانية الثلاثة.
«الندوب لا تُشفى بالبكاء فقط.» قال الوسط منهم. «بل بالمواجهة الكاملة.»
أحاطت بنا دائرة من الضوء الأبيض الناعم. شعرنا بأجسادنا تذوب تدريجيًا، ثم وجدنا أنفسنا داخل «بحر الذكريات» — فضاء كوني داخلي لامتناهٍ، مليء بأمواج شفافة تحمل مشاهد حياتنا.
كنا عاريين تمامًا، نطفو في الماء الدافئ الذي كان يعكس كل ذكرى.
«انظرا إلى بعضكما.» أمر المخلوقات.
رأيتُ المشاهد بوضوح مؤلم: أنا مع شبيهة جيسيكا، أدخلها بعنف شهواني، أمسك ثدييها، أعضّ عنقها. وفي الوقت نفسه، رأت ألكسندرا الرجل الأعمى يغطي جسدها الخفي بالقبلات الجشعة، يدخلها ببطء ثم بعنف، يئن بصوتي.
بكينا. لكن الماء كان يحيط بنا، يدفعنا نحو بعضنا.
اقتربت ألكسندرا مني في البحر. جسدها النحيل الرطب يلمع. عيناها الزرقاوان مليئتان بالألم والرغبة معًا.
«أريد أن أمحو ذلك... بك.» همست.
احتضنتها بقوة. قبلتها بعمق، لساني يلتقي بلغتها. يديّ انزلقت على جسدها المبلل — على نهديها المشدودين، على خصرها، على مؤخرتها الناعمة. رفعها الماء فالتفت ساقاها حول خصري.
دخلتها ببطء، بعمق، داخل بحر الذكريات نفسه. كانت دافئة، ضيقة، ترتجف. تحركنا معًا ببطء أولاً، ثم بإيقاع أعنف. كانت أظافرها تغرس في ظهري، وهي تنظر إليّ بعينين دامعتين.
«أنا لكِ... فقط لكِ.» همستُ وأنا أدفع أعمق.
«وأنا لكَ... حتى لو تذكرنا كل الخيانات.» ردت وهي تئن.
انفجر النشوة بيننا كضوء كوني. الماء حولنا امتلأ بصور ذكرياتنا الحقيقية — أول لقاء، عبور البوابة، الشاطئ تحت الأقمار، كل لحظة حب حقيقي. طغت هذه الذكريات على مشاهد البرجين، وكأن البحر يغسل الندوب.
عندما عدنا إلى البرج، كنا متعبين لكن أقوى. احتضنت ألكسندرا وجهي بكفيها.
«الذنب سيبقى... لكنه لن يفصلنا.»
«أبدًا.» أجبت وقبلت جبهتها.
تحت الأقمار الثلاثة، نامت في حضني، جسدها العاري ملتصق بجسدي، وقلباها يدقان معًا. كان الشفاء قد بدأ... لكن الحرب الكونية كانت لا تزال تنتظر.
الفصل الرابع والخمسون: كوكب الشفاء
بعد أيام من جلسات العلاج الكوني، تغير شيء عميق في عيني ألكسندرا آنا لورا.
كانت تجلس معي على الشرفة البلورية في البرج، تنظر إلى الأقمار الثلاثة بصمت طويل. ثم التفتت إليّ فجأة، عيناها الزرقاوان تحملان تعبًا لم أره من قبل.
«أحمد... أنا تعبتُ.» همست. «تعبتُ من الشقوق، ومن البنية القديمة، ومن الذنوب، ومن مواجهة نسخنا، ومن خوفي الدائم عليك. أريد... أريد أن نهرب. فقط أنت وأنا. بعيدًا عن كل شيء.»
أمسكت يدها. «إلى أين؟»
ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة. «وجدتُ كوكبًا... في أحد الأكوان الهادئة. لم يمسسه أحد. يشبه الأرض تمامًا في قابليته للحياة، لكنه بدائي. بحار صافية، بحيرات هادئة، غابات كثيفة، صحارى ذهبية، جبال شاهقة، أنهار متدفقة، ومناطق جليدية نقية. فيه كل أنواع الفواكه والخضروات والحبوب والنباتات... لكن لا بشر. ولا حيوانات. فقط نحن.»
ترددت قليلاً ثم أكملت: «أريد أن نأخذ قطتيّ السياميين — لونا وسيلفا. ونصحب بعض الدجاج والديوك، وحملان، وماعز، وبقرة أو اثنتين، وجاموس. نبني منزلاً أمريكيًا بسيطًا... خشبيًا، دافئًا. نعيش بعيدًا عن أسرتي، وعن المخلوقات، وعن كل المشاكل الكونية. نستجم. نلتئم. ننسى.»
نظرت إليها طويلاً. كانت متعبة حقًا. السنوات من المعاناة، الاغتصاب في فيينا، التحول إلى تمثال، التصغير، الذنب في برج النسيان... كل ذلك ترك ندوبًا عميقة.
«إذا كان هذا ما تريدينه... فسأذهب معكِ إلى آخر الكون.»
بعد يومين فقط، أعددنا كل شيء.
أخذنا القطتين السياميين الرشيقتين، اللتين كانتا تتمايلان بأناقة وهما تنظران إلينا بفضول. حملنا بيض الدجاج المخصب، وحملان صغيرة، وماعز، وبقرتين، وجاموسًا واحدًا. وأحضرنا بذورًا وأدوات بناء بسيطة.
فتحت ألكسندرا بوابة زرقاء هادئة، واجتزناها معًا.
وصلنا إلى الكوكب عند الشروق.
كان المكان أجمل مما تخيلت. السماء زرقاء فاتحة بلمسة بنفسجية خفيفة، والهواء نقي يملأ الرئتين برائحة الأرض الرطبة والأزهار البرية. أمامنا امتد بحر أزرق هادئ، وخلفه غابة كثيفة خضراء، وفي البعيد جبال مغطاة بالثلج تتلألأ تحت الشمس.
«هنا.» قالت ألكسندرا وهي تمسك يدي بقوة. «هذا سيكون منزلنا.»
اخترنا موقعًا مرتفعًا قليلاً قرب النهر، مطلًا على البحر والغابة معًا. خلال الأسابيع التالية، بنينا المنزل بأيدينا. منزلاً أمريكيًا خشبيًا دافئًا، له شرفة واسعة، ومطبخ مفتوح، وغرفة نوم كبيرة تطل على الشروق، وحظيرة صغيرة للحيوانات.
كانت ألكسندرا سعيدة بطريقة لم أرها منذ زمن. تمشي حافية القدمين في التراب، ترتدي فستانًا أبيض خفيفًا، شعرها منسدل، وتضحك وهي تطعم الدجاج أو تحلب البقرة. القطتان لونا وسيلفا كانتا تتجولان بحرية، تصطادان فراشات وتتسلقان الأشجار.
في المساء، كنا نجلس على الشرفة، نأكل فواكه طازجة، ونستمع إلى صوت النهر والرياح في الأشجار. كنت أضع رأسي على صدرها، وهي تمرر أصابعها في شعري.
«هنا لا أحد يؤذينا.» همست ذات ليلة وهي تقبل جبهتي. «لا أكوان، ولا شقوق، ولا ذنوب... فقط أنت وأنا.»
كانت ليالينا هادئة وحساسة. نمارس الحب ببطء، بكثير من الحنان، كأننا نعيد اكتشاف أجساد بعضنا من جديد. أقبل كل ندبة في جسدها، وهي تقبل كل تعب في روحي. كانت تتأوه بهدوء تحت ضوء القمر، جسدها النحيل يرتجف تحتي، وعيناها الزرقاوان مغمضتان في لحظة سلام.
مرت الأيام بطيئة وجميلة. كنا نزرع حديقة، نصنع خبزًا، نرعى الحيوانات، نسبح في البحيرة العذبة، وننام تحت النجوم. ابتعدنا تمامًا عن عائلتها، ولم نفتح أي بوابة كونية.
لكن في أعماق قلبي، كنت أعرف أن هذا السلام... لن يدوم إلى الأبد. الكون لا يترك من يحبه هكذا بسهولة.
الفصل الخامس والخمسون: بذرة الحياة
لم يكن طمث ألكسندرا آنا لورا يومًا عائقًا أمام شغفنا.
منذ أن أصبحنا حبيبين، ثم مساكنين، ثم يويفريند وجيرلفريند في عالمها، كنا نعيش حياتنا الحميمية بحرية كاملة. كانت دورتها الشهرية لا تُضعف رغبتها، بل أحيانًا تزيدها اشتعالًا. كنت أجدها في تلك الأيام أكثر حساسية، أكثر رطوبة، أكثر جوعًا لجسدي. كنا نمارس الحب في السرير، أو تحت الدوش الخشبي البسيط، أو حتى على شاطئ النهر عندما يحمر القمر. كنت أدخلها ببطء وهي تنزف، وهي تتأوه بصوت أعمق، أظافرها تغرس في ظهري، ساقاها ملتفتان حولي بقوة أكبر، كأن دمها نفسه يشهد على اتحادنا.
«لا تتوقف أبدًا...» كانت تهمس في أذني وهي ترتجف، جسدها المشتعل يلتصق بجسدي رغم كل شيء.
مرت أشهر هادئة على الكوكب. كنا نعيش حياة بسيطة مفعمة بالحب والسلام. ألكسندرا كانت تبتسم أكثر، تضحك أكثر، وتتحرك بأنوثة هادئة تجعل قلبي يخفق كل مرة أنظر إليها.
ذات صباح مشمس، بعد نحو خمسة أشهر من وصولنا، استيقظتُ ووجدتها جالسة على حافة السرير، يدها على بطنها، وابتسامة غامضة على وجهها.
«أحمد...» نادت بصوت ناعم.
جلست بجانبها. «ما الأمر يا حبيبتي؟»
أمسكت يدي ووضعتها على بطنها. كان أكثر امتلاءً قليلاً، ونهداها كانا أكبر وأثقل، متورمين تحت القميص الخفيف.
«أنا... حبلى.» قالتها بهدوء، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة مليئة بالدموع. «توأم. ولد وبنت.»
تجمدت للحظة، ثم ضممتها إلى صدري بقوة. بكيت. بكت هي أيضًا. كان الخبر أجمل مفاجأة في حياتنا بعد كل المعاناة.
مع مرور الأسابيع، ازدادت جمالها وفتنتها بشكل مذهل. بطنها نبت تدريجيًا، مستديرًا وناعمًا، ونهداها امتلأا وأصبحا أكثر امتلاءً وثقلًا، حلمتاهما أغمق وأكثر حساسية. كانت بشرتها تضيء، وعيناها الزرقاوان تلمعان بحيوية جديدة. أصبحت أكثر أنوثة، أكثر نضجًا، وأكثر إغراءً.
لم يمنع الحمل شغفنا أبدًا. كنا نمارس الحب بحذر ولطف في البداية، ثم بشهوة متزايدة مع تقدم الحمل. كانت تحب أن أركع أمامها وأقبل بطنها المستدير، أمص نهديها المتورمين بلطف، وأدخلها من الخلف وهي مستلقية على جانبها. كانت تئن بصوت أعمق، أكثر حسية، جسدها يرتجف من أصغر لمسة.
«انظر كيف أصبحتُ...» قالت ذات ليلة وهي تقف أمام المرآة الخشبية الكبيرة عارية تمامًا. بطنها المنتفخ، نهداها الثقيلان، خصرها الذي لا يزال نحيلًا نسبيًا. «هل ما زلت تريدني هكذا؟»
اقتربت منها من الخلف، أحضنت بطنها بكفيّ، وقبلت عنقها.
«أنتِ الآن أجمل وأشهى من أي وقت مضى.» همستُ وأنا أدخلها ببطء، يدي تمسح بطنها بلطف بينما أتحرك داخلها.
كانت ليالينا مليئة بالحنان والشهوة. كانت تضع يدها على بطنها أثناء ذروتها، وكأنها تشارك التوأم في لحظة الحب. القطتان لونا وسيلفا كانتا تنامان قرب السرير، والحيوانات في الحظيرة تنعم بالهدوء.
في هذا الكوكب البدائي، كنا نبني عائلتنا بأيدينا. بعيدًا عن الأكوان والحروب والذنوب. فقط حب، وحياة جديدة تنمو داخلها.
لكن في أعماقي، كنت أعرف أن السلام هذا... هدية مؤقتة. والكون دائمًا له خطط أخرى.
الفصل السادس والخمسون: عيون في عقل الآخر
مرت أسابيع أخرى على الكوكب الهادئ، وكان بطن ألكسندرا آنا لورا ينمو ببطء جميل. كانت نهداها أكثر امتلاءً، وبشرتها تضيء بنور الأمومة. لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث داخلها سرًا.
في إحدى الليالي، وبينما كنا ننام متشابكين بعد لقاء حميم هادئ، استيقظت فجأة. عيناها الزرقاوان واسعتان في الظلام. كانت قد دخلت، دون أن تدري أو تريد، وعي أحمد-2 — النسخة الأخرى مني في الكون الآخر.
رأت كل شيء.
رأته مع كيرا: زوجته الطويلة الأمد. كانا في غرفة نوم دافئة، يمارسان الحب ببطء وبعمق، كأزواج يعرفون بعضهما منذ عقود. كيرا فوقها، تتحرك بإيقاع هادئ، صدرها يرتجف، وهي تنظر إليه بعينين مليئتين بالحب والرغبة. سمعت أحمد-2 يهمس لها كلمات حب، وهو يمسك خصرها ويدفع من الأسفل.
ثم رأته مع سوناكشي: في شقة سرية بعيدة عن المدينة. كانت العلاقة أكثر حدة وفكرية. سوناكشي الجميلة الهندية كانت تركبه بعنف، شعرها الأسود الطويل يتمايل، وهي تئن بصوت مكتوم وهي تتحدث معه بالعربية والإنجليزية أثناء اللحظة الحميمية. كان يمسكها بقوة، يقبل عنقها، ويهمس لها كلمات تجعلها ترتجف.
وأخيرًا... رأته مع إيميلي لورا أوليفيا بلانت: النشيطة المغامرة. كانا في رحلة قصيرة في كوخ خشبي. إيميلي تضحك أثناء ممارسة الحب، تتحرك بحماس وجرأة، جسدها المشدود يتعرق، وهي تقوده أحيانًا وتتركه يسيطر أحيانًا أخرى. كانت المتعة بينهما عفوية ومليئة بالضحك المختلط بالأنين.
جلست ألكسندرا في السرير، قلبها يدق بشدة. غيرة حارقة اجتاحتها، لكنها لم تستطع إغلاق العيون الداخلية. كانت تشعر بالغضب... وفي الوقت نفسه، كانت مثارة. جسدها استجاب. أصبحت رطبة، نهداها المتورمان يثقلان، وتنفسها يتسارع.
«لماذا... لماذا أرى هذا؟» همست لنفسها.
في الأيام التالية، تكررت الظاهرة دون سيطرة منها. كانت القدرة الجديدة قد تطورت داخلها سرًا — ربما بسبب الحمل، أو بسبب ارتباطها الطاقي العميق بي. كانت تدخل وعي أحمد-2 فجأة، تشاهد لقاءاته الحميمية الساخنة مع الثلاث نساء.
كانت تغار بشدة. تغار من دفء كيرا، من ذكاء سوناكشي، من طاقة إيميلي. لكنها في الوقت نفسه كانت سعيدة بطريقة غريبة. سعيدة أن «نسخة من أحمد» — الرجل الذي تحبه — محبوب بهذا الشكل، مرغوب من نساء جميلات وقويات. كانت تشعر بفخر غريب، وإثارة عميقة.
في إحدى الليالي، وبينما كنتُ نائمًا بجانبها، شاهدت مشهدًا ساخنًا بين أحمد-2 وسوناكشي. أغلقت عينيها، لكن الرؤية استمرت. يدها انزلقت بين فخذيها دون وعي، وهي تعض شفتها. جاءتها ذروة خفيفة وهي تشاهد.
عندما استيقظتُ في الصباح، وجدتها تحدق في السقف.
«ماذا بكِ؟» سألتُها وأنا أقبل بطنها المستدير.
نظرت إليّ طويلاً، ثم اعترفت بكل شيء. بصوت هادئ، خجول، ومثار.
«أرى... أرى ما يفعله أحمد-2 معهن. كل ليلة تقريبًا. أغار... أغار جدًا. لكنني أيضًا... أستمتع. أشعر بالسعادة له. وأثار.»
احتضنتها بقوة.
«هل تريدين أن أوقف هذا؟»
هزت رأسها. «لا... أعتقد أنني أحتاج أن أراه. أقنع نفسي دائمًا أنه شخص آخر. نسخة طبق الأصل منك، لكنه ليس أنت. أنت هنا... معي... ومع أولادنا.»
وضعت يدها على بطنها، ثم على وجهي.
«أنت أحمدي أنا. وهو... هو أحمد آخر. هذا ما أردده لنفسي.»
قبلتها بعمق، ومارست معها الحب في ذلك الصباح بهدوء شديد، بينما كانت لا تزال تحمل في عقلها صور ما رأته. كان جسدها أكثر حساسية، أكثر جوعًا.
كان هذا السر الجديد جزءًا من شفائها... وجزءًا من غيرتها التي لم تمت تمامًا.
الفصل السابع والخمسون: ولادة التوأم
كان اليوم السابع والأربعين بعد بداية الشهر التاسع.
كانت ألكسندرا آنا لورا تمشي ببطء في الشرفة الخشبية، يدها على بطنها الكبير المستدير، ووجهها يلمع بعرق خفيف تحت شمس الكوكب الدافئة. فجأة توقفت، أمسكت بالدرابزين، وأطلقت أنينًا عميقًا.
«أحمد... حان الوقت.»
هرعتُ إليها. كنت قد أعددنا كل شيء منذ أسابيع: غرفة الولادة الهادئة المطلة على النهر، الماء الدافئ، الأعشاب المهدئة التي جمعتها من الغابة، والمناشف النظيفة. رفضت أن نستدعي أي مساعدة كونية. أرادت أن تكون الولادة بيننا فقط، في هذا الكوكب البدائي الذي اختارته لنا.
ساعدتها على الاستلقاء في حوض الماء الدافئ الذي أعددناه داخل الغرفة. كانت عارية تمامًا، جسدها الممتلئ بالحياة يرتجف. نهداها الثقيلان يتمايلان مع كل تنهدة، وبطنها المشدود ينقبض بعنف.
«أنا معكِ... أنا هنا.» كنت أمسك يدها، أمسح جبينها، أقبل شعرها المبلل بالعرق.
استمرت المخاض ساعات طويلة. كانت ألكسندرا قوية بشكل مذهل. كانت تصرخ أحيانًا، ثم تأخذ نفسًا عميقًا وتضغط بكل ما تملك. كنت أهمس لها كلمات الحب، أقبل يديها، أمسح بطنها.
«أنتِ مليكتي... أنتِ أقوى امرأة في كل الأكوان.»
في اللحظة الأولى، خرج الطفل الأول — الولد. صرخ بقوة فور خروجه إلى الهواء. كان سليمًا، قويًا، شعره أسود خفيف مثل شعري، وعيناه زرقاوان فاتحتان مثل عيني أمه. رفعته بيدي المرتجفتين وقطعت الحبل السري.
«ابننا...» همست ألكسندرا وهي تبكي من الفرح رغم الألم.
بعد دقائق قليلة، جاء الثاني — البنت. كانت أصغر قليلاً، أكثر هدوءًا، لكن صرختها كانت حادة وجميلة. شعرها أسود ناعم، وملامح وجهها تشبه أمها بشكل واضح.
وضعت التوأم على صدر ألكسندرا. كانت متعبة جدًا، لكن ابتسامتها كانت أجمل ما رأيت في حياتي. نهداها المتورمان يتسرب منهما الحليب بالفعل، وبطنها الذي كان منتفخًا أصبح الآن متراخيًا بلطف.
احتضنت الطفلين بذراعيها الضعيفتين، ودموعها تسيل على خديها.
«مرحبًا بكما... أحمد الصغير... وألكسندرا الصغيرة.»
سميتاهما معًا: أحمد ريتشارد (تيمنًا بوالدها). لورا كريستينا (تيمنًا بوالدتها واسمها الثلاثي).
كانت القطتان لونا وسيلفا تجلسان قرب الحوض بهدوة، تنظران إلى الطفلين بفضول. خارج المنزل، كانت الدجاجات تهدأ، والبقرة تطلق صوتًا هادئًا كأنها تشارك الفرح.
في تلك الليلة، جلستُ بجانب السرير أراقب ألكسندرا وهي ترضع التوأم. كان المشهد أجمل لوحة في حياتي: جسدها المرهق بعد الولادة، نهداها المنتفخان يغذيان طفلينا، وعيناها الزرقاوان مليئتان بحب لا حدود له.
اقتربت منها وقبلت جبهتها، ثم قبلت رأس الطفلين.
«شكرًا لكِ... على كل شيء.»
نظرت إليّ بابتسامة متعبة لكن سعيدة.
«هذا ما كنتُ أحتاجه... عائلتنا. هنا. بعيدًا عن كل شيء.»
نام التوأم على صدرها، ونمت ألكسندرا من الإرهاق. جلستُ أراقبهم طوال الليل، قلبي ممتلئ بالسلام والخوف في الوقت نفسه.
كان الكوكب لا يزال هادئًا... لكنني شعرت في أعماقي أن هذه اللحظة المقدسة لن تستمر إلى الأبد.
الفصل الثامن والخمسون: ***** الزمن
مرت شهور قليلة على ولادة التوأم، لكن ما حدث كان أغرب مما تخيلنا.
في البداية، كان أحمد ريتشارد ولورا كريستينا ينمون بسرعة طبيعية. لكنهما سرعان ما بدآ يتغيران بطريقة غير طبيعية. في غضون أسابيع، بدأت أجسادهما تكبر، أسنانهما تنبت، كلماتهما تتكون، وذكاؤهما يتطور بسرعة مذهلة. خلال شهرين فقط، أصبح التوأم يبدوان في العاشرة من العمر تمامًا — طفلان طويلان، نشيطان، يركضان في الغابة ويسبحان في النهر ويتحدثان بطلاقة.
كنا أنا وألكسندرا نراقبهما بذهول وقلق شديدين.
«هذا ليس طبيعيًا...» قالت ألكسندرا ذات صباح وهي تنظر إلى لورا التي كانت تتسلق شجرة بمهارة **** في العاشرة. «هم ينمون بسرعة كونية.»
أمسكتُ يدها. كان التوأم يشبهاننا بشكل مخيف: أحمد الصغير كان يشبهني في الملامح والحركات، ولورا كانت نسخة مصغرة من أمها — عيون زرقاء لامعة، شعر أسود طويل، وذكاء حاد.
استغثنا بالكائنات النورانية.
ظهرت الثلاثة فورًا في وسط المنزل الخشبي. أحاطوا بالتوأم، ثم لمس الوسط منهم جبهة أحمد ريتشارد، والآخر جبهة لورا كريستينا. شعرنا بموجة طاقة دافئة تملأ الغرفة.
«الطاقة الكونية في دمكما تسرّع النمو.» قال أحدهم بصوت هادئ. «لقد أعدنا توازنهما. سيعودان إلى النمط الطبيعي... لكنهما لن يعودا رضيعين. سيبقيان في العاشرة.»
تنهدت ألكسندرا براحة مختلطة بالحزن. كانت قد افتقدت مرحلة الرضاعة والخطوات الأولى، لكنها كانت سعيدة أنهما بخير.
بعد ذلك، جلسنا مع التوأم على الشرفة. كانا ينظران إلينا بذكاء طفولي ناضج.
«أبي... أمي... لماذا كبرنا هكذا؟» سأل أحمد الصغير.
أجابت ألكسندرا بلطف: «لأنكما خاصان. أنتما ثمرة حب عابر للأكوان.»
في تلك الليلة، تذكرتُ صور ألكسندرا الممثلة — ألكسندرا آنا في عالمي — وهي تدلل ابنها، تحمله بابتسامة أمومية ناعمة، وصورها الحامل به. شعرت بغصة في حلقي. كانت ألكسندرا آنا لورا الآن أمًا حقيقية، وكانت أجمل من أي صورة رأيتها في حياتي.
لكن السلام لم يدم.
في اليوم التالي، اهتز الكوكب اهتزازًا خفيفًا. ارتفع الضوء الأزرق في السماء، وظهرت المخلوقات النورانية مرة أخرى فجأة، ووجوهها تعكس القلق.
«خلل كوني ضخم حدث.» قال الوسط منهم بصوت ثقيل. «في عالمك يا أحمد... في مصر القديمة. عصر حتشبسوت وتحتمس الثالث. الشق هناك يهدد بتمزيق نسيج الزمن في كامل حوض النيل، وربما يمتد إلى كل الأكوان.»
نظرت ألكسندرا إليّ. كانت عيناها الزرقاوان تحملان التصميم رغم التعب.
«علينا أن نذهب.» قالت بهدوء. «لكن هذه المرة... نأخذ أطفالنا معنا. لن نتركهم هنا وحدهم.»
احتضنت التوأم، اللذين كانا ينظران إلينا بفضول طفولي. كان السلام الذي بنيناه على الكوكب على وشك أن يواجه أول اختبار حقيقي له.
مصر القديمة... عصر الفراعنة العظام... كانت تنتظرنا.
الفصل التاسع والخمسون: بوابة النيل (النسخة المعدلة)
في صباح اليوم التالي، اجتمعنا أمام المنزل الخشبي.
كان أحمد ريتشارد ولورا كريستينا يقفان بجانبنا، يرتديان ملابس بسيطة خفيفة مناسبة للمناخ. كان الولد يشبهني في نظرته الحادة والفضولية، أما البنت فكانت نسخة مصغرة من أمها — عيون زرقاء واسعة وشعر أسود طويل مربوط بضفيرة.
«هل سنذهب إلى مصر القديمة؟» سأل أحمد الصغير بحماس.
«نعم يا بني.» أجبتُ وأنا أضع يدي على كتفه. «لكنها مهمة خطيرة. يجب أن تطيعانا تمامًا.»
نظرت ألكسندرا إلى التوأم بقلق أمومي واضح. كانت لا تزال متعبة من الولادة السريعة، لكن قوتها عادت إليها. ارتدت ثوبًا أبيض بسيطًا يبرز منحنيات جسدها بعد الحمل، ووضعت يدها على بطنها الذي عاد إلى نحافته تقريبًا.
«لن أترككما هنا.» قالت بحزم. «أنتم جزء منا الآن. سنواجه هذا معًا.»
استدعينا المخلوقات النورانية. ظهرت الثلاثة وسط دائرة ضوء أبيض هادئ.
«الخلل في عصر حتشبسوت وتحتمس الثالث.» أوضح الوسط. «الملكة حتشبسوت تحكم، والأمير تحتمس ينمو في ظلها. الشق الكوني يهدد بإعادة كتابة التاريخ المصري كله، مما قد يؤدي إلى انهيار تسلسل زمني كبير.»
أعطونا المخلوقات خاتمين زمنيين جديدين، وألبستنا ملابس عصرية مناسبة: أنا ارتديت ثوبًا كتانيًا أبيض كرجل نبيل مصري، وألكسندرا ارتدت فستانًا أبيض ملكيًا بسيطًا يليق بامرأة ذات مكانة عالية. أما التوأم فكانا يبدوان كطفلين نبيلين.
كانت ألكسندرا آنا لورا تبدو فاتنة بشكل لا يُوصف بالملابس الفرعونية. الفستان الأبيض الرقيق المطرز بخيوط ذهبية كشف عن منحنيات جسدها النحيل المشدود بعد الحمل، ونهديها الممتلئين، وخصرها الرشيق. تاج صغير من الذهب يزين شعرها الأسود الطويل، وعيناها الزرقاوان اللامعتان تخطف الأنظار. عندما تحدثت بالمصرية القديمة بطلاقة تامة (هيروغليفية ونطقًا) مع بعض الفلاحين الذين مرّوا قربنا، بدت كإلهة نزلت من السماء. صوتها الرقيق الواثق، ونطقها المثالي للغة الفراعنة، جعل الناس ينظرون إليها بدهشة وتبجيل، وبعضهم همس "إيزيس" أو "حتحور".
قبل أن نفتح البوابة، احتضنت ألكسندرا التوأم طويلاً.
«مهما حدث... لا تبتعدا عني.» همست لهما.
فتحت البوابة الزرقاء. اجتزناها جميعًا.
وصلنا إلى مصر القديمة عند شروق الشمس.
كان الهواء حارًا وجافًا، ورائحة النيل تملأ المكان. وقفنا على تل صغير مطل على النهر العظيم. أمامنا امتدت مدينة طيبة بمعابدها المهيبة...
أمامنا امتدت مدينة طيبة (الأقصر حاليًا) بمعابدها المهيبة، وتماثيلها الضخمة، وأهراماتها الناشئة. كان الناس يتحركون في الأسواق، والمراكب تمخر عباب النيل.
«واو...» همست لورا بدهشة وهي تمسك يد أمها.
أما أحمد الصغير فكان ينظر إلى كل شيء بعينين واسعتين.
شعرنا فورًا بالشق الكوني. كان يظهر كوميض خفيف أرجواني في السماء فوق معبد الكرنك، لا يراه إلا من لديهم قدرات مثل ألكسندرا.
«الخلل قوي هنا.» قالت ألكسندرا وهي تغمض عينيها. «يؤثر على الزمن نفسه. إذا لم نصلحه، قد يختفي عصر حتشبسوت كله.»
نظرت إليّ بعزم.
«علينا أن نتقدم بحذر. سنحتاج إلى الاقتراب من البلاط الملكي.»
احتضنت التوأم بقوة، وأمسكتُ يدها. كنا عائلة صغيرة تقف أمام أحد أعظم العصور في تاريخ البشرية، وفي الوقت نفسه أمام خطر يهدد كل الأكوان.
«معًا.» قلتُ.
«معًا.» رد الجميع.
بدأت مغامرتنا في مصر القديمة... عصر الملكة الفرعون حتشبسوت، وتحتمس الثالث الذي كان لا يزال شابًا.
الفصل الستون: مياه النيل المقدسة
بعد ساعات قليلة من وصولنا إلى ضفاف النيل، استقررنا في منطقة هادئة نسبيًا بعيدة عن الأنظار، لكنها قريبة بما يكفي من مدينة طيبة لنتمكن من مراقبة الوضع.
كان الجو حارًا، والشمس تضرب بقوة. التوأم — أحمد ريتشارد ولورا كريستينا — كانا يلهثان من الحر، وألكسندرا نفسها كانت عرقها يلمع على بشرتها. نظرت إليّ بعينين متعبة لكنها تحمل بريقًا مرحًا.
«دعونا نستحم في النيل.» قالت فجأة. «الأطفال بحاجة إلى الانتعاش، وأنا أيضًا.»
ترددتُ للحظة. «لكن البلهارسيا والطفيليات...»
ابتسمت ألكسندرا ابتسامة مطمئنة. رفعت يدها، وأظهرت وميضًا خفيفًا أزرق حول أصابعها.
«المخلوقات النورانية وضعت حاجزًا طاقيًا حول أجسادنا الأربعة قبل عبور البوابة. لا يمكن لأي طفيلي أو جرثوم أن يقترب منا. مياه النيل بالنسبة لنا الآن أنقى من أي نبع في كوكبنا.»
لم يحتج التوأم. خلعوا ملابسهم بسرعة (مع الحفاظ على قطع بسيطة للحياء)، وهرعوا إلى الماء. تبعتهم أنا وألكسندرا.
كانت المياه دافئة ومنعشة، تحمل رائحة الطمي الخصب ورائحة الحياة القديمة. سبح أحمد الصغير ولورا بمرح، يضحكان ويرشقان بعضهما بالماء. أما ألكسندرا فكانت تبدو فاتنة بشكل لا يُقاوم. وقفت في الماء حتى خصرها، الفستان الأبيض الرقيق الذي ارتدته التصق بجسدها، يكشف كل منحنى. شعرها الأسود الطويل مبلل وملتصق بظهرها وصدرها، وعيناها الزرقاوان تلمعان تحت شمس مصر.
اقتربت مني في الماء، التفت ساقاها النحيلتان حول خصري تحت السطح، ووضعت ذراعيها حول عنقي. قبلتني قبلة طويلة، عميقة، مليئة بالشوق المكبوت بعد أيام التوتر.
«هنا نشعر أننا جزء من التاريخ... وخارجه في الوقت نفسه.» همست في أذني، وهي تلامس شفتيّ بأنفاسها الساخنة.
كنت أمسك خصرها، أشعر بدفء جسدها المبلل، وأرد على قبلتها بحرارة. للحظات، نسينا الخلل الكوني، نسينا الخطر، وكأننا عائلة عادية تستمتع بنهر مقدس.
بعد السباحة، جلسنا على الضفة. كانت ألكسندرا ترتدي ثوبها مرة أخرى، لكنه كان مبللاً ويلتصق بجسدها، مما يبرز جمالها الأسطوري. تحدثت مع بعض الصيادين المارين بالمصرية القديمة بطلاقة تامة، فسألتهم عن أخبار البلاط. كانوا ينظرون إليها بدهشة وتبجيل، يظنون أنها كاهنة أو سيدة نبيلة.
«الملكة حتشبسوت تُعدّ لاحتفال كبير في الكرنك.» قال أحدهم. «والأمير تحتمس... يقال إنه يشعر بتوتر غريب هذه الأيام.»
تبادلنا أنا وألكسندرا النظرات. كان الخلل يبدأ في التأثير على التاريخ بالفعل.
في المساء، عاد التوأم من اللعب، متعبين وسعداء. ناما مبكرًا داخل الخيمة البسيطة التي أقمناها. جلستُ أنا وألكسندرا خارجها، نراقب النيل تحت ضوء القمر.
«هم يكبرون بسرعة... ونحن نواجه خطرًا قديمًا.» همست ألكسندرا وهي تضع رأسها على كتفي. «لكنني سعيدة أنهم معنا.»
قبلت شعرها المبلل برائحة النيل.
«سنحميهم... وسنصلح هذا الخلل.»
لكن في أعماقنا، كنا نعلم أن عصر حتشبسوت لن يكون سهلاً. الشق الكوني كان ينبض فوق معابد طيبة، وكأنه ينتظرنا.
الفصل الحادي والستون: النسخة الرجولية
مرت أيام قليلة على إقامتنا في طيبة، ننتظر اللحظة المناسبة للاقتراب من البلاط الملكي. كانت ألكسندرا آنا لورا تدرس الوضع بعناية، وتستخدم قدراتها لتراقب الشق الكوني الذي كان يتسع ببطء فوق معبد الكرنك.
في إحدى الليالي الحارة، فاجأتني بتغيير جديد.
خرجت من الخيمة مرتدية شعرًا رجاليًا قصيرًا مستعارًا أسود اللون، مصففًا بأسلوب نبيل مصري، وملابس فرعونية رجالية أنيقة: تنورة كتانية قصيرة، حزام ذهبي، وقلادة عريضة. كانت صدرها مربوطًا بضمادة خفيفة تحت الثوب ليبدو أكثر تسطحًا، لكن منحنيات جسدها النحيل لم تختفِ تمامًا.
وقفت أمامي مبتسمة بخجل خفيف وجرأة في الوقت نفسه.
«ماذا تظن؟» سألتني بالمصرية القديمة بصوتها الرقيق.
تجمدت للحظات. كانت تبدو... مذهلة. وجهها الجميل مع الشعر القصير أعطاها ملامح أندروجينية ساحرة. بدت كشاب نبيل وسيم، لكن مع عينين زرقاوين تخطفان الروح. تذكرتُ في تلك اللحظة كريستوفر ريف في شبابه — القوة، الوسامة، والكاريزما — لكن في نسخة أنثوية فاتنة ومثيرة.
«يا إلهي...» همستُ وأنا أقترب منها. «أنتِ جميلة... مثيرة جدًا. حتى لو كنتِ رجلاً.»
احمر وجهها قليلاً، لكن ابتسامتها اتسعت. اقتربت أكثر، صوتها همس ساخن:
«هل تفتنك هذه الهيئة؟»
لم أجب بالكلام. أمسكتها من الخصر وسحبتها إليّ بعنف رقيق. قبلتها بعمق، يدي تنزلق على جسدها تحت الثوب الرجالي. كانت مثارة جدًا. جسدها يرتجف تحت لمسي، وكأن هذا التنكر أثار فيها شيئًا جديدًا.
تلك الليلة كانت ليلة ساخنة وجنونية.
داخل الخيمة، تحت ضوء المصباح الزيتي الخافت، خلعتُ عنها الثوب الرجالي ببطء. كانت لا تزال ترتدي الشعر المستعار. دفعتها على الفراش، وقبلت عنقها، صدرها، بطنها. كانت تئن بصوت أعمق من المعتاد، وهي تتمسك بشعري.
«أنتِ الآن... كل شيء.» همستُ وأنا أدخلها بقوة. «رجل... امرأة... إلهة... كل شيء.»
تحركنا بعنف وشغف، أجسادنا ملتصقة، عرقها يختلط بعرقي. كانت تتأوه وتتكلم بالمصرية القديمة أثناء الذروة، صوتها يرتجف. في إحدى اللحظات، أمسكتُ شعرها المستعار القصير، وسحبتها إليّ، وهي تضحك ضحكة ساخنة مثيرة.
عندما انتهينا، استلقت على صدري، لا تزال ترتدي الشعر الرجالي. كانت تتنفس بصعوبة، وابتسامتها مليئة بالرضا.
«أحببتُ الطريقة التي نظرتَ بها إليّ.» همست. «كأنني أثارتك أكثر من المعتاد.»
قبلت جبهتها وقلت بصدق:
«أنتِ تثيرينني بأي هيئة... لكن هذه الليلة كانت... مختلفة. أكثر كثافة.»
ضحكت بهدوء، ثم رفعت رأسها:
«ربما أستخدم هذه الهيئة أكثر في طيبة. قد تساعدنا على الاختلاط دون أن يلاحظ الناس امرأة غريبة ذات عيون زرقاء.»
احتضنتها بقوة، وفي قلبي مزيج من الإثارة والحب والقلق.
كانت ألكسندرا آنا لورا قادرة على أن تكون كل شيء — امرأة، أم، ملكة، وحتى... رجل فاتن يذيب عقلي.
وفي الخارج، كان النيل يجري بهدوء، بينما الشق الكوني فوق الكرنك يتسع ببطء... ينتظرنا.
الفصل الثاني والستون: بلاط حتشبسوت
بعد ثلاثة أيام من الاستطلاع والتحضير، قررنا الاقتراب من البلاط الملكي.
كانت ألكسندرا آنا لورا قد قررت استخدام الهيئة الرجولية التي أثارتني في الليلة السابقة. ارتدت الشعر المستعار القصير، والثوب الفرعوني الرجالي الأنيق، وقلادة عريضة من الذهب. بدت كشاب نبيل أجنبي ذو ملامح نادرة — وسيم، غامض، وعيناه (عيناها) زرقاوان تخطفان النظر. أما أنا فكنت أرتدي ثوب كاهن أو نبيل متوسط المرتبة، والتوأم كطفلين نبيلين تحت رعايتنا.
دخلنا مدينة طيبة كعائلة صغيرة تبحث عن فرصة في البلاط. بفضل قدرة ألكسندرا على التحدث بالمصرية القديمة بطلاقة، استطعنا تجاوز الحراس بسهولة نسبية بعد أن قدمنا أنفسنا كـ"زوار من أرض بعيدة في الشمال الشرقي" تحملون هدايا ومعرفة.
عندما وصلنا إلى قاعة العرش الكبرى في معبد الكرنك، كانت البهجة والرهبة تملأ المكان.
جلست الملكة حتشبسوت على العرش، مرتدية تاج الفرعون الكامل، ولحية مزيفة رمزية، وثوبًا أبيض مذهبًا. كانت امرأة قوية، ذكية، وكاريزمية. بجانبها وقف الأمير تحتمس الثالث — شاب في أواخر مراهقته، ينظر إلى العالم بتوتر وطموح واضحين.
وقفت ألكسندرا (بهيئتها الرجولية) في المقدمة بثقة. انحنت انحناءة مهذبة، وتحدثت بصوت هادئ وواثق:
«عظمة الملكة حتشبسوت، نور مصر، وحامية ماعت. جئنا من أرض بعيدة لنقدم ولاءنا ولمعرفتنا.»
نظرت حتشبسوت إليها — إليه — طويلاً. بدا أن شيئًا في ملامح ألكسندرا أو عينيها الزرقاوين أثار انتباهها.
«من أنتَ يا غريب الوجه والعينين؟» سألت الملكة بصوت حازم.
«أنا... أحمد.» ردت ألكسندرا باسمي، مستخدمة الهوية الرجولية. «و هذه عائلتي.»
أثناء الحديث، شعرتُ بالشق الكوني ينبض بقوة أكبر. كان يؤثر على الجو نفسه — بعض الكهنة كانوا يمسكون رؤوسهم كأنهم يعانون من صداع غريب، والتماثيل بدت تتلألأ بشكل غير طبيعي.
بعد الجلسة الرسمية، حصلنا على إذن بالبقاء في أحد الأجنحة الجانبية. في المساء، عندما عدنا إلى غرفتنا، خلعت ألكسندرا الشعر المستعار وتنهدت.
«كانت تنظر إليّ بشكل غريب.» قالت. «كأنها تشعر أنني... مختلفة.»
احتضنتها بقوة، وقبلت عنقها.
«لأنكِ مختلفة فعلاً. حتى في هيئة رجل، أنتِ الأجمل في القاعة كلها.»
ضحكت ضحكة خفيفة، ثم نظرت إلى التوأم اللذين كانا ينامان الآن بعد يوم طويل.
«علينا أن نتحرك بسرعة. الشق يتسع. أشعر به في عظامي.»
في تلك الليلة، وبينما كان التوأم نائمين في الغرفة المجاورة، مارست ألكسندرا الحب معي بهيئتها الرجولية جزئيًا — الشعر القصير لا يزال على رأسها. كانت تلك الليلة أكثر جرأة وإثارة من المعتاد، كأن الخطر المحيط يزيد من شغفنا.
لكن في الصباح التالي، استيقظنا على صوت إنذار داخلي من المخلوقات النورانية:
«الخلل بدأ يؤثر على الزمن. حتشبسوت قد تختفي من التاريخ... أو تصبح شيئًا آخر.»
كان علينا أن نتحرك الآن.
الفصل الثالث والستون: ظل الفرعون
في اليوم التالي، دعَتنا الملكة حتشبسوت إلى اجتماع خاص في إحدى الحدائق الملكية المطلة على النيل.
كانت ترتدي تاجها الكامل، وتبدو قوية وواعية. لكن عينيها كان فيهما شيء غريب — نوع من الارتباك الخفي. جلست على مقعد مرتفع، وأشارت لنا بالجلوس.
«أنتَ... لستَ مصريًا.» قالت لحدس ألكسندرا (بهيئتها الرجولية). «وعيناكِ... ليستا من هذا العالم. من أين أتيتما حقًا؟»
ترددت ألكسندرا للحظة، ثم قررت الصدق الجزئي:
«نحن من... مكان بعيد جدًا، يا عظمة الملكة. نأتي لنحذركِ. هناك قوة غير مرئية تهدد عرشكِ والزمن نفسه.»
فجأة، اهتز الهواء. شعرنا جميعًا بالشق الكوني ينفتح. ظهرت شقوق أرجوانية خفيفة في السماء، وكأن الواقع يتمزق. صاح أحد الكهنة، وسقط على ركبتيه.
«الآلهة غاضبة!» صاح.
أمسكت ألكسندرا يدي بقوة. التوأم كانا خائفين لكنهما يحاولان إظهار الشجاعة.
في تلك اللحظة، حدث ما لم نتوقعه.
اقترب تحتمس الثالث — الشاب الطموح — منا. نظر إلى ألكسندرا طويلاً، ثم قال بصوت منخفض:
«أشعر به أيضًا. هذا الشيء... يهمس في رأسي. يقول إنني سأصبح الفرعون الحقيقي... وأن حتشبسوت ليست إلا... مؤقتة.»
شحب وجه حتشبسوت. نظرت إلينا بذعر.
أدركنا أن الشق الكوني لم يكن مجرد تمزق فيزيائي، بل كان يؤثر على العقول والمصائر. كان يحاول تغيير خط التاريخ، يدفع تحتمس للتمرد المبكر على زوجة أبيه.
«يجب أن نغلقه الآن.» همست ألكسندرا لي. «قبل أن يبتلع كل شيء.»
في تلك الليلة، تسللنا إلى أعلى معبد الكرنك. كانت ألكسندرا ترتدي هيئتها الرجولية مرة أخرى لتسهيل الحركة. كان التوأم معنا، يحملان أدوات طاقية صغيرة أعطتهم إياها المخلوقات النورانية.
عندما وصلنا إلى قمة المعبد، كان الشق الكوني مفتوحًا بوضوح — جرح أرجواني متلألئ في نسيج السماء، ينبض كقلب مريض.
«أحمد... ساعدني.» قالت ألكسندرا.
مددتُ يدي. أمسكنا أيدينا، وأطلقت ألكسندرا قوتها المائية والطاقية. ارتفع عمود من الماء النيلي المتلألئ في الهواء، متشابكًا مع طاقتي. حاول الشق المقاومة، فأرسل موجات صدمية جعلت الأرض ترتج تحت أقدامنا.
صرخ التوأم من الخوف، لكنهما ثبتا مكانهما.
فجأة، ظهر وجه عملاق شفاف في الشق — وجه كائن قديم، لا إنساني، ينظر إلينا بغضب.
«أنتم... الذين يربطون الأكوان.» تردد صوته داخل رؤوسنا. «لن تمنعوني.»
صرخت ألكسندرا بكل قوتها، وانفجر الضوء الأزرق من جسدها. ساعدتها قوة التوأم دون أن يدريا — كانت طاقتهما الوراثية تعزز قوتها.
انغلق الشق بصوت مدوي، وعاد الهدوء إلى السماء.
سقطت ألكسندرا على ركبتيها، متعبة جدًا. احتضنتها بقوة، وقبلت جبهتها.
«نجحنا... لهذه المرة.»
لكن عندما نظرنا إلى أسفل المعبد، رأينا حتشبسوت وتحتمس ينظران إلينا من بعيد. كانت الملكة تعرف الآن أننا لسنا بشرًا عاديين.
«اللعبة لم تنتهِ بعد.» همست ألكسندرا بصوت مجهد.
كنا قد أنقذنا التاريخ مؤقتًا... لكن البلاط الفرعوني أصبح الآن ينظر إلينا كتهديد... أو كآلهة.
الفصل الرابع والستون: مواجهة الفرعون
في الصباح التالي، استدعت الملكة حتشبسوت أحمد وألكسندرا آنا لورا إلى قاعة خاصة في قصرها الملكي.
كانت الملكة جالسة على عرشها الصغير، مرتدية تاج الصل الذهبي، وعيناها تعبران عن مزيج من الحذر والفضول. بجانبها وقف تحتمس الثالث، شاب يحاول إخفاء طموحه خلف قناع الاحترام.
«تكلموا.» قالت حتشبسوت بصوت حازم. «من أنتم حقًا؟ وماذا فعلتم أمس فوق الكرنك؟»
نظرت ألكسندرا (التي كانت لا تزال تحتفظ بهيئتها الرجولية جزئيًا) إلى الملكة بثبات. ثم تحدثت بصراحة، لكن بحكمة:
«نحن لسنا من هذا العالم، يا عظمة الملكة. نحن من... أكوان أخرى. جئنا لنصلح تمزقًا في نسيج الزمن كان سيدمر حكمكِ، وربما يمحو اسمكِ من التاريخ.»
ساد صمت ثقيل. تحتمس نظر إليها بدهشة، بينما حتشبسوت ضيّقت عينيها.
«تدّعون أنكم آلهة؟» سألت الملكة بابتسامة ساخرة.
«لسنا آلهة.» ردت ألكسندرا بهدوء. «لكننا نملك قوى تتجاوز فهم البشر في هذا العصر. الشق الذي أغلقناه أمس كان يحاول تغيير مصيركِ... ويجعل تحتمس يستولي على العرش قبل الأوان.»
ارتجف تحتمس قليلاً، لكنه لم ينكر. حتشبسوت نظرت إليه بنظرة حادة، ثم عادت تنظر إلينا.
«وكيف أعرف أنكما لستما خطرًا أكبر؟» سألت.
في تلك اللحظة، مدّت ألكسندرا يدها. ارتفع عمود صغير من الماء من إناء قريب، وتشكّل في الهواء على شكل رأس أفعى كوبرا — رمز حتشبسوت المقدس — ثم تحول إلى تاج الملكة نفسه مصنوعًا من الماء المتلألئ.
سقطت حتشبسوت إلى الخلف في عرشها، مذهولة. حتى تحتمس فتح فمه بدهشة.
«أنتِ... حتحور.» همست الملكة بصوت مرتجف.
«لستُ حتحور.» ابتسمت ألكسندرا بلطف. «لكنني أستطيع حماية عرشكِ... إذا سمحتِ لنا.»
طالت المفاوضات. عرضت حتشبسوت علينا مكانة عالية في البلاط مقابل مساعدتنا في مواجهة أي تهديدات كونية أخرى. وافقت ألكسندرا بشرط أن يبقى وجودنا سرًا، وأن يُسمح لنا بالحركة بحرية.
عندما خرجنا من القاعة، كانت ألكسندرا متعبة لكنها سعيدة.
«نجحنا في كسب ثقتها.» قالت لي بهدوء. «لكن تحتمس... أشعر أنه سيسبب لنا مشكلة في المستقبل.»
في تلك الليلة، وبينما كان التوأم ينامان، وقفت ألكسندرا على شرفة الغرفة المطلة على النيل. كانت لا تزال ترتدي الملابس الرجالية. اقتربتُ منها من الخلف، أحضنتها، وقبلت عنقها.
«أنتِ مذهلة اليوم.» همستُ. «حتى حتشبسوت خافت منكِ.»
ضحكت ضحكة خفيفة، ثم استدارت ونظرت إليّ بعينين مليئتين بالشغف.
«هل تريدني بهذه الهيئة الليلة أيضًا؟»
أجبتها بقبلة عميقة.
كانت ليلتنا ساخنة ومليئة بالجرأة، تحت ضوء القمر المصري، بينما كان تاريخ مصر كله يعتمد علينا في الظل.
لكن الخطر لم ينتهِ... بل كان ينتظر اللحظة المناسبة ليعود أقوى.
الفصل الخامس والستون: ظل تحتمس
مرت الأيام التالية في طيبة بتوتر متزايد.
كان تحتمس الثالث — الشاب الطموح — يراقبنا عن كثب. في البداية كان يحاول الاقتراب بلباقة، يسأل ألكسندرا (بهيئتها الرجولية) عن "أرضها البعيدة" وعن القوى التي أظهرتها. لكنه سرعان ما أصبح أكثر جرأة.
في إحدى الليالي، ونحن في حديقة القصر الخاصة، اقترب من ألكسندرا وحده.
«أنتِ لستَ رجلاً.» قال لها بهمس حاد. «رأيتُ طريقة حركتكِ... ونظراتكِ. أنتِ امرأة. امرأة ذات قوة لا تُصدق.»
لم تنكر ألكسندرا. نظرت إليه بعينيها الزرقاوين الثاقبتين وقالت بهدوء:
«وماذا لو كنتُ كذلك؟»
ابتسم تحتمس ابتسامة غامضة، مليئة بالطموح والإعجاب.
«حتشبسوت تحكم الآن... لكنني سأصبح الفرعون يومًا ما. وأنا أحتاج إلى حلفاء أقوياء. حلفاء مثلك.»
اقترب أكثر، ومد يده ليلمس ذراعها. كان في عينيه مزيج من الرغبة والحساب السياسي.
«انضمي إليّ. ساعديني على أن أصبح أعظم فرعون. وسأعطيكِ ما تريدين — سلطة، ذهب، حتى... مكانة لا تُضاهى.»
وقفت ألكسندرا دون حراك. ثم ابتعدت خطوة واحدة بهدوء.
«أنا لستُ هنا من أجل السلطة يا أمير. أنا هنا لأصلح ما قد يدمر مصر كلها.»
نظر تحتمس إليها بنظرة باردة.
«حتشبسوت لن تبقى إلى الأبد. وأنتِ... ستختارين الجانب الصحيح عندما يحين الوقت.»
غادر المكان، تاركًا وراءه توترًا ثقيلاً.
عندما عادت ألكسندرا إلى غرفتنا، كانت متوترة. خلعت الشعر المستعار وجلست على السرير.
«هو خطر.» قالت لي. «ليس فقط على حتشبسوت... بل علينا أيضًا. أشعر أن الشق الكوني ترك أثراً في عقله. يهمس له بأفكار التمرد والسيطرة.»
احتضنتها بقوة، وقبلت جبهتها.
«سنراقبه. ولن ندعه يقترب من التوأم.»
في تلك الليلة، كان التوأم يلعبان مع بعض ***** البلاط تحت إشرافنا. لورا كانت تتحدث مع فتيات صغيرات بفضول، بينما أحمد الصغير كان يستمع إلى قصص الجنود عن الحروب.
لكن ألكسندرا لم تستطع الاسترخاء. كانت تشعر أن تحتمس يخطط لشيء ما.
في منتصف الليل، استيقظنا على صوت خطوات خفيفة خارج الغرفة. خرجتُ بحذر ورأيتُ ظلًا يبتعد — كان أحد حراس تحتمس يتجسس.
«اللعبة بدأت.» همست ألكسندرا وهي تقف بجانبي. «علينا أن نكون جاهزين.»
كانت مصر القديمة، التي كنا نظن أننا أنقذناها، على وشك أن تصبح ساحة معركة جديدة بين الطموح البشري... والقوى الكونية التي نحملها.
الفصل السادس والستون: فخ تحتمس
تصاعد التوتر في الأيام التالية بسرعة خطيرة.
كان تحتمس الثالث قد بدأ يتحرك في الظل. في البداية كانت الأمور تبدو عادية — دعوات للقاءات، أسئلة عن "القوى الإلهية"، ومحاولات لكسب ود ألكسندرا. لكنه سرعان ما أصبح أكثر جرأة وخطورة.
في إحدى الليالي، أثناء احتفال صغير في حدائق القصر، اقترب تحتمس من ألكسندرا وهي وحدها للحظات. كان يرتدي ملابس فاخرة، وعيناه تلمعان بطموح حاد.
«أعرف سركِ.» قال لها بهمس. «أنتِ امرأة. امرأة ذات قوة تفوق حتى قوة حتشبسوت. انضمي إليّ. ساعديني أن أزيحها... وسأجعلكِ اليد اليمنى للفرعون. بل أكثر من ذلك.»
مد يده وأمسك ذراعها بقوة.
«أستطيع أن أعطيكِ ما تريدين... حتى جسدي إذا أردتِ.»
شعرت ألكسندرا بالغضب يغلي داخلها. سحبت ذراعها بقوة وقالت بصوت بارد:
«أنتَ لا تعرفني يا أمير. ولا تعرف ما أستطيع فعله إذا هددتَ عائلتي.»
في تلك اللحظة، شعرت بالشق الكوني ينبض مرة أخرى. كان تحتمس قد تأثر به أكثر مما ظننا — كان الشق يغذي طموحه وغيرته، يهمس له بأفكار السيطرة والخيانة.
في اليوم التالي، حدث ما كنا نخشاه.
أُلقي القبض على أحد حراسنا بتهمة التجسس (كان في الواقع من رجال تحتمس). ثم وصلت رسالة سرية إلى ألكسندرا:
«إذا لم تقفي إلى جانبي، سأجعل الملكة تعتقد أنكما عدوّان لمصر. وسأبدأ بالطفلين.»
عندما قرأت ألكسندرا الرسالة، احمر وجهها غضبًا. جاءت إليّ في الغرفة وهي ترتجف.
«هو يهدد أولادنا.» قالت بصوت مكتوم. «تحتمس لم يعد مجرد أمير طموح... الشق الكوني غيّره. أصبح خطيرًا.»
احتضنتها بقوة، لكنني شعرت بالغضب يغلي داخلي أيضًا.
في تلك الليلة، اجتمعنا مع التوأم. شرحنا لهما الوضع ببساطة، وطلبنا منهما الحذر الشديد. كان أحمد الصغير ينظر بجدية، ولورا كانت تمسك يد أمها بقوة.
«لن نسمح له بأذيتكما.» قالت ألكسندرا للطفلين بصوت حازم.
لكن التوتر وصل ذروته في اليوم التالي.
دُعينا إلى اجتماع طارئ مع حتشبسوت. عندما وصلنا إلى القاعة، وجدنا تحتمس واقفًا بجانبها، ووجها يعبران عن اتهام.
«هؤلاء الغرباء.» قال تحتمس بصوت عالٍ. «يمتلكون قوى شيطانية. رأيتُهم يتحكمون في الماء والسماء. هم خطر على مصر!»
نظرت حتشبسوت إلينا بجدية. كانت الشكوك قد بدأت تتسلل إليها.
أدركنا أن تحتمس بدأ يحرك خطته. كان يستغل الشق الكوني المتبقي في عقله ليحول الملكة ضدنا.
وقفت ألكسندرا إلى الأمام، عيناها الزرقاوان تلمعان بقوة.
«سنثبت لكِ الحقيقة يا عظمة الملكة... لكننا بحاجة إلى وقت.»
كانت المواجهة قد بدأت على أرض المعبد... وكان تحتمس مستعدًا للحرب.
الفصل السابع والستون: المواجهة الكبرى
في ليلة مقمرة فوق معبد الكرنك، اندلعت المواجهة الكبرى.
كان تحتمس الثالث قد خطط جيدًا. أمر حراسه بالإمساك بالتوأم أثناء نومهما، ثم استدرجنا إلى أعلى المعبد تحت ذريعة "اجتماع طارئ" مع حتشبسوت. عندما وصلنا، وجدنا الأمير واقفًا أمامنا، محاطًا بعشرات الحراس، والتوأم مربوطين خلفه.
«أحمد! ألكسندرا!» صاح أحمد الصغير بخوف.
كانت ألكسندرا ترتجف من الغضب. عيناها الزرقاوان احترقتا بنار لم أرها من قبل.
«أطلق سراحهما.» قالت بصوت منخفض يحمل تهديدًا كونيًا.
ابتسم تحتمس ابتسامة باردة.
«سأطلق سراحهما... إذا انضممتِ إليّ. أنتِ قوة لا تُقهر. معكِ سأصبح أعظم فرعون في التاريخ. حتشبسوت مجرد عقبة.»
في تلك اللحظة، انفتح الشق الكوني فوق المعبد مرة أخرى — أوسع وأقوى. كان تحتمس قد تعلم كيف يستخدم بقايا طاقته ليغذي طموحه.
اندلعت المعركة.
أطلقت ألكسندرا قوتها المائية. ارتفع النيل نفسه في أعمدة عملاقة، وهاجم الحراس. كنت أدعمها بطاقتي، أرسل موجات طاقية تحمي التوأم. أما أحمد الصغير ولورا، فقد بدآ يستخدمان قدراتهما الوراثية الخفيفة — أحمد يحرك الأشياء بتركيزه، ولورا ترى نقاط الضعف في الشق.
كان تحتمس يقاتل بشراسة. كان الشق قد أعطاه قوة مؤقتة — كان يرمي موجات طاقة أرجوانية نحونا.
«أنتم لستم آلهة!» صاح. «أنتم مجرد غرباء! ومصر لي!»
في ذروة المعركة، اندفع تحتمس نحو ألكسندرا. أمسكها من عنقها، وعيناه مليئتان بالجنون.
«ستكونين ملكتي... أو سأقتل أطفالك.»
لم تتردد ألكسندرا. جمعت كل قوتها، ووضعت يدها على صدره. انفجر ضوء أزرق هائل من جسدها، فألقت تحتمس إلى الخلف عشرات الأمتار.
سقط الأمير على الأرض، يلهث. الشق الكوني فوق المعبد بدأ يتقلص ببطء.
اقتربت ألكسندرا منه، لا تزال في هيئتها الرجولية، لكن عيناها كانتا عيني أم غاضبة.
«لمسة واحدة لطفليّ... وسأمحو اسمك من التاريخ.»
تراجع تحتمس. كان مهزومًا، لكنه لم يمت. نظر إلينا بنظرة مليئة بالكراهية والخوف.
«هذا لن ينتهي.» همس.
أنهينا الشق الكوني تمامًا تلك الليلة. انغلق بصوت مدوي، وعاد السلام إلى سماء طيبة.
عندما عاد التوأم إلينا سالمان، احتضنتهما ألكسندرا بقوة وبكت. كنت أحتضنهم جميعًا، قلبي يدق بقوة.
في الصباح، جاءت حتشبسوت بنفسها. كانت قد عرفت الحقيقة.
«أنتم أنقذتم مصر.» قالت باحترام. «ستبقون أصدقاء للعرش... طالما أردتم.»
قررنا أن نعود إلى كوكبنا بعد يومين. كانت المهمة قد انتهت... لكن تحتمس بقي حيًا، وكراهيته لنا أصبحت بذرة قد تنمو في المستقبل.
في آخر ليلة في مصر القديمة، وقفت ألكسندرا معي على شرفة تطل على النيل، تحت ضوء القمر.
«كدنا نفقد التوأم.» همست بصوت مكسور.
احتضنتها بقوة.
«لكننا لم نفقدهما. وسنعود إلى منزلنا... إلى كوكبنا الهادئ.»
كانت مصر قد شهدت على قوة حبنا وعلى قدرتنا على حماية أسرتنا... لكن الكون كان لا يزال يحمل أسرارًا أكبر.
الفصل الثامن والستون: زمن هادئ في الإسكندرية البطلمية
بعد عودتنا من عصر حتشبسوت، قررنا أن نأخذ استراحة حقيقية.
لم نعد إلى كوكبنا مباشرة. بدلاً من ذلك، طلبت ألكسندرا آنا لورا أن ننتقل إلى زمن آخر — عصر البطالمة في مصر، تحديدًا في عهد بطليموس الثاني فيلادلفوس، في مدينة الإسكندرية الجديدة.
«أريد مكانًا يجمع بين الحضارة والجمال.» قالت لي بابتسامة. «مكان يناسب عائلتنا الآن.»
فتحنا بوابة زمنية جديدة، ووصلنا إلى الإسكندرية في عام 270 ق.م تقريبًا.
كانت المدينة في أوج مجدها: مكتبة الإسكندرية الشهيرة تتألق، منارة فانوس الإسكندرية ترتفع شامخة، والشوارع مليئة باليونانيين والمصريين واليهود والتجار من كل أنحاء العالم. الهواء يحمل رائحة البحر المتوسط والتوابل والورود.
استقررنا في فيلا فخمة مطلة على البحر، في حي الملوك. كانت الفيلا واسعة، ذات حدائق يونانية-مصرية جميلة، وبركة ماء كبيرة.
هنا عشنا زمنًا هادئًا نسبيًا.
كان أحمد ريتشارد ولورا كريستينا سعيدين جدًا. كانا يتعلمان اليونانية والمصرية معًا، يركضان في الحدائق، يسبحان في البحر، ويزوران المكتبة الكبرى مع أمهما. ألكسندرا كانت تأخذهما إلى المسرح اليوناني، وتشرح لهما تاريخ الإسكندر الأكبر بإعجاب.
أما أنا وألكسندرا، فقد استعدنا جزءًا كبيرًا من خصوصيتنا.
كانت تمضي معي أمسيات طويلة على شرفة الفيلا المطلة على البحر. نتحدث، نضحك، ونمارس الحب بهدوء وعمق. جسدها بعد الحمل والولادة أصبح أكثر نضجًا وأنوثة، وكانت تتحرك بثقة أمومية تجعلني أشتهيها أكثر.
في إحدى الليالي، وبعد أن نام التوأم، وقفت ألكسندرا أمامي مرتدية ثوبًا يونانيًا شفافًا خفيفًا. ابتسمت ابتسامة ساحرة وقالت:
«هل ترى؟ حتى في عصر البطالمة... أنا لا أزال ملكتك.»
سحبتها إليّ، وقبلناها تحت ضوء القمر، ثم حملتها إلى السرير. كانت ليلتنا طويلة، مليئة بالشغف الهادئ الذي افتقدناه وسط المعارك الكونية.
كان التوأم يكبران بسرعة معقولة الآن. أحمد الصغير كان يحب القراءة في المكتبة، ولورا كانت مولعة بالموسيقى والرقص اليوناني. كنا نأخذهم إلى السوق، نشتري لهم حلويات، ونروي لهم قصصًا عن عوالمنا.
في إحدى الأمسيات، جلست ألكسندرا معي على الشرفة، تضع رأسها على كتفي، والتوأم يلعبان في الحديقة تحت إشراف خادمة موثوقة.
«هذا ما كنتُ أحلمه.» همست. «عائلة... سلام... مكان جميل.»
قبلت شعرها وقلت:
«ونحن سنستمر فيه... مهما حاول الكون أن يأخذه منا.»
كان الزمن في الإسكندرية البطلمية هادئًا نسبيًا. لا شقوق كونية كبيرة، ولا مواجهات مباشرة. فقط حياة عائلية دافئة بين الحضارة الهلنستية والنيل القديم.
لكننا كنا نعلم أن هذا السلام... هدية مؤقتة.
في أعماقنا، كنا ننتظر النداء التالي من المخلوقات النورانية... أو من تحتمس الذي تركناه في الماضي.
الفصل التاسع والستون: رحلة المعابد
قررنا أن نستغل الفترة الهادئة في عصر بطليموس الثاني لنأخذ رحلة عائلية كبيرة عبر مصر.
أرادت ألكسندرا آنا لورا أن يرى التوأم عظمة الحضارة المصرية بأنفسهما، وأن نشعر نحن أيضًا بجمال هذا الزمن.
أولاً: معبد فيلة
بدأت الرحلة جنوبًا إلى جزيرة فيلة.كان معبد إيزيس لا يزال في مراحل البناء الأولى، لكنه كان مذهلاً بالفعل. الأعمدة الضخمة ذات رؤوس اللوتس كانت تُنحت بعناية، والجدران بدأت تُزين بنقوش ملونة. وقفت ألكسندرا أمام المعبد، عيناها الزرقاوان مليئتان بالدهشة.
«هنا ستكون إيزيس... الأم، الزوجة، الساحرة.» همست. «كأنها تنتظرنا.»
سبح التوأم في مياه النيل قرب الجزيرة، بينما كنتُ أنا وألكسندرا نجلس على صخرة، نراقب العمال يرفعون الأحجار. كانت الشمس تغرب، فتحولت المياه إلى ذهب.
ثانيًا: أبو سمبل
تابعنا الرحلة إلى أبو سمبل في الجنوب.كان المعبد الضخم الذي بناه رمسيس الثاني قبل أكثر من ألف عام لا يزال شامخًا، لكنه كان مغطى جزئيًا بالرمال. التماثيل الأربعة العملاقة لرمسيس كانت تهيمن على الواجهة، وكأنها تحرس الزمن نفسه.
دخلنا المعبد من الداخل. كانت الجدران مليئة بنقوش حية، والألوان لا تزال واضحة. أحمد الصغير وقف أمام تمثال رمسيس بدهشة، بينما لورا مدت يدها لتلمس النقوش بحذر.
«كانوا يبنون ليبقوا إلى الأبد.» قالت ألكسندرا بهدوء وهي تمسك يدي.
ثالثًا: معابد طيبة (الكرنك والأقصر)
عادوا شمالًا إلى طيبة.كانت معابد الكرنك في أوج ازدهارها في العصر البطلمي. الأعمدة الضخمة، قاعة الأعمدة الهائلة، والتماثيل الشاهقة كانت تخطف الأنفاس. مشينا بينها، والتوأم يركضان بين الأعمدة وهما يضحكان.
وقفت ألكسندرا أمام معبد الأقصر عند الغروب. الشمس الحمراء كانت تضيء الأعمدة، فبدت المعابد وكأنها تحترق بهدوء.
«هنا عشتُ أجمل وأصعب أيام حياتي.» همست لي وهي تضع رأسها على كتفي.
أخيرًا: الأهرامات
كانت الرحلة تنتهي عند هضبة الجيزة.كانت الأهرامات الثلاثة — خوفو وخفرع ومنقرع — شامخة كما هي دائمًا، لكنها كانت أكثر نقاءً وبياضًا في هذا العصر، حيث كانت طبقة الكسوة الجيرية البيضاء لا تزال تغطيها جزئيًا، فتلمع تحت الشمس كالماس.
وقف التوأم مذهولين أمام هرم خوفو. أحمد الصغير حاول احتساب حجمه، ولورا كانت تنظر إليه بصمت عميق.
جلست أنا وألكسندرا على رمال الهضبة، نراقب غروب الشمس خلف الأهرامات. كان منظرًا أسطوريًا.
«منذ آلاف السنين بنوها... ونحن الآن هنا مع أولادنا.» قالت ألكسندرا بصوت مليء بالعواطف.
احتضنتها بقوة، وقبلت شعرها.
«هذه هي الحياة التي نستحقها... بعد كل ما مررنا به.»
في نهاية الرحلة، عادوا إلى الإسكندرية مرهقين لكن سعداء. كانت هذه الرحلة بمثابة شفاء للروح بعد كل المعارك الكونية.
لكن في أعماقنا، كنا نعرف أن هذا الزمن الهادئ... لن يدوم إلى الأبد.
الفصل السبعون: مراقبة الأكوان من الإسكندرية
استقرّت حياتنا في الإسكندرية البطلمية على نمط هادئ ومنظم.
كنا نعيش في فيلا فخمة مطلة على البحر المتوسط، محاطة بحدائق يونانية-مصرية جميلة. التوأم — أحمد ريتشارد ولورا كريستينا — كانا يتعلمان في مدرسة خاصة صغيرة، ويستمتعان بأيام الصيف على شاطئ البحر. أما قطتانا لونا وسيلفا السياميتان، فكانتا تتجولان بحرية في الحديقة أو تنامان على الشرفة المطلة على البحر.
لكن ألكسندرا آنا لورا لم تترك مراقبة الأكوان.
في قبو سري تحت الفيلا، أخفت أجهزتها المتطورة الصغيرة الحجم التي انتقلت معنا عبر الزمن. كانت هذه الأجهزة — كرات بلورية صغيرة وشاشات شفافة — قادرة على ربطها بشبكة الأكوان المتعددة بطريقة خفية.
في إحدى الليالي الهادئة، وبعد أن نام التوأم، جلست ألكسندرا أمام الجهاز في القبو. كنتُ أجلس بجانبها، أراقبها بصمت.
فجأة، تغيرت تعابير وجهها.
«أحمد... تعال انظر.»
اقتربتُ. على الشاشة الثلاثية الأبعاد، ظهرت منطقة مجهولة تمامًا، نائية جدًا، خارج مجموعات المجرات التي نعرفها. كانت منطقة شاسعة تحتوي على اتحاد جمهوريات مكون من 15 جمهورية مستقلة ظاهريًا، لكنها مترابطة في اتحاد فضائي.
كل جمهورية كانت عبارة عن مجموعة شمسية تحتوي على كوكب مأهول واحد أو أكثر، بالإضافة إلى كواكب غير صالحة للسكن.
انقسمت هذه الجمهوريات إلى نمطين رئيسيين:
· القسم الأول (حوالي 8 جمهوريات): نمط حياة اشتراكي شيوعي صارم، يجمع بين مراحل مختلفة من الاتحاد السوفييتي. بعضها يشبه الثلاثينيات والأربعينيات في التصنيع الثقيل والمزارع الجماعية والستالينية الصارمة، وبعضها الآخر يحمل طابع الخمسينيات والستينيات في الازدهار الصناعي والفضائي، والبعض يعكس السبعينيات والثمانينيات في الركود الاقتصادي، الملابس الرمادية، السيارات الضخمة، والدعاية السياسية المكثفة. كانت المدن مليئة باللافتات الحمراء، والمصانع الضخمة، والصفوف الطويلة أمام المحلات، والأعلام بالمطرقة والمنجل.
- · القسم الثاني (حوالي 7 جمهوريات): نمط إمبراطوري-استعماري يشبه القرن التاسع عشر. ملابس أنيقة على الطراز البريطاني والألماني والنمساوي-المجري، قبعات، بدلات، فساتين طويلة، عربات بخارية، ومبانٍ كلاسيكية فخمة. بعضها يشبه لندن في عصر فيكتوريا، والبعض الآخر يشبه فيينا أو برلين الإمبراطورية.
نظرتُ إلى الشاشة بدهشة.
«هل هذا كون موازٍ جديد تمامًا؟»
«نعم.» أجابت. «بعيد جدًا. لم أره من قبل. يبدو أن هناك صراعًا باردًا بين النمطين... وربما حربًا قادمة.»
وقفت ألكسندرا، ونظرت إليّ بعينين قلقتين.
«يجب أن نراقبهم جيدًا. هذا الاتحاد قد يكون له تأثير على شبكة الأكوان كلها... خاصة إذا اندلعت حرب بين الشيوعيين والإمبرياليين.»
احتضنتها من الخلف، ووضعت ذقني على كتفها.
«سنراقبهم معًا. لكن ليس الليلة. الليلة... نعود إلى أولادنا وإلى حياتنا الهادئة هنا.»
ابتسمت ألكسندرا، وأطفأت الجهاز.
«نعم... ليكن لنا ليلة هادئة في الإسكندرية.»
خرجنا من القبو، وصعدنا إلى الشرفة المطلة على البحر. كان التوأم نائمين، والقطتان تتمايلان على الدرابزين. جلسنا نراقب أضواء المدينة القديمة، ونستمع إلى صوت الأمواج.
لكن في أعماقنا، كنا نعلم أن مراقبة هذا الاتحاد الغريب... ستكون بداية فصل جديد.
الفصل الحادي والسبعون: ظلال الاتحاد
في الأسابيع التالية، أصبحت مراقبة "اتحاد الخمس عشرة جمهورية" هاجس ألكسندرا اليومي.
كانت تجلس لساعات طويلة في القبو السري تحت الفيلا، محاطة بأجهزتها البلورية الصغيرة، بينما أنا أجلس بجانبها أو أحمل لها كوب شاي ساخن. التوأم كانا يعتقدان أن أمهما "تدرس التاريخ"، وقطتا لونا وسيلفا كانتا تنامان على وسائد قريبة.
مع مرور الوقت، اكتشفت ألكسندرا المزيد:
الجمهوريات الشيوعية (الثماني) كانت متنوعة في مراحلها:
- بعضها عاش في جو الثلاثينيات-الأربعينيات: تصنيع ثقيل، حملات تطهير، ودعاية ستالينية شرسة.
- وبعضها الآخر وصل إلى مرحلة الخمسينيات-الستينيات: سباق فضائي، مدن صناعية هائلة، وتحسن نسبي في مستوى المعيشة.
- أما البعض الآخر فكان يعيش أجواء السبعينيات والثمانينيات: ركود اقتصادي، نقص في السلع، موسيقى "محظورة" تتسرب تحت الأرض، وتذمر شعبي خفي.
- بعضها بريطاني الطابع: إمبراطورية بحرية، تجارة عالمية، وطبقات اجتماعية صارمة.
- وبعضها ألماني-نمساوي: انضباط عسكري، صناعة ثقيلة، وفنون كلاسيكية.
- وكان هناك توتر دائم بين الجانبين داخل الاتحاد، رغم وجود معاهدات سلام هشة.
«هناك شيء أكبر من مجرد صراع أيديولوجي. أرى بوادر حرب باردة تتحول إلى ساخنة. إذا اندلعت حرب بين هذين النمطين، فإن طاقتها قد تمزق نسيج الأكوان المجاورة... بما فيها كوننا.»
وضعت يدي على كتفها.
«وماذا نفعل؟»
«نراقب.» أجابت. «ونستعد. إذا احتجنا أن نتدخل... سنتدخل.»
في تلك الليلة، صعدنا إلى الشرفة بعد أن أطفأت الأجهزة. كان البحر المتوسط يتلألأ تحت ضوء القمر، والأضواء اليونانية-المصرية تضيء مدينة الإسكندرية. جلس التوأم معنا، يتحدثان عن يومهما في المدرسة، بينما لونا وسيلفا تتسلقان الدرابزين.
احتضنت ألكسندرا التوأم وقالت بهدوء:
«مهما حدث في الأكوان البعيدة... هنا، في هذا البيت، نحن عائلة. وسنبقى كذلك.»
نظرتُ إليها، وشعرت بفخر عميق. كانت ألكسندرا آنا لورا — العالمة، الأم، المحاربة — تحاول أن تجد التوازن بين واجبها الكوني وحياتها العائلية.
لكن في أعماقنا، كنا نعرف أن هذا الاتحاد الغريب... سيصبح جزءًا من قصتنا قريبًا.
الفصل الثاني والسبعون: قرار الرحلة
بعد أسابيع من المراقبة المكثفة، اتخذت ألكسندرا قرارًا حاسمًا.
كانت تجلس معي على الشرفة في الإسكندرية البطلمية، والقمر ينعكس على مياه البحر. التوأم كانا يلعبان مع لونا وسيلفا في الحديقة، والقطتان السياميتان — بألوانهما الرمادية الفاتحة والعيون الزرقاء اللامعة — كانتا تثيران دهشة الخدم والجيران المصريين والبطالمة الذين لم يروا مثل هذه القطط من قبل.
نظرت ألكسندرا إليّ بعزم هادئ وقالت:
«يجب أن نذهب. لا يمكننا الاكتفاء بالمراقبة. هذا الاتحاد خطير، وأريد أن أفهمه عن قرب قبل أن يصل تأثيره إلينا.»
ترددتُ قليلاً، ثم نظرت إلى التوأم.
«وأولادنا؟»
«سيأتون معنا.» أجابت بثبات. «لقد كبروا بما يكفي، وهم جزء من هذه العائلة. لن نتركهم هنا.»
في اليوم التالي، أخبرنا التوأم بالقرار. كانا متحمسين بشكل كبير، خاصة أحمد الصغير الذي كان يحب المغامرات.
«سنذهب إلى كوكب في أحد الجمهوريات الإمبراطورية.» أوضحت ألكسندرا. «الكوكب الأهم في ذلك الجانب. يجمع بين أجواء برلين الإمبراطورية، وفيينا النمساوية-المجرية، ولندن الفيكتورية. تكنولوجيا القرن التاسع عشر المتقدمة، ملابس أنيقة، قصور فخمة، وإمبراطوريات مترامية الأطراف.»
أعدّوا حقائبهم بسرعة. أخفت ألكسندرا أجهزتها المتطورة في صندوق سري، وارتدينا ملابس مناسبة للعصر الإمبراطوري (بدلات أنيقة لي، وفساتين طويلة أنيقة لها وللورا، وبدلات صغيرة لأحمد الصغير).
أما القطتان لونا وسيلفا، فقد وضعناهما في سلة خاصة. كان سكان الحي ينظرون إليهما بدهشة كبيرة — قطط سيامية بألوانها النادرة وعيونها الزرقاء الثاقبة كانت تبدو لهم ككائنات أسطورية.
فتحت ألكسندرا البوابة الكونية في القبو. كانت البوابة زرقاء لامعة، أكثر استقرارًا من المرات السابقة.
قبل عبورها، وقفت ألكسندرا أمامنا وقالت بصوت هادئ:
«هذه ليست رحلة سياحية. سنراقب، نفهم، ونعود إذا لزم الأمر. لكننا نبقى معًا دائمًا.»
أمسك كل منا يد الآخر. أحمد الصغير أمسك يد أمه، ولورا أمسكت يدي، والقطتان في السلة تنظران بفضول.
عبرنا البوابة.
وصلنا إلى كوكب "فيكتوريا-برلين" — الكوكب الرئيسي للجمهوريات الإمبراطورية.
كانت المدينة الرئيسية تجمع بين عظمة لندن الفيكتورية، وفخامة فيينا الإمبراطورية، وانضباط برلين. مبانٍ حجرية شاهقة، شوارع واسعة، عربات بخارية أنيقة، نساء بفساتين طويلة ومظلات، ورجال ببدلات سوداء وقبعات. في السماء، كانت سفن هوائية ضخمة تمر ببطء.
وقفنا في ساحة كبيرة، ننظر حولنا بدهشة.
«يا إلهي...» همست ألكسندرا وهي تمسك يدي بقوة. «هذا العالم... يبدو وكأنه خرج من أحلام القرن التاسع عشر.»
نظر إلينا المارة بدهشة — خاصة لون عيون ألكسندرا الزرقاء اللامعة، ولون قطتينا السياميتين. لكن أحدا لم يجرؤ على الاقتراب.
كانت الرحلة قد بدأت.
الفصل الثالث والسبعون: استكشاف المدينة
خرجنا من الساحة الكبرى ومشينا في شوارع المدينة الرئيسية التي كانت تُدعى «فيكتوريا-برلين» أو «الإمبراطورية الجديدة» محليًا.
كانت المدينة مذهلة في تناقضاتها الجميلة. المباني الحجرية الشاهقة تجمع بين الطراز القوطي البريطاني، والباروك النمساوي، والكلاسيكية الألمانية. عربات بخارية أنيقة تسير على قضبان معدنية في الشوارع الواسعة، وفي السماء تمر سفن هوائية ضخمة ببطء مهيب. النساء يرتدين فساتين طويلة مزينة بالدانتيل والريش، والرجال ببدلات سوداء أنيقة وقبعات عالية.
تجولنا في السوق الكبير (الذي يشبه مزيجًا بين سوق لندن وفيينا). كانت الروائح تملأ المكان: الشاي الهندي، التوابل، العطور الفرنسية، والخبز الطازج. اشترينا للتوأم حلويات فاخرة، وللقطتين لعبًا صغيرة من الريش.
كان الناس ينظرون إلينا بفضول واضح:
- عيون ألكسندرا الزرقاء اللامعة كانت نادرة جدًا هنا.
- ألوان قطتينا السياميتين (الرمادي الفاتح والكريمي مع العيون الزرقاء) كانت تثير الدهشة، وبعض السيدات كن يتوقفن ليمدحن جمالهما.
«هذا العالم... يبدو أنه توقف عند القرن التاسع عشر، لكنه متقدم تكنولوجيًا في بعض الجوانب.» قالت بهدوء. «الصناعة قوية، والإمبراطورية مترامية الأطراف، لكنهم يعيشون في ظل نظام طبقي صارم.»
تابعنا التجول حتى وصلنا إلى ميدان كبير في وسط المدينة. في المنتصف كان تمثال ضخم لإمبراطور يشبه القياصرة الألمان والنمساويين. حوله كان جنود بزي رسمي أنيق يقفون حراسة.
جلسنا في مقهى راقٍ مطل على الميدان. طلبنا شايًا وكعكًا. كان التوأم ينظرون حولهم بفضول طفولي، بينما لونا وسيلفا كانتا تنامان بهدوء في سلتهما.
«أبي، لماذا ينظرون إلينا هكذا؟» سألت لورا.
ابتسمت ألكسندرا وقالت:
«لأننا مختلفون. عيوننا... قططنا... طريقة كلامنا. لكن هذا جيد. يجعلنا نلاحظ أكثر.»
في المساء، عدنا إلى الفندق الفاخر الذي حجزناه (كان يشبه فنادق لندن الكبرى في العصر الفيكتوري). بعد أن نام التوأم، وقفت ألكسندرا على الشرفة المطلة على المدينة المضيئة بمصابيح الغاز.
احتضنتها من الخلف.
«ما رأيك؟» سألتها.
«هذا العالم جميل... لكنه خطير.» أجابت. «التوتر بين الجمهوريات الشيوعية والإمبراطورية يزداد. أشعر أن حرباً كبيرة قد تنفجر قريبًا.»
قبلت عنقها بلطف.
«سنراقب... وسنحمي أولادنا.»
تلك الليلة، نامت ألكسندرا في حضني، لكن عقلها كان لا يزال يفكر في الاتحاد الغريب الذي وصلنا إليه.
كانت رحلتنا في هذا العالم قد بدأت للتو.
الفصل الرابع والسبعون: سر العوالم المشابهة
في اليوم الرابع من وجودنا في عاصمة الكوكب (التي كانت تُدعى «إمبرياليا نوفا»)، نجحت ألكسندرا في ترتيب لقاء مهم.
استخدمت ذكاءها ومهاراتها في اللغة والدبلوماسية لتحصل على دعوة من البروفيسور فيكتور فون هارتمان، كبير علماء المدينة ورئيس الأكاديمية الإمبراطورية للعلوم. كان رجلاً في الستينيات من عمره، نحيفًا، ذا لحية بيضاء مرتبة، ونظارات ذهبية، يشبه العلماء الألمان في القرن التاسع عشر.
التقينا به في مكتبه الضخم داخل برج الأكاديمية المطل على الميدان الكبير. كان المكتب مليئًا بكتب قديمة، نماذج ميكانيكية، وخرائط فلكية.
بعد تبادل التحية الرسمية، نظرت ألكسندرا إليه بعينيها الزرقاوين الثاقبتين وسألته مباشرة:
«بروفيسور فون هارتمان... لماذا يشبه اتحادكم هذا كثيرًا أوروبا في القرن التاسع عشر — بريطانيا، ألمانيا، النمسا-المجر — بينما الجانب الآخر من الاتحاد يشبه روسيا في القرن العشرين؟ هذا التشابه ليس مصادفة. ما السبب؟»
ابتسم البروفيسور ابتسامة غامضة، ثم تنهد بعمق. نظر إلى الباب ليتأكد أنه مغلق، ثم خفض صوته:
«أنتم... لستم من هذا العالم، أليس كذلك؟»
لم تنكر ألكسندرا. أومأت برأسها فقط.
تابع البروفيسور:
«منذ مئتي عام تقريبًا، حدث شيء غريب في كوكبنا. اكتشفنا بقايا حضارة قديمة جدًا... حضارة لم تكن من هذا الكوكب. وجدنا جهازًا عملاقًا تحت الأرض، يُدعى "المرآة الكبرى". عندما فعّلناه... بدأت "الصدى" تحدث.»
«الصدى؟» سألتُ.
«نعم. كأن الكون نفسه... يقلّد أنماطًا من عوالم أخرى. بدأت مجتمعاتنا تتطور بشكل يشبه حضارات أرضية بعيدة. الجانب الإمبراطوري تأثر بأوروبا الاستعمارية في القرن التاسع عشر. أما الجانب الآخر... فتأثر بروسيا السوفييتية في القرن العشرين. كأن المرآة الكبرى تنقل أنماطًا ثقافية وتكنولوجية من أكوان موازية وتزرعها هنا.»
نظرت ألكسندرا إليه بجدية.
«وهل تعلمون أن هذا التشابه قد يكون خطيرًا؟»
«نعلم.» أجاب البروفيسور بصوت منخفض. «لكن الحكومات لا تريد الاعتراف. الإمبراطوريون يرون في ذلك "هبة إلهية"، والشيوعيون يرونه "تطورًا تاريخيًا حتميًا". لكنني... أخشى أن يكون هذا الصدى مقدمة لشيء أكبر. ربما صراع كوني.»
ساد الصمت للحظات. ثم سألت ألكسندرا السؤال الأهم:
«هل يمكننا رؤية "المرآة الكبرى"؟»
ابتسم البروفيسور ابتسامة حزينة.
«هذا صعب جدًا... لكنه ليس مستحيلاً. لكن تحذيري لكما: من يقترب كثيرًا من المرآة... قد يفقد جزءًا من نفسه.»
غادرنا المكتب ونحن غارقان في التفكير. كانت ألكسندرا تمسك يدي بقوة وهي تمشي في الشارع.
«هذا أكبر مما توقعنا.» همست. «هذا الاتحاد ليس مجرد كون موازٍ... بل هو صدى لأكوان أخرى. صدى قد يصبح خطيرًا.»
عدنا إلى الفندق، حيث كان التوأم ينتظرنا مع القطتين. لكن عقولنا كانت مشغولة بالمرآة الكبرى... والسر الذي قد يغير كل شيء.
الفصل الخامس والسبعون: المرآة الكبرى
بعد يومين من اللقاء مع البروفيسور فون هارتمان، حصلنا على إذن سري لزيارة "المرآة الكبرى".
كانت الرحلة طويلة. سافرنا بقطار بخاري فاخر إلى منطقة نائية في شمال الكوكب، حيث تقع المنشأة العلمية السرية تحت جبل شاهق. رافقنا البروفيسور نفسه، وكان متوترًا جدًا.
«قليلون فقط يعرفون بوجودها.» قال لنا في الطريق. «الحكومة تخشى أن يثير اكتشافها فوضى.»
وصلنا إلى قاعدة تحت الأرض ضخمة. بعد تجاوز عدة نقاط حراسة، دخلنا قاعة دائرية هائلة.
كانت المرآة الكبرى موجودة في الوسط — جهاز عملاق دائري قطره أكثر من خمسين مترًا، مصنوع من مادة بلورية سوداء لامعة تشبه المرآة السائلة. كانت ترتجف بلطف، وتعكس صورًا مشوشة ومتغيرة — وجوه، مدن، أعلام، حروب، ومشاهد من عوالم أخرى.
وقفت ألكسندرا أمامها مذهولة. عيناها الزرقاوان انعكستا على سطح المرآة كأنهما جزء منها.
«هذا... ليس جهازًا.» همست. «هذا كائن. أو بقايا كائن.»
اقترب البروفيسور وقال:
«نحن نسميها "الصدى الأول". عندما فعّلناها لأول مرة، بدأت أنماط الحياة على كوكبنا تتغير. الإمبراطوريون تأثروا بأوروبا، والشيوعيون تأثروا بروسيا. كأن المرآة تنقل... أرواح حضارات أخرى.»
مددت ألكسندرا يدها ببطء نحو سطح المرآة. عندما لمسته، اهتز الجهاز بقوة. ظهرت صور سريعة: شوارع موسكو في الثلاثينيات، لندن الفيكتورية، فيينا الإمبراطورية، ووجوه ملايين البشر.
فجأة، شعرت ألكسندرا بشيء. تراجعت خطوة إلى الوراء، وجهها شاحب.
«هناك... وعي.» قالت بصوت مرتجف. «المرآة ليست مجرد أداة. هي تحاول أن تكوّن شيئًا. اتحادًا كونيًا. وهي تستخدم هذه النسخ من أرضنا كـ... قوالب.»
نظر البروفيسور إليها بدهشة.
«هل تقصدين أن كل هذا... مصطنع؟»
«جزئيًا.» أجابت ألكسندرا. «هناك حضارة قديمة استخدمت هذه المرآة كسلاح أو أداة تجربة. والآن... بدأت تعمل من تلقاء نفسها.»
في تلك اللحظة، اهتزت المرآة بشدة. ظهرت صورة واضحة للحظة: أنا وألكسندرا وأولادنا، لكن في نسخ مختلفة، في عوالم أخرى.
تراجعنا جميعًا.
«يجب أن نغلقها.» قلتُ.
«لا يمكن إغلاقها بسهولة.» رد البروفيسور. «لكن يمكن تهدئتها... مؤقتًا.»
غادرنا المنشأة ونحن غارقون في الصدمة. في طريق العودة إلى العاصمة، كانت ألكسندرا صامتة طويلاً، ثم قالت:
«هذا الاتحاد ليس صدفة. هو تجربة. ونحن... قد نكون جزءًا منها.»
عندما عدنا إلى الفندق، احتضنت التوأم بقوة، وقطتيها اللتان كانتا تنتظرانها.
كانت الرحلة قد أصبحت أخطر مما توقعنا.
المرآة الكبرى كانت لا تزال تنبض تحت الأرض... وكأنها تراقبنا.
الفصل السادس والسبعون: سحر العوالم المزدوجة
في الأسابيع التالية، تغير شيء داخلنا.
رغم الخطر الذي شعرنا به من "المرآة الكبرى"، إلا أنني وألكسندرا آنا لورا وجدنا أنفسنا مستمتعين جدًا بهذا العالم الغريب.
كان الاتحاد الجمهوري يجمع بين عالمين نحبهما بجنون:
- الجانب الإمبراطوري — بريطانيا فيكتوريا، ألمانيا القيصرية، النمسا-المجر — عالم تشارلز ديكنز، جول فيرن، ألكسندر دوما، القصور الفخمة، القطارات البخارية، والأدب الرومانسي.
- الجانب الشيوعي — روسيا السوفييتية عبر عقودها — عالم دوستويفسكي، تولستوي، غوركي، ماكسيم، الثورة الصناعية الهائلة، ماركس، لينين، ستالين، خروتشوف، بريجنيف.
استأجرنا بيتًا جميلًا فخمًا في ضاحية هادئة من العاصمة. كان البيت يجمع بين الطراز الفيكتوري والسوفييتي: واجهة حجرية أنيقة، حديقة كبيرة، غرف واسعة مزينة بأثاث خشبي ثقيل، مكتبة ضخمة مليئة بكتب من العالمين، ومطبخ كبير.
كنا نعيش حياة مريحة وممتعة:
- في الصباح، نأخذ التوأم إلى حديقة عامة تشبه حدائق لندن أو موسكو.
- نقرأ لهم قصص ديكنز ودوستويفسكي.
- نشاهد القطارات البخارية تمر، ونسمع أغاني الثورة السوفييتية في الراديو.
- ألكسندرا كانت تقضي وقتًا طويلًا في المكتبات العامة، تقرأ عن تاريخ هذا العالم المركب.
في إحدى الليالي، قالت ألكسندرا وهي مستلقية في حضني:
«أعترف... أنا سعيدة هنا. هذا العالم يجمع بين كل ما أحببته في شبابي — الرومانسية الإمبراطورية والحلم الاشتراكي. كأن الكون صنع لنا هذا المكان.»
قبلتها بلطف وقلت:
«أنا أيضًا. أشعر أنني أعيش داخل رواية ضخمة تجمع ديكنز بدوستويفسكي.»
كان التوأم يستمتعان أيضًا. أحمد الصغير كان مولعًا بالقطارات والآلات، ولورا كانت تحب الفساتين الطويلة والموسيقى الكلاسيكية.
لكن رغم كل هذا الاستمتاع، كانت ألكسندرا لا تنسى مراقبة المرآة الكبرى. كانت تعود إليها سرًا من وقت لآخر، وتعود دائمًا بقلق خفيف.
«التوتر بين الجانبين يزداد.» قالت لي ذات ليلة. «قد لا يدوم هذا السلام طويلاً.»
احتضنتها بقوة تحت البطانية الثقيلة، بينما كان المطر يهطل خارج النافذة على طريقة لندن العتيقة.
«دعينا نستمتع بهذا الزمن ما دام موجودًا.» همستُ.
في تلك الفترة، شعرنا أننا وجدنا نوعًا من الجنة... جنة تجمع بين عالميْن أحببناهما.
لكن الكون، كما نعلم دائمًا، لا يسمح لأحد بالبقاء في الجنة إلى الأبد.
الفصل السابع والسبعون: النسخة المظلمة
كانت الأيام في "إمبرياليا نوفا" تمر بهدوء نسبي، حتى جاء ذلك اليوم.
ذهبت ألكسندرا آنا لورا وحدها إلى المكتبة الكبرى في وسط العاصمة لتبحث عن كتب تاريخية قديمة تتعلق بالمرآة الكبرى. كنتُ مع التوأم في الحديقة، وكانت القطتان تلعبان قربنا.
بعد ساعتين، عادت ألكسندرا إلى المنزل شاحبة الوجه، يدها ترتجف، وعيناها الزرقاوان مليئتان بصدمة عميقة.
«أحمد...» همست بصوت مكسور وهي تغلق باب الغرفة خلفها. «لقد رأيتُها.»
«من؟» سألتُ وأنا أقترب منها.
جلست على الكرسي، وتنهدت بعمق.
«نسخة مني... نسخة مظلمة. شريرة.»
بدأت تحكي:
كانت تقف أمام رفوف الكتب القديمة عندما شعرت بوجود شخص يراقبها. التفتت، فوجدت امرأة تقف على بعد أمتار قليلة.
كانت تشبهها تمامًا — نفس الوجه، نفس الطول، نفس شكل العيون الزرقاء. لكن الاختلاف كان مرعبًا:
- شعرها أسود طويل لكنه مصبوغ بصبغة داكنة جدًا.
- عيناها زرقاوان، لكنهما باردتان، قاسيتان، مليئتان بحقد.
- كانت ترتدي زيًا رسميًا أسود فاخرًا يشبه زي ضابطة رفيعة في الإمبراطورية، مع شارة ذهبية غامضة.
- على شفتيها ابتسامة ساخرة، شريرة.
«أخيرًا... نسخة أخرى مني. النسخة النقية... الضعيفة.»
حاولت ألكسندرا التحدث، لكن النسخة المظلمة استمرت:
«أنا ألكسندرا آنا لورا... لكنني اخترتُ الطريق الصحيح. هنا، أنا مستشارة الإمبراطور، وأسيطر على جزء كبير من هذا الاتحاد. أنا أستخدم المرآة الكبرى لأوسّع نفوذي. أما أنتِ... فأنتِ لا تزالين تلعبين دور الأم والزوجة المخلصة.»
ابتسمت النسخة المظلمة ابتسامة باردة وقالت قبل أن تختفي بين الرفوف:
«سنلتقي مرة أخرى... وسأريكِ كيف يجب أن تكوني أنا الحقيقية.»
انتهت ألكسندرا من روايتها وهي ترتجف. احتضنتها بقوة.
«هي خطر.» همست. «أشعر أنها مرتبطة بالمرآة الكبرى. وأنها تريد... أن تدمر كل ما بنيناه.»
في تلك الليلة، لم ننم كثيرًا. كنا نراقب التوأم ونفكر في الخطر الجديد الذي ظهر فجأة.
النسخة المظلمة من ألكسندرا كانت موجودة هنا... وكانت تبدو أقوى وأشر من أي نسخة واجهناها من قبل.
الفصل الثامن والسبعون: ليلة النسخة المظلمة
في اليوم التالي، تلقت ألكسندرا رسالة سرية.
كانت الرسالة موجزة:
«تعالي وحدك إلى القصر المهجور خارج المدينة. إذا لم تأتِ، سأذهب أنا إلى أولادك. — أنا»
ذهبت ألكسندرا رغم تحذيري. أصرّت أنها يجب أن تواجه نسختها بنفسها.
وصلت إلى القصر المهجور عند الغروب. كان المكان مظلمًا ومهجورًا، مليئًا بتماثيل مكسورة وستائر ممزقة.
وقفت النسخة المظلمة في وسط القاعة الكبرى، ترتدي ثوبًا أسود طويلًا فاخرًا.
«جئتِ.» قالت بابتسامة باردة. «جيد.»
بدأت ألكسندرا المظلمة تتحدث بهدوء، لكن بصوت يحمل سلطة:
«أنتِ ضعيفة. تحبين، وتحمين، وتضحين. أنا اخترتُ القوة. اخترتُ السيطرة.»
ثم رفعت يدها فجأة. شعرت ألكسندرا بطاقة قوية تُثبتها في مكانها. حاولت المقاومة، لكن النسخة المظلمة كانت أقوى.
اقتربت النسخة المظلمة ببطء، ومدت يدها. بدأت تفك أزرار فستان ألكسندرا واحدًا تلو الآخر، ثم سحبته ببطء عن جسدها حتى وقع على الأرض. وقفت ألكسندرا عارية تمامًا، ترتجف من الغضب والإذلال.
«لا...» همست ألكسندرا بصوت مكسور.
لكن النسخة المظلمة لم تتوقف. خلعت ثوبها الأسود ببطء، كاشفة عن جسد مطابق تمامًا لجسد ألكسندرا — نحيل، مشدود، لكنه ينضح شرًا وقوة.
دفعت ألكسندرا إلى الأرض الباردة، ثم استلقت فوقها. فتحت ساقيها بقوة، ووضعت فخذيها بين فخذي ألكسندرا، وبدأت تساحقها بعنف.
«انظري إليّ.» همست النسخة المظلمة بصوت حارق وهي تتحرك بقوة. «هذا ما يجب أن تكوني عليه.»
كانت الحركة عنيفة، سريعة، مليئة بالسيطرة. كانت ألكسندرا تحاول المقاومة، لكن الطاقة كانت تُثبتها. شعرت بجسد نسختها يحتك بجسدها بقوة، الاحتكاك الحار يسبب لها رعشة غير مرغوبة رغم كل شيء.
«توقفي...» بكت ألكسندرا.
لكن النسخة المظلمة ضحكت ضحكة منخفضة واستمرت، تسحقها بإصرار، حتى وصلت إلى ذروتها بصوت انتصاري، ثم تركت ألكسندرا ملقاة على الأرض، مرتجفة، عارية، ومكسورة.
انحنت النسخة المظلمة فوقها وقبلت جبهتها قبلة ساخرة.
«هذه مجرد البداية، حبيبتي. سأعود... وسأجعلكِ مثلي.»
ثم اختفت في الظلام.
عادت ألكسندرا إلى المنزل متأخرًا جدًا، جسدها مرتجف، وعيناها منتفختان من البكاء. عندما رأيتني، انهارت في حضني وبكت بحرقة.
«هي... فعلت بي...» لم تستطع إكمال الجملة.
احتضنتها بقوة، قلبي يتقطع.
كانت النسخة المظلمة قد أعلنت الحرب... بطريقة شخصية وقاسية.
الفصل التاسع والسبعون: غضب أحمد
عندما عادت ألكسندرا إلى المنزل، كانت تبدو كأن روحها قد انكسرت.
دخلت الغرفة مترنحة، شعرها منكوش، ثوبها ممزق في أكثر من مكان، وعيناها منتفختان من البكاء. ما إن رأتني حتى انهارت في حضني، جسدها يرتجف بعنف.
«أحمد...» صوتها مكسور تمامًا. «هي... فعلت بي... رغمًا عني.»
تجمدتُ للحظات. ثم احتضنتها بكل قوتي، يدي ترتعشان على ظهرها.
«ماذا فعلتْ؟» سألتُ بصوت منخفض، لكن الغضب كان يحرق حلقي.
بكت ألكسندرا بحرقة، وروت لي كل شيء بصوت متقطع: كيف استدرجتها، كيف جردتها من ملابسها، كيف سحقتها رغماً عنها، كيف استمتعت النسخة المظلمة بإذلالها.
كل كلمة كانت تطعنني في الصدر مثل خنجر.
لم أغضب هكذا منذ سنوات طويلة.
تركت ألكسندرا تنام في حضني بعد أن غسلتُ جسدها بلطف وألبستها قميص نوم نظيف. بكت طويلاً حتى غلبها التعب. أما أنا، فلم أنم.
جلستُ على حافة السرير أراقبها وهي تنام، وغضبي يتحول إلى شيء أعمق وأخطر.
في الصباح، استيقظت ألكسندرا ووجدتني أقف أمام النافذة، قبضتي مشدودة.
«أحمد...» همست بصوت ضعيف.
التفتُ إليها. عيناي كانتا تحترقان.
«لن أسمح لها بأن تلمسكِ مرة أخرى.» قلتُ بصوت هادئ لكنه يحمل وعيدًا. «سأجد هذه النسخة المظلمة... وسأقتلها بيدي.»
نظرت ألكسندرا إليّ بقلق.
«أحمد... هي قوية. أقوى مما كنتُ أظن.»
اقتربتُ منها، جلست على حافة السرير، وأمسكت وجهها بلطف.
«أنتِ زوجتي. أم أولادي. مليكتي. لا أحد — حتى لو كانت نسخة منكِ — يمسكِ بهذه الطريقة ويبقى حيًا.»
بكت ألكسندرا مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت دموعها مختلفة. احتضنتني بقوة.
«لا تتركني.» همست.
«لن أترككِ أبدًا.» رددتُ وأنا أقبل جبهتها. «لكنني لن أترك هذه النسخة الشريرة تعيش.»
في ذلك اليوم، بدأت أخطط. كنتُ أعرف أنني لستُ قويًا مثل ألكسندرا، لكن غضبي كان أقوى من أي قدرة كونية.
النسخة المظلمة من ألكسندرا قد أعلنت الحرب... وأنا كنتُ مستعدًا للرد.
الفصل الثمانون: خطة أحمد للانتقام
لم أنم تلك الليلة.
جلستُ في غرفة المعيشة المظلمة، أمام المدفأة، بينما كانت ألكسندرا تنام في الغرفة المجاورة بعد أن أعطيتها مهدئًا خفيفًا. كلما أغمضت عينيّ، رأيتُ المشهد الذي روته لي: جسدها العاري، النسخة المظلمة فوقها، الإذلال، الدموع...
كان الغضب يحرقني من الداخل.
في الصباح، عندما استيقظت ألكسندرا، كنتُ قد اتخذت قراري.
«أحمد...» نظرت إليّ بقلق. «ماذا تفعل؟»
وقفتُ أمامها بهدوء مخيف.
«سأقتلها.» قلتُ ببساطة. «ليس فقط لأنها أذتكِ... بل لأنها تجرأت على لمسكِ. على إذلالكِ. هذا لا يُغفر.»
جلست ألكسندرا على حافة السرير، يدها على بطنها.
«هي قوية جدًا. لديها سيطرة على جزء كبير من هذا الاتحاد.»
«أعرف.» ابتسمتُ ابتسامة باردة. «لهذا لن أواجهها وحدي.»
بدأتُ أشرح لها الخطة التي رسمتها طوال الليل:
- الاستطلاع: سنستخدم أجهزة ألكسندرا لمراقبة تحركات النسخة المظلمة. نعرف أين تقيم، من يخدمها، وما هي نقاط ضعفها.
- الإغراء: سنستخدم ألكسندرا كطعم. النسخة المظلمة مهووسة بها. ستأتي إذا شعرت أن "النسخة الضعيفة" تريد مقابلتها مرة أخرى.
- الفخ: سأكون أنا، مع مساعدة التوأم (بقدراتهما الخفيفة)، وأجهزة ألكسندرا، في انتظارها. لن أعطيها فرصة لاستخدام قوتها. سأضرب بسرعة وقسوة.
- الخطة الاحتياطية: إذا فشل كل شيء، سنهرب عبر بوابة زمنية طارئة نُعدّها مسبقًا.
«أنت غاضب جدًا.» همست.
«نعم.» أجبتُ بصدق. «أنا غاضب لدرجة أنني مستعد أن أحرق هذا العالم كله إذا لزم الأمر لأحميكِ.»
احتضنتني بقوة، ووضعت رأسها على صدري.
«لا تمت.» قالت بصوت خافت. «لا تتركني أنا والأولاد.»
«لن أموت.» قبلت شعرها. «سأعود إليكِ... بعد أن أنهي هذا.»
في الأيام التالية، بدأنا التحضير بهدوء.
ألكسندرا كانت تتابع تحركات نسختها المظلمة. أما أنا، فكنت أعدّ الأسلحة والفخاخ بمساعدة بعض الأجهزة التي أحضرناها.
كنت أعرف أنني لستُ بطلًا خارقًا. لكنني كنتُ زوجًا غاضبًا... وأبًا يحمي عائلته.
والغضب، أحيانًا، يكون أقوى من أي قدرة كونية.
الفصل الحادي والثمانون: الانتقام
كانت الخطة جاهزة.
بعد ثلاثة أيام من التحضير الدقيق، أرسلت ألكسندرا رسالة إلى نسختها المظلمة، تطلب لقاءً سريًا في القصر المهجور نفسه. كتبت فيها: «أريد أن أفهمكِ. تعالي وحدك.»
جاءت النسخة المظلمة.
دخلت القاعة الكبرى بثقة، مرتدية ثوبها الأسود الفاخر، ابتسامتها الساخرة على وجهها. لكنها لم تكن تعلم أنني كنتُ مختبئًا في الظلام، وأن ألكسندرا كانت تنتظر في مكان آمن خارج القصر.
«جئتِ حقًا.» قالت النسخة المظلمة بشماتة. «هل اشتقتِ إليّ؟»
لم أنتظر أكثر.
خرجتُ من الظلام بسرعة، وضربتها بجهاز طاقي صغير أعددناه، مما أفقدها توازنها للحظات. ثم أمسكتها من شعرها بقوة وسحبتها إلى الأرض.
«أنتِ...» حاولت أن تقاوم، لكنني كنتُ أقوى في تلك اللحظة. الغضب كان يعطيني قوة لم أعرفها.
جردتُها من ثوبها الأسود بعنف، ممزقًا إياه، حتى وقفت عارية تمامًا أمامي. كان جسدها مطابقًا تمامًا لجسد ألكسندرا — لكنه الآن كان يرتجف تحت يدي.
«هذا لما فعلتِه بها.» همستُ بصوت مليء بالكراهية.
دفعتها على الأرض الباردة، فتحت ساقيها بعنف، ودخلتها بقوة دون أي رحمة. صرخت النسخة المظلمة من الألم والمفاجأة. كنتُ أتحرك بعنف، أسحقها، أمسك شعرها، أصفع وجهها بقوة مرات عديدة.
«هل أعجبتكِ؟» صاحتُ وأنا أدفع أعمق. «هل شعرتِ بالمتعة عندما أذللتِ زوجتي؟»
كانت تبكي، تحاول المقاومة، لكن الجهاز الطاقي كان يضعف قوتها. صفعتها مرة أخرى، ثم أمسكت عنقها وأكملت بقسوة أكبر.
عندما وصلتُ إلى الذروة، أفرغتُ داخلها بغضب، ثم تركتها ملقاة على الأرض، عارية، ممزقة، ملطخة بالدموع والعار.
انحنتُ فوقها، أمسكت شعرها بقوة، ونظرت في عينيها المذعورتين.
«إذا اقتربتِ من زوجتي أو أولادي مرة أخرى... سأعود وأفعل بكِ أسوأ من هذا. سأدمركِ. هل فهمتِ؟»
بكت النسخة المظلمة، وهي تنظر إليّ بخوف حقيقي لأول مرة.
«...نعم.» همست بصوت مكسور. «لن أقترب... أقسم.»
تركتُها هناك، عارية ومهزومة، وخرجتُ من القصر.
عندما عدتُ إلى ألكسندرا، كانت تنتظرني بقلق. احتضنتها بقوة، ودفنت وجهي في شعرها.
«انتهى.» همستُ. «لن تعود إليكِ مرة أخرى.»
بكت ألكسندرا في حضني، لكن هذه المرة كانت دموع الارتياح.
كنتُ قد انتقمتُ... بطريقة قاسية.
لكنني لم أندم.
الفصل الثاني والثمانون: حوار الظلام
في قصر مظلم آخر على أطراف العاصمة، كانت النسخة المظلمة من ألكسندرا آنا لورا جالسة على الأرض، لا تزال عارية، جسدها يرتجف من الألم والإذلال.
دخل عليها زوجها — توأم أحمد المظلم — رجل طويل القامة، ذو نظرة باردة وقاسية، يشبهني في الملامح لكنه أكثر شراسة ووحشية.
وقف أمامها، ينظر إليها بغضب واضح.
«ماذا فعلتِ؟» صاح بصوت منخفض يحمل تهديدًا. «لماذا ذهبتِ إليها وحدك؟ ولماذا سمحتِ له أن يفعل بكِ هذا؟»
رفعت النسخة المظلمة رأسها ببطء. كانت عيناها الزرقاوان لا تزالان تحملان بريق الشر، لكنها كانت متعبة ومكسورة.
«لأنها جميلة.» قالت بصوت هادئ. «النسخة النقية مني... كانت جميلة جدًا. أردتُها. اشتهيتُ جسدها. أردتُ أن أذلها، أن أشعر بقوتي عليها.»
سخر زوجها ضاحكًا بمرارة.
«وكيف انتهى الأمر؟ نسختي — ذلك الأحمق — اغتصبكِ انتقامًا لها. أذلكِ. صفعكِ. استخدمكِ كما يشاء.»
ابتسمت النسخة المظلمة ابتسامة غريبة، ممزوجة بالألم والمتعة.
«نعم... اغتصبني. كان عنيفًا. صفعني بقوة. أخذني بغضب شديد. لكن...» نظرت إليه بعينين لامعتين. «تلذذتُ به. كان شهيًا. قويًا. مثلك تمامًا... بل أكثر في بعض اللحظات. تظاهرت بالألم والضعف أمامه، لكنني في الداخل... استمتعتُ. استمتعتُ بجسده، وبغضبه، وبكونه ينتقم لتلك النسخة الضعيفة مني.»
اقترب زوجها، أمسك ذقنها بقوة ورفع وجهها.
«أنتِ مجنونة.» همس. «كدتِ تفسدين كل شيء.»
ضحكت ضحكة خافتة، رغم الألم.
«ربما. لكنني أردتُ أن أتذوقه. أردتُ أن أرى إلى أي مدى يمكن أن يصل غضبه من أجلها. وكان... مثيرًا.»
أطلق زوجها تنهيدة طويلة، ثم أجلس بجانبها على الأرض وأحضنها بعنف.
«لن تذهبي إليهم مرة أخرى.» قال بصوت آمر. «هذه المرة سأتعامل أنا معهم. أنتِ... ستبقين هنا تحت عيني.»
ابتسمت النسخة المظلمة ابتسامة خبيثة وهي تستند إلى صدره.
«حسبما تريد... لكنني لن أنسى طعمه. ولا طعمها.»
في الجهة الأخرى من المدينة، كنتُ أنا وألكسندرا نجلس معًا، لا نزال نعاني من آثار ما حدث.
لكننا كنا نعلم أن الحرب لم تنتهِ بعد.
النسخة المظلمة وزوجها... كانا يخططان لشيء أكبر.
الفصل الثالث والثمانون: أسرار الفضاء
مع مرور الأيام في "إمبرياليا نوفا"، اكتشفنا جانبًا مذهلاً آخر من هذا الاتحاد الغريب.
رغم أن نمط حياتهم اليومي كان يجمع بين أجواء القرن التاسع عشر (الفيكتوري والإمبراطوري) والقرن العشرين (السوفييتي)، إلا أنهم كانوا متقدمين جدًا في مجال الفضاء.
في إحدى الليالي، دعانا البروفيسور فون هارتمان إلى مرصد فلكي سري على تلة خارج المدينة. عندما وصلنا، أرانا شيئًا لم نتوقعه.
«انظروا.» قال وهو يشير إلى السماء.
في السماء العلوية، كانت هناك محطات فضائية ضخمة تدور حول الكوكب، ومركبات فضائية تتحرك بينها بسلاسة. كانت السفن تبدو مزيجًا غريبًا: بعضها يشبه السفن البريطانية القديمة مع أشرعة معدنية ومداخن بخارية، وبعضها الآخر يحمل تصميمًا سوفييتيًا ثقيلًا ووظيفيًا.
«لقد سافرنا إلى الفضاء منذ أكثر من مئة وعشرين عامًا.» شرح البروفيسور. «نتنقل بين كواكبنا بسهولة. لدينا مستعمرات على أكثر من سبعة كواكب مأهولة داخل الاتحاد. نستخدم تكنولوجيا متقدمة جدًا في الدفع والملاحة... لكننا اخترنا الحفاظ على نمط حياتنا القديم على سطح الكواكب.»
نظرت ألكسندرا بدهشة.
«يعني أنكم تعيشون كما في القرن التاسع عشر والعشرين... لكنكم تسافرون بين النجوم؟»
«بالضبط.» ابتسم البروفيسور. «نحن نرى أن الحضارة الحقيقية ليست في التخلي عن الماضي، بل في الجمع بين روحه وتقنيات المستقبل.»
أخذنا في جولة داخل المرصد. رأينا صورًا لمحطات فضائية ضخمة، وسفن استكشافية وصلت إلى أطراف النظام الشمسي لهذا الكوكب، وحتى مستعمرات صغيرة على كواكب أخرى داخل الاتحاد.
كان التوأم مفتونين تمامًا. أحمد الصغير سأل بحماس:
«هل يمكننا رؤية السفن عن قرب؟»
ضحك البروفيسور.
«ربما في المستقبل... إذا بقيتم هنا.»
في طريق العودة إلى المنزل، كانت ألكسندرا تفكر بصوت عالٍ:
«هذا يفسر الكثير. تقدمهم التكنولوجي هائل، لكنهم يصرون على العيش بأسلوب قديم. كأنهم يحاولون الحفاظ على الهوية... أو يخفون شيئًا.»
احتضنتها وقلت:
«مهما كان الأمر، علينا أن نكون حذرين. هذا العالم جميل... لكنه مليء بالأسرار.»
تلك الليلة، جلسنا على الشرفة نراقب السماء. كانت السفن الفضائية تمر بين النجوم ببطء، بينما كنا نحن نعيش حياة تجمع بين العصر البطلمي والإمبراطوري-السوفييتي.
كان الاتحاد... أكثر تعقيدًا مما تخيلنا.
الفصل الرابع والثمانون: اندماج في روح القرن التاسع عشر
مع مرور الأسابيع، بدأنا — أنا وألكسندرا — نندمج تدريجيًا في نسيج هذا العالم الفريد.
كنا نرتدي ملابس عصر القرن التاسع عشر بكل فخامة: أنا ببدلات سوداء أنيقة وقبعات عالية، وألكسندرا بفساتين طويلة فاخرة مزينة بالدانتيل والحرير، شعرها مربوطًا بأناقة فيينا أو لندن. كنا نتنقل في شوارع العاصمة كأننا من سكانها الأصليين.
أصبحنا جزءًا من الحياة الثقافية في المدينة. كنا نحضر المحاضرات في الأكاديمية الإمبراطورية، حيث كان المفكرون يجترون ويطورون أفكار هيجل وماركس، يناقشون الديالكتيك والمادية التاريخية بطريقة تجمع بين الفلسفة الألمانية والروح الإمبراطورية.
كانت ألكسندرا مولعة بشكل خاص بالأدب. كانت تقرأ روايات تشارلز ديكنز، فيكتور هوجو، ألكسندر دوما، ليو تولستوي، وفيودور دوستويفسكي بكل شغف. كنا نجلس في المكتبة الكبرى لساعات، نناقش جريمة وعقاب، البؤساء، الحرب والسلام، وأوليفر تويست.
«هذا العالم...» قالت لي ذات مساء ونحن نتمشى على ضفاف نهر صناعي يشبه نهر التيمز، «يأخذ أفضل ما في أوروبا القرن التاسع عشر — الأدب، الفلسفة، العلوم، والفن — ويخلطه مع تقدم تكنولوجي. إنه حلم وكابوس في الوقت نفسه.»
كنتُ أنا أستمتع أكثر بالجانب العلمي والسياسي. كنت أحضر نقاشات حول أفكار داروين، نيتشه، شوبنهاور، وماركس، وأرى كيف يحاول المفكرون هنا تطويرها في سياق إمبراطوري-اشتراكي.
كنا نأخذ التوأم معنا أحيانًا إلى المسارح والمعارض. كان أحمد الصغير يحب قصص جول فيرن عن الرحلات الاستكشافية، بينما لورا كانت مفتونة بقصائد الرومانسية والأوبرا.
في إحدى الليالي، وبعد أن حضرنا عرضًا موسيقيًا لموسيقى بيتهوفن وتشايكوفسكي، عدنا إلى منزلنا المستأجر. جلست ألكسندرا بجانبي على الأريكة، ترتدي فستانها الفيكتوري الأنيق، وقالت بابتسامة:
«أشعر أنني ولدت لهذا العالم. كل ما أحببته في شبابي — الأدب، الفلسفة، التاريخ — موجود هنا، لكنه حي ويتنفس.»
احتضنتها وقبلتها بلطف.
«وأنا أيضًا. لكن علينا ألا ننسى... أننا لسنا هنا إلى الأبد.»
نظرت إليّ بعينين زرقاوين مليئتين بالحنين.
«أعرف. لكن دعنا نستمتع بهذا الزمن ما دام موجودًا.»
كانت حياتنا في هذا الكوكب قد أصبحت مزيجًا ساحرًا بين الرومانسية الإمبراطورية والعمق الفكري السوفييتي. كنا نعيش داخل رواية ضخمة مكتوبة بأقلام ديكنز ودوستويفسكي وماركس معًا.
لكن تحت هذا السحر... كان التوتر بين الجمهوريات الإمبراطورية والشيوعية يزداد يومًا بعد يوم.
الفصل الخامس والثمانون: سقوط في نهر الزمن
كان اليوم هادئًا في "إمبرياليا نوفا"، حتى جاءت الضربة.
كنا أنا وألكسندرا نتمشى في حديقة عامة كبيرة قرب منزلنا المستأجر، نتحدث عن رواية جديدة لتولستوي كنا نقرأها معًا. التوأم كانا في المنزل مع مربية موثوقة، والقطتان تلعبان قربنا.
فجأة، ظهرت النسخة المظلمة من ألكسندرا أمامنا، برفقة زوجها — النسخة المظلمة مني — الذي كان يبتسم ابتسامة باردة.
لم نتمكن من المقاومة.
ضربت النسخة المظلمة ألكسندرا على رأسها بجهاز طاقي خفي بقوة، فسقطت فورًا. حاولتُ الدفاع عنها، لكن زوجها المظلم ضربني بقوة أكبر على الرأس.
شعرت بدوار شديد... ثم فقدت الوعي تمامًا.
عندما استيقظنا، كنا في قاعة المرآة الكبرى تحت الأرض.
كانت أجسادنا مربوطة بسلاسل طاقية. النسخة المظلمة من ألكسندرا كانت تقف أمامنا، مبتسمة ابتسامة انتصار شرير.
«أخيرًا.» قالت بصوت هادئ. «الآن ستنتهي قصتكما النقية.»
حاولتُ الكلام، لكن رأسي كان يؤلمني بشدة. ألكسندرا كانت شبه فاقدة الوعي بجانبي.
اقتربت النسخة المظلمة، أمسكت شعر ألكسندرا، ثم صفعتني أنا بقوة.
«ستنسوان كل شيء.» همست. «ستسقطان في نهر الزمن... ولن تعودا أبدًا.»
ثم ألقتنا — أنا وألكسندرا — معًا نحو قلب المرآة الكبرى.
شعرنا بقوة هائلة تسحبنا. كانت المرآة تتفتح كفم عملاق، وداخلها نهر زمني متلاطم من الضوء والظلام.
سقطنا فيه.
كان السقوط مرعبًا. رأينا عشرات الذكريات تمر أمامنا بسرعة: لقاؤنا الأول، عبور البوابة، ولادة التوأم، المعارك، الحب... ثم بدأ كل شيء يتلاشى.
فقدنا الذاكرة تدريجيًا.
ألكسندرا نظرت إليّ بآخر نظرة واعية، عيناها الزرقاوان مليئتان بالخوف والحب، ثم غرقت في النهر الزمني.
أنا أيضًا غرقت.
في مكان آخر، في زمن آخر، في كون آخر... سقطنا.
لا نعرف من نحن.
لا نعرف ماضينا.
فقط... شعور غامض بالفقدان.
والنسخة المظلمة كانت تقف فوق المرآة، تضحك ضحكة انتصار.
«الآن... العالم ملكي.»
الفصل السادس والثمانون: تجميد الزمن وانفصال المصائر
بعد أن ألقت النسخة المظلمة أنا وألكسندرا في قلب المرآة الكبرى، لم تكتفِ بذلك.
عادت إلى منزلنا في "إمبرياليا نوفا" بسرعة، برفقة زوجها المظلم. كان التوأم — أحمد ريتشارد ولورا كريستينا — يلعبان في الحديقة، والقطتان لونا وسيلفا تنامان قربهما.
وقفت النسخة المظلمة أمامهم، ابتسامتها شريرة وباردة.
«لا داعي للخوف.» قالت بصوت هادئ. «سأحفظكم... إلى حين.»
رفعت يدها، وأطلقت طاقة زرقاء داكنة. تجمد التوأم فجأة في مكانهما — أجسادهما تحولت إلى تماثيل زجاجية شفافة، عيونهما مفتوحة، لكنهما لا يتحركان. كذلك تجمدت القطتان لونا وسيلفا في مكانهما، كأنهما منحوتتان من الرخام.
«هكذا.» همست النسخة المظلمة بارتياح. «ستبقون هكذا... إلى أن أقرر ما أفعل بكم.»
ثم نظرت إلى زوجها وقالت:
«دعنا نراقب ما سيحدث لنسختي الضعيفة وزوجها.»
في الوقت نفسه، داخل نهر الزمن:
سقط أحمد في عصر الطولونيين (القرن التاسع الميلادي، عصر أحمد بن طولون في مصر).
استيقظ في شوارع الفسطاط، مذهولاً، لا يتذكر شيئًا تقريبًا. كان يرتدي ملابس غريبة، ولا يعرف من هو أو من أين أتى. فقط شعور غامض بالفقدان.
أما ألكسندرا، فسقطت في عصر المماليك (القرن الثالث عشر - الرابع عشر الميلادي).
استيقظت في أسواق القاهرة المملوكية، محاطة بجنود وتجار، وهي لا تتذكر اسمها أو ماضيها. كانت عيناها الزرقاوان تثيران الدهشة والشكوك بين الناس.
انفصل مصيرهما تمامًا.
لم يعودا يتذكران بعضهما البعض.
لم يعودا يتذكران أولادهما.
كانا الآن ضائعين في زمنين مختلفين، في عصرين بعيدين عن بعضهما... بينما أولادهما وقطتاهما مجمدون في عالم آخر.
والنسخة المظلمة كانت تراقب كل شيء بابتسامة انتصار.
الفصل السابع والثمانون: سوق الجواري في الفسطاط
استيقظت ألكسندرا آنا لورا في سوق الفسطاط المزدحم، عصر المماليك، في القرن الرابع عشر الميلادي.
كانت تقف بجانب منصة بيع الجواري، عارية القدمين، ملابسها ممزقة وغريبة، شعرها الأسود الطويل منكوش. الناس ينظرون إليها بدهشة كبيرة — عيونها الزرقاء اللامعة كانت شيئًا نادرًا جدًا في ذلك الزمن.
اقترب منها تاجر النخاسة — رجل سمين، ذو لحية خفيفة، يرتدي جلبابًا فاخرًا — وأمسك ذراعها بقوة.
«من أنتِ يا جارية؟» سألها بصوت خشن. «ومن سيدكِ؟»
نظرت إليه ألكسندرا بعينين فارغتين. كانت تعرف اللغة العربية جيدًا، وتعرف عشرات اللغات الأخرى، لكن ذاكرتها كانت فارغة تمامًا. لم تتذكر اسمها، ولا من أين أتت، ولا حتى وجه أحمد أو أولادها.
لم تجب.
ابتسم التاجر ابتسامة واسعة، كاشفًا عن أسنان صفراء.
«الا تعلمين يا لسعدى؟ هذه جارية فاتنة نادرة! عيون زرقاء كالسماء! سأبيعها بثمن محترم جدًا!»
سحبها بقوة إلى منصته، وأمر خادمه بتغيير ملابسها. خلعوا عنها ما تبقى من ثوبها، وألبسوها ثوب حريري أحمر شفافًا، قصيرًا، يكشف عن منحنيات جسدها النحيل. كانت تبدو كجارية أجنبية فاتنة من بلاد بعيدة.
بدأ التاجر ينادي بصوت عالٍ:
«جارية نادرة! عيون زرقاء! بشرة ناعمة كالحرير! من أرض الروم أو أبعد! من يبدأ المزايدة؟»
تجمع حوله رجال كثيرون — تجار، ضباط، أثرياء. بدأوا يعاينونها: يلمسون ذراعها، يرفعون شعرها، ينظرون إلى عينيها. كانوا يعرضون أسعارًا، لكن التاجر كان يرفضها جميعًا.
«هذا قليل! هذه ليست جارية عادية! هذه تحفة!»
فجأة، اقترب شاب وسيم جدًا.
كان ابن شهبندر التجار — شاب في أواخر العشرينيات، حليق الوجه، شعر أسود ناعم، عيون سوداء عميقة، بشرة بيضاء ناعمة. كان يرتدي ملابس فاخرة، ويبدو أنه من مواليد شهر سبتمبر (برج العذراء)، مثل أحمد تمامًا.
توقف أمام ألكسندرا، ونظر إليها طويلاً. بدت عيناه مليئتين بالإعجاب والرغبة.
أما ألكسندرا، رغم فقدان ذاكرتها، فقد شعرت بشيء غريب عندما نظر إليها. كان وجهه يبعث فيها شعورًا بالأمان والجذب في الوقت نفسه.
ابتسم الشاب ابتسامة هادئة، ثم نظر إلى التاجر وقال بصوت واثق:
«أنا آخذها. قل الثمن الذي تريده... وسأدفعه.»
اتسعت عينا التاجر فرحًا.
«يا سيدي... هذه صفقة العمر!»
دفع الشاب الثمن الباهظ دون تردد، ثم أمسك يد ألكسندرا بلطف.
«تعالي معي.» قال بهدوء. «ستكونين آمنة.»
تبعته ألكسندرا بصمت، عيناها الزرقاوان تنظران إليه بفضول عميق... وكأن قلبها يتذكر شيئًا لا تستطيع عقله أن يفهمه.
في الوقت نفسه، في عصر آخر... كان أحمد يستيقظ في الفسطاط الطولوني، تائهًا تمامًا.
كان الاثنان قد افترقا... في الزمن والمكان.
الفصل الثامن والثمانون: فتنة ناهد
وصلت ألكسندرا إلى قصر ابن الشهبندر — أحد أكبر التجار في الفسطاط — وهي لا تزال في حالة ذهول تام.
كان القصر فخمًا جدًا، مزينًا بالرخام والخشب المحفور، والستائر الحريرية. استقبلها الفتى الوسيم بلطف، لكنه كان ينظر إليها بنظرة واضحة مليئة بالرغبة.
«خذوها إلى الحمام.» أمر الوصيفات. «اغسلنها، زيّنها، وألبسوها أجمل ما عندكن.»
أخذت الوصيفات ألكسندرا إلى حمام القصر الداخلي. كان حمامًا فاخرًا جدًا، مليئًا بالبخار والعطور والماء الدافئ.
خلعن عنها الثوب الحريري الأحمر الذي كانت ترتديه، فظهر جسدها النحيل المشدود، نهداها الكبيران البارزان، خصرها الرشيق، وبشرتها الناعمة. نظرت الوصيفات إليها بدهشة وغيرة خفيفة.
«يا لجمالها...» همست إحداهن.
اغتسلت ألكسندرا في الماء الدافئ، ثم دلكت الوصيفات جسدها بالزيوت العطرية، وصففن شعرها الأسود الطويل، ووضعن الكحل في عينيها الزرقاوين.
عندما خرجت، كانت تبدو كجارية فاتنة من الجنة. ارتدت ثوبًا حريريًا أخضر شفافًا، يبرز منحنيات جسدها بشكل مثير.
دخل عليها الفتى الوسيم (ابن الشهبندر) إلى الغرفة. نظر إليها طويلاً، خاصة إلى نهديها الكبيرين البارزين تحت الثوب الشفاف.
ابتسم ابتسامة راضية وقال بصوت ناعم:
«ما اسمكِ يا جارية؟»
نظرت إليه ألكسندرا بعينين فارغتين، ثم هزت رأسها ببطء.
«لا... لا أتذكر.»
ضحك الفتى ضحكة خفيفة، وهو لا يزال يحدق بنهديها البارزين.
«حسنًا... سأسميكِ أنا. من اليوم فصاعدًا، اسمكِ فتنة ناهد.»
مد يده ولمس ذقنها بلطف، ثم نظر مرة أخرى إلى صدرها وقال بصوت منخفض:
«لأن نهديكِ... هما أجمل ما رأيت في حياتي.»
احمر وجه ألكسندرا (فتنة ناهد) قليلاً، لكنها لم تستطع الرد. كانت ذاكرتها فارغة تمامًا، ولم تفهم إلا أن هذا الشاب الوسيم قد اشتراها... وأنه يريدها.
ابتسم الفتى مرة أخرى، وقال:
«تعالي معي يا ناهد... سأريكِ غرفتكِ الجديدة.»
أمسك يدها بلطف، لكنه بقوة، وأخذها إلى جناحه الخاص.
كانت فتنة ناهد — ألكسندرا الفاقدة للذاكرة — قد بدأت حياة جديدة تمامًا... في قصر ابن الشهبندر.
الفصل التاسع والثمانون: فتنة ناهد
مرت الشهور في قصر محمود بن الشهبندر ببطء، لكنها كانت مليئة بالتغيرات.
أصبحت فتنة ناهد (ألكسندرا آنا لورا) جزءًا أساسيًا من حياة القصر. كانت محمود — الشاب الوسيم، حليق الوجه، أسود الشعر والعيون، أبيض البشرة — يعاملها بمزيج غريب من الشهوانية الشديدة والحنان الرومانسي.
كان يضاجعها باستمرار، وغالباً ما يكون ذلك بعنف لذيذ وشهوة لا تُشبع. يأخذها في غرفته الخاصة، أو في الحمام، أو حتى في الحديقة المغلقة، وكان يتمتع بجسدها بطريقة تجعلها تئن وترتجف. ومع ذلك، كان بعد كل لقاء يعاملها بلطف، يقبل جبهتها، يمسح شعرها، ويهديها هدايا صغيرة.
أما ألكسندرا (فتنة) فكانت منجذبة إليه بشكل غريب وعميق. لم تدرِ لماذا، لكنها كانت تشعر بالراحة والأمان بجانبه. كانت تنظر إليه بإعجاب، وتستمتع بلمسه، وتشتاق إليه عندما يغيب.
تدريجيًا، أصبحت لها حظوة كبيرة في المنزل. لم تعد مجرد جارية، بل أصبحت شبه زوجة. كان محمود يأخذها معه في بعض المناسبات الخاصة داخل القصر، ويسمح لها بالتنقل بحرية نسبية.
ورغم فقدان ذاكرتها، بقيت بعض الصفات فيها:
- أحبّت الموسيقى بشكل كبير. لاحظ محمود ذلك، فجلب لها عودًا جميلاً ونايًا وآلات موسيقية أخرى من عصر المماليك. كانت تعزف عليها في أوقات فراغها، وكان صوتها يملأ أرجاء القصر برقة.
- كانت تحب السباحة أيضًا. فخصص لها محمود حمام سباحة واسعًا ومعزولاً في جزء خاص من الحديقة، وكان يسمح لها بالسباحة فيه كما تشاء. كانت تسبح عارية أحيانًا، فيشاهدها من بعيد بإعجاب وشهوة.
في إحدى الليالي، بعد أن ضاجعها محمود بحرارة شديدة، استلقى بجانبها، يمسح شعرها بلطف وقال:
«أنتِ لستِ جارية عادية يا ناهد. أنتِ شيء آخر... أنتِ ملكة سقطت من السماء.»
نظرت إليه ألكسندرا بعينين زرقاوين مليئتين بحنان غامض، ولم تجب. كانت تشعر أن هناك فراغًا كبيرًا داخلها، لكن وجود محمود كان يملأ جزءًا منه.
كانت حياتها الجديدة كـ"فتنة ناهد" مليئة بالرفاهية والشهوة والحنان... لكنها كانت تفتقد شيئًا لا تستطيع تذكره.
شيئًا اسمه أحمد.
في الوقت نفسه، في عصر آخر... كان أحمد يحاول أن يجد مكانه في زمن الطولونيين.
لكن هذا موضوع آخر...
الفصل التسعون: أحمد في عصر الطولونيين (النسخة المصححة)
في الوقت نفسه، في عصر الطولونيين (القرن التاسع الميلادي، عصر أحمد بن طولون في مصر)، سقط أحمد في أحد شوارع الفسطاط.
كان فاقد الذاكرة تمامًا.
لم يتذكر اسمه، ولا من أين أتى، ولا وجه ألكسندرا، ولا أولاده. كان يشعر فقط بفراغ كبير داخل صدره، وتعب شديد.
مشى في الأسواق على غير هدى، ينظر إلى الناس والمباني والأزياء الغريبة حوله بدهشة. كان يرتدي ملابس ممزقة غير مألوفة في ذلك العصر، مما جعل الناس ينظرون إليه باستغراب وشك.
استمر في التجول لساعات حتى أنهكه التعب والجوع. جلس على جانب الطريق قرب منزل كبير، ثم استسلم للنوم على الأرض.
استيقظ على صوت رجل يزعق فيه:
«قم يا ولد! من أنت؟ وماذا أتا بك إلى هنا؟ هذا ليس مكانًا للنوم!»
نظر أحمد إليه بعينين فارغتين. حاول أن يتكلم، لكنه لم يجد الكلمات. لم يعرف ماذا يقول.
«لا... لا أعرف.» همس بصوت ضعيف.
كان الرجل يهم بالطرد له، لكن فجأة...
وقفت امرأة على باب المنزل المجاور.
كانت أرملة ثرية جميلة جدًا، في أواخر العشرينيات أو أوائل الثلاثينيات. وجهها يشبه جانفى كابور إلى حد التطابق تقريبًا: بشرة فاتحة ناعمة، شعر أسود طويل لامع، عيون داكنة واسعة، وملامح جذابة وأنثوية قوية.
كانت ترتدي ثوبًا أسود فاخرًا يليق بأرملة ذات مكانة. وقفت تنظر إلى أحمد طويلاً، عيناها مثبتتان عليه بشدة غير طبيعية.
منذ أن رأته نائمًا على جانب الطريق، انجذبت إليه انجذابًا قويًا وغريبًا. كان وجهه، رغم التعب والغبار، يبعث في قلبها شعورًا بالألفة والرغبة.
أشارت إلى خادمها وقالت بهدوء:
«اذهب واستدعه. قل له إن السيدة تريد أن تتحدث معه.»
ذهب الخادم، وأحضر أحمد إليها.
وقف أحمد أمامها، مرتبكًا ومرهقًا. نظرت إليه الأرملة طويلاً، ثم ابتسمت ابتسامة ناعمة وقالت بصوت رقيق:
«تعالَ إلى الداخل... تبدو متعبًا. سأعطيكَ طعامًا ومكانًا تنام فيه.»
دخل أحمد المنزل الكبير، لا يعرف أن هذه المرأة التي تشبه جانفى كابور ستغير مصيره في هذا العصر.
الفصل الحادي والتسعون: منزل الأرملة
دخل أحمد المنزل الكبير في الفسطاط الطولونية، وهو لا يزال في حالة ذهول تام.
كان المنزل فخمًا بمعايير ذلك العصر: أرضيات رخامية، ستائر حريرية، وأثاث خشبي مزخرف. الجو كان يفوح برائحة البخور والورد.
وقفت الأرملة أمامه، تنظر إليه باهتمام شديد. كانت جميلة بشكل لافت — بشرتها فاتحة ناعمة، شعرها أسود طويل لامع، وعيناها داكنتين واسعتين. كانت تشبه جانفى كابور إلى درجة كبيرة، مما جعل أحمد يشعر بشيء غامض داخل صدره، وكأن قلبه يتذكر شيئًا لا يستطيع عقله الوصول إليه.
«اجلس.» قالت بصوت ناعم ولطيف. «تبدو جائعًا ومتعبًا.»
جلس أحمد على وسادة كبيرة. أحضرت له الخادمات طعامًا — خبزًا طازجًا، لحمًا مشويًا، فواكه، وعصيرًا. أكل بشهية، بينما كانت الأرملة تراقبه بصمت.
بعد أن انتهى، سألته بهدوء:
«ما اسمك؟»
هز أحمد رأسه ببطء.
«لا... لا أتذكر.»
ابتسمت الأرملة ابتسامة حزينة خفيفة.
«لا بأس. كلنا نفقد أشياء أحيانًا. سأسميك... أحمد، فهو اسم شائع وجميل.»
نظر إليها أحمد، وشعر بدفء غريب. كانت معاملتها لطيفة، ونظرة عينيها تحمل شيئًا أعمق من مجرد الفضول.
خصصت له غرفة صغيرة في منزلها، وأعطته ملابس نظيفة. في الأيام التالية، بدأ يساعدها في بعض أمور المنزل — يحمل الأشياء الثقيلة، يساعد في الحديقة، ويستمع إليها وهي تتحدث عن زوجها المتوفى وعن حياتها.
كانت الأرملة تنجذب إليه بشكل واضح. كانت تنظر إليه طويلاً عندما يعمل، وتبتسم له بطريقة خاصة. أما أحمد، فكان يشعر بالراحة بجانبها، وكأن وجودها يملأ جزءًا من الفراغ الذي يعاني منه.
في إحدى الليالي، وبعد أن أنهى عملاً في الحديقة، دعته إلى غرفتها ليتناول العشاء معها. كانت ترتدي ثوبًا أنيقًا، وشعرها منسدلًا.
«أنت مختلف عن الرجال هنا.» قالت له بلطف. «عيناك... فيهما شيء بعيد.»
لم يجب أحمد، لكنه ابتسم ابتسامة خفيفة.
بدأت علاقتهما تتطور تدريجيًا. كانت الأرملة حنونة معه، تعطيه مكانة خاصة في المنزل، وتتحدث معه لساعات طويلة. وهو، رغم فقدان ذاكرته، كان ينجذب إليها أيضًا.
لكن في أعماقه، كان هناك شعور غامض بالفقدان... كأن هناك شخصًا آخر ينتظره في مكان بعيد جدًا.
في الوقت نفسه، في عصر المماليك... كانت فتنة ناهد (ألكسندرا) تعيش حياة مختلفة تمامًا مع محمود بن الشهبندر.
كان الاثنان قد افترقا في الزمن... وكل منهما بدأ يبني حياة جديدة دون أن يتذكر الآخر.
الفصل الثاني والتسعون: ظلال الأرملة
مرت الأسابيع في منزل الأرملة بهدوء نسبي، لكن العلاقة بين أحمد والأرملة كانت تتطور ببطء وثبات.
كانت تُدعى ليلى بنت الحسين، أرملة تاجر ثري توفي منذ سنتين. كانت تعيش وحدها في القصر الكبير، وليس لها أولاد. مع مرور الوقت، أصبح أحمد ينام في غرفة أقرب إليها، ويجلس معها لساعات طويلة في المساء.
كانت ليلى حنونة معه، لكن شهوانيتها كانت واضحة. في بعض الليالي، كانت تدعوه إلى غرفتها، وكان يقضي معها ليالٍ طويلة. كانت علاقتهما جسدية وحميمة، لكنها كانت تحتوي أيضًا على حنان حقيقي. كانت تلامس وجهه بلطف، وتتحدث معه عن أحلامها وعن وحدتها.
أما أحمد، فكان يشعر بالراحة بجانبها. رغم فقدان ذاكرته، كان ينجذب إليها بقوة. كان يرى في عينيها شيئًا مألوفًا، وكأن روحه تتذكر شيئًا لا يستطيع عقله الإمساك به.
في أحد الأيام، جاءت أختها لزيارة ليلى.
كانت الأخت تُدعى نورا، وكانت تشبه الممثلة نورا أخت بوسي (علوية قدري) إلى حد التطابق تقريبًا: جمالها الشرقي اللافت، جسمها الممتلئ بطريقة مثيرة، شعرها الأسود الطويل، وعيناها الداكنتين الواسعتين التي تحملان بريقًا مغريًا.
دخلت نورا المنزل بثقة، وما إن رأت أحمد حتى توقفت للحظات. نظرت إليه بنظرة فاحصة ومستغربة، ثم ابتسمت ابتسامة جانبية.
«من هذا الشاب الوسيم الذي يعيش معكِ يا أختي؟» سألت ليلى بلهجة مرحة لكن فيها فضول واضح.
ابتسمت ليلى وقالت:
«هو... أحمد. وجدته على جانب الطريق. لا يتذكر شيئًا عن ماضيه. قررت أن أعتني به.»
نظرت نورا إلى أحمد مرة أخرى، وعيناها تتفحصانه من الأعلى إلى الأسفل. كان واضحًا أنها انجذبت إليه بشدة.
في الأيام التالية، أصبحت نورا تزور أختها بانتظام أكثر من المعتاد. كانت تجلس مع أحمد، تتحدث معه، تضحك، وتلمسه بلطف من حين لآخر — على ذراعه أو كتفه.
كانت ليلى تلاحظ ذلك، لكنها لم تغضب. بل بدت مستمتعة بالتوتر الخفيف الذي يخلقه وجود أختها.
في إحدى الليالي، وبعد أن انسحبت ليلى للنوم مبكرًا، بقيت نورا مع أحمد في الصالة. اقتربت منه، ووضعت يدها على صدره، وقالت بصوت منخفض:
«أختي محظوظة... أن يكون لها رجل مثلك.»
نظر إليها أحمد، شعر بجذب قوي نحوها، لكنه لم يتحرك.
كانت حياته في عصر الطولونيين مليئة بالغموض والجاذبية... وكأن القدر يعيد ترتيب أجزاء من ماضيه المفقود بطريقة غريبة.
في الوقت نفسه، في عصر المماليك... كانت فتنة ناهد (ألكسندرا) تعيش حياة مختلفة تمامًا مع محمود.
كان الاثنان قد افترقا في الزمن... وكل منهما كان يبني حياة جديدة دون أن يتذكر الآخر.
الفصل الثالث والتسعون: لهيب علوية
مع مرور الأسابيع، أصبحت زيارات علوية قدرى إلى منزل أختها أكثر تكرارًا وأطول مدة.
كانت علوية مطلقة منذ سنة تقريبًا، وكانت تعيش حياة حرة نسبيًا مقارنة بمعايير ذلك العصر. كانت امرأة جريئة، ذكية، ومغرية، وكانت نظراتها إلى أحمد لا تخفي رغبتها الواضحة.
في البداية، كانت تكتفي بالحديث معه في حضور أختها. لكن تدريجيًا بدأت تلتقي به على انفراد — في الحديقة، أو في الصالة عندما تكون ليلى مشغولة.
كانت تجلس قريبًا منه، تضع يدها على ذراعه، وتنظر إليه بعينين مليئتين بالرغبة. كانت تتحدث معه بصوت ناعم، تسأله عن ذكرياته المفقودة، وتبتسم عندما يقول إنه لا يتذكر شيئًا.
ذات مساء، وبينما كانت ليلى نائمة مبكرًا، جلست علوية مع أحمد في الشرفة المطلة على الحديقة. كان القمر يضيء وجهها، فبدت أكثر جمالاً.
اقتربت منه حتى أصبحت وجوههما قريبة، ثم همست بصوت دافئ:
«أنتَ مختلف عن كل الرجال الذين عرفتهم... هناك شيء في عينيكَ يجذبني.»
لم يرد أحمد بالكلام. شعر بجذب قوي نحوها. مدّت علوية يدها ولمست وجهه بلطف، ثم قبلته قبلة طويلة، عميقة، مليئة بالشهوة.
كانت قبلتها مختلفة عن قبلات أختها — أكثر جرأة وجوعًا. سرعان ما أصبحت القبلة أكثر حرارة. أخذته علوية إلى إحدى الغرف الجانبية، وهناك استسلم أحمد لرغبتها.
كانت علاقتهما جسدية قوية ومباشرة. كانت علوية امرأة شغوفة، تعرف ما تريده، وكانت تأخذه بجرأة. كان أحمد يستجيب لها بحرارة، رغم الشعور الغامض بالذنب تجاه ليلى.
في الأيام التالية، أصبحت علاقته مع علوية سرية لكنها مكثفة. كانت تأتي إليه عندما تكون أختها مشغولة، وكانا يقضيان وقتًا طويلاً معًا في الخفاء.
كانت علوية تتحدث معه بصراحة:
«أختي تحبك... لكنني أريده أيضًا. وأنت... أرى في عينيكَ أنك تريدني.»
لم ينكر أحمد. كان منجذبًا إليها بشدة، وكأن وجودها يملأ فراغًا داخليًا لا يستطيع تفسيره.
أما ليلى، فكانت تشك في الأمر، لكنها لم تواجههما. كانت تبدو مستمتعة بالوضع بطريقة غريبة، كأنها تقبل مشاركة أختها في هذا الرجل الغامض الذي ظهر فجأة في حياتها.
كانت حياة أحمد في عصر الطولونيين مليئة بالغموض والشهوة... وكأن القدر يعيد ترتيب أجزاء من حياته بطريقة معقدة.
الفصل الرابع والتسعون: ملل فتنة ناهد
مرت الأشهر، وأصبحت فتنة ناهد (ألكسندرا آنا لورا) تعيش حياة مترفة داخل قصر محمود بن الشهبندر.
كان محمود يغدق عليها بالهدايا: فساتين حريرية فاخرة، مجوهرات ذهبية، عطور نادرة، وكل ما تتمناه. كان لها حمام سباحة خاص واسع، وأدوات موسيقية متنوعة تعزف عليها كلما شاءت. كان يعاملها كملكة داخل قصره.
لكن رغم كل هذا، بدأت فتنة ناهد تشعر بـملل شديد لا تستطيع تفسيره.
كانت تشعر بفراغ داخلي غريب. كأن شيئًا مهمًا ناقصًا في حياتها. رغم حنان محمود وشهوانيته، ورغم الرفاهية التي تعيشها، كانت تشعر أنها تريد شيئًا أكثر حرية وطفولية.
في إحدى الليالي، قررت أن تفعل شيئًا لم يكن محمود يوافق عليه.
تسللت من القصر في وقت متأخر، ارتدت ثوبًا خفيفًا جدًا، وذهبت إلى ضفاف النيل في منطقة نائية بعيدة عن أعين الناس. خلعت الثوب، وبقيت شبه عارية أو عارية تمامًا، حافية القدمين، وسبحت في مياه النيل تحت ضوء القمر كطفلة حرة.
كانت تضحك وتلعب في الماء، تسبح بقوة، وتستمتع بالشعور بالحرية. كانت تشعر أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يخفف عنها الملل.
عندما عادت في الصباح، كان محمود ينتظرها غاضبًا وقلقًا.
«ماذا فعلتِ؟!» قال بصوت منخفض لكنه حاد. «إذا رآكِ أحد... ستكون فضيحة كبيرة! امرأة مثلك تسبح عارية في النيل!»
نظرت إليه فتنة ناهد بعينين متعبة، وقالت بصدق:
«كنتُ أشعر بالاختناق... أحتاج إلى الحرية.»
حاول محمود أن يمنعها، لكنها كانت تصر. كانت تتسلل مرارًا وتكرارًا إلى النيل في الأماكن النائية، وكانت تستمتع بهذه اللحظات كثيرًا.
بدأت تظهر أعراض الحمل على ليلى وعلى علوية معًا.
كان الاثنان — ليلى وعلوية — حاملين من أحمد.
شعرتا بالذعر. كانت الفضيحة ستكون كارثية إذا اكتشف الناس أن الأختين حاملتان من الرجل نفسه.
اجتمعتا سرًا وقررتا خطة:
- ليلى ستتزوج أحمد رسميًا (كزوجة ثانية أو أولى حسب الظروف).
- علوية ستختبئ تمامًا عن أعين الناس طوال فترة الحمل.
- بعد الولادة، سترضع علوية طفلها مع *** أختها، ويُربى الطفلان على أنهما ابنا ليلى وأحمد، وليس لعلوية.
نظر أحمد إليهما بدهشة عندما أخبرتاه بالقرار، لكنه لم يعترض. كان يشعر بالمسؤولية تجاههما.
وبينما كانت فتنة ناهد تتسلل إلى النيل لتلهو كطفلة... كانت حياة أحمد في عصر الطولونيين تتعقد بطريقة أخرى تمامًا.
الفصل الخامس والتسعون: دموع فتنة ناهد
بعد ولادة الولدين (ابن ليلى وابن علوية) بأشهر قليلة، بدأت فتنة ناهد (ألكسندرا آنا لورا) تشعر بتغيرات غريبة في جسدها.
بدأت تتقيأ في الصباح، وشعرت بدوار مستمر، وتورمت نهداها، وأصبح بطنها ينتفخ تدريجيًا.
كانت حاملاً.
عندما أدركت ذلك، انهارت تمامًا.
جلست في غرفتها تبكي بحرقة شديدة، دموعها لا تتوقف. كانت تشعر بضيق نفسى حاد واكتئاب عميق لا تستطيع تفسيره. كانت تكره الحمل، تكره الطفل الذي ينمو داخلها، وتريد التخلص منه بأي وسيلة ممكنة.
كانت هي نفسها مستغربة من مشاعرها. لم تفهم لماذا تشعر بهذا الرفض الشديد، لماذا يملأها الخوف والغضب والحزن في الوقت نفسه.
حاولت مرارًا أن تجد طريقة للإجهاض — أعشاب، أدوية، أو حتى إيذاء نفسها — لكن محمود اكتشف الأمر.
دخل عليها غاضبًا، صفعها بقوة على وجهها، ثم أمسكها من شعرها.
«ماذا تفعلين؟!» صاح في وجهها. «هذا طفلي! لن تتخلصي منه!»
ربطها محمود في الغرفة، وقيّد يديها ورجليها بلطف لكنه بحزم. أمر الوصيفات بمراقبتها ليل نهار، ومنع عنها أي شيء قد تستخدمه للإجهاض.
«ستبقين هنا حتى تلدين.» قال لها بصوت بارد. «وبعد ذلك... سآخذ الطفل منكِ. لن تكوني أمه.»
بكت فتنة ناهد بشدة، وهي مربوطة على السرير. كانت تبكي لأسباب لا تفهمها. كانت تشعر أن هناك شيئًا خاطئًا جدًا، كأن روحها ترفض هذا الحمل رفضًا عميقًا.
كان محمود يزورها يوميًا، يطعمها، يراقبها، وأحيانًا يضاجعها رغم حالتها، لكنه كان مصرًا على أن يحتفظ بالطفل.
كانت فتنة ناهد تعيش في سجنها الذهبي، حاملة ***ًا لا تريده، وتبكي دون أن تعرف السبب الحقيقي وراء دموعها.
في أعماقها المفقودة، كانت روحها تتذكر أولادها الحقيقيين... لكن عقلها لم يعد قادرًا على استرجاع الذكرى.
الفصل السادس والتسعون: ولادة الظلام
مرت الأشهر، وولدت ليلى ثم علوية كل منهما ولدًا.
كان أحمد ينظر إلى الولدين ببرود غريب. لم يفرح بهما كما ينبغي. كان يشعر بفراغ داخلي عميق، وكأن شيئًا ما يخبره أن هذين الطفلين ليسا "طفليه الحقيقيين".
رغم ذلك، استمر في علاقته الحميمية الساخنة مع ليلى وعلوية. كان يضاجعهما بانتظام، أحيانًا معًا، بشهوة قوية، لكنه كان يفعل ذلك دون سعادة حقيقية أو ارتباط عاطفي عميق.
أما ليلى وعلوية، فقد كن سعيدتين جدًا بالولدين. كانتا ترضعانهما، ترعيانهما، وتنظران إليهما كأنهما نور حياتهما. كانتا تتنافسان في حبهما للطفلين، وكانتا فخورتين بأنهما أنجبتا من أحمد.
جاءها المخاض فجأة وبقوة. ولدت توأمين: ولدًا وبنتًا.
كانت الولادة صعبة ومؤلمة. بعد أن وضعتهما، نظرت إليهما وهي مستلقية على السرير، ثم انفجرت بالبكاء. ازداد اكتئابها بشكل حاد جدًا. كانت تنظر إلى الطفلين وتشعر برفض عميق لا تستطيع تفسيره. كانت تبكي ليلاً ونهارًا، وتتوسل إلى محمود أن يأخذهما بعيدًا عنها.
في إحدى الليالي، وبينما كانت لا تزال في حالة النفاس، هربت من القصر.
هربت حافية، مرتدية ثوبًا خفيفًا فقط، وهي في حالة ضعف شديد. مشت في الشوارع والأزقة، وكادت تموت بحمى النفاس الشديدة.
عثر عليها نطاسي عجوز ماهر (طبيب شعبي) في إحدى الأزقة النائية. كان رجلاً طيبًا، أخذها إلى كوخه البسيط، وعالجها لأسابيع طويلة. كان يداويها بالأعشاب والمراهم والعناية المستمرة حتى تعافت تدريجيًا.
أما محمود، فقد احتفظ بالولد والبنت، ورباهما كابنيه. حاول البحث عن فتنة ناهد في كل مكان، لكنه لم يجدها. أرسل الرجال، ودفع المكافآت، لكنه لم يعثر لها على أثر.
كانت فتنة ناهد قد اختفت في أزقة الفسطاط... تائهة، فاقدة الذاكرة، ومكسورة القلب دون أن تعرف السبب.
كان الجميع قد افترقوا في الزمن... وكل منهم كان يحاول أن يعيش رغم الفراغ الكبير داخل روحه.
الفصل السابع والتسعون: أبوة النطاسي
مكثت فتنة ناهد (ألكسندرا آنا لورا) عند النطاسي العجوز لأشهر طويلة.
كان الرجل يُدعى عبد الرحمن بن يوسف، طبيب شعبي ماهر في الستينيات من عمره، ذو لحية بيضاء طويلة، وعينين طيبتين مليئتين بالحكمة. كان يعيش في كوخ بسيط لكنه نظيف في حارة هادئة من الفسطاط.
منذ اليوم الأول، عاملها كأب حنون. كان يداويها بحرص شديد، يغير الضمادات، يعد لها الأعشاب المقوية، ويطعمها بيديه عندما كانت ضعيفة جدًا. كان يجلس إلى جانبها لساعات، يحكي لها قصص الأنبياء والصالحين، أو يغني لها أناشيد دينية بصوت هادئ ليهدئ من روعها.
رغم فقدان ذاكرتها، شعرت فتنة ناهد معه بحنان أبوي غامر لم تشعر به من قبل. كانت تبكي في حضنه كطفلة صغيرة، وكان هو يمسح دموعها بلطف ويقول:
«لا تخافي يا بنيتي... أنا هنا. لن أترككِ.»
اعتبرها بالفعل ابنته. سماها «ناهدة» (بدل فتنة ناهد) لأنه أحب الاسم، وكان يناديها به بحنان. كان يعلمها بعض أمور الطب الشعبي، ويأخذها معه عندما يخرج لعلاج المرضى في الحارة، فيشعرها بقيمة الحياة رغم قسوتها.
كانت ألكسندرا (ناهدة) تشعر بالأمان الحقيقي لأول مرة منذ سقوطها في هذا العصر. كانت تنام وهي تمسك يده، وتصحو وهي تبحث عنه بعينيها.
ذات ليلة، وبينما كانت تجلس بجانبه أمام نار صغيرة، قالت له بصوت خافت:
«أشعر أنك... أبي. لا أتذكر أبي الحقيقي... لكنني أشعر أنك هو.»
ابتسم العجوز بدموع في عينيه، وضمها إلى صدره وقال:
«وأنتِ ابنتي يا ناهدة. من اليوم فصاعدًا، أنتِ ابنتي. ولن أسمح لأحد أن يؤذيكِ مرة أخرى.»
كانت هذه العلاقة الأبوية الدافئة هي ما ساعدها على التعافي النفسي تدريجيًا، رغم استمرار الفراغ الكبير داخل قلبها.
أما محمود بن الشهبندر، فقد كان لا يزال يبحث عنها بكل الطرق، لكنه لم يصل إليها بعد.
كان الجميع قد افترقوا في الزمن... وكل منهم كان يحاول أن يجد طريقه في غياب الذاكرة والحب الحقيقي.